يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)
أخرج ابن المبارك وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان من طريق داود بن صالح قال : قال أبو سلمة بن عبد الرحمن : تدري في أي شيء نزلت هذه الآية { اصبروا وصابروا ورابطوا } ؟ قلت : لا . قال : سمعت أبا هريرة يقول : لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ولكن انتظار الصلاة بعد الصلاة .
وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : أقبل عليَّ أبو هريرة يوماً فقال : أتدري يا ابن أخي فيم أنزلت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا } ؟ قلت : لا . قال : أما إنه لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابطون فيه ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد يصلون الصلاة في مواقيتها ، ثم يذكرون الله فيها فعليهم أنزلت { اصبروا } أي على الصلوات الخمس { وصابروا } أنفسكم وهواكم { ورابطوا } في مساجدكم { واتقوا الله } فيما علمكم { لعلكم تفلحون } .
وأخرج ابن مردويه عن أبي أيوب قال : وقف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال « هل لكم إلى ما يمحو الله تعالى به الذنوب ويعظم به الأجر؟ فقلنا : نعم يا رسول الله قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة . قال : وهو قول الله { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا } فذلكم هو الرباط في المساجد » .
وأخرج ابن جرير وابن حبان عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب؟ قلنا : بلى يا رسول الله . قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط » .
وأخرج ابن جرير من حديث علي . مثله .
وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط . فذلكم الرباط . فذلكم الرباط » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي غسان قال : إن هذه الآية إنما أنزلت في لزوم المساجد { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في الآية قال : أمرهم أن يصبروا على دينهم ولا يدعوه لشدة ، ولا رخاء ، ولا سراء ، ولا ضراء . وأمرهم أن يصابروا الكفار ، وأن يرابطوا المشركين .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي في الآية قال : اصبروا على دينكم ، وصابروا الوعد الذي وعدتكم ، ورابطوا عدوّي وعدوكم حتى يترك دينه لدينكم ، واتقوا الله فيما بيني وبينكم ، لعلكم تفلحون غداً إذا لقيتموني .(3/25)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال : اصبروا على طاعة الله ، وصابروا أهل الضلالة ، ورابطوا في سبيل الله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن زيد بن أسلم في الآية قال : اصبروا على الجهاد ، وصابروا عدوكم ، ورابطوا على دينكم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : اصبروا عند المصيبة ، وصابروا على الصلوات ، ورابطوا : جاهدوا في سبيل الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال : اصبروا على الفرائض ، وصابروا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الموطن ، ورابطوا فيما أمركم ونهاكم .
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في الآية قال : اصبروا على طاعة الله ، وصابروا أعداء الله ، ورابطوا في سبيل الله . وأخرج أبو نعيم عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « { يا أيها الذين آمنوا اصبروا . . } على الصلوات الخمس ، وصابروا على قتال عدوّكم بالسيف ، ورابطوا في سبيل الله لعلكم تفلحون » .
وأخرج مالك وابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن زيد بن أسلم قال : كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعاً من الروم وما يتخوّف منهم ، فكتب إليه عمر : أما بعد فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من شدة يجعل الله بعدها فرجاً ، وإنه لن يغلب عسر يسرين ، وإن الله يقول في كتابه { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } .
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والبيهقي في الشعب عن سهل بن سعد . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها » .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن فضالة بن عبيد : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول « كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ، ويأمن فتنة القبر » .
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي والطبراني والبيهقي عن سلمان : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول « رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ، وإن مات فيه جرى عليه عمله الذي كان يعمل ، وأجرى عليه رزقه فأمن الفتان . زاد الطبراني : وبعث يوم القيامة شهيداً » .
وأخرج الطبراني بسند جيد عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال(3/26)
« رباط شهر خير من صيام دهر ، ومن مات مرابطاً في سبيل الله أمنه من الفزع الأكبر ، وغدى عليه برزقه وريح من الجنة ، ويجري عليه أجر المرابط حتى يبعثه الله عز وجل » .
وأخرج الطبراني بسند جيد عن العرباض بن سارية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كل عمل ينقطع عن صاحبه إذا مات إلا المرابط في سبيل الله ، فإنه ينمي له عمله ، ويجري عليه رزقه إلى يوم القيامة » .
وأخرج أحمد بسند جيد عن أبي الدرداء يرفع الحديث قال : من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام أجزأت عنه رباط سنة .
وأخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من مات مرابطاً في سبيل الله أجرى عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل ، وأجرى عليه رزقه ، وأمن من الفتان ، وبعثه الله يوم القيامة آمنا من الفزع » .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة مرفوعاً مثله . وزاد : والمرابط إذا مات في رباطه كتب له أجر عمله إلى يوم القيامة ، وغدى عليه وريح برزقه ، ويزوّج سبعين حوراء ، وقيل له قف اشفع إلى أن يفرغ من الحساب « .
وأخرج الطبراني بسند لا بأس به عن واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » من سن سنة حسنة فله أجرها ما عمل بها في حياته وبعد مماته حتى تترك ، ومن سن سنة سيئة فعليه إثمها حتى تترك ، ومن مات مرابطاً في سبيل الله جرى عليه عمل المرابط حتى يبعث يوم القيامة « .
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند جيد عن أنس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أجر المرابط فقال : » من رابط ليلة حارساً من وراء المسلمين كان له أجر من خلفه ممن صام وصلى « .
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند لا بأس به عن جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : » من رابط يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار سبع خنادق ، كل خندق كسبع سموات وسبع أرضين « .
وأخرج ابن ماجة بسندٍ واهٍ عن أبي بن كعب قال » قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لرباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسباً من غير شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجراً من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسباً من شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجراً من عبادة ألفي سنة صيامها وقيامها ، فإن رده الله الى أهله سالماً لم تكتب له سيئة وتكتب له الحسنات ، ويجري له أجر الرباط إلى يوم القيامة « .(3/27)
وأخرج ابن حبان والبيهقي عن مجاهد عن أبي هريرة . أنه كان في المرابطة ففزعوا وخرجوا إلى الساحل ثم قيل لا بأس فانصرف الناس وأبو هريرة واقف فمر به إنسان فقال : ما يوقفك يا أبا هريرة؟ فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود » .
وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه عن عثمان بن عفان « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل » ولفظ ابن ماجة : « من رابط ليلة في سبيل الله كانت كألف ليلة صيامها وقيامها » .
وأخرج البيهقي عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « إن صلاة المرابط تعدل خمسمائة صلاة ، ونفقة الدينار والدرهم منه أفضل من سبعمائة دينار ينفقه في غيره » .
وأخرج أبو الشيخ في الثواب عن أنس مرفوعاً « الصلاة بأرض الرباط بألفي ألف صلاة » .
وأخرج ابن حبان عن عتبة بن المنذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا انتاط غزوكم ، وكثرت الغرائم ، واستحلت الغنائم ، فخير جهادكم الرباط » .
وأخرج البخاري والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « تعس عبد الدينار ، وعبد الدرهم ، وعبد الخميصة ، وعبد القطيفة . إن أعطي رضي ، وإن لم يعط سخط ، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله ، أشعث رأسه مغبرة قدماه ، إن كان في الحراسة كان في الحراسة ، وإن كان في الساقة كان في الساقة . إن استأذن لم يؤذن له ، وإن شفع لم يشفع » .
وأخرج مسلم والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله ، يطير على متنه كلما سمع هيعة أو قزعة طار على متنه ، يبتغي القتل والموت من مظانه . ورجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف ، أو بطن واد من هذه الأودية ، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ، ليس من الناس إلا في خير » .
وأخرج البيهقي عن أم مبشر تبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال « خير الناس منزلة رجل على متن فرسه يخيف العدو ويخيفونه » .
وأخرج البيهقي عن أبي أمامة قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأن أحرس ثلاث ليال مرابطاً من وراء بيضة المسلمين أحب إليّ من أن تصيبني ليلة القدر في أحد المسجدين . المدينة أو بيت المقدس . »(3/28)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من مات مرابطاً في سبيل الله آمنه الله من فتنة القبر . » وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن المرابط في سبيل الله أعظم أجراً من رجل جمع كعبيه رياد شهر صيامه وقيامه » .
وأخرج البيهقي عن ابن عابد قال « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل ، فلما وضع قال عمر بن الخطاب : لا تصلِّ عليه يا رسول الله فإنه رجل فاجر . فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس قال : هل رآه أحد منكم على الإسلام؟ فقال رجل : نعم يا رسول الله ، حرس ليلة في سبيل الله . فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحثى عليه التراب وقال : أصحابك يظنون أنك من أهل النار ، وأنا أشهد أنك من أهل الجنة . وقال : يا عمر إنك لا تسأل عن أعمال الناس ولكن تسأل عن الفطرة » .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر . أن عمر كان يقول : إن الله بدأ هذا الأمر حين بدأ بنبوّة ورحمة ، ثم يعود إلى ملك ورحمة ، ثم يعود جبرية يتكادمون تكادم الحمير . أيها الناس عليكم بالغزو والجهاد ما كان حلواً خضراً قبل أن يكون مراً عسراً ، ويكون عاماً قبل أن يكون حطاماً ، فإذا انتاطت المغازي ، وأكلت الغنائم ، واستحل الحرام ، فعليكم بالرباط فإنه خير جهادكم .
وأخرج أحمد عن أبي أمامة « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت . رجل مات مرابطاً في سبيل الله ، ورجل علم علماً فأجره يجري عليه ما عمل به ، ورجل أجرى صدقة فأجرها يجري عليه ما جرت عليهم ، ورجل ترك ولداً صالحاً يدعو له » .
وأخرج ابن السني في عمل يوم وليلة وابن مردويه وأبو نعيم وابن عساكر عن أبي هريرة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة » .
وأخرج الدرامي عن عثمان بن عفان قال : من قرأ آخر آل عمران في ليلة كتب له قيام ليلة .(3/29)
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)
أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { خلقكم من نفس واحدة } قال : من آدم { وخلق منها زوجها } قال : خلق حوّاء من قصيراء أضلاعه .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { خلقكم من نفس واحدة } قال : آدم { وخلق منها زوجها } قال : حوّاء من قصيراء آدم وهو نائم فاستيقظ فقال : أأنا . . ؟! بالنبطية امرأة .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عمرو قال خلقت حوّاء من خلف آدم الأيسر ، وخلقت امرأة إبليس من خلفه الأيسر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك { وخلق منها زوجها } قال : خلق حواء من آدم من ضلع الخلف وهو أسفل الأضلاع .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال : خلقت المرأة من الرجل فجعلت نهمتها في الرجال ، فاحبسوا نساءكم . وخلق الرجل من الأرض ، فجعل نهمته في الأرض .
قوله تعالى : { وبث منهما رجالاً } الآية .
أخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال : ولد لآدم أربعون ولداً : عشرون غلاماً ، وعشرون جارية .
وأخرج ابن عساكر عن أرطاة بن المنذر قال : بلغني أن حوّاء حملت بشيث حتى نبتت أسنانه ، وكانت تنظر إلى وجهه من صفاء في بطنها ، وهو الثالث من وِلْد آدم ، وإنه لما حضرها الطلق أخذها عليه شدة شديدة ، فلما وضعته أخذته الملائكة ، فمكث معها أربعين يوماً ، فعلموه الرمز ثم رد إليها .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { واتقوا الله الذي تساءلون به } قال : تعاطون به .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في الآية يقول : اتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { تساءلون به والأرحام } قال : يقول : أسألك بالله وبالرحم .
وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال : هو قول الرجل : أنشدك بالله والرحم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم { تساءلون به والأرحام } خفض . قال : هو قول الرجل : أسألك بالله وبالرحم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن . أنه تلا هذه الآية قال : إذا سئلت بالله فأعطه ، وإذا سئلت بالرحم فأعطه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } يقول : اتقوا الله الذي تساءلون به ، واتقوا الأرحام وصلوها .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله { الذي تساءلون به والأرحام } قال : قال ابن عباس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يقول الله تعالى : صلوا أرحامكم فإنه أبقى لكم في الحياة الدنيا ، وخير لكم في آخرتكم » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول :(3/30)
« اتقوا الله وصلوا الأرحام ، فإنه أبقى لكم في الدنيا ، وخير لكم في الآخرة » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اتقوا الله وصلوا الأرحام » .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك إن ابن عباس كان يقرأ { والأرحام } يقول : اتقوا الله لا تقطعوها .
وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج قال : قال ابن عباس : اتقوا الأرحام .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد { الذي تساءلون به والأرحام } قال : اتقوا الله واتقوا الأرحام أن تقطعوها ، نصب الأرحام .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله { والأرحام } قال : اتقوا الأرحام أن تقطعوها .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد { إن الله كان عليكم رقيباً } قال : حفيظاً .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : رقيباً على أعمالكم ، يعلمها ويعرفها .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة عن ابن مسعود قال : علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الصلاة وخطبة الحاجة . فأما خطبة الصلاة فالتشهد . وأما خطبة الحاجة فإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . ثم يقرأ ثلاث آيات من كتاب الله { اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } [ آل عمران : 102 ] { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً } { اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم } [ الأحزاب : 70 ] ثم تعمد حاجتك .(3/31)
وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2)
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : إن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم ، فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه عنه ، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . فنزلت { وآتوا اليتامى أموالهم } يعني الأوصياء يقول : أعطوا اليتامى أموالهم { ولا تتبدَّلوا الخبيث بالطيب } يقول : لا تتبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم . يقول : لا تبذروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن مجاهد { ولا تتبدَّلوا الخبيث بالطيب } قال : الحرام بالحلال . لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال الذي قدر لك { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } قال : لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم تخلطونها فتأكلونها جميعاً { إنه كان حوباً كبيراً } قال : إثماً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب { ولا تتبدَّلوا الخبيث بالطيب } قال : لا تعط مهزولاً وتأخذ سميناً .
وأخرج ابن جرير عن الزهري . مثله .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم في الآية قال : لا تُعْطِ زائفاً وتأخذ جيداً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل فيها مكانها الشاة المهزولة ، ويقول : شاة بشاة . ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف ، ويقول : درهم بدرهم .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ، ولا يورثون الصغار . يأخذه الأكبر فنصيبه من الخيرات طيب ، وهذا الذي يأخذه خبيث .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } قال : مع أموالكم .
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى ، كرهوا أن يخالطوهم ، وجعل ولي اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله . فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم } قال : فخالطوهم واتقوا .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله { حوباً كبيراً } قال : إثماً عظيماً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس حوباً قال : ظلماً .
وأخرج الطستي في مسائله وابن الأنباري في الوقف والإبتداء والطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { حوباً } قال : إثماً بلغة الحبشة قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول الأعشى الشاعر :
فإني وما كلفتموني من أمركم ... ليعلم من أمسى أعق وأحوبا
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه كان يقرأ حوباً برفع الحاء .
وأخرج عن الحسن أنه كان يقرؤها { حوباً } بنصب الحاء .(3/32)
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)
أخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى } قالت : يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في مالها ويعجبه مالها وجمالها ، فيريد وليها أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها ، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره . فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق ، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن ، وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية . فأنزل الله { ويستفتونك في النساء } [ البقرة : 220 ] قالت عائشة : وقول الله في الآية الأخرى { وترغبون أن تنكحوهن } [ النساء : 127 ] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال . فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله من باقي النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال .
وأخرج البخاري عن عائشة . أن رجلاً كانت له يتيمة فنكحها ، وكان لها عذق فكان يمسكها عليه ، ولم يكن لها من نفسه شيء . فنزلت فيه { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى } أحسبه قال كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عائشة قالت : نزلت هذه الآية في اليتيمة تكون عند الرجل وهي ذات مال ، فلعله ينكحها لمالها وهي لا تعجبه ، ثم يضربها ويسيء صحبتها . فوعظ في ذلك .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال : كان الرجل من قريش يكون عند النسوة ويكون عند الأيتام ، فيذهب ماله فيميل على مال الأيتام . فنزلت هذه الآية { وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى } الآية .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة في الآية قال : كان الرجل يتزوّج الأربع والخمس والست والعشر فيقول الرجل : ما يمنعني أن أتزوّج كما تزوّج فلان! فيأخذ مال يتيمة فيتزوّج به ، فنهوا أن يتزوّجوا فوق الأربع .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال : كان الرجل يتزوج بمال اليتيم ما شاء الله تعالى ، فنهى الله عن ذلك .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : قصر الرجال على أربع نسوة من أجل أموال اليتامى .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم والناس على أمر جاهليتهم إلا أن يؤمروا بشيء وينهوا عنه ، فكانوا يسألون عن اليتامى ولم يكن للنساء عدد ولا ذكر ، فأنزل الله { وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم .(3/33)
. . } الآية . وكان الرجل يتزوج ما شاء فقال : كما تخافون أن لا تعدلوا في اليتامى فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن . فقصرهم على الأربع .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : كانوا في الجاهلية ينكحون عشراً من النساء الأيامى ، وكانوا يعظمون شأن اليتيم ، فتفقدوا من دينهم شأن اليتامى ، وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهلية .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية قال : كما خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى فخافوا أن لا تعدلوا في النساء إذا جمعتموهن عندكم .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في الآية قال : كانوا في الجاهلية لا يرزؤن من مال اليتيم شيئاً وهم ينكحون عشراً من النساء وينكحون نساء آبائهم ، فتفقدوا من دينهم شأن النساء .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق محمد بن أبي موسى الأشعري عن ابن عباس في الآية يقول : فإن خفتم الزنا فانكحوهن يقول : كما خفتم في أموال اليتامى أن لا تقسطوا فيها كذلك فخافوا على أنفسكم ما لم تنكحوا .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية يقول : إن تحرجتم في ولاية اليتامى وأكل أموالهم إيماناً وتصديقاً فكذلك فتحرجوا من الزنا ، وانكحوا النساء نكاحاً طيباً مثنى وثلاث ورباع .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن إدريس قال أعطاني الأسود بن عبد الرحمن بن الأسود مصحف علقمة فقرأت { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } بالألف ، فحدثت به الأعمش فأعجبه ، وكان الأعمش لا يكسرها . لا يقرأ { طيب } بمال ، وهي في بعض المصاحف بالياء { طيب لكم } .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك { ما طاب لكم } قال : ما أحل لكم .
وأخرج ابن جرير عن الحسن وسعيد بن جبير { ما طاب لكم } قال : ما حل لكم .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عائشة { ما طاب لكم } يقول : ما أحللت لكم .
قوله تعالى : { مثنى وثلاث ورباع } .
أخرج الشافعي وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وابن ماجة والنحاس في ناسخه والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر . أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : « اختر منهن » - وفي لفظ - « أمسك أربعا وفارق سائرهن » .
وأخرج ابن أبي شيبة والنحاس في ناسخه عن قيس بن الحارث قال : أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال : « اختر منهن أربعاً وخل سائرهن » ففعلت .
وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين قال : قال عمر : من يعلم ما يحل للمملوك من النساء؟ قال رجل : أنا .(3/34)
امرأتين فسكت .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في سننه عن الحكم قال : أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن المملوك لا يجمع من النساء فوق اثنتين .
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في { فإن خفتم أن ألا تعدلوا } الآية يقول إن خفت أن لا تعدل في أربع فثلاث ، وإلا فاثنتين ، وإلا فواحدة ، فإن خفت أن لا تعدل في واحدة فما ملكت يمينك .
وأخرج ابن جرير عن الربيع . مثله .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك { فإن خفتم ألا تعدلوا } قال في المجامعة والحب .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي { أو ما ملكت أيمانكم } قال : السراري .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { أو ما ملكت أيمانكم } فكانوا في حلال مما ملكت أيمانكم من الإماء كلهن . ثم أنزل الله بعد هذا تحريم نكاح المرأة وأمها ، ونكاح ما نكح الآباء والأبناء ، وأن يجمع بين الأخت والأخت من الرضاعة ، والأم من الرضاعة ، والمرأة لها زوج حرم الله ذلك حر من حرةٍ أو أمة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم { ذلك أدنى ألا تعولوا } قال : أن لا تجوروا قال ابن أبي حاتم : قال أبي : هذا حديث خطأ ، والصحيح عن عائشة موقوف .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله { ألا تعولوا } قال : أن لا تميلوا .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { ذلك أدنى ألا تعولوا } قال : أجدر أن لا تميلوا . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول الشاعر :
إنا تبعنا رسول الله واطرحوا ... قول النبي وعالوا في الموازين
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والمنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { ألا تعولوا } قال : أن لا تميلوا . ثم قال : أما سمعت قول أبي طالب :
بميزان قسط لا تخيس سعيرة ... ووازن صدق وزنه غير عائل
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي إسحق الكوفي قال : كتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه : إني لست بميزان لا أعول .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الرحمن وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { ألا تعولوا } قال : أن لا تميلوا .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي رزين وأبي مالك والضحاك . مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال { ذلك أدنى } أن لا يكثر من تعولوا .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : ذلك أقل لنفقتك . الواحدة أقل من عدد ، وجاريتك أهون نفقة من حرة ، أهون عليك في العيال .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة { ألا تعولوا } قال : أن لا تفتقروا . والله تعالى أعلم .(3/35)
وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)
أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال : كان الرجل إذا زوّج أيمة أخذ صداقها دونها ، فنهاهم الله عن ذلك ونزلت { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } .
وأخرج ابن جرير عن حضرمي أن ناساً كانوا يعطي هذا الرجل أخته ويأخذ أخت الرجل ، ولا يأخذون كبير مهر . فقال الله { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل { وآتوا النساء } يقول : أعطوا النساء { صدقاتهن } يقول : مهورهن .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { نحلة } قال : يعني بالنحلة المهر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة { نحلة } قالت واجبة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جرير { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } قال : فريضة مسماة .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال { النحلة } في كلام الواجب ، يقول : لا تنكحها إلا بشيء واجب لها ، وليس ينبغي لأحد أن ينكح امرأة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا بصداق واجب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { نحلة } قال : فريضة .
وأخرج أحمد عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو أن رجلاً أعطى امرأة صداقاً ملء يديه طعاماً كانت له حلالاً .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن أبي لبيبة عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من استحل بدرهم فقد استحل » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر بن ربيعة « أن رجلاً تزوج على نعلين فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم نكاحه » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم « من نكح امرأة وهو يريد أن يذهب بمهرها فهو عند الله زان يوم القيامة » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة وأم سلمة قالتا : ليس شيء أشد من مهر امرأة وأجر أجير .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { فإن طبن لكم } قال : هي للأزواج .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة { فإن طبن لكم عن شيء منه } قال : من الصداق .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس { فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً } يقول : إذا كان من غير إضرار ولا خديعة فهو هنيء مريء كما قال الله .
وأخرج ابن جرير عن حضرمي ، أن ناساً كانوا يتأثمون أن يراجع أحدهم في شيء مما ساق إلى امرأته فقال الله { فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال : إذا اشتكى أحدكم فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحوها فليشتر بها عسلاً ، وليأخذ من ماء السماء فيجمع هنيئاً مريئاً وشفاء ومباركاً .
وأخرج ابن سعد عن علقمة أنه كان يقول لامرأته : أطعمينا من ذلك الهنيء المريء ، يتأوّل هذه الآية .(3/36)
وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5)
أخرج ابن جرير عن حضرمي . أن رجلاً عمد فدفع ماله إلى امرأته فوضعته في غير الحق فقال الله { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم . . } الآية . يقول : لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك ثم تضطر إلى ما في أيديهم ، ولكن أمسك مالك وأصلحه ، وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقهم ومؤنتهم . قال : وقوله { قياماً } يعني قوامكم من معائشكم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية يقول : لا تسلط السفيه من ولدك على مالك ، وأمره أن يرزقه منه ويكسوه .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس { ولا تؤتوا السفهاء } قال : هم بنوك والنساء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن النساء السفهاء إلا التي أطاعت قيمها » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة { ولا تؤتوا السفهاء } قال : الخدم وهم شياطين الأنس .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود { ولا تؤتوا السفهاء } قال : النساء والصبيان .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في الآية قال : الصغار والنساء هم السفهاء .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال : نهى الرجال أن يعطوا النساء أموالهم وهن سفهاء من كن أزواجاً أو بنات أو أمهات ، وأمروا أن يرزقوهن فيه ويقولوا لهن قولاً معروفاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير { ولا تؤتوا السفهاء } قال : اليتامى والنساء .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } قال : هو مال اليتيم يكون عندك يقول : لا تؤته إياه وأنفق عليه حتى يبلغ .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { ولا تؤتوا السفهاء } قال : هم اليتامى { أموالكم } قال : أموالهم بمنزلة قوله { ولا تقتلوا أنفسكم } [ النساء : 127 ] .
وأخرج ابن جرير عن مورق قال : مرت امرأة بعبد الله بن عمر لها شارة وهيئة فقال لها ابن عمر { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً } .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي موسى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم : رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها ، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد ، ورجل أتى سفيهاً ماله وقد قال الله { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } »(3/37)
وأخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن أبي موسى موقوفاً .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال : أمر الله بهذا المال أن يخزن فتحسن خزانته ، ولا تملكه المرأة السفيهة والغلام .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن في قوله { قياماً } قال : قيام عيشك .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد . أنه قرأ { التي جعل الله لكم قياماً } بالألف يقول : قيام عيشك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك { جعل الله لكم قياماً } قال : عصمة لدينكم ، وقياماً لكم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { وارزقوهم } يقول : أنفقوا عليهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد { وقولوا لهم قولاً معروفاً } قال : أمروا أن يقولوا لهم قولاً معروفاً في البر والصلة .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج { وقولوا لهم قولاً معروفاً } قال : عدة تعدونهم .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد { وقولوا لهم قولاً معروفاً } قال : إن كان ليس من ولدك ولا ممن يجب عليك أن تنفق عليه فقل له قولاً معروفاً ، قل له عافانا الله وإياك وبارك الله فيك .(3/38)
وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس { وابتلوا اليتامى } يعني اختبروا اليتامى عند الحلم { فإن آنستم } عرفتم { منهم رشداً } في حالهم والإصلاح في أموالهم { فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً } يعني تأكل مال اليتيم مبادرة قبل أن يبلغ فتحول بينه وبين ماله .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { وابتلوا اليتامى } قال : عقولهم { حتى إذا بلغوا النكاح } يقول : الحلم { فإن آنستم } قال : أحسستم { منهم رشداً } قال : العقل .
وأخرج ابن جرير عن السدي { وابتلوا اليتامى } قال : جربوا عقولهم { فإن آنستم منهم رشداً } قال : عقولاً وصلاحاً .
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن مقاتل { وابتلوا اليتامى } يعني الأولياء والأوصياء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن قيس { حتى إذا بلغوا النكاح } قال : خمس عشرة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن الحسن { فإن آنستم منهم رشداً } قال : صلاحاً في دينه وحفظاً لماله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { فإن آنستم منهم رشداً } قال : صلاحاً في دينهم وحفظاً لأموالهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : إذا أدرك اليتيم بحلم وعقل ووقار دفع إليه ماله .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال : لا تدفع إلى اليتيم ماله وإن شمط ما لم يؤنس منه رشد .
وأخرج ابن جرير عن الحسن { ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً } ويقول : لا تسرف فيها ولا تبادر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { ولا تأكلوها إسرافاً } يعني في غير حق { وبداراً أن يكبروا } قال : خشية أن يبلغ الحلم فيأخذ ماله .
وأخرج البخاري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عائشة قالت : أنزلت هذه الآية في ولي اليتيم { ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف } بقدر قيامه عليه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والحاكم وصححه من طريق مقسم عن ابن عباس { ومن كان غنياً فليستعفف } قال : بغناه من ماله حتى يستغني عن مال اليتيم لا يصيب منه شيئاً { ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف } قال : يأكل من ماله يقوت على نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم .
وأخرج ابن المنذر من طريق أبي يحيى عن ابن عباس { ومن كان غنياً فليستعفف } قال : يستعف بماله حتى لا يفضي إلى مال اليتيم .
وأخرج ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس { ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف } قال : هو القرض .(3/39)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس { ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف } يعني القرض .
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية قال : ولي اليتيم إن كان غنياً فليستعفف وإن كان فقيراً أخذ من فضل اللبن وأخذ بالقوت لا يجاوزه ، وما يستر عورته من الثياب ، فإن أيسر قضاه ، وإن أعسر فهو في حل .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية يقول : إن كان غنياً فلا يحل له أن يأكل من مال اليتيم شيئاً ، وإن كان فقيراً فليستقرض منه ، فإذا وجد ميسرة فليعطه ما استقرض منه فذلك أكله بالمعروف . وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير والنحاس في ناسخه وابن المنذر والبيهقي في سننه من طرق عن عمر بن الخطاب قال : إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم ، إن استغنيت استعففت وإن احتجت أخذت منه بالمعروف . فإذا أيسرت قضيت .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس في قوله { ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف } قال : إذا احتاج ولي اليتيم وضع يده فأكل من طعامهم ، ولا يلبس منه ثوباً ولا عمامة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس { فليأكل بالمعروف } قال : بأطراف أصابعه الثلاث .
وأخرج ابن المنذر والطبراني عن ابن عباس في الآية قال : يأكل الفقير إذا ولي مال اليتيم بقدر قيامه على ماله ومنفعته له ، وما لم يسرف أو يبذر .
وأخرج مالك وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه عن القاسم بن محمد قال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال : إن في حجري أيتاماً ، وإن لهم إبلاً فماذا يحل لي من ألبانها؟ فقال : إن كنت تبغي ضالتها ، وتهنا جرباها ، وتلوط حوضها ، وتسعى عليها فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب .
وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عمرو أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ليس لي مال ولي يتيم؟ فقال « كل من مال يتيمك غير مسرف ، ولا مبذر ، ولا متأثل مالاً ، ومن غير أن تقي مالك بماله » .
وأخرج ابن حبان عن جابر « أن رجلاً قال يا رسول الله مم أضرب يتيمي؟ قال : مما كنت ضارباً منه ولدك غير واق مالك بماله ، ولا متأثل منه مالاً » .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي شيبة والنحاس في ناسخه عن الحسن العرني « أن رجلاً قال : يا رسول الله مم أضرب يتيمي؟ قال : مما كنت ضارباً منه ولدك قال : فأصيب من ماله؟ قال : بالمعروف غير متأثل مالاً ، ولا واق مالك بماله » .(3/40)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال : ذكر لنا أن عم ثابت بن وداعة - وثابت يومئذ يتيم في حجره من الأنصار - أتى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال « إن ابن أخي يتيم في حجري فماذا يحل لي من ماله؟ قال : أن تأكل من ماله بالمعروف من غير أن تقي مالك بماله ، ولا تأخذ من ماله وفراً . قال : وكان اليتيم يكون له الحائط من النخل فيقوم وليه على صلاحه وسقيه فيصيب من ثمره ، ويكون له الماشية فيقوم وليه على صلاحها ومؤنتها وعلاجها فيصيب من جزازها ورسلها وعوارضها ، فأما رقاب المال فليس لهم أن يأكلوا ولا يستهلكوه » .
وأخرج ابن المنذر عن عطاء قال : خمس في كتاب الله رخصة وليست بعزيمة قوله { ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف } إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل .
وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس { ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف } قال : نسختها { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً . . } [ النساء : 10 ] الآية .
وأخرج أبو داود في ناسخه عن الضحاك . مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن أبي الزناد في الآية قال : كان أبو الزناد يقول : إنما كان ذلك في أهل البدو وأشباههم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن نافع بن أبي نعيم القاري قال : سألت يحيى بن سعيد وربيعة عن قوله { فليأكل بالمعروف } قالا : ذلك في اليتيم ، إن كان فقيراً أنفق عليه بقدر فقره ولم يكن للولي منه شيء .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس { فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم } يقول : إذا دفع إلى اليتيم ماله فليدفعه إليه بالشهود كما أمره الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية يقول للأوصياء : إذا دفعتم إلى اليتامى أموالهم إذا بلغوا الحلم فأشهدوا عليهم بالدفع إليهم أموالهم { وكفى بالله حسيباً } يعني لا شاهد أفضل من الله فيما بينكم وبينهم .
وأخرج ابن جرير عن السدي { وكفى بالله حسيباً } شهيداً .(3/41)
لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7)
أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات ، ولا الصغار الذكور حتى يدركوا . « فمات رجل من الأنصار يقال له أوس بن ثابت وترك ابنتين وابناً صغيراً ، فجاء ابنا عمه وهما عصبته فأخذا ميراثه كله ، فقالت امرأته لهما : تزوجا بهما وكان بهما دمامة فأبيا . فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله توفي أوس وترك ابناً صغيراً وابنتين ، فجاء ابنا عمه خالد وعرفطة فأخذا ميراثه ، فقلت لهما : تزوّجا ابنتيه فأبيا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » ما أدري ما أقول؟ فنزلت { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون . . . } الآية . فأرسل إلى خالد وعرفطة فقال : لا تحركا من الميراث شيئاً ، فإنه قد أنزل عليَّ فيه شيء أخبرت فيه أن للذكر والأنثى نصيباً ، ثم نزل بعد ذلك { ويستفتونك في النساء } [ النساء : 127 ] إلى قوله { عليماً } ثم نزل { يوصيكم الله في أولادكم } [ النساء : 11 ] إلى قوله { والله عليم حليم } فدعا بالميراث فأعطى المرأة الثمن ، وقسم ما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين « » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال : نزلت في أم كلثوم ، وابنة أم كحلة ، أو أم كحة ، وثعلبة بن أوس ، وسويد ، وهم من الأنصار . كان أحدهم زوجها والآخر عم ولدها فقالت : يا رسول الله توفي زوجي وتركني وابنته فلم نورث من ماله فقال عم ولدها : يا رسول الله لا تركب فرساً ، ولا تنكأ عدواً ويكسب عليها ولا تكتسب . فنزلت { للرجال نصيب . . } الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء ولا الولدان الصغار شيئاً ، يجعلون الميراث لذي الأسنان من الرجال . فنزلت { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } إلى قوله { مما قلَّ منه أو كثر } يعني من الميراث { نصيباً } يعني حظاً { مفروضاً } يعني معلوماً .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك { نصيباً مفروضاً } قال : وقفاً معلوماً .(3/42)
وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8)
أخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس { وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين } قال : هي محكمة وليست بمنسوخة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق مقسم عن ابن عباس { وإذا حضر القسمة . . . . } الآية . قال : هي قائمة يعمل بها .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حطان بن عبد الله في هذه الآية قال : قضى بها أبو موسى .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن يحيى بن يعمر قال : ثلاث آيات مدنيات محكمات ضيعهن كثير من الناس { وإذا حضر القسمة } الآية وآية الاستئذان { والذين لم يبلغوا الحلم منكم } [ النور : 58 ] وقوله { إنا خلقناكم من ذكر وأنثى . . } [ الحجرات : 13 ] الآية .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : إن ناساً يزعمون أن هذه الآية نسخت { وإذا حضر القسمة . . } الآية . ولا والله ما نسخت ولكنه مما تهاون به الناس ، هما واليان . وال يرث فذاك الذي يرزق ويكسو ، ووال ليس بوارث فذاك الذي يقول قولاً معروفاً . يقول : إنه مال يتيم وماله فيه شيء .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير والحاكم وصححه من طريق من عكرمة عن ابن عباس { وإذا حضر القسمة أولو القربى } قال : يرضخ لهم ، فإن كان في المال تقصير اعتذر إليهم ، فهو قولاً معروفاً .
وأخرج ابن المنذر عن عمرة ابنة عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر حين قسم ميراث أبيه أمر بشاة فاشتريت من المال ، وبطعام فصنع . فذكرت ذلك لعائشة فقالت : عمل بالكتاب ، هي لم تنسخ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه من طريق علي عن ابن عباس في هذه الآية قال : أمر الله المؤمنين عند قسمة مواريثهم أن يصلوا أرحامهم وأيتامهم ومساكينهم من الوصية إن كان أوصى لهم ، فإن لم يكن لهم وصية وصل إليهم من مواريثهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال : ذلك قبل أن تنزل الفرائض ، فأنزل الله بعد ذلك الفرائض ، فأعطى كل ذي حق حقه ، فجعلت الصدقة فيما سمى المتوفى .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس { وإذا حضر القسمة . . } الآية . قال : نسختها آية الميراث فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك مما قل منه أو كثر .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي وابن أبي مليكة أن أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق والقاسم بن محمد بن أبي بكر أخبراه .(3/43)
أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبد الرحمن وعائشة حية . قالا : فلم يدع في الدار مسكيناً ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه . وتلا { وإذا حضر القسمة . . } الآية . قال القاسم : فذكرت ذلك لابن عباس فقال : ما أصاب ليس ذلك له إنما ذلك للوصية ، وإنما هذه الآية في الوصية يريد الميت أن يوصي لهم .
وأخرج النحاس في ناسخه من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله { وإذا حضر القسمة . . } الآية . قال : نسختها { يوصيكم الله في أولادكم . . } [ النساء : 11 ] الآية .
وأخرج عبد الرزاق وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي عن سعيد بن المسيب في هذه الآية قال : هي منسوخة كانت قبل الفرائض ، كان من ما ترك الرجل من مال أعطى منه اليتيم والفقير والمسكين وذوو القربى إذا حضروا القسمة ، ثم نسخ بعد ذلك نسختها المواريث ، فألحق الله بكل ذي حق حقه ، وصارت الوصية من ماله يوصي بها لذوي قرابته حيث يشاء .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن سعيد بن جبير في الآية قال : إن كانوا كباراً يرضخوا وإن كانوا صغاراً اعتذروا إليهم . فذلك قوله { قولاً معروفاً } .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح في الآية قال : كانوا يرضخون لذوي القرابة حتى نزلت الفرائض .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي مالك قال : نسختها آية الميراث .(3/44)
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { وليخش الذين لو تركوا . . . } الآية . قال : هذا في الرجل يحضر الرجل عند موته فيسمعه يوصي وصية يضر بورثته ، فأمر الله الذي يسمعه أن يتقي الله ويوفقه ويسدده للصواب ، ولينظر لورثته كما يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في الآية قال : يعني الرجل يحضره الموت فيقال له : تصدق من مالك وأعتق وأعط منه في سبيل الله ، فنهوا أن يأمروا بذلك . يعني أن من حضر منكم مريضاً عند الموت فلا يأمره أن ينفق ماله في العتق ، أو في الصدقة ، أو في سبيل الله ، ولكن يأمره أن يبين ماله وما عليه من دين ، ويوصي من ماله لذوي قرابته الذين لا يرثون ، يوصي لهم بالخمس أو الربع . يقول : ليس لأحدكم إذا مات وله ولد ضعاف - يعني صغاراً - أن يتركهم بغير مال فيكونون عيالاً على الناس ، ولا ينبغي لكم أن تأمروه بما لا ترضون به لأنفسكم ولأولادكم ، ولكن قولوا الحق في ذلك .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية يعني بذلك الرجل يموت وله أولاد صغار ضعاف يخاف عليهم العيلة والضيعة ، ويخاف بعده أن لا يحسن إليهم من يليهم يقول : فإن ولي مثل ذريته ضعافاً يتامى فليحسن إليهم ، ولا يأكل أموالهم إسرافاً وبداراً أن يكبروا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : إذا حضر الرجل عند الوصية فليس ينبغي أن يقال : أوص بمالك فإن الله رازق ولدك ، ولكن يقال له : قدم لنفسك واترك لولدك . فذلك القول السديد ، فإن الذي يأمر بهذا يخاف على نفسه العيلة .
وأخرج سعيد بن منصور وآدم والبيهقي عن مجاهد في الآية قال : كان الرجل إذا حضر يقال له : أوص لفلان ، أوص لفلان ، وافعل كذا وافعل كذا حتى يضر ذلك بورثته . فقال الله { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم } قال : لينظروا لورثة هذا كما ينظر هذا لورثة نفسه ، فليتقوا الله ، وليأمروه بالعدل والحق .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم } يعني من بعد موتهم { ذرية ضعافاً } يعني عجزة لا حيلة لهم { خافوا عليهم } يعني على ولد الميت الضيعة كما يخافون على ولد أنفسهم { فليتقوا الله وليقولوا } للميت إذا جلسوا إليه { قولاً سديداً } يعني عدلاً في وصيته فلا يجور .
وأخرج ابن جرير عن الشيباني قال : كنا بالقسطنطينية أيام مسلمة بن عبد الملك وفينا ابن محيريز ، وابن الديلمي ، وهانئ بن كلثوم ، فجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان ، فضقت ذرعاً بما سمعت فقلت لابن الديلمي : يا أبا بشر يودّني أنه لا يولد لي ولد أبداً .(3/45)
فضرب بيده على منكبي وقال : يا ابن أخي لا تفعل ، فإنه ليست من نسمة كتب الله لها أن تخرج من صلب رجل وهي خارجة إن شاء وإن أبى . قال : ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجاك الله منه ، وإن تركت ولدك من بعدك حفظهم الله فيك؟ قلت : بلى . فتلا عليّ هذه الآية { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً . . . } الآية .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : « اتقوا الله في الضعيفين : اليتيم ، والمرأة ، أيتمه ثم أوصى به ، وابتلاه وابتلى به » .(3/46)
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)
أخرج ابن أبي شيبة في مسنده وأبو يعلى والطبراني وابن حبان في صحيحه وابن أبي حاتم عن أبي برزة . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم ناراً . فقيل : يا رسول الله من هم؟ قال : ألم تر أن الله يقول { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً } » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال « حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به قال : نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل ، وقد وكِّل بهم من يأخذ بمشافرهم ، ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار ، فتقذف في في أحدهم حتى تخرج من أسافلهم ولهم خوار وصراخ فقلت : يا جبريل من هؤلاء؟ قال : هؤلاء { الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً } » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : إذا قال الرجل يأكل مال اليتيم ظلماً يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه ومن أذنيه وأنفه وعينيه ، يعرفه من رآه بآكل مال اليتيم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيد الله بن أبي جعفر قال : من أكل مال اليتيم فإنه يؤخذ بمشفره يوم القيامة فيملأ فوه جمراً ، فيقال له : كل كما أكلته في الدنيا ، ثم يدخل السعير الكبرى .
وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في الآية قال : هذه لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم ويأكلون أموالهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله { سعيراً } يعني وقوداً .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال « السعير » واد من فيح في جهنم .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أربع حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيماً : مدمن الخمر ، وآكل ربا ، وآكل مال اليتيم بغير حق ، والعاق لوالديه » .(3/47)
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11)
أخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طرق عن جابر بن عبد الله قال « عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة ماشيين ، فوجدني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئاً ، فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش عليَّ ، فأفقت فقلت : ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } » .
وأخرج عبد بن حميد والحاكم عن جابر قال « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريض فقلت : كيف أقسم مالي بين ولدي؟ فلم يرد علي شيئاً ونزلت { يوصيكم الله في أولادكم } .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة ومسدد والطيالسي وابن أبي عمر وابن منيع وابن أبي أسامة وأبو يعلى وابن أبي حاتم والحاكم وابن حبان والبيهقي في سننه عن جابر قال » جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع ، قتل أبوهما معك في أحد شهيداً ، وأن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً ولا ينكحان إلا ولهما مال فقال : يقضي الله في ذلك . فنزلت آية الميراث { يوصيكم الله في أولادكم . . . } الآية . فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال : أعط ابنتي سعد الثلثين ، وأمهما الثمن ، وما بقي فهو لك « . وأخرج عبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين والأقربين ، فنسخ الله من ذلك ما أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس مع الولد ، وجعل للزوجة الثمن والربع ، وللزوج الشطر والربع .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لما نزلت آية الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين ، كرهها الناس أو بعضهم وقالوا : نعطي المرأة الربع أو الثمن ، ونعطي الإبنة النصف ، ونعطي الغلام الصغير ، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة؟ وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم ، ويعطونه الأكبر فالأكبر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { للذكر مثل حظ الأنثيين } قال : صغيراً أو كبيراً . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ولا الضعفاء من الغلمان ، لا يرث الرجل من والده إلا من أطاق القتال .(3/48)
فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر وترك امرأة له يقال لها : أم كحة . وترك خمس جوار ، فجاءت الورثة فأخذوا ماله ، فشكت أم كحة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله هذه الآية { فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف } ثم قال : في أم كحة { ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن } [ النساء : 12 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { فإن كن نساء } يعني بنات { فوق اثنتين } يعني أكثر من اثنتين ، أو كن اثنتين ليس معهن ذكر { فلهن ثلثا ما ترك } الميت والبقية للعصبة { وإن كانت واحدة } يعني ابنة واحدة فلها النصف ، { ولأبويه } يعني أبوي الميت { لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد } يعني ذكراً كان أوكانتا اثنتين فوق ذلك ولم يكن معهن ذكر ، فإن كان الولد ابنة واحدة فلها نصف المال ثلاثة أسداس وللأب سدس ، ويبقى سدس واحد فيرد ذلك على الأب لأنه هو العصبة { فإن لم يكن له ولد } قال : ذكر ولا أنثى { وورَّثه أبواه فلأمه الثلث } وبقية المال للأب { فإن كان له } يعني للميت { إخوة } قال : أخوان فصاعداً أو أختان أو أخ أو أخت { فلأمه السدس } وما بقي فللأب ، وليس للإخوة مع الأب شيء ، ولكنهم حجبوا الأم عن الثلث { من بعد وصية يوصي بها } فيما بينه وبين الثلث لغير الورثة ولا تجوز وصية لوارث { أو دين } يعني يحرم الميراث للورثة من بعد دين على الميت { فريضة من الله } يعني ما ذكر من قسمة الميراث { إن الله كان عليماً حكيماً } حكم قسمه .
وأخرج الحاكم عن زيد بن ثابت قال : توفي الرجل أو المرأة وترك بنتاً فلها النصف ، فإن كانتا اثنتين فأكثر فلهن الثلثان ، وإن كان معهن ذكر فلا فريضة لأحد منهم ، ويبدأ بأحد إن شركهن بفريضة فيعطى فريضته .
وأخرج سعيد بن منصور والحاكم والبيهقي عن ابن مسعود قال : كان عمر بن الخطاب إذا سلك بنا طريقاً فاتبعناه وجدناه سهلاً ، وإنه سئل عن امرأة وأبوين فقال : للمرأة الربع ، وللأم ثلث ما بقي ، وما بقي فللأب .
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن عكرمة قال : أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج وأبوين فقال زيد : للزوج النصف ، وللأم ثلث ما بقي ، وللأب بقية المال . فأرسل إليه ابن عباس : أفي كتاب الله تجد هذا؟ قال : لا . ولكن أكره أن أفضل أماً على أب . قال : وكان ابن عباس يعطي الأم الثلث من جميع المال .
وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه دخل على عثمان فقال : إن الأخوين لا يردان الأم عن الثلث قال الله { فإن كان له إخوة } فالأخوان ليسا بلسان قومك إخوة ، فقال عثمان : لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي ، ومضى في الأمصار وتوارث به الناس .(3/49)
وأخرج الحاكم والبيهقي في سننه عن زيد بن ثابت أنه كان يحجب الأم بالأخوين فقالوا له : يا أبا سعيد إن الله يقول { فإن كان له إخوة } وأنت تحجبها بأخوين فقال : إن العرب تسمي الأخوين إخوة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } قال : أضروا بالأم ولا يرثون ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث ويحجبها ما فوق ذلك ، وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم من الثلث لأن أباهم يلي نكاحهم والنفقة عليهم دون أمهم .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : السدس الذي حجبته الإخوة الأم لهم إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أمهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن علي قال : إنكم تقرؤون هذه الآية { من بعد وصية يوصي بها أو دين } وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية ، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { من بعد وصية يوصي بها أو دين } قال : يبدأ بالدين قبل الوصية .
وأخرج ابن جرير وابن أبي المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً } يقول : أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة عند الله يوم القيامة ، لأن الله شفع المؤمنين بعضهم في بعض .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { أيهم أقرب لكم نفعاً } قال : في الدنيا .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { أيهم أقرب لكم نفعاً } قال بعضهم : في نفع الآخرة . وقال بعضهم : في نفع الدنيا .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال : الميراث للولد فانتزع الله منه للزوج والوالد .(3/50)
وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { ولكم نصف ما ترك أزواجكم . . } الآية . يقول : للرجل نصف ما تركت امرأته إذا ماتت إن لم يكن لها ولد من زوجها الذي ماتت عنه أو من غيره ، فإن كان لها ولد ذكر أو أنثى فللزوج الربع مما تركت من المال من بعد وصية يوصي بها النساء أو دين عليهن - والدين قبل الوصية فيها تقديم - { ولهن الربع . . . } الآية . يعني للمرأة الربع مما ترك زوجها من الميراث إن لم يكن لزوجها الذي مات عنها ولد منها ولا من غيرها ، فإن كان للرجل ولد ذكر أو أنثى فلها الثمن مما ترك الزوج من المال ، وإن كان رجل أو امرأة يورث كلالة - والكلالة الميت الذي ليس له ولد ولا والد - { فإن كانوا أكثر من ذلك } يعني أكثر من واحد ، إثنين إلى عشرة فصاعداً .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والدرامي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن سعد بن أبي وقاص . أنه كان يقرأ « وإن كان رجل يورث كلالة وله أخ أو أخت من أم » .
وأخرج البيهقي عن الشعبي قال : ما ورث أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الإخوة من الأم مع الجد شيئاً قط .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { وله أخ أو أخت } قال : هؤلاء الإخوة من الأم فهم شركاء في الثلث قال : ذكرهم وأنثاهم فيه سواء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال : قضى عمر بن الخطاب أن ميراث الإخوة من الأم بينهم الذكر فيه مثل الأنثى . قال : ولا أرى عمر بن الخطاب قضى بذلك حتى علمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذه الآية التي قال الله { فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث } .
وأخرج الحاكم عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد في أم وزوج وإخوة لأب ، وأم وإخوة لأم . إن الإخوة من الأب والأم شركاء الإخوة من الأم في ثلثهم وذلك أنهم قالوا : هم بنو أم كلهم ، ولم تزدهم الأم إلا قرباً فهم شركاء في الثلث .
وأخرج الحاكم عن زيد بن ثابت في المشركة قال : هبوا أن أباهم كان حماراً ما زادهم الأب إلا قرباً ، وأشرك بينهم في الثلث .
ذكر الأحاديث الواردة في الفرائض
أخرج الحاكم والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإنه نصف العلم ، وإنه ينسى ، وهو أول ما ينزع من أمتي » .
وأخرج الحاكم والبيهقي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(3/51)
« تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض ، وإن العلم سيقبض ، وتظهر الفتن حتى يختلف الإثنان في الفرائض ، لا يجدان من يقضي بها » .
وأخرج الحاكم عن ابن المسيب قال : كتب عمر إلى أبي موسى : إذا لهوتم فالهوا بالرمي ، وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض .
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال : تعلموا الفرائض ، واللحن ، والسنة ، كما تعلمون القرآن .
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال : تعلموا الفرائض فإنها من دينكم .
وأخرج الحاكم والبيهقي عن ابن مسعود قال : من قرأ منكم القرآن فليتعلم الفرائض ، فإن لقيه أعرابي قال : يا مهاجر أتقرأ القرآن؟ فيقول : نعم . فيقول : وأنا أقرأ . فيقول الأعرابي : أتفرض يا مهاجر؟ فإن قال : نعم . قال : زيادة خير . وإن قال : لا . قال : فما فضلك عليَّ يا مهاجر؟ .
وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال : تعلموا الفرائض ، والحج ، والطلاق ، فإنه من دينكم .
وأخرج الحاكم والبيهقي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أَفْرَضُ أمتي زيد بن ثابت » .
وأخرج البيهقي عن الزهري قال : لولا أن زيد بن ثابت كتب الفرائض لرأيت أنها ستذهب من الناس .
وأخرج سعيد بن منصور وأبو داود في المراسيل والبيهقي عن عطاء بن يسار « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب إلى قباء يستخير في ميراث العمة والخالة . فأنزل الله عليه لا ميراث لهما . وأخرجه الحاكم موصولاً من طريق عطاء عن أبي سعيد الخدري .
وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول : عجباً للعمة تورِث ولا ترث .
وأخرج الحاكم عن قبيصة بن ذؤيب قال : جاءت الجدة إلى أبي بكر فقالت : إن لي حقاً في ابن ابن . أو ابن ابنة لي مات . قال : ما علمت لك حقاً في كتاب الله ، ولا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيئاً ، وسأسأل . فشهد المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس قال : من شهد ذلك معك؟ فشهد محمد بن مسلمة ، فأعطاها أبو بكر السدس .
وأخرج الحاكم عن زيد بن ثابت . أن عمر لما استشارهم في ميراث الجد والإخوة قال زيد : كان رأيي أن الإخوة أولى بالميراث ، وكان عمر يرى يومئذ أن الجد أولى من الإخوة ، فحاورته وضربت له مثلاً ، وضرب علي وابن عباس له مثلاً يومئذ . السيل يضربانه ويصرفانه على نحو تصريف زيد .
وأخرج الحاكم عن عبادة بن الصامت قال : إن من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للجدتين من الميراث السدس بينهما بالسوية .
وأخرج الحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال : أول من أعال الفرائض عمر ، تدافعت عليه وركب بعضها بعضاً ، قال : والله ما أدري كيف أصنع بكم ، والله ما أدري أيكم قدَّم الله ولا أيكم أخَّر ، وما أجد في هذا المال شيئاً أحسن من أن أقسمه عليكم بالحصص .(3/52)
ثم قال ابن عباس : وأيم الله لو قدَّم من قدَّم الله وأخَّر من أخر الله ما عالت فريضته . فقيل له : وأيها قدَّم الله؟ قال : كل فريضة لم يهبطها الله من فريضة إلا إلى فريضة : فهذا ما قدَّم الله ، وكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلا ما بقي فتلك التي أخَّر الله فالذي قدَّم كالزوجين والأم ، والذي أخَّر كالأخوات والبنات . فإذا اجتمع من قدَّم الله وأخرَّ بدئ بمن قدَّم فأعطى حقه كاملاً ، فإن بقي شيء كان لهن وإن لم يبق شيء فلا شيء لهن .
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس قال : أترون الذي أحصى رمل عالج عدداً جعل في المال نصفاً وثلثاً وربعاً ، إنما هو نصفان وثلاثة أثلاث وأربعة أرباع .
وأخرج سعيد بن منصور عن عطاء قال : قلت لابن عباس : إن الناس لا يأخذون بقولي ولا بقولك ، ولو متُّ أنا وأنت ما اقتسموا ميراثاً على ما تقول : قال : فليجتمعوا فلنضع أيدينا على الركن ، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين . ما حكم الله بما قالوا .
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في سننه عن زيد بن ثابت . أنه أول من أعال الفرائض ، وأكثر ما بلغ العول مثل ثلثي رأس الفريضة .
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس . أنه كان يقول : من شاء لاعنته عند الحجر الأسود ، إن الله لم يذكر في القرآن جداً ولا جدة إن هم إلا الآباء ، ثم تلا { واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب } [ يوسف : 38 ] .
وأخرج سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أجرؤكم على قسم الجد أجرؤكم على النار » .
وأخرج عبد الرزاق عن عمر قال : أجرؤكم على جراثيم جهنم أجرؤكم على الجد .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور عن علي قال : من سرَّه أن يتقحَّم جراثيم جهنم فليقض بين الجد والإخوة .
وأخرج مالك والبخاري ومسلم عن أسامة بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر » .
وأخرج سعيد بن منصور عن عبد الله بن مغفل قال : ما أحدث في الإسلام قضاء بعد قضاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعجب إليَّ من قضاء معاوية ، إنا نرثهم ولا يرثونا ، كما أن النكاح يحل لنا فيهم ولا يحلُّ لهم فينا .
وأخرج أبو داود والبيهقي عن ابن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليس للقاتل من الميراث شيء » .
قوله تعالى : { غير مضار } الآية .(3/53)
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار } يعني من غير ضرار لا يقر بحق ليس عليه ولا يوصي بأكثر من الثلث مضار للورثة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { غير مضار } قال : في الميراث لأهله .
وأخرج النسائي وعبد بن حميد وابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس قال : الضرار في الوصية من الكبائر ثم قرأ { غير مضار } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الأضرار في الوصية من الكبائر » .
وأخرج مالك والطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان عن سعد بن أبي وقاص « أنه مرض مرضاً أشفي منه فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقال : يا رسول الله إن لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلا ابنة أفأتصدق بالثلثين؟ قال : لا . قال : فالشطر . . . ؟ قال : لا . قال : فالثلث . . . ؟ قال : الثلث والثلث كثير ، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن جبل قال : إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حياتكم يعني الوصية .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن عباس قال : وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الثلث كثير » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال : ذكر عند عمر الثلث في الوصية قال : الثلث وسط ، لا بخس ولا شطط .
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب قال : لأن أوصي بالخمس أحبُّ إليَّ من أن أوصي بالربع ، ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث ، ومن أوصي بالثلث لم يترك .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال : كانوا يقولون : الذي يوصي بالخمس أفضل من الذي يوصي بالربع ، والذي يوصي بالربع أفضل من الذي يوصي بالثلث .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال : كان يقال : السدس خير من الثلث في الوصية .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر الشعبي قال : من أوصى بوصية لم يحف فيها ولم يضار أحداً كان له من الأجر ما لو تصدق في حياته في صحته .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال : كانوا يكرهون أن يموت الرجل قبل أن يوصي ، قبل أن تنزل المواريث .(3/54)
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { تلك حدود الله } يعني طاعة الله ، يعني المواريث التي سمى . وقوله { ويتعدَّ حدوده } يعني من لم يرض بقسم الله وتعدَّى ما قال .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي { تلك حدود الله } بقول : شروط الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { تلك حدود الله } يعني سنة الله وأمره في قسمة الميراث { ومن يطع الله ورسوله } فيقسم الميراث كما أمره الله { ومن يعص الله ورسوله } قال : يخالف أمره في قسمة المواريث { يدخله ناراً خالداً فيها } يعني من يكفر بقسمة المواريث وهم المنافقون ، كانوا لا يعدون أن للنساء والصبيان الصغار من الميراث نصيباً .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد { ومن يطع الله ورسوله } قال : في شأن المواريث التي ذكر قبل .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { تلك حدود الله } التي حد لخلقه وفرائضه بينهم في الميراث والقسمة ، فانتهوا إليها ولا تعدوها إلى غيرها .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله { ومن يطع الله ورسوله } قال : من يؤمن بهذه الفرائض . وفي قوله { ومن يعص الله ورسوله } قال من لا يؤمن بها .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة واللفظ له والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة » ثم يقول أبو هريرة : اقرأوا إن شئتم { تلك حدود الله } إلى قوله { عذاب مهين } .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وسعيد بن منصور عن سليمان بن موسى قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قطع ميراثاً فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة » .
وأخرج ابن ماجه من وجه آخر عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قطع ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة » .
وأخرج البيهقي في البعث من وجه ثالث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قطع ميراثاً فرضه الله ورسوله قطع الله به ميراثه من الجنة » .
وأخرج الحاكم عن ابن مسعود قال : إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة عدو .(3/55)
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15)
أخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبزار والطبراني من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله { واللاتي يأتين الفاحشة . . . } الآية . قال : كانت المرأة إذا فجرت حبست في البيوت فإن ماتت ماتت ، وإن عاشت عاشت ، حتى نزلت الآية في سورة النور { الزانية والزاني } [ النور : 2 ] فجعل الله لهنَّ سبيلاً ، فمن عمل شيئاً جلد وأرسل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه والبيهقي في سننه من طريق علي عن ابن عباس في الآية قال : كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت ، ثم أنزل الله بعد ذلك { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } [ النور : 2 ] فإن كانا محصنين رجما . فهذا السبيل الذي جعله الله لهما .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم } وقوله { لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } [ الطلاق : 1 ] وقوله { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } [ النساء : 19 ] قال : كان ذكر الفاحشة في هؤلاء الآيات قبل أن تنزل سورة النور بالجلد والرجم ، فإن جاءت اليوم بفاحشة مبينة فإنها تخرج فترجم ، فنسختها هذه الآية { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } [ النور : 2 ] والسبيل الذي جعل الله لهن الجلد والرجم .
وأخرج أبو داود في سننه والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم } إلى قوله { سبيلاً } وذكر الرجل بعد المرأة ثم جمعهما جميعاً فقال { واللذان يأتيانها منكم فآذوهما . . . } [ النساء : 16 ] الآية . ثم نسخ ذلك بآية الجلد فقال : { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } [ النور : 2 ] .
وأخرج آدم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم } يعني الزنا كان أمر أن يحبس ، ثم نسختها { الزانية والزاني فاجلدوا } [ النور : 2 ] .
وأخرج آدم وأبو داود في سننه والبيهقي عن مجاهد قال « السبيل » الحد .
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { واللاتي يأتين الفاحشة . . . } الآية . قال : كان هذا بدء عقوبة الزنا ، كانت المرأة تحبس ويؤذيان جميعاً ، ويعيران بالقول وبالسب . ثم إن الله أنزل بعد ذلك في سورة النور جعل الله لهن سبيلاً ، فصارت السنة فيمن أحصن الرجم بالحجارة ، وفيمن لم يحصن جلد مائة ونفي سنة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والنحاس عن قتادة في الآية قال : نسختها الحدود .
وأخرج البيهقي في سننه عن الحسن في قوله { واللاتي يأتين الفاحشة . . . } الآية . قال : كان أول حدود النساء أن يحبسن في بيوت لهن حتى نزلت الآية التي في النور .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { واللاتي يأتين الفاحشة } يعني الزنا { من نسائكم } يعني المرأة الثيب من المسلمين { فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } يعني من المسلمين الأحرار { فإن شهدوا } يعني بالزنا { فأمسكوهن } يعني احبسوهن { في البيوت } يعني في السجون .(3/56)
وكان هذا في أول الإسلام كانت المرأة إذا شهد عليها أربعة من المسلمين عدول بالزنا حبست في السجن ، فإن كان لها زوج أخذ المهر منها ولكنه ينفق عليها من غير طلاق ، وليس عليها حد ولا يجامعها ، ولكن يحبسها في السجن { حتى يتوفاهن الموت } يعني حتى تموت المرأة وهي على تلك الحال { أو يجعل الله لهن سبيلاً } يعني مخرجاً من الحبس ، والمخرج الحد .
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال : هؤلاء اللاتي قد أنكحن وأحصن إذا زنت المرأة كانت تحبس في البيوت ، ويأخذ زوجها مهرها فهو له . وذلك قوله { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً } [ البقرة : 229 ] { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } الزنا حتى جاءت الحدود فنسختها ، فجلدت ورجمت ، وكان مهرها ميراثاً ، فكان السبيل هو الحد .
وأخرج عبد الرزاق والشافعي والطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والدرامي ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن الجارود والطحاوي وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وابن حبان عن عبادة بن الصامت قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك وترمَّد وجهه . وفي لفظ لابن جرير : يأخذه كهيئة الغشي لما يجد من ثقل ذلك . فأنزل الله عليه ذات يوم ، فلما سري عنه قال : خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً ، الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة ، والبكر جلد مائة ثم نفي سنة » .
وأخرج أحمد عن سلمة بن المحبق قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً ، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم » .
وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال « لما نزلت الفرائض في سورة النساء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » لا حبس بعد سورة النساء « .(3/57)
وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { واللذان يأتيانها منكم . . . } الآية . قال : كان الرجل إذا زنى أوذي بالتعيير وضرب بالنعال . فأنزل الله بعد هذه الآية { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } [ النور : 2 ] وإن كانا غير محصنين رجما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { واللذان يأتيانها منكم } قال : الرجلان الفاعلان .
وأخرج آدم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله { فآذوهما } يعني سبا . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { واللذان } يعني البكرين اللذين لم يحصنا { يأتيانها } يعني الفاحشة وهي الزنا { منكم } يعني من المسلمين { فآذوهما } يعني باللسان ، بالتعيير والكلام القبيح لهما بما عملا ، وليس عليهما حبس لأنهما بكران ولكن يعيران ليتوبا ويندما { فإن تابا } يعني من الفاحشة { وأصلحا } يعني العمل { فأعرضوا عنهما } يعني لا تسمعوهما الأذى بعد التوبة { إن الله كان توابا رحيما } فكان هذا يفعل بالبكر والثيب في أول الإسلام ، ثم نزل حد الزاني فصار الحبس والأذى منسوخا ، نسخته الآية التي في السورة التي يذكر فيها النور { الزانية والزاني . . . } [ النور : 2 ] .
وأخرج ابن جرير عن عطاء { واللذان يأتيانها منكم } قال : الرجل والمرأة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : ثم ذكر الجواري والفتيان الذين لم ينكحوا فقال { واللذان يأتيانها منكم . . . } الآية . فكانت الجارية والفتى إذا زنيا يعنفان ويعيران حتى يتركا ذلك .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك { فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما } قال : عن تعييرهما .(3/58)
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله { إنما التوبة على الله . . . } الآية . قال : هذه للمؤمنين . وفي قوله { وليست التوبة للذين يعملون السيئات . . . } قال : هذه لأهل النفاق { ولا الذين يموتون وهم كفار . . . } قال : هذه لأهل الشرك .
وأخرج ابن جرير عن الربيع قال : نزلت الأولى في المؤمنين ، ونزلت الوسطى في المنافقين ، والأخرى في الكفار .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن أبي العالية « أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون : كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة قال : اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عصي به فهو جهالة ، عمداً كان أو غيره .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن مجاهد في قوله { جهالة } قال : كل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته .
وأخرج ابن جرير من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله { إنما التوبة على الله . . . } الآية . قال : من عمل السوء فهو جاهل من جهالته عمل السوء { ثم يتوبون من قريب } قال : في الحياة والصحة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { ثم يتوبون من قريب } قال { القريب } ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت .
وأخرج ابن جرير عن أبي مجلز قال : لا يزال الرجل في توبة حتى يعاين الملائكة .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن قيس قال { القريب } ما لم تنزل به آية من آيات الله أو ينزل به الموت .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في الشعب عن الضحاك في الآية قال : كل شيء قبل الموت فهو قريب له التوبة ، ما بينه وبين أن يعاين ملك الموت ، فإذا تاب حين ينظر إلى ملك الموت فليس له ذاك .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال : الدنيا كلها قريب ، والمعاصي كلها جهالة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن { ثم يتوبون من قريب } قال : ما لم يغرغر .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر في الآية قال : لو غرغر بها - يعني المشرك بالإسلام - لرجوت له خيراً كثيراً .
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن إبليس لما رأى آدم أجوف قال : وعزتك لا أخرج من جوفه ما دام فيه الروح . فقال الله تبارك وتعالى : وعزتي لا أحول بينه وبين التوبة ما دام الروح فيه » .(3/59)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والبيهقي في البعث عن قتادة قال : كنا عند أنس بن مالك وثم أبو قلابة فحدث أبو قلابة قال : إن الله تعالى لما لعن إبليس سأله النظرة . فأنظره إلى يوم الدين فقال : وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح . قال : وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو يعلى وابن حبان عن أبي سعيد الخدري قال : لا أخبركم إلا ما سمعت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته أذناي ووعاه قلبي « أن عبداً قتل تسعة وتسعين نفساً ثم عرضت له التوبة ، فسأل عن أعلم أهل الأرض ، فدل على رجل فأتاه فقال : إني قتلت تسعة وتسعين نفساً فهل لي من توبة؟ قال بعد قتل تسعة وتسعين نفساً . . . ؟ قال : فانتضى سيفه فقتله فأكمل به مائة . ثم عرضت له التوبة فسأل عن أعلم أهل الأرض ، فدل على رجل فأتاه فقال : إني قتلت مائة نفس فهل لي من توبة؟ فقال : ومن يحول بينك وبين التوبة؟! أخرج من القرية الخبيثة التي أنت فيها إلى القرية الصالحة ، قرية كذا وكذا . . . فاعبد ربك فيها .
فخرج يريد القرية الصالحة فعرض له أجله في الطريق ، فاختصم فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فقال إبليس أنا أولى به ، إنه لم يعصني ساعة قط . فقالت الملائكة : إنه خرج تائباً .
فبعث الله ملكاً فاختصموا إليه فقال : انظروا أي القريتين كانت أقرب إليه فألحقوه بها . فقرب الله منه القرية الصالحة وباعد منه القرية الخبيثة ، فألحقه بأهل القرية الصالحة » .
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه ابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » .
وأخرج البيهقي في الشعب عن رجل من الصحابة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما من إنسان يتوب إلى الله عز وجل قبل أن تغرغر نفسه في شدقه إلا قبل الله توبته » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عمر قال : التوبة مبسوطة للعبد ما لم يسق . ثم قرأ { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن } ثم قال : وهل الحضور إلا السوق .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله { حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن } قال : لا يقبل ذلك منه .
وأخرج ابن المنذر من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله { وليست التوبة للذين يعملون السيئات . . . } الآية .(3/60)
قال هم أهل الشرك .
وأخرج ابن جرير من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله { وليست التوبة للذين يعملون السيئات . . . } الآية . قال هم أهل الشرك .
وأخرج ابن جرير من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن } فليس لهذا عند الله توبة { ولا الذين يموتون وهم كفار } أولئك أبعد من التوبة .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { وليست التوبة } الآية . قال : فأنزل الله بعد ذلك { إن الله لا يغفر أن يُشرَك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ النساء : 48 ] فحرم الله المغفرة على من مات وهو كافر ، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم من المغفرة .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عمرو قال : ما من ذنب مما يعمل بين السماء والأرض يتوب منه العبد قبل أن يموت إلا تاب الله عليه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال : كان يقال : التوبة مبسوطة ما لم يؤخذ بكظمه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عمرو قال : من تاب قبل موته بفواق تيب عليه . قيل : ألم يقل الله { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن . . . } فقال : إنما أحدثك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج أحمد والبخاري في التاريخ والحاكم وابن مردويه عن أبي ذرّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله يقبل توبة عبده . أو يغفر لعبده ما لم يقع الحجاب . قيل : وما وقوع الحجاب؟ قال : تخرج النفس وهي مشركة » .(3/61)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)
أخرج البخاري وأبو داود والنسائي والبيهقي في سننه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً } قال : كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته ، إن شاء بعضهم تزوّجها ، وإن شاؤوا زوجوها ، وإن شاؤوا لم يزوّجوها فهم أحق بها من أهلها . فنزلت هذه الآية في ذلك .
وأخرج أبو داود من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال : كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها ، فاحكم الله عن ذلك . أي نهى عن ذلك .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في هذه الآية قال : كان الرجل إذا مات وترك جارية ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها من الناس ، فإن كانت جميلة تزوجها ، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها . وهي قوله { ولا تعضلوهن } يعني لا تقهروهن { لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } يعني الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضر بها لتفتدي .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس قال : كان الرجل إذا مات أبوه أو حميمه كان أحق بامرأة الميت ، إن شاء أمسكها أو يحبسها حتى تفتدي منه بصداقها ، أو تموت فيذهب بمالها . قال عطاء بن أبي رباح : وكان أهل الجاهلية إذا هلك الرجل فترك امرأة ، يحبسها أهله على الصبي تكون فيهم ، فنزلت { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً } .
وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال : لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوّج امرأته - وكان لهم ذلك في الجاهلية - فأنزل الله { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال : نزلت هذه الآية في كبشة ابنة معن بن عاصم أبي الأوس ، كانت عند أبي قيس بن الأسلت فتوفي عنها فجنح عليها ابنه ، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تُرِكْتُ فَأُنْكَحَ . فنزلت هذه الآية .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس أن رجالاً من أهل المدينة كان إذا مات حميم أحدهم ألقى ثوبه على امرأته فورث نكاحها فلم ينكحها أحد غيره ، وحبسها عنده لتفتدي منه بفدية . فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك قال : كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها جاء وليُّه فألقى عليها ثوباً ، فإن كان له ابن صغير أو أخ حبسها عليه حتى يشب أو تموت فيرثها ، فإن هي انفلتت فأتت أهلها ولم يلق عليها ثوباً نجت .(3/62)
فأنزل الله { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً } .
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير عن الزهري في الآية قال : نزلت في ناس من الأنصار كانوا إذا مات الرجل منهم فأملك الناس بامرأته وليه ، فيمسكها حتى تموت فيرثها . فنزلت فيهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال : كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله ، فكان يعضلها حتى يتزوّجها أو يزوجها من أراد ، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها ، ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها . فنهى الله المؤمنين عن ذلك .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن عبد الرحمن بن السلماني في قوله { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن } قال : نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية ، والأخرى في أمر الإسلام قال ابن المبارك { أن ترثوا النساء كرهاً } في الجاهلية { ولا تعضلوهن } في الإسلام .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله { ولا تعضلوهن } قال : لا تضر بامرأتك لتفتدي منك .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد { ولا تعضلوهن } يعني أن ينكحن أزواجهن ، كالعضل في سورة البقرة .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : كان العضل في قريش بمكة ، ينكح الرجل المرأة الشريفة فلعلها لا توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه ، فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها ويشهد ، فإذا خطبها خاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها وإلا عضلها .
وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس في قوله { إلا أن يأتين بفاحشة مبيِّنة } قال : البغض والنشوز . فإذا فعلت ذلك فقد حلَّ له منها الفدية .
وأخرج ابن جرير عن مقسم « ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يفحشن » في قراءة ابن مسعود وقال : إذا آذتك فقد حل لك أخذ ما أخذت منك .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { إلا أن يأتين بفاحشة مبيِّنة } يقول : إلا أن ينشزن . وفي قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب « إلا أن يفحشن » .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : الفاحشة هنا النشوز .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن عطاء الخراساني في الرجل ، إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ ما ساق إليها وأخرجها ، فنسخ ذلك الحدود .
وأخرج ابن جرير عن الحسن { إلا أن يأتين بفاحشة } قال : الزنا . فإذا فعلت حلَّ لزوجها أن يكون هو يسألها الخلع .(3/63)
وأخرج ابن المنذر عن أبي قلابة وابن سيرين قالا : لا يحل الخلع حتى يوجد رجل على بطنها لأن الله يقول { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } .
وأخرج ابن جرير عن جابر . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، وإن لكم عليهن أن لا يُوطِئْنَ فَرْشَكُم أحداً تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف » .
وأخرج ابن جرير عن ابن عمر . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يا أيها الناس إن النساء عندكم عوان ، أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن حق ، ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً ، ولا يعصينكم في معروف ، وإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { وعاشروهن } قال : خالطوهن . قال ابن جرير : صفحه بعض الرواة . وإنما هو خالقوهن .
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال : حقها عليك الصحبة الحسنة والكسوة والرزق المعروف .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل { وعاشروهن بالمعروف } يعني صحبتهن بالمعروف { فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً } فيطلقها فتتزوج من بعده رجلاً ، فيجعل الله له منها ولداً ، ويجعل الله في تزويجها خيراً كثيراً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ويجعل الله فيه خيراً كثيراً } قال : الخير الكثير . أن يعطف عليها فيرزق الرجل ولدها ويجعل الله في ولدها خيراً كثيراً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال : فعسى الله أن يجعل في الكراهية خيراً كثيراً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي { ويجعل الله فيه خيراً كثيراً } قال : الولد .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال : إذا وقع بين الرجل وبين امرأته كلام فلا يعجل بطلاقها وليتأن بها وليصبر ، فلعل الله سيريه منها ما يحب .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال : عسى أن يمسكها وهو لها كاره فيجعل الله فيها خيراً كثيراً ، قال : وكان الحسن يقول : عسى أن يطلقها فتتزوج غيره فيجعل الله له فيها خيراً كثيراً .(3/64)
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج } قال : إن كرهت امرأتك وأعجبك غيرها فطلقت هذه وتزوجت تلك ، فأعط هذه مهرها وإن كان قنطارا .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج } قال : طلاق امرأة ونكاح أخرى ، فلا يحل له من مال المطلقة شيء وإن كثر .
وأخرج ابن جرير عن أنس « عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { وآتيتم إحداهن قنطاراً } قال : ألفاً ومائتين يعني ألفين » .
وأخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى بسند جيد عن مسروق قال : ركب عمر بن الخطاب المنبر ثم قال : أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك ، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو مكرمة لم تسبقوهم إليها ، فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم . ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت له : يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم؟ قال : نعم . فقالت : أما سمعت ما أنزل الله يقول { وآتيتم إحداهن قنطاراً } فقال : اللهم غفرانك . . . ! كل الناس أفقه من عمر . ثم رجع فركب المنبر فقال : يا أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم ، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : قال عمر بن الخطاب : لا تغالوا في مهور النساء . فقالت امرأة ليس ذلك لك يا عمر ، إن يقول { وآتيتم إحداهن قنطاراً } من ذهب . قال : وكذلك هي في قراءة ابن مسعود فقال عمر : إن امرأة خاصمت عمر فخصمته .
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عبد الله بن مصعب قال : قال عمر : لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية ، فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال . فقالت امرأة : ما ذاك لك . . . قال : ولم . . . ؟ قالت : لأن الله يقول { وآتيتم إحداهن قنطاراً . . . } الآية . فقال عمر : امرأة أصابت ، ورجل أخطأ .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن بكر بن عبد الله المزني قال : قال عمر : خرجت وأنا أريد أن أنهاكم عن كثرة الصداق ، فعرضت لي آية من كتاب الله { وآتيتم إحداهن قنطاراً } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { بهتاناً } قال : إثماً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { مبيناً } قال : البين .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الإفضاء .(3/65)
الجماع ولكن الله يكني .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد { وقد أفضى بعضكم إلى بعض } قال : مجامعة النساء .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً } قال : الميثاق الغليظ { إمساك بمعروف أوتسريح بإحسان } [ البقرة : 229 ] .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { ميثاقاً غليظاً } قال : هو ما أخذ الله تعالى للنساء على الرجال فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان قال : وقد كان ذلك يؤخذ عند عقد النكاح « آلله عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرحن بإحسان » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن أبي مليكة أن ابن عمر كان إذا أنكح قال : أنكحك على ما أمر الله به { إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عوف قال : كان أنس بن مالك إذا زوّج امرأة من بناته أو امرأة من بعض أهله قال لزوجها : أُزَوِّجُك تمْسِكْ بمعروف أو تُسَرِّحَ بإحسان .
وأخرج ابن أبي شيبة عن حبيب بن أبي ثابت أن ابن عباس كان إذا زَوَّجَ اشتَرط { إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك { وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً } قال { إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } .
وأخرج ابن أبي شيبة عن يحيى بن أبي كثير . مثله . أخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد { وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً } قال : عقدة النكاح . قال : قد أنكحتك .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة ومجاهد { وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً } قال : أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً } قال : هو قول الرجل ملَّكت .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد { ميثاقاً غليظاً } قال : كلمة النكاح التي تستحل بها فروجهن .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك { ميثاقاً غليظاً } يعني شديداً .
وأخرج ابن جرير عن بكير أنه سئل عن المختلعة أنأخذ منها شيئاً؟ قال : لا { وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً } .
وأخرج عن ابن زيد في الآية قال : ثم رخص بعد { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به } [ البقرة : 229 ] قال : فنسخت هذه تلك .(3/66)
وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22)
أخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في سننه عن عدي بن ثابت الأنصاري قال « توفي أبو قيس بن الأسلت وكان من صالحي الأنصار ، فخطب ابنه قيس امرأته فقالت : إنما أعدك ولداً وأنت من صالحي قومك ولكن آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأمره . فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن أبا قيس توفي فقال لها : خيراً . قالت : وإن ابنه قيساً خطبني وهو من صالحي قومه ، وإنما كنت أعدُّه ولدا فما ترى؟ قال : ارجعي إلى بيتك . فنزلت هذه الآية { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } » قال : البيهقي مرسل . قلت : فمن رواية ابن أبي حاتم عن عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } قال : نزلت في أبي قيس بن الأسلت ، خلف على أم عبيد بنت ضمرة ، كانت تحت الأسلت أبيه ، وفي الأسود بن خلف ، وكان خلف على بنت أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار ، وكانت عند أبيه خلف ، وفي فاختة ابنة الأسود بن المطلب بن أسد ، كانت عند أمية بن خلف ، فخلف عليها صفوان بن أمية . وفي منظور بن رباب ، وكان خلف على مليكة ابنة خارجة ، وكانت عند أبيه رباب بن سيار .
وأخرج البيهقي في سننه عن مقاتل بن حيان قال : كان إذا توفي الرجل في الجاهلية عمد حميم الميت إلى امرأته فألقى عليها ثوباً فيرث نكاحها ، فلما توفي أبو قيس بن الأسلت عمد ابنه قيس إلى امرأة أبيه فتزوّجها ولم يدخل بها . فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرت ذلك له ، فأنزل الله في قيس { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف } قبل التحريم ، حتى ذكر تحريم الأمهات والبنات حتى ذكر { وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف } قبل التحريم { إن الله كان غفوراً رحيماً } [ النساء : 23 ] فيما مضى قبل التحريم .
وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال : « كان الرجل إذا توفي عن امرأته كان ابنه أحق بها ، أن ينكحها إن شاء إن لم تكن أمه ، أو ينكحها من شاء . فلما مات أبو قيس بن الأسلت قام ابنه محصن فورث نكاح امرأته ، ولم ينفق عليها ولم يورثها من المال شيئاً . فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرت ذلك له فقال : ارجعي لعل الله ينزل فيك شيئاً . فنزلت { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء . . . } الآية . ونزلت { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً } [ النساء : 19 ] » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب ، والجمع بين الأختين .(3/67)
فأنزل الله { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } . { وأن تجمعوا بين الأختين } [ النساء : 23 ] .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق علي عن ابن عباس في قوله { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } يقول : كل امرأة تزوجها أبوك أو ابنك دخل أو لم يدخل بها فهي عليك حرام .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ابن جريج قال : قلت لعطاء بن أبي رباح : الرجل ينكح المرأة ثم لا يراها حتى يطلقها أتحل لابنه؟ قال : لا . هي مرسلة ، قال الله { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } قلت لعطاء : ما قوله { إلا ما قد سلف } ؟ قال : كان الأبناء ينكحون نساء آبائهم في الجاهلية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } قال : هو أن يملك عقدة النكاح وليس بالدخول .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن أبي مريم عن مشيخة قال : لا ينكح الرجل امرأة جده أبي أمه لأنه من الآباء يقول الله { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك { إلا ما قد سلف } إلا ما كان في الجاهلية .
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله { إلا ما قد سلف } قال : كان الرجل في الجاهلية ينكح امرأة أبيه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب . أنه كان يقرؤها « ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا من قد سلف » إلا من مات .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي رباح { إنه كان فاحشة ومقتاً } قال : يمقت الله عليه { وساء سبيلاً } قال : طريقاً لمن عمل به .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن البراء قال : لقيت خالي ومعه الراية قلت : أين تريد؟ قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده ، فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله .(3/68)
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23)
أخرج عبد الرزاق والفريابي والبخاري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عباس قال : حُرِّم من النسب سبع ومن الصهر سبع ، ثم قرأ { حرمت عليكم أمهاتكم } إلى قوله { وبنات الأخت } هذا من النسب ، وباقي الآية من الصهر . والسابعة { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عباس قال : سبع صهر وسبع نسب ، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب .
أما قوله تعالى : { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة } .
أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن عائشة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة » .
وأخرج مالك وعبد الرزاق عن عائشة قالت : كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات فَنُسِخْنَ بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن .
وأخرج عبد الرزاق عن عائشة قالت : لقد كانت في كتاب الله عشر رضعات ثم رُدَّ ذلك إلى خمس ، ولكن من كتاب الله ما قبض مع النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن ماجه وابن الضريس عن عائشة قالت : كان مما نزل من القرآن سقط لا يحرم إلا عشر رضعات أو خمس معلومات .
وأخرج ابن ماجه عن عائشة قالت : لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً ، ولقد كان في صحيفة تحت سريري . فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر : أنه بلغه عن ابن الزبير أنه يأثر عن عائشة في الرضاعة لا يحرم منها دون سبع رضعات . قال : الله خير من عائشة ، إنما قال الله تعالى { وأخواتكم من الرضاعة } ولم يقل رضعة ولا رضعتين .
وأخرج عبد الرزاق عن طاوس . أنه قيل له : إنهم يزعمون أنه لا يحرم من الرضاعة دون سبع رضعات ثم صار ذلك إلى خمس . قال : قد كان ذلك فحدث بعد ذلك أمر ، جاء التحريم ، المرة الواحدة تحرم .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال : المرة الواحدة تحرم .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال : المصة الواحدة تحرم .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم أنه سئل عن الرضاع فقال : إن علياً وعبد الله بن مسعود كانا يقولان : قليله وكثيره حرام .
وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال : اشترط عشر رضعات . ثم قيل : إن الرضعة الواحدة تحرم .
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال : لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة .(3/69)
مثله .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن عائشة « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنما الرضاعة من المجاعة » .
أما قوله تعالى : { وأمهات نسائكم } .
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريقين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوّج أمها دخل بالإبنة أو لم يدخل ، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج الإبنة » .
وأخرج مالك عن زيد بن ثابت أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ففارقها قبل أن يمسها هل تحل له أمها؟ فقال : لا . الأم مبهمة ليس فيها شرط ، إنما الشرط في الربائب .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : الرجل ينكح المرأة ولم يجامعها حتى يطلقها ، أتحل له أمها؟ قال : لا ، هي مرسلة قلت : أكان ابن عباس يقرأ « وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن » قال : لا .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس { وأمهات نسائكم } قال : هي مبهمة ، إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحل له أمها .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي عن عمران بن حصين ، في « أمهات نسائكم » قال : هي مبهمة .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في سننه عن أبي عمرو الشيباني أن رجلاً من بني شمخ تزوج امرأة ولم يدخل بها ، ثم رأى أمها فأعجبته ، فاستفتى ابن مسعود ، فأمره أن يفارقها ثم يتزوج أمها ، ففعل وولدت له أولاداً ، ثم أتى ابن مسعود فسأل عمر . وفي لفظ فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : لا تصلح . فلما رجع إلى الكوفة قال للرجل : إنها عليك حرام ففارقها .
وأخرج مالك عن ابن مسعود . أنه استفتي وهو بالكوفة عن نكاح الأم بعد البنت ، إذا لم تكن البنت مُسَّتْ فارخص ابن مسعود في ذلك ، ثم إن ابن مسعود قدم المدينة فسأل عن ذلك ، فأخبر أنه ليس كما قال ، وإن الشرط في الربائب ، فرجع ابن مسعود إلى الكوفة ، فلم يصل إلى بيته حتى أتى الرجل الذي أفتاه بذلك فأمره أن يفارقها .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبيهقي عن مسروق . أنه سئل عن أمهات نسائكم؟ قال : هي مبهمة ، فأرسلوا ما أرسل الله ، واتبعوا ما بين ذلك .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في الرجل يتزوّج المرأة ثم يطلقها ، أو ماتت قبل أن يدخل بها هل تحل له أمها؟ قال : هي بمنزلة الربيبة .(3/70)
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن زيد بن ثابت . أنه كان يقول : إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها ، وإذا طلقها قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوّج أمها .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد . أنه قال : في قوله { وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم } أريد بهما الدخول جميعاً .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن المنذر عن مسلم بن عويمر الأجدع قال : نكحت امرأة فلم أدخل بها حتى توفي عمي عن أمها ، فسألت ابن عباس فقال : أنكح أمها . فسألت ابن عمر فقال : لا تنكحها . فكتب أبي إلى معاوية فلم يمنعني ولم يأذن لي .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عبدالله بن الزبير قال : الربيبة والأم سواء ، لا بأس بهما إذا لم يدخل بالمرأة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هانئ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له أمها ولا ابنتها » .
قوله تعالى : { وربائبكم } .
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن داود أنه قرأ في مصحف ابن مسعود « وربائبكم اللاتي دخلتم بأمهاتهم » .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم بسند صحيح عن مالك بن أوس بن الحدثان قال : كانت عندي امرأة فتوفيت وقد ولدت لي ، فوجدت عليها ، فلقيني علي بن أبي طالب فقال : ما لك . . . ؟ فقلت توفيت المرأة فقال علي : لها ابنة؟ قلت : نعم ، وهي بالطائف . قال : كانت في حجرك؟ قلت : لا . قال : فأنكحها . قلت : فأين قول الله { وربائبكم اللاتي في حجوركم } ؟ قال : إنها لم تكن في حجرك ، إنما ذلك إذا كانت في حجرك .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : الدخول . الجماع .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن طاوس قال : الدخول . الجماع .
وأخرج ابن المنذر عن أبي العالية قال : بنت الربيبة وبنت ابنتها لا تصلح ، وإن كانت أسفل لسبعين بطناً .
قوله تعالى : { وحلائل أبنائكم } .
أخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء في قوله { حلائل أبنائكم } قال : كنا نتحدث أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما نكح امرأة زيد قال المشركون بمكة في ذلك ، فأنزل الله { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } ونزلت { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } [ الأحزاب : 4 ] ونزلت { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم } [ الأحزاب : 40 ] .
وأخرج ابن المنذر من وجه آخر عن ابن جريج قال : لما نكح النبي صلى الله عليه وسلم امرأة زيد قالت قريش : نكح امرأة ابنه فنزلت { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } .(3/71)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن الحسن ومحمد قالا : إن هؤلاء الآيات مبهمات { وحلائل أبنائكم } و { ما نكح آباؤكم } [ النساء : 22 ] { وأمهات نسائكم } .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : الرجل ينكح المرأة لا يراها حتى يطلقها ، تحل لأبيه؟ قال : هي مرسلة { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } .
أما قوله تعالى : { وأن تجمعوا بين الأختين } .
أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه عن فيروز الديلمي « أنه أدركه الإسلام وتحته أختان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم طلق أيتهما شئت » . وأخرج عن قيس قال : قلت لابن عباس : أيقع الرجل على المرأة وابنتها مملوكتين له؟ فقال : أحلتهما آية وحرمتهما آية ، ولم أكن لأفعله .
وأخرج ابن المنذر من طريق عكرمة عن ابن عباس { وأن تجمعوا بين الأختين } قال : يعني في النكاح .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق عمرو بن دينار عن ابن عباس . أنه كان لا يرى بأساً أن يجمع بين الأختين المملوكتين .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس { وأن تجمعوا بين الأختين } قال : ذلك في الحرائر ، فأما في المماليك فلا بأس .
وأخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب . أن رجلاً سال عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين ، هل يجمع بينهما؟ فقال : أحلتهما آية وحرمتهما آية ، وما كنت لأصنع ذلك . فخرج من عنده فلقي رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، أراه علي بن أبي طالب فسأله عن ذلك فقال : لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت أحداً فعل ذلك لجعلته نكالاً .
وأخرج ابن عبد البر في الاستذكار عن اياس بن عامر قال : سألت علي بن أبي طالب فقلت : إن لي أختين مما ملكت يميني ، اتخذت إحداهما سرية وولدت لي أولاداً ، ثم رغبت في الأخرى فما أصنع؟ قال : تعتق التي كنت تطأ ، ثم تطأ الأخرى ، ثم قال : إنه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله من الحرائر إلا العدد . أو قال : إلا الأربع ، ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي عن علي أنه سئل عن رجل له أمتان أختان وطئ إحداهما ثم أراد أن يطأ الأخرى . قال : لا . حتى يخرجها من ملكه قيل : فإن زوجها عبده؟ قال : لا . حتى يخرجها من ملكه .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود .(3/72)
أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين الأمتين فكرهه . فقيل : يقول الله { إلا ما ملكت أيمانكم } [ النساء : 24 ] فقال : وبعيرك أيضاً مما ملكت يمينك .
وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن مسعود قال يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن عمار بن ياسر قال : ما حرم الله من الحرائر شيئاً إلا قد حرمه من الإماء إلا العدد .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق أبي صالح عن علي بن أبي طالب قال في الأختين المملوكتين : أحلتهما آية وحرمتهما آية ، ولا آمر ولا أنهى ، ولا أحل ولا أحرم ، ولا أفعله أنا ولا أهل بيتي .
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن عكرمة قال : ذكر عند ابن عباس قول علي في الأختين من ملك اليمين؟ فقالوا : إن علياً قال : أحلتهما آية وحرمتهما آية . قال ابن عباس عند ذلك : أحلتهما آية وحرمتهما آية ، إنما يحرمهن علي قرابتي منهن ولا يحرمهن عليّ قرابة بعضهن من بعض ، لقول الله { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } [ النساء : 24 ] .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبيهقي عن ابن عمر قال : إذا كان للرجل جاريتان أختان ، فغشي إحداهما فلا يقرب الأخرى حتى يخرج الذي غشي عن ملكه .
وأخرج ابن المنذر عن القاسم بن محمد . أن حياً سألوا معاوية عن الأختين مما ملكت اليمين يكونان عند الرجل يطؤهما؟ قال : ليس بذلك بأس . فسمع بذلك النعمان بن بشير فقال : أفتيت بكذا وكذا . . . ؟ قال : نعم . قال : أرأيت لو كان عند الرجل أخته مملوكة يجوز له أن يطأها؟ قال : أما والله لربما وددتني أدرك ، فقل لهم اجتنبوا ذلك فإنه لا ينبغي لهم فقال : إنما هي الرحم من العتاقة وغيرها .
وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يجمع بين المرأة وعمتها ، ولا بين المرأة وخالتها » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة : « لا تنكح المرأة على عمتها ، ولا على خالتها » .
وأخرج البيهقي عن مقاتل بن سليمان قال : إنما قال الله في نساء الآباء { إلا ما قد سلف } لأن العرب كانوا ينكحون نساء الآباء ، ثم حرَّم النسب والصهر فلم يقل { إلا ما قد سلف } لأن العرب كانت لا تنكح النسب والصهر . وقال في الأختين { إلا ما قد سلف } لأنهم كانوا يجمعون بينهما فحرم جمعهما جميعاً إلا ما قد سلف قبل التحريم { إن الله كان غفوراً رحيماً } لما كان من جماع الأختين قبل التحريم .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن وهب بن منبه .(3/73)
أنه سئل عن وطء الأختين الأمتين؟ فقال : أشهد أنه فيما أنزل الله على موسى عليه السلام ، أنه ملعون من جمع بين الأختين .
وأخرج مالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عمر بن الخطاب . أنه سئل عن المرأة وابنتها من ملك اليمين هل توطأ إحداهما بعد الأخرى؟ فقال عمر : ما أحب أن أجيزهما جميعاً ونهاه .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس . أنه سئل عن الرجل يقع على الجارية وابنتها يكونان عنده مملوكتين ، فقال : حرمتهما آية وأحلتهما آية ، ولم أكن لأفعله .
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي . أنه سئل عن ذلك؟ فقال : إذا أحلت لك آية وحرمت عليك أخرى ، فإن أملكهما آية الحرام ما فصل لنا حرتين ولا مملوكتين .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن الضريس عن وهب بن منبه قال : في التوراة ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها ما فصل لنا حرة ولا مملوكة .
وأخرج عبد الرزاق عن إبراهيم النخعي قال : من نظر إلى فرج امرأة وابنتها لم ينظر الله إليه يوم القيامة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال : لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها .(3/74)
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24)
أخرج الطيالسي وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطحاوي وابن حبان والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث يوم حنين جيشاً إلى أوطاس ، فلقوا عدوّاً فقاتلوهم ، فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا ، فكان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرَّجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين ، فأنزل الله في ذلك { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } يقول : إلا ما أفاء الله عليكم ، فاستحللنا بذلك فروجهن .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس في الآية قال : نزلت يوم حنين لما فتح الله حنيناً أصاب المسلمون نساءً لهن أزواج ، وكان الرجل إذا أراد أن يأتي المرأة قالت : إن لي زوجاً فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك . فأنزلت هذه الآية { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } يعني السبية من المشركين ، تصاب لا بأس بذلك .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن جبير في الآية قال : نزلت في نساء أهل حنين لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم حنيناً أصاب المسلمون سبايا ، فكان الرجل إذا أراد أن يأتي المرأة منهن قالت : إن لي زوجاً . فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له ، فأنزل الله { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } قال : السبايا من ذوات الأزواج .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس في قوله { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } قال : كل ذات زوج إتيانها زنا إلا ما سبيت .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية يقول : كل امرأة لها زوج فهي عليك حرام إلا أمة ملكتها ولها زوج بأرض الحرب ، فهي لك حلال إذا استبرأتها .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة والطبراني عن علي وابن مسعود في قوله { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } قال علي : المشركات إذا سبين حلت له ، وقال ابن مسعود : المشركات والمسلمات .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } قال : كل ذات زوج عليك حرام إلا ما اشتريت بمالك ، وكان يقول : بيع الأمة طلاقها .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : طلاق الأمة ست بيعها طلاقها ، وعتقها طلاقها ، وهبتها طلاقها ، وبراءتها طلاقها ، وطلاق زوجها طلاقها .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال : إذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحق ببضعها .(3/75)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { والمحصنات من النساء } قال : ذوات الأزواج .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر عن أنس بن مالك { والمحصنات من النساء } قال : ذوات الأزواج الحرائر حرام إلا ما ملكت أيمانكم .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود { والمحصنات من النساء } قال : ذوات الأزواج .
وأخرج مالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن سعيد بن المسيب { والمحصنات من النساء } قال : هن ذوات الأزواج ، ومرجع ذلك إلى أن حرَّم الله الزنا .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد { والمحصنات من النساء } قال : نهين عن الزنا .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي في الآية قال : نزلت يوم أوطاس .
وأخرج ابن جرير عن أبي سعيد الخدري قال : كان النساء يأتيننا ثم يهاجر أزواجهن ، فمنعناهن بقوله { والمحصنات من النساء } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { والمحصنات من النساء } يعني بذلك ذوات الأزواج من النساء ، لا يحل نكاحهن يقول : لا تحلب ولا تعد فتنشز على بعلها ، وكل امرأة لا تنكح إلا ببينة ومهر فهي من المحصنات التي حرم { إلا ما ملكت أيمانكم } يعني التي أحل الله من النساء ، وهو ما أحلَّ من حرائر النساء مثنى وثلاث ورباع .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس { والمحصنات من النساء } قال : لا يحل له أن يتزوّج فوق أربع ، فما زاد فهو عليه حرام كأمه وأخته .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية قال : يقول { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } [ النساء : 3 ] ثم حرَّم ما حرَّم من النسب والصهر ، ثم قال { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } فرجع إلى أول السورة إلى أربع . فقال : هن حرام أيضاً إلا لمن نكح بصداق وسنَّة وشهود .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير عن عبيدة قال : أحل الله لك أربعاً في أول السورة ، وحرم نكاح كل محصنة بعد الأربع إلا ما ملكت يمينك .
وأخرج ابن جرير عن عطاء أنه سئل عن قوله { والمحصنات من النساء } فقال : حرم ما فرق الأربع منهن .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { والمحصنات } قال : العفيفة العاقلة من مسلمة أو من أهل الكتاب .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس في قوله { إلا ما ملكت أيمانكم } قال : إلا الأربع اللاتي ينكحن بالبينة والمهر .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس { إلا ما ملكت أيمانكم } قال : ينزع الرجل وليدته امرأة عبده .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } قال هي حل للرجل إلا ما أنكح مما ملكت يمينه فإنها لا تحل له .(3/76)
وأخرج ابن جرير عن عمرو بن مرة قال : قال رجل لسعيد بن جبير : أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية { والمحصنات من النساء } فلم يقل فيها شيئاً؟ فقال : كان لا يعلمها .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال : لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل ، قوله { والمحصنات من النساء . . . } الآية .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي السوداء قال : سألت عكرمة عن هذه الآية { والمحصنات من النساء } فقال : لا أدري . . . !
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الأزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم « الإحصان إحصانان : إحصان نكاح ، وإحصان عفاف » قال ابن أبي حاتم : قال أبي : هذا حديث منكر .
وأخرج ابن جرير عن ابن شهاب أنه سئل عن قوله { والمحصنات من النساء } قال : نرى أنه حرم في هذه الآية { المحصنات من النساء } ذوات الأزواج أن ينكحن مع أزواجهن ، والمحصنات العفائف ، ولا يحللن إلا بنكاح أوملك يمين ، والإحصان إحصانان : إحصان تزويج ، وإحصان عفاف في الحرائر والمملوكات ، كل ذلك حرم الله إلا بنكاح أوملك يمين .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد . أنه كان يقرأ كل شيء في القرآن { والمحصنات } [ المائدة : 5 ] بكسر الصاد إلا التي في النساء { والمحصنات } من النساء بالنصب .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أنه قرأ { والمحصنات من النساء } بنصب الصاد ، وكان يحيى بن وثاب يقرأ { والمحصنات } بكسر الصاد .
وأخرج عبد بن حميد عن الأسود أنه كان ربما قرأ { والمحصنات } والمحصنات .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة . أن هذه الآية التي في سورة النساء { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } نزلت في امرأة يقال لها : معاذة . وكانت تحت شيخ من بني سدوس يقال له : شجاع بن الحرث . وكان معها ضرة لها قد ولدت لشجاع أولاداً رجالاً ، وإن شجاعاً انطلق يميز أهله من هجر فمر بمعاذة ابن عم لها فقالت له : احملني إلى أهلي فإنه ليس عند هذا الشيخ خير . فاحتملها فانطلق بها فوافق ذلك جيئة الشيخ ، فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :
يا رسول الله وأفضل العرب ... إني خرجت أبغيها الطعام في رجب
فتولت والطت بالذنب ... وهي شر غالب لمن غلب
رأت غلاماً واركاً على ... قتب لها وله أرب .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « عليّ عليّ فإن كان الرجل كشف بها ثوباً فارجموها وإلا فردوا على الشيخ امرأته ، فانطلق مالك بن شجاع وابن ضرتها فطلبها ، فجاء بها ونزلت بيتها » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبيدة السلماني في قوله { كتاب الله عليكم } قال : الأربع .(3/77)
وأخرج ابن جرير من طريق عبيدة عن عمر بن الخطاب . مثله .
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس { كتاب الله عليكم } قال : واحدة إلى أربع في النكاح .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم { كتاب الله عليكم } قال : ما حرم عليكم .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس . أنه قرأ { وأحل لكم } بضم الألف وكسر الحاء .
وأخرج عن عاصم . أنه قرأ { وأحل لكم } بالنصب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال { وراء } أمام . في القرآن كله غير حرفين { وأحل لكم ما وراء ذلكم } يعني سوى ذلكم { فمن ابتغى وراء ذلك } يعني سوى ذلك .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي { وأحل لكم ما وراء ذلكم } قال : ما دون الأربع .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال { كتاب الله عليكم } قال : هذا النسب { وأحل لكم ما وراء ذلكم } قال : ما وراء هذا النسب .
وأخرج ابن جرير عن عطاء { وأحل لكم ما وراء ذلكم } قال : ما وراء ذات القرابة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة { وأحل لكم ما وراء ذلكم } قال : ما ملكت أيمانكم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني { وأحل لكم ما وراء ذلكم } قال : من الإماء يعني السراري .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { محصنين } قال : متناكحين { غير مسافحين } قال : غير زانين بكل زانية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس . أنه سئل عن السفاح؟ قال : الزنا .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله { فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة } يقول : إذا تزوّج الرجل منكم المرأة ثم نكحها مرة واحدة فقد وجب صداقها كله « والاستمتاع » هو النكاح . وهو قوله { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } [ النساء : 4 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كان متعة النساء في أوّل الإسلام ، كان الرجل يقدم البلدة ليس معه من يصلح له ضيعته ولا يحفظ متاعه ، فيتزوّج المرأة إلى قدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته ، فتنظر له متاعه وتصلح له ضيعته ، وكان يقرأ { فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى } نسختها { محصنين غير مسافحين } وكان الإحصان بيد الرجل ، يمسك متى شاء ويطلق متى شاء .
وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : كانت المتعة في أول الإسلام ، وكانوا يقرأون هذه الآية « فما استمتعتم به منهنَّ إلى أجل مسمى . . » الآية . فكان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج بقدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته ، لتحفظ متاعه وتصلح له شأنه ، حتى نزلت هذه الآية(3/78)
{ حرمت عليكم أمهاتكم } [ النساء : 23 ] إلى آخر الآية فنسخ الأولى فحرمت المتعة ، وتصديقها من القرآن { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } [ المؤمنون : 6 ] وما سوى هذا الفرج فهو حرام .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه من طرق عن أبي نضرة قال : قرأت على ابن عباس { فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة } قال ابن عباس : { فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى } . فقلت : ما نقرؤها كذلك! فقال ابن عباس : والله لأنزلها الله كذلك .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : في قراءة أبي بن كعب « فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى » .
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن سعيد بن جبير قال : في قراءة أبي بن كعب « فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى » .
وأخرج عبد الرزاق عن عطاء . أنه سمع ابن عباس يقرؤها « فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن » وقال ابن عباس : في حرف أبي « إلى أجل مسمى » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد { فما استمتعتم به منهن } قال : يعني نكاح المتعة .
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال : هذه المتعة ، الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمى ، فإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل ، وهي منه بريئة ، وعليها أن تستبرئ ما في رحمها ، وليس بينهما ميراث . ليس يرث واحد منهما صاحبه .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن مسعود قال : « كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساؤنا فقلنا : ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك ، ورخص لنا أن نتزوّج المرأة بالثوب إلى أجل ، ثم قرأ عبد الله { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } [ المائدة : 87 ] » .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد ومسلم عن سبرة الجهني قال : « أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام فتح مكة في متعة النساء ، فخرجت أنا ورجل من قومي - ولي عليه فضل في الجمال ، وهو قريب من الدمامة - مع كل واحد منا برد ، أما بردي فخلق ، وأما برد ابن عمي فبرد جديد غض ، حتى إذا كنا بأعلى مكة تلقتنا فتاة مثل البكرة العنطنطة فقلنا : هل لك أن يستمتع منك أحدنا؟ قالت : وما تبذلان؟ فنشر كل واحد منا برده ، فجعلت تنظر إلى الرجلين ، فإذا رآها صاحبي قال : إن برد هذا خلق وبردي جديد غض . فتقول : وبرد هذا لا بأس به . ثم استمتعت منها فلم تخرج حتى حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم » .(3/79)
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن سبرة قال « رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً بين الركن والباب ، وهو يقول : يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع ، ألا وإن الله حرمها إلى يوم القيامة ، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن سلمة بن الأكوع قال « رخصَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ، ثم نهى عنها بعدها » .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر والنحاس من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله { فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة } قال : نسختها { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } [ الطلاق : 1 ] . { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } [ البقرة : 228 ] . { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر } [ الطلاق : 4 ] .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر والنحاس والبيهقي عن سعيد بن المسيب قال : نسخت آية الميراث المتعة .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود قال : المتعة منسوخة ، نسخها الطلاق ، والصدقة ، والعدة ، والميراث .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن علي قال : نسخ رمضان كل صوم ، ونسخت الزكاة كل صدقة ، ونسخ المتعة الطلاق والعدة والميراث ، ونسخت الضحية كل ذبيحة .
وأخرج عبد الرزاق وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن الحكم . أنه سئل عن هذه الآية أمنسوخة؟ قال : لا . وقال عليّ : لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلا شقي .
وأخرج البخاري عن أبي جمرة قال : سئل ابن عباس عن متعة النساء فرخص فيها . فقال له مولى له : إنما كان ذلك وفي النساء قلة والحال شديد! فقال ابن عباس : نعم .
وأخرج البيهقي عن علي قال : « نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة ، وإنما كانت لمن لم يجد . فلما نزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت » .
وأخرج النحاس عن علي بن أبي طالب أنه قال لابن عباس : إنك رجل تائه « إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة » .
وأخرج البيهقي عن أبي ذر قال : « إنما أحلت لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متعة النساء ثلاثة أيام ، نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج البيهقي عن عمر . أنه خطب فقال : « ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها ، لا أوتي بأحد نكحها إلا رجمته .
وأخرج مالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن علي بن أبي طالب » أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر ، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية « .(3/80)
وأخرج مالك وعبد الرزاق عن عروة بن الزبير . أن خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب فقالت : إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة مولدة فحملت منه . فخرج عمر بن الخطاب يجر رداءه فقال : هذه المتعة ، ولو كنت تقدمت فيها لرجمت .
وأخرج عبد الرزاق عن خالد بن المهاجر قال : أرخص ابن عباس للناس في المتعة فقال له ابن عمرة الأنصاري : ما هذا يا ابن عباس . . . ؟! فقال ابن عباس : فعلت مع إمام المتقين فقال ابن أبي عمرة : اللهم غفرا . ! إنما كانت المتعة رخصة كالضرورة إلى الميتة والدم ولحم الخنزير ، ثم أحكم الله الدين بعد .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال : والله ما كانت المتعة إلا ثلاثة أيام ، أذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ، ما كانت قبل ذلك ولا بعد .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال : « نهى عمر عن متعتين : متعة النساء ، ومتعة الحج » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن نافع أن عمر سئل عن المتعة ، فقال : حرام . . . فقيل له : إن ابن عباس يفتي بها! قال : فهلا ترمرم بها في زمان عمر؟ .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال : لا يحل لرجل أن ينكح امرأة إلا نكاح الإسلام بمهرها ويرثها وترثه ، ولا يقاضيها على أجل ، إنها امرأته ، فإن مات أحدهما لم يتوارثا .
وأخرج ابن المنذر والطبراني والبيهقي من طريق سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : ماذا صنعت ، ذهب الركاب بفتياك؟ وقالت فيه الشعراء؟! قال : وما قالوا؟! قلت : قالوا :
أقول للشيخ لما طال مجلسه ... يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
هل لك رخصة الأطراف آنسة ... تكون مثواك حتى مصدر الناس
فقال إنا لله وإنا إليه راجعون ، لا والله ما بهذا أفتيت ، ولا هذا أردت ، ولا أحللتها إلا للمضطر ، ولا أحللت منها إلا ما أحل الله من الميتة والدم ولحم الخنزير .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس قال : يرحم الله عمر ، ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها أمة محمد ، ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شقي قال : وهي التي في سورة النساء { فما استمتعتم به منهن } إلى كذا وكذا من الأجل ، على كذا وكذا . . . قال : وليس بينهما وراثة ، فإن بدا لهما أن يتراضيا بعد الأجل فنعم ، وإن تفرقا فنعم . . . وليس بينهما نكاح . وأخبر أنه سمع ابن عباس يراها الآن حلالاً .
وأخرج ابن المنذر من طريق عمار مولى الشريد قال : سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟ فقال : لا سفاح ولا نكاح . قلت : فما هي؟! قال : هي المتعة كما قال الله .(3/81)
قلت هل لها من عدة؟ قال : نعم . عدتها حيضة . قلت : هل يتوارثان؟ قال : لا .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { فآتوهن أجورهن فريضة } قال : ما تراضوا عليه من قليل أو كثير .
وأخرج ابن جرير عن حضرمي . أن رجالاً كانوا يفرضون المهر ، ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة فقال الله { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه من طريق علي عن ابن عباس في قوله { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } قال : التراضي أن يوفي لها صداقها ثم يخيرها .
وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن شهاب في الآية قال : نزل ذلك في النكاح ، فإذا فرض الصداق فلا جناح عليهما فيما تراضيا به من بعد الفريضة من إنجاز صداقها قليل أو كثير .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم عن ربيعة في الآية قال : إن أعطت زوجها من بعد الفريضة أو وضعت إليه فذلك الذي قال .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : إن وضعت لك منه شيئاً فهو سائغ .
وأخرج عن السدي في الآية قال : إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى التي تمتع بها فقال : أتمتع منك أيضاً بكذا وكذا . . . قبل أن يستبرئ رحمها . والله أعلم .(3/82)
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس { ومن لم يستطع منكم طولاً } يقول : من لم يكن له سعة أن ينكح المحصنات يقول : الحرائر { فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات } فلينكح من إماء المؤمنين { محصنات غير مسافحات } يعني عفائف غير زوان في سر ولا علانية { ولا متخذات أخدان } يعني أخلاء { فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة } يعني إذا تزوجت حراً ثم زنت { فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } قال : من الجلد { ذلك لمن خشي العنت } هو الزنا فليس لأحد من الأحرار أن ينكح أمة إلا أن لا يقدر على حرة وهو يخشى العنت { وأن تصبروا } عن نكاح الإماء { فهو خير لكم } .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير عن الحسن « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تنكح الأمة على الحرة وتنكح الحرة على الأمة ، ومن وجد طولاً لحرة فلا ينكح أمة » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد { ومن لم يستطع منكم طولاً } يعني من لم يجد منكم غنى { أن ينكح المحصنات } يعني الحرائر فلينكح الأمة المؤمنة { وأن تصبروا } عن نكاح الإماء { خير لكم } وهو حلال .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن جابر بن عبد الله . أنه سئل عن الحر يتزوّج الأمة ، فقال : إذا كان ذا طول فلا . قيل إن وقع حب الأمة في نفسه؟ قال : إن خشي العنت فليتزوجها .
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود قال : إنما أحل الله نكاح الإماء إن لم يستطع طولاً ، وخشي العنت على نفسه .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد قال : مما وسع الله به على هذه الأمة واليهودية والنصرانية ، وإن كان موسراً .
وأخرج ابن جرير عن السدي { من فتياتكم } قال : من إمائكم .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي عن مجاهد قال : لا يصلح نكاح إماء أهل الكتاب ، إن الله يقول { من فتياتكم المؤمنات } .
وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن الحسن قال : إنما رخص في الأمة المسلمة لمن لم يجد طولاً .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال : إنما رخص لهذه الأمة في نكاح نساء أهل الكتاب ولم يرخص لهم في الإماء .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عباس قال : لا يتزوج الحر من الإماء إلا واحدة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة قال : إنما أحل الله واحدة لمن خشي العنت على نفسه ولا يجد طولاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان ثم قال في التقديم : { والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض } .(3/83)
وأخرج ابن المنذر عن السدي { فانكحوهن بإذن أهلهن } قال : بإذن مواليهن { وآتوهن أجورهن } قال : مهورهن .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : المسافحات . المعلنات بالزنا و { المتخذات أخدان } ذات الخليل الواحد قال : كان أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا ويستحلون ما خفي ، يقولون : أما ما ظهر منه فهو لؤم ، وأما ما خفي فلا بأس بذلك . فأنزل الله { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } [ الأنعام : 151 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { فإذا أحصن } قال : إحصانها إسلامها . وقال علي : اجلدوهن . قال ابن أبي حاتم حديث منكر » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود . أنه سئل عن أمة زنت وليس لها زوج ، فقال : اجلدوها خمسين جلدة قال : إنها لم تحصن . قال : إسلامها إحصانها .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر قال : في الأمة إذا كانت ليست بذات زوج فزنت جلدت { نصف ما على المحصنات من العذاب } .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود قرأ { فإذا أَحْصَنَّ } بفتح الألف وقال : إحصانها إسلامها .
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم { فإذا أحصن } قال : إذا أسلمن .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن إبراهيم أنه كان يقرأ { فإذا أحصن } قال : إذا أسلمن ، وكان مجاهد يقرأ { فإذا أحصن } يقول : إذا تزوجن ، ما لم تزوّج فلا حَدَّ عليها .
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس أنه قرأها { فإذا أحصن } يعني برفع الألف يقول : أحصن بالأزواج . يقول : لا تجلد أمة حتى تزوّج .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس قال : إنما قال الله { فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن } فليس يكون عليها حد حتى تحصن .
وأخرج سعيد بن منصور وابن خزيمة والبيهقي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليس على الأمة حد حتى تحصن بزوج ، فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات » قال ابن خزيمة والبيهقي : رفعه خطأ . والصواب وقفه .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عباس أنه كان يقرأ { فإذا أحصنَّ } يقول : فإذا تزوجن .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور عن ابن عباس . أنه كان لا يرى على الأمة حداً حتى تُزوَّج زوجاً حراً .
وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني « أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال اجلدوها ، ثم إن زنت فاجلدوها ، ثم إن زنت فاجلدوها ، ثم بيعوها ولو بضفير » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أنس بن مالك أنه كان يضرب إماءَهُ الحد إذا زنين ، تزوّجن أو لم يتزوجن .(3/84)
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال : في بعض القراءة « فإن أتوا أو أتين بفاحشة » .
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في قوله { فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } قال : خمسون جلدة ، ولا نفي ولا رجم .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس قال : حد العبد يفتري على الحر أربعون .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : العنت الزنا .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن العنت قال : الإثم . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول الشاعر :
رأيتك تبتغي عنتي وتسعى ... على الساعي عليّ بغير دخل
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { وأن تصبروا خير لكم } قال : عن نكاح الإماء .
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود { وأن تصبروا خير لكم } قال : عن نكاح الإماء .
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة { وأن تصبروا } عن نكاح الأمة خير ، وهو حل لكم إسترقاق أولادهن .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : أن تصبر ولا تنكح الأمة فيكون أولادك مملوكين فهو خير لك .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن ابن عباس قال : ما تزحف ناكح الإماء عن الزنا إلا قليلاً .
وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة وعن سعيد بن جبير . مثله .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب قال : إذا نكح العبد الحرة فقد أعتق نصفه ، وإذا نكح الحر الأمة فقد أرَقَّ نصفه .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال : نكاح الأمة كالميتة والدم ولحم الخنزير ، لا يحل إلا للمضطر .(3/85)
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)
أخرج ابن جرير وابن أبي الدنيا في التوبة والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال : ثماني آيات نزلت في سورة النساء هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت ، أوّلهن { يريد الله ليبيِّن لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم } والثانية { والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً } والثالثة { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً } والرابعة { أن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً } [ النساء : 31 ] والخامسة { إن الله لا يظلم مثقال ذرة . . . } [ النساء : 40 ] الآية . والسادسة { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله . . } [ النساء : 110 ] الآية . والسابعة { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر . . . } [ النساء : 48 ] الآية . والثامنة { والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله } للذين عملوا من الذنوب { غفوراً رحيماً } [ النساء : 152 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان { يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم } من تحريم الأمهات والبنات ، كذلك كان سنة الذين من قبلكم وفي قوله { أن تميلوا ميلاً عظيماً } قال : الميل العظيم ، أن اليهود يزعمون أن نكاح الأخت من الأب حلال من الله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي { ويريد الذين يتبعون الشهوات } قال : هم اليهود والنصارى .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { ويريد الذين يتبعون الشهوات } قال : الزنا { أن تميلوا ميلاً عظيماً } قال : يريدون أن تكونوا مثلهم ، تزنون ، كما يزنون .
وأخرج ابن المنذر من وجه آخر عن مجاهد عن ابن عباس { ويريد الذين يتبعون الشهوات } قال : الزنا .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { يريد الله أن يخفف عنكم } يقول : في نكاح الأمة ، وفي كل شيء فيه يسر .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن طاوس { وخلق الإِنسان ضعيفاً } قال : في أمر النساء ، ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في النساء . قال وكيع : يذهب عقله عندهن .
وأخرج الخرائطي في اعتلال القلوب عن طاوس في قوله { وخلق الإِنسان ضعيفاً } قال : إذا نظر إلى النساء لم يصبر .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد { يريد الله أن يخفِّف عنكم } قال : رخص لكم في نكاح الإماء حين تضطرون إليهن { وخلق الإنسان ضعيفاً } قال : لو لم يرخص له فيها لم يكن إلا الأمر الأول ، إذا لم يجد حرة .(3/86)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)
أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود في قوله { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } قال : إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : أما أكلهم أموالهم بينهم بالباطل ، فالزنا والقمار والبخس والظلم { إلا أن تكون تجارة } فليرب الدرهم ألفاً إن استطاع .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن في الآية قال : كان الرجل يتحرَّج أن يأكل عند أحد من الناس بعدما نزلت هذه الآية ، فنسخ ذلك بالآية التي في النور { ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم . . } [ النور : 61 ] الآية .
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } قال : عن تراض في تجارة ، بيع أو عطاء يعطيه أحد أحداً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في سننه عن قتادة في الآية قال : التجارة رزق من رزق الله ، وحلال من حلال الله لمن طلبها بصدقها وبرها ، وقد كنا نحدث أن التاجر الأمين الصدوق مع السبعة في ظل العرش يوم القيامة .
وأخرج الترمذي وحسنه والحاكم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم « قال التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء » .
وأخرج ابن ماجه والحاكم والبيهقي عن ابن عمر مرفوعاً قال « التاجر الصدوق الأمين المسلم مع الشهداء يوم القيامة » .
وأخرج الحاكم عن رافع بن خديج قال : « قيل : يا رسول الله أي الكسب أطيب؟ قال : » كسب الرجل بيده ، وكل بيع مبرور « .
وأخرج الحاكم والبيهقي في سننه عن أبي بردة قال : » سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الكسب أطيب أو أفضل؟ قال : عمل الرجل بيده ، وكل بيع مبرور « .
وأخرج سعيد بن منصور عن نعيم بن عبد الرحمن الأزدي قال » قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تسعة أعشار الرزق في التجارة ، والعشر في المواشي « .
وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن صفوان بن أمية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » أعلم أن عون الله مع صالحي التجار « .
وأخرج الأصبهاني عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » التاجر الصدوق في ظل العرش يوم القيامة « .
وأخرج الأصبهاني عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إن أطيب الكسب كسب التجار ، الذين إذا حدثوا لم يكذبوا ، وإذا وعدوا لم يخلفوا ، وإذا ائتمنوا لم يخونوا ، وإذا اشتروا لم يذموا ، وإذا باعوا لم يمدحوا ، وإذا كان عليهم لم يمطلوا ، وإذا كان لهم لم يعسروا « .(3/87)
وأخرج الأصبهاني عن أبي أمامة مرفوعاً « أن التاجر إذا كان فيه أربع خصال طاب كسبه : إذا اشترى لم يذم ، وإذا باع لم يمدح ، ولم يدلس في البيع ، ولم يحلف فيما بين ذلك » .
وأخرج الحاكم وصححه عن رفاعة بن رافع « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله ، وبرَّ ، وصدق » .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن شبل قال : « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن التجار هم الفجار . قالوا : يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع؟ قال : بلى . ولكنهم يحلفون فيأثمون ، ويحدثون فيكذبون » .
وأخرج الحاكم وصححه عن عمرو بن تغلب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن من أشراط الساعة أن يفيض المال ، ويكثر الجهل ، وتظهر الفتن ، وتفشو التجارة » .
أخرج ابن ماجه وابن المنذر عن ابن سعيد في قوله تعالى { عن تراضٍ منكم } قال : قال رسول الله : « إنما البيع عن تراض » .
وأخرج ابن جرير عن ميمون بن مهران قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « البيع عن تراض والخيار بعد الصفقة ، ولا يحل لمسلم أن يغش مسلماً » .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي زرعة . أنه باع فرساً له فقال لصاحبه : اختر فخيره ثلاثاً ثم قال له : خيرني . فخيره ثلاثاً ، ثم قال : سمعت أبا هريرة يقول : هذا البيع عن تراض .
وأخرج ابن ماجة عن جابر بن عبد الله قال : « اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل من الأعراب حمل خبط ، فلما وجب البيع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اختر . . . فقال الأعرابي : عمرك الله بيعاً » .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس « أن النبي صلى الله عليه وسلم باع رجلاً ثم قال له : اختر . . . فقال : قد اخترت . . . فقال : هكذا البيع » .
وأخرج ابن جرير عن أبي زرعة أنه كان إذا بايع رجلاً يقول له : خيرني . . . ثم يقول : قال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يفترق بيعان إلا عن رضا » .
وأخرج ابن جرير عن أبي قلابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يا أهل البقيع لا يتفرقن بيعان إلا عن رضا » .
وأخرج البخاري والترمذي والنسائي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول أحدهما للآخر : اختر . . . » .
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح وعكرمة { ولا تقتلوا أنفسكم } قالا : نهاهم عن قتل بعضهم بعضاً .(3/88)
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد { ولا تقتلوا أنفسكم } لا يقتل بعضكم قال : بعضاً .
وأخرج ابن جرير عن عطاء بن أبي رباح . مثله .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي { ولا تقتلوا أنفسكم } قال : أهل دينكم .
وأخرج أحمد وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمرو بن العاص قال : « بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل ، احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ، فتيممت به ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح ، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذكرت ذلك له فقال : يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قلت : نعم يا رسول الله ، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ، وذكرت قول الله { ولا تقتلوا أنفسكم } فتيممت ثم صليت . فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً » .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس « أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جنب ، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له ، فدعاه فسأله عن ذلك ، فقال : يا رسول الله خشيت أن يقتلني البرد ، وقد قال الله تعالى { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً } فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن المنذر عن عاصم بن بهدلة . أن مسروقاً أتى صفين فقام بين الصفين فقال : يا أيها الناس أنصتوا ، أرأيتم لو أن منادياً ناداكم من السماء فرأيتموه وسمعتم كلامه ، فقال : إن الله ينهاكم عما أنتم فيه ، أكنتم منتهين؟ قالوا : سبحان الله . . ! قال : فوالله لقد نزل بذلك جبريل على محمد ، وما ذاك بأبين عندي منه ، إن الله قال { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً } ثم رجع إلى الكوفة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { ومن يفعل ذلك } يعني الأموال والدماء جميعاً { عدواناً وظلماً } يعني متعمداً إعتداء بغير حق { وكان ذلك على الله يسيراً } يقول : كان عذابه على الله هيناً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جرير قال : قلت لعطاء : أرأيت قوله تعالى { ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً } في كل ذلك أم في قوله { ولا تقتلوا أنفسكم } ؟ قال : بل في قوله { ولا تقتلوا أنفسكم } .(3/89)
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31)
أخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور في فضائله وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال : إن في سورة النساء خمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها ، ولقد علمت أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها ، قوله تعالى { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } الآية . وقوله { إن الله لا يظلم مثقال ذرة . . . } [ النساء : 40 ] الآية . وقوله { إن الله لا يغفر أن يشرك به . . . } [ النساء : 48 ] الآية . وقوله { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك . . . } [ النساء : 64 ] الآية . وقوله { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه . . . } [ النساء : 110 ] الآية .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن أنس بن مالك قال : لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا عز وجل ، ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال ، أن تجاوز لنا عما دون الكبائر فما لنا ولها . يقول الله { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً } .
وأخرج عبد بن حميد عن أنس بن مالك قال : هان ما سألكم ربكم { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أنس « سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ألا إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ، ثم تلا هذه الآية { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم . . . } الآية » .
وأخرج النسائي وابن ماجه وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة وأبي سعيد « أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ثم قال : والذي نفسي بيده ما من عبد يصلي الصلوات الخمس ، ويصوم رمضان ، ويؤدي الزكاة ، ويجتنب الكبائر السبع ، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة ، حتى أنها لتصطفق ، ثم تلا { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه . . . } الآية » .
وأخرج ابن المنذر عن أنس قال : ما لكم والكبائر ، وقد وعدتم المغفرة فيما دون الكبائر .
وأخرج ابن جرير بسند حسن عن الحسن ، أن ناساً لقوا عبد الله بن عمرو بمصر فقالوا : نرى أشياء من كتاب الله أمر أن يعمل بها لا يعمل بها ، فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك ، فقدم وقدموا معه فلقي عمر فقال : يا أمير المؤمنين إن ناساً لقوني بمصر فقالوا : إنا نرى أشياء من كتاب الله أمر أن يعمل بها لا يعمل بها ، فأحبوا أن يلقوك في ذلك فقال : اجمعهم لي . فجمعهم له ، فأخذ أدناهم رجلاً فقال : أنشدك بالله وبحق الإسلام عليك ، أقرأت القرآن كله؟ قال : نعم . قال : فهل أحصيته في نفسك؟ قال : لا . قال : فهل أحصيته في بصرك؟ هل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أثرك؟ ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم قال : فثكلت عمر أمه أتكلفونه على أن يقيم الناس على كتاب الله ، قد علم ربنا أنه ستكون لنا سيئات ، وتلا { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً } هل علم أهل المدينة فيما قدمتم؟ قال : لا .(3/90)
قال : لو علموا لوعظت بكم .
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال : إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر ، وذكر لنا « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اجتنبوا الكبائر ، وسددوا وأبشروا » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس قال : كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة ، وقد ذكرت الطرفة يعني النظرة .
وأخرج ابن جرير عن أبي الوليد قال : سألت ابن عباس عن الكبائر؟ فقال : كل شيء عُصِيَ الله فيه فهو كبيرة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كل ما وعد الله عليه النار كبيرة .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار ، أو غضب ، أو لعنة ، أو عذاب .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال : كل ذنب نسبه الله إلى النار فهو من الكبائر .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : الكبائر كل موجبة أوجب الله لأهلها النار ، وكل عمل يقام به الحدُّ ، فهو من الكبائر .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان من طرق عن ابن عباس . أنه سئل عن الكبائر أَسَبْعٌ هي؟ قال : هي إلى السبعين أقرب .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير . أن رجلاً سأل ابن عباس كم الكبائر؟ سبع هي؟ قال : قال إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع ، غير أنه لا كبيرة مع استغفار ، ولا صغيرة مع إصرار .
وأخرج البيهقي في الشعب من طريق قيس بن سعد قال : قال ابن عباس : كل ذنب أصر عليه العبد كبير ، وليس بكبير ما تاب منه العبد .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اجتنبوا السبع الموبقات . قالوا : وما هن يا رسول الله؟ قال : الشرك بالله ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، والسحر ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات » .
وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الكبائر سبع . أولها الإشراك بالله ، ثم قتل النفس بغير حقها ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم إلى أن يكبر ، والفرار من الزحف ، ورمي المحصنات ، والإنقلاب على الأعراب بعد الهجرة » .(3/91)
وأخرج علي بن الجعد في الجعديات عن طيسلة قال : سألت ابن عمر عن الكبائر فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « هن تسع : الإشراك بالله ، وقذف المحصنة ، وقتل النفس المؤمنة ، والفرار من الزحف ، والسحر ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، وعقوق الوالدين ، والإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً » .
وأخرج ابن راهويه والبخاري في الأدب المفرد وعبد بن حميد وابن المنذر والقاضي إسماعيل في أحكام القرآن وابن المنذر بسند حسن من طريق طيسلة عن ابن عمر قال : « الكبائر تسع : الإشراك بالله ، وقتل النسمة ، يعني بغير حق ، وقذف المحصنة ، والفرار من الزحف ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والذي يستسحر ، وإلحاد في المسجد الحرام ، وإنكاء الوالدين من العقوق » .
وأخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه عن عمير الليثي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن أولياء الله المصلون ، ومن يقيم الصلوات الخمس التي كتبها الله على عباده ، ومن يؤدي زكاة ماله طيبة بها نفسه ، ومن يصوم رمضان يحتسب صومه ، ويجتنب الكبائر . فقال رجل من الصحابة : يا رسول الله وكم الكبائر؟ قال : هن تسع : أعظمهن الإشراك بالله ، وقتل المؤمن بغير الحق ، والفرار يوم الزحف ، وقذف المحصنة ، والسحر ، وأكل مال اليتيم ، وأكل الربا ، وعقوق الوالدين المسلمين ، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً » .
وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من صلى الصلوات الخمس ، واجتنب الكبائر السبع ، نودي من أبواب الجنة ادخل بسلام . قيل أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرهن؟ قال : نعم . عقوق الوالدين ، والإشراك بالله ، وقتل النفس ، وقذف المحصنات ، وأكل مال اليتيم ، والفرار من الزحف ، وأكل الربا » .
وأخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي أيوب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من عبد الله لا يشرك به شيئاً ، وأقام الصلاة ، وآتى الزكاة ، وصام رمضان ، واجتنب الكبائر ، فله الجنة . فسأله رجل ما الكبائر؟ قال : الشرك بالله ، وقتل نفس مسلمة ، والفرار يوم الزحف » .
وأخرج ابن حبان وابن مردويه عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده قال « كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن كتاباً فيه الفرائض والسنن والديات ، وبعث به مع عمرو بن حزم قال : وكان في الكتاب إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة الإشراك بالله ، وقتل النفس المؤمنة بغير حق ، والفرار يوم الزحف ، وعقوق الوالدين ، ورمي المحصنة ، وتعلم السحر ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم » .(3/92)
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم عن أنس قال : « ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر فقال : الشرك بالله ، وقتل النفس ، وعقوق الوالدين ، وقال : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ، قول الزور أو شهادة الزور » .
وأخرج الشيخان والترمذي وابن المنذر عن أبي بكرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا : بلى يا رسول الله . قال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وكان متكئاً فجلس فقال : ألا وقول الزور . ألا وشهادة الزور ، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت » .
وأخرج ابن أبي حاتم « عن ابن عمرو . أنه سئل عن الخمر فقال : سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هي أكبر الكبائر ، وأم الفواحش ، من شرب الخمر ترك الصلاة ، ووقع على أمه وخالته وعمته » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس . أنه كان يعد الخمر أكبر الكبائر .
وأخرج عبد بن حميد في كتاب الإيمان « عن شعبة مولى ابن عباس قال : قلت لابن عباس : إن الحسن بن علي سئل عن الخمر أمن الكبائر هي؟ فقال : لا . فقال ابن عباس : قد قالها النبي صلى الله عليه وسلم : » إذا شرب سكر وزنى وترك الصلاة ، فهي من الكبائر « » .
وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الكبائر : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، أو قتل النفس - شك شعبة - واليمين الغموس » .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني في الأوسط والبيهقي عن عبد الله بن أنيس الجهني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن من أكبر الكبائر الشرك بالله ، وعقوق الوالدين ، واليمين الغموس ، وما حلف حالف بالله يمين صبر فأدخل فيها مثل جناح بعوضة إلا جعلت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة » .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه . قالوا : وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال : يَسُبُّ أبا الرجل فيسب أباه ، ويَسُبُّ أمه فيسب أمه » .
وأخرج أو داود وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق ، ومن الكبائر السبتان بالسبة » .
وأخرج الترمذي والحاكم وابن أبي حاتم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من جمع بين الصلاتين من غير عذر ، فقد أتى باباً من أبواب الكبائر » .(3/93)
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال : الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي قتادة العدوي قال : قُرِئَ علينا كتاب عمر ، من الكبائر جمع بين الصلاتين . يعني بغير عذر ، والفرار من الزحف ، والنميمة .
وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن عباس قال : « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : » ما الكبائر؟ فقال : الشرك بالله ، واليأس من روح الله ، والآمن من مكر الله « » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن أبي الدنيا في التوبة عن ابن مسعود قال : أكبر الكبائر الإشراك بالله ، والإياس من روح الله ، والقنوط من رحمة الله ، والأمن من مكر الله .
وأخرج ابن المنذر عن علي أنه سئل ما أكبر الكبائر؟ فقال : الأمن لمكر الله ، والإياس من روح الله ، والقنوط من رحمة الله .
وأخرج ابن جرير بسند حسن عن أبي أمامة . « أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا الكبائر وهو متكئ فقالوا : الشرك بالله ، وأكل مال اليتيم ، وفرار يوم الزحف ، وقذف المحصنة ، وعقوق الوالدين ، وقول الزور ، والغلول ، والسحر ، وأكل الربا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » فأين تجعلون { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً } [ آل عمران : 77 ] إلى آخر الآية؟ « » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس مرفوعاً « الضرار في الوصية من الكبائر » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال : الكبائر الشرك بالله ، وقتل النفس ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنة ، والفرار من الزحف ، والتعرب بعد الهجرة ، والسحر ، وعقوق الوالدين ، وأكل الربا ، وفراق الجماعة ، ونكث الصفقة .
وأخرج البزار وابن المنذر بسند ضعيف عن بريدة . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « أن أكبر الكبائر الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، ومنع فضل الماء ، ومنع الفحل » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن بريدة قال : إن أكبر الكبائر الشرك بالله ، وعقوق الوالدين ، ومنع فضول الماء بعد الري ، ومنع طروق الفحل إلا بجعل .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة قالت : ما أخذ على النساء فمن الكبائر . يعني قوله { أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين . . . } [ المتحنة : 12 ] الآية .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد والطبراني والبيهقي عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أرأيتم الزاني ، والسارق ، وشارب الخمر ، ما تقولون فيهم؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : هن فواحش ، وفيهن عقوبة ، ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله ، ثم قرأ { ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً } [ النساء : 48 ] وعقوق الوالدين ، ثم قرأ { أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير } [ لقمان : 14 ] وكان متكئاً فاحتفز فقال : ألا وقول الزور » .(3/94)
وأخرج عبدُ بن حميد عن ابن مسعود قال : إن من أكبر الذنب عند الله أن يقول لصاحبه اتق الله ، فيقول : عليك نفسك من أنت تأمرني .
وأخرج ابن المنذر عن سالم بن عبد الله التمار عن أبيه أن أبا بكر وعمر وأناساً من الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم فيها علم ينتهون إليه ، فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أسأله عن ذلك فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر ، فأتيتهم فأخبرتهم فأنكروا ذلك ، وتواثبوا إليه جميعاً حتى أتوه في داره ، فأخبرهم أنهم تحدثوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن ملكاً من بني إسرائيل أخذ رجلاً فخيره أن يشرب الخمر ، أو يقتل نفساً ، أو يزني ، أو يأكل لحم خنزير ، أو يقتله إن أبى . فاختار شرب الخمر ، وإنه لما شربها لم يمتنع من شيء أراده منه ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما أحد يشربها فيقبل الله له صلاة أربعين ليلة ، ولا يموت وفي مثانته منها شيء إلا حرمت عليه الجنة ، وإن مات في الأربعين مات ميتة جاهلية » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال : الكبائر الإشراك بالله ، لأن الله يقول { لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } [ يوسف : 87 ] ، والأمن لمكر الله ، لأن الله يقول { فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } [ الأعراف : 99 ] ، وعقوق الوالدين ، لأن الله جعل العاق جباراً عصياً ، وقتل النفس التي حرم الله ، لأن الله يقول { فجزاؤه جهنم . . . } [ النساء : 93 ] إلى آخر الآية ، وقذف المحصنات ، لأن الله يقول { لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم } [ النور : 23 ] ، وأكل مال اليتيم ، لأن الله يقول { إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً } [ النساء : 10 ] ، والفرار من الزحف ، لأن الله يقول { ومن يولهم يومئذ دبره . . . } إلى قوله { وبئس المصير } [ الأنفال : 16 ] ، وأكل الربا ، لأن الله يقول { الذين يأكلون الربا لا يقومون . . . } [ البقرة : 275 ] الآية ، والسحر ، لأن الله يقول { ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق } [ البقرة : 102 ] ، والزنا ، لأن الله يقول { يلق أثاماً } [ الفرقان : 68 ] الآية ، واليمين الغموس الفاجرة ، لأن الله يقول { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم . . . } [ آل عمران : 77 ] الآية ، والغلول ، لأن الله يقول { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } [ آل عمران : 161 ] ، ومنع الزكاة المفروضة ، لأن الله يقول { فتكوى بها جباههم . . . } [ التوبة : 35 ] الآية ، وشهادة الزور ، وكتمان الشهادة ، لأن الله يقول { ومن يكتمها فإنه آثم قلبه } [ البقرة : 283 ] ، وشرب الخمر لأن الله عدل بها الأوثان ، وترك الصلاة متعمداً ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من ترك الصلاة متعمداً فقد برئ من ذمة الله ورسوله »(3/95)
ونقض العهد ، وقطيعة الرحم ، لأن الله يقول { لهم اللعنة ولهم سوء الدار } [ الرعد : 25 ] .
وأخرج عبد بن حميد والبزار وابن جرير والطبراني عن ابن مسعود أنه سئل عن الكبائر قال : ما بين أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين آية منها .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : الكبائر من أول سورة النساء إلى قوله { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود . أنه سئل عن الكبائر؟ فقال : افتتحوا سورة النساء فكل شيء نهى الله عنه حتى تأتوا ثلاثين آية فهو كبيرة ، ثم قرأ مصداق ذلك { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه . . . } الآية .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس أنه قرأ من النساء حتى بلغ ثلاثين آية منها ، ثم قرأ { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } مما في أول السورة إلى حيث بلغ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم قال : كانوا يرون أن الكبائر فيما بين أول هذه السورة ، سورة النساء إلى هذه الموضع { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } .
وأخرج ابن جرير عن ابن سيرين قال : سألت عبيدة عن الكبائر فقال : الإشراك بالله ، وقتل النفس التي حرم الله بغير حقها ، وفرار يوم الزحف ، وأكل مال اليتيم بغير حقه ، وأكل الربا ، والبهتان ، ويقولون اعرابية بعد الهجرة . قيل لابن سيرين : فالسحر . . . قال : إن البهتان يجمع شراً كثيراً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مغيرة قال : كان يقال : شَتْمُ أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من الكبائر .
وأخرج ابن أبي الدنيا في التوبة والبيهقي في الشعب عن الأوزاعي قال : كان يقال : من الكبائر أن يعمل الرجل الذنب فيحتقره .
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال : لا كبيرة بكبيرة مع الاستغفار ، ولا صغيرة بصغيرة مع الإصرار .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس . أنه قرأ « تكفر » بالتاء ونصب الفاء .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } قال : إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { نكفر عنكم سيئاتكم } قال : الصغار { وندخلكم مدخلاً كريماً } قال : الكريم : هو الحسن في الجنة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة أنه كان يقول : المدخل الكريم . هو الجنة .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس أنه قرأ { مدخلاً } بضم الميم .(3/96)
وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32)
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي والحاكم وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن أم سلمة أنها قالت « يا رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو ولا نقاتل فنستشهد ، وإنما لنا نصف الميراث . فأنزل الله { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } وأنزل فيها { إن المسلمين والمسلمات } [ الأحزاب : 35 ] » .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : « يا نبي الله للذكر مثل حظ الأنثيين ، وشهادة امرأتين برجل ، أفنحن في العمل هكذا ، إن عملت امرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة؟ فأنزل الله { ولا تتمنوا } فإنه عدل مني وإن صنعته » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن عكرمة قال : إن النساء سألن الجهاد فقلن وددنا أن الله جعل لنا الغزو ، فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال . فأنزل الله { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } .
وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن مجاهد وعكرمة في الآية قالا : نزلت في أم سلمة بنت أبي أمية .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي . أن الرجال قالوا : نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء ، كما لنا في السهام سهمان فنريد أن يكون لنا في الأجر أجران . وقالت : النساء : نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الرجال الشهداء ، فإنا لا نستطيع أن نقاتل ولو كتب علينا القتال لقاتلنا . فأنزل الله الآية ، وقال لهم سلوا الله من فضله يرزقكم الأعمال وهو خير لكم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } يقول : لا يتمنّ الرجل فيقول : ليت لي مال فلان وأهله . فنهى الله سبحانه عن ذلك ، ولكن ليسأل الله من فضله { للرجال نصيب مما اكتسبوا } يعني مما ترك الوالدان والأقربون للذكر مثل حظ الأنثيين .
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : لا تتمن مال فلان ولا مال فلان ، وما يدريك لعل هلاكه في ذلك المال .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون المرأة شيئاً ولا الصبي شيئاً ، وإنما يجعلون الميراث لمن يحترف وينفع ويدفع . فلما لحق للمرأة نصيبها ، وللصبي نصيبه ، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، وقالت النساء لو كان جعل أنصباءنا في الميراث كأنصباء الرجال . وقال الرجال : إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسنات في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث . فأنزل الله { للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن } يقول : المرأة تجزى بحسنتها عشر أمثالها كما يجزى الرجل .(3/97)
وأخرج ابن جرير عن أبي حريز قال : لما نزل { للذكر مثل حظ الأنثيين } [ النساء : 11 ] قالت النساء : كذلك عليهم نصيبان من الذنوب كما لهم نصيبان من الميراث . فأنزل الله { للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن } يعني الذنوب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل { للرجال نصيب مما اكتسبوا } قال : من الإثم { وللنساء نصيب مما اكتسبن } قال : من الإثم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن سيرين ، أنه كان إذا سمع الرجل يتمنى في الدنيا قال : قد نهاكم الله عن هذا { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } ودلكم على خير منه { واسألوا الله من فضله } .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد { واسألوا الله من فضله } قال : ليس بعرض الدنيا .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { واسألوا الله من فضله } قال : العبادة ليس من أمر الدنيا .
وأخرج الترمذي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « سلوا الله من فضله ، فإن الله يحب أن يسأل » .
وأخرج ابن جرير من طريق حكيم بن جبير عن رجل لم يسمه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « سلوا الله من فضله ، فإن الله يحب أن يسأل ، وإن من أفضل العبادة انتظار الفرج » .
وأخرج أحمد عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما سأل رجل مسلم الله الجنة ثلاثاً إلا قالت الجنة : اللهم أدخله ، ولا استجار رجل مسلم من النار ثلاثاً إلا قالت النار : اللهم أجره » .(3/98)
وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33)
أخرج البخاري وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس { ولكل جعلنا موالي } قال : ورثة { والذين عقدت أيمانكم } قال : كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه ، للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم ، فلما نزلت { ولكل جعلنا موالي } نسخت ، ثم قال { والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } من النصر والرفادة والنصيحة ، وقد ذهب الميراث ويوصى له .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن مردويه عن ابن عباس { ولكل جعلنا موالي } قال : عصبة { والذين عقدت أيمانكم } قال : كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر ، فأنزل الله { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً } [ الأحزاب : 6 ] يقول : إلا أن يوصوا إلى أوليائهم الذين عاقدوا وصية ، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت وهو المعروف .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { ولكل جعلنا موالي } قال : الموالي . العصبة ، هم كانوا في الجاهلية الموالي ، فلما دخلت العجم على العرب لم يجدوا لهم اسماً . فقال الله { فإن لم تعلموا أباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم } [ الأحزاب : 5 ] فسموا الموالي .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { والذين عقدت أيمانكم } قال : كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل ، يقول : ترثني وأرثك ، وكان الأحياء يتحالفون . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كل حلف كان في الجاهلية أو عقد أدركه الإسلام فلا يزيده الإسلام إلا شدة ، ولا عقد ولا حلف في الإسلام نسختها هذه الآية { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } [ الأحزاب : 6 ] » .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال : كان الرجل يعاقد الرجل فيرث كل واحد منهما صاحبه ، وكان أبو بكر عاقد رجلاً فورثه .
وأخرج أبو داود وابن جرير وابن مردويه عن عكرمة عن ابن عباس في قوله { والذين عقدت أيمانكم } قال : كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب فيرث أحدهما الآخر ، فنسخ في ذلك في الأنفال فقال : { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } [ الأحزاب : 6 ] .
وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في الآية قال : كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول : دمي دمك ، وهدمي هدمك ، وترثني وأرثك ، وتطلب بي وأطلب بك . فجعل له السدس من جميع المال في الإسلام ، ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم . فنسخ ذلك بعد في سورة الأنفال فقال : { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } فقذف ما كان من عهد يتوارث به وصارت المواريث لذوي الأرحام .(3/99)
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال : كان الرجل في الجاهلية قد كان يلحق به الرجل فيكون تابعه ، فإذا مات الرجل صار لأهله وأقاربه الميراث ، وبقي تابعاً ليس له شيء . فأنزل الله { والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } فكان يعطي من ميراثه ، فأنزل الله بعد ذلك { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { والذين عقدت أيمانكم } الذين عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم { فآتوهم نصيبهم } إذا لم يأت رحم يحول بينهم . قال : وهو لا يكون اليوم ، إنما كان نفر آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم وانقطع ذلك ، وهذا لا يكون لأحد إلا للنبي صلى الله عليه وسلم ، كان آخى بين المهاجرين والأنصار ، واليوم لا يؤاخى بين أحد .
وأخرج ابن جرير والنحاس عن سعيد بن المسيب قال : إنما أنزلت هذه الآية في الحلفاء ، والذين كانوا يتبنون رجالاً غير أبنائهم ويورثونهم . فأنزل الله فيهم ، فجعل لهم نصيباً في الوصية ، ورد الميراث إلى الموالي في ذي الرحم والعصبة .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والنحاس عن مجاهد { ولكل جعلنا موالي } قال : العصبة { والذين عقدت أيمانكم } قال : الحلفاء { فآتوهم نصيبهم } قال : من العقل والنصر والرفادة .
وأخرج أبو داود وابن أبي حاتم عن داود بن الحصين قال : كنت أقرأ على أم سعد ابنة الربيع ، وكانت يتيمة في حجر أبي ، فقرأت عليها { والذين عقدت أيمانكم } فقالت : لا ولكن { والذين عقدت أيمانكم } إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن حين أبى أن يسلم ، فحلف أبو بكر أن لا يورثه ، فلما أسلم أمره الله أن يورثه نصيبه .
وأخرج سعيد بن منصور عن مجاهد ، أنه كان يقرأ « عقدت أيمانكم » .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم . أنه قرأ { والذين عقدت } خفيفة بغير ألف .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك قال : كان الرجل في الجاهلية يأتي القوم فيعقدون له ، أنه رجل منهم إن كان ضراً أو نفعاً أو دماً فإنه فيهم مثلهم ، ويأخذون له من أنفسهم مثل الذي يأخذون منه ، فكانوا إذا كان قتال قالوا : يا فلان أنت منا فانصرنا ، وإن كانت منفعة قالوا : أعطنا أنت منا ، ولم ينصروه كنصرة بعضهم بعضاً إن استنصر ، وإن نزل به أمر أعطاه بعضهم ومنعه بعضهم ، ولم يعطوه مثل الذين يأخذون منه .
فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه وتحرجوا من ذلك وقالوا : قد عاقدناهم في الجاهلية . فأنزل الله { والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } قال : « أعطوهم مثل الذين تأخذون منهم » .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي مالك { والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } قال : هو حليف القوم يقول : أشهدوه أمركم ومشورتكم .(3/100)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعد الفتح « فوا بحلف الجاهلية ، فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة ، ولا تحدثوا حلفاً في الإسلام » .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم وابن جرير والنحاس عن جبير بن مطعم . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا حلف في الإسلام ، وأيما حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الزهري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا حلف في الإسلام ، وتمسكوا بحلف الجاهلية » .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رفعه « كل حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا جدة وشدة » .(3/101)
الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34)
أخرج ابن أبي حاتم من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن قال « جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستعدي على زوجها أنه لطمها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : القصاص . . . فأنزل الله { الرجال قوامون على النساء . . . } الآية . فرجعت بغير قصاص » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق قتادة عن الحسن « أن رجلاً لطم امرأته ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فأراد أن يقصها منه . فنزلت { الرجال قوامون على النساء } فدعاه فتلاها عليه ، وقال أردت أمراً وأراد الله غيره » .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق جرير بن حازم عن الحسن « أن رجلاً من الأنصار لطم امرأته ، فجاءت تلتمس القصاص ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص . فنزلت { ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه } [ طه : 114 ] فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونزل القرآن { الرجال قوامون على النساء } إلى آخر الآية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أردنا أمراً وأراد الله غيره » .
وأخرج ابن مردويه عن علي قال « أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من الأنصار بامرأة له فقالت : يا رسول الله إن زوجها فلان ابن فلان الأنصاري ، وأنه ضربها فأثر في وجهها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له ذلك . فأنزل الله { الرجال قوّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض } أي قوامون على النساء في الأدب . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أردت أمراً وأراد الله غيره » .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال : لطم رجل امرأته ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم القصاص ، فبينما هم كذلك نزلت الآية .
وأخرج ابن جرير عن السدي . نحوه .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله { الرجال قوّامون على النساء } قال : بالتأديب والتعليم { بما أنفقوا من أموالهم } قال : بالمهر .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الزهري قال : لا تقص المرأة من زوجها إلا في النفس .
وأخرج ابن المنذر عن سفيان قال : نحن نقص منه إلا في الأدب .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { الرجال قوّامون على النساء } يعني أمراء عليهن ، وأن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته ، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله ، حافظة لماله { بما فضل الله } وفضله عليها بنفقته وسعيه { فالصالحات قانتات } قال : مطيعات { حافظات للغيب } يعني إذا كن كذا فأحسنوا إليهن .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في الآية قال : الرجل قائم على المرأة يأمرها بطاعة الله ، فإن أبت فله أن يضربها ضرباً غير مبرح ، وله عليها الفضل بنفقته وسعيه .(3/102)
وأخرج عن السدي { الرجال قوَّامون على النساء } يأخذون على أيديهن ويؤدبونهن .
وأخرج عن سفيان { بما فضل الله بعضهم على بعض } قال : بتفضيل الله الرجال على النساء { وبما أنفقوا من أموالهم } بما ساقوا من المهر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي { وبما أنفقوا من أموالهم } قال : الصداق الذي أعطاها ، ألا ترى أنه لو قذفها لاعنها ، ولو قذفته جُلِدَتْ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة { فالصالحات قانتات } أي مطيعات لله ولأزواجهن { حافظات للغيب } قال : حافظات لما استودعهن الله من حقه ، وحافظات لغيب أزواجهن .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد { حافظات للغيب } للأزواج .
وأخرج ابن جرير عن السدي { حافظات للغيب بما حفظ الله } يقول تحفظ على زوجها ماله وفرجها حتى يرجع كما أمرها الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : حافظات لأزواجهن في أنفسهن بما استحفظهن الله .
وأخرج عن مقاتل قال : حافظات لفروجهن لغيب أزواجهن ، حافظات بحفظ الله لا يخن أزواجهن بالغيب .
وأخرج ابن جرير عن عطاء قال : حافظات للأزواج بما حفظ الله يقول : حفظهن الله .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد { حافظات للغيب } قال : يحفظن على أزواجهن ما غابوا عنهن من شأنهن { بما حفظ الله } قال : بحفظ الله إياها أن يجعلها كذلك .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك ، وإذا أمرتها أطاعتك ، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها . ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { الرجال قوامون على النساء } إلى قوله { قانتات حافظات للغيب } » .
وأخرج ابن جرير عن طلحة بن مصرف قال : في قراءة عبد الله « فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله فأصلحوا إليهن واللاتي تخافون » .
وأخرج عن السدي « { فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله } فأحسنوا إليهن » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن يحيى بن جعدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « خير فائدة أفادها المسلم بعد الإسلام امرأة جميلة تسره إذا نظر إليها ، وتطيعه إذا أمرها ، وتحفظه إذا غاب في ماله ونفسها » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال : ما استفاد رجل بعد إيمان بالله خيراً من امرأة حسنة الخلق ودود ولود ، وما استفاد رجل بعد الكفر بالله شراً من امرأة سيئة الخلق حديدة اللسان .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبزي قال : مثل المرأة الصالحة عند الرجل الصالح مثل التاج المخوص بالذهب على رأس الملك ، ومثل المرأة السوء عند الرجل الصالح مثل الحمل الثقيل على الرجل الكبير .(3/103)
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال : ألا أخبركم بالثلاث الفواقر؟ قيل : وما هن؟ قال : إمام جائر إن أحسنت لم يشكر وإن أسأت لم يغفر ، وجار سوء إن رأى حسنة غطاها وإن رأى سيئة أفشاها ، وامرأة السوء إن شهدتها غاظتك وإن غبت عنها خانتك .
وأخرج الحاكم عن سعد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ثلاث من السعادة : المرأة تراها فتعجبك وتغيب فتأمنها على نفسها ومالك ، والدابة تكون وطيئة فتلحقك بأصحابك ، والدار تكون واسعة كثيرة المرافق . وثلاث من الشقاء : المرأة تراها فتسوءك وتحمل لسانها عليك ، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك ، والدابة تكون قطوفاً ، فإن ضربتها أتعبتك ، وإن تركتها لم تلحقك بأصحابك . والدار تكون ضيقة قليلة المرافق » .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والحاكم والبيهقي من طريق حصين بن محصن قال : حدثتني عمتي قالت : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الحاجة فقال : « أي هذه أذات بعل أنت؟ قلت : نعم . قال : كيف أنت له؟ قالت : ما آلوه إلا ما عجزت عنه . قال : انظري أين أنت منه فإنما هو جنتك ونارك » .
وأخرج البزار والحاكم والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال : « جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله أخبرني ما حق الزوج على الزوجة؟ قال : » من حق الزوج على الزوجة أن لو سال منخراه دماً وقيحاً وصديداً فلحسته بلسانها ما أدت حقه ، لو كان ينبغي لبشر أن يسجد لبشر أمرت المرأة أن تسجد لزوجها إذا دخل عليها لما فضله الله عليها « » .
وأخرج الحاكم والبيهقي عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يحل لامرأة تؤمن بالله أن تأذن في بيت زوجها وهو كاره ، ولا تخرج وهو كاره ، ولا تطيع فيه أحداً ، ولا تخشن بصدره ، ولا تعتزل فراشه ، ولا تضر به ، فإن كان هو أظلم فلتأته حتى ترضيه ، فإن قبل منها فبها ونعمت وقبل الله عذرها ، وإن هو لم يرض فقد أبلغت عند الله عذرها » .
وأخرج البزار والحاكم وصححه عن ابن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه » .
وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن شبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الفساق أهل النار . قيل : يا رسول الله ومن الفساق؟ قال : النساء . قال رجل : يا رسول الله أولسن أمهاتنا وأخواتنا وأزواجنا؟ قال : بلى . ولكنهن إذا أعطين لم يشكرن وإذا ابتلين لم يصبرن » .
وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(3/104)
« لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه ، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه » .
وأخرج عبد الرزاق والبزار والطبراني عن ابن عباس قال : « جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله أنا وافدة النساء إليك ، هذا الجهاد كتبه الله على الرجال فإن يصيبوا أُجرُوا وإن قتلوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون ، ونحن معشر النساء نقوم عليهم فما لنا من ذلك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » أبلغي من لقيت من النساء أن طاعة الزوج واعترافها بحقه تعدل ذلك ، وقليل منكن من يفعله « » .
وأخرج البزار عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا صلت المرأة خمسها ، وصامت شهرها ، وحفظت فرجها ، وأطاعت زوجها ، دخلت الجنة » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبزار عن ابن عباس . « أن امرأة من خثعم أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله أخبرني ما حق الزوج على الزوجة ، فإني امرأة أيم ، فإن استطعت وإلا جلست أيما؟ قال : فإن حق الزوج على زوجته إن سألها نفسها وهي على ظهر بعير أن لا تمنعه نفسها ، ومن حق الزوج على زوجته أن لا تصوم تطوعاً إلا بإذنه ، فإن فعلت جاعت وعطشت ولا يقبل منها ، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه ، فإن فعلت لعنتها ملائكة السماء ، وملائكة الرحمة ، وملائكة العذاب حتى ترجع » .
وأخرج البزار والطبراني في الأوسط عن عائشة قالت « سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أعظم حقاً على المرأة؟ قال : زوجها . قلت : فأي الناس أعظم حقاً على الرجل؟ قال : أمه » .
وأخرج البزار عن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يا معشر النساء اتقين الله والتمسن مرضاة أزواجكن ، فإن المرأة لو تعلم ما حق زوجها لم تزل قائمة ما حضر غداؤه وعشاؤه » .
وأخرج البزار عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو تعلم المرأة حق الزوج ما قعدت ، ما حضر غداؤه وعشاؤه حتى يفرغ » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو كنت آمراً بشراً يَسجدُ لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها » .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ولا تصعد لهم حسنة : العبد الآبق حتى يرجع إلى مواليه ، والمرأة الساخط عليها زوجها ، والسكران حتى يصحو » .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(3/105)
« ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة : النبي في الجنة ، والصديق في الجنة ، والشهيد في الجنة ، والمولود في الجنة ، ورجل زار أخاه في ناحية المصر يزوره في الله في الجنة ، ونساؤكم من أهل الجنة الودود العدود على زوجها ، التي إذا غضب جاءت حتى تضع يدها في يده ، ثم تقول : لا أذوق غمضاً حتى ترضى » .
وأخرج البيهقي عن زيد بن ثابت . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابنته : « إني أبغض أن تكون المرأة تشكو زوجها » .
وأخرج البيهقي عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لامرأة عثمان : « أي بنية أنه لا امرأة لرجل لم تأت ما يهوى وذمته في وجهه ، وإن أمرها أن تنقل من جبل أسود إلى جبل أحمر ، أو من جبل أحمر إلى جبل أسود . فاستصلحي زوجك » .
وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « النساء على ثلاثة أصناف : صنف كالوعاء تحمل وتضع ، وصنف كالبعير الجرب ، وصنف ودود ولود تعين زوجها على إيمانه خير له من الكنز » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال : النساء ثلاث : امرأة عفيفة مسلمة هينة لينة ودود ولود تعين أهلها على الدهر ولا تعين الدهر على أهلها وقليل ما تجدها ، وامرأة وعاء لم تزد على أن تلد الولد ، وثالثة غل قمل يجعلها الله في عنق من يشاء ، وإذا أراد أن ينزعه نزعه .
وأخرج البيهقي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية « أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه فقالت : بأبي أنت وأمي إني وافدة النساء إليك ، وأعلم نفسي - لك الفداء - أنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا إلا وهي على مثل رأيي ، إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك ، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات ، قواعد بيوتكم ، ومقضى شهواتكم ، وحاملات أولادكم ، وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعات ، وعيادة المرضى ، وشهود الجنائز ، والحج بعد الحج ، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله ، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجاً أو معتمراً أو مرابطاً حفظنا لكم أموالكم ، وغزلنا لكم أثوابكم ، وربينا لكم أموالكم ، فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال : هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مُساءلتها في أمر دينها من هذه؟ فقالوا يا رسول الله ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا؟ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها ثم قال لها : انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء إن حسن تبعل إحداكن لزوجها ، وطلبها مرضاته ، واتباعها موافقته ، يعدل ذلك كله . فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر استبشاراً » .(3/106)
وأخرج البيهقي عن أنس قال : « جاء النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن : » يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل بالجهاد في سبيل الله ، أفما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مهنة إحداكن في بيتها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله « » .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي عن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أيما امرأة باتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة » .
وأخرج أحمد عن أسماء بنت يزيد قالت : « مر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في نسوة فسلم علينا فقال : إياكن وكفران المنعمين . قلنا يا رسول الله وما كفران المنعمين؟ قال : لعل إحداكن تطول أيمتها بين أبويها وتعنس فيرزقها الله زوجاً ، ويرزقها منه مالاً وولداً ، فتغضب الغضبة فتقول : ما رأيت منه خيراً قط » .
وأخرج البيهقي بسند منقطع عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أف للحمام حجاب لا يستر ، وماء لا يطهر ، ولا يحل لرجل أن يدخله إلا بمنديل ، مر المسلمين لا يفتنوا نساءهم { الرجال قوّامون على النساء } علموهن ومروهن بالتسبيح » .
وأخرج أحمد وابن ماجه والبيهقي عن أبي أمامة قال : « جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابن لها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » حاملات والدات رحيمات ، لولا ما يأتين إلى أزواجهن لدخل مصلياتهن الجنة « » .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال : « قالت امرأة : يا رسول الله ما جزاء غزوة المرأة؟ قال : » طاعة الزوج واعتراف بحقه « » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي النساء خير؟ قال : « التي تسره إذا نظر ، ولا تعصيه إذا أمر ، ولا تخالفه بما يكره في نفسها وماله » .
وأخرج الحاكم وصححه عن معاذ . « أنه أتى الشام فرأى النصارى يسجدون لأساقفتهم ورهبانهم ، ورأى اليهود يسجدون لأحبارهم ورهبانهم فقال : لأي شيء تفعلون هذا؟! قالوا : هذا تحية الأنبياء . قلت : فنحن أحق أن نصنع بنبينا! فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : » إنهم كذبوا على أنبيائهم كما حرَّفوا كتابهم ، لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها ، ولا تجد امرأة حلاوة الإيمان حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على ظهر قتب « » .
وأخرج الحاكم وصححه عن بريدة . « أن رجلاً قال : يا رسول الله علمني شيئاً أزداد به يقيناً فقال : ادع تلك الشجرة فدعا بها فجاءت حتى سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال لها : ارجعي فرجعت . قال : ثم أذن له فقبل رأسه ورجليه وقال : لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها » .(3/107)
وأخرج الحاكم عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اثنان لا تجاوز صلاتهما رؤوسهما . عبد آبق من مواليه حتى يرجع ، وامرأة عصت زوجها حتى ترجع » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم . العبد الآبق حتى يرجع ، وامرأة باتت وزوجها عنها ساخط ، وإمام قوم وهم له كارهون » .
وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل أنه قدم اليمن فسألته امرأة ما حق المرء على زوجته ، فإني تركته في البيت شيخاً كبيراً؟ فقال : والذي نفس معاذ بيده لو أنك ترجعين إذا رجعت إليه ، فوجدت الجذام قد خرق لحمه وخرق منخريه ، فوجدت منخريه يسيلان قيحاً ودماً ، ثم ألقمتيهما فاك لكيما تبلغي حقه ما بلغت ذاك أبدا .
وأخرج أحمد عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ، ولو صلح أن يسجد بشر لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها . والذي نفسي بيده لو أن من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنبجس بالقيح والصديد ثم أقبلت تلحسه ما أدت حقه » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس « أن رجلاً انطلق غازياً وأوصى امرأته لا تنزل من فوق البيت ، فكان والدها في أسفل البيت فاشتكى أبوها ، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تخبره وتستأمره ، فأرسل إليها إتقي الله وأطيعي زوجك . ثم إن والدها توفي فأرسلت إليه تستأمره ، فأرسل إليها مثل ذلك . وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى عليه ، فأرسل إليها أن الله قد غفر لأبيك بطواعيتك لزوجك » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن الحارث بن المصطلق قال : كان يقال أشد الناس عذاباً اثنان : امرأة تعصي زوجها ، وإمام قوم وهم له كارهون .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري . « أن رجلاً أتى بابنته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن ابنتي هذه أبت أن تتزوّج فقال لها : » أطيعي أباك . فقالت : لا حتى تخبرني ما حق الزوج على زوجته . فقال : حق الزوج على زوجته أن لو كان به قرحة فلحستها ، أو ابتدر منخراه صديدا ودماً ثم لحسته ما أدت حقه . فقالت : والذي بعثك بالحق لا أتزوج أبداً . فقال : لا تنكحوهن إلا بإذنهن « » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(3/108)
« لا ينبغي لشيء أن يسجد لشيء ، ولو كان ذلك لكان النساء يسجدن لأزواجهن » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجه عن عائشة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ، ولو أن رجلاً أمر امرأته أن تنتقل من جبل أحمر إلى جبل أسود ، أو من جبل أسود إلى جبل أحمر ، كان نولها أن تفعل » .
وأخرج ابن شيبة عن عائشة قالت : يا معشر النساء لو تعلمن حق أزواجكن عليكن لجعلت المرأة منكن تمسح الغبار عن وجهه بحر وجهها .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال : كانوا يقولون : لو أن امرأة مصت أنف زوجها من الجذام حتى تموت ما أدت حقه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس { واللاتي تخافون نشوزهن } قال : تلك المرأة تنشز وتستخف بحق زوجها ولا تطيع أمره ، فأمره الله أن يعظها ويذكرها بالله ويعظم حقه عليها ، فإن قبلت وإلا هجرها في المضجع ، ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها ، وذلك عليها شديد . فإن رجعت وإلا ضربها ضرباً غير مبرح ، ولا يكسر لها عظماً ولا يجرح بها جرحاً { فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً } يقول : إذا أطاعتك فلا تتجن عليها العلل .
وأخرج ابن جرير عن السدي { نشوزهن } قال : بغضهن .
وأخرج عن ابن زيد قال : النشوز : معصيته وخلافه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن } قال : إذا نشزت المرأة عن فراش زوجها يقول لها : اتق الله وارجعي إلى فراشك ، فإن أطاعته فلا سبيل له عليها .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد { واللاتي تخافون نشوزهن } قال : العصيان { فعظوهن } قال : باللسان { واهجروهن في المضاجع } قال : لا يكلمها { واضربوهن } ضرباً غير مبرح { فإن أطعنكم } قال : إن جاءت إلى الفراش { فلا تبغوا عليهن سبيلاً } قال : لا تلمها ببغضها إياك فإن البغض أنا جعلته في قلبها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { فعظوهن } قال : باللسان .
وأخرج البيهقي عن لقيط بن صبرة قال : « قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي امرأة في لسانها شيء - يعني البذاء - قال طلقها . قلت : إن لي منها ولداً ولها صحبة . قال : فمرها - يقول عظها - فإن يك فيها خير فستقبل ، ولا تضربن ظعينتك ضربك أمتك » .
وأخرج أحمد وأبو داود والبيهقي عن أبي حرة الرقاشي عن عمه . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع » - قال حماد : يعني النكاح .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس { واهجروهن في المضاجع } قال : لا يجامعها .(3/109)
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس { واهجروهن في المضاجع } يعني بالهجران ، أن يكون الرجل وامرأته على فراش واحد لا يجامعها .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد { واهجروهن في المضاجع } قال : لا يقربها .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس { واهجروهن في المضاجع } قال : لا تضاجعها في فراشك .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من طريق أبي صالح عن ابن عباس { واهجروهن في المضاجع } قال : يهجرها بلسانه ، ويغلظ لها بالقول ، ولا يدع جماعها .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير عن عكرمة { واهجروهن في المضاجع } قال : الكلام والحديث ، وليس بالجماع .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال : يرقد عندها ويوليها ظهره ويطؤها ولا يكلمها .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير من طريق أبي الضحى عن ابن عباس { واهجروهن في المضاجع واضربوهن } قال : يفعل بها ذاك ويضربها حتى تطيعه في المضاجع ، فإن أطاعته في المضجع فليس له عليها سبيل إذا ضاجعته .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال : الهجران حتى تضاجعه ، فإذا فعلت فلا يكلفها أن تحبه .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن في قوله { واضربوهن } قال : ضرباً غير مبرح .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة في الآية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اضربوهن إذا عصينكم في المعروف ، ضرباً غير مبرح » .
وأخرج ابن جرير عن حجاج قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تهجروا النساء إلا في المضاجع ، واضربوهن إذا عصينكم في المعروف ضرباً غير مبرح » يقول : غير مؤثِّر .
وأخرج ابن جرير عن عطاء قال : قلت لابن عباس : ما الضرب غير المبرح؟ قال : بالسواك ونحوه .
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن المنذر والحاكم والبيهقي عن إياس بن عبد الله ابن أبي ذئاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تضربوا إماء الله . فقال عمر : ذئرن النساء على أزواجهن ، فرخص في ضربهن . فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكين أزواجهن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس أولئك خياركم » .
وأخرج ابن سعد والبيهقي عن أم كلثوم بنت أبي بكر قالت : كان الرجال نهوا عن ضرب النساء ، ثم شكوهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخلى بينهم وبين ضربهن ثم قال : « ولن يضرب خياركم » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن زمعة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أيضرب أحدكم امرأته كما يضرب العبد ، ثم يجامعها في آخر اليوم؟! » .
وأخرج عبد الرزاق عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(3/110)
« أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب العبد ، يضربها أول النهار ثم يضاجعها آخره » .
وأخرج الترمذي وصححه النسائي وابن ماجه عن عمرو بن الأحوص . أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ، ثم قال : « أي يوم أحرم ، أي يوم أحرم ، أي يوم أحرم . فقال الناس : يوم الحج الأكبر يا رسول الله . قال : فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا ، في بلدكم هذا ، في شهركم هذا ، ألا لا يجني جان إلا على نفسه ، ألا ولا يجني والد على ولده ولا ولد على والده ، إلا إن المسلم أخو المسلم فليس يحل لمسلم من أخيه شيء إلا ما أحل من نفسه ، ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع ، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون غير ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله ، وإن كل دم في الجاهلية موضوع وأول دم أضع من دم الجاهلية دم الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعاً في بني ليث فقتلته هذيل ، ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك ، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح { فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً } ألا وإن لكم على نسائكم حقاً ، ولنسائكم عليكم حقاً . فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ، وإن حقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن » .
وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته؟ »
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { فلا تبغوا عليهن سبيلاً } قال : لا تلمها ببغضها إياك ، فإن البغض أنا جعلته في قلبها .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن سفيان { فإن أطعنكم } قال : إن أتت الفراش وهي تبغضه { فلا تبغوا عليهن سبيلاً } لا يكلفها أن تحبه لأن قلبها ليس في يديها .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح » .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه النسائي والبيهقي عن طلق بن علي . سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « إذا دعا الرجل امرأته لحاجته فلتجبه وإن كانت على التنور » .
وأخرج ابن سعد عن طلق قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تمنع امرأة زوجها ولو كانت على ظهر قتب » .(3/111)
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس { وإن خفتم شقاق بينهما } هذا الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما ، أمر الله أن يبعثوا رجلاً صالحاً من أهل الرجل ورجلاً مثله من أهل المرأة ، فينظران أيهما المسيء . فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة ، وإن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها ومنعوها النفقة ، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز ، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره ذلك الآخر ثم مات أحدهما فإن الذي رضي يرث الذي كره ، ولا يرث الكاره الراضي { إن يريدآ إصلاحاً } قال : هما الحكمان { يوفق الله بينهما } وكذلك كل مصلح يوفقه الله للحق والصواب .
وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق في المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عبيدة السلماني في هذه الآية قال : جاء رجل وامرأة إلى علي ، ومع كل واحد منهما فئام من الناس ، فأمرهم علي فبعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها ، ثم قال للحكمين : تدريان ما عليكما ، عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا . قالت المرأة : رضيت بكتاب الله بما عليَّ فيه ولي . وقال الرجل : أما الفرقة فلا . . . فقال علي : كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير قال : يعظها فإن انتهت وإلا هجرها فإن انتهت وإلا ضربها فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلى السلطان ، فيبعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها ، فيقول الحكم الذي من أهلها : تفعل بها كذا . ويقول الحكم الذي من أهله : تفعل به كذا . فأيهما كان الظالم رده السلطان وأخذ فوق يديه ، وإن كانت ناشزاً أمره أن يخلع .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في سننه عن عمرو بن مرة قال : سألت سعيد بن جبير عن الحكمين اللذين في القرآن فقال : يبعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها ، يكلمون أحدهما ويعظونه ، فإن رجع وإلا كلموا الآخر ووعظوه ، فإن رجع وإلا حكماً فما حكما من شيء فهو جائز .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال : بعثت أنا ومعاوية حكمين فقيل لنا : إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما . والذي بعثهما عثمان .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن الحسن قال : إنما يبعث الحكمان ليصلحا ويشهدا على الظالم بظلمه ، وأما الفرقة فليست بأيديهما .(3/112)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة . نحوه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس { واللاتي تخافون نشوزهن } قال : هي المرأة التي تنشز على زوجها فلزوجها أن يخلعها حين يأمر الحكمان بذلك ، وهو بعدما تقول لزوجها : والله لا أبر لك قسماً ولا أدبر في بيتك بغير أمرك . ويقول السلطان : لا نجيز لك خلعاً حتى تقول المرأة لزوجها : والله لا أغتسل لك من جنابة ، ولا أقيم لله صلاة ، فعند ذلك يجيز السلطان خلع المرأة .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال : كان علي بن أبي طالب يبعث الحكمين حكماً من أهله وحكماً من أهلها فيقول الحكم من أهلها : يا فلان ما تنقم من زوجتك؟ فيقول : أنقم منها كذا وكذا . . . فيقول : أرأيت إن نزعت عما تكره إلى ما تحب هل أنت متقي الله فيها ومعاشرها بالذي يحق عليك في نفقتها وكسوتها؟ فإذا قال : نعم قال الحكم من أهله : يا فلانة ما تنقمين من زوجك؟ فتقول : مثل ذلك . فإن قالت : نعم . جمع بينهما . قال : وقال علي : الحكمان بهما يجمع الله ، وبهما يفرق .
وأخرج البيهقي عن علي قال : إذا حكم أحد الحكمين ولم يحكم الآخر فليس حكمه بشيء حتى يجتمعا .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس { إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما } قال : هما الحكمان .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { إن يريدا إصلاحاً } قال : أما أنه ليس بالرجل والمرأة ولكنه الحكمان { يوفق الله بينهما } قال : بين الحكمين .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك { إن يريدا إصلاحاً } قال : هما الحكمان إذا نصحا المرأة والرجل جميعاً .
واخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله { إن الله كان عليماً خبيراً } قال : بمكانهما .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر « عن النبي صلى الله عليه وسلم . أن امرأة أتته فقالت : ما حق الزوج على امرأته؟ فقال : » لا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب ، ولا تعطي من بيته شيئاً إلا بإذنه ، فإن فعلت ذلك كان له الأجر وعليها الوزر . ولا تصوم يوماً تطوعاً إلا بإذنه ، فإن فعلت أثمت ولم تؤجر ، ولا تخرج من بيته إلا بإذنه ، فإن فعلت لعنتها الملائكة ، ملائكة الغضب وملائكة الرحمة حتى تتوب أو تراجع . قيل : فإن كان ظالماً؟ قال : وإن كان ظالماً « » .
وأخرج الطبراني والحاكم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عباس قال : لما اعتزلت الحرورية فكانوا في واد على حدتهم قلت لعلي : يا أمير المؤمنين أبرد عن الصلاة لعلِّي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم؟ فأتيتهم ولبست أحسن ما يكون من الحلل فقالوا : مرحبا بك يا ابن عباس ، فما هذه الحلة؟ قال : ما تعيبون عليّ .(3/113)
. . لقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الحلل ونزل . { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } [ الأعراف : 32 ] قالوا : فما جاء بك؟ قلت : أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وختنه ، وأوّل من آمن به ، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه؟ قالوا : ننقم عليه ثلاثاً . قلت ما هن؟ قالوا : أولهن أنه حكم الرجال في دين الله وقد قال الله تعالى { إن الحكم إلا لله } [ الأنعام : 57 ] قلت : وماذا؟ قالوا : وقاتل ولم يسب ولم يغنم ، لئن كانوا كفاراً لقد حلت له أموالهم ، ولئن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم . قلت : وماذا؟ قالوا : ومحا اسمه من أمير المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين .
قلت : أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم ، وحدثتكم من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما لا تشكون أترجعون؟ قالوا : نعم . قلت : أما قولكم أنه حكم الرجال في دين الله ، فإن الله تعالى يقول { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } [ المائدة : 95 ] إلى قوله { يحكم به ذوا عدل منكم } [ المائدة : 95 ] وقال في المرأة وزوجها { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها } أنشدكم الله أفحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم وصلاح ذات بينهم أحق أم في أرنب فيها ربع درهم؟ قالوا اللهم في حقن دمائهم وصلاح ذات بينهم . قال : أخرجت من هذه؟ قالوا : اللهم نعم . وأما قولكم أنه قاتل ولم يسب ولم يغنم ، أتسبون أمكم أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها فقد كفرتم ، وإن زعمتم أنها ليست بأمكم فقد كفرتم وخرجتم من الإسلام ، إن الله تعالى يقول { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم } [ الأحزاب : 6 ] وأنتم تترددون بين ضلالتين فاختاروا أيتهما شئتم ، أخرجت من هذه؟ قالوا : اللهم نعم . وأما قولكم محا اسمه من أمير المؤمنين ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قريشاً يوم الحديبية على أن يكتب بينه وبينهم كتاباً فقال : اكتب . هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله فقالوا : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال : والله إني لرسول الله وإن كذبتموني ، اكتب يا علي محمد بن عبد الله ورسول الله كان أفضل من علي ، أخرجت من هذه؟ قالوا : اللهم نعم . فرجع منهم عشرون ألفاً وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا .(3/114)
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36)
أخرج أحمد والبخاري عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين . وأشار بالسبابة والوسطى » .
وأخرج أحمد عن أبي أمامة . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من مسح رأس يتيم لم يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة مرت عليها يده حسنات ، ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كهاتين . وقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى » .
وأخرج ابن سعد وأحمد عن عمرو بن مالك القشيري . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من أعتق رقبة مسلمة فهي فداؤه من النار مكان كل عظم محرره بعظم من عظامه ، ومن أدرك أحد والديه ثم لم يغفر له فأبعده الله ، ومن ضم يتيماً من أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله وجبت له الجنة » .
وأخرج الحكيم الترمذي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أحسن إلى يتيم أو يتيمة كنت أنا وهو في الجنة كهاتين . وقرن بين أصبعيه » .
وأخرج الحكيم والترمذي عن أم سعد بنت مرة الفهرية عن أبيها قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « أنا وكافل اليتيم له أو لغيره إذا اتقى الله في الجنة كهاتين ، أو كهذه من هذه » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان من طرق عن ابن عباس في قوله { والجار ذي القربى } يعني الذي بينك وبينه قرابة { والجار الجنب } يعني الذي ليس بينك وبينه قرابة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن نوف الشامي في قوله { والجار ذي القربى } قال : المسلم { والجار الجنب } قال : اليهودي والنصراني .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أبي شريح الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم عن عائشة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه » .
وأخرج البخاري في الأدب عن ابن عمر : « سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة ، يقول : يا رب هذا أغلق بابه دوني فمنع معروفه » .
وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه » . وأخرج البخاري في الأدب والحاكم وصححه البيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال :(3/115)
« قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : أن فلانة تقوم الليل ، وتصوم النهار ، وتفعل وتصدق ، وتؤذي جيرانها بلسانها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا خير فيها ، هي من أهل النار . قالوا : وفلانة تصلي المكتوبة ، وتصوم رمضان ، وتصدق بأثوار ، ولا تؤذي أحداً . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هي من أهل الجنة » .
وأخرج البخاري في الأدب والحاكم وصححه عن عائشة قالت : « قلت : يا رسول الله إن لي جارين ، فإلى أيهما أهدي؟ قال : إلى أقربهما منك باباً » .
وأخرج البخاري في الأدب عن أبي هريرة قال : لا يبدأ بجاره الأقصى قبل الأدنى ، ولكن يبدأ بالأدنى قبل الأقصى .
وأخرج البخاري في الأدب عن الحسن أنه سئل عن الجار فقال : أربعين داراً أمامه ، وأربعين خلفه ، وأربعين عن يمينه ، وأربعين عن يساره .
وأخرج البخاري في الأدب والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رجل : « يا رسول الله إن لي جاراً يؤذيني . فقال : انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق . فانطلق فأخرج متاعه ، فاجتمع الناس عليه فقالوا : ما شأنك؟ قال : لي جار يؤذيني . فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق ، فجعلوا يقولون : اللهم العنه ، اللهم أخزه ، فبلغه فأتاه فقال : ارجع إلى منزلك ، فوالله لا أوذيك أبداً » .
وأخرج البخاري في الأدب والبيهقي عن أبي جحيفة قال : « شكا رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم جاره فقال : احمل متاعك فضعه على الطريق فمن مر به يلعنه . فجعل كل من يمر به يلعنه ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما لقيت من لعنة الناس؟ فقال : إن لعنة الله فوق لعنتهم ، وقال للذي شكا : كفيت أو نحوه » .
وأخرج البخاري في الأدب عن ثوبان قال : ما من جار يظلم جاره ويقهره حتى يحمله ذلك على أن يخرج من منزله إلا هلك .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن . قالوا : وما ذاك يا رسول الله؟! قال : جار لا يأمن جاره بوائقه . قالوا : فما بوائقه؟ قال : شره » .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم عن أنس . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ليس بؤمن من لا يأمن جاره غوائله » .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود مرفوعاً « إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم ، وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب ، فمن أعطاه الإيمان فقد أحبه والذي نفس محمد بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه » .
وأخرج أحمد والحاكم عن عمر .(3/116)
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا يشبع الرجل دون جاره » .
وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال : « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي بالجار حتى ظننت أنه سيورثه » .
وأخرج أحمد من طريق أبي العالية « عن رجل من الأنصار قال : خرجت من أهلي أريد النبي صلى الله عليه وسلم فإذا به قائم ورجل معه مقبل عليه ، فظننت أن لهما حاجة . فلما انصرف قلت : يا رسول الله لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام . قال : » أوقد رأيته؟ قلت : نعم . قال : أتدري من هو؟ قلت : لا . قال : ذاك جبريل ، ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ، ثم قال : أما أنك لو سلمت رد عليك السلام « » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أوصاني جبريل بالجار حتى ظننت أنه سيورثه » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اللهم إني أعوذ بك من جار سوء في دار المقامة ، فإن جار البادية يتحول » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي لبابة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا قليل من أذى الجار » .
وأخرج أحمد والبخاري في الأدب والبيهقي عن المقداد بن الأسود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : « ما تقولون في الزنا؟ قالوا : حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره ، وقال ما تقولون في السرقة؟ قالوا : حرمها الله ورسوله فهي حرام . قال : لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله { والصاحب بالجنب } قال : الرفيق في السفر .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ومجاهد . مثله .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم { والصاحب بالجنب } قال : هو جليسك في الحضر ، ورفيقك في السفر ، وامرأتك التي تضاجعك .
وأخرج ابن جرير من طريق ابن أبي فديك عن فلان بن عبد الله عن الثقة عنده « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من أصحابه وهما على راحلتين ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم في غيضة طرفاء ، فقطع نصلين أحدهما معوج والآخر معتدل ، فخرج بهما ، فأعطى صاحبه المعتدل وأخذ لنفسه المعوج فقال الرجل : يا رسول الله أنت أحق بالمعتدل مني! فقال : كلا يا فلان ، إن كل صاحب يصحب صاحباً مسؤول عن صحابته ولو ساعة من نهار » .(3/117)
وأخرج البخاري في الأدب المفرد والترمذي وابن جرير والحاكم عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه ، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي في قوله { والصاحب بالجنب } قال : المرأة .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود . مثله .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس . مثله .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وما ملكت أيمانكم } قال : مما خوّلك الله فأحسن صحبته ، كل هذا أوصى الله به .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل { وما ملكت أيمانكم } يعني من عبيدكم وإمائكم ، يوصي الله بهم خيراً أن تؤدوا إليهم حقوقهم التي جعل الله لهم .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يديه فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم ، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم » .
وأخرج البخاري في الأدب عن جابر بن عبد الله قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي بالمملوكين خيراً ويقول : أطعموهم مما تأكلون ، وألبسوهم من لبوسكم ، ولا تعذبوا خلق الله » .
وأخرج ابن سعد عن أبي الدرداء . أنه رؤى عليه برد وثوب أبيض ، وعلى غلامه برد وثوب أبيض . فقيل له . . . فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « اكسوهم مما تلبسون ، وأطعموهم مما تأكلون » .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والبيهقي في الشعب عن علي قال : كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم : « الصلاة الصلاة ، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم » .
وأخرج البزار عن أبي رافع قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : « الله الله وما ملكت أيمانكم ، والصلاة . فكان ذلك آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن أم سلمة قالت : كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته : « الصلاة الصلاة ، وما ملكت أيمانكم ، حتى يلجلجها في صدره وما يفيض بها لسانه » .
وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس قال : كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت : « الصلاة ، وما ملكت أيمانكم ، حتى جعل يغرغرها في صدره وما يفيض بها لسانه » .(3/118)
وأخرج عبد الرزاق ومسلم والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « للمملوك طعامه ، وكسوته ، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق » .
وأخرج البيهقي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الفقير عند الغني فتنة ، وإن الضعيف عند القوي فتنة ، وإن المملوك عند المليك فتنة ، فليتق الله وليكلفه ما يستطيع ، فإن أمره أن يعمل بما لا يستطيع فليعنه عليه ، فإن لم يفعل فلا يعذبه » .
وأخرج أحمد والبيهقي عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من لاءمكم من خدمكم فأطعموهم مما تأكلون ، وألبسوهم مما تلبسون ، ومن لا يلائمكم منهم فبيعوهم ولا تعذبوا خلق الله » .
وأخرج الطبراني والبيهقي عن رافع بن مكيث قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « سوء الخلق شؤم ، وحسن الملكة نماء ، والبر زيادة في العمر ، والصدقة تدفع ميتة السوء » .
وأخرج البيهقي عن أبي بكر الصديق . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا يدخل الجنة سيء الملكة » .
وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه والبيهقي عن ابن عمر قال : « جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله كم نعفو عن العبد في اليوم؟ قال : سبعين مرة » .
وأخرج البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا ضرب أحدكم خادمه فذكر الله فليمسك » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تضربوا الرقيق فإنكم لا تدرون ما توافقون » .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « ما حق امرأتي عليّ؟ قال : تطعمها مما تأكل ، وتكسوها مما تكتسي ، قال : فما حق جاري عليّ؟ قال : تنوسه معروفك ، وتكف عنه أذاك . قال : فما حق خادمي عليّ؟ قال : هو أشد الثلاثة عليك يوم القيامة » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن سعد وأحمد عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن أبيه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : « أرقاءكم ، أرقاءكم ، أطعموهم مما تأكلون ، واكسوهم مما تلبسون ، وإن جاؤوا بذنب لا تريدون أن تغفروه فبيعوا عباد الله ولا تعذبوهم » ، كذا قال ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، وقال عبد الرزاق وأحمد بن عبد الرحمن بن يزيد « .
وأخرج عبد الرزاق عن داود بن أبي عاصم قال : بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(3/119)
« صه ، أطت السماء وحق لها أن تئط ، ما في السماء موضع كف - أو قال شبر - إلا عليه ملك ساجد ، فاتقوا الله ، وأحسنوا إلى ما ملكت أيمانكم ، أطعموهم مما تأكلون ، واكسوهم مما تلبسون ، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون ، فإن جاؤوا بشيء من أخلاقهم يخالف شيئاً من أخلاقكم فولوا شرهم غيركم ولا تعذبوا عباد الله » .
وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة قال : « مر النبي صلى الله عليه وسلم بأبي مسعود الأنصاري وهو يضرب خادمه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم والله لله أقدر عليك منك على هذا . قال : ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمثل الرجل بعبده فيعور ، أو يجدع . قال : أشبعوهم ولا تجيعوهم ، واكسوهم ولا تعروهم . ولا ولا تكثروا ضربهم فإنكم مسؤولون عنهم ، ولا تعذبوهم بالعمل ، فمن كره عبده فليبعه ولا يجعل رزق الله عليه عناء » .
وأخرج عبد الرزاق ومسلم عن زاذان قال : كنت جالساً عند ابن عمر فدعا بعبد له فأعتقه ثم قال : ما لي من أجره ما يزن هذا - وأخذ شيئاً بيده - إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من ضرب عبداً له حداً لم يأته أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه » .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن سويد بن مقرن قال : « كنا بني مقرن سبعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولنا خادمة ليس لنا غيرها ، فلطمها أحدنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أعتقوها . فقلنا : ليس لنا خادم غيرها يا رسول الله . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : تخدمكم حتى تستغنوا عنها ثم خلوا سبيلها » .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري في الأدب عن عمار بن ياسر قال : لا يضرب أحد عبداً له وهو ظالم له إلا أقيد منه يوم القيامة .
وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة قال : أشد الناس على الرجل يوم القيامة مملوكه .
وأخرج عبد الرزاق والترمذي وصححه عن أبي مسعود الأنصاري قال : بينا أنا أضرب غلاماً لي ، إذ سمعت صوتاً من ورائي ، فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « والله لله أقدر عليك منك على هذا . فحلفت أن لا أضرب مملوكاً لي أبداً » .
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال : « بينا رجل يضرب غلاماً له وهو يقول : أعوذ بالله وهو يضرب ، إذ بصر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أعوذ برسول الله . فألقى ما كان في يده وخلى عن العبد . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » أما والله لله أحق أن يعاذ ، من استعاذ به مني؟ فقال الرجل : يا رسول الله فهو لوجه الله . قال : والذي نفسي بيده لو لم تفعل لدافع وجهك سفع النار « .(3/120)
وأخرج عبد الرزاق عن ابن التيمي قال : حلفت أن أضرب مملوكة لي فقال لي أبي : إنه قد بلغني أن النفس تدور في البدن فربما كان قرارها الرأس ، وربما كان قرارها في موضع كذا وكذا - حتى عدد مواضع - فتقع الضربة عليها فتتلف فلا تفعل .
وأخرج أحمد في الزهد عن أبي المتوكل الناجي . أن أبا الدرداء كانت لهم وليدة ، فلطمها ابنه يوماً لطمة فأقعده لها وقال : اقتصي . . . فقالت : قد عفوت . . . فقال : إن كنت عفوت فاذهبي فادعي من هناك من حرام فأشهديهم أنك قد عفوت . فذهبت فدعتهم فأشهدتهم أنها قد عفت . فقال : اذهبي فأنت لله وليت آل أبي الدرداء ينقلبون كفافاً .
وأخرج أحمد عن أبي قلابة قال : دخلنا على سلمان وهو يعجن ، قلنا : ما هذا؟ قال : بعثنا الخادم في عمل فكرهنا أن نجمع عليها عملين .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { إن الله لا يحب من كان مختالاً } قال : متكبراً { فخوراً } قال : بعدما أعطي وهو لا يشكر الله .
وأخرج أبو يعلى والضياء المقدسي في المختارة عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إذا جمع الله الناس في صعيد واحد يوم القيامة ، أقبلت النار يركب بعضها بعضاً ، وخزنتها يكفونها وهي تقول : وعزة ربي لتخلن بيتي وبين أزواجي أو لأغشيّن الناس عنقاً واحداً . فيقولون : ومن أزواجك؟ فتقول كل متكبر جبار ، فتخرج لسانها فتلقطهم به من بين ظهراني الناس ، فتقذفهم في جوفها ثم تستأخر ، ثم تقبل يركب بعضها بعضاً وخزنتها يكفونها وهي تقول : وعزة ربي لتخلي بيني وبين أزواجي أو لأغشين الناس عنقاً واحداً . فيقولون : ومن أزواجك؟ فتقول : كل مختال فخور ، فتلقطهم بلسانها من بين ظهراني الناس فتقذفهم في جوفها ، ثم تستأخر ويقضي الله بين العباد » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي في شعب الإيمان عن جابر بن عتيك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله ، وإن من الخيلاء ما يحب الله ومنها ما يبغض الله . فأما الغيرة التي يجب الله فالغيرة في الريبة ، وأما الغيرة التي يبغض الله فالغيرة في غير ريبة . وأما الخيلاء التي يحبها الله فاختيال الرجل بنفسه عند القتال واختياله عند الصدقة ، والخيلاء التي يبغض الله فاختيال الرجل بنفسه في الفخر والبغي » .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن جابر بن سليم الهجيمي قال : « أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة قلت : عليك السلام يا رسول الله ، فقال : عليك السلام تحية الميت ، سلام عليكم ، سلام عليكم ، سلام عليكم ، أي هكذا فقل . قال فسألته عن الإزار؟ فأقنع ظهره وأخذ بمعظم ساقه فقال : ههنا ائتزر ، فإن أبيت فههنا أسفل من ذلك ، فإن أبيت فههنا فوق الكعبين ، فإن أبيت فإن الله لا يحب كل مختال فخور . فسألته عن المعروف ، فقال : لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تعطي صلة الحبل ، ولو أن تعطي شسع النعل ، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي ، ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم ، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق ، ولو أن تلقى أخاك فتسلم عليه ، ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض . وإن سبك رجل بشيء يعلمه فيك وأنت تعلم فيه نحوه فلا تسبه فيكون أجره لك ووزره عليه ، وما سَرَّ أذنك أن تسمعه فاعمل به ، وما ساء أذنك أن تسمعه فاجتنبه » .(3/121)
وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن مطرف بن عبد الله قال : قلت لأبي ذر : بلغني أنك تزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثكم أن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة . قال : أجل . . . قلت : من الثلاثة الذين يحبهم الله؟ قال : رجل غزا في سبيل الله صابراً محتسباً مجاهداً فلقي العدو فقاتل حتى قتل ، وأنتم تجدونه عندكم في كتاب الله المنزل . ثم قرأ هذه الآية { إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص } [ الصف : 4 ] ، ورجل له جار سوء يؤذيه فصبر على آذاه حتى يكفيه الله إياه إما بحياة وإما بموت ، ورجل سافر مع قوم فأدلجوا حتى إذا كانوا من آخر الليل وقع عليهم الكرى فضربوا رؤوسهم ، ثم قام فتطهر رهبة لله ورغبة فيما عنده . قلت : فمن الثلاثة الذين يبغضهم الله؟ قال : المختال الفخور ، وأنتم تجدونه في كتاب الله المنزل ثم تلا { إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً } قلت : ومن؟ قال : البخيل المنان . قلت : ومن؟ قال : البائع الحلاف « .
وأخرج ابن جرير عن أبي رجاء الهروي قال : لا تجد سيء الملكة إلا وجدته مختالاً فخوراً ، وتلا { وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً } ولا عاقاً إلا وجدته جباراً شقياً وتلا { وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً } [ مريم : 32 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن العوام بن حوشب . مثله .
وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والبغوي والباوردي والطبراني وابن أبي حاتم عن رجل من بلجبيم قال : قلت : يا رسول الله أوصني . قال : » إياك وإسبال الإزار ، فإن إسبال الإزار من المخيلة ، وإن الله لا يحب المخيلة « .
وأخرج البغوي وابن قانع في معجم الصحابة والطبراني وابن مردويه عن ثابت بن قيس بن شماس قال : » كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الآية { إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً } فذكر الكبر فعظمه ، فبكى ثابت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك؟ فقال : يا رسول الله إني لأحب الجمال حتى إنه ليعجبني أن يحسن شراك نعلي . قال : فأنت من أهل الجنة ، إنه ليس بالكبر أن تحسن راحلتك ورحلك ، ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس « .
وأخرج أحمد عن سمرة بن فاتك . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » نعم الفتى سمرة ، لو أخذ من لمنة وشمر من مئزره « .(3/122)
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39)
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كان كردم بن يزيد حليف كعب بن الأشرف ، وأسامة بن حبيب ، ونافع بن أبي نافع ، وبحري بن عمرو ، وحيي بن أخطب ، ورفاعة بن زيد بن التابوت ، يأتون رجالاً من الأنصار يتنصحون لهم فيقولون لهم : لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها ، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون . فأنزل الله فيهم { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } إلى قوله { وكان الله بهم عليماً } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { الذين يبخلون } قال : هي في أهل الكتاب ، يقول : يكتمون ويأمرون الناس بالكتمان .
وأخرج ابن جرير عن حضرمي في الآية قال : هم اليهود ، بخلوا بما عندهم من العلم ، وكتموا ذلك .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { الذين يبخلون . . . } الآية . قال : نزلت في يهود .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله { الذين يبخلون . . } الآية . قال : هؤلاء يهود يبخلون بما آتاهم الله من الرزق ، ويكتمون ما آتاهم الله من الكتب إذا سئلوا عن الشيء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم ، وينهون العلماء أن يعلموا الناس شيئاً ، فعيرهم الله بذلك فأنزل الله { الذين يبخلون . . . } الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } قال : هذا في العلم ليس للدنيا منه شيء .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : هم أعداء الله أهل الكتاب ، بخلوا بحق الله عليهم وكتموا الإسلام ومحمداً وهم { يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل } [ الأعراف : 157 ] .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن طاوس قال : البخل : أن يبخل الإنسان بما في يديه ، والشح . أن يشح على ما في أيدي الناس ، يحب أن يكون له ما في أيدي الناس بالحل والحرام لا يقنع .
وأخرج سعيد بن منصور عن عمرو بن عبيد . أنه قرأ { ويأمرون الناس بالبخل } .
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن يعمر ، أنه قرأها { ويأمرون الناس بالبخل } بنصب الباء والخاء .
وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن دينار . أن ابن الزبير كان يقرأها { ويأمرون الناس بالبخل } بنصب الباء والخاء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس } قال : نزلت في اليهود .(3/123)
إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } قال : رأس نملة حمراء .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { مثقال ذرة } قال : نملة .
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق عطاء عن عبد الله أنه قرأ « إن الله لا يظلم مثقال نملة » .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } قال : وزن ذرة .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عمر قال : نزلت هذه الآية في الأعراب ، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها . فقال رجل : وما للمهاجرين؟ قال { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً } وإذا قال الله لشيء عظيم فهو عظيم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة . أنه تلا هذه الآية فقال : لأن تفضل حسناتي على سيئاتي بمثقال ذرة أحب إليَّ من الدنيا وما فيها .
وأخرج الطيالسي وأحمد ومسلم وابن جرير عن أنس . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة ، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا فإذا كان يوم القيامة لم تكن له حسنة » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري . أي النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان » قال أبو سعيد : فمن شك فليقرأ { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : « يؤتى بالعبد يوم القيامة فينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين : هذا فلان بن فلان ، من كان له حق فليأت إلى حقه . فيفرح والله المرء أن يدور له الحق على والده أو ولده أو زوجته فيأخذه منه وإن كان صغيراً ، ومصداق ذلك في كتاب الله { فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } [ المؤمنون : 101 ] فيقال له : ائت هؤلاء حقوقهم . فيقول : أي رب ومن أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله لملائكته : انظروا أعماله الصالحة وأعطوهم منها . فإن بقي مثقال ذرة من حسنة قالت الملائكة : يا ربنا أعطينا كل ذي حق حقه وبقي له مثقال ذرة من حسنة . فيقول للملائكة : ضعفوها لعبدي ، وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة ، ومصداق ذلك في كتاب الله { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً } أي الجنة يعطيها .(3/124)
وإن فنيت حسناته وبقيت سيئاته قالت الملائكة : إلهنا فنيت حسناته وبقي طالبون كثير . فيقول الله : ضعوا عليه من أوزارهم واكتبوا له كتاباً إلى النار « .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { وإن تك حسنة } وزن ذرة زادت على سيئاته { يضاعفها } ، فأما المشرك فيخفف به عنه العذاب ولا يخرج من النار أبداً .
واخرج ابن المنذر عن أبي رجاء أنه قرأ : » وإن تك حسنة يضعفها « بتثقيل العين .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عثمان قال : بلغني عن أبي هريرة أنه قال : إن الله يجزي المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة . فأتيته فسألته . . . ؟ قال : نعم . وألفي ألف حسنة ، وفي القرآن من ذلك { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها } فمن يدري ما ذلك الإضعاف .
وأخرج ابن جرير عن أبي عثمان النهدي قال : لقيت أبا هريرة فقلت له : بلغني أنك تقول أن الحسنة لتضاعف ألف ألف حسنة! قال : وما أعجبك من ذلك؟ فوالله لقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : » إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة « .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة { ويؤت من لدنه أجراً عظيماً } قال : الجنة .(3/125)
فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41)
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن مسعود قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اقرأ عليَّ قلت : يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال : نعم . إني أحب أن أسمعه من غيري . فقرأت سورة النساء حتى أتيت على هذه الآية { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً } فقال : حسبك الآن . . فإذا عيناه تذرفان » .
وأخرج الحاكم وصححه عن عمرو بن حريث قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود : » اقرأ . قال : أقرأ وعليك أنزل؟! قال : إني أحب أن أسمعه من غيري . فافتتح سورة النساء حتى بلغ { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد . . . } الآية . فاستعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكف عبد الله « » .
وأخرج ابن أبي حاتم والبغوي في معجمه والطبراني بسند حسن عن محمد بن فضالة الأنصاري - وكان ممن صحب النبي صلى الله عليه وسلم - « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم في بني ظفر ومعه ابن مسعود ، ومعاذ بن جبل ، وناس من أصحابه ، فأمر قارئاً فقرأ ، فأتى على هذه الآية { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً } فبكى حتى اضطرب لحياه وجنباه ، وقال : يا رب هذا شهدت على من أنا بين ظهريه فكيف بمن لم أره؟ » .
وأخرج الطبراني عن يحيى بن عبد الرحمن بن لبيبة عن أبيه عن جده . « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً } بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : » يا رب هذا شهدت على من أنا بين ظهريه فكيف بمن لم أره « » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد } قال : رسولها يشهد عليها أن قد أبلغهم ما أرسله الله به إليهم { وجئنا بك على هؤلاء شهيداً } قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى عليها فاضت عيناه .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد } قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « شهيداً عليهم ما دمت فيهم فإذا توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم » والله تعالى أعلم .(3/126)
يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { لو تسوّى بهم الأرض } يعني أن تستوي الأرض والجبال عليهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية يقول : ودوا لو انخرقت بهم الأرض فساخوا فيها .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج { لو تسوّى بهم الأرض } تنشق لهم فيدخلون فيها فتسوي عليهم .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن سعيد بن جبير قال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال : أرأيت أشياء تختلف على من في القرآن؟ فقال ابن عباس : ما هو ، أشك في القرآن؟ قال : ليس شك ولكنه اختلاف . قال : هات ما اختلف عليك من ذلك . قال : اسمع الله يقول { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } [ الأنعام : 23 ] وقال { ولا يكتمون الله حديثاً } فقد كتموا ، واسمعه يقول { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } [ المؤمنون : 101 ] ثم قال { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } [ الصافات : 27 ] وقال { أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } [ فصلت : 9 ] حتى بلغ { طائعين } ، فبدأ بخلق الأرض في هذه الآية قبل خلق السماء ثم قال في الآية الأخرى { أم السماء بناها } [ النازعات : 27 ] ثم قال { والأرض بعد ذلك دحاها } [ النازعات : 30 ] فبدأ بخلق السماء في هذه الآية قبل خلق الأرض ، واسمعه يقول { وكان الله عزيزاً حكيماً } { وكان الله غفوراً رحيماً } { وكان الله سميعاً بصيراً } ، فكأنه كان ثم مضى . وفي لفظ ما شأنه يقول { وكان الله } فقال ابن عباس : أما قوله { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } [ الأنعام : 23 ] ، فإنهم لما رأوا يوم القيامة ، وأن الله يغفر لأهل الإسلام ويغفر الذنوب ولا يغفر شركاً ، ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره جحده المشركون رجاء أن يغفر لهم فقالوا : والله ربنا ما كنا مشركين ، فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ، فعند ذلك يود الذين كفروا لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً . وأما قوله { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } [ المؤمنون : 101 ] فهذا في النفخة الأولى { ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله } [ الزمر : 68 ] فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون { ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } [ الزمر : 68 ] { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } [ الصافات : 27 ] . وأما قوله { خلق الأرض في يومين } [ فصلت : 9 ] فإن الأرض خلقت قبل السماء ، وكانت السماء دخاناً فسوّاهن سبع سموات في يومين بعد خلق الأرض . وأما قوله { والأرض بعد ذلك دحاها } [ النازعات : 6 ] يقول : جعل فيها جبلاً ، جعل فيها نهراً ، جعل فيها شجراً ، وجعل فيها بحوراً .(3/127)
وأما قوله { وكان الله } فإن الله كان ولم يزل كذلك ، وهو كذلك { عزيز حكيم } { عليم قدير } ثم لم يزل كذلك ، فما اختلف عليك من القرآن فهو يشبه ما ذكرت لك ، وأن الله لم ينزل شيئاً إلا وقد أصاب به الذي أراد ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
وأخرج ابن جرير من طريق جويبر عن الضحاك أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال : يا ابن عباس قول الله { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً } وقوله { والله ربنا ما كنا مشركين } [ الأنعام : 23 ] فقال له ابن عباس : إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت : ألقي على ابن عباس متشابه القرآن ، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد . فيقول المشركون : إن الله لا يقبل من أحد شيئاً إلا ممن وَحَّدَهُ . فيقولون : تعالوا نقل . فيسألهم فيقولون { والله ربنا ما كنا مشركين } [ الأنعام : 23 ] فيختم على أفواههم وتستنطق به جوارحهم ، فتشهد عليهم أنهم كانوا مشركين ، فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سوّيت بهم ولا يكتمون الله حدثياً .
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم عن حذيفة قال : « أتي بعبد آتاه الله مالاً فقال له : ماذا عملت في الدنيا - ولا يكتمون الله حديثاً - فقال : ما عملت من شيء يا رب إلا أنك آتيتني مالاً فكنت أبايع الناس ، وكان من خلقي أن أنظر المعسر قال الله : أنا أحق بذلك منك تجاوزوا عن عبدي . فقال أبو مسعود الأنصاري : هكذا سمعت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ولا يكتمون الله حديثاً } قال : بجوارحهم .(3/128)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)
أخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب قال : صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً ، فدعانا وسقانا من الخمر ، فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة ، فقدموني فقرأت : قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ، ونحن نعبد ما تعبدون ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن علي . أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر شربوا الخمر ، فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ { قل يا أيها الكافرون } [ الكافرون : 1 ] فخلط فيها فنزلت { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } .
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في الآية قال : نزلت في أبي بكر ، وعمر ، وعلي ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد ، صنع علي لهم طعاماً وشراباً ، فأكلوا وشربوا ، ثم صلى علي بهم المغرب ، فقرأ { قل يا أيها الكافرون } [ الكافرون : 1 ] حتى خاتمتها فقال : ليس لي دين وليس لكم دين . فنزلت { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } .
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والنسائي والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } قال : نسخها { إنما الخمر والميسر . . . } [ المائدة : 90 ] الآية .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال : كان قبل أن تُحَرَّمُ الخمر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال : نهوا أن يصلوا وهم سكارى ، ثم نسخها تحريم الخمر .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والنحاس عن ابن عباس في قوله { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } قال : نسختها { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم } [ المائدة : 6 ] .
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } قال : نسخها { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم } [ المائدة : 6 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } قال : نشاوى من الشراب { حتى تعلموا ما تقولون } يعني ما تقرؤون في صلاتكم .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال : لم يعن بها الخمر ، إنما عنى بها سكر النوم .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله { وأنتم سكارى } قال : النعاس .
وأخرج البخاري عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف ، فلينم حتى يعلم ما يقول » .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن علي في قوله { ولا جنباً إلا عابري سبيل } قال : نزلت هذه الآية في المسافر ، تصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي .(3/129)
وفي لفظ قال : لا يقرب الصلاة إلا أن يكون مسافراً ، تصيبه الجنابة فلا يجد الماء فيتيمم ويصلي حتى يجد الماء .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طرق عن ابن عباس في قوله { ولا جنباً إلا عابري سبيل } يقول : لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إذا وجدتم الماء ، فإن لم تجدوا الماء فقد أحللت لكم أن تمسحوا بالأرض .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن عباس { ولا جنباً إلا عابري سبيل } قال : هو المسافر الذي لا يجد ماء فيتيمم ويصلي .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال : لا يمر الجنب ولا الحائض في المسجد ، إنما نزلت { ولا جنباً إلا عابري سبيل } للمسافر ، يتيمم ثم يصلي .
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد في قوله { ولا جنباً إلا عابري سبيل } قال : مسافرين لا تجدون ماء .
وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده والقاضي إسماعيل في الأحكام والطحاوي في مشكل الآثار والباوردي في الصحابة والدارقطني والطبراني وأبو نعيم في المعرفة وابن مردويه والبيهقي في سننه والضياء المقدسي في المختارة عن الأسلع بن شريك قال : « كنت أرحل ناقة النبي صلى الله عليه وسلم فأصابتني جنابة في ليلة باردة ، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحلة ، فكرهت أن أرحل ناقته وأنا جنب ، وخشيت أن أغتسل بالماء البارد فأموت أو أمرض ، فأمرت رجلاً من الأنصار فرحلها ، ثم رضفت أحجاراً فأسخنت بها ماء ، فاغتسلت به . فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل } إلى { إن الله كان عفواً غفوراً } » .
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد جبير وابن جرير والطبراني في سننه من وجه آخر عن الأسلع قال : « كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم وأرحل له ، فقال لي ذات ليلة : يا أسلع ، قم فارحل لي . قلت : يا رسول الله أصابتني جنابة . فسكت عني ساعة حتى جاء جبريل بآية الصعيد فقال : قم يا أسلع فتيمم ، ثم أراني الأسلع كيف علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم التيمم قال : ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض فمسح وجهه ، ثم ضرب فدلك إحداهما بالأخرى ، ثم نفضهما ثم مسح بهما ذراعيه ظاهرهما وباطنهما » .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس { لا تقربوا الصلاة } قال : المساجد .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس { ولا جنباً إلا عابري سبيل } قال : لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب إلا عابري سبيل .(3/130)
قال : تمر به مراً ولا تجلس .
وأخرج ابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب في قوله { ولا جنباً إلا عابري سبيل } قال : إن رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد ، فكانت تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم ، فيريدون الماء ولا يجدون ممراً إلا في المسجد ، فأنزل الله هذه الآية .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله { ولا جنباً إلا عابري سبيل } قال : هو الممر في المسجد .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لا بأس للحائض والجنب أن يمرا في المسجد ما لم يجلسا فيه .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبيدة قال : الجنب يمر في المسجد ولا يجلس فيه ، ثم قرأ { ولا جنباً إلا عابري سبيل } .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء في قوله { ولا جنباً إلا عابري سبيل } قال : الجنب يمر في المسجد .
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي في سننه عن ابن مسعود . أنه كان يرخص للجنب أن يمر في المسجد مجتازاً ، وقال { ولا جنباً إلا عابري سبيل } .
وأخرج البيهقي عن أنس في قوله { ولا جنباً إلا عابري سبيل } قال : يجتاز ولا يجلس .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير والبيهقي عن جابر قال : كان أحدنا يمر في المسجد وهو جنب مجتازاً .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وإن كنتم مرضى } قال : نزلت في رجل من الأنصار ، كان مريضاً فلم يستطع أن يقوم ، فيتوضأ ولم يكن له خادم فينا ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك له ، فأنزل الله هذه الآية .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله { وإن كنتم مرضى } قال : هو الرجل المجدور ، أو به الجراح أو القرح ، يجنب فيخاف إن اغتسل أن يموت فيتيمم .
وأخرج الحاكم والبيهقي في المعرفة عن ابن عباس رفعه في قوله { وإن كنتم مرضى } قال : « إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله ، أو القروح ، أوالجدري ، فيجنب فيخاف إن اغتسل أن يموت فليتيمم » .
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد في قوله { وإن كنتم مرضى } قال : هي للمريض ، تصيبه الجنابة إذا خاف على نفسه الرخصة في التيمم ، مثل المسافر إذا لم يجد الماء .
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد . أنه قال : للمريض المجدور وشبهه رخصة في أن لا يتوضأ ، وتلا { وإن كنتم مرضى أو على سفر } ثم يقول : هي مما خفي من تأويل القرآن .
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال : نال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جراحة ، ففشت فيهم ، ثم ابتلوا بالجنابة ، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت { وإن كنتم مرضى .(3/131)
. . } الآية كلها .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله { وإن كنتم مرضى } قال : المريض الذي قد أرخص له في التيمم هو الكسير والجريح ، فإذا أصابت الجنابة لا يحل جراحته إلا جراحة لا يخشى عليها .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير ومجاهد قالا في المريض تصيبه الجنابة فيخاف على نفسه : هو بمنزلة المسافر الذي لا يجد الماء يتيمم .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : المريض الذي لا يجد أحداً يأتيه بالماء ، ولا يقدر عليه ، وليس له خادم ولا عون ، يتيمم ويصلي .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { أو جاء أحد منكم من الغائط } قال : الغائط الوادي .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور ومسدد وابن أبي شيبة في مسنده وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم والبيهقي من طرق عن ابن مسعود في قوله { أو لامستم النساء } قال : اللمس . ما دون الجماع ، والقبلة منه ، وفيها الوضوء .
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود . أنه كان يقول في هذه الآية { أو لامستم النساء } هو الغمز .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عمر . أنه كان يتوضأ من قبلة المرأة ، ويقول : هي اللماس .
وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق وابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر قال : قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة ، فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء .
وأخرج الحاكم والبيهقي عن عمر قال : إن القبلة من اللمس فتوضأ منها .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال : اللمس هو الجماع ولكن الله كنى عنه .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله { أو لامستم النساء } قال : هو الجماع .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال : كنا في حجرة ابن عباس ومعنا عطاء بن أبي رباح ، ونفر من الموالي ، وعبيد بن عمير ، ونفر من العرب ، فتذاكرنا اللماس فقلت أنا وعطاء والموالي : اللمس باليد . وقال عبيد بن عمير والعرب : هو الجماع . فدخلت على ابن عباس فأخبرته فقال : غُلِبَتْ الموالي وأصابت العرب . ثم قال : إن اللمس ، والمس ، والمباشرة إلى الجماع ما هو ، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء .
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله تعالى { أو لامستم النساء } قال : أو جامعتم النساء ، وهذيل تقول : اللمس باليد . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . قال أما سمعت لبيد بن ربيعة حيث يقول :(3/132)
يلمس الاحلاس في منزله ... بيديه كاليهودي المصل
وقال الأعشى :
ورادعة صفراء بالطيب عندنا ... للمس الندامى من يد الدرع مفتق
وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي . أنه كان يقرأ « أو لمستم النساء » قال : يعني ما دون الجماع .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير عن محمد بن سيرين قال : سألت عبيدة عن قوله { أو لامستم النساء } فأشار بيده وضم أصابعه ، كأنه يتناول شيئاً يقبض عليه . قال محمد : ونبئت عن ابن عمر أنه كان إذا مس مخرجه توضأ ، فظننت قول ابن عمر وعبيدة شيئاً واحداً .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عثمان قال : اللمس باليد .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبيدة قال : ما دون الجماع .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال : الملامسة دون الجماع .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال : الملامسة الجماع .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سفيان في قوله { فتيمموا صعيداً طيباً } قال : تحروا تعمدوا صعيداً طيباً .
وأخرج ابن جرير عن قتادة { صعيداً طيباً } قال : التي ليس فيها شجر ولا نبات .
وأخرج ابن جرير عن عمرو بن قيس الملائي قال : الصعيد التراب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن بشير في الآية قال : الطيب . ما أتت عليه الأمطار وطهرته .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله { صعيداً طيباً } قال : حلالاً لكم .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : إن أطيب الصعيد أرض الحرث .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حماد قال : كل شيء وضعت يدك عليه فهو صعيد ، حتى غبار لبدك فتيمم به .
وأخرج الشيرازي في الألقاب عن ابن عباس « أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الصعيد أطيب؟ قال : أرض الحرث » .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن أبي هريرة قال : « لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أجده ، فانطلقت أطلبه فاستقبلته ، فلما رآني عرف الذي جئت له ، فبال ثم ضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه » .
وأخرج ابن عدي عن عائشة قالت : « لما نزلت آية التيمم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على الأرض فمسح بهما وجهه ، وضرب بيده الأخرى ضربة أخرى فمسح بهما كفيه » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عمار بن ياسر قال : « كنت في سفر فاجنبت فتمعكت فصليت ، ثم ذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : » إنما كان يكفيك أن تقول هكذا ، ثم ضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه « » .(3/133)
وأخرج الطبراني والحاكم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « التيمم ضربتان . ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين . » .
وأخرج الحاكم عن ابن عمر قال : « تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فضربنا بأيدينا على الصعيد الطيب ، ثم نفضنا أيدينا فمسحنا بها وجوهنا ، ثم ضربنا ضربة أخرى ، ثم نفضنا أيدينا فمسحنا بأيدينا من المرافق إلى الأكف على منابت الشعر من ظاهر وباطن » .
وأخرج ابن جرير عن أبي مالك قال : تيمم عمار ، فمسح وجهه ويديه ، ولم يمسح الذراع .
وأخرج عن مكحول قال : التيمم ضربة للوجه والكفين إلى الكوع ، فإن الله قال في الوضوء { وأيديكم إلى المرافق } [ المائدة : 6 ] وقال في التيمم { وأيديكم } ولم يستثن فيه كما استثنى في الوضوء إلى المرافق ، وقال الله { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } [ المائدة : 38 ] فإنما تقطع يد السارق من مفصل الكوع .
وأخرج ابن جرير عن الزهري قال : التيمم إلى الآباط .
وأخرج ابن جرير والبيهقي في سننه عن عمار بن ياسر قال : « كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلك عقد لعائشة ، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أضاء الصبح ، فتغيظ أبو بكر على عائشة ، فنزلت عليه رخصة المسح بالصعيد ، فدخل أبو بكر فقال لها : إنك لمباركة ، نزل فيك رخصة . فضربنا بأيدينا ضربة لوجهنا ، وضربة بأيدينا إلى المناكب والآباط . قال الشافعي : هذا منسوخ ، لأنه أول تيمم كان حين نزلت آية التيمم ، فكل تيمم جاء بعده يخالفه ، فهو له ناسخ » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والحاكم والبيهقي عن أبي ذر قال : « اجتمعت غنيمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أبا ذر ابْدُ فيها ، فبدوت فيها إلى الربذة ، وكانت تصيبني الجنابة فامكث الخمسة والستة ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين ، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك » .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « جعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء » .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « جعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عثمان الهندي قال : بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « تمسحوا بها فإنها بكم بَرَّةٌ » يعني الأرض .
وأخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عباس قال : من السنة أن لا يُصَلِّي الرجلُ بالتيمم إلا صلاة واحدة ثم يتيمم للأخرى .
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال : يُتَيَمَّمُ لكل صلاة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن العاص قال : يُتَيَمَّمُ لكل صلاة .(3/134)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46)
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود ، إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه ، وقال : ارعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك ، ثم طعن في الإسلام وعابه . فأنزل الله فيه { ألم تر الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة } إلى قوله { فلا يؤمنون إلا قليلاً } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب } إلى قوله { يحرفون الكلم عن مواضعه } قال : نزلت في رفاعة بن زيد بن التابوت اليهودي والله أعلم .
وأخرج ابن أبي حاتم وهيب بن الورد قال : قال الله « يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت ، فلا أمحقك فيمن أمحق ، وإذا ظلمت فاصبر وارض بنصرتي ، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك » .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { يحرفون الكلم عن مواضعه } يعني يحرفون حدود الله في التوراة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { يحرفون الكلم عن مواضعه } قال : تبديل اليهود التوراة { ويقولون سمعنا وعصينا } قالوا : سمعنا ما تقول ولا نطعيك { واسمع غير مسمع } قال : غير مقبول ما تقول { لياً بألسنتهم } قال : خلافاً يلوون به ألسنتهم { واسمع وانظرنا } قال : أفهمنا لا تعجل علينا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { يحرفون الكلم عن مواضعه } قال : لا يضعونه على ما أنزله الله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس في قوله { واسمع غير مسمع } يقولون : اسمع لأسمعت . وفي قوله { وراعنا } قال : كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : راعنا سمعك وإنما راعنا كقولك عاطنا . وفي قوله { لياً بألسنتهم } قال : تحريفاً بالكذب .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي قال : كان ناس منهم يقولون : اسمع غير مسمع كقولك : اسمع غير صاغر . وفي قوله { لياً بألسنتهم } قال : بالكلام شبه الاستهزاء { وطعنا في الدين } قال : في دين محمد عليه السلام .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال : اللي تحريكهم ألسنتهم بذلك .(3/135)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (47)
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود ، منهم عبد الله بن صوريا ، وكعب بن أسد ، فقال لهم : « يا معشر يهود اتقوا الله واسلموا ، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق . فقالوا : ما نعرف ذلك يا محمد . فأنزل الله فيهم { يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا . . . } الآية » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { يا أيها الذين أوتوا الكتاب . . . } الآية . قال : نزلت في مالك بن الصيف ، ورفاعة بن زيد بن التابوت من بني قينقاع .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { من قبل أن نطمس وجوهاً } قال : طمسها أن تعمى { فنردها على أدبارها } يقول : نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم فيمشون القهقرى ، ويجعل لأحدهم عينين في قفاه .
وأخرج الطستي عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قول الله عز وجل { من قبل أن نطمس وجوهاً } قال : من قبل أن نمسخها على غير خلقها . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت وهو يقول :
من يطمس الله عينيه فليس له ... نور يبين به شمساً ولا قمراً
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي ادريس الخولاني قال : كان أبو مسلم الخليلي معلم كعب ، وكان يلومه في ابطائه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بعثه لينظر أهو هو؟ قال كعب : حتى أتيت المدينة فإذا تالٍ يقرأ القرآن { يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً } فبادرت الماء اغتسل ، وإني لأمس وجهي مخافة أن أطمس ثم أسلمت .
وأخرج ابن جرير عن عيسى بن المغيرة قال : تذاكرنا عند إبراهيم اسلام كعب فقال : اسلم كعب في زمان عمر ، أقبل وهو يريد بيت المقدس ، فمر على المدينة فخرج إليه عمر فقال : يا كعب أسلم . قال : ألستم تقرأون في كتابكم { مثل الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً } [ الجمعة : 5 ] وأنا قد حملت التوراة . فتركه ثم خرج حتى انتهى إلى حمص ، فسمع رجلاً من أهلها يقرأ هذه الآية { يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً } قال كعب : يا رب آمنت ، يا رب أسلمت ، مخافة أن تصيبه هذه الآية . ثم رجع فأتى أهله باليمن ثم جاء بهم مسلمين .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { من قبل أن نطمس وجوهاً } يقول : عن صراط الحق { فنردها على أدبارها } قال : في الضلالة .(3/136)
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في الآية قال : الطمس . أن يرتدوا كفاراً فلا يهتدوا أبداً { أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت } أن نجعلهم قردة وخنازير .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد { فنردها على أدبارها } قال : كان أبي يقول إلى الشام أي رجعت إلى الشام من حيث جاءت ردوا إليه .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : نطمسها عن الحق { فنردها على أدبارها } على ضلالتها { أو نلعنهم } يقول سبحانه وتعالى : أو نجعلهم قردة .(3/137)
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)
أخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال : « جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام قال : وما دينه؟ قال : يصلي ويوحد الله . قال : استوهب منه دينه فإن أبى فابتعه منه . فطلب الرجل ذلك منه فأبى عليه ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : وجدته شحيحاً على دينه . فنزلت { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبزار من طرق عن ابن عمر قال : كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نشك في قاتل النفس ، وآكل مال اليتيم ، وشاهد الزور ، وقاطع الرحم ، حتى نزلت هذه الآية { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فامسكنا عن الشهادة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : كنا لا نشك فيمن أوجب الله له النار في كتاب الله حتى نزلت علينا هذه الآية { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فلما سمعنا هذا كففنا عن الشهادة وأرجأنا الأمور إلى الله .
وأخرج ابن الضريس وأبو يعلى وابن المنذر وابن عدي بسند صحيح عن ابن عمر قال : كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وقال : إني ادخرت دعوتي شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ، فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ، ثم نطقنا بعد ورَجَوْنا .
وأخرج ابن المنذر من طريق المعتمر بن سليمان عن سليمان بن عتبة البارقي قال : حدثنا إسماعيل بن ثوبان قال : شهدت في المسجد قبل الداء الأعظم ، فسمعتهم يقولون { من قتل مؤمناً } [ المائدة : 32 ] إلى آخر الآية فقال المهاجرون والأنصار : قد أوجب له النار . فلما نزلت { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } قالوا : ما شاء الله يصنع الله ما يشاء .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : « لما نزلت { يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم . . . } [ الزمر : 53 ] الآية . فقام رجل فقال : والشرك يا نبي الله؟ فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال { إن الله لا يغفر أن يشرك به } الآية » .
وأخرج ابن المنذر عن أبي مجلز قال : لما نزلت هذه الآية { يا عبادي الذين أسرفوا . . . } [ الزمر : 53 ] الآية . قام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فتلاها على الناس ، فقام إليه رجل قال : والشرك بالله؟ فسكت مرتين أو ثلاثاً ، فنزلت هذه الآية { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فاثبتت هذه في الزمر وأثبتت هذه في النساء .(3/138)
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال في هذه الآية : إن الله حرَّم المغفرة على من مات وهو كافر ، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم من المغفرة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن بكر بن عبد الله المزني { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } قال : ثنيا من ربنا على جميع القرآن .
وأخرج الفريابي والترمذي وحسنه عن علي قال : أحب آية إلي في القرآن { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } .
وأخرج ابن جرير عن أبي الجوزاء قال : اختلفت إلى ابن عباس ثلاث عشرة سنة ، فما من شيء من القرآن إلا سألته عنه ، ورسولي يختلف إلى عائشة ، فما سمعته ولا سمعت أحداً من العلماء يقول : إن الله يقول لذنب لا أغفره .
وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من عبد يموت لا يشرك بالله شيئاً إلا حلت له المغفرة ، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه ، إن الله استثنى فقال { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } » .
وأخرج أبو يعلى عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من وعده الله على عمل ثواباً فهو منجزه له ، ومن وعده على عمل عقاباً فهو بالخيار » .
وأخرج الطبراني عن سلمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ذنب لا يغفر ، وذنب لا يترك ، وذنب يغفر . فأما الذي لا يغفر فالشرك بالله ، وأما الذي يغفر فذنب بينه وبين الله عز وجل ، وأما الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضاً » .
وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الدواوين عند الله ثلاثة : ديوان لا يعبأ الله به شيئاً ، وديوان لا يترك الله منه شيئاً ، وديوان لا يغفره الله . فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك ، قال الله { أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة } [ المائدة : 72 ] وقال الله { إن الله لا يغفر أن يُشْرَكَ به } ، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه ، من صوم يوم تركه ، أو صلاة تركها ، فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء ، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضاً ، القصاص لا محالة » .(3/139)
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن مردويه عن أبي ذر قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة . قلت : وإن زنى وإن سرق؟! قال : وإن زنى وإن سرق . قلت : وإن زنى وإن سرق؟! قال : وإن زنى وإن سرق ثلاثاً ، ثم قال في الرابعة : على رغم أنف أبي ذر » .
وأخرج أحمد وابن مردويه عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله يقول : يا عبدي ما عبدتني ورجوتني فإني غافر لك على ما كان فيك ، ويا عبدي لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ما لم تشرك بي شيئاً لقيتك بقرابها مغفرة » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي ذر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من مات لا يعدل الله شيئاً ثم كانت عليه من الذنوب مثل الرمال غفر له » .
وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة » .
وأخرج الطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « قال الله عز وجل : من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ، ما لم يشرك بي شيئاً » .
وأخرج أحمد عن سلمة بن نعيم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة ، وإن زنى وإن سرق » .
وأخرج أحمد عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له دخل الجنة . قلت : وإن زنى وإن سرق؟! قال : وإن زنى وإن سرق . قلت : وإن زنى وإن سرق؟! قال : وإن زنى وإن سرق . قلت : وإن زنى وإن سرق؟! قال : وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء . قال فخرجت لأنادي بها في الناس فلقيني عمر فقال : ارجع فإن الناس إن علموا بهذه اتكلوا عليها . فرجعت ، فأخبرته صلى الله عليه وسلم فقال : صدق عمر » .
وأخرج هناد عن ابن مسعود قال : أربع آيات في كتاب الله عز وجل أحب إليّ من حمر النعم وسودها في سورة النساء قوله { إن الله لا يظلم مثقال ذرة . . . } [ النساء : 40 ] الآية . وقوله { إن الله لا يغفر أن يشرك به . . . } الآية . وقوله { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك . . . } [ النساء : 64 ] الآية وقوله { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه } [ النساء : 110 ] الآية .(3/140)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50)
أخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال : إن اليهود قالوا : إن أبناءنا قد توفوا وهم لنا قربة عند الله ، وسيشفعون لنا ويزكوننا فقال الله لمحمد { ألم ترَ إلى الذين يزكُّون أنفسهم . . . } الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : كانت اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم ، ويقربون قربانهم ، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب ، وكذبوا قال الله : إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له ، ثم أنزل الله { ألم ترَ إلى الذين يزكُّون أنفسهم } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم } قال : يعني يهود ، كانوا يقدمون صبياناً لهم أمامهم في الصلاة فيؤمونهم ، يزعمون أنهم لا ذنوب لهم قال : فتلك التزكية .
وأخرج ابن جرير عن أبي مالك في قوله { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم } قال : نزلت في اليهود ، كانوا يقدمون صبيانهم يقولون : ليست لهم ذنوب .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال : كان أهل الكتاب يقدمون الغلمان الذين لم يبلغوا الحنث ، يصلون بهم يقولون : ليس لهم ذنوب . فأنزل الله { ألم ترَ إلى الذين يزكُّون أنفسهم . . . } الآية .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { ألم ترَ إلى الذين يزكُّون أنفسهم } قال : هم اليهود والنصارى { قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه } [ المائدة : 18 ] . { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى } [ البقرة : 111 ] .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { ألم ترَ إلى الذين يزكُّون أنفسهم } قال : نزلت في اليهود قالوا : إنا نعلم أبناءنا التوراة صغاراً فلا يكون لهم ذنوب ، وذنوبنا مثل ذنوب أبناءنا ، ما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال : إن الرجل ليغدر بدينه ثم يرجع وما معه منه شيء ، يلقى الرجل ليس يملك له نفعاً ولا ضراً فيقول : والله إنك لذيت وذيت ، ولعله أن يرجع ولم يَجُدْ من حاجته بشيء وقد أسخط الله عليه ، ثم قرأ { ألم ترَ إلى الذين يزكون أنفسهم . . . } الآية .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله { ولا يظلمون فتيلاً } قال : الفتيل . ما خرج من بين الأصبعين .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طرق عن ابن عباس قال : الفتيل . هم أن تدلك بين أصبعيك ، فما خرج منهما فهو ذلك .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال : النقير . النقرة تكون في النواة التي تنبت منها النخلة ، والفتيل . الذي يكون على شق النواة ، والقطمير . القشر الذي يكون على النواة .(3/141)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الفتيل . الذي في الشق الذي في بطن النواة .
وأخرج الطستي وابن الأنباري في الوقف والإبتداء عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل { ولا يظلمون فتيلاً } قال : لا ينقصون من الخير والشر مثل الفتيل ، هو الذي يكون في شق النواة . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت نابغة بني ذبيان يقول :
يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ... ثم لا يرزأ الأعادي فتيلا
وقال الأول أيضاً :
أعاذل بعض لومك لا تلحي ... فإن اللوم لا يغني فتيلا
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال : النقير . الذي يكون في وسط النواة في ظهرها ، والفتيل . الذي يكون في جوف النواة ، ويقولون : ما يدلك فيخرج من وسخها ، والقطمير . لفافة النواة أو سحاة البيضة أو سحاة القصبة .
وأخرج عبد بن حميد عن عطية الجدلي : هي ثلاث في النواة . القطمير وهي قشرة النواة ، والنقير الذي غابت في وسطها ، والفتيل الذي رأيت في وسطها .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك قال : قالت يهود : ليس لنا ذنوب إلا كذنوب أولادنا يوم يولدون ، فإن كانت لهم ذنوب فإن لنا ذنوباً ، فإنما نحن مثلهم . قال الله { انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثماً مبيناً } .(3/142)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53)
أخرج الطبراني والبيهقي في الدلائل من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : « قدم حيي بن أخطب ، وكعب بن الأشرف ، مكة على قريش فحالفوهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لهم : أنتم أهل العلم القديم وأهل الكتاب ، فأخبرونا عنا وعن محمد قالوا : ما أنتم وما محمد؟ قالوا : ننحر الكوماء ، ونسقي اللبن على الماء ، ونفك العناة ، ونسقي الحجيج ، ونصل الأرحام . قالوا : فما محمد؟ قالوا : صنبور قطع أرحامنا ، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار . قالوا : لا بل أنتم خير منهم واهدى سبيلاً . فأنزل الله { ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت . . . } إلى آخر الآية » .
وأخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة . مرسلاً .
وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت له قريش : أنت خير أهل المدينة وسيدهم؟ قال : نعم . قالوا : ألا ترى إلى هذا المنصبر المنبتر من قومه ، يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج ، وأهل السدانة ، وأهل السقاية! قال : أنتم خير منه . فانزلت { إن شانئك هو الأبتر } [ الكوثر : 3 ] وأنزلت { ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت } إلى قوله { نصيراً } .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن عكرمة . أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش ، فاستجاشهم على النبي صلى الله عليه وسلم ، وأمرهم أن يغزو وقال : إنا معكم نقاتله . فقالوا : إنكم أهل كتاب وهو صاحب كتاب ، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم ، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما ففعل . ثم قالوا : نحن اهدى أم محمد ، فنحن ننحر الكوماء ، ونسقي اللبن على الماء ، ونصل الرحم ، ونقري الضيف ، ونطوف بهذا البيت ، ومحمد قطع رحمه وخرج من بلده . قال : بل أنتم خير وأهدى . فنزلت فيه { ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت . . . } الآية .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال : أنزلت في كعب بن الأشرف قال : كفار قريش أهدى من محمد عليه السلام .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن السدي عن أبي مالك قال « لما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واليهود من النضير ما كان ، حين أتاهم يستعينهم في دية العامريين فهموا به وبأصحابه ، فاطلع الله رسوله على ما هموا به من ذلك ، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، هرب كعب بن الأشرف حتى أتى مكة ، فعاهدهم على محمد فقال له أبو سفيان : يا أبا سعيد إنكم قوم تقرأون الكتاب وتعلمون ونحن قوم لا نعلم ، فاخبرنا ديننا خير أم دين محمد؟ قال كعب : اعرضوا عليَّ دينكم .(3/143)
فقال أبو سفيان : نحن قوم ننحر الكوماء ، ونسقي الحجيج الماء ، ونقري الضيف ، ونحمي بيت ربنا ، ونعبد آلهتنا التي كان يعبد آباؤنا ، ومحمد يأمرنا أن نترك هذا ونتبعه . قال : دينكم خير من دين محمد فاثبتوا عليه ، ألا ترون أن محمداً يزعم أنه بعث بالتواضع وهو ينكح من النساء ما شاء ، وما نعلم ملكاً أعظم من ملك النساء . فذلك حين يقول { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً . . . } الآية « .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس قال : كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب ، وسلام بن أبي الحقيق ، وأبو رافع ، والربيع بن أبي الحقيق ، وعمارة ، ووحوح بن عارم ، وهودة بن قيس . فأما وحوح بن عامر وهودة فمن بني وائل ، وكان سائرهم من بني النضير ، فلما قدموا على قريش قالوا : هؤلاء أحبار يهود ، وأهل العلم بالكتاب الأول ، فاسألوهم أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم فقالوا : بل دينكم خير من دينه ، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه . فأنزل الله فيهم { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب } إلى قوله { ملكاً عظيماً } .
وأخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر في تاريخه ، عن جابر بن عبد الله قال : لما كان من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ما كان ، اعتزل كعب بن الأشرف ولحق بمكة وكان بها ، وقال : لا أعين عليه ، ولا أقاتله . فقيل له بمكة : يا كعب أديننا خير أم دين محمد وأصحابه؟ قال : دينكم خير وأقدم ، ودين محمد حديث . فنزلت فيه { ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب . . . } الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت في كعب بن الأشرف ، وحيي بن أخطب ، رجلين من اليهود من بني النضير ، أتيا قريشاً بالموسم فقال لهم المشركون : أنحن أهدى أم محمد وأصحابه ، فإنا أهل السدانة ، والسقاية ، وأهل الحرم؟ فقالا : بل أنتم أهدى من محمد وأصحابه ، وهما يعلمان أنهما كاذبان إنما حملهما على ذلك حسد محمد وأصحابه .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن عكرمة قال : الجبت والطاغوت . صنمان .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ورستة في الإيمان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : الجبت الساحر ، والطاغوت الشيطان .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طرق عن مجاهد . مثله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الجبت حيي بن أخطب ، والطاغوت كعب بن الأشرف .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك . مثله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الجبت الأصنام ، والطاغوت الذي يكون بين يدي الأصنام ، يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس .(3/144)
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الجبت اسم الشيطان بالحبشية ، والطاغوت كهان العرب .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال : الجبت الشيطان بلسان الحبش ، والطاغوت الكاهن .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال : الجبت الساحر بلسان الحبشة ، والطاغوت الكاهن .
وأخرج عن أبي العالية قال : الطاغوت الساحر ، والجبت الكاهن .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : كنا نحدث أن الجبت شيطان ، والطاغوت الكاهن .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ليث عن مجاهد قال : الجبت كعب بن الأشرف ، والطاغوت الشيطان كان في صورة إنسان .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن أبي حاتم عن قبيصة بن مخارق . أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت » .
وأخرج رستة في الإيمان عن مجاهد في قوله { ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً } قال : اليهود تقول ذاك ، يقولون : قريش أهدى من محمد وأصحابه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { أم لهم نصيب من الملك } قال : فليس لهم نصيب ، ولو كان لهم نصيب لم يؤتوا الناس نقيراً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية يقول : لو كان لهم نصيب من ملك إذن لم يؤتوا محمداً نقيراً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق خمسة عن ابن عباس قال : النقير . النقطة التي في ظهر النواة .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق سأله عن النقير؟ قال : ما في شق ظهر النواة ، ومنه تنبت النخلة . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول الشاعر :
وليس الناس بعدك في نقير ... وليسوا غير أصداء وهامِ
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق قال له : اخبرني عن قول الله { فإذاً لا يؤتون الناس نقيراً } ما النقير؟ قال : ما في ظهر النواة ، قال فيه الشاعر :
لقد رزخت كلاب بني زبير ... فما يعطون سائلهم نقيرا
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق أبي العالية عن ابن عباس قال : هذا النقير ، ووضع طرف الإبهام على باطن السبابة ثم نقرها .(3/145)
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { أم يحسدون الناس } قال : هم يهود .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال : قال أهل الكتاب : زعم محمد أنه أوتي ما أوتي في تواضع وله تسع نسوة وليس همه إلا النكاح ، فأي ملك أفضل من هذا . فأنزل الله هذه الآية { أم يحسدون الناس } إلى قوله { ملكاً عظيماً } يعني ملك سليمان .
وأخرج ابن المنذر عن عطية قال : قالت اليهود للمسلمين : تزعمون أن محمداً أوتي الدين في تواضع وعنده تسع نسوة ، أي ملك أعظم من هذا؟ فأنزل الله { أم يحسدون الناس . . . } الآية .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك . نحوه .
وأخرج ابن المنذر والطبراني من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله { أم يحسدون الناس } قال : نحن الناس دون الناس .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { أم يحسدون الناس } قال : الناس في هذا الموضع النبي صلى الله عليه وسلم خاصة .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد { أم يحسدون الناس } قال : محمد .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال : أعطى النبي صلى الله عليه وسلم بضع وسبعين شاباً ، فحسدته اليهود فقال الله { أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك في الآية قال : يحسدون محمداً حين لم يكن منهم وكفروا به .
وأخرج ابن جرير عن قتادة في الآية { أم يحسدون الناس } قال : أولئك اليهود ، حسدوا هذا الحي من العرب { على ما آتاهم الله من فضله } بعث الله منهم نبياً فحسدوهم على ذلك .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج { على ما آتاهم الله من فضله } قال : النبوة .
وأخرج أبو داود والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب » .
وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { فقد آتينا آل إبراهيم } سليمان وداود { الكتاب والحكمة } يعني النبوة { وآتيناهم ملكاً عظيماً } في النساء ، فما باله حل لأولئك الأنبياء وهم أنبياء أن ينكح داود تسعاً وتسعين امرأة وينكح سليمان مائة امرأة لا يحل لمحمد أن ينكح كما نكحوا .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : كان في ظهر سليمان مئة رجل ، وكان له ثلثمائة امرأة وثلثمائة سرية .(3/146)
وأخرج الحاكم في المستدرك عن محمد بن كعب قال : بلغني أنه كان لسليمان ثلثمائة امرأة وسبعمائة سرية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن همام بن الحارث { وآتيناهم ملكاً عظيماً } قال : ايدوا بالملائكة والجنود .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد { وآتيناهم ملكاً عظيماً } قال : النبوة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن . مثله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد فمنهم من آمن به قال بما أنزل على محمد من يهود .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن { فمنهم من آمن به } اتبعه { ومنهم من صد عنه } يقول : تركه فلم يتبعه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي قال : زرع إبراهيم خليل الرحمن وزرع الناس في تلك السنة ، فهلك زرع الناس وزكا زرع إبراهيم ، واحتاج الناس إليه فكان الناس يأتون إبراهيم فيسألونه منه فقال لهم : من آمن أعطيته ومن أبى منعته . فمنهم من آمن به فأعطاه من الزرع ومنهم من أبى فلم يأخذ منه . فذلك قوله { فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيراً } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة { فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة } ومحمد من آل إبراهيم .
وأخرج ابن الزبير بن بكار في الموقفيات عن ابن عباس أن معاوية قال : يا بني هاشم إنكم تريدون أن تستحقوا الخلافة كما استحقيتم النبوة ، ولا يجتمعان لأحد ، وتزعمون أن لكم ملكاً . فقال له ابن عباس : أما قولك أنا نستحق الخلافة بالنبوّة ، فإن لم نستحقها بالنبوّة فبم نستحقها؟! وأما قولك أن النبوة والخلافة لا يجتمعان لأحد فأين قول الله { فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً } ؟ فالكتاب النبوّة ، والحكمة السنة ، والملك الخلافة ، نحن آل إبراهيم أمر الله فينا وفيهم واحد ، والسنة لنا ولهم جارية ، وأما قولك زعمنا أن لنا ملكاً فالزعم في كتاب الله شك ، وكل يشهد أن لنا ملكاً لا تملكون يوماً إلا ملكنا يومين ، ولا شهراً إلا ملكنا شهرين ، ولا حولاً إلا ملكنا حولين . والله أعلم .(3/147)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ثوبر عن ابن عمر في قوله { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها } قال : إذا احترقت جلودهم بدلناهم جلوداً بيضاء أمثال القراطيس .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف من طريق نافع عن ابن عمر قال « قرئ عند عمر { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب } فقال معاذ : عندي تفسيرها ، تبدل في ساعة مائة مرة . فقال عمر : هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر قال : « تلا رجل عند عمر { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها } فقال كعب : عندي تفسير هذه الآية ، قرأتها قبل الإسلام . فقال : هاتها يا كعب ، فإن جئت بها كما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقناك . قال : إني قرأتها قبل الإسلام { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها } في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة . فقال عمر : هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : بلغني أنه يحرق أحدهم في اليوم سبعين ألف مرة { كلما نضجت } وأكلت لحومهم قيل لهم عودوا فعادوا .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في الآية قال : تأخذ النار فتأكل جلودهم حتى تكشطها عن اللحم ، حتى تفضي النار إلى العظام ويبدلون جلوداً غيرها ، يذيقهم الله شديد العذاب ، فذلك دائم لهم أبداً بتكذيبهم رسول الله وكفرهم بآيات الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن يزيد الحضرمي . أنه بلغه في قول الله { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها } قال : يجعل للكافر مائة جلد بين كل جلدين لون من العذاب .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في الآية قال : سمعنا أنه مكتوب في الكتاب الأول : أن جلد أحدهم أربعون ذراعاً ، وسنه سبعون ذراعاً ، وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه ، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلوداً غيرها .
وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار عن حذيفة بن اليمان قال « أسر إليّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا حذيفة إن في جهنم لسباعاً من نار ، وكلاباً من نار ، وكلاليب من نار ، وسيوفاً من نار ، وإنه تبعث ملائكة يعلقون أهل النار بتلك الكلاليب بأحناكهم ، ويقطعونهم بتلك السيوف عضواً عضواً ، ويلقونهم إلى تلك السباع والكلاب ، كلما قطعوا عضواً عاد مكانه غضباً جديداً » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح قال : قال أبو مسعود لأبي هريرة : أتدري كم غلظ جلد الكافر؟ قال : لا . قال : غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعاً .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي العالية قال : غلظ جلد الكافر أربعون ذراعاً .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن أهل النار يعظمون في النار حتى يصير أحدهم مسيرة كذا وكذا . . . وإن ضرس أحدهم لمثل أحد » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله { وندخلهم ظلاً ظليلاً } قال : هو ظل العرش الذي لا يزول .(3/148)
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)
أخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } قال : « لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان بن أبي طلحة ، فلما أتاه قال : أرني المفتاح . فأتاه به ، فلما بسط يده إليه قدم العباس فقال : يا رسول الله بأبي أنت وأمي اجعله لي مع السقاية . فكف عثمان يده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرني المفتاح يا عثمان . فبسط يده يعطيه ، فقال العباس مثل كلمته الأولى . فكف عثمان يده ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فهاتني المفتاح . فقال : هناك بأمانة الله . فقام ففتح باب الكعبة ، فوجد في الكعبة تمثال إبراهيم معه قداح يستقسم بها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما للمشركين - قاتلهم الله - وما شأن إبراهيم وشأن القداح؟! ثم دعا بجفنة فيها ماء ، فأخذ ماء فغمسه ثم غمس بها تلك التماثيل ، وأخرج مقام إبراهيم وكان في الكعبة ، ثم قال : يا أيها الناس هذه القبلة ، ثم خرج فطاف بالبيت ، ثم نزل عليه جبريل فيما ذكر لنا برد المفتاح ، فدعا عثمان بن طلحة فأعطاه المفتاح ، ثم قال { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } [ النساء : 58 ] حتى فرغ من الآية » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } قال : « نزلت في عثمان بن طلحة ، قبض منه النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة ودخل به البيت يوم الفتح ، فخرج وهو يتلو هذه الآية ، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح قال : وقال عمر بن الخطاب : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة وهو يتلو هذه الآية - فداؤه أبي وأمي - ما سمعته يتلوها قبل ذلك » .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة ، لا ينزعها منكم إلا ظالم . يعني حجابة الكعبة » .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها . . } الآية . قال : أنزلت هذه الآية في ولاة الأمر ، وفيمن ولي من أمور الناس شيئاً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب قال : نزلت في الأمراء خاصة { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } .
وأخرج سعيد بن منصور والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال : حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ، وأن يؤدي الأمانة ، فإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا له وأن يطيعوا ، وأن يجيبوا إذا دعوا .(3/149)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } قال : يعني السلطان يعطون الناس .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } قال : يعني السلطان يعطون الناس .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } قال : هي مسجلة للبر والفاجر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال : هذه الأمانات فيما بينك وبين الناس ، في المال وغيره .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال : إن القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة ، يجاء بالرجل يوم القيامة وإن كان قتل في سبيل الله فيقال له : ادّ أمانتك . فيقول : من أين وقد ذهبت الدينا! فيقال : انطلقوا به إلى الهاوية ، فينطلق فتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه في قعر جهنم ، فيحملها فيصعد بها حتى إذا ظن أنه خارج بها ، فهزلت من عاتقه فهوت وهوى معها أبد الآبدين . قال زاذان : فأتيت البراء بن عازب فقلت : أما سمعت ما قال أخوك ابن مسعود؟ قال : صدق ، إن الله يقول { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } والأمانة في الصلاة ، والأمانة في الغسل من الجنابة ، والأمانة في الحديث ، والأمانة في الكيل والوزن ، والأمانة في الدين ، وأشد ذلك في الودائع .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } قال : إنه لم يرخص لموسر ولا لمعسر .
وأخرج ابن جرير عن قتادة في الآية عن الحسن . أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : « أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك » .
وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان من طريق أبي صالح عن أبي هريرة . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك » .
وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ثلاث من كن فيه فهو منافق ، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم : من إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان » .
وأخرج البيهقي في الشعب عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(3/150)
« لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا صلاة لمن لا وضوء له » .
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا : حفظ أمانة ، وصدق حديث ، وحسن خليقة ، وعفة طعمة » .
وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن أول ما يرفع من الناس الأمانة ، وآخر ما يبقى الصلاة ، ورب مصل لا خير فيه » .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن أول ما يرفع من هذه الأمة الحياء والأمانة ، فسلوهما الله عز وجل » .
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عمر قال : لا تنظروا إلى صلاة أحد ولا صيامه ، وانظروا إلى صدق حديثه إذا حدث ، وإلى أمانته إذا ائتمن ، وإلى ورعه إذا أشفى .
وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب . مثله .
وأخرج عن ميمون بن مهران قال : ثلاثة تؤدين إلى البر والفاجر : الرحم توصل كانت برة أو فاجرة ، والأمانة تؤدى إلى البر والفاجر ، والعهد يوفى به للبر والفاجر .
وأخرج عن سفيان بن عيينة قال : من لم يكن له رأس مال فليتخذ الأمانة رأس ماله .
وأخرج عن أنس قال : البيت الذي تكون فيه خيانة لا تكون فيه البركة .
وأخرج أبو داود وابن حبان وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن أبي يونس قال : « سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات } إلى قوله { كان سميعاً بصيراً } ويضع إبهاميه على أذنيه والتي تليها على عينه ويقول : هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها ، ويضع أصبعيه » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عقبة بن عامر قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقترئ هذه الآية { سميعاً بصيراً } يقول : بكل شيء بصير .(3/151)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء في قوله { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } قال : طاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة { وأولي الأمر منكم } قال : أولي الفقه والعلم .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } قال : نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي ، إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : « بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في سرية وفيها عمار بن ياسر ، فساروا قبل القوم الذين يريدون ، فلما بلغوا قريباً منهم عرسوا ، وأتاهم ذو العبينتين فأخبرهم فأصبحوا قد هربوا غير رجل ، أمر أهله فجمعوا متاعهم ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد ، يسأل عن عمار بن ياسر فأتاه فقال : يا أبا اليقظان إني قد أسلمت ، وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن قومي لما سمعوا بكم هربوا ، وأني بقيت فهل إسلامي نافعي غدا وإلا هربت؟ فقال عمار : بل هو ينفعك فأقم . فأقام ، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحداً غير الرجل ، فأخذه وأخذ ماله فبلغ عماراً الخبر ، فأتى خالداً فقال : خل عن الرجل ، فإنه قد أسلم وهو في أمان مني . قال : خالد : وفيم أنت تجير؟ فاستبا وارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأجاز أمان عمار ، ونهاه أن يجير الثانية على أمير . فاستبا عند النبي صلى الله عليه وسلم . فقال خالد : يا رسول الله أتترك هذا العبد الأجدع يشتمني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا خالد لا تسب عماراً فإنه من سب عماراً سبه الله ، ومن أبغض عماراً أبغضه الله ، ومن لعن عماراً لعنه الله . فغضب عمار فقام ، فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه فرضي . فأنزل الله الآية » ، وأخرجه ابن عساكر من طريق السدي عن أبي صالح عن ابن عباس .
وأخرج ابن جرير عن ابن ميمون بن مهران في قوله { وأولي الأمر منكم } قال : أصحاب السرايا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة في قوله { وأولي الأمر منكم } قال : هم الأمراء منكم . وفي لفظ : هم أمراء السرايا .
وأخرج ابن جرير عن مكحول في قوله { وأولي الأمر منكم } قال : هم أهل الآية التي قبلها { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها .(3/152)
. . } إلى آخر الآية .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن عصى أميري فقد عصاني » .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { وأولي الأمر منكم } قال : قال أبيّ : هم السلاطين قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الطاعة الطاعة ، وفي الطاعة بلاء » وقال : « لو شاء الله لجعل الأمر في الأنبياء » يعني لقد جعل إليهم والأنبياء معهم ، ألا ترى حين حكموا في قتل يحيى بن زكريا « .
وأخرج البخاري عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم حبشي كان رأسه زبيبة « .
وأخرج أحمد والترمذي والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة » سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال : اعبدوا ربكم ، وصلوا خمسكم ، وصوموا شهركم ، وأدوا زكاة أموالكم ، وأطيعوا ذا أمركم ، تدخلوا جنة ربكم « .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس في قوله { وأولي الأمر منكم } يعني أهل الفقه والدين ، وأهل طاعة الله الذين يعلمون الناس معاني دينهم ، ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر ، فأوجب الله طاعتهم على العباد .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن جابر بن عبد الله في قوله { وأولي الأمر منكم } قال : أولي الفقه وأولي الخير .
وأخرج ابن عدي في الكامل عن ابن عباس في قوله { وأولي الأمر منكم } قال : أهل العلم .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد { وأولي الأمر } قال : هم الفقهاء والعلماء .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { وأولي الأمر } قال : أصحاب محمد ، أهل العلم والفقه والدين .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي العالية في قوله { وأولي الأمر } قال : هم أهل العلم ، ألا ترى أنه يقول { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } [ النساء : 83 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك { وأولي الأمر } قال : هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الدعاة الرواة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عكرمة في قوله { وأولي الأمر } قال : أبو بكر وعمر رضي الله عنهما .
وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي { وأولي الأمر } قال : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود .(3/153)
وأخرج سعيد بن منصور عن عكرمة . أنه سئل عن أمهات الأولاد فقال : هن أحرار . فقيل له : بأي شيء تقوله؟! قال : بالقرآن . قالوا : بماذا من القرآن؟ قال : قول الله { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } وكان عمر من أولي الأمر قال : أعتقت كانت مسقطاً .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية ، فمن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة » .
وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « سيليكم بعدي ولاة ، فيليكم البر ببره والفاجر بفجره ، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق وصلوا وراءهم ، فإن أحسنوا فلهم ولكم ، وإن أساءوا فلكم وعليهم » .
وأخرج أحمد عن أنس « أن معاذاً قال : يا رسول الله أرأيت إن كانت علينا أمراء لا يستنون بسنتك ولا يأخذون بأمرك ، فما تأمر في أمرهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا طاعة لمن لم يطع الله » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أبي سعيد الخدري قال : « بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علقمة بن بجزر على بعث أنا فيهم ، فلما كنا ببعض الطرق أذن لطائفة من الجيش وأمر عليهم عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي - وكان من أصحاب بدر ، وكان به دعابة - فنزلنا ببعض الطريق ، وأوقد القوم ناراً ليصنعوا عليها صنيعاً لهم ، فقال لهم : أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالوا : بلى . قال : فما أنا آمركم بشيء إلا صنعتموه؟ قالوا : بلى . قال : أعزم بحقي وطاعتي لما تواثبتم في هذه النار . فقام ناس فتحجزوا حتى إذا ظن أنهم واثبون قال : احبسوا أنفسكم إنما كنت أضحك معهم ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قدموا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أمركم بمعصية فلا تطيعوه » .
وأخرج ابن الضريس عن الربيع بن أنس قال : مكتوب في الكتاب الأول : من رأى لأحد عليه طاعة في معصية الله فلن يقبل الله عمله ما دام كذلك ، ومن رضي أن يعصي الله فلن يقبل الله عمله ما دام كذلك .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمران بن حصين قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا طاعة في معصية الله » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال : كان عمر إذا استعمل رجلاً كتب في عهده : اسمعوا له وأطيعوا ما عدل فيكم .(3/154)
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال : اسمع وأطع وإن أمر عليك عبد حبشي مجدع . إن ضرك فاصبر ، وإن حرمك فاصبر ، وإن أراد أمراً ينتقص دينك فقل : دمي دون ديني .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سفيان قال : خطبنا ابن الزبير فقال : إنا قد ابتلينا بما قد ترون ، فما أمرناكم بأمر لله فيه طاعة فلنا عليكم فيه السمع والطاعة ، وما أمرناكم من أمر ليس لله فيه طاعة فليس لنا عليكم فيه طاعة ولا نعمة عين .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي عن أم الحصين الأحمسية قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب وعليه برد متلفعاً به وهو يقول : « إن أمر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له وأطيعوا ما قادكم بكتاب الله » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب قال : حق على المسلمين أن يسمعوا ويطيعوا ، ويجيبوا إذا دعوا .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود قال : لا طاعة لبشر في معصية الله .
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا طاعة لبشر في معصية الله » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال : « بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار ، فأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا . قال : فأغضبوه في شيء فقال : اجمعوا لي حطباً . فجمعوا له حطباً . قال : أوقدوا ناراً . فأوقدوا ناراً . قال : ألم يأمركم أن تسمعوا له وتطيعوا؟ قالوا : بلى . قال : فادخلوها . . . فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا : إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار! فسكن غضبه وطفئت النار ، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فقال : لو دخلوها ما خرجوا منها ، إنما الطاعة في المعروف » .
وأخرج الطبراني عن الحسن ، « أن زياد استعمل الحكم بن عمرو الغفاري على جيش ، فلقيه عمران بن الحصين فقال : هل تدري فيم جئتك؟ أما تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه الذي قال له أميره : قم فقع في النار ، فقام الرجل ليقع فيها فأدلك فأمسك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » لو وقع فيها لدخل النار ، لا طاعة في معصية الله؟ قال : بلى . قال : فإنما أردت أن أذكرك هذا الحديث « » .
وأخرج البخاري في تاريخه والنسائي والبيهقي في الشعب عن الحارث الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « آمركم بخمس أمرني الله بهن : الجماعة ، والسمع ، والطاعة ، والهجرة ، والجهاد في سبيل الله . فمن فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع » .(3/155)
وأخرج البيهقي عن المقدام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أطيعوا أمراءكم ، فإن أمروكم بما جئتكم به فإنهم يؤجرون عليه وتؤجرون بطاعتهم ، وإن أمروكم بما لم آتكم به فهو عليهم وأنتم برآء من ذلك ، إذا لقيتم الله قلتم : ربنا لا ظلم . فيقول : لا ظلم . فتقولون : ربنا أرسلت إلينا رسولاً فأطعناه بإذنك ، واستخلفت علينا خلفاء فأطعناهم بإذنك ، وأمرت علينا أمراء فأطعناهم بإذنك ، فيقول : صدقتم هو عليهم ، وأنتم منه برآء » .
وأخرج أحمد والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يكون عليكم أمراء تطمئن إليهم القلوب وتلين لهم الجلود ، ثم يكون عليكم أمراء تشمئز منهم القلوب وتقشعر منهم الجلود . فقال رجل : أنقاتلهم يا رسول الله؟ قال : لا . ما أقاموا الصلاة » .
وأخرج البيهقي عن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إنكم سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها . قلنا : فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال : أدوا الحق الذي عليكم واسألوا الله الذي لكم » .
وأخرج أحمد عن أبي ذر قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « إنه كائن بعدي سلطان فلا تذلوه ، فمن أراد أن يذله فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ، وليس بمقبول منه حتى يسد ثلمته التي ثلم ، وليس بفاعل ، ثم يعود فيكون فيمن يعزه . أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نغلب على ثلاث : أن نأمر بالمعروف ، وننهي عن المنكر ، ونعلم الناس السنن » .
وأخرج أحمد عن حذيفة بن اليمان : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من فارق الجماعة واستذل الإمارة ، لقي الله ولا وجه له عنده » .
وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي عبيدة بن الجراح قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا تسبوا السطان فإنهم فيء الله في أرضه » .
وأخرج ابن سعد والبيهقي عن أنس بن مالك قال : أمرنا أكابرنا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن لا نسب أمراءنا ، ولا نغشهم ، ولا نعصيهم ، وأن نتقي الله ونصبر ، فإن الأمر قريب .
وأخرج البيهقي عن علي بن أبي طالب قال : لا يصلح الناس إلا أمير بر أو فاجر . قالوا : هذا البر فكيف بالفاجر؟! قال : إن الفاجر يؤمن الله به السبل ، ويجاهد به العدو ، ويجيء به الفيء ، ويقام به الحدود ، ويحج به البيت ، ويعبد الله فيه المسلم آمنا حتى يأتيه أجله .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { فإن تنازعتم في شيء } قال : فإن تنازع العلماء { فردوه إلى الله والرسول } قال : يقول : فردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله . ثم قرأ { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } [ النساء : 83 ] .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ميمون بن مهران في الآية قال : الرد إلى الله ، الرد إلى كتابه . والرد إلى رسوله ما دام حياً ، فإذا قبض فإلى سنته .
وأخرج ابن جرير عن قتادة والسدي . مثله .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { ذلك خير وأحسن تأويلاً } يقول : ذلك أحسن ثواباً وخير عاقبة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وأحسن تأويلاً } قال : أحسن جزاء .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي { وأحسن تأويلاً } قال : عاقبة .(3/156)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63)
أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال : كان أبو برزة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه ، فتنافر إليه ناس من المسلمين . فأنزل الله { ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا } إلى قوله { إحساناً وتوفيقاً } .
وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : « كان الجلاس بن الصامت قبل توبته ، ومعتب بن قشير ، ورافع بن زيد ، وبشير ، كانوا يدَّعون الإسلام ، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية . فأنزل الله فيهم { ألم تَر إلى الذين يزعمون . . . } الآية » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الشعبي قال : كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة - وفي لفظ : ورجل ممن زعم أنه مسلم - فجعل اليهودي يدعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قد علم أنه لا يأخذ الرشوة في الحكم ، ثم اتفقا على أن يتحاكما إلى كاهن في جهينة . فنزلت { ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا . . . } الآية . إلى قوله { ويسلموا تسليماً } .
وأخرج ابن جرير عن سليمان التيمي قال : زعم حضرمي أن رجلاً من اليهود كان قد أسلم ، فكانت بينه وبين رجل من اليهود مدارأة في حق . فقال اليهودي له : انطلق إلى نبي الله . فعرف أنه سيقضي عليه فأبى ، فانطلقا إلى رجل من الكهان ، فتحاكما إليه . فأنزل الله { ألم ترَ إلى الذين يزعمون . . . } الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في رجل من الأنصار ، ورجل من اليهود ، في مدارأة كانت بينهما في حق تدارآ فيه فتحاكما إلى كاهن كان بالمدينة ، وتركا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعاب الله ذلك عليهما ، وقد حدثنا أن اليهودي كان يدعوه إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وكان لا يعلم أنه لا يجوز عليه ، وكان يأبى عليه الأنصاري الذي زعم أنه مسلم . فأنزل الله فيهما ما تسمعون ، عاب ذلك على الذي زعم أنه مسلم وعلى صاحب الكتاب .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : « كان ناس من اليهود قد أسلموا ونافق بعضهم ، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل الرجل من بني النضير قتلته بنو قريظة قتلوا به منهم ، فإذا قتل رجل من بني قريظة قتلته النضير أعطوا ديته ستين وسقاً من تمر ، فلما أسلم أناس من قريظة والنضير قتل رجل من بني النضير رجلاً من بني قريظة ، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النضيري : يا رسول الله إنا كنا نعطيهم في الجاهلية الدية فنحن نعطيهم اليوم الدية؟ فقالت قريظة : لا ، ولكنا إخوانكم في النسب والدين ، ودماؤنا مثل دمائكم ، ولكنكم كنتم تغلبونا في الجاهلية ، فقد جاء الإسلام ، فأنزل الله تعالى يعيرهم بما فعلوا فقال(3/157)
{ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } [ المائدة : 45 ] يعيرهم ، ثم ذكر قول النضيري : كنا نعطيهم في الجاهلية ستين وسقا ونقتل منهم ولا يقتلون منا فقال { أفحكم الجاهلية يبغون } [ المائدة : 50 ] فأخذ النضيري فقتله بصاحبه .
فتفاخرت النضير وقريظة فقالت النضير : نحن أقرب منكم . وقالت قريظة : نحن أكرم منكم . فدخلوا المدينة إلى أبي برزة الكاهن الأسلمي فقال المنافقون من قريظة والنضير : انطلقوا بنا إلى أبي برزة ينفر بيننا فتعالوا إليه ، فأبى المنافقون وانطلقوا إلى أبي برزة وسألوه فقال : أعظموا اللقمة . يقول : أعظموا الخطر . فقالوا : لك عشرة أوساق قال : لا ، بل مائة وسق ديتي ، فإني أخاف أن أنفر النضير فتقتلني قريظة ، أو أنفر قريظة فتقتلني النضير . فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوساق ، وأبى أن يحكم بينهم فأنزل الله { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت } إلى قوله { ويسلموا تسليماً } « .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت } قال : الطاغوت . رجل من اليهود كان يقال له كعب بن الأشرف ، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا : بل نحاكمهم إلى كعب . فذلك قوله { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال : تنازع رجل من المنافقين ورجل من اليهود فقال المنافق : اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف ، وقال اليهودي : اذهب بنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله { ألم ترَ إلى الذين يزعمون . . . } الآية .
وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال : كان رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بينهما خصومة ، أحدهما مؤمن والآخر منافق ، فدعاه المؤمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف . فأنزل الله { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً } .
وأخرج الثعلبي عن ابن عباس في قوله { ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا . . . } الآية قال » نزلت في رجل من المنافقين يقال له بشر ، خاصم يهودياً فدعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ، ثم إنهما احتكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقضى لليهودي فلم يرض المنافق . وقال : تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب . فقال اليهودي لعمر : قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه . فقال للمنافق : أكذلك؟! قال : نعم .(3/158)
فقال عمر : مكانكما حتى أخرج إليكما . فدخل عمر فاشتمل على سيفه ، ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد ثم قال : هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله : فنزلت « .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت } قال : هو كعب بن الأشرف .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال : الطاغوت والشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه وهو صاحب أمرهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال : سألت جابر بن عبد الله عن الطواغيت التي كانوا يتحاكون إليها؟ قال : إن في جهينة واحداً ، وفي أسلم واحداً ، وفي هلال واحداً ، وفي كل حي واحداً ، وهم كهان تنزل عليهم الشياطين .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول } قال : دعا المسلم المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم .
وأخرج ابن المنذر عن عطاء في قوله { يصدون عنك صدوداً } قال : الصدود . الإعراض .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد { فكيف إذا أصابتهم مصيبة } في أنفسهم ، وبين ذلك ما بينهما من القرآن ، هذا من تقديم القرآن .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله { أصابتهم مصيبة } يقول : بما قدمت أيديهم في أنفسهم ، وبين ذلك ما بين ذلك » قل لهم قولاً بليغاً « .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن { فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم } قال : عقوبة لهم بنفاقهم وكرههم حكم الله .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج { فأعرض عنهم } ذلك لقوله { وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً } .(3/159)
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64)
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } قال : واجب لهم أن يطيعهم من شاء الله لا يطيعهم أحد إلا بإذن الله .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم } الآية قال : هذا في الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : الاستغفار على نحوين : أحدهما في القول ، والآخر في العمل . فأما استغفار القول فإن الله يقول { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول } وأما استغفار العمل فإن الله يقول { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } [ الأنفال : 33 ] فعنى بذلك أن يعملوا عمل الغفران ، ولقد علمت أن أناساً سيدخلون النار وهم يستغفرون الله بألسنتهم ، ممن يدعي بالإسلام ومن سائر الملل .(3/160)
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)
أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والبيهقي من طريق الزهري . « أن عروة بن الزبير حدث عن الزبير بن العوّام : أنه خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل . فقال الأنصاري : سرح الماء يمر . فأبى عليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك . فغضب الأنصاري وقال : يا رسول الله ، إن كان ابن عمتك؟! فتلوّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : اسق يا زبير ، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ، ثم أرسل الماء إلى جارك « واسترعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه السعة له وللأنصاري ، فلما أحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصاري استرعى للزبير حقه في صريح الحكم فقال الزبير : ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شجر بينهم . . . } الآية .
وأخرج الحميدي في مسنده وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني في الكبير عن أم سلمة قالت » خاصم الزبير رجلاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقضى للزبير ، فقال الرجل : إنما قضى له لأنه ابن عمته « فأنزل الله { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك . . . } الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله { فلا وربك لا يؤمنون . . . } الآية . قال » أنزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة اختصما في ماء ، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسقي الأعلى ثم الأسفل « .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { فلا وربك لا يؤمنون } قال : نزلت في اليهود .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { فلا وربك . . . } الآية . قال : هذا في الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف .
وأخرج ابن جرير عن الشعبي . مثله إلا أنه قال : إلى الكاهن .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود قال : » اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقضى بينهما فقال الذي قضي عليه : ردنا إلى عمر بن الخطاب . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم ، انطلقا إلى عمر . فلما أتيا عمر قال الرجل : يا ابن الخطاب قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا ، فقال : ردنا إلى عمر ، فردنا إليك . فقال : أكذلك؟! قال : نعم . فقال عمر : مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما ، فخرج إليهما مشتملاً على سيفه ، فضرب الذي قال : ردنا إلى عمر فقتله ، وأدبر الآخر فاراً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله قتل عمر - والله - صاحبي ، ولولا أني أعجزته لقتلني . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمنين؟! فأنزل الله { فلا وربك لا يؤمنون . . . } الآية . فهدر دم ذلك الرجل ، وبرأ عمر من قتله ، فكره الله أن يسن ذلك بعد فقال { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم } [ النساء : 66 ] إلى قوله { وأشد تثبيتاً } « .(3/161)
وأخرج الحافظ دحيم في تفسيره عن عتبة بن ضمرة عن أبيه « أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقضى للمحق على المبطل . فقال المقضي عليه : لا أرضى . فقال صاحبه : فما تريد؟ قال : أن تذهب إلى أبي بكر الصديق . فذهبا إليه فقال : أنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم ، فأبى أن يرضى قال : نأتي عمر . فأتياه فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده ، فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى فقتله ، وأنزل الله { فلا وربك . . . } الآية » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن مكحول قال : « كان بين رجل من المنافقين ورجل من المسلمين منازعة في شيء ، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقضى على المنافق ، فانطلقا إلى أبي بكر فقال : ما كنت لأقضي بين من يرغب عن قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فانطلقا إلى عمر ، فقصَّا عليه فقال عمر : لا تعجلا حتى أخرج إليكما ، فدخل فاشتمل على السيف وخرج ، فقتل المنافق ثم قال : هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء رسول الله . فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن عمر قد قتل الرجل وفرق الله بين الحق والباطل على لسان عمر . فسمي الفاروق » . وأخرج الطستي عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل { فيما شجر بينهم } قال : فيما أشكل عليهم . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت زهيراً وهو يقول :
متى تشتجر قوم تقل سراتهم ... هم بيننا فهم رضا وهو عدل
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { حرجاً } قال : شكاً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر في قوله { حرجاً } قال : إثماً .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : لما نزلت هذه الآية قال الرجل الذي خاصم الزبير وكان من الأنصار : سلمت .
وأخرج ابن المنذر عن أبي سعيد الخدري : أنه نازع الأنصار في الماء من الماء فقال لهم : أرأيت لو أني علمت أن ما تقولون كما تقولون واغتسل أنا؟ فقالوا له : لا والله حتى لا يكون في صدرك حرج مما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم . والله أعلم .(3/162)
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم } هم يهود ، يعني والعرب كما أمر أصحاب موسى عليه السلام أن يقتل بعضهم بعضاً بالخناجر .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سفيان في قوله { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم } قال : نزلت في ثابت بن قيس بن شماس ، وفيه أيضاً { وآتوا حقه يوم حصاده } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود فقال اليهودي : والله لقد كتب الله علينا ، أن اقتلوا أنفسكم ، فقتلنا أنفسنا فقال ثابت : والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم ، لقتلنا أنفسنا . فأنزل الله في هذا { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً } .
وأخرج ابن جرير وابن إسحاق السبيعي قال : لما نزلت { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم . . . } الآية . قال رجل : لو أمرنا لفعلنا ، والحمد لله الذي عافانا . فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « إن من أمتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي » .
وأخرج ابن المنذر من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن زيد بن الحسن قال : لما نزلت هذه الآية { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم } قال ناس من الأنصار : والله لو كتبه الله علينا لقبلنا ، الحمد لله الذي عافانا ، ثم الحمد لله الذي عافانا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الإيمان أثبت في قلوب رجال من الأنصار من الجبال الرواسي » .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق هشام عن الحسن قال : « لما نزلت هذه الآية { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم } قال أناس من الصحابة : لو فعل ربنا . . . فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : » للإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي « » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر بن عبدالله بن الزبير قال : « نزلت { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم . . . } قال أبو بكر : يا رسول الله - والله - لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت . قال : صدقت يا أبا بكر » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن شريح بن عبيد قال « لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم } أشار بيده إلى عبدالله بن رواحة فقال : لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في الآية قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « لو نزلت كان ابن أم عبد منهم » .
وأخرج ابن المنذر عن مقاتل بن حيان في الآية قال : كان عبد الله بن مسعود من القليل الذي يقتل نفسه .
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال : عبد الله بن مسعود ، وعمار بن ياسر : يعني من أولئك القليل .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { وأشد تثبيتاً } قال : تصديقاً .(3/163)
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)
أخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والضياء المقدسي في صفة الجنة وحسنه عن عائشة قالت : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « يا رسول الله إنك لأحب إليَّ من نفسي ، وإنك لأحب إليَّ من ولدي ، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك ، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين ، وأني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك . فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً حتى نزل جبريل بهذه الآية { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم . . . } الآية » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه من طريق الشعبي عن ابن عباس « أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أحبك حتى إني أذكرك ، فلولا أني أجيء فأنظر إليك ظننت أن نفسي تخرج ، وأذكر أني إن دخلت الجنة صرت دونك في المنزلة فيشق عليَّ وأحب أن أكون معك في الدرجة . فلم يرد عليه شيئاً ، فأنزل الله { ومن يطع الله والرسول . . . } الآية . فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتلاها عليه » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الشعبي « أن رجلاً من الأنصار أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله والله لأنت أحب إليَّ من نفسي وولدي وأهلي ومالي ، ولولا أني آتيك فأراك لظننت أني سأموت . وبكى الأنصاري فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما أبكاك؟ فقال : ذكرت أنك ستموت ونموت فترفع مع النبيين ، ونحن إذا دخلنا الجنة كنا دونك . فلم يخبره النبي صلى الله عليه وسلم بشيء ، فأنزل الله على رسوله { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم } إلى قوله { عليماً } فقال : أبشر يا أبا فلان » .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال : « جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محزون ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : يا فلان ما لي أراك محزوناً؟ قال : يا نبي الله شيء فكرت فيه! فقال : ما هو؟ قال : نحن نغدو عليك ونروح ننظر في وجهك ونجالسك ، غداً ترفع مع النبيين فلا نصل إليك . فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ، فأتاه جبريل بهذه الآية { ومن يطع الله والرسول } إلى قوله { رفيقاً } قال : فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم فبشره » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مسروق قال : « قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا ، فإنك لو قدمت رفعت فوقنا فلم نرك .(3/164)
فأنزل الله { ومن يطع الله والرسول . . . } الآية « .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : » أتى فتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « يا نبي الله : إن لنا فيك نظرة في الدنيا ، ويوم القيامة لا نراك لأنك في الجنة في الدرجات العلى . فأنزل الله { ومن يطع الله . . . } الآية . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنت معي في الجنة إن شاء الله » « .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال : ذكر لنا أن رجالاً قالوا : هذا نبي الله نراه في الدنيا فأما في الآخرة فيرفع بفضله فلا نراه . فأنزل الله { ومن يطع الله والرسول } إلى قوله { رفيقاً } . وأخرج ابن جرير عن السدي قال : قال ناس من الأنصار : يا رسول الله إذا أدخلك الله الجنة فكنت في أعلاها ونحن نشتاق إليك فكيف نصنع؟ فأنزل الله { ومن يطع الله والرسول . . . } الآية . وأخرج ابن جرير عن الربيع ، أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم له فضل على من آمن به في درجات الجنة ممن تبعه وصدقه ، فكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضاً؟ فأنزل الله هذه الآية في ذلك ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : » إن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم فيجتمعون في رياضها ، فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه « .
وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي » عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال : كنت أبيت عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فآتيه بوضوئه وحاجته فقال لي : « سل . . . فقلت : يا رسول الله أسالك مرافقتك في الجنة . قال : أو غير ذلك؟ قلت : هو ذاك . قال : فأعني على نفسك بكثرة السجود » « .
وأخرج أحمد عن عمرو بن مرة الجهني قال : » جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، وصليت الخمس ، وأديت زكاة مالي ، وصمت رمضان . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب أصبعيه - ما لم يعق والديه « .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن معاذ بن أنس » أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من قرأ ألف آية في سبيل الله كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً إن شاء الله « .
وأخرج البخاري ومسلم وابن ماجه عن عائشة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : » ما من نبي يمرض إلا خُيِّرَ بين الدنيا والآخرة « ، وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول { مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } فعلمت أنه خيِّر .
وأخرج ابن جرير » عن المقداد قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم قلت في أزواجك « إني لأرجو لهن من بعدي الصديقين . قال : من تعنون الصديقين؟ قلت : أولادنا الذين هلكوا صغاراً . قال : لا ، ولكن الصديقين هم المصدقون » « .(3/165)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله { خذوا حذركم } قال : عدتكم من السلاح .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { فانفروا ثبات } قال : عصباً يعني سرايا متفرقين { أو انفروا جميعاً } يعني كلكم .
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل { فانفروا ثبات } قال : عشرة فما فوق ذلك . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت عمرو بن كلثوم التغلبي وهو يقول :
فأما يوم خشيتنا عليهم ... فتصبح خلينا عصباً ثباتا
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق عطاء عن ابن عباس قي سورة النساء { خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً } عصباً وفرقاً . قال : نسخها { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } [ الأنعام : 141 ] الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله { ثبات } قال : فرقاً قليلاً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي { فانفروا ثبات } قال : هي العصبة وهي الثبة { أو انفروا جميعاً } مع النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { أو انفروا جميعاً } أي إذا نفر نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فليس لأحد أن يتخلف عنه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وإن منكم لمن ليبطئن } إلى قوله { فسوف يؤتيه أجراً عظيماً } ما بين ذلك في المنافق .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان { وإن منكم لمن ليبطئن } قال : هو فيما بلغنا عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين { ليبطئن } قال : ليتخلفن عن الجهاد { فإن أصابتكم مصيبة } من العدو وجهد من العيش { قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً } فيصيبني مثل الذي أصابهم من البلاء والشدة { ولئن أصابكم فضل من الله } يعني فتحاً وغنيمة وسعة في الرزق { ليقولن } المنافق وهو نادم في التخلف { كأن لم يكن بينكم وبينه مودة } يقول : كأنه ليس من أهل دينكم في المودة فهذا من التقديم { يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً } يعني آخذ من الغنيمة نصيباً وافراً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { وإن منكم لمن ليبطئن } عن الجهاد وعن الغزو في سبيل الله { فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً } قال : هذا قول مكذب { ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن . . . } الآية . قال : هذا قول حاسد .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج { وإن منكم لمن ليبطئن } قال : المنافق يبطئ المسلمين عن الجهاد في سبيل الله { فإن أصابتكم مصيبة } قال : بقتل العدو من المسلمين { قال قد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم شهيداً } قال : هذا قول الشامت { ولئن أصابكم فضل من الله } ظهر المسلمون على عدوهم وأصابوا منهم غنيمة { ليقولن .(3/166)
. . } الآية . قال : قول الحاسد .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي { الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة } يقول : يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { فليقاتل } يعني يقاتل المشركين { في سبيل الله } قال : في طاعة الله { ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل } يعني يقتله العدو { أو يغلب } يعني يغلب العدو من المشركين { فسوف نؤتيه أجراً عظيماً } يعني جزاء وافراً في الجنة ، فجعل القاتل والمقتول من المسلمين في جهاد المشركين شريكين في الأجر .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين } قال : وسبيل المستضعفين .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال : المستضعفون . أناس مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا منها .
وأخرج البخاري عن ابن عباس قال : كنت أنا وأمي من المستضعفين .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال : أمر المؤمنون أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة في قوله { ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها } قال : مكة .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس . مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد وعكرمة { واجعل لنا من لدنك نصيراً } قالا : حجة ثابتة .
وأخرج ابن المنذر عن قتادة { والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت } يقول : في سبيل الشيطان .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس قال : إذا رأيتم الشيطان فلا تخافوه واحملوا عليه { إن كيد الشيطان كان ضعيفاً } قال مجاهد : كان الشيطان يتراءى لي في الصلاة . فكنت أذكر قول ابن عباس ، فأحمل عليه ، فيذهب عني .(3/167)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)
أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس . « أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا نبي الله كنا في عز ونحن مشركون ، فلما آمنا صرنا أذلة . فقال : » إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم . فلما حوله الله إلى المدينة أمره الله بالقتال فكفوا . فأنزل الله { ألم ترَ إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم . . . } الآية « » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال : « كان أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - وهم يومئذ بمكة قبل الهجرة - يسارعون إلى القتال ، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ذرنا نتخذ معاول نقاتل بها المشركين . وذكر لنا أن عبد الرحمن بن عوف كان فيمن قال ذلك ، فنهاهم نبي الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قال : لم أومر بذلك . فلما كانت الهجرة وأمروا بالقتال كره القوم ذلك وصنعوا فيه ما تسمعون ، قال الله تعالى { قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلاً } » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : هم قوم أسلموا قبل أن يفرض عليهم القتال ، ولم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة ، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ألم ترَ إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم } إلى قوله { لاتّبعتم الشيطان إلا قليلاً } ما بين ذلك في يهود .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس { فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم } الآية . قال : نهى الله هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { إلى أجل قريب } قال : هو الموت .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج { إلى أجل قريب } أي إلى أن يموت موتاً .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن هشام قال : قرأ الحسن { قل متاع الدنيا قليل } قال : رحم الله عبداً صحبها على ذلك ، ما الدنيا كلها من أولها إلى آخرها إلا كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه فلم يرَ شيئاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران قال : الدنيا قليل ، وقد مضى أكثر القليل ، وبقي قليل من قليل .(3/168)
أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79)
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { أينما تكونوا . . . } قال : من الأرض .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة { ولو كنتم في بروج مشيدة } يقول : في قصور محصنة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة { في بروج مشيدة } قال : المجصصة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي { في بروج مشيدة } قال : هي قصور بيض في سماء الدنيا مبنية .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية { في بروج مشيدة } قال : قصور في السماء .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سفيان في الآية قال : يرون أن هذه البروج في السماء .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال : كان قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم امرأة ، وكان لها أجير فولدت المرأة فقالت لأجيرها : انطلق فاقتبس لي ناراً ، فانطلق الأجير فإذا هو برجلين قائمين على الباب! فقال أحدهما لصاحبه : وما ولدت؟ فقال : ولدت جارية . فقال أحدهما لصاحبه : لا تموت هذه الجارية حتى تزني بمائة ويتزوّجها الأجير ، ويكون موتها بعنكبوت . فقال الأجير : أما والله لأكذبن حديثهما ، فرمى بما في يده وأخذ السكين فشحذها وقال : ألا تراني أتزوجها بعدما تزني بمائة ، ففرى كبدها ورمى بالسكين وظن أنه قد قتلها ، فصاحت الصبية ، فقامت أمها فرأت بطنها قد شق فخاطته وداوته حتى برئت .
وركب الأجير رأسه فلبس ما شاء الله أن يلبث ، وأصاب الأجير مالاً ، فأراد أن يطلع أرضه فينظر من مات منهم ومن بقي ، فأقبل حتى نزل على عجوز وقال للعجوز : أبغي لي أحسن امرأة في البلد أصيب منها وأعطيها ، فانطلقت العجوز إلى تلك المرأة ، وهي أحسن جارية في البلد ، فدعتها إلى الرجل وقالت : تصيبين منه معروفاً؟ فأبت عليها وقالت : إنه قد كان ذاك مني فيما مضى ، فأما اليوم فقد بدا لي أن لا أفعل . فرجعت إلى الرجل فأخبرته فقال : فاخطبيها لي . فخطبها وتزوّجها فأعجب بها . فلما أنس إليها حدثها حديثه فقالت : والله لئن كنت صادقاً لقد حدثتني أمي حديثك ، وإني لتلك الجارية . قال : أنتِ؟! قالت : أنا . . . قال : والله لئن كنتِ أنتِ إن بكِ لعلامة لا تخفى . فكشف بطنها ، فإذا هو بأثر السكين فقال : صدقني والله الرجلان ، والله لقد زنيت بمائة ، وإني أنا الأجير ، وقد تزوّجتك ولتكونن الثالثة ، وليكونن موتك بعنكبوت . فقالت : والله لقد كان ذاك مني ، ولكن لا أدري مائة أو أقل أو أكثر . فقال : والله ما نقص واحداً ولا زاد واحداً ، ثم انطلق إلى ناحية القرية ، فبنى فيه مخافة العنكبوت ، فلبث ما شاء الله أن يلبث ، حتى إذا جاء الأجل ، ذهب ينظر فإذا هو بعنكبوت في سقف البيت وهي إلى جانبه فقال : والله إني لأرى العنكبوت في سقف البيت .(3/169)
فقالت : هذه التي تزعمون أنها تقتلني ، والله لأقتلنها قبل أن تقتلني . فقام الرجل فزاولها وألقاها فقالت : والله لا يقتلها أحد غيري ، فوضعت أصبعها عليها فشدختها ، فطار السم حتى وقع بين الظفر واللحم ، فاسودت رجلها فماتت ، وأنزل الله على نبيه حين بعث { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة } .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله { وإن تصبهم حسنة } يقول : { وإن تصبهم سيئة } قال : مصيبة { قل كل من عند الله } قال : النعم والمصائب .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك } قال : هذه في السراء والضراء . وفي قوله { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } قال : هذه في الحسنات والسيئات .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { وإن تصبهم حسنة . . . } الآية . قال : إن هذه الآيات نزلت في شأن الحرب { قل كل من عند الله } قال : النصر والهزيمة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { قل كل من عند الله } يقول : الحسنة والسيئة من عند الله ، أما الحسنة فأنعم بها عليك ، وأما السيئة فابتلاك الله بها . وفي قوله { ما أصابك من حسنة فمن الله } قال : ما فتح الله عليه يوم بدر وما أصاب من الغنيمة والفتح { وما أصابك من سيئة } قال : ما أصابه يوم أحد أن شج في وجهه وكسرت رباعيته .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مطرف بن عبد الله قال : ما تريدون من القدر ما يكفيكم ، الآية التي في سورة النساء { وإن تصبهم حسنة . . } الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عطية العوفي عن ابن عباس في قوله { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } قال : هذا يوم أحد يقول : ما كانت من نكبة فبذنبك وأنا قدرت ذلك عليك .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } وأنا قدرتها عليك .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } قال : عقوبة بذنبك يا ابن آدم . قال : وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : « لا يصيب رجلاً خدش عود ، ولا عثرة قدم ، ولا اختلاج عرق ، إلا بذنب ، وما يعفو الله عنه أكثر » .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } قال : بذنبك كما قال لأهل أحد { أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم } [ التوبة : 122 ] بذنوبكم .
وأخرج ابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن مجاهد قال : هي في قراءة أبي بن كعب ، وعبد الله بن مسعود « ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك » .
وأخرج ابن المنذر من طريق مجاهد . أن ابن عباس كان يقرأ « وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك » قال مجاهد : وكذلك في قراءة أبي وابن مسعود .(3/170)
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80)
أخرج ابن المنذر والخطيب عن ابن عمر قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال : « يا هؤلاء ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم؟ قالوا : بلى . قال : ألستم تعلمون أن الله أنزل في كتابه أنه من أطاعني فقد أطاع الله؟ قالوا : بلى ، نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله ، وإن من طاعته طاعتك . قال : فإن من طاعة الله أن تطيعوني ، وإن من طاعتي أن تطيعوا أئمتكم ، وإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً أجمعين » .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن المنذر عن ربيع بن خثيم ، قال : حرف ، وأيما حرف { من يطع الرسول فقد أطاع الله } فوض إليه فلا يأمر إلا بخير .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد . أنه سئل عن قوله { فما أرسلناك عليهم حفيظاً } قال : هذا أول ما بعثه قال : إن عليك إلا البلاغ ، ثم جاء بعد هذا يأمره بجهادهم والغلظة عليهم حتى يسلموا .(3/171)
وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { ويقولون طاعة . . . } الآية . قال : هم أناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم : آمنا بالله ورسوله ليأمنوا على دمائهم وأموالهم { فإذا برزوا } من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم { بيت طائفة منهم } يقول : خالفوهم إلى غير ما قالوا عنك ، فعابهم الله فقال { بيت طائفة منهم غير الذي تقول } قال : يغيرون ما قال النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { ويقولون طاعة } قال : هؤلاء المنافقون الذين يقولون ، إذا حضروا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم بأمر قالوا : طاعة فإذا خرجوا غيرت طائفة منهم ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم { والله يكتب ما يبيتون } يقول : ما يقولون .
وأخرج ابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله { بيت طائفة منهم غير الذي تقول } قال : غير أولئك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس { بيت طائفة منهم غير الذي تقول } يغيرون ما قال النبي صلى الله عليه وسلم { والله يكتب ما يبيتون } يغيرون .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك { بيت طائفة منهم } قال : هم أهل النفاق .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة { بيت طائفة منهم غير الذي تقول } قال : يغيرون ما عهدوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه { والله يكتب ما يبيتون } قال : يغيرون ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم .(3/172)
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك { أفلا يتدبرون القرآن } قال : يتدبرون النظر فيه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } يقول : إن قول الله لا يختلف ، وهو حق ليس فيه باطل ، وإن قول الناس يختلف .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال : سمعت ابن المنكدر يقول وقرأ { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } فقال : إنما يأتي الاختلاف من قلوب العباد ، فأما من جاء من عند الله فليس فيه اختلاف .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : إن القرآن لا يكذب بعضه بعضاً ، ولا ينقض بعضه بعضاً ، ما جهل الناس من أمره فإنما هو من تقصير عقولهم وجهالتهم ، وقرأ { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } قال : فحق على المؤمن أن يقول : كل من عند الله ، يؤمن بالمتشابه ولا يضرب بعضه ببعض إذا جهل أمراً ولم يعرفه ، أن يقول : الذي قال الله حق ، ويعرف أن الله لم يقل قولاً وينقص ، ينبغي أن يؤمن بحقيقة ما جاء من عند الله .(3/173)
وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)
أخرج عبد بن حميد ومسلم وابن أبي حاتم من طريق ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال : لما اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه ، دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصا ويقولون : طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ، فقمت على باب المسجد ، فناديت بأعلى صوتي : لم يطلق نساءه . ونزلت هذه الآية في { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به } يقول : أفشوه وسعوا به { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } يقول : لعلمه الذين يتجسسونه منهم .
وأخرج ابن جريج وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به } قال : هذا في الإخبار ، إذا غزت سرية من المسلمين خبر الناس عنها ، فقالوا : أصاب المسلمين من عدوهم كذا وكذا ، وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا ، فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو يخبرهم به . قال ابن جريج : قال ابن عباس : { أذاعوا به } أعلنوه وأفشوه { ولو ردوه إلى الرسول } حتى يكون هو الذي يخبرهم به { وإلى أولي الأمر منهم } أولي الفقه في الدين والعقل .
وأخرج ابن جريج وابن أبي حاتم عن السدي { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف } يقول : إذا جاءهم أمر أنهم قد أمنوا من عدوهم ، أو أنهم خائفون منه ، أذاعوا بالحديث حتى يبلغ عدوهم أمرهم { ولو ردوه إلى الرسول } يقول : ولو سكتوا وردوا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم { وإلى أولي الأمر منهم } يقول : إلى أميرهم حتى يتكلم به { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } يعني عن الأخبار ، وهم الذين ينقرون عن الأخبار .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك { وإذا جاءهم أمر } قال : هم أهل النفاق .
وأخرج ابن جرير عن أبي معاذ . مثله .
وأخرج عن ابن زيد في قوله { أذاعوا به } قال : نشروه . قال : والذين أذاعوا به قوم إمَّا منافقون وإما آخرون ضعفاء .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم } يقول : إلى علمائهم .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : الولاة الذين يكونون في الحرب عليهم ، يتفكرون فينظرون لما جاءهم من الخبر أصدق أم كذب .
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } قال : يتبعونه ويتجسسونه .(3/174)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } قال : الذين يسألون عنه ويتجسسونه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } قال : قولهم ماذا كان وما سمعتم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق سعيد عن قتادة قال : إنما هو { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } الذين يفحصون عنه ويهمهم ذلك إلا قليلاً منهم { ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان } .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق معمر عن قتادة في قوله { ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً } يقول : لاتبعتم الشيطان كلكم . وأما قوله { إلا قليلاً } فهو لقوله { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } إلا قليلاً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان } قال : فانقطع الكلام . وقوله { إلا قليلاً } فهو في أوّل الآية يخبر عن المنافقين قال { فإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به } إلا قليلاً . يعني بالقليل المؤمنين .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : هذه الآية مقدمة ومؤخرة ، إنما هي { أذاعوا به إلا قليلاً منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لم ينج قليل ولا كثير } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً } قال : هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، كانوا حدثوا أنفسهم بأمر من أمور الشيطان إلا طائقة منهم .(3/175)
فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (84)
أخرج ابن سعد عن خالد بن معدان . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « بعثت إلى الناس كافة ، فإن لم يستجيبوا لي فإلى العرب ، فإن لم يستجيبوا لي فإلى قريش ، فإن لم يستجيبوا لي فإلى بني هاشم ، فإن لم يستجيبوا لي فإليّ وحدي » .
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم عن أبي إسحاق قال : قلت للبراء : الرجل يحمل على المشركين أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال : لا ، إن الله بعث رسوله وقال { فقاتل في سبيل الله لا تكلَّف إلا نفسك } إنما ذلك في النفقة .
وأخرج ابن مردويه عن البراء قال : « لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم { فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين } قال لأصحابه : قد أمرني ربي بالقتال فقاتلوا » .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي سنان في قوله { وحرض المؤمنين } قال : عظهم .
وأخرج ابن المنذر عن أسامة بن زيد « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم : ألا هل مشمر للجنة ، فإن الجنة لا خطر لها ، هي ورب الكعبة نور تلألأ ، وريحانة تهتز ، وقصر مشيد ، ونهر مطرد ، وفاكهة كثيرة نضيجة ، وزوجة حسناء جميلة ، وحلل كثيرة في مقام أبداً ، في خير ونضرة ونعمة ، في دار عالية سليمة بهية . قالوا : يا رسول الله نحن المشمرون لها . قال : قولوا : إن شاء الله ، ثم ذكر الجهاد وحض عليه » .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عبد البر في التمهيد عن سفيان بن عيينة عن ابن شبرمة . سمعته يقرؤها { عسى الله أن يكف من بأس الذين كفروا } قال سفيان : وهي في قراءة ابن مسعود هكذا { عسى الله أن يكف من بأس الذين كفروا } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً } يقول : عقوبة .(3/176)
مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { من يشفع شفاعة حسنة . . . } الآية . قال : شفاعة بعض الناس لبعض .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال : من يشفع شفاعة حسنة كان له أجرها وإن لم يشفع ، لأن الله يقول : { من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها } ولم يقل يشفع .
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : من يشفع شفاعة حسنة كتب له أجره ما جرت منفعتها .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { يكن له نصيب منها } قال : حظاً منها . وفي قوله { كفل منها } قال : الكفل هو الإثم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي والربيع في قوله { كفل منها } قالا : الحظ .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : الكفل والنصيب واحد ، وقرأ { يؤتكم كفلين من رحمته } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله { وكان الله على كل شيء مقيتاً } قال : حفيظاً .
وأخرج أبو بكر ابن الأنباري في الوقف والابتداء والطبراني في الكبير والطستي في مسائله عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { مقيتاً } قال : قادراً مقتدراً . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول أحيحة بن ألأنصاري :
وذي ضغن كففت النفس عنه ... وكنت على مساءته مقيتا
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عيسى بن يونس عن إسماعيل عن رجل عن عبد الله بن رواحة . أنه سأله رجل عن قول الله { وكان الله على كل شيء مقيتاً } قال : يقيت كل إنسان بقدر عمله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { مقيتاً } قال : شهيداً حسيباً حفيظاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { مقيتاً } قال : قادراً .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال : المقيت القدير .
وأخرج عن ابن زيد . مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال : المقيت الرزاق .(3/177)
وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87)
أخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند حسن عن سلمان الفارسي قال : « جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : السلام عليك يا رسول الله فقال : وعليك ورحمة الله ، ثم أتى آخر فقال : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله . فقال : وعليك ورحمة الله وبركاته ، ثم جاء آخر فقال : السلام عليك ورحمة الله وبركاته . فقال له : وعليك . فقال له الرجل : يا نبي الله - بأبي أنت وأمي - أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت علي؟! فقال : إنك لم تدع لنا شيئاً ، قال الله { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } فرددناها عليك » .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة « أن رجلاً مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس فقال : سلام عليكم . فقال : عشر حسنات . فمر رجل آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله . فقال : عشرون حسنة . فمر رجل آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . فقال : ثلاثون حسنة » .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر قال : « جاء رجل فسلم فقال : السلام عليكم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : عشر . فجاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : عشرون . فجاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . فقال : ثلاثون » .
وأخرج البيهقي عن سهل بن حنيف قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قال : السلام عليكم كتب الله له عشر حسنات ، فإن قال : السلام عليكم ورحمة الله كتب الله له عشرين حسنة ، فإن قال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثين حسنة » .
وأخرج أحمد والدرامي وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي عن عمران بن حصين « أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : السلام عليكم . فرد عليه وقال : عشر . ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله . فرد عليه ثم جلس فقال : عشرون . ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . فرد عليه ثم جلس فقال : ثلاثون » .
وأخرج أبو داود والبيهقي عن معاذ بن أنس الجهني قال : « جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه زاد ، ثم أتى آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله ورحمته وبركاته ومغفرته . فقال : أربعون . قال : هكذا تكون الفضائل » .
وأخرج ابن جرير عن السدي { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } يقول « إذا سلم عليك أحد فقل أنت : وعليك السلام ورحمة الله ، أو تقطع إلى السلام عليك كما قال لك » .(3/178)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطاء في قوله { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } قال : ذلك كله في أهل الإسلام .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر . أنه كان إذا سلم عليه إنسان رد كما يسلم عليه ، يقول : السلام عليكم . فيقول عبد الله : السلام عليكم .
وأخرج البيهقي أيضاً عن عروة بن الزبير . أن رجلاً سلم عليه فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . فقال عروة : ما ترك لنا فضل ، إن السلام انتهى إلى وبركاته .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن سالم مولى عبد الله بن عمر قال : كان ابن عمر إذا سلم عليه فرد زاد ، فاتيته فقلت : السلام عليكم . فقال : السلام : عليكم ورحمة الله ، ثم أتيته مرة أخرى فقلت : السلام عليكم ورحمة الله . فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، ثم أتيته مرة أخرى فقلت : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وطيب صلواته .
وأخرج البيهقي من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن في قوله { فحيوا بأحسن منها } قال : تقول إذا سلم عليك أخوك المسلم فقال : السلام عليك . فقل : السلام عليكم ورحمة الله { أو ردوها } يقول : إن لم تقل له السلام عليك ورحمة الله فرد عليه كما قال : السلام عليكم كما سلم ، ولا تقل وعليك .
وأخرج ابن المنذر من طريق يونس بن عبيد عن الحسن في الآية قال { أحسن منها } للمسلمين { أو ردوها } على أهل الكتاب قال : وقال الحسن : كل ذلك للمسلم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه ، وإن كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً ، ذلك بأن الله يقول { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } .
وأخرج البخاري في الأدب وابن المنذر عن ابن عباس قال : لو أن فرعون قال لي : بارك الله فيك . لقلت : وفيك بارك الله .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن جرير عن الحسن قال : السلام تطوّع ، والرد فريضة .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « السلام اسم من أسماء الله وضعه الله في الأرض : فافشوه بينكم ، وإذا مر رجل بالقوم فسلم عليهم فردوا كان له عليهم فضل درجة لأنه ذكرهم السلام ، وإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم وأفضل » .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن ابن مسعود . موقوفاً .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إن السلام اسم من أسماء الله وضعه الله في الأرض ، فافشوا السلام بينكم » .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(3/179)
« إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه الله في الأرض ، فافشوه بينكم » .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال : السلام اسم من أسماء الله ، فإذا أنت أكثرت منه أكثرت من ذكر الله .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن السلام اسم من أسماء الله جعله بين خلقه ، فإذا سلم المسلم على المسلم فقد حرم عليه أن يذكره إلا بخير » .
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أفشوا السلام بينكم فإنها تحية أهل الجنة ، فإذا مر رجل على ملأ فسلم عليهم كان له عليهم درجة وإن ردوا عليه ، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم الملائكة » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي بكر الصديق قال : السلام أمان الله في الأرض .
وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من بدا بالسلام فهو أولى بالله ورسوله » .
وأخرج البخاري في الأدب وابن مردويه عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين » ولفظ ابن مردويه قال : « إن اليهود قوم حسد ، وإنهم لن يحسدوا أهل الإسلام على أفضل من السلام ، أعطانا الله في الدنيا وهو تحية أهل الجنة يوم القيامة ، وقولنا وراء الإمام آمين » .
وأخرج البيهقي عن الحارث بن شريح . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن المسلم أخو المسلم ، إذا لقيه رد عليه من السلام بمثل ما حياه به أو أحسن من ذلك ، وإذا استأمره نصح له ، وإذا استنصره على الأعداء نصره ، وإذا استنعته قصد السبيل يسره ونعت له ، وإذا استغاره أحد على العدو أغاره ، وإذا استعاره الحد على المسلم لم يعره ، وإذا استعاره الجنة أعاره لا يمنعه الماعون . قالوا : يا رسول الله وما الماعون؟ قال : الماعون في الحجر والماء والحديد . قالوا : وأي الحديد؟ قال : قدر النحاس وحديد الفاس الذي تمتهنون به . قالوا : فما هذا الحجر؟ قال : القدر من الحجارة » .
وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا التقى المؤمنان فسلم كل واحد منهما على صاحبه وتصافحا ، كان أحبهما إلى الله أحسنهما بشراً لصاحبه ونزلت بينهما مائة رحمة ، للبادي تسعون وللمصافح عشر » .
وأخرج البيهقي عن الحسن . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن من الصدقة أن تسلم على الناس وأنت منطلق الوجه » .
وأخرج الطبراني والبيهقي عن أبي أمامة . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :(3/180)
« إن الله جعل السلام تحية لأمتنا ، وأماناً لأهل ذمتنا » .
وأخرج البيهقي عن زيد بن أسلم . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يسلم الراكب على الماشي ، والماشي على القاعد ، والقليل على الكثير ، والصغير على الكبير ، وإذا مر بالقوم فسلم منهم واحداً أجزأ عنهم ، وإذا رد من الآخرين واحد أجزأ عنهم » .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمرو قال : « مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل وعليه ثوبان أحمران فسلم عليه ، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج البيهقي عن سعيد بن أبي هلال الليثي قال : سلام الرجل يجزي عن القوم ، ورد السلام يجزي عن القوم .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال : إني لأرى جواب الكتاب حقاً ، كما أرى حق السلام .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة في قوله { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها } قال : ترون هذا في السلام وحده؟ هذا في كل شيء ، من أحسن إليك فأحسن إليه وكافئه ، فإن لم تجد فادع له أو أثن عليه عند إخوانه .
وأخرج عن سعيد بن جبير في قوله { إن الله كان على كل شيء } يعني من التحية وغيرها { حسيباً } يعني شهيداً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { حسيباً } قال : حفيظاً .(3/181)
فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89)
أخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الدلائل عن زيد بن ثابت . « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد ، فرجع ناس خرجوا معه ، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين . فرقة تقول نقتلهم ، وفرقة تقول . لا . فأنزل الله { فما لكم في المنافقين فئتين . . . } الآية كلها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إنها طيبة ، وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة « » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن ابن سعد بن معاذ الأنصاري . أن هذه الآية أنزلت فينا { فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا } خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال : « من لي بمن يؤذيني ويجمع لي في بيته من يؤذيني؟ فقام سعد بن معاذ فقال : إن كان منا يا رسول الله قتلناه ، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا فاطعناك . فقام سعد بن عبادة فقال : ما بك يا ابن معاذ طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن عرفت ما هو منك . فقام أسيد بن حضير فقال : إنك يا ابن عبادة منافق تحب المنافقين . فقال محمد بن مسلمة فقال : استكوا أيها الناس ، فإن فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يأمرنا فننفذ لأمره . فأنزل الله { فما لكم في المنافقين فئتين . . . } الآية » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال : « إن قوماً كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام وكانوا يظاهرون المشركين ، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم ، فقالوا : إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا فيهم بأس ، وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة قالت فئة من المؤمنين : اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم . وقالت فئة أخرى من المؤمنين : سبحان الله . . . ! تقتلون قوماً قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارهم تستحل دماؤهم وأموالهم ، فكانوا كذلك فئتين والرسول عندهم لا ينهى واحداً من الفريقين عن شيء . فنزلت { فما لكم في المنافقين فئتين } إلى قوله { حتى يهاجروا في سبيل الله } يقول : حتى يصنعوا كما صنعتم { فإن تولوا } قال : عن الهجرة » .
وأخرج أحمد بسند فيه انقطاع عن عبد الرحمن بن عوف « أن قوماً من العرب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، فأسلموا وأصابهم وباء المدينة حماها فاركسوا ، خرجوا من المدينة ، فاستقبلهم نفر من الصحابة فقالوا لهم : ما لكم رجعتم؟ قالوا : أصابنا وباء المدينة فقالوا : ما لكم في رسول الله اسوة حسنة .(3/182)
فقال بعضهم : نافقوا . وقال بعضهم : لم ينافقوا ، إنهم مسلمون . فأنزل الله { فما لكم في المنافقين فئتين . . . } الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي سلمة عن عبد الرحمن . أن نفراً من طوائف العرب هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمكثوا معه ما شاء الله أن يمكثوا ، ثم ارتكسوا فرجعوا إلى قومهم ، فلقوا سرية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعرفوهم فسألوهم ما ردكم؟ فاعتلوا لهم فقال بعض القوم لهم : نافقتم ، فلم يزل بعض ذلك حتى فشا فيهم القول ، فنزلت هذه الآية { فما لكم في المنافقين فئتين } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { فما لكم في المنافقين فئتين } قال : قوم خرجوا من مكة حتى جاؤوا المدينة ، يزعمون أنهم مهاجرون ثم ارتدوا بعد ذلك ، فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها ، فاختلف فيهم المؤمنون فقائل يقول : هم منافقون . وقائل يقول : هم مؤمنون ، فبين الله نفاقهم ، فأمر بقتلهم ، فجاءوا ببضائعهم يريدون هلال بن عويمر الأسلمي وبينه وبين محمد عليه السلام حلف ، وهو الذي حصر صدره أن يقاتل المؤمنين أو يقاتل قومه ، فدفع عنهم بأنهم يؤمون هلالاً وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { فما لكم في المنافقين فئتين } قال : ذكر لنا أنهما كانا رجلين من قريش ، كانا مع المشركين بمكة ، وكانا قد تكلما بالإسلام ولم يهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فلقيهما ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما مقبلان إلى مكة ، فقال بعضهم : إن دماءهما وأموالهما حلال . وقال بعضهم : لا يحل ذلك لكم . فتشاجروا فيهما ، فانزل الله { فما لكم في المنافقين فئتين } حتى بلغ { ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم } .
وأخرج ابن جرير عن معمر بن راشد قال : بلغني أن ناساً من أهل مكة كتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد أسلموا ، أو كان ذلك منهم كذباً ، فلقوهم فاختلف فيهم المسلمون فقالت طائفة : دماؤهم حلال . وطائفة قالت : دماؤهم حرام . فأنزل اله { فما لكم في المنافقين فئتين } .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في الآية قال : هم ناس تخلفوا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وأقاموا بمكة وأعلنوا الإيمان ولم يهاجروا ، فاختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتولاهم ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ من ولايتهم آخرون ، وقالوا : تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهاجروا فسماهم الله منافقين ، وبرأ المؤمنين من ولايتهم ، وأمرهم أن لا يتولوهم حتى يهاجروا .(3/183)
وأخرج ابن جرير عن السدي قال : كان ناس من المنافقين أرادوا أن يخرجوا من المدينة ، فقالوا للمؤمنين : إنا قد أصابنا أوجاع في المدينة واتخمناها ، فلعلنا أن نخرج إلى الظهر حتى نتماثل ثم نرجع ، فإنا كنا أصحاب برية . فانطلقوا واختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت طائفة : أعداء الله منافقون ، وددنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لنا فقاتلناهم . وقالت طائفة : لا ، بل إخواننا تخمتهم المدينة فاتخموها ، فخرجوا إلى الظهر يتنزهون فإذا برئوا رجعوا . فأنزل الله في ذلك { فما لكم في المنافقين فئتين } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال : أخذ ناس من المسلمين أموالاً من المشركين فانطلقوا بها تجاراً إلى اليمامة ، فاختلف المسلمون فيهم ، فقالت طائفة : لو لقيناهم قتلناهم وأخذنا ما في أيديهم . وقال بعضهم : لا يصلح لكم ذلك ، إخوانكم انطلقوا تجاراً . فنزلت هذه الآية { فما لكم في المنافقين فئتين } .
وأخرج ابن جرير من طريق ابن وهب عن ابن زيد في قوله { فما لكم في المنافقين فئتين } قال : هذا في شأن ابن أبي ، حين تكلم في عائشة ما تكلم ، فنزلت إلى قوله { فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله } فقال سعد بن معاذ : فإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله منه . يريد عبد الله بن أبي بن سلول .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال : » كيف ترون في الرجل يخاذل بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويسيء القول لأهل رسول الله وقد برأها الله ، « ثم قرأ ما أنزل الله في براءة عائشة ، فنزل القرآن في ذلك { فما لكم في المنافقين فئتين . . . } الآية . فلم يكن بعد هذه الآية ينطق ولا يتكلم فيه أحد » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس { والله أركسهم } يقول : أوقعهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس { أركسهم } قال : ردهم .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قول { أركسهم } قال : حبسهم في جهنم بما عملوا . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت قول أمية بن الصلت في شعره :
أركسوا في جهنم أنهم كانوا عتاة ... يقولوا مينا وكذبا وزورا
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة { أركسهم بما كسبوا } قال : أهلكهم بما عملوا .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي { أركسهم } قال : أضلهم .(3/184)
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال : « لما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على أهل بدر وأحد ، وأسلم من حولهم قال سراقة : بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج ، فأتيته فقلت : أنشدك النعمة . فقالوا : مه . فقال : دعوه ، ما تريد؟ قلت : بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي ، وأنا أريد أن توادعهم ، فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام ، وإن لم يسلموا لم تخشن لقلوب قومك عليهم . فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد فقال : اذهب معه فافعل ما يريد ، فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن أسلمت قريش أسلموا معهم ، ومن وصل إليهم من الناس كانوا على مثل عهدهم . فأنزل الله { ودوا لو تكفرون } حتى بلغ { إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق } فكان من وصل إليهم كانوا معهم على عهدهم » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله { إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق } يقول : إذا أظهروا كفرهم فاقتلوهم حيث وجدتموهم ، فإن أحد منهم دخل في قوم بينكم وبينهم ميثاق فاجروا عليه مثل ما تجرون على أهل الذمة .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { إلا الذين يصلون إلى قوم } الآية . قال : نسختها براءة { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [ التوبة : 5 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { حصرت صدورهم } قال : عن هؤلاء ، وعن هؤلاء .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي { أو جاءوكم } يقول : رجعوا فدخلوا فيكم { حصرت صدورهم } يقول : ضاقت صدورهم .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة . أنه قرأ { حصرت صدورهم } أي كارهة صدورهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع { وألقوا إليكم السلم } قال : الصلح .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس عن قتادة في قوله { فإن اعتزلوكم } الآية . قال : نسختها { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [ التوبة : 5 ] .
وأخرج ابن جرير عن الحسن وعكرمة في هذه الآية قالا : نسخها في براءة .(3/185)
سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ستجدون آخرين } الآية . قال : ناس من أهل مكة كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم ، فيسلمون رياء ، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان ، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا ، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصالحوا .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس { ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها } يقول : كلما أرادوا أن يخرجوا من فتنة أركسوا فيها ، وذلك أن الرجل كان يوجد قد تكلم بالإسلام ، فيتقرب إلى العود والحجر ، وإلى العقرب والخنفساء ، فيقول المشركون لذلك المتكلم بالإسلام : قل هذا ربي ، للخنفساء والعقرب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ستجدون آخرين . . . } الآية . قال : حي كانوا بتهامة قالوا : يا نبي الله لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا ، وأرادوا أن يأمنوا نبي الله ويأمنوا قومهم ، فأبى الله ذلك عليهم فقال { كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها } يقول : كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : ثم ذكر نعيم بن مسعود الأشجعي ، وكان يأمن في المسلمين والمشركين بنقل الحديث بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين ، فقال { ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة } يقول : إلى الشرك .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله { كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها } قال : كلما ابتلوا بها عموا فيها .(3/186)
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ } يقول : ما كان له ذلك فيما آتاه من ربه من عهد الله الذي عهد إليه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ } قال : المؤمن لا يقتل مؤمناً .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال : كان الحرث بن يزيد بن نبيشة من بني عامر بن لؤي يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل ، ثم خرج مهاجراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فلقيه عياش بالحرة فعلاه بالسيف وهو يحسب أنه كافر ، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فنزلت { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ . . . } الآية . فقرأها عليه ثم قال له : قم فحرر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ } قال : عياش بن أبي ربيعة : قتل رجلاً مؤمناً كان يعذبه هو وأبو جهل ، وهو أخوه لأمه في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ، وعياش يحسب أن ذلك الرجل كافر كما هو ، وكان عياش هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً ، فجاءه أبو جهل وهو أخوه لأمه فقال : إن أمك تناشدك رحمها وحقها أن ترجع إليها - وهي أميمة بنت مخرمة - فاقبل معه فربطه أبو جهل حتى قدم به مكة ، فلما رآه الكفار زادهم كفراً وافتتاناً فقالوا : إن أبا جهل ليقدر من محمد على ما يشاء ، ويأخذ أصحابه فيربطهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي في قوله { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ . . . } الآية . قال : نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي ، كان قد أسلم وهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان عياش أخا أبي جهل ، والحارث بن هشام لأمهما ، وكان أحب ولدها إليها ، فلما لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم شق ذلك عليها ، فحلفت أن لا يظلها سقف بيت حتى تراه ، فأقبل أبو جهل والحارث حتى قدما المدينة ، فأخبرا عياشا بما لقيت أمه ، وسألاه أن يرجع معهما فتنظر إليه ولا يمنعاه أن يرجع ، وأعطياه موثقاً أن يخليا سبيله بعد أن تراه أمه . فانطلق معهما حتى إذا خرجا من المدينة عمدا إليه فشداه وثاقاً ، وجلداه نحو من مائة جلدة ، وأعانهما على ذلك رجل من بني كنانة ، فحلف عياش ليقتلن الكناني إن قدر عليه ، فقدما به مكة فلم يزل محبوساً حتى فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، فخرج عياش فلقي الكناني وقد أسلم ، وعياش لا يعلم بإسلام الكناني ، فضربه عياش حتى قتله .(3/187)
فأنزل الله { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ } يقول : وهو لا يعلم أنه مؤمن { ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا } فيتركوا الدية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال : إن عياش بن أبي ربيعة المخزومي كان حلف على الحارث بن يزيد مولى بني عامر بن لؤي ليقتلنه ، وكان الحارث يومئذ مشركاً ، وأسلم الحارث ولم يعلم به عياش ، فلقيه بالمدينة فقتله ، وكان قتله ذلك خطأ .
وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه « أن الحارث بن زيد كان شديداً على النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاء وهو يريد الإسلام وعياش لا يشعر ، فلقيه عياش بن أبي ربيعة فحمل عليه فقتله ، فأنزل الله { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ } .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : نزلت في رجل قتله أبو الدرداء ، كانوا في سرية فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له ، فوجد رجلاً من القوم في غنم له ، فحمل عليه السيف ، فقال : لا إله إلا الله . فضربه ، ثم جاء بغنمه إلى القوم ، ثم وجد في نفسه شيئاً فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك له فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إلا شققت عن قلبه؟! فقال : ما عسيت أجد . هل هو يا رسول الله إلا دم أو ماء؟! فقال : فقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه . قال : كيف بي يا رسول الله؟ قال : فكيف بلا إله إلا الله! قال : فكيف بي يا رسول الله؟ قال : فكيف بلا إله إلا الله حتى تمنيت أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي . قال : ونزل القرآن { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ } حتى بلغ { إلا أن يصدقوا } قال : إلا أن يضعوها « .
وأخرج الروياني وابن منده وأبو نعيم معاً في المعرفة عن بكر بن حارثة الجهني قال : » كنت في سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاقتتلنا نحن والمشركون ، وحملت على رجل من المشركين فتعوذ مني بالإسلام فقتلته ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فغضب وأقصاني ، فاوحى الله إليه { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ . . . } الآية . فرضي عني وأدناني « .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { فتحرير رقبة مؤمنة } قال : يعني بالمؤمنة من قد عقل الإيمان وصام وصلى ، وكل رقبة في القرآن لم تسم مؤمنة فإنه يجوز المولود فما فوقه ممن ليس به زمانة ، وفي قوله { ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا } قال : عليه الدية مسلمة إلا أن يتصدق بها عليه .(3/188)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال : في حرف أبي { فتحرير رقبة مؤمنة } لا يجري فيها صبي .
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والبيهقي في سننه عن أبي هريرة « أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء ، فقال : يا رسول الله إن عليَّ عتق رقبة مؤمنة . فقال لها : أين الله؟ فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال لها : من أنا؟ فأشارت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء ، أي أنت رسول الله فقال : اعتقها فإنها مؤمنة » .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال : « أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال : إن علي رقبة مؤمنة وعندي أمة سوداء . فقال : ائتني بها ، فقال : أتشهدين أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالت : نعم . قال : اعتقها » .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد عن رجل من الأنصار « أنه جاء بأمة له سوداء فقال : يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة ، فإن كنت ترى هذه مؤمنة اعتقها . فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت : نعم . قال : أتشهدين أني رسول الله؟ قالت : نعم . قال : تؤمنين بالبعث بعد الموت؟ قالت : نعم . قال : اعتقها فإنها مؤمنة » .
وأخرج الطيالسي ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن معاوية بن الحكم السلمي « أنه لطم جارية له فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعظم ذلك قال : فقلت : يا رسول الله أفلا اعتقها؟ قال : بلى ، ائتني بها . قال : فجئت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لها : أين الله؟ قالت : في السماء . قال : فمن أنا؟ قالت : أنت رسول الله . قال : إنها مؤمنة فاعتقها » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب في قوله { ودية مسلمة } قال : « بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضها مائة من الإبل » .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن المنذر عن ابن مسعود قال : « قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم دية الخطأ عشرين بنت مخاض ، وعشرين بني مخاض ذكوراً ، وعشرين بنت لبون ، وعشرين جذعة ، وعشرين حقة » .
وأخرج أبو داود وابن المنذر عن ابن عباس « أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الدية اثني عشر ألفاً » .
وأخرج ابن المنذر عن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده « أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات ، وبعث به مع عمرو بن حزم ، وفيه وعلى أهل الذهب ألف دينار ، يعني في الدية » .(3/189)
وأخرج أبو داود عن جابر بن عبد الله « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل ، وعلى أهل البقر مائتي بقرة ، وعلى أهل الشاة ألفي شاة ، وعلى أهل الحلل مائتي حلة ، وعلى أهل القمح شيئاً لم يحفظه محمد بن إسحاق » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله { ودية مسلمة } قال : موفرة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله { مسلمة إلى أهله } قال : المسلمة التامة .
وأخرج ابن المنذر عن السدي { مسلمة إلى أهله } قال : تدفع { إلا أن يصدقوا } إلا أن يدعوا .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة { مسلمة إلى أهله } أي إلى أهل القتيل { إلا أن يصدقوا } إلا أن يصدق أهل القتيل ، فيعفوا ويتجاوزوا عن الدية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { ودية مسلمة } يعني يسلمها عاقلة القاتل إلى أهله إلى أولياء المقتول { إلا أن يصدقوا } يعني إلا أن يصدق أولياء المقتول بالدية على القاتل فهو خير لهم ، فأما عتق رقبة فانه واجب على القاتل في ماله .
وأخرج ابن جرير عن بكر بن الشرود قال : في حرف أبي « إلا أن يتصدقوا » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن إبراهيم النخعي في قوله { ودية مسلمة إلى أهله } قال : هذا المسلم الذي ورثته مسلمون { وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن } قال : هذا الرجل المسلم وقومه مشركون ، وبينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد فيقتل ، فيكون ميراثه للمسلمين وتكون ديته لقومهم لأنهم يعقلون عنه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن } يقول : فإن كان في أهل الحرب وهو مؤمن فقتله خطأ ، فعلى قاتله أن يكفر بتحرير رقبة مؤمنة ، أو صيام شهرين متتابعين ولا دية عليه ، وفي قوله { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } يقول : إذا كان كافراً في ذمتكم فقتل ، فعلى قاتله الدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس { وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن } قال : هو المؤمن يكون في العدو من المشركين ، يسمعون بالسرية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفرون ويثبت المؤمن فيقتل ففيه تحرير رقبة .
وأخرج ابن جرير والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس { فإن كان من قوم عدوّ لكم وهو مؤمن } قال : يكون الرجل مؤمناً وقومه كفار ، فلا دية له ولكن تحرير رقبة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق عطاء بن السائب عن أبي عياض قال : كان الرجل يجيء فيسلم ، ثم يأتي قومه وهم مشركون فيقيم فيهم ، فتغزوهم جيوش النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقتل الرجل فيمن يقتل .(3/190)
فأنزلت هذه الآية { وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة } وليست له دية .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طريق عطاء بن السائب عن أبي يحيى عن ابن عباس في قوله { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن } قال : كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم ، ثم يرجع إلى قومه فيكون فيهم وهم مشركون ، فيصيبه المسلمون خطأ في سرية أو غارة ، فيعتق الذي يصيبه رقبة ، وفي قوله { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } قال : كان الرجل يكون معاهداً وقومه أهل عهد ، فيسلم إليهم ديته ، ويعتق الذي أصابه رقبة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن } قال : نزلت في مرداس بن عمرو ، وكان أسلم وقومه كفار من أهل الحرب ، فقتله أسامة بن زيد خطأ { فتحرير رقبة مؤمنة } ولا دية لهم لأنهم أهل الحرب .
وأخرج ابن المنذر عن جرير بن عبد الله البجلي . إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن الشعبي في قوله { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } قال : من أهل العهد وليس بمؤمن .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن جابر بن زيد { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } قال : وهو مؤمن .
وأخرج ابن جرير عن الحسن { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } قال : هو كافر .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } قال : عهد .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب { وإن كان بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله } قال : بلغنا أن دية المعاهد كانت كدية المسلم ، ثم نقصت بعد في آخر الزمان فجعلت مثل نصف دية المسلم ، وأن الله أمر بتسليم دية المعاهد إلى أهله ، وجعل معها تحرير رقبة مؤمنة .
وأخرج أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم ، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين ، وكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر ، فقام خطيباً فقال : إن الإبل قد غلت ، ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا ، وعلى أهل البقر مائتي بقرة ، وعلى أهل الشاة ألفي شاة ، وعلى أهل الحلل مائتي حلة ، وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية .(3/191)
وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والحاكم وصححه عن أبي بكرة . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ريح الجنة يوجد من مسيرة مائة عام ، وما من عبد يقتل نفساً معاهدة إلا حرم الله عليه الجنة ورائحتها أن يجدها » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن ماجه والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قتل قتيلاً من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً » .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إلا من قتل معاهداً له ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد خفر ذمة الله ولا يرح ريح الجنة ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفاً » .
وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير عن سعيد بن المسيب قال : قال عمر بن الخطاب : دية أهل الكتاب أربعة آلاف درهم ، ودية المجوس ثمانمائة .
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم قال : الخطأ أن يريد الشيء فيصيب غيره .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين } قال : من لم يجد عتقاً في قتل مؤمن خطأ . قال : وأنزلت في عياش بن أبي ربيعة قتل مؤمناً خطأ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { فمن لم يجد } قال : فمن لم يجد رقبة فصيام شهرين .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك { فمن لم يجد فصيام شهرين } قال : الصيام لمن لا يجد رقبة ، وأما الدية فواجبة لا يبطلها شيء .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مسروق أنه سئل عن الآية التي في سورة النساء { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين } صيام الشهرين عن الرقبة وحدها أو عن الدية والرقبة؟ قال : من لم يجد فهو عن الدية والرقبة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد . أنه سئل عن صيام شهرين متتابعين؟ قال : لا يفطر فيها ولا يقطع صيامها ، فإن فعل من غير مرض ولا عذر استقبل صيامها جميعاً ، فإن عرض له مرض أو عذر صام ما بقي منهما ، فإن مات ولم يصم أطعم عنه ستون مسكيناً لكل مسكين مد .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن { فصيام شهرين متتابعين } تغليظاً وتشديداً من الله قال : هذا في الخطأ تشديد من الله .
وأخرج عن سعيد بن جبير في قوله { توبة من الله } يعني تجاوزاً من الله لهذه الأمة حين جعل في قتل الخطأ كفارة ودية { وكان الله عليماً حكيماً } يعني حكم الكفارة لمن قتل خطأ ، ثم صارت دية العهد والموادعة لمشركي العرب منسوخة ، نسختها الآية التي في براءة { اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [ التوبة : 5 ] وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لا يتوارث أهل ملتين » .(3/192)
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)
أخرج ابن جريج وابن المنذر من طريق ابن جريج عن عكرمة « أن رجلاً من الأنصار قتل أخاً مقيس بن ضبابة ، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الدية فقبلها ، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله . قال ابن جريج ، وقال غيره : ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ديته على بني النجار ، ثم بعث مقيساً ، وبعث معه رجلاً من بني فهر في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم ، فاحتمل مقيس الفهري - وكان رجلاً شديداً - فضرب به الأرض ، ورضخ رأسه بين حجرين ، ثم ألقى يتغنى :
قتلت به فهرا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب قارع
فأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أظنه قد أحدث حدثاً ، أما والله لئن كان فعل لا أومنه في حل ولا حرم ، ولا سلم ولا حرب ، فقتل يوم الفتح . قال ابن جريج : وفيه نزلت هذه الآية { ومن يقتل مؤمناً متعمداً . . . } الآية » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم } قال : « نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني ، وذلك أنه أسلم وأخوه هشام بن ضبابة وكانا بالمدينة ، فوجد مقيس أخاه هشاماً ذات يوم قتيلاً في الأنصار في بني النجار ، فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من قريش من بني فهر ومعه مقيس إلى بني النجار - ومنازلهم يومئذ بقباء - أن ادفعوا إلى مقيس قاتل أخيه إن علمتم ذلك ، وإلا فادفعوا إليه الدية . فما جاءهم الرسول قالوا : السمع والطاعة لله وللرسول ، والله ما نعلم له قاتلاً ولكن نؤدي إليه الدية ، فدفعوا إلى مقيس مائة من الإبل دية أخيه ، فلما انصرف مقيس والفهري راجعين من قباء إلى المدينة وبينهما ساعة ، عمد مقيس إلى الفهري رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله ، وارتد عن الإسلام وركب جملاً منها وساق معه البقية ، ولحق بمكة وهو يقول : في شعر له :
قتلت به فهراً وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب قارع
وأدركت ثأري واضطجعت موسداً ... وكنت إلى الأوثان أول راجع
فنزلت فيه بعد قتل النفس وأخذ الدية ، وارتد عن الإسلام ولحق بمكة كافراً { ومن يقتل مؤمناً متعمداً } » .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس . مثله سواء .
وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير والطبراني من طريق سعيد بن جبير قال : اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن ، فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها؟ فقال : نزلت هذه الآية { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم } هي آخر ما نزل ، وما نسخها شيء .(3/193)
وأخرج أحمد وسعيد بن منصور والنسائي وابن ماجه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والطبراني من طريق سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس . أن رجلاً أتاه فقال : أرأيت رجلاً قتل رجلاً متعمداً؟ قال { فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً } قال : لقد نزلت في آخر ما نزل ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى؟ قال : وأنى له بالتوبة وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ثكلته أمه ، رجل قتل رجلاً متعمدا يجيء يوم القيامة آخذاً قاتله بيمينه أو بيساره ، وآخذا رأسه بيمينه أو بشماله ، تشخب أوداجهُ دماً في قبل العرش ، يقول : يا رب سل عبدك فيم قتلني » .
وأخرج الترمذي وحسنه من طريق عمرو بن دينار عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده ، وأوداجه تشخب دماً يقول : يا رب قتلني هذا حتى يدنيه من العرش قال : فذكروا لابن عباس التوبة ، فتلا هذه الآية { ومن يقتل مؤمناً متعمداً } قال : ما نسخت هذه الآية ولا بدلت ، وأنى له التوبة » .
وأخرج عبد بن حميد والبخاري وابن جري عن سعيد بن جبير قال : قال لي عبد الرحمن بن ابزي : سل ابن عباس عن قوله { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم } فقال : لم ينسخها شيء ، وقال في هذه الآية { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر } [ الفرقان : 68 ] الآية . قال : نزلت في أهل الشرك .
وأخرج عبد الحميد والبخاري وابن جرير والحاكم وابن مردويه عن سعيد بن جبير أن عبد الرحمن بن أبزي سأله : أن يسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين التي في النساء { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم } إلى آخر الآية والتي في الفرقان { ومن يفعل ذلك يلق أثاماً } [ الفرقان : 68 ] الآية . قال : فسألته؟ فقال : إذا دخل الرجل في الإسلام وعلم شرائعه وأمره ثم قتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم لا توبة له ، وأما التي في الفرقان فإنها لما أنزلت قال المشركون من أهل مكة : فقد عدلنا بالله ، وقتلنا النفس التي حرم الله بغير الحق ، وأتينا الفواحش ، فما نفعنا الإسلام ، فنزلت { إلا من تاب } [ الفرقان : 70 ] الآية . فهي لأولئك .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب قال : سمعت ابن عباس يقول : نزلت هذه الآية { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم } بعد قوله { إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً } [ الفرقان : 70 ] بسنة .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية { ومن يقتل مؤمناً متعمداً } بعد التي في سورة الفرقان بثماني سنين ، وهي قوله(3/194)
{ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر } [ الفرقان : 68 ] إلى قوله { غفوراً رحيماً } [ الفرقان : 70 ] .
وأخرج ابن جرير والنحاس والطبراني عن سعيد بن جبير قال : سألت ابن عباس هل لمن قتل مؤمناً متعمداً من توبة؟ قال : لا . فقرأت عليه الآية التي في الفرقان { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر } [ الفرقان : 68 ] فقال هذه الآية مكية نسختها آية مدنية { ومن يقتل مؤمناً متعمداً } الآية .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن زيد بن ثابت قال : نزلت الشديدة بعد الهينة بستة أشهر ، يعني { ومن يقتل مؤمناً متعمداً } بعد { إن الله لا يغفر أن يشرك به } [ النساء : 48 ] .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن ثابت قال : نزلت الشديدة بعد الهينة بستة أشهر ، قوله { ومن يقتل مؤمناً متعمداً } بعد قوله { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر } [ الفرقان : 68 ] إلى آخر الآية .
وأخرج أبو داود وابن جرير والنحاس والطبراني وابن مردويه والبيهقي عن زيد بن ثابت قال : نزلت الآية التي في سورة النساء بعد الآيات التي في سورة الفرقان بستة أشهر .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن زيد بن ثابت قال : لما نزلت هذه الآية في الفرقان { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر . . . } [ الفرقان : 68 ] الآية . عجبنا للينها ، فلبثنا سبعة أشهر ، ثم نزلت التي في النساء { ومن يقتل مؤمناً متعمداً . . . } الآية .
وأخرج عبد الرزاق عن الضحاك قال : بينهما ثماني سنين ، التي في النساء بعد التي في الفرقان .
وأخرج سمويه في فوائده عن زيد بن ثابت قال : نزلت هذه التي في النساء بعد قوله { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ النساء : 48 ] بأربعة أشهر .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : أكبر الكبائر الإشراك بالله ، وقتل النفس التي حرم الله ، لأن الله يقول { فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس قال : هما المبهمتان : الشرك والقتل .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن مسعود في قوله { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم } قال : هي محكمة ، ولا تزداد إلا شدة .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن كردم . أن أبا هريرة ، وابن عباس ، وابن عمر ، سئلوا عن الرجل يقتل مؤمناً متعمداً؟ فقالوا : هل تستطيع أن لا تموت ، هل تستطيع أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء؟ أو تحييه .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن ميناء قال : كنت جالساً بجنب أبي هريرة إذ أتاه رجل فسأله عن قاتل المؤمن هل له من توبة؟ فقال : والذي لا إله إلا هو لا يدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط .(3/195)
وأخرج ابن المنذر من طريق أبي رزين عن ابن عباس قال : هي مبهمة ، لا يعلم له توبة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك قال : ليس لمن قتل مؤمناً توبة لم ينسخها بشيء .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن سعيد بن ميناء قال : كان بين صاحب لي وبين رجل من أهل السوق لجاجة ، فأخذ صاحبي كرسياً فضرب به رأس الرجل فقتله ، وندم وقال : إني سأخرج من مالي ، ثم انطلق فاجعل نفسي حبيساً في سبيل الله . قلت : انطلق بنا إلى ابن عمر نسأله هل لك من توبة؟ فانطلقا حتى دخلنا عليه ، فقصصت عليه القصة على ما كانت ، قلت : هل ترى له من توبة؟ قال : كل واشرب أف قم عني . قلت : يزعم أنه لم يرد قتله؟ قال : كذب ، يعمد أحدكم إلى الخشبة فيضرب بها رأس الرجل المسلم ثم يقول : لم أرد قتله ، كذب ، كل واشرب ما استطعت أف قم عني . فلم يزدنا على ذلك حتى قمنا .
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود قال : قتل المؤمن معقلة .
وأخرج البخاري عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً » .
وأخرج أحمد والنسائي وابن المنذر عن معاوية . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً ، أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً » .
وأخرج ابن المنذر عن أبي الدرداء . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركاً ، أو من قتل مؤمناً متعمداً » .
وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أعان في قتل مسلم بشطر كلمة ، يلقى الله يوم يلقاه مكتوب على جبهته آيس من رحمة الله » .
وأخرج ابن عدي والبيهقي في البعث عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أعان على دم امرئ مسلم بشطر كلمة ، كتب بين عينيه يوم القيامة آيس من رحمة الله » .
وأخرج ابن المنذر عن أبي عون قال : إذا سمعت في القرآن { خلوداً } فلا توبة له .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « نازلت ربي في قاتل المؤمن ، في أن يجعل له توبة فأبى عليَّ » .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو القاسم بن بشران في أماليه بسند ضعيف عن أبي هريرة « عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم } قال : هو جزاؤه إن جازاه » .(3/196)
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس أنه كان يقول : جزاؤه جهنم إن جازاه ، يعني للمؤمن وليس للكافر ، فإن شاء عفا عن المؤمن وإن شاء عاقب .
وأخرج ابن المنذر من طريق عاصم بن أبي النجود عن ابن عباس في قوله { فجزاؤه جهنم } قال : هي جزاؤه إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث عن أبي مجلز في قوله { فجزاؤه جهنم } قال : هي جزاؤه ، فإن شاء الله أن يتجاوز عن جزائه فعل .
وأخرج ابن المنذر عن عون بن عبد الله في قوله { فجزاؤه جهنم } قال : إن هو جازاه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي صالح . مثله .
وأخرج ابن المنذر عن إسماعيل بن ثوبان قال : جالست الناس قبل الداء الأعظم في المسجد الأكبر ، فسمعتهم يقولون { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم } إلى { عذاباً عظيماً } قال المهاجرون والأنصار : وجبت لمن فعل هذا النار ، حتى نزلت { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ النساء : 48 ] فقال المهاجرون والأنصار : ما شاء يصنع الله ما شاء ، فسكت عنهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في البعث عن هشام بن حسان قال : كنا عند محمد بن سيرين فقال له رجل { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم } حتى ختم الآية فغضب محمد وقال : أين أنت عن هذه الآية { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } قم عني أخرج عني قال : فأخرج .
وأخرج القتبي والبيهقي في البعث عن قريش بن أنس قال : سمعت عمرو بن عبيد يقول : يؤتى بي يوم القيامة فأقام بين يدي الله فيقول لي لم قلت إن القاتل في النار؟ فأقول أنت قتلته ثم تلا هذه الآية { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم } قلت له : وما في البيت أصغر مني أرأيت إن قال لك فإني قد قلت { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } من أين علمت أني لا أشاء أن أغفر قال : فما استطاع أن يرد علي شيئاً .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي إسحاق قال أتى رجل عمر فقال لقاتل المؤمن توبة قال : نعم ثم قرأ { حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قاتل المؤمن قال : كان يقال : له توبة إذا ندم .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة . مثله .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن كردم عن ابن عباس قال : أتاه رجل فقال : ملأت حوضي أنتظر طميتي ترد علي ، فلم أستيقظ إلا ورجل أشرع ناقته فتلم الحوض وسال الماء ، فقمت فزعاً فضربته بالسيف فقتلته ، فقال : ليس هذا مثل الذي قال ، فأمره بالتوبة .(3/197)
قال سفيان : كان أهل العلم إذا سئلوا؟ قالوا : لا توبة له . فإذا ابتلى رجل قالوا : كذبت .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عبد الله بن جعفر قال : كفارة القتل ، القتل .
وأخرج عبد بن حميد والنحاس عن سعد بن عبيدة أن ابن عباس كان يقول : لمن قتل مؤمناً توبة . قال : فجاءه رجل فسأله ألمن قتل مؤمناً توبة؟ قال : لا ، إلا النار . فلما قام الرجل قال له جلساؤه : ما كنت هكذا تفتينا ، كنت تفتينا أن لمن قتل مؤمناً توبة مقبولة ، فما شأن هذا اليوم؟ قال : إني أظنه رجل يغضب يريد أن يقتل مؤمناً ، فبعثوا في أثره ، فوجوده كذلك .
وأخرج النحاس عن نافع وسالم . أن رجلاً سأل عبد الله بن عمر كيف ترى في رجل قتل رجلاً عمداً؟ قال : أنت قتلته؟ قال : نعم . قال : تب إلى الله يتب عليك .
وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن أسلم قال : ليس للقاتل توبة إلا أن يقاد منه ، أو يعفى عنه ، أو تؤخذ منه الدية .
وأخرج عبد بن حميد عن سفيان قال : بلغنا أن الذي يقتل متعمداً فكفارته أن يقيد من نفسه ، أو أن يعفى عنه ، أو تؤخذ منه الدية ، فإن فعل به ذلك رجونا أن تكون كفارته ويستغفر ربه ، فإن لم يفعل من ذلك شيئاً فهو في مشيئة الله ، إن شاء غفر له وإن شاء لم يغفر له ، فقال سفيان : فإذا جاءك من لم يقتل فشدد عليه ولا ترخص له لكي يفرض ، وإن كان ممن قتل فسألك فأخبره لعله يتوب ولا تؤيسه .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال : لأن أتوب من الشرك أحب إليَّ من أن أتوب من قتل المؤمن .
وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من لقي الله لا يشرك به شيئاً ، وأدّى زكاة ماله طيبة بها نفسه محتبساً ، وسمع وأطاع ، فله الجنة . وخمس ليس لهن كفارة : الشرك بالله ، وقتل النفس بغير حق ، وبهت مؤمن ، والفرار من الزحف ، ويمين صابرة تقتطع بها مالاً بغير حق » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال : إن الرجل ليقتل يوم القيامة ألف قتلة . قال أبو زرعة : بضروب ما قتل .
وأخرج ابن شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والله للدنيا وما فيها أهون على الله من قتل مسلم بغير حق » .
وأخرج النسائي والنحاس عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم » .(3/198)
وأخرج ابن المنذر عن ابن عمرو قال : قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا .
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا » .
وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب عن بريدة عن النبي الله صلى الله عليه وسلم قال : « لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا » .
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن مسعود قال : لا يزل الرجل في فسحة من دينه ما نقيت كفه من الدم ، فإذا أغمس يده في الدم الحرام نزع حياؤه .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يجيء الرجل آخذاً بيد الرجل ، فيقول : يا رب هذا قتلني . قال : لمَ قتلته؟ فيقول لتكون العزة لك . فيقول : فإنها لي . ويجيء الرجل آخذاً بيد الرجل فيقول : يا رب قتلني هذا . فيقول الله : لمَ قتلت هذا؟ فيقول : قتلته لتكون العزة لفلان . فيقول : إنها ليست له ، بؤ بإثمه » .
وأخرجه ابن أبي شيبة عن عمرو بن شرحبيل . موقوفاً .
وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء قال : يجلس المقتول يوم القيامة ، فإذا مر الذي قتله قام فأخذه ، فينطلق فيقول : يا رب سله لمَ قتلني؟ فيقول : فيم قتلته؟ فيقول : أمرني فلان ، فيعذب القاتل والآمر .
وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبَّهم الله جميعاً في النار » .
وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب والأصبهاني في الترغيب عن البراء بن عازب . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله من قتل مؤمن ، ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار » .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس قال : « قتل بالمدينة قتيل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم من قتله ، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فقال : أيها الناس قتل قتيل وأنا فيكم ولا نعلم من قتله ، ولو اجتمع أهل السماء والأرض على قتل امرئ لعذبهم الله إلا أن يفعل ما يشاء » .
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن جندب البجلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم امرئ مسلم ، أن يهرقه كلما تعرض لباب من أبواب الجنة حال بينه وبينه » .
وأخرج الأصبهاني عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(3/199)
« لا يزال المؤمن معنقاً صالحاً ما لم يصب دماً حراماً ، فإذا أصاب دماً حراماً بلح » .
وأخرج الأصبهاني عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو أن الثقلين اجتمعوا على قتل مؤمن لأكبَّهم الله على مناخرهم في النار ، وأن الله حرم الجنة على القاتل والآمر » .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن رجل من الصحابة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « قسمت النار سبعين جزءاً . للآمر تسعة وستين ، وللقاتل جزءاً » .
وأخرج البيهقي عن محمد بن عجلان قال : كنت بالإسكندرية فحضرت رجلاً الوفاة لم نرَ من خلق الله أحداً كان أخشى لله منه ، فكنا نلقنه فيقبل كلما لقناه من سبحان الله والحمد لله ، فإذا جاءت لا إله إلا الله أبى ، فقلنا له : ما رأينا من خلق الله أحداً كان أخشى لله منك ، فنلقنك فتلقن حتى إذا جاءت لا إله إلا الله أبيت؟! قال : إنه حيل بيني وبينها ، وذلك أني قتلت نفساً في شبيبتي .
وأخرج ابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن عقبة بن عامر . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما من عبد يلقى الله لا يشرك به شيئاً لم يتند بدم حرام إلا أدخل الجنة ، من أي أبواب الجنة شاء » .
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري قال : كنت جالساً عند سالم بن عبد الله في نفر من أهل المدينة ، فقال رجل : ضرب الأمير آنفاً رجلاً أسواطاً فمات . فقال سالم : عاب الله على موسى عليه السلام في نفس كافر قتلها .
وأخرج البيهقي عن شهر بن حوشب . أن أعرابياً أتى أبا ذر فقال : إنه قتل حاج بيت الله ظالماً فهل له من مخرج؟ فقال له أبو ذر : ويحك . . . ! أحي والداك؟ قال : لا . قال : فأحدهما؟ قال : لا . قال : لو كانا حيين أو أحدهما لرجوت لك ، وما أجد لك مخرجاً إلا في إحدى ثلاث . قال : وما هن؟ قال : هل تستطيع أن تحييه كما قتلته؟ قال : لا والله! قال : فهل تستطيع أن لا تموت؟ قال : لا والله ما من الموت بد ، فما الثالثة؟ قال : هل تستطيع أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء؟ فقام الرجل وله صراخ ، فلقيه أبو هريرة فسأله فقال : ويحك . . . ! حيان والداك؟ قال : لا . قال : لو كانا حيين أو أحدهما لرجوت لك ، ولكن اغز في سبيل الله وتَعَرَّضْ للشهادة فعسى .(3/200)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94)
أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لحق ناس من المسلمين رجلاً معه غنيمة له فقال : السلام عليكم . فقتلوه وأخذوا غنيمته ، فنزلت { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا } إلى قوله { عرض الحياة الدنيا } قال : تلك الغنيمة . قال : قرأ ابن عباس { السلام } .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني والترمذي وحسنه وعبد بن حميد وصححه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : « مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنماً له ، فسلم عليهم ، فقالوا : ما سلم علينا إلا ليتعوّذ منا ، فعمدوا له فقتلوه ، وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت الآية { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم . . . } الآية » .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير والطبراني وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال « بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أضم ، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم الحرث بن ربعي أبو قتادة ، ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي ، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن أضم ، مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له ، معه متيع له وقطب من لبن ، فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام ، فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة لشيء كان بينه وبينه ، فقتله وأخذ بعيره ومتاعه ، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر ، نزل فينا القرآن { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا . . . } الآية » .
وأخرج ابن إسحاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبغوي في معجمه من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي حدرد الأسلمي عن أبيه نحوه ، وفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « أقتلته بعدما قال : آمنت بالله؟!فنزل القرآن » .
وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال : « بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محلم بن جثامة مبعثاً ، فلقيهم عامر بن الأضبط ، فحياهم بتحية الإسلام ، وكانت بينهم إحنة في الجاهلية ، فرماه محلم بسهم فقتله ، فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء محلم في بردين ، فجلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر له فقال : لا غفر الله لك . فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه ، فما مضت به ساعة حتى مات ودفنوه ، فلفظته الأرض ، فجاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكروا ذلك له فقال : إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله أراد أن يعظكم ، ثم طرحوه في جبل وألقوا عليه الحجارة ، فنزلت { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم .(3/201)
. . } الآية « .
واخرج البزار والدارقطني في الأفراد والطبراني عن ابن عباس قال » بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد بن الأسود ، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير لم يبرح ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله . فأهوى إليه المقداد فقتله . فقال له رجل من أصحابه : أقتلت رجلاً شهد أن لا إله إلا الله؟! والله لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا : يا رسول الله إن رجلاً شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد . فقال : ادعوا إليَّ المقداد ، فقال : يا مقداد أقتلت رجلاً يقول لا إله إلا الله ، فكيف لك بلا إله إلا الله غداً؟ فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله } إلى قوله { كذلك كنتم من قبل } قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد : كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فاظهر إيمانه فقتلته ، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل « .
وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر قال : أنزلت هذه الآية { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام } في مرداس .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : » كان الرجل يتكلم بالإسلام ، ويؤمن بالله والرسول ، ويكون في قومه ، فإذا جاءت سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بها حيه - يعني قومه - وأمام الرجل لا يخاف المؤمنين من أجل أنه على دينهم ، حتى يلقاهم فيلقي إليهم السلام ، فيقولون : لست مؤمناً وقد ألقى السلم فيقتلونه ، فقال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا } إلى { تبتغون عرض الحياة الدنيا } يعني تقتلونه إرادة أن يحل لكم ماله الذي وجدتم معه ، وذلك عرض الحياة الدنيا فإن عندي مغانم كثيرة ، والتمسوا من فضل الله . وهو رجل اسمه مرداس خلى قومه هاربين من خيل بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عليها رجل من بني ليث اسمه قليب حتى إذا وصلت الخيل سلّم عليهم فقتلوه ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهله بديته ، ورد إليهم ماله ، ونهى المؤمنين عن مثل ذلك « .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا } قال : هذا الحديث في شأن مرداس ، رجل من غطفان ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشاً عليهم غالب الليثي إلى أهل فدك ، وبه ناس من غطفان ، وكان مرداس منهم .(3/202)
ففر أصحابه فقال مرداس : إني مؤمن وعلى متبعكم . فصبحته الخيل غدوة ، فلما لقوه سلم عليهم مرداس ، فتلقاه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقتلوه ، وأخذوا ما كان معه من متاع ، فأنزل الله في شأنه { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً } لأن تحية المسلمين السلام ، بها يتعارفون ، وبها يحيي بعضهم بعضاً .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله . . . } الآية . قال « بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضمرة ، فلقوا رجلاً منهم يدعى مرداس بن نهيك معه غنم له وجمل أحمر ، فلما رآهم أوى إلى كهف جبل واتبعه أسامة ، فلما بلغ مرداس الكهف وضع فيه غنمه ثم أقبل إليهم فقال : السلام عليكم ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فشد عليه أسامة فقتله من أجل جمله وغنيمته ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أسامة أحب أن يثني عليه خير ويسأل عنه أصحابه ، فلما رجعوا لم يسألهم عنه ، فجعل القوم يحدثون النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقولون : يا رسول الله لو رأيت أسامة ولقيه رجل فقال الرجل : لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشد عليه فقتله وهو معرض عنهم ، فلما أكثروا عليه رفع رأسه إلى أسامة فقال : كيف أنت ولا إله إلا الله؟ فقال : يا رسول الله إنما قالها متعوذاً تعوذ بها . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : هلا شققت عن قلبه فنظرت إليه . . . ! فأنزل الله خبر هذا ، وأخبر إنما قتله من أجل جمله وغنمه ، فذلك حين يقول { تبتغون عرض الحياة الدنيا } فلما بلغ { فمن الله عليكم } يقول : فتاب الله عليكم ، فحلف أسامة أن لا يقاتل رجلاً يقول لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل ، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه » .
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن الحسن « أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهبوا يتطرقون ، فلقوا أناساً من العدو فحملوا عليهم فهزموهم ، فشد رجل منهم فتبعه رجل يريد متاع ، فلما غشيه بالسنان قال : إني مسلم ، إني مسلم . فأوجره السنان فقتله وأخذ متيعه ، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للقاتل : أقتلته بعد أن قال إني مسلم؟! يا رسول الله إنما قالها متعوّذاً . قال : أفلا شققت عن قلبه؟ قال : لمَ يا رسول الله؟ قال : لتعلم أصادق هو أو كاذب! قال : وكنت عالم ذلك يا رسول الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما كان يعبر عنه لسانه ، إنما كان يعبر عنه لسانه . قال : فما لبث القاتل أن مات ، فحفر له أصحابه ، فأصبح وقد وضعته الأرض ، ثم عادوا فحفروا له ، فأصبح وقد وضعته الأرض إلى جنب قبره . قال الحسن : فلا أدري كم قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كم دفناه ، مرتين أو ثلاثة ، كل ذلك لا تقبله الأرض ، فلما رأينا الأرض لا تقبله أخذنا برجليه فألقيناه في بعض تلك الشعاب ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيَّنوا } أهل الإسلام إلى آخر الآية . قال الحسن : أما والله ما ذاك أن تكون الأرض تجن من هو شر منه ، ولكن وعظ الله القوم أن لا يعودوا » .(3/203)
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من طريق معمر عن قتادة في قوله { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً } قال : « بلغني أن رجلاً من المسلمين أغار على رجل من المشركين ، فحمل عليه فقال له المشرك : إني مسلم أشهد أن لا إله إلا الله ، فقتله المسلم بعد أن قالها ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال للذي قتله : أقتله وقد قال لا إله إلا الله؟! فقال وهو يعتذر : يا نبي الله إنما قال متعوّذاً وليس كذلك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فهلا شققت عن قلبه! ثم مات قاتل الرجل فقبر ، فلفظته الأرض ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يقبروه ، ثم لفظته حتى فعل ذلك به ثلاث مرات ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الأرض أبت أن تقبله فألقوه في غار من الغيران . قال معمر : وقال بعضهم : إن الأرض تقبل من هو شر منه ، ولكن الله جعله لكم عبرة » .
وأخرج ابن جرير من طريق أبي الضحى عن مسروق . أن قوماً من المسلمين لقوا رجلاً من المشركين ومعه غنيمة له ، فقال : السلام عليكم ، إني مؤمن . فظنوا أنه يتعوّذ بذلك فقتلوه وأخذوا غنيمته ، فأنزل الله { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا } تلك الغنيمة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن سعيد بن جبير قال : « خرج المقداد بن الأسود في سرية بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمروا برجل فيه غنيمة له ، فقال : إني مسالم . فقتله ابن الأسود ، فلما قدموا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا } قال : الغنيمة » .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : نزل ذلك في رجل قتله أبو الدرداء ، فذكر من قصة أبي الدرداء نحو القصة التي ذكرت عن أسامة بن زيد ، ونزل القرآن { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ } فقرأ .(3/204)
. . حتى بلغ إلى قوله { إن الله كان بما تعلمون خبيراً } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً } قال : راعي غنم لقيه نفر من المؤمنين فقتلوه وأخذوا ما معه ، ولم يقبلوا منه السلام عليكم إني مؤمن .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً } قال : حرم الله على المؤمنين أن يقولوا لمن يشهد أن لا إله إلا الله لست مؤمناً كما حرم عليهم الميتة ، فهو آمن على ماله ودمه ، فلا تردوا عليه قوله .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن أبي رجاء والحسن . أنهما كانا يقرآن « ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم » بكسر السين .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد وأبي عبد الرحمن السلمي . أنهما كانا يقرآن { لمن ألقى إليكم السلام } .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { كذلك كنتم من قبل } قال : تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه . وفي لفظ : تكتمون إيمانكم من المشركين { فمنّ الله عليكم } فأظهر الإسلام ، فاعلنتم إيمانكم { فتبينوا } قال : وعيد من الله مرتين .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { كذلك كنتم من قبل } قال : كنتم كفاراً حتى منّ الله عليكم بالإسلام وهداكم له .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مسروق { كذلك كنتم من قبل } لم تكونوا مؤمنين .
وأخرج عبد بن حميد عن النعمان بن سالم أنه كان يقول : نزلت في رجل من هذيل .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { فتبينوا } بالياء .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أسامة قال : « بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية ، فصبحنا الحرقات من جهينة ، فأدركت رجلاً فقال : لا إله إلا الله فطعنته ، فوقع في نفسي من ذلك ، فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » قال لا إله إلا الله وقتلته؟! قلت : يا رسول الله إنما قالها فرقاً من السلاح . قال : ألا شققت عن قلبه حتى تعلم قالها أم لا . . ! فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يؤمئذ « » .
وأخرج ابن سعد عن جعفر بن برقان قال : حدثنا الحضرمي رجل من أهل اليمامة قال : « بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أسامة بن زيد على جيش . قال أسامة : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعلت أحدثه فقلت : فلما انهزم القوم أدركت رجلاً فأهويت إليه بالرمح ، فقال : لا إله إلا الله فطعنته فقتلته . فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ويحك يا أسامة . . ! فكيف لك بلا إله إلا الله؟ ويحك يا أسامة . . ! فكيف لك بلا إله إلا الله؟ فلم يزل يرددها علي حتى لوددت أني انسلخت من كل عمل عملته واستقبلت الإسلام يومئذ جديداً ، فلا والله أقاتل أحداً قال لا إله إلا الله بعدما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم » .(3/205)
وأخرج ابن سعد عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال : قال أسامة بن زيد : لا أقاتل رجلاً يقول لا إله إلا الله أبداً . فقال سعد بن مالك : وأنا - والله - لا أقاتل رجلاً يقول لا إله إلا الله أبداً . فقال لهما رجل : ألم يقل الله { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } [ البقرة : 193 ] فقالا : قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي عن عقبة بن مالك الليثي قال : « بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية ، فغارت على قوم ، فأتبعه رجل من السرية شاهراً فقال الشاذ من القوم : إني مسلم ، فلم ينظر فيما قال فضربه فقتله ، فنمي الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال فيه قولاً شديداً ، فبلغ القاتل . فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذ قال القاتل : والله ما قال الذي قال إلا تعوّذاً من القتل . فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وعمن قبله من الناس ، وأخذ في خطبته ثم قال أيضاً : يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوّذاً من القتل . فأعرض عنه وعمن قبله من الناس ، وأخذ في خطبته ثم لم يصبر فقال الثالثة : والله يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوّذاً من القتل . فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرف المساءة في وجهه فقال : إن الله أبى عليّ لمن قتل مؤمناً ثلاث مراراً » .
وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن المقداد بن الأسود قال : قلت « يا رسول الله أرأيت إن اختلفت أنا ورجل من المشركين بضربتين فقطع يدي ، فلما علوته بالسيف قال : لا إله إلا الله أضربه أم أدعه؟ قال : بل دعه . قلت : قطع يدي! قال : إن ضربته بعد أن قالها فهو مثلك قبل أن تقتله ، وأنت مثله قبل أن يقولها » .
وأخرج الطبراني عن جندب البجلي قال « إني لعند رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه بشير من سريته ، فأخبره بالنصر الذي نصر الله سريته ، وبفتح الله الذي فتح لهم . قال : يا رسول الله بينا نحن نطلب القوم وقد هزمهم الله تعالى ، إذ لحقت رجلاً بالسيف ، فلما خشي أن السيف واقعه ، وهو يسعى ويقول : إني مسلم ، إني مسلم . قال : فقتلته . . . ؟ فقال : يا رسول الله إنما تعوّذ . فقال : فهلا شققت عن قلبه فنظرت أصادق هو أم كاذب؟! فقال : لو شققت عن قلبه ما كان علمي هل قلبه إلا مضغة من لحم! قال : لا ما في قلبه تعلم ولا لسانه صدقت قال : يا رسول الله استغفر لي . قال : لا أستغفر لك . فمات ذلك الرجل ، فدفنوه فأصبح على وجه الأرض ، ثم دفنوه فأصبح على وجه الأرض ثلاث مرات ، فلما رأوا ذلك استحيوا وخزوا مما لقي ، فاحتملوه فألقوه في شعب من تلك الشعاب » .(3/206)
لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96)
أخرج ابن سعد وعبد بن حميد والبخاري والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والبغوي في معجمه والبيهقي في سننه عن البراء بن عازب قال : لما نزلت { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } قال النبي صلى الله عليه وسلم : « ادع فلاناً . وفي لفظ : ادع زيداً ، فجاء ومعه الدواة واللوح والكتف ، فقال : اكتب { لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله } وخلف النبي صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم ، فقال : يا رسول الله إني ضرير؟! فنزلت مكانها { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله } » .
وأخرج ابن سعد وأحمد وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل والبيهقي من طريق ابن شهاب قال : « حدثني سهل بن سعد الساعدي أن مروان بن الحكم أخبره : أن زيد بن ثابت أخبره : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه { لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله } فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها عليّ فقال : يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت - وكان أعمى - فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ، وفخذه على فخذي ، فثقلت عليّ حتى خفت أن ترض فخذي ، ثم سري عنه ، فأنزل الله { غير أولي الضرر } قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح قال : وفي هذا الحديث رواية رجل من الصحابة وهو سهل بن سعد عن رجل من التابعين وهو مروان بن الحكم ، لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وأحمد وأبو داود وابن المنذر وابن الأنباري والطبراني والحاكم وصححه من طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت قال : « كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة ، فوقعت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم سري عنه : فقال : اكتب . فكتبت في كتف { لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله } إلى آخر الآية . فقال ابن أم مكتوم - وكان رجلاً أعمى - لما سمع فضل المجاهدين : يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة ، فوقعت فخذه على فخذي ، فوجدت ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى ، ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اقرأ يا زيد . فقرأت { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتب { غير أولي الضرر .(3/207)
. . } الآية . قال زيد : أنزلها الله وحدها فألحقتها ، والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في كتف « .
وأخرج ابن فهر في كتاب فضائل مالك وابن عساكر من طريق عبد الله بن رافع قال : قدم هارون الرشيد المدينة ، فوجه البرمكي إلى مالك وقال له : احمل إليّ الكتاب الذي صنفته حتى أسمعه منك . فقال للبرمكي : أقرئه السلام وقل له : إن العلم يزار ولا يزور ، وإن العلم يؤتى ولا يأتي . فرجع البرمكي إلى هارون فقال له : يا أمير المؤمنين يبلغ أهل العراق أنك وجهت إلى مالك فخالفك ، اعزم عليه حتى يأتيك ، فإذا بمالك قد دخل وليس معه كتاب ، وأتاه مسلماً فقال : يا أمير المؤمنين إن الله جعلك في هذا الموضع لعلمك فلا تكن أنت أوّل من يضع العلم فيضعك الله ، ولقد رأيت من ليس في حسبك ولا بيتك يعز هذا العلم ويجله فأنت أحرى أن تعز وتجل علم ابن عمك ، ولم يزل يعدد عليه من ذلك حتى بكى هارون ثم قال أخبرني الزهري عن خارجة بن زيد قال : قال زيد بن ثابت : » كنت أكتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في كتف { لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون } وابن أم مكتوم عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله قد أنزل الله في فضل الجهاد ما أنزل ، وأنا رجل ضرير فهل لي من رخصة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أدري . . . قال زيد بن ثابت : وقلمي رطب ما جف حتى غشي النبي صلى الله عليه وسلم الوحي ، ووقع فخذه على فخذي حتى كادت تدق من ثقل الوحي ، ثم جلى عنه فقال لي : اكتب يا زيد { غير أولي الضرر } في أمير المؤمنين حرف واحد بعث به جبريل والملائكة عليهم السلام من مسيرة خمسين ألف عام حتى أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم ، فلا ينبغي لي أن أعزه وأجله . . . ؟! « .
وأخرج الترمذي وحسنه النسائي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريق مقسم عن ابن عباس » أنه قال { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر } عن بدر والخارجين إلى بدر ، لما نزلت غزوة بدر قال عبد الله بن جحش ، وابن أم مكتوم : انا أعميان يا رسول الله فهل لنا رخصة؟ فنزلت { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر } وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة ، فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر { فضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً } درجات منه على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر « .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مقسم عن ابن عباس .(3/208)
أنه قال { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } عن بدر والخارجين إليها .
وأخرج ابن جرير والطبراني في الكبير بسند رجاله ثقات عن زيد بن أرقم قال : « لما نزلت { لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله } جاء ابن أم مكتوم فقال : يا رسول الله أما لي من رخصة؟ قال : لا . قال : اللهم إني ضرير فرخِّص لي . فأنزل الله { غير أولي الضرر } فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابتها » .
وأخرج عبد بن حميد والبزار وأبو يعلى وابن حبان والطبراني عن الفلتان بن عاصم قال « كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل عليه ، وكان إذا أنزل عليه دام بصره ، مفتوحة عيناه ، وفرغ سمعه وقلبه ، لما يأتيه من الله قال : فكنا نعرف ذلك منه . فقال للكاتب : اكتب { لا يستوي القاعدون والمجاهدون في سبيل الله } فقام الأعمى فقال : يا رسول الله ما ذنبنا؟ فأنزل الله ، فقلنا للأعمى : إنه ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فخاف أن يكون ينزل عليه شيء في أمره ، فبقي قائماً يقول : أعوذ بغضب رسول الله فقال للكاتب : اكتب { غير أولي الضرر } » .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس « { لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله } فسمع بذلك عبد الله بن أم مكتوم الأعمى ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : » يا رسول الله قد أنزل الله في الجهاد ما قد علمت ، وأنا رجل ضرير البصر لا أستطيع الجهاد فهل لي من رخصة عند الله إن قعدت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أمرت في شأنك بشيء ، وما أدري هل يكون لك ولأصحابك من رخصة . فقال ابن أم مكتوم : اللهم إني أنشدك بصري . فأنزل الله { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر } « .
وأخرج عبد بن حميد والطبراني والبيهقي من طريق أبي نضرة عن ابن عباس في الآية قال : نزلت في قوم كانت تشغلهم أمراض وأوجاع ، فأنزل الله عذرهم من السماء .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن أنس بن مالك قال : نزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم { غير أولي الضرر } لقد رأيته في بعض مشاهد المسلمين معه اللواء .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن عبد الله بن شداد قال » لما نزلت هذه الآية { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } قام ابن أم مكتوم فقال : يا رسول الله إني ضرير كما ترى؟ فأنزل الله { غير أولي الضرر } « .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال : » ذكر لنا أنه لما نزلت هذه الآية قال عبد الله بن أم مكتوم : يا نبي الله عذري؟ فأنزل الله { غير أولي الضرر } « .(3/209)
وأخرج ابن جرير عن سعيد قال « نزلت { لا يستوي القاعدون من المؤمنين . . . والمجاهدين في سبيل الله } فقال رجل أعمى : يا نبي الله فإني أحب الجهاد ولا أستطيع أن أجاهد . فنزلت { غير أولي الضرر } » .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال « لما نزلت هذه الآية قال ابن أم مكتوم : يا رسول الله إني أعمى ولا أطيق الجهاد . فأنزل الله فيه { غير أولي الضرر } » .
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير من طريق زياد بن فياض عن أبي عبد الرحمن قال : لما نزلت { لا يستوي القاعدون } قال عمرو بن أم مكتوم : يا رب ابتليتني فكيف أصنع؟ فنزلت { غير أولي الضرر } .
وأخرج ابن سعد وابن المنذر من طريق ثابت عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال : لما نزلت { لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله } قال ابن أم مكتوم : أي رب أين عذري ، أي رب أين عذري؟ فنزلت { غير أولي الضرر } فوضعت بينها وبين الأخرى ، فكان بعد ذلك يغزو ويقول : ادفعوا إلي اللواء ، وأقيموني بين الصفين فإني لن أفر .
وأخرج ابن المنذر عن قتادة قال : نزلت في ابن أم مكتوم أربع آيات { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر } ونزل فيه { ليس على الأعمى حرج } [ النور : 61 ] ونزل فيه { فإنها لا تعمى الأبصار . . . } [ الحج : 46 ] الآية . ونزل فيه { عبس وتولى } [ عبس : 1 ] فدعا به النبي صلى الله عليه وسلم ، فأدناه وقربه وقال : « أنت الذي عاتبني فيك ربي » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال : لا يستوي في الفضل القاعد عن العدو والمجاهد درجة يعني فضيلة { وكلا } يعني المجاهد والقاعد المعذور { وفضل الله المجاهدين على القاعدين } الذين لا عذر لهم { أجراً عظيماً درجات } يعني فضائل { وكان الله غفوراً رحيماً } بفضل سبعين درجة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { غير أولي الضرر } قال : أهل العذر .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله { فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة } قال : على أهل الضرر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة { وكلاً وعد الله الحسنى } أي الجنة والله يؤتي كل ذي فضل فضله .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج { وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ومغفرة } قال : على القاعدين من المؤمنين { غير أولي الضرر } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { درجات منه ومغفرة ورحمة } قال : كان يقال : الإسلام درجة ، والهجرة درجة في الإسلام ، والجهاد في الهجرة درجة ، والقتل في الجهاد درجة .(3/210)
وأخرج ابن جرير عن ابن وهب قال : سألت ابن زيد عن قول الله تعالى { وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه } الدرجات هي السبع لتي ذكرها في سورة براءة { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب } [ التوبة : 120 ] فقرأ حتى بلغ { أحسن ما كانوا يعملون } [ التوبة : 121 ] قال : هذه السبع درجات؟ قال : كان أول شيء فكانت درجة الجهاد مجملة ، فكان الذي جاهد بماله له اسم في هذه ، فلما جاءت هذه الدرجات بالتفضيل أخرج منها ولم يكن له منها إلا النفقة فقرأ { لا يصيبهم ظمأ ولا نصب } [ التوبة : 120 ] وقال : ليس هذا لصاحب النفقة ، ثم قرأ { ولا ينفقون نفقة } قال : وهذه نفقة القاعد .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن محيريز في قوله { وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات } قال : الدرجات سبعون درجة ، ما بين الدرجتين عدو الجواد المضمر سبعون سنة .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن أبي محلز في قوله { وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات } قال : بلغني أنها سبعون درجة ، بين كل درجتين سبعون عاماً للجواد المضمر .
وأخرج ابن المنذر عن قتادة في قوله { درجات منه ومغفرة ورحمة } قال : ذكر لنا أن معاذ بن جبل كان يقول : إن للقتيل في سبيل الله ست خصال من خير : أول دفعة من دمه يكفر بها عنه ذنوبه ، ويحلى عليه حلة الإيمان ، ثم يفوز من العذاب ، ثم يأمن من الفزع الأكبر ، ثم يسكن الجنة ، ويزوج من الحور العين .
وأخرج البخاري والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة ، وأعلى الجنة ، وفوقه عرش الرحمن ، ومنه تفجر أنهار الجنة » .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله ، كل درجتين بينهما كما بين السماء والأرض » .
وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي والحاكم عن أبي سعيد . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من رضي بالله ربا ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً ، وجبت له الجنة . فعجب لها أبو سعيد فقال : أعدها عليّ يا رسول الله . فأعادها عليه ثم قال : وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة ، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض . قال : وما هي يا رسول الله؟ قال : الجهاد في سبيل الله » .(3/211)
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من بلغ بسهم في سبيل الله فله درجة . فقال رجل : يا رسول الله وما الدرجة؟ قال : أما أنها ليست بعتبة أمك ، ما بين الدرجتين مائة عام » .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبادة بن الصامت . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الجنة مائة درجة ، ما بين كل درجتين منها كما بين السماء والأرض » .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عن يزيد بن أبي مالك قال : كان يقال : الجنة مائة درجة ، بين كل درجتين كما بين السماء إلى الأرض ، فيهن الياقوت والخيل ، في كل درجة أمير يرون له الفضل والسؤدد .(3/212)
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)
أخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس . أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيأتي السهم يرمي به ، فيصيب أحدهم فيقتله ، أو يضرب فيقتل . فأنزل الله { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : كان قوم من أهل مكة اسلموا ، وكانوا يستخفون بالإسلام ، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر ، فأصيب بعضهم وقتل بعض ، فقال المسلمون : قد كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم ، فنزلت هذه الآية { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } إلى آخر الآية . قال : فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية وأنه لا عذر لهم فخرجوا ، فلحقهم المشركون فاعطوهم الفتنة ، فأنزلت فيهم هذه الآية { ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } [ العنكبوت : 10 ] إلى آخر الآية . فكتب المسلمون إليهم بذلك ، فحزنوا وأيسوا من كل خير ، فنزلت فيهم { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } [ النحل : 110 ] فكتبوا إليهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجاً فاخرجوا ، فخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن جرير عن عكرمة في قوله { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم } إلى قوله { وساءت مصيراً } قال : نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة ، والحارث بن زمعة بن الأسود ، وقيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبي العاص بن منية بن الحجاج ، وعلي بن أمية بن خلف . قال : لما خرج المشركون من قريش وأتباعهم لمنع أبي سفيان بن حرب وعير قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وأن يطلبوا ما نيل منهم يوم نخلة ، خرجوا معهم بشبان كارهين ، كانوا قد أسلموا واجتمعوا ببدر على غير موعد ، فقتلوا ببدر كفاراً ورجعوا عن الإسلام ، وهم هؤلاء الذين سميناهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق في قوله { إن الذين توفاهم الملائكة } قال : هم خمسة فتية من قريش : علي بن أمية ، وأبو قيس بن الفاكه ، وزمعة بن الأسود ، وأبو العاصي بن منية بن الحجاج . قال : ونسيت الخامس .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال : هم قوم تخلفوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم وتركوا أن يخرجوا معه ، فمن مات منهم قبل أن يلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ضربت الملائكة وجهه ودبره .(3/213)
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال : كان قوم بمكة قد أسلموا ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهوا أن يهاجروا وخافوا ، فأنزل الله { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } إلى قوله { إلا المستضعفين } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال : هم أناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، فلم يخرجوا معه إلى المدينة ، وخرجوا مع مشركي قريش إلى بدر ، فأصيبوا يوم بدر فيمن أصيب . فأنزل الله فيهم هذه الآية .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : لما أسر العباس ، وعقيل ، ونوفل ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « افد نفسك وابن أخيك . قال : يا رسول الله ألم نصل قبلتك ونشهد شهادتك؟ قال : يا عباس إنكم خاصمتم فخصمتم ثم تلا عليه هذه الآية { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً } » فيوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجر { إلا المستضعفين } الذين { لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً } حيلة في المال ، والسبيل الطريق . قال ابن عباس : كنت أنا منهم من الولدان .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال : حدثت أن هذه الآية أنزلت في أناس تكلموا بالإسلام من أهل مكة ، فخرجوا مع عدو الله أبي جهل ، فقتلوا يوم بدر فاعتذروا بغير عذر ، فأبى الله أن يقبل منهم ، وقوله { إلا المستضعفين } قال : أناس من أهل مكة عذرهم الله فاستثناهم . قال : وكان ابن عباس يقول : كنت أنا وأمي من الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية : نزلت هذه الآية فيمن قتل يوم بدر من الضعفاء ، في كفار قريش .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال « لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم وظهروا ونبع الإيمان نبع النفاق معه فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال فقالوا : يا رسول الله لولا أنا نخاف هؤلاء القوم يعذبونا ، ويفعلون ويفعلون لأسلمنا ، ولكنا نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، فكانوا يقولون ذلك له ، فلما كان يوم بدر قام المشركون فقالوا : لا يتخلف عنا أحد إلا هدمنا داره ، واستبحنا ماله . فخرج أولئك الذين كانوا يقولون ذلك القول للنبي صلى الله عليه وسلم معهم ، فقتلت طائفة منهم وأسرت طائفة ، قال : فأما الذين قتلوا فهم الذين قال الله { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } الآية كلها { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } وتتركوا هؤلاء الذين يستضعفونكم { أولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً } ثم عذر الله أهل الصدق فقال { إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً } يتوجهون له لو خرجوا لهلكوا { فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم } اقامتهم بين ظهري المشركين .(3/214)
وقال الذين أسروا : يا رسول الله انك تعلم انا كنا نأتيك فنشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، وأن هؤلاء القوم خرجنا معهم خوفاً؟ فقال الله { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم } [ الأنفال : 70 ] صنيعكم الذي صنعتم خروجكم مع المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم . { وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل } [ الأنفال : 71 ] خرجوا مع المشركين فأمكن منهم « .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : كنت أنا وأمي من المستضعفين . أنا من الولدان ، وأمي من النساء .
وأخرج عبد بن حميد والبخاري وابن جرير والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه تلا { إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان } قال : كنت أنا وأمي ممن عذر الله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة : » أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانو يدعو في دبر كل صلاة : اللهم خلص الوليد وسلمة بن هشام ، وعياش بن أبي ربيعة ، وضعفة المسلمين من أيدي المشركين ، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً « .
وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال : » بينا النبي ي صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء إذ قال : سمع الله لمن حمده . ثم قال قبل أن يسجد : اللهم نج عياش بن أبي ربيعة ، اللهم نج سلمة بن هشام ، اللهم نج الوليد بن الوليد ، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين ، اللهم اشدد وطأتك على مضر ، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف « .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله { إلا المستضعفين } يعني الشيخ الكبير ، والعجوز ، والجواري الصغار ، والغلمان .
وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن يحيى قال : » مكث النبي صلى الله عليه وسلم أربعين صباحاً يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع ، وكان يقول في قنوته : اللهم أنج الوليد بن الوليد ، وعياش بن أبي ربيعة ، والعاصي بن هشام ، والمستضعفين من المؤمنين بمكة الذين { لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً } « .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال { الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } إلى قوله { وساءت مصيراً } قال : كانوا قوماً من المسلمين بمكة ، فخرجوا مع قومهم من المشركين في قتال ، فقتلوا معهم ، فنزلت هذه الآية { إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان } فعذر الله أهل العذر منهم ، وهلك من لا عذر له قال ابن عباس : وكنت أنا وأمي ممن كان له عذر .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج { لا يستطيعون حيلة } قوة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { لا يستطيعون حيلة } قال : نهوضاً إلى المدينة { ولا يهتدون سبيلاً } طريقاً إلى المدينة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { ولا يهتدون سبيلاً } طريقاً إلى المدينة . والله تعالى أعلم .(3/215)
وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { مراغماً كثيراً وسعة } قال : المراغم التحول من أرض إلى أرض . والسعة الرزق .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { مراغماً } قال : متزحزحاً عما يكره .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { مراغماً } قال : منفسحاً بلغة هذيل . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت قول الشاعر :
واترك أرض جهرة إن عندي ... رجاء في المراغم والتعادي
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : المراغم المهاجر .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ، مراغماً قال : مبتغى للمعيشة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر مراغماً قال منفسحاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة { يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة } قال : متحولاً من الضلالة إلى الهدى ، ومن العيلة إلى الغنى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله { وسعة } قال : ورخاء .
وأخرج عن ابن القاسم قال : سئل مالك عن قول الله { وسعة } ؟! قال : سعة البلاء .
وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني بسند رجاله ثقات عن ابن عباس قال : خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجراً فقال لأهله : احملوني فاخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزل الوحي { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله } الآية .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس قال : كان بمكة رجل يقال له ضمرة من بني بكر ، وكان مريضاً فقال لأهله : أخرجوني من مكة فإني أجد الحر . فقالوا أين نخرجك؟ فأشار بيده نحو طريق المدينة ، فخرجوا به فمات على ميلين من مكة ، فنزلت هذه الآية { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت } .
وأخرج أبو حاتم السجستاني في كتاب المعمرين عن عامر الشعبي قال : سألت ابن عباس عن قوله تعالى { ومن يخرج من بيته مهاجراً . . . } الآية . قال : نزلت في أكثم بن صيفي قلت : فأين الليثي؟ قال : هذا قبل الليثي بزمان ، وهي خاصة عامة .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في سننه عن سعيد بن جبير . أن رجلاً من خزاعة كان بمكة فمرض ، وهو ضمرة بن العيص ، أو العيص بن ضمرة بن زنباع ، فلما أمروا بالهجرة كان مريضاً ، فأمر أهله أن يفرشوا له على سريره ، ففرشوا له وحملوه وانطلقوا به متوجهاً إلى المدينة ، فلما كان بالتنعيم مات ، فنزل { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله } .(3/216)
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن أبي ضمرة بن العيص الزرقي الذي كان مصاب البصر وكان بمكة ، فلما نزلت { إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة } [ النساء : 98 ] فقال : إني لغني ، وإني لذو حيلة . فتجهز يريد النبي صلى الله عليه وسلم ، فأدركه الموت بالتنعيم ، فنزلت هذه الآية { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله } .
وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن سعيد بن جبير قال : لما نزلت هذه الآية { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر } [ النساء : 95 ] رخَّص فيها لقوم من المسلمين ممن بمكة من أهل الضرر حتى نزلت فضيلة المجاهدين على القاعدين ، ورخص لأهل الضرر حتى نزلت { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } [ النساء : 97 ] إلى قوله { وساءت مصيراً } [ النساء : 97 ] قالوا : هذه موجبة حتى نزلت { إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً } [ النساء : 98 ] فقال ضمرة بن العيص أحد بني ليث وكان مصاب البصر : إني لذو حيلة لي مال فاحملوني ، فخرج وهو مريض ، فأدركه الموت عند التنعيم ، فدفن عند مسجد التنعيم ، فنزلت فيه هذه الآية { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت } الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال لما أنزل الله هؤلاء الآيات ورجل من المؤمنين يقال له ضمره ، ولفظ عبد سبرة بمكة ، قال : والله إن لي من المال ما يبلغني إلى المدينة وأبعد منها ، وإني لأهتدي إلى المدينة ، فقال لأهله : أخرجوني - وهو مريض يومئذ - فلما جاوز الحرم قبضه الله فمات ، فأنزل الله { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله . . . } الآية .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير من وجه آخر عن قتادة قال : لما نزلت { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } [ النساء : 97 ] قال رجل من المسلمين يومئذ وهومريض : والله ما لي من عذر ، إني لدليل بالطريق ، وإني لموسر فاحملوني ، فحملوه فأدركه الموت بالطريق ، فنزل فيه { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله } .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال : لما أنزل الله { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } [ النساء : 97 ] الآيتين . قال رجل من بني ضمرة - وكان مريضاً - أخرجوني إلى الروح ، فأخرجوه حتى إذا كان بالحصحاص مات ، فنزل فيه { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله . . . } الآية . وأخرج ابن جرير عن علباء بن أحمر قوله { ومن يخرج من بيته . . . } الآية . قال : نزلت في رجل من خزاعة .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال : لما سمع - هذه يعني { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم . . . }(3/217)
[ النساء : 97 ] الآية - ضمرة بن جندب الضمري قال لأهله - وكان وجعاً - : أرحلوا راحلتي فإن الأخشبين قد غماني - يعني جبلي مكة - لعلّي أن أخرج فيصيبني روح ، فقعد على راحلته ثم توجه نحو المدينة فمات في الطريق ، فأنزل الله { ومن يخرج من بيته مهاجراً } الآية . وأما حين توجه إلى المدينة فإنه قال : اللهم إني مهاجر إليك وإلى رسولك .
وأخرج سنيد وابن جرير عن عكرمة قال : لما نزلت { إن الذين توفاهم الملائكة . . . } [ النساء : 97 ] الآية . قال ضمرة بن جندب الجندعي : اللهم أبلغت المعذرة والحجة ، ولا معذرة لي ولا حجة . ثم خرج وهو شيخ كبير فمات ببعض الطريق ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مات قبل أن يهاجر ، فلا ندري أعلى أم لا؟ فنزلت { ومن يخرج من بيته . . . } الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك قال : لما أنزل الله في الذين قتلوا مع مشركي قريش ببدر { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } [ النساء : 97 ] الآية . سمع بما أنزل الله فيهم رجل من بني ليث كان على دين النبي صلى الله عليه وسلم مقيماً بمكة ، وكان ممن عذر الله ، كان شيخاً كبيراً ، فقال لأهله : ما أنا ببائت الليلة بمكة . فخرجوا به حتى إذا بلغ التنعيم من طريق المدينة أدركه الموت ، فنزل فيه { ومن يخرج من بيته } الآية .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية قال : نزلت في رجل من بني ليث أحد بني جندع .
وأخرج ابن سعد وابن المنذر عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، أن جندع بن ضمرة الجندعي كان بمكة ، فمرض فقال لبنيه : أخرجوني من مكة فقد قتلني غمها . فقالوا إلى أين؟ فأومأ بيده نحو المدينة يريد الهجرة؟ فخرجوا به فلما بلغوا اضاة بني غفار مات ، فأنزل الله فيه { ومن يخرج من بيته . . . } الآية .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : هاجر رجل من بني كنانة يريد النبي صلى الله عليه وسلم ، فمات في الطريق ، فسخر به قوم واستهزؤوا به ، وقالوا : لا هو بلغ الذي يريد ولا هو أقام في أهله يقومون عليه ويدفن . فنزل القرآن { ومن يخرج من بيته } الآية .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال : خرج رجل من مكة بعد ما أسلم وهو يريد النبي وأصحابه فأدركه الموت في الطريق فمات ، فقالوا : ما أدرك هذا من شيء . فأنزل الله { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله } الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير بن العوام قال : هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة ، فنهشته حية في الطريق فمات ، فنزلت فيه { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً } .(3/218)
قال الزبير : وكنت أتوقعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة ، فما أحزنني شيء حزني لوفاته حين بلغني ، لأنه قلَّ أن هاجر أحدٌ من قريش إلا ومعه بعض أهله أو ذي رحمه ، ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى ، ولا أرجو غيره .
وأخرج ابن سعد عن المغيرة بن عبد الرحمن الخزاعي عن أبيه قال : خرج خالد بن حزام مهاجراً إلى أرض الحبشة في المرة الثانية ، فنهش في الطريق فمات قبل أن يدخل أرض الحبشة ، فنزلت فيه { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله . . . } الآية .
وأخرج ابن جرير من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب . أن أهل المدينة يقولون : من خرج فاصلاً وجب سهمه ، وتأولوا قوله تعالى { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله } يعني من مات ممن خرج إلى الغزو بعد انفصاله من منزله قبل أن يشهد الوقعة ، فله سهمه من المغنم .
وأخرج ابن سعد وأحمد والحاكم وصححه عن عبد الله بن عتيك « سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : من خرج من بيته مجاهداً في سبيل الله - وأين المجاهدون في سبيل الله - فخر عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله ، أو لدغته دابة فمات فقد وقع أجره على الله ، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله - يعني بحتف أنفه على فراشه ، والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم - ومن قتل قعصاً فقد استوجب الجنة » .
وأخرج أبو يعلى والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من خرج حاجاً فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة ، ومن خرج معتمراً فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة ، ومن خرج غازياً في سبيل الله كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة » .(3/219)
وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101)
أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن الجارود وابن خزيمة والطحاوي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن حبان « عن يعلى بن أمية قال » سألت عمر بن الخطاب قلت : { ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر : عجبت مما عجبت منه! فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته « » .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي حنظلة قال : سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟ فقال : ركعتان . فقلت : فأين قوله تعالى { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } ونحن آمنون؟ فقال : سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي في سننه عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسد . أنه سأل ابن عمر أرأيت قصر الصلاة في السفر ، أنا لا نجدها في كتاب الله ، إنما نجد ذكر صلاة الخوف؟! فقال ابن عمر : يا ابن أخي إن الله أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئاً ، فإنما نفعل كما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ، وقصر الصلاة في السفر سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن حارثة بن وهب الخزاعي قال « صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر بمنى ، أكثر ما كان الناس وآمنه ركعتين » .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه والنسائي عن ابن عباس قال : « صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئاً ، ركعتين » .
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال : سافرت إلى مكة فكنت أصلي ركعتين ، فلقيني قراء من أهل هذه الناحية فقالوا : كيف تصلي؟ قلت ركعتين! قالوا أَسُنَّةٌ أو قرآن؟! قلت : كل سُنَّةٍ وقرآن صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين . قالوا إنه كان في حرب! قلت : قال الله { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون } [ الفتح : 27 ] وقال { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } فقرأ حتى بلغ { فإذا اطمأننتم } [ النساء : 102 ] .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه والنسائي عن ابن عباس قال : « صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئاً ، ركعتين » .(3/220)
وأخرج ابن جرير عن علي قال « سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } ثم انقطع الوحي ، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي صلى الله عليه وسلم ، فصلى الظهر فقال المشركون : لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم ، هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم : إن لهم مثلها أخرى في أثرها ، فأنزل الله بين الصلاتين { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً ، وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك } إلى قوله { إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً } فنزلت صلاة الخوف » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال : قال رجل « يا رسول الله إني رجل تاجر أختلف إلى البحرين فأمره أن يصلي ركعتين » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ { فاقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } ولا يقرأ { إن خفتم } وهي في مصحف عثمان { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } .
وأخرج ابن جرير من طريق عمر بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق قال : سمعت أبي يقول « سمعت عائشة تقول : في السفر أتموا صلاتكم . فقالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في السفر ركعتين؟ فقالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حرب ، وكان يخاف هل تخافون أنتم؟! » .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال « قلت لعطاء أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتم الصلاة في السفر؟ قال : عائشة ، وسعد بن أبي وقاص » .
وأخرج ابن جرير عن أمية بن عبد الله « أنه قال لعبد الله بن عمر : أنا نجد في كتاب الله قصر الصلاة في الخوف ولا نجد قصر صلاة المسافر؟ فقال عبد الله : إنا وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم يعمل عملاً عملنا به » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } قال : « أنزلت يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان والمشركون بضجنان ، فتوافقوا فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر أربعاً ، ركوعهم وسجودهم وقيامهم معاً جمعاً ، فهم به المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم ، فأنزل الله { فلتقم طائفة منهم معك } [ النساء : 102 ] فصلى العصر ، فصف أصحابه صفين ، ثم كبر بهم جميعاً ، ثم سجد الأولون لسجوده والآخرون قيام لم يسجدوا حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم كبر بهم وركعوا جميعاً ، فتقدم الصف الآخر واستأخر الصف المقدم ، فتعاقبوا السجود كما فعلوا أول مرة ، وقصر العصر إلى ركعتين » .(3/221)
وأخرج عبد الرزاق عن طاوس في قوله { أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } قال : قصرها من الخوف والقتال الصلاة في كل وجه راكباً وماشياً قال : فأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم هذه الركعتان ، وصلاة الناس في السفر ركعتين فليس بقصر ، هو وقاؤها .
وأخرج عبد الرزاق عن عمرو بن دينار في قوله { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } قال : إنما ذلك إذا أخافوا الذين كفروا ، وسن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ركعتين ، وليس بقصر ولكنها وفاء .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام ، والتقصير لا يحل إلا أن تخاف من الذين كفروا أن يفتنوك عن الصلاة ، والتقصير ركعة ، يقوم الإمام ويقوم معه طائفتان ، طائفة خلفه وطائفة يوازون العدو ، فيصلي بمن معه ركعة ، ويمشون إليهم على أدبارهم حتى يقوموا في مقام أصحابهم ، وتلك المشية القهقرى ، ثم تأتي الطائفة الأخرى فتصلي مع الإمام ركعة ، ثم يجلس الإمام فيسلم ، فيقومون فيصلون لأنفسهم ركعة ، ثم يرجعون إلى صفهم ، ويقوم الآخرون فيضيفون إلى ركعته شيئاً تجزئه ركعة الإمام ، فيكون للإمام ركعتان ولهم ركعة ، فذلك قول الله { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } [ النساء : 102 ] إلى قوله { وخذوا حذركم } [ النساء : 102 ] .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { أن يفتنكم الذين كفروا } قال : بالعذاب والجهل بلغة هوزان . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول الشاعر :
كل امرئ من عباد الله مضطهد ... ببطن مكة مقهور ومفتون
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سماك الحنفي قال : سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال : ركعتان تمام غير قصر ، إنما القصر صلاة المخافة . قلت : وما صلاة المخافة؟ قال : يصلي الإمام بطائفة ركعة ، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء وهؤلاء إلى مكان هؤلاء ، فيصلي بهم ركعة ، فيكون للإمام ركعتان ولكل طائفة ركعة ركعة .
وأخرج مالك وعبد بن حميد والبخاري ومسلم عن عائشة قالت : « فرضت الصلاة ركعتين في السفر والحضر ، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عائشة قالت : « فرضت الصلاة على النبي بمكة ركعتين ركعتين ، فلما خرج إلى المدينة فرضت أربعاً ، وأقرت صلاة السفر ركعتين » .
وأخرج أحمد والبيهقي في سننه عن عائشة قالت « فرضت الصلاة ركعتين ركعتين إلا المغرب فرضت ثلاثاً ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر صلى الصلاة الأولى ، وإذا أقام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب لأنها وتر ، والصبح لأنها تطول فيها القراءة » .(3/222)
وأخرج البيهقي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يا أهل مكة! لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان » .
وأخرج الشافعي والبيهقي عن عطاء بن أبي رباح . أن عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عباس . أنه سئل أتقصر إلى عرفة؟ فقال : لا ، ولكن إلى عسفان ، وإلى جدة ، وإلى الطائف .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والنحاس عن ابن عباس قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا ، وفي السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { وإذا ضربتم في الأرض } الآية . قال : قصر الصلاة - إن لقيت العدو وقد حانت الصلاة - أن تكبر الله وتخفض رأسك إيماء راكباً كنت أو ماشياً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } قال : ذاك عند القتال ، يصلي الرجل الراكب تكبيرة من حيث كان وجهه .(3/223)
وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)
أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي عياش الزرقي قال « كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان ، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة ، فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ، فقالوا : قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم ، ثم قالوا : يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم ، فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } فحضرت ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذوا السلاح وصففنا خلفه صفين ، ثم ركع فركعنا جميعاً ، ثم سجد بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم ، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم ، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وهؤلاء إلى مصاف هؤلاء ، ثم ركع فركعوا جميعاً ، ثم رفع فرفعوا جميعاً ، ثم سجد الصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم ، فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا ، ثم سلم عليهم ثم انصرف . قال : فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين . مرة بعسفان ، ومرة بأرض بني سليم » .
وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير عن أبي هريرة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بين ضجنان وعسفان فقال المشركون : إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم وهي العصر ، فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة ، وإن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يقسم أصحابه شطرين فيصلي بهم ، وتقوم طائفة أخرى وراءهم { وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } ثم يأتي الآخرون ويصلون معه ركعة واحدة ، ثم يأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم ، فيكون لهم ركعة ركعة ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن يزيد الفقير قال : سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر أقصرهما؟ قال الركعتان في السفر تمام ، إنما القصر واحدة عند القتال ، بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال إذ أقيمت الصلاة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصفت طائفة وطائفة وجوهها قبل العدو ، فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين ، ثم الذين خلفوا انطلقوا إلى أولئك فقاموا مقامهم ، وجاء أولئك فقاموا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس فسلم وسلم الذين خلفه وسلم أولئك ، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان وللقوم ركعة ، ثم قرأ { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } .(3/224)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سليمان اليشكري « أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة أي يوم أنزل؟ فقال جابر بن عبد الله : » وغير قريش آتية من الشام حتى إذا كنا بنخل جاء رجل من القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد . قال : نعم . قال : هل تخافني؟ قال : لا . قال : فمن يمنعك مني؟ قال : الله يمنعني منك . قال : فسل السيف ، ثم تهدده وأوعده ، ثم نادى بالرحيل ، وأخذ السلاح ، ثم نودي بالصلاة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة من القوم وطائفة أخرى تحرسهم ، فصلى بالذين يلونه ركعتين ، ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم ، فقاموا في مصاف أصحابهم ، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين والآخرون يحرسونهم ، ثم سلم . فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان ركعتان يومئذ ، فأنزل الله في إقصار الصلاة ، وأمر المؤمنين بأخذ السلاح « .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن أبي حاتم من طريق الزهري عن سالم عن أبيه في قوله { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } قال » هي صلاة الخوف ، صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مقبلة على العدو ، ثم انصرفت الطائفة التي صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم فقاموا مقام أولئك مقبلين على العدو ، وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقبلة على العدو ، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى ، ثم سلم بهم ، ثم قامت طائفة فصلوا ركعة ركعة « .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني » عن ابن عباس في قوله { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك } فهذا في الصلاة عند الخوف ، يقوم الإمام ويقوم معه طائفة منهم ، وطائفة يأخذون أسلحتهم ويقفون بإزاء العدو ، فيصلي الإمام بمن معه ركعة ثم يجلس على هيئته ، فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية والإمام جالس ، ثم ينصرفون فيقفون موقفهم ثم يقبل الآخرون فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية ثم يسلم فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية ، فهكذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بطن نخلة « .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه عن ابن عباس » أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بذي قرد ، فصف الناس صفين ، صفاً خلفه وصفاً موازي العدو ، فصلى بالذين خلفه ركعة ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء ، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا « .
وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن ثابت » أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف ، قال سفيان : فذكر مثل حديث ابن عباس « .(3/225)
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن ثعلبة بن زهدم قال : كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال : أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال حذيفة : أنا فقام حذيفة فصف الناس خلفه وصفاً موازي العدو ، فصلى بالذين خلفه ركعة ، ثم انصرف هؤلاء مكان هؤلاء ، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا .
وأخرج أبو داود وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة قالت : « صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بذات الرقاع ، فصدع الناس صدعتين . فصفت طائفة وراءه ، وقامت طائفة وجاه العدو ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبرت الطائفة خلفه ، ثم ركع وركعوا وسجد وسجدوا ، ثم رفع رأسه فرفعوا ، ثم مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وسجدوا لأنفسهم سجدة ثانية ، ثم قاموا ، ثم نكصوا على أعقابهم يمشون القهقهرى حتى قاموا من ورائهم ، وأقبلت الطائفة الأخرى فصفوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبروا ثم ركعوا لأنفسهم ، ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدته الثانية فسجدوا معه ، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركعته وسجدوا لأنفسهم السجدة الثانية ، ثم قامت الطائفتان جميعاً ، فصفوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فركع بهم ركعة فركعوا جميعاً ، ثم سجد فسجدوا جميعاً ، ثم رفع رأسه ورفعوا معه ، كل ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعاً جداً ، لا يألوا أن يخفف ما استطاع ، ثم سلم فسلموا ، ثم قام وقد شركه الناس في صلاته كلها » .
وأخرج الحاكم عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف أنه قال « وطائفة من خلفه ، وطائفة من وراء الطائفة التي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قعود ، وجوههم كلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكبرت الطائفتان ، فركع فركعت الطائفة التي خلفه والآخرون قعود ، ثم سجد فسجدوا أيضاً والآخرون قعود ، ثم قاموا ونكصوا خلفه حتى كانوا مكان أصحابهم قعوداً ، وأتت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة وسجدتين ، ثم سلم والآخرون قعود ، ثم سلم فقامت الطائفتان كلتاهما فصلوا لأنفسهم ركعة وسجدتين ركعة وسجدتين » .
وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي من طريق صالح بن خوات عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف « أن طائفة صفت معه وطائفة تجاه العدو ، فصلة بالتي معه ركعة ، ثم ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم ، ثم انصرفوا وصلوا تجاه العدو ، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ، ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم ، ثم سلم بهم » .(3/226)
وأخرج عبد بن حميد والدارقطني عن أبي بكرة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه صلاة الحوف ، فصلى ببعض أصحابه ركعتين ثم سلم فتأخروا ، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعتان ثم سلم ، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات ، وللمسلمين ركعتان ركعتان » .
وأخرج الدارقطني والحاكم عن أبي بكرة « أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالقوم في الخوف صلاة المغرب ثلاث ركعات ، ثم انصرف وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاثاً فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم ست ركعات ، وللقوم ثلاث ثلاث » .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير والدارقطني عن ابن مسعود قال « صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فقاموا صفين ، صف خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف مستقبل العدو ، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة ، وجاء الآخرون فقاموا مقامهم واستقبلوا هؤلاء العدو ، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة ثم سلم ، فقام هؤلاء إلى مقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا » .
وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه من طريق عروة من مروان « أنه سأل أبا هريرة هل صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة : نعم . قال مروان : متى؟ قال : عام غزوة نجد ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة صلاة العصر ، فقامت معه طائفة وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورهم إلى القبلة ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر الكل ، ثم ركع ركعة واحدة وركعت الطائفة التي خلفه ، ثم سجد فسجدت الطائفة التي تليه والآخرون قيام مقابل العدو ، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقامت الطائفة التي معه وذهبوا إلى العدو فقابلوهم ، وأقبلت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم كما هو ثم قاموا ، فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى وركعوا معه وسجدوا معه ، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد ومن معه ، ثم كان السلام فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا جميعاً ، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان ، ولكل واحدة من الطائفتين ركعة ركعة » .
وأخرج الدارقطني عن ابن عباس قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاة الخوف ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقمنا خلفه صفين ، فكبر وركع وركعنا جميعاً الصفان كلاهما ، ثم رفع رأسه ، ثم خر ساجداً وسجد الصف الذي يليه وثبت الآخرون قياماً يحرسون إخوانهم ، فلما فرغ من سجوده وقام خر الصف المؤخر سجوداً فسجدوا سجدتين ثم قاموا ، فتأخر الصف المقدم الذي يليه وتقدم الصف المؤخر فركع وركعوا جميعاً ، وسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه وثبت الآخرون قياماً يحرسون إخوانهم ، فلما قعد رسول الله صلى الله عليه وسلم خر الصف المؤخر سجوداً ، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم « .(3/227)
وأخرج الدارقطني عن جابر « أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان محاصراً بني محارب بنخل ، ثم نودي في الناس أن الصلاة جامعة ، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم طائفتين ، طائفة مقبلة على العدو يتحدثون وصلى بطائفة ركعتين ، ثم سلم فانصرفوا فكانوا مكان إخوانهم ، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ، فكان للنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات ولكل طائفة ركعتان » .
وأخرج البزار وابن جرير والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة له فلقي المشركين بعسفان ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه ، قال بعضهم لبعض : لو حملتم عليهم ما علموا بكم حتى تواقعوهم . فقال قائل منهم : إن لهم صلاة أخرى هي أحب إليهم من أهليهم وأموالهم ، فاصبروا حتى تحضر فنحمل عليهم جملة . فأنزل الله { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } إلى آخر الآية . وأعلمه بما ائتمر به المشركون ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر وكانوا قبالته في القبلة ، جعل المسلمين خلفه صفين ، فكبر فكبروا معه جميعاً ، ثم ركع وركعوا معه جميعاً ، فلما سجد سجد معه الصف الذين يلونه ، ثم قام الذين خلفهم مقبلون على العدو ، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سجوده وقام ، سجد الصف الثاني ثم أقاموا ، وتأخر الصف الذين يلونه وتقدم الآخرون ، فكانوا يلون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما ركع ركعوا معه جميعاً ، ثم رفع فرفعوا معه ، ثم سجد فسجد معه الذين يلونه ، وقام الصف الثاني مقبلين على العدو ، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سجوده وقعد ، قعد الذين يلونه وسجد الصف المؤخر ثو قعدوا ، فسجدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم عليهم جميعاً ، فلما نظر إليهم المشركون يسجد بعضهم ويقوم بعض قالوا : لقد أخبروا بما أردنا » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي العالية الرياحي « أن أبا موسى الأشعري كان بالدار من أصبهان وما بهم يومئذ كبير خوف ، ولكن أحب أن يعلمهم دينهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، فجعلهم صفين .(3/228)
طائفة معها السلاح مقبلة على عدوّها وطائفة وراءها ، فصلى بالذين يلونه ركعة ، ثم نكصوا على أدبارهم حتى أقاموا مقام الآخرين ، وجاء الآخرون يتخللونهم حتى قاموا وراءه فصلى بهم ركعة أخرى ثم سلم ، فقام الذين يلونه والآخرون فصلوا ركعة فسلم بعضهم على بعض ، فتمت للإمام ركعتان في جماعة وللناس ركعة ركعة « .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد قال » كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان والمشركون بضجنان ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر ورآه المشركون يركع ويسجد ائتمروا أن يغيروا عليه ، فلما حضرت العصر صف الناس خلفه صفين فكبر وكبروا جميعاً ، وركع وركعوا جميعاً ، وسجد وسجد الصف الذين يلونه ، وقام الصف الثاني الذين بسلاحهم مقبلين على العدوّ بوجوههم ، فلما رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه سجد الصف الثاني ، فلما رفعوا رؤوسهم ركع وركعوا جميعاً وسجد وسجد الصف الذين يلونه ، وقام الصف الثاني بسلاحهم مقبلين على العدو بوجوههم ، فلما رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه سجد الصف الثاني قال مجاهد : فكان تكبيرهم وركوعهم وتسليمه عليهم سواء ، وتصافوا في السجود ، قال مجاهد : فلم يصل رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف قبل يومه ولا بعده « .
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال » صليت صلاة الخوف مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ركعتين إلا المغرب فإنه صلاها ثلاثاً « .
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد قال » صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر قبل أن تنزل صلاة الخوف ، فتلهف المشركون أن لا يكونوا حملوا عليه فقال لهم رجل : فإن لهم صلاة قبل مغيربان الشمس هي أحب إليهم من أنفسهم ، فقالوا : لو قد صلوا بعد لحملنا عليهم ، فأرصدوا ذلك ، فنزلت صلاة الخوف ، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بصلاة العصر « .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير من طريق أبي الزبير عن جابر قال » كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فلقينا المشركين بنخل فكانوا بيننا وبين القبلة ، فلما حضرت صلاة الظهر صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن جميع ، فلما فرغنا تآمر المشركون فقالوا لو كنا حملنا عليهم وهم يصلون فقال بعضهم : فإن لهم صلاة ينتظرونها تأتي الآن ، وهي أحب إليهم من أبناءهم ، فإذا صلوا فميلوا عليهم . فجاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر وعلمه كيف يصلي ، فلما حضرت العصر قام نبي الله صلى الله عليه وسلم مما يلي العدو ، وقمنا خلفه صفين ، وكبَّر نبي الله صلى الله عليه وسلم وكَبَّرنا جميعاً ، ثم ذكر نحوه « .(3/229)
وأخرج البزار عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف « أمر الناس فأخذوا السلاح عليهم ، فقامت طائفة من ورائه مستقبلي العدوّ ، وجاءت طائفة فصلوا معه فصلى بهم ركعة ، ثم قاموا إلى الطائفة التي لم تصل ، وأقبلت الطائفة التي لم تصل معه فقاموا خلفه ، فصلى بهم ركعة وسجدتين ثم سلم عليهم ، فلما سلم قام الذين قبل العدو فكبروا جميعاً ، وركعوا ركعة وسجدتين بعدما سلم » .
وأخرج أحمد عن جابر قال : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات قبل صلاة الخوف وكانت صلاة الخوف في السنة السابعة « .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } إلى قوله { فليصلوا معك } فإنه كانت تأخذ طائفة منهم السلاح فيقبلون على العدوّ ، والطائفة الأخرى يصلون مع الإمام ركعة ، ثم يأخذون أسلحتهم فيستقبلون العدوّ ، ويرجع أصحابهم فيصلون مع الإمام ركعة ، فيكون للإمام ركعتان ولسائر الناس ركعة واحدة ، ثم يقضون ركعة أخرى ، وهذا تمام من الصلاة .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { فإذا سجدوا } يقول : فإذا سجدت الطائفة التي قامت معك في صلاتك تصلي بصلاتك ففرغت من سجودها { فليكونوا من ورائكم } يقول : فليصبروا بعد فراغهم من سجودهم خلفكم ، مصافي العدوّ المكان الذي فيه سائر الطوائف التي لم تصل معك ، ولم تدخل معك في صلاتك .
وأخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي عن ابن عباس في قوله { إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى } قال : نزلت في عبد الرحمن بن عوف كان جريحاً .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في الآية قال : رخص في وضع السلاح عند ذلك وأمرهم أن يأخذوا حذرهم . وفي قوله { عذاباً مهيناً } قال : يعني بالمهين الهوان . وفي قوله { فإذا قضيتم الصلاة } قال : صلاة الخوف { فاذكروا الله } قال : باللسان { فإذا اطمأننتم } يقول : إذا استقررتم وأمنتم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم } قال : بالليل والنهار ، في البر والبحر ، في السفر والحضر ، والغنى والفقر ، والسقم والصحة ، والسر والعلانية ، وعلى كل حال .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود . أنه بلغه : أن قوماً يذكرون الله قياماً ، فأتاهم فقال : ما هذا؟! قالوا : سمعنا الله يقول { فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم } فقال : إنما هذه إذا لم يستطع الرجل أن يصلي قائماً صلى قاعداً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد { فإذا اطمأننتم } قال : إذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة { فأقيموا الصلاة } قال : أتموها .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة { فإذا اطمأننتم } يقول : إذا اطمأننتم في أمصاركم فأتموا الصلاة .(3/230)
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد { فإذا اطمأننتم } يقول : فإذا أمنتم { فأقيموا الصلاة } يقول : أتموها .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج { فإذا اطمأننتم } يقول : فإذا أمنتم { فأقيموا الصلاة } يقول : أتموها .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج { فإذا اطمأننتم } أقمتم في أمصاركم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية { فإذا اطمأننتم } يعني إذا نزل .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي { فإذا اطمأننتم } قال : بعد الخوف .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة } قال : إذا اطمأننتم فصلوا الصلاة ، لا تصلها راكباً ولا ماشياً ولا قاعداً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً } يعني مفروضاً .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : الموقوت . الواجب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { كتاباً موقوتاً } قال : مفروضاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله { كتاباً موقوتاً } قال : فرضاً واجباً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن { كتاباً موقوتاً } قال : كتاباً واجباً .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً } قال : قال ابن مسعود : إن للصلاة وقتاً كوقت الحج .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً } قال : منجماً ، كلما مضى نجم جاء نجم آخر . يقول : كلما مضى وقت جاء وقت آخر .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وحسنه وابن خزيمة والحاكم عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أمني جبريل عند البيت مرتين ، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك ، وصلى بي العصر حين كان ظل كل شيء مثله ، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم وصلى بي العشاء حين غاب الشفق ، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم ، وصلى بي من الغد الظهر حين كان ظل كل شيء مثله ، وصلى بي العصر حين كان ظل كل شيء مثليه ، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم ، وصلى بي العشاء ثلث الليل ، وصلى بي الفجر فأسفر ، ثم التفت إلي فقال : يا محمد هذا الوقت وقت النبيين قبلك ، الوقت ما بين هذين الوقتين » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن للصلاة أولاً وآخراً ، وإن أول وقت الظهر حين تزول الشمس ، وإن آخر وقتها حين يدخل وقت العصر ، وإن أول وقت العصر حين يدخل وقت العصر ، وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس ، وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس ، وإن آخر وقتها حين يغيب الشفق ، وإن أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الشفق ، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل ، وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر ، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس » .(3/231)
وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { ولا تهنوا } قال : ولا تضعفوا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك { ولا تهنوا في ابتغاء القوم } قال : لا تضعفوا في طلب القوم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس { إن تكونوا تألمون } قال : توجعون { وترجون من الله ما لا يرجون } قال : ترجون الخير .
وأخرج ابن جرير عن قتادة في الآية يقول : لا تضعفوا في طلب القوم ، فإنكم إن تكونوا تتوجعون فإنهم يتوجعون كما تتوجعون ، ويرجون من الأجر والثواب ما لا يرجون .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : لا تضعفوا في طلب القوم ، إن تكونوا تتوجعون من الجراحات فإنهم يتوجعون كما تتوجعون { وترجون من الله } يعني الحياة والرزق والشهادة والظفر في الدينا .(3/232)
إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)
أخرج الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن قتادة بن النعمان قال : كان أهل بيت منا يقال لهم : بنو أبيرق . بشر ، وبشير ، ومبشر ، وكان بشير رجلاً منافقاً يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ينحله بعض العرب ، ثم يقول : قال فلان كذا وكذا ، قال فلان كذا وكذا ، وإذا سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر قالوا : والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث فقال : أو كلما قال الرجال قصيدة أضحوا فقالوا : ابن الأبيرق قالها .
وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام ، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير ، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة من الشام من الرزمك ابتاع الرجل منها فخص بها بنفسه ، وأما العيال فإنما طعامهم الشعير ، فقدمت ضافطة الشام فابتاع عمي رفاعة بن زرد جملاً من الرزمك ، فجعله في مشربة له وفي المشربة سلاح له درعان وسيفاهما وما يصلحهما ، فعدا عدي من تحت الليل فنقب المشربة وأخذ الطعام والسلاح ، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي تعلم أنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه ، فنقبت مشربتنا ، فذهب بطعامنا وسلاحنا قال : فتجسسنا في الدار وسألنا فقيل لنا : قد رأينا بني أبيرق قد استوقدوا في هذه الليلة ، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم . قال : وقد كان بنو أبيرق قالوا - ونحن نسأل في الدار - والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجلاً منا له صلاح وإسلام ، فلما سمع ذلك لبيد اخترط سيفه ، ثم أتى بني أبيرق وقال : أنا أسرق ، فوالله ليخالطنكم هذا السيف أو لتتبين هذه السرقة . قالوا : إليك عنا أيها الرجل - فوالله - ما أنت بصاحبها ، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها . فقال لي عمي : يا ابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له؟ .
« قال قتادة : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله إن أهل بيت منا أهل جفاء ، عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له ، وأخذوا سلاحه وطعامه ، فليردوا علينا سلاحنا ، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سأنظر في ذلك ، فلما سمع ذلك بنو أبيرق أتوا رجلاً منهم يقال له أسير بن عروة فكلموه في ذلك ، واجتمع إليه ناس من أهل الدار فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا ، أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت . قال قتادة : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته . فقال : عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت؟ »(3/233)
قال قتادة : فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، فأتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : الله المستعان . . . فلم نلبث أن نزل القرآن { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً } لبني أبيرق { واستغفر الله } أي مما قلت لقتادة { إن الله كان غفوراً رحيماً ، ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } إلى قوله { ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً } أي أنهم لو استغفروا الله لغفر لهم { ومن يكسب إثماً } إلى قوله { فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً } قولهم للبيد { ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك } يعني أسير بن عروة وأصحابه إلى قوله { فسيؤتيه أجراً عظيماً } .
فلما نزل القرآن أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح فرده إلى رفاعة . قال قتادة : فلما أتيت عمي بالسلاح - وكان شيخاً قد عسا في الجاهلية ، وكنت أرى إسلامه مدخولاً - فلما أتيته بالسلاح قال : يا ابن أخي هو في سبيل الله ، فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً ، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين ، فنزل على سلافة بنت سعد ، فأنزل الله { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى } [ النساء : 115 ] إلى قوله { ضلالاً بعيداً } [ النساء : 116 ] فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر ، فأخذت رحله فوضعته على رأسها ، ثم خرجت فرمت به في الأبطح ، ثم قالت أهديت لي شعر حسان ما كنت تأتيني بخير « .
وأخرج ابن سعد عن محمود بن لبيد قال : » عدا بشير بن الحارث على علية رفاعة بن زيد عم قتادة بن النعمان الظفري فنقبها من ظهرها وأخذ طعاماً له ودرعين بأداتهما ، فأتى قتادة بن النعمان النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ، فدعا بشيراً فسأله ، فأنكر ورمى بذلك لبيد بن سهل رجلاً من أهل الدار ذا حسب ونسب ، فنزل القرآن بتكذيب بشير وبراءة لبيد بن سهل قوله { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله } إلى قوله { ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً } يعني بشير بن أبيرق { ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً } يعني لبيد بن سهل حين رماه بنو أبيرق بالسرقة ، فلما نزل القرآن في بشير وعثر عليه هرب إلى مكة مرتداً كافراً ، فنزل على سلافة بنت سعد بن الشهيد ، فجعل يقع في النبي صلى الله عليه وسلم وفي المسلمين ، فنزل القرآن فيه ، وهجاه حسان بن ثابت حتى رجع وكان ذلك في شهر ربيع سنة أربع من الهجرة « .(3/234)
وأخرج ابن سعد من وجه آخر عن محمود بن لبيد قال : كان أسير بن عروة رجلاً منطيقاً ظريفاً بليغاً حلواً ، فسمع بما قال قتادة بن النعمان في بني أبيرق للنبي صلى الله عليه وسلم ، حين اتهمهم بنقب علية عمه وأخذ طعامه والدرعين ، فأتى أسير رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة جمعهم من قومه ، فقال : « إن قتادة وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا أهل حسب ونسب وصلاح ، يؤنبونهم بالقبيح ، ويقولون لهم ما لا ينبغي بغير ثبت ولا بينة ، فوضع لهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء ثم انصرف ، فأقبل بعد ذلك قتادة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكلمه ، فجبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم جبهاً شديداً منكراً ، وقال : » بئسما صنعت ، وبئسما مشيت فيه . فقام قتادة وهو يقول : لوددت أني خرجت من أهلي ومالي ، وأني لم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من أمرهم ، وما أنا بعائد في شيء من ذلك . فأنزل الله على نبيه في شأنهم { إنا أنزلنا إليك الكتاب } إلى قوله { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } يعني أسير بن عروة وأصحابه { إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً } « .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله } إلى قوله { ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله } فيما بين ذلك في طعمة بن أبيرق درعه من حديد التي سرق ، وقال أصحابه من المؤمنين للنبي صلى الله عليه وسلم : اعذره في الناس بلسانك ، ورموا بالدرع رجلاً من يهود بريئاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال : ذكر لنا أن هذه الآيات أنزلت في شأن طعمة بن أبيرق ، وفيما هم به نبي صلى الله عليه وسلم من عذره ، فبين الله شأن طعمة بن أبيرق ، ووعظ نبيه صلى الله عليه وسلم ، وحذره أن يكون للخائنين خصيماً ، وكان طعمة بن أبيرق رجلاً من الأنصار ، ثم أحد بني ظفر سرق درعاً لعمه كانت وديعة عندهم ، ثم قدمها على يهودي كان يغشاهم ، يقال له زيد بن السمين ، فجاء اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يهتف ، فلما رأى ذلك قومه بنو ظفر ، جاءوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليعذروا صاحبهم ، وكان نبي الله قد هم بعذره حتى أنزل الله في شأنه ما أنزل ، فقال { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } إلى قوله { يرم به بريئاً } وكان طعمة قذف بها بريئاً ، فلما بين الله شأن طعمة نافق ولحق بالمشركين ، فأنزل الله في شأنه(3/235)
{ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين . . . } [ النساء : 115 ] الآية .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال : « إن نفراً من الأنصار غزوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته ، فسرقت درع لأحدهم ، فأظن بها رجلاً من الأنصار ، فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن طعمة بن أبيرق سرق درعي . فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء وقال لنفر من عشيرته : إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان وستوجد عنده ، فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا نبي الله إن صاحبنا بريء ، وإن سارق الدرع فلان ، وقد أحطنا بذلك علماً ، فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس ، وجادل عنه فإنه إن لا يعصمه الله بك يهلك ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرأه وعذره على رؤوس الناس ، فأنزل الله { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله } يقول : بما أنزل الله إليك إلى قوله { خواناً أثيماً } ثم قال للذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلاً { يستخفون من الناس } إلى قوله { وكيلاً } يعني الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين يجادلون عن الخائنين ، ثم قال { ومن يكسب خطيئة . . . } الآية . يعني السارق والذين جادلوا عن السارق » .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : « كان رجل سرق درعاً من حديد في زمان النبي صلى الله عليه وسلم طرحه على يهودي ، فقال اليهودي : والله ما سرقتها يا أبا القاسم ولكن طرحت عليّ . وكان الرجل الذي سرق له جيران يبرئونه ويطرحونه على اليهودي ، ويقولون : يا رسول الله إن هذا اليهودي خبيث يكفر بالله وبما جئت به ، حتى مال عليه النبي صلى الله عليه وسلم ببعض القول ، فعاتبه الله في ذلك فقال { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً ، واستغفر الله } بما قلت لهذا اليهودي { إن الله كان غفوراً رحيماً } ثم أقبل على جيرانه فقال { ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم } إلى قوله { وكيلاً } ثم عرض التوبة فقال { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ، ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه } فما أدخلكم أنتم أيها الناس على خطيئة هذا تكلمون دونه { ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً } وإن كان مشركاً { فقد احتمل بهتاناً } إلى قوله { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى } قال : أبى أن يقبل التوبة التي عرض الله له وخرج إلى المشركين بمكة ، فنقب بيتاً يسرقه ، فهدمه الله عليه فقتله .(3/236)
وأخرج ابن المنذر عن الحسن « أن رجلاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اخْتَانَ درعاً من حديد ، فلما خشي أن توجد عنده ألقاها في بيت جار له من اليهود وقال : تزعمون إني اختنت الدرع - فوالله - لقد أنبئت أنها عند اليهودي ، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجاء أصحابه يعذرونه ، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم عذره حين لم يجد عليه بينة ، ووجدوا الدرع في بيت اليهودي ، وأبى الله إلا العدل ، فأنزل الله على نبيه { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق } إلى قوله { أمن يكون عليهم وكيلاً } فعرض الله بالتوبة لو قبلها إلى قوله { ثم يرم به بريئاً } اليهودي ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم { ولولا فضل الله عليك ورحمته } إلى قوله { وكان فضل الله عليك عظيماً } فأبرئ اليهودي ، وأخبر بصاحب الدرع قال : قد افتضحت الآن في المسلمين ، وعلموا أني صاحب الدرع ما لي اقامة ببلد ، فتراغم فلحق بالمشركين ، فأنزل الله { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى } [ النساء : 115 ] إلى قوله { ضلالاً بعيداًَ } [ النساء : 116 ] » . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله } قال : بما أوحى الله إليك ، نزلت في طعمة بن أبيرق ، استودعه رجل من اليهود درعاً ، فانطلق بها إلى داره ، فحفر لها اليهودي ثم دفنها ، فخالف إليها طعمة فاحتفر عنها فأخذها ، فلما جاء اليهودي يطلب درعه كافره عنها ، فانطلق إلى أناس من اليهود من عشيرته فقال : انطلقوا معي فإني أعرف موضع الدرع ، فلما علم به طعمة أخذ الدرع فألقاها في بيت أبي مليك الأنصاري ، فلما جاءت اليهود تطلب الدرع فلم تقدر عليها ، وقع به طعمة وأناس من قومه فسبوه قال : أتخوِّنوني . . . ؟ فانطلقوا يطلبونها في داره ، فأشرفوا على دار أبي مليك فإذا هم بالدرع ، وقال طعمة : أخذها أبو مليك وجادلت الأنصار دون طعمة ، وقال لهم : انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقولوا له ينضح عني ويكذب حجة اليهودي ، فإني إن أكذب كذب على أهل المدينة اليهودي ، فأتاه أناس من الأنصار فقالوا : يا رسول الله جادل عن طعمة وأكذب اليهودي . فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ، فأنزل الله عليه { ولا تكن للخائنين خصيماً } إلى قوله { أثيماً } ثم ذكر الأنصار ومجادلتهم عنه فقال { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله } إلى قوله { وكيلاً } ثم دعا إلى التوبة فقال { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه } إلى قوله { رحيماً } ثم ذكر قوله حين قال أخذها أبو مليك ، فقال { ومن يكسب إثماً } إلى قوله { مبيناً } ثم ذكر الأنصار وأتيانها إياه أن ينضح عن صاحبهم ويجادل عنه فقال : { لهمت طائفة منهم أن يضلوك } ثم ذكر مناجاتهم فيما يريدون أن يكذبوا عن طعمة فقال :(3/237)
{ لا خير في كثير من نجواهم } [ النساء : 114 ] فلما فضح الله طعمة بالقرآن بالمدينة هرب حتى أتى مكة فكفر بعد إسلامه ، ونزل على الحجاج بن علاط السلمي ، فنقب بيت الحجاج ، فأراد أن يسرقه ، فسمع الحجاج خشخشته في بيته وقعقعة جلود كانت عنده ، فنظر فإذا هو بطعمة فقال : ضيفي وابن عمي فأردت أن تسرقني؟ فأخرجه فمات بحرة بني سليم كافراً ، وأنزل الله فيه { ومن يشاقق الرسول } [ النساء : 115 ] إلى { وساءت مصيراً } [ النساء : 115 ] . وأخرج سنيد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال : استودع رجل من الأنصار طعمة بن أبيرق مشربة له فيها درع فغاب ، فلما قدم الأنصاري فتح مشربته فلم يجد الدرع ، فسأل عنها طعمة بن أبيرق فرمى بها رجلاً من اليهود يقال له زيد بن السمين ، فتعلق صاحب الدرع بطعمة في درعه ، فلما رأى ذلك قومه أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فكلموه ليدرأ عنه ، فهم بذلك ، فأنزل الله { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس } إلى قوله { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } يعني طعمة بن أبيرق وقومه { ها أنتم هؤلاء جادلتم } إلى قوله { يكون عليهم وكيلاً } محمد صلى الله عليه وسلم وقوم طعمة { ثم يرم به بريئاً } يعني زيد بن السمين { فقد احتمل بهتاناً } طعمة بن أبيرق { ولولا فضل الله عليك ورحمته } لمحمد صلى الله عليه وسلم { لهمت طائفة } قوم طعمة { لا خير في كثير } [ النساء : 114 ] الآية للناس عامة { ومن يشاقق الرسول } [ النساء : 115 ] قال : لما أنزل القرآن في طعمة بن أبيرق لحق بقريش ورجع في دينه ، ثم عدا على مشربة للحجاج بن علاط البهري فنقبها ، فسقط عليه حجر فلحج فلما أصبح أخرجوه من مكة ، فخرج فلقي ركباً من قضاعة ، فعرض لهم فقال : ابن سبيل منقطع به . فحملوه حتى إذا جن عليه الليل عدا عليهم فسرقهم ثم انطلق ، فرجعوا في طلبه فأدركوه فقذفوه بالحجارة حتى مات . فهذه الآيات كلها فيه نزلت إلى قوله { إن الله لا يغفر أن يُشْرَك به } [ النساء : 116 ] .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار ، استودع درعاً فجحدها صاحبها ، فلحق به رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فغضب له قومه وأتوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : خوّنوا صاحبنا وهو أمين مسلم ، فأعذره يا نبي الله وازجر عنه ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فعذره وكذب عنه وهو يرى أنه بريء وأنه مكذوب عليه ، فأنزل الله بيان ذلك فقال { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله } إلى قوله { أمن يكون عليهم وكيلاً } فبين خيانته فلحق بالمشركين من أهل مكة وارتد عن الإسلام ، فنزل فيه(3/238)
{ ومن يشاقق الرسول } [ النساء : 115 ] إلى قوله { وساءت مصيراً } [ النساء : 115 ] . وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية العوفي « أن رجلاً يقال له طعمة بن أبيرق سرق درعاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فألقاها في بيت رجل ، ثم قال لأصحاب له : انطلقوا فاعذروني عند النبي صلى الله عليه وسلم فإن الدرع قد وجد في بيت فلان . فانطلقوا يعذرونه عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله { ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً } قال : بهتانه قذفه الرجل » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } قال : اختان رجل من الأنصار عمّاً له درعاً فقذف بها يهودياً كان يغشاهم ، فجادل الرجل قومه ، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم عذره ثم لحق بدار الشرك ، فنزلت فيه { ومن يشاقق الرسول . . . } [ النساء : 115 ] الآية .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : إياكم والرأي ، فإن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم { لتحكم بين الناس بما أراك الله } ولم يقل بما رأيت .
وأخرج ابن المنذر عن عمرو بن دينار . أن رجلاً قال لعمر { بما أراك الله } قال : مه ، إنما هذه للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية العوفي { لتحكم بين الناس بما أراك الله } قال : الذي أراه في كتابه .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مالك بن أنس عن ربيعة قال : إن الله أنزل القرآن وترك فيه موضعاً للسُّنة ، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم السنة وترك فيها موضعاً للرأي .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن وهب قال : قال لي مالك : الحكم الذي يحكم به بين الناس على وجهين ، فالذي يحكم بالقرآن والسنة الماضية فذلك الحكم الواجب والصواب ، والحكم يجتهد فيه العالم نفسه فيما لم يأت فيه شيء فلعله أن يوفق . قال : وثالث التكلف لما لا يعلم ، فما أشبه ذلك أن لا يوفق .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { لتحكم بين الناس بما أراك الله } قال : بما بين الله لك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مطر { لتحكم بين الناس بما أراك الله } قال : بالبينات والشهود .
وأخرج عبد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود موقوفاً ومرفوعاً قال « من صلى صلاة عند الناس لا يصلي مثلها إذا خلا فهي استهانة استهان بها ربه ، ثم تلا هذه الآية { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم } » .(3/239)
وأخرج عبد بن حميد عن حذيفة مثله ، وزاد ، ولا يستحيي أن يكون الناس أعظم عنده من الله .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي رزين { إذ يبيتون } قال : إذ يؤلفون ما لا يرضى من القول .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله } قال : أخبر الله عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته ، فمن أذنب ذنباً صغيراً كان أو كبيراً ثم استغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال .
وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال : كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنباً أصبح قد كتب كفارة ذلك الذنب على بابه ، وإذا أصاب البول شيئاً منه قرضه بالمقراض ، فقال رجل : لقد آتى الله بني إسرائيل خيراً فقال ابن مسعود : ما آتاكم الله خير مما آتاهم ، جعل لكم الماء طهوراً وقال { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً } .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود قال : من قرأ هاتين الآيتين من سورة النساء ثم استغفر غفر له { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً } . { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول . . } [ النساء : 64 ] الآية .
وأخرج ابن جرير عن حبيب بن أبي ثابت قال : جاءت امرأة إلى عبد الله بن مغفل ، فسألته عن امرأة فجرت فحبلت ولما ولدت قتلت ولدها فقال : ما لها إلا النار . فانصرفت وهي تبكي ، فدعاها ثم قال : ما أرى أمرك إلا أحد أمرين { من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً } فمسحت عينها ثم مضت .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن السني في عمل اليوم والليلة وابن مردويه عن علي قال : سمعت أبا بكر يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما من عبد أذنب فقام فتوضأ فأحسن وضوءه ، ثم قام فصلى واستغفر من ذنبه إلا كان حقاً على الله أن يغفر له ، لأن الله يقول { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً } » .
وأخرج أبو يعلى والطبراني وابن مردويه « عن أبي الدرداء قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس وجلسنا حوله ، وكانت له حاجة فقام إليها وأراد الرجوع ترك نعليه في مجلسه أو بعض ما يكون عليه ، وأنه قام فترك نعليه ، فأخذت ركوة من ماء فاتبعته فمضى ساعة ثم رجع ولم يقض حاجته ، فقال : » إنه أتاني آت من ربي فقال : إنه { من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً } فأردت أن أبشر أصحابي . قال أبو الدرداء : وكانت قد شقت على الناس التي قبلها { من يعمل سوءاً يجز به } [ النساء : 123 ] فقلت : يا رسول الله وإن زنى وإن سرق ثم استغفر ربه غفر الله له؟ قال : نعم . قلت : الثانية . . . قال : نعم . قلت : الثالثة . . . قال : نعم . على رغم أنف عويمر « .(3/240)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن سيرين { ثم يرم به بريئاً } قال : يهودياً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وعلمك ما لم تكن تعلم } قال : علَّمه الله بيان الدنيا والآخرة . بين حلاله وحرامه ليحتج بذلك على خلقه .
وأخرج عن الضحاك قال : علمه الخير والشر . والله أعلم .(3/241)
لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114)
أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد أسلم في قوله { لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس } من جاءك يناجيك في هذا فاقبل مناجاته ، ومن جاء يناجيك في غير هذا فاقطع أنت عنه ذاك لا تناجيه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان { إلا من أمر بصدقة أو معروف } قال : المعروف القرض .
وأخرج الترمذي وابن ماجه وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي الدنيا في الصمت وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان من طريق محمد بن عبد الله بن يزيد بن حنيش قال : دخلنا على سفيان الثوري نعوده ومعنا سعيد بن حسان المخزومي فقال له سفيان : أعد عليَّ الحديث الذي كنت حدثتنيه عن أم صالح . قال : حدثتني أم صالح بنت صالح ، عن صفية بنت شيبة ، عن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر ، أو ذكر الله عز وجل » فقال محمد بن يزيد : ما أشد هذا الحديث! فقال سفيان : وما شدة هذا الحديث؟ إنما جاءت به امرأة عن امرأة ، هذا في كتاب الله الذي أرسل به نبيكم صلى الله عليه وسلم ، أما سمعت الله يقول { لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس } فهذا هو بعينه ، أو ما سمعت الله يقول { يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً } [ النبأ : 38 ] فهو هذا بعينه ، أو ما سمعت الله يقول { والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } [ العصر : السورة كلها ] فهو هذا بعينه .
وأخرج مسلم والبيهقي عن ابن شريح الخزاعي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت » .
وأخرج البخاري والبيهقي عن سهل بن سعد « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة » .
وأخرج البخاري في الأدب والبيهقي عن سهل بن سعد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان : الفم والفرج » .
وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي « عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال : قلت : يا رسول الله مرني بأمر أعتصم به في الإسلام؟ قال : » قل آمنت بالله ثم استقم . قلت : يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ قال : هذا ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرف لسان نفسه « » .(3/242)
وأخرج البيهقي « عن أبي عمرو والشيباني قال : حدثني صاحب هذه الدار - يعني عبد الله بن مسعود - قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال : الصلاة على ميقاتها . قلت : ثم ماذا يا رسول الله؟ قال : بر الوالدين . قلت : ثم ماذا يا رسول الله؟ قال : أن يسلم الناس من لسانك . قال : ثم سكت ، ولو استزدته لزادني » .
وأخرج الترمذي والبيهقي « عن عقبة بن عامر قال : قلت يا نبي الله ما النجاة؟ قال : » أملك عليك لسانك ، وليسعك بيتك ، وابك على خطيئتك « » .
وأخرج البخاري في تاريخه وابن أبي الدينا في الصمت والبيهقي « عن أسود بن أبي أصرم المحاربي قال : قلت يا رسول الله أوصني . قال : » هل تملك لسانك؟ قلت : فما أملك إذا لم أملك لساني . قال : فهل تملك يدك؟ قلت : فما أملك إذا لم أملك يدي! قال : فلا تقل بلسانك إلا معروفاً ولا تبسط يدك إلا إلى خير « » .
وأخرج البيهقي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار : « رحم الله امرأً تكلم فغنم أو سكت فسلم » .
وأخرج البيهقي عن الحسن قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « رحم الله عبداً تكلم فغنم أو سكت فسلم » .
وأخرج البيهقي عن ابن مسعود . أنه أتى على الصفا فقال : يا لسان قل خيراً تغنم أو اصمت تسلم من قبل أن تندم ، قالوا : يا أبا عبد الرحمن هذا شيء تقوله أو سمعته؟ قال : لا ، بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه » .
وأخرج أحمد في الزهد والبيهقي عن سعيد بن جبير قال : رأيت ابن عباس آخذاً بثمرة لسانه وهو يقول : يا لساناه قل خيراً تغنم أو اسكت عن شر تسلم قبل أن تندم . فقال له رجل : ما لي أراك آخذاً بثمرة لسانك تقول كذا وكذا؟! قال : إنه بلغني أن العبد يوم القيامة ليس هو عن شيء أحنق منه على لسانه .
وأخرج أبو يعلى والبيهقي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من سره أن يسلم فليلزم الصمت » .
وأخرج البيهقي عن أنس « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي أبا ذر فقال ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما؟ قال : بلى يا رسول الله . قال : عليك بحسن الخلق وطول الصمت ، والذي نفس محمد بيده ما عمل الخلائق بمثلهما » .(3/243)
وأخرج البيهقي « عن أبي ذر قال : قلت يا رسول الله أوصني . قال : أوصيك بتقوى الله ، فإنه أزين لأمرك كله . قلت : زدني . . . قال : عليك بتلاوة القرآن وذكر الله فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض . قلت : زدني . . . قال : عليك بطول الصمت فإنه مطردة للشيطان وعون لك على أمر دينك . قلت : زدني . . . قال : إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه . قلت : زدني . . . قال : قل الحق ولو كان مرًّا . قلت : زدني . . . قال : لا تخف في الله لومة لائم . قلت : زدني . . . قال : ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك » .
وأخرج البيهقي عن ركب المصري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق الفضل من ماله ، وأمسك الفضل من قوله » .
وأخرج الترمذي والبيقهي عن أبي سعيد الخدري رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا أصبح ابن آدم فإن كل شيء من الجسد يكفر اللسان يقول : ننشدك الله فينا فإنك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت أعوججنا » .
وأخرج أحمد في الزهد والنسائي والبيهقي عن زيد بن أسلم عن أبيه . أن عمر بن الخطاب اطلع على أبي بكر وهو يمد لسانه قال : ما تصنع يا خليفة رسول الله؟ قال : إن هذا الذي أوردني الموارد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ليس شيء من الجسد إلا يشكو ذرب اللسان على حدته » .
وأخرج البيهقي عن أبي جحيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال : فسكتوا ، فلم يجبه أحد . قال : هو حفظ اللسان » .
وأخرج البيهقي عن عمران بن الحصين « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : مقام الرجل بالصمت أفضل من عبادة ستين سنة » .
وأخرج البيهقي « عن معاذ بن جبل قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، فأصاب الناس ريح فتقطعوا ، فضربت ببصري فإذا أنا أقرب الناس من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : لأغتنمن خلوته اليوم ، فدنوت منه فقلت : يا رسول الله أخبرني بعمل يقربني - أو قال - يدخلني الجنة ، ويباعدني من النار؟ قال : لقد سألت عن عظيم ، وأنه ليسير على من يسره الله عليه ، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً ، وتقيم الصلاة المكتوبة ، وتؤتي الزكاة المفروضة ، وتحج البيت ، وتصوم رمضان ، وإن شئت أنبأتك بأبواب الخير . قلت : أجل يا رسول الله . قال : الصوم جنة ، والصدقة تكفر الخطيئة ، وقيام العبد في جوف الليل يبتغي به وجه الله ، ثم قرأ الآية { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } [ ألم السجدة : 16 ] ثم قال : إن شئت أنبأتك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه . قلت أجل يا رسول الله . قال : أما رأس الأمر فالإسلام ، وأما عموده فالصلاة ، وأما ذروة سنامه فالجهاد ، وإن شئت أنبأتك بأملك الناس من ذلك كله . قلت : ما هو يا رسول الله؟ فأشار بإصبعه إلى فيك . فقلت : وإنا لَنُؤَاخَذَ بكل ما نتكلم به؟! فقال : ثكلتك أمك يا معاذ ، وهل يُكِبُّ الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم ، وهل تتكلم إلا ما عليك أو لك؟! » .(3/244)
وأخرج البيهقي عن عطاء بن أبي رباح قال : إن من قبلكم كانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله ، أو أمر بمعروف ، أو نهي عن منكر ، أو أن تنطق في معيشتك التي لا بد لك منها ، أتذكرون أن عليكم حافظين { كراماً كاتبين } [ الانفطار : 11 ] { عن اليمين وعن الشمال قعيد ، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } [ ق : 18 ] أما يستحي أحدكم لو نشرت صحيفته التي أملى صدر نهاره وليس فيها شيء من أمر آخرته .
وأخرج ابن سعد عن أنس بن مالك قال : لا يتقي الله عبد حتى يخزن من لسانه .
وأخرج أحمد عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ، ولا يدخل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه » .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي الدرداء قال : ما في المؤمن بضعة أحب إلى الله من لسانه ، به يدخله الجنة ، وما في الكافر بضعة أبغض إلى الله من لسانه ، به يدخله النار .
وأخرج أحمد في الزهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : لا تنطق فيما لا يعنيك ، وأخزن لسانك كما تخزن درهمك .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن سلمان الفارسي قال : أكثر الناس ذنوباً أكثرهم كلاماً في معصية الله .
وأخرج أحمد عن ابن مسعود قال : أكثر الناس خطايا أكثرهم خوضاً في الباطل .
وأخرج أحمد عن ابن مسعود قال : والذي لا إله غيره ما على الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان .
وأخرج ابن عدي عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يصلح الكذب إلا في ثلاث : الرجل يرضي امرأته ، وفي الحرب ، وفي صلح بين الناس » .
وأخرج البيهقي عن النواس بن سمعان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الكذب لا يصلح إلا في ثلاث : الحرب فإنها خدعة ، والرجل يرضي امرأته ، والرجل يصلح بين اثنين » .
وأخرج البيهقي عن أسماء بنت يزيد قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يصلح الكذب إلا في ثلاث : الرجل يكذب لامرأته لترضى عنه ، أو إصلاح بين الناس ، أو يكذب في الحرب » .(3/245)
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما من عمل ابن آدم شيء أفضل من الصدقة ، وصلاح ذات البين ، وخلق حسن » .
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أفضل الصدقة صلاح ذات البين » .
وأخرج البيهقي عن أبي أيوب قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا أبا أيوب ألا أخبرك بما يعظم الله به الأجر ويمحو به الذنوب؟ تمشي في إصلاح الناس إذا تباغضوا وتفاسدوا ، فإنها صدقة يحب الله موضعها » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي عن أم كلثوم بنت عقبة « أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً ، وقالت : لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث : في الحرب ، والإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل امرأته ، وحديث المرأة زوجها » .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والبيهقي عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألا أخبركم بأفضل من درجات الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا : بلى . قال : إصلاح ذات البين . قال : وفساد ذات البين هي الحالقة » .
وأخرج البيهقي عن أبي أيوب « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : يا أبا أيوب ألا أدلك على صدقة يرضى الله ورسوله موضعها؟ قال : بلى . قال : أن تصلح بين الناس إذا تفاسدوا ، وتقرب بينهم إذا تباعدوا » .
وأخرج البزار عن أنس « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي أيوب : ألا أدلك على تجارة؟ قال : بلى . قال : تسعى في صلح بين الناس إذا تفاسدوا ، وتقرب بينهم إذا تباعدوا » .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت قال : كنت جالساً مع محمد بن كعب القرظي ، فأتاه رجل فقال له القوم : أين كنت؟ فقال : أصلحت بين القوم ، فقال محمد بن كعب : أصبت لك مثل أجر المجاهدين ، ثم قرأ { لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله { ومن يفعل ذلك } تصدق أو اقرض أو اصلح بين الناس .
وأخرج أبو نصر السجري في الإبانة عن أنس قال : « جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله أنزل عليّ في القرآن يا أعرابي { لا خير في كثير من نجواهم } إلى قوله { فسوف نؤتيه أجراً عظيماً } يا أعرابي الأجر العظيم : الجنة . قال الأعرابي : الحمد لله الذي هدانا للإسلام » .(3/246)
وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : دعاني معاوية فقال : بايع لابن أخيك . فقلت : يا معاوية { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً } فأسكته عني .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { نوله ما تولى } من آلهة الباطل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك قال : كان عمر بن عبد العزيز يقول : سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سنناً ، الأخذ بها تصديق لكتاب الله ، واستكمال لطاعة الله ، وقوّة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ، ولا النظر فيما خالفها ، من اقتدى بها مهتد ، ومن استنصر بها منصور ، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين ، وولاه الله ما تولى ، وصلاه جهنم وساءت مصيراً .
وأخرج الترمذي والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبداً ، ويد الله على الجماعة ، فمن شذ شذَّ في النار » .
وأخرج الترمذي والبيهقي عن ابن عباس « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يجمع الله أمتي . أو قال : هذه الأمة على الضلالة أبدًا ، ويد الله على الجماعة » .(3/247)
إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122)
أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن المنذر وابن أبي حاتم والضياء في المختارة عن أبي بن كعب { إن يدعون من دونه إلا إناثاً } قال : مع كل صنم جنية .
وأخرج عبد وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك في قوله { إن يدعون من دونه إلا إناثاً } قال : اللات والعزى ومنات ، كلها مؤنث .
وأخرج ابن جرير عن السدي { إن يدعون من دونه إلا إناثاً } يقول : يسمونهم إناثاً ، لات ومنات وعزى .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { إن يدعون من دونه إلا إناثاً } قال : موتى .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : الإناث ، كل شيء ميت ليس فيه روح ، مثل الخشبة اليابسة ، ومثل الحجر اليابس .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال { إلا إناثاً } قال : ميتاً لا روح فيه .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن الحسن قال : كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونها يسمونها انثى بني فلان ، فأنزل الله { إن يدعون من دونه إلا إناثاً } .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { إن يدعون من دونه إلا إناثاً } قال المشركون : إن الملائكة بنات الله ، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى . قال اتخذوا أرباباً وصوروهن صور الجواري ، فحلوا وقلدوا وقالوا : هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده ، يعنون الملائكة .
وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي أن ابن عباس كان يقرأ هذا الحرف « إن يدعون من دونه إلا أنثى وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً » قال : مع كل صنم شيطانة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { إلا إناثاً } قال : إلا أوثاناً .
وأخرج أبو عبيد في فضائل القرآن وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن عائشة أنها كانت تقرأ « إن يدعون من دونه إلا أوثاناً » ولفظ ابن جرير كان في مصحف عائشة { إن يدعون من دونه إلا أوثاناً } .
وأخرج الخطيب في تاريخه عن عائشة قالت : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن يدعون من دونه إلا أنثى » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان { وإن يدعون إلا شيطاناً } يعني إبليس .
وأخرج عن سفيان { وإن يدعون إلا شيطاناً } قال : ليس من صنم إلا فيه شيطان .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { مريداً } قال : تمرد على معاصي الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان { وقال لأتَّخذن من عبادك } قال : هذا قول إبليس { نصيباً مفروضاً } يقول : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد إلى الجنة .(3/248)
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { لأتَّخذنَّ من عبادك نصيباً مفروضاً } قال : يتخذونها من دونه ، ويكونون من حزبي .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك { نصيباً مفروضاً } قال : معلوماً .
وأخرج ابن المنذر عن الربيع بن أنس في قوله { لأتَّخذنَّ من عبادك نصيباً مفروضاً } قال : من كلف ألف تسعمائة وتسعة وتسعين .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { ولأضلنهم ولأمنينّهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام } قال : دين شرعه لهم إبليس كهيئة البحائر والسوائب .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { فليبتكن آذان الأنعام } قال : التبتك في البحيرة والسائبة ، كانوا يبتكون آذانها لطواغيتهم .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك { فليبتكن آذان الأنعام } قال : ليقطعن آذان الأنعام .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : أما يبتكن آذان الأنعام فيشقونها ، فيجعلونها بحيرة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كره الإخصاء ، وقال : فيه نزلت { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أنس بن مالك أنه كره الإخصاء ، وقال : فيه نزلت { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } ولفظ عبد الرزاق قال : من تغيير خلق الله الإخصاء .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عباس قال : اخصاء البهائم مثله ، ثم قرأ { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } .
وأخرج عبد بن حميد من طرق عن ابن عباس { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } قال : هو الخصاء .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عمر قال : « نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خصاء الخيل والبهائم ، قال ابن عمر : فيه نماء الخلق » .
وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس قال : « نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صبر الروح ، وإخصاء البهائم » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب كان ينهى عن إخصاء البهائم ، ويقول : هل النماء إلا في الذكور .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن شبيل . أنه سمع شهر بن حوشب قرأ هذه الآية { فليغيرن خلق الله } قال : الخصاء منه . فأمرت أبا التياج ، فسأل الحسن عن خصاء الغنم؟ قال : لا بأس به .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله { فليغيرن خلق الله } قال : هو الخصاء .
وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر . أنه كان يكره الخصاء ، ويقول : هو نماء خلق الله .(3/249)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عكرمة . أنه كره الخصاء قال : فيه نزلت { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عروة . أنه خصى بغلاً له .
وأخرج ابن المنذر عن طاوس أنه خصى جملاً له .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن محمد بن سيرين . أنه سئل عن خصاء الفحول؟ فقال : لا بأس ، لو تركت الفحول لأكل بعضها بعضاً .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الحسن قال : لا بأس بإخصاء الدواب .
وأخرج ابن المنذر عن أبي سعيد عبد الله بن بشر قال : أمرنا عمر بن عبد العزيز بخصاء الخيل ، ونهانا عنه عبد الملك بن مروان .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عطاء . أنه سئل عن إخصاء الفحل فلم ير به عند عضاضه وسوء خلقه بأساً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } قال : دين لله .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله { فليغيرن خلق الله } قال : دين الله . وهو قوله { فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله } [ الروم : 30 ] يقول : لدين الله .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن إبراهيم { فليغيرن خلق الله } قال : دين الله .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن سعيد بن جبير { فليغيرن خلق الله } قال : دين الله .
وأخرج عبد الرزاق وآدم وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد { فليغيرن خلق الله } قال : دين الله ، ثم قرأ { لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { فليغيرن خلق الله } قال : الوشم .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال : لعن الله الواشمات ، والمستوشمات ، والمتنمصات ، والمتفلجات للحسن ، والمغيرات خلق الله .
وأخرج أحمد عن أبي ريحانة قال « نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشرة : عن الوشر ، والوشم ، والنتف ، وعن مكامعة الرجل الرجل بغير شعار ، وعن مكامعة المرأة المرأة بغير شعار ، وأن يجعل الرجل في أسفل ثوبه حريراً مثل الأعلام ، وأن يجعل على منكبه مثل الأعاجم ، وعن النهبى ، وعن ركوب النمور ، ولبوس الخاتم إلا لذي سلطان » .
وأخرج أحمد عن عائشة قالت « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلعن القاشرة ، والمقشورة ، والواشمة ، والمستوشمة ، والواصلة ، والمتصلة » .
وأخرج أحمد ومسلم عن جابر قال « زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة برأسها شيئاً » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عائشة . أن جارية من الأنصار تزوجت وأنها مرضت ، فتمعط شعرها ، فأرادوا أن يصلوها ، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « لعن الله الواصلة والمستوصلة » .(3/250)
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت « أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت : يا رسول الله إن لي ابنة عروساً ، وأنه أصابها حصبة فتمزق شعرها ، أفأصله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعن الله الواصلة والمستوصلة » .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } قال : ما بال أقوام جهلة ، يغيرون صبغة الله ولون الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : إن أصدق الحديث كلام الله .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال « كل ما هو آت قريب ، إلا إن البعيد ما ليس بآتٍ ، ألا لا يعجل الله لعجلة أحد ، ولا يجد لأمر الناس ما شاء الله لا ما شاء الناس ، يريد الله أمراً ويريد الناس أمراً ، ما شاء الله كان ولو كره الناس ، لا مقرب لما باعد الله ، ولا مباعد لما قرب الله ، ولا يكون شيء إلا بإذن الله ، أصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وخير ما ألقي في القلب اليقين ، وخير الغنى غنى النفس ، وخير العلم ما نفع ، وخير الهدي ما اتبع ، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى ، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع ، ألا لا تملوا الناس ولا تسئموهم ، فإن لكل نفس نشاطاً وإقبالاً ، وإن لها سآمة وإدباراً ، ألا وشر الروايا روايا الكذب ، والكذب يقود إلى الفجور ، وإن الفجور يقود إلى النار ، ألا وعليكم بالصدق فإن الصدق يقود إلى البر وإن البر يقود إلى الجنة ، واعتبروا في ذلك أيهما الفئتان التقتا يقال للصادق صدق وبر ، ويقال للكاذب كذب وفجر ، وقد سمعنا نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول : لا يزال العبد يصدق حتى يكتب صديقاً ، ولا يزال يكذب حتى يكتب كذاباً .
ألا وإن الكذب لا يصلح في جد ولا هزل ، ولا أن يَعِدَ الرجل منكم صبيه ثم لا ينجز له ، ألا ولا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم قد طال عليهم الأمد فقست قلوبهم وابتدعوا في دينهم ، فإن كنتم لا محالة سائليهم فما وافق كتابكم فخذوه وما خالفه فأمسكوا عنه واستكوا ، ألا وإن أصفر البيوت البيت الذي ليس فيه من كتاب الله شيء ، ألا وإن البيت الذي ليس فيه من كتاب الله خرب كخراب البيت الذي لا عامر له ، ألا وإن الشيطان يخرج من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه » .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن عقبة بن عامر قال « خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما كان منها على ليلة فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح قال : ألم أقل لك يا بلال أكلئنا الليلة؟ فقال : يا رسول الله ذهب بي النوم فذهب بي الذي ذهب بك ، فانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك المنزل غير بعيد ثم صلى ، ثم هدر بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : أما بعد : فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وأوثق العرا كلمة التقوى ، وخير الملل ملة إبراهيم ، وخير السنن سنة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأشرف الحديث ذكر الله ، وأحسن القصص هذا القرآن ، وخير الأمور عوازمها ، وشر الأمور محدثاتها ، وأحسن الهدي هدي الأنبياء ، وأشرف الموت قتل الشهداء ، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى ، وخير العلم ما نفع ، وخير الهدى ما اتبع ، وشر العمى عمى القلب ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى ، وشر المعذرة حين يحضر الموت ، وشر الندامة يوم القيامة ، ومن الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبراً ، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجراً ، وأعظم الخطايا اللسان الكذوب ، وخير الغنى غنى النفس ، وخير الزاد التقوى ، ورأس الحكمة مخافة الله عز وجل ، وخير ما وقر في القلوب اليقين ، والإرتياب من الكفر والنياحة من عمل الجاهلية ، والغلول من جثاء جهنم ، والكنز كي من النار ، والشعر من مزامير إبليس ، والخمر جماع الإثم ، والنساء حبالة الشيطان ، والشباب شعبة من الجنون ، وشر المكاسب كسب الربا ، وشر المآكل مال اليتيم ، والسعيد من وعظ بغيره ، والشقي من شقي في بطن أمه ، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربع أذرع ، والأمر بآخره ، وملاك العمل خواتمه ، وشر الروايا روايا الكذب ، وكل ما هو آت قريب ، وسباب المؤمن فسوق ، وقتال المؤمن كفر ، وأكل لحمه من معصية الله ، وحرمة ماله كحرمة دمه ، ومن يتأول على الله يكذبه ، ومن يغفر يغفر له ، ومن يغضب يغضب الله عنه ، ومن يكظم الغيظ يأجره الله ، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله ، ومن يتبع السمعة يسمع الله به ، ومن يصبر يضعف الله له ، ومن يعص الله يعذبه الله ، اللهم اغفر لي ولأمتي ، قالها ثلاثاً : استغفر الله لي ولكم » .(3/251)
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه كان يقول في خطبته : أصدق الحديث كلام الله ، فذكر مثله سواء .(3/252)
لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123)
أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : قالت العرب : لا نبعث ولا نحاسب ، وقالت اليهود والنصارى { لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى } [ البقرة : 111 ] . وقالوا { لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة } [ البقرة : 80 ] فأنزل الله { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به } .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مسروق قال : احتج المسلمون وأهل الكتاب فقال المسلمون : نحن أهدى منكم . وقال أهل الكتاب : نحن أهدى منكم . فأنزل الله { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب } فانفلج عليهم المسلمون بهذه الآية { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن . . . } [ النساء : 124 ] الآية .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مسروق قال : تفاخر النصارى وأهل الإسلام فقال هؤلاء : نحن أفضل منكم . وقال هؤلاء : نحن أفضل منكم . فأنزل الله { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال : ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا ، فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، ونحن أولى بالله منكم . وقال المسلمون : نحن أولى بالله منكم ، ونبينا خاتم النبيين ، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله . فأنزل الله { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب } إلى قوله { ومن أحسن ديناً } الآية . فأفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى فقالت اليهود للمسلمين : نحن خير منكم ، ديننا قبل دينكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، ونبينا قبل نبيكم ، ونحن على دين إبراهيم ، ولن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً . وقالت النصارى مثل ذلك . فقال المسلمون : كتابنا بعد كتابكم ، ونبينا بعد نبيكم ، وديننا بعد دينكم ، وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم فنحن خير منكم ، نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا . فرد الله عليهم قولهم فقال { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به } ثم فضل الله المؤمنين عليهم فقال { ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً } [ النساء : 125 ] .
وأخرج ابن جرير من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك قال : تخاصم أهل الأديان فقال أهل التوراة : كتابنا أول كتاب وخيرها ، ونبينا خير الأنبياء . وقال أهل الإنجيل نحواً من ذلك ، وقال أهل الإسلام : لا دين إلا الإسلام ، وكتابنا نسخ كل كتاب ، ونبينا خاتم النبيين ، وأمرنا أن نعمل بكتابنا ونؤمن بكتابكم ، فقضى الله بينهم فقال { ليس بأمانيكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به } ثم خير بين أهل الأديان ففضل أهل الفضل فقال(3/253)
{ ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن . . . } [ النساء : 125 ] الآية . وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق جويبر عن الضحاك قال : افتخر أهل الأديان ، فقالت اليهود : كتابنا خير الكتب وأكرمها على الله ، ونبينا أكرم الأنبياء على الله موسى خلا به وكلمه نجيا ، وديننا خير الأديان . وقالت النصارى : عيسى خاتم النبيين ، آتاه الله التوراة والإنجيل ، ولو أدركه محمد تبعه ، وديننا خير الدين . وقالت المجوس وكفار العرب : ديننا أقدم الأديان وخيرها . وقال المسلمون : محمد رسول الله خاتم الأنبياء وسيد الرسل ، والقرآن آخر ما نزل من عند الله من الكتب ، وهو أمير على كل كتاب ، والإسلام خير الأديان ، فخير الله بينهم فقال { ليس بأمانيكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به } يعني بذلك اليهود والنصارى والمجوس وكفار العرب ، ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ، ثم فضل الإسلام على كل دين فقال : { ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله } [ النساء : 125 ] الآية .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال : قال أهل التوراة : كتابنا خير الكتب أنزل قبل كتابكم ، ونبينا خير الأنبياء . وقال أهل الإنجيل مثل ذلك ، وقال أهل الإسلام : كتابنا نسخ كل كتاب ، ونبينا خاتم النبيين ، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا ، فقضى الله بينهم فقال { ليس بأمانيكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به } وخير بين أهل الأديان فقال { ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه } [ النساء : 125 ] الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال : جلس أناس من أهل التوراة وأهل الإنجيل وأهل الإيمان ، فقال هؤلاء : نحن أفضل منكم . وقال هؤلاء : نحن أفضل . فقال الله { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به } ثم خص الله أهل الأديان فقال { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى } [ النساء : 124 ] .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب } قال : قريش وكعب بن الأشرف .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال : إن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني ، إن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : قالت اليهود والنصارى : لا يدخل الجنة غيرنا . وقالت قريش : لا نبعث . فأنزل الله { ليس بأمانيكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به } والسوء : الشرك .
وأخرج أحمد وهناد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن جرير وأبو يعلى وابن المنذر وابن حبان وابن السني في عمل اليوم والليلة والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان والضياء في المختارة عن أبي بكر الصديق .(3/254)
أنه قال « يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به } فكل سوء جزينا به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : غفر الله لك يا أبا بكر ، ألست تنصب ، ألست تمرض ، ألست تحزن ، ألست تصيبك اللأواء؟ قال : بلى . قال : فهو ما تجزون به » .
وأخرج أحمد والبزار وابن جرير وابن مردويه والخطيب في المتفق والمفترق عن ابن عمر قال : سمعت أبا بكر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من يعمل سوءاً يجز به في الدنيا » .
وأخرج ابن سعيد والترمذي الحكيم والبزار وابن المنذر والحاكم عن ابن عمر . أنه مر بعبدالله بن الزبير وهو مصلوب فقال : رحمك الله يا أبا خبيب ، سمعت أباك الزبير يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من يعمل سوءاً يجز به في الدنيا » .
وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن المنذر « عن أبي بكر الصديق قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية { من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » يا أبا بكر ألا أقرئك آية نزلت عليّ؟ قلت : بلى يا رسول الله ، فاقرأنيها فلا أعلم إلا أني وجدت انفصاماً في ظهري حتى تمطيت لها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مالك يا أبا بكر؟ قلت : بأبي وأمي يا رسول الله ، وأينا لم يعمل السوء وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما أنت وأصحابك يا أبا بكر المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله ليس لكم ذنوب ، وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة « » .
وأخرج ابن جرير عن عائشة « عن أبي بكر قال : لما نزلت { من يعمل سوءاً يجز به } قال أبو بكر : يا رسول الله كل ما نعمل نؤاخذ به؟ فقال : » يا أبا بكر أليس يصيبك كذا وكذا . . . فهو كفارة « » .
وأخرج سعيد بن منصور وهناد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه عن مسروق قال : « قال أبو بكر : يا رسول الله ما أشد هذه الآية { من يعمل سوءاً يجز به } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المصائب والأمراض والأحزان في الدنيا جزاء » « .
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبخاري في تاريخه وأبو يعلى وابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح عن عائشة . » أن رجلاً تلا هذه الآية { من يعمل سوءاً يجز به } قال : إنا لنجزى بكل ما عملناه هلكنا إذن ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : « نعم ، يجزى به المؤمن في الدنيا في نفسه ، في جسده ، فيما يؤذيه » « .(3/255)
وأخرج أبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي « عن عائشة قالت : قلت : يا رسول الله إني لأعلم أشد آية في القرآن قال » ما هي يا عائشة؟ قلت : { من يعمل سوءاً يجز به } فقال : هو ما يصيب العبد من السوء حتى النكبة ينكبها ، يا عائشة من نوقش هلك ، ومن حوسب عذب . فقلت : يا رسول الله أليس الله يقول { فسوف يحاسب حساباً يسيراً } قال : ذاك العرض ، يا عائشة من نوقش الحساب عن هذه الآية { من يعمل سوءاً يجز به } قال : « إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتى في الغط عند الموت » « .
وأخرج أحمد عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله بالحزن ليكفرها « .
وأخرج ابن راهويه في مسنده وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه عن أبي المهلب قال : رحلت إلى عائشة في هذه الآية { من يعمل سوءاً يجز به } قالت : هو ما يصيبكم في الدنيا .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه » عن أبي هريرة قال : لما نزلت { من يعمل سوءاً يجز به } شق ذلك على المسلمين ، وبلغت منهم ما شاء الله ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « سددوا وقاربوا ، فإن في كل ما أصاب المسلم كفارة ، حتى الشوكة يُشَاكَهَا ، والنكبة ينكبها » وفي لفظ عند ابن مردويه : بكينا وحزنا وقلنا : يا رسول الله ما أبقت هذه الآية من شيء! قال : « أما والذي نفسي بيده إنها لكما نزلت ، ولكن أبشروا وقاربوا وسددوا ، إنه لا يصيب أحد منكم من مصيبة في الدنيا إلا كفر الله بها خطيئته ، حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما يصيب المؤمن من وصب ، ولا نصب ، ولا سقم ، ولا حزن ، حتى الهم يهمه إلا كفر الله به من سيئاته » .
وأخرج أحمد ومسدد وابن أبي الدنيا في الكفارات وأبو يعلى وابن حبان والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي سعيد قال : « قال رجل : يا رسول الله أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ما لنا بها؟ قال : كفارات . قال أبي : وإن قلت؟ قال : وإن شوكة فما فوقها » .
وأخرج ابن راهويه في مسنده عن محمد بن المنتشر قال : قال رجل لعمر ابن الخطاب : إني لا أعرف أشد آية في كتاب الله .(3/256)
فأهوى عمر فضربه بالدرة وقال : مالك نقبت عنها؟ فانصرف حتى كان الغد قال له عمر : الآية التي ذكرت بالأمس؟ فقال { من يعمل سوءاً يجز به } فما منا أحد يعمل سوءاً إلا جزي به . فقال عمر : لبثنا حين نزلت ما ينفعنا طعام ولا شراب حتى أنزل الله بعد ذلك ، ورخص وقال : { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً } [ النساء : 110 ] .
وأخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وحسنه والبيهقي « عن أمية بنت عبدالله قالت : سألت عائشة عن هذه الآية { من يعمل سوءاً يجز به } فقالت : لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد بعد أن سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : » يا عائشة هذه مبايعة الله العبد بما يصيبه من الحمى والحزن والنكبة ، حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع لها فيجدها تحت ضبنه ، حتى إن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير « » .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير والبيهقي عن زياد بن الربيع قال : قلت لأبي بن كعب : آية في كتاب الله قد أحزنتني قال : ما هي؟ قلت { من يعمل سوءاً يجز به } قال : ما كنت أراك إلا أفقه مما أرى ، إن المؤمن لا تصيبه مصيبة ، عثرة قدم ولا اختلاج عرق ولا نحبة نملة إلا بذنب ، وما يعفوه الله عنه أكثر حتى اللدغة والنفحة .
وأخرج هناد وأبو نعيم في الحلية عن إبراهيم بن مرة قال : جاء رجل إلى أبي فقال : يا أبا المنذر آية في كتاب الله قد غمتني ، قال : أي آية؟ قال { من يعمل سوءاً يجز به } قال : ذاك العبد المؤمن ، ما أصابته من نكبة مصيبة فيصبر ، فليقى الله عز وجل ولا ذنب له .
وأخرج ابن جرير « عن عطاء بن أبي رباح قال : لما نزلت { من يعمل سوءاً يجز به } قال أبو بكر : جاءت قاصمة الظهر . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إنما هي المصيبات في الدنيا « » .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس . إن ابن عمر لقيه حزيناً فسأله عن هذه الآية { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به } فقال : ما لكم ولهذه ، إنما هذه للمشركين ، قريش وأهل الكتاب .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { من يعمل سوءاً يجز به } يقول : من يشرك يجز به وهو السوء { ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً } إلا أن يتوب قبل موته ، فيتوب الله عليه .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد والحكيم الترمذي والبيهقي عن الحسن في قوله { من يعمل سوءاً يجز به } قال : إنما ذاك لمن أراد الله هوانه ، فأما من أراد الله كرامته فإنه يتجاوز عن سيئاته في أصحاب الجنة ، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون .(3/257)
وأخرج البيهقي عن أنس قال : « أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم شجرة ، فهزها حتى تساقط من ورقها ما شاء الله أن يتساقط ، ثم قال : الأوجاع والمصيبات أسرع في ذنوب بني آدم مني في هذه الشجرة » .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وفي ولده وماله حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة » .
وأخرج أحمد عن السائب بن خلاد « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه إلا كتب الله له بها حسنة وحط عنه بها خطيئة » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عائشة قالت : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه ، حتى الشوكة يشاكها » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والحكيم الترمذي عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة » .
وأخرج أحمد عن عائشة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وجع ، فجعل يشتكي ويتقلب على فراشه ، فقالت عائشة : لو صنع هذا بعضنا لوجدت عليه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الصالحين يشدد عليهم ، وأنه لا يصيب مؤمناً نكبة من شوكة فما فوق ذلك إلا حطت به عنه خطيئة ورفع له بها درجة » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما يصيب المؤمن من نصب ، ولا وصب ، ولا هم ، ولا حزن ، ولا أذى ، ولا غم ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله من خطاياه » .
وأخرج أحمد وهناد في الزهد معاً عن أبي بكر الصديق قال : إن المسلم ليؤجر في كل شيء ، حتى في النكبة وانقطاع شسعه ، والبضاعة تكون في كمه فيفقدها فيفزع لها فيجدها في ضبنه .
وأخرج ابن أبي شيبة « عن سعد بن أبي وقاص قال : قلت : يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال : » النبيون ، ثم الأمثل من الناس ، فما يزال بالعبد البلاء حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة « » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن معاوية : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما من شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه إلا كفَّر الله عنه به من سيئاته » .(3/258)
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « صداع المؤمن ، أو شوكة يشاكها ، أو شيء يؤذيه ، يرفعه الله بها يوم القيامة درجة ، ويكفر عنه بها ذنوبه » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن بريدة الأسلمي . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما أصاب رجلاً من المسلمين نكبة فما فوقها - حتى ذكر الشوكة - إلا لإحدى خصلتين : إلا ليغفر الله من الذنوب ذنباً لم يكن ليغفر الله له إلا بمثل ذلك ، أو يبلغ به من الكرامة كرامة لم يكن يبلغها إلا بمثل ذلك » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن مسعود قال : إن الوجع لا يكتب به الأجر ، إنما الأجر في العمل ، ولكن يكفِّر الله به الخطايا .
وأخرج ابن سعد والبيهقي عن عبدالله بن أياس بن أبي فاطمة عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أيكم يحب أن يصح فلا يسقم؟ قالوا : كلنا يا رسول الله قال : أتحبون أن تكونوا كالحمير الضالة » وفي لفظ : الصيالة ، « ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء ، وأصحاب كفارات؟ والذي نفسي بيده إن الله ليبتلي المؤمن وما يبتليه إلا لكرامته عليه ، وإن العبد لتكون له الدرجة في الجنة لا يبلغها بشيء من عمله حتى يبتليه بالبلاء ليبلغ به تلك الدرجة » .
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا والبيهقي عن محمد بن خالد السلمي عن أبيه عن جده وكانت له صحبة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إذا سبقت للعبد من الله منزلة لم يبلغها بعمله ، ابتلاه الله في جسده ، أو في ماله ، أو في ولده ، ثم صبره حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله » .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الرجل لتكون له المنزلة عند الله فما يبلغها بعمل ، فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه ذلك » .
وأخرج البيهقي من طريق أحمد بن أبي الحواري قال : سمعت أبا سليمان يقول : مر موسى عليه السلام على رجل في متعبد له ، ثم مر به بعد ذلك وقد مزقت السباع لحمه ، فرأس ملقى ، وفخذ ملقى ، وكبد ملقى ، فقال موسى : يا رب عبدك كان يطيعك فابتليه بهذا؟! فأوحى الله إليه : يا موسى إنه سألني درجة لم يبلغها بعمله ، فابتليه بهذا لأبلغه بذلك الدرجة « .
وأخرج البيهقي عن عائشة : » سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما ضرب من مؤمن عرق إلاَّ حَطَّ الله به عنه خطيئة ، وكتب له به حسنة ، ورفع له به درجة « .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :(3/259)
« إن الله ليبتلي عبده بالسقم حتى يكفِّر كل ذنب » .
وأخرج البيهقي عن عبدالله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من صدع في سبيل الله ثم احتسب غفر الله له ما كان قبل ذلك من ذنب » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن يزيد بن أبي حبيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يزال الصداع والمليلة بالمرء المسلم حتى يدعه مثل الفضة البيضاء » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عامر أخي الخضر قال : إني لبأرض محارب إذا رايات وألوية فقلت : ما هذا؟! قالوا : رسول الله صلى الله عليه وسلم . فجلست إليه وهو في ظل شجرة قد بسط له كساء وحوله أصحابه ، فذكروا الأسقام فقال : « إن العبد المؤمن إذا أصابه سقم ثم عافاه الله كان كفارة لما مضى من ذنوبه ، وموعظة له فيما يستقبل من عمره ، وإن المنافق إذا مرض وعوفي كان كالبعير عقله أهله ثم أطلقوه ، لا يدري فيما عقلوه ولا فيما أطلقوه . فقال رجل : يا رسول الله ما الأسقام؟ قال : أو ما سقمت قط؟! قال : لا . قال : فقم عنا فلست منا » .
وأخرج البيهقي عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما من عبد يصرع صرعة من مرض إلا بعثه منه طاهراً » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن العبد إذا مرض أوحى الله إلى ملائكته : يا ملائكتي إذا قيدت عبدي بقيد من قيودي فإن أقبضه أغفر له ، وإن أعافه فجسده مغفور لا ذنب له » وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله لَيُجرِّبَ أحدكم البلاء - وهو أعلم - كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار ، فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز ، فذلك الذي نجاه الله من السيئات ، ومنهم من يخرج كالذهب دون ذلك ، فذلك الذي يشك بعض الشك ، ومنهم من يخرج كالذهب الأسود ، فذلك الذي قد افتتن » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي من طريق بشير بن عبدالله بن أبي أيوب الأنصاري عن أبيه عن جده قال : « عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأنصار ، فأكبَّ عليه فسأله فقال : يا نبي الله ما غمضت منذ سبع ليال ، ولا أحد يحضرني . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » أي أخي اصبر ، أي أخي اصبر تخرج من ذنوبك كما دخلت فيها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ساعات الأمراض يذهبن ساعات الخطايا « » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(3/260)
« ساعات الأذى يذهبن ساعات الخطايا » .
وأخرج البيهقي عن الحكم بن عتبة رفعه قال « إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له من العمل ما يكفر ذنوبه ، ابتلاه الله بالهم يكفر به ذنوبه » .
وأخرج ابن عدي والبيهقي وضعفه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله ليبتلي عبده بالبلاء والألم حتى يتركه من ذنبه كالفضة المصفاة » .
وأخرج البيهقي عن المسيب بن رافع . أن أبا بكر الصديق قال : إن المرء المسلم يمشي في الناس وما عليه خطيئة . قيل : ولم ذلك يا أبا بكر؟ قال : بالمصائب والحجر والشوكة والسشع ينقطع .
وأخرج أحمد عن أبي الدرداء « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الصداع والمليلة لا يزال بالمؤمن وإن ذنبه مثل أحد فما يتركه وعليه من ذلك مثقال حبة من خردل » .
وأخرج أحمد عن خالد بن عبدالله القسري عن جده يزيد بن أسد . أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « المريض تحات خطاياه كما يتحات ورق الشجر » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء قال : ما يسرني بليلة أمرضها حمر النعم .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عياض بن غضيف قال : دخلنا على أبي عبيدة بن الجراح نعوده ، فإذا وجهه مما يلي الجدار ، وامرأته قاعدة عند رأسه قلت : كيف بات أبو عبيدة؟ قالت : بات بأجر . فأقبل علينا بوجهه فقال : إني لم أَبِتْ بأجر ، ومن ابتلاه الله ببلاء في جسده فهو له حطة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان قال : إن المؤمن يصيبه الله بالبلاء ثم يعافيه فيكون كفارة لسيئاته ومستعتباً فيما بقي ، وإن الفاجر يصيبه الله بالبلاء ثم يعافيه فيكون كالبعير عقله أهله ، لا يدري لمَ عقلوه ثم أرسلوه فلا يدري لمَ أرسلوه .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمار . أنه كان عنده أعرابي ، فذكروا الوجع فقال عمار : ما اشتكيت قط؟ قال : لا . فقال عمار : لست منا ، ما من عبد يبتلى إلا حط عنه خطاياه كما تحط الشجرة ورقها ، وإن الكافر يبتلى فمثله مثل البعير عُقِل فلم يدرِ لمَ عَقِلْ ، وأُطْلِقَ فلم يدرِ لمَ أُطْلِقَ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { من يعمل سوءاً يجز به } قال : الشرك .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير . مثله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { من يعمل سوءاً يجز به } قال : الكافر ، ثم قرأ { وهل يجازى إلا الكفور } [ سبأ : 17 ] .(3/261)
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مسروق قال : لما نزلت { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب . . . } [ النساء : 123 ] الآية . قال أهل الكتاب : نحن وأنتم سواء . فنزلت هذه الآية { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } ففجلوا عليهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي في قوله { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } قال : أبى أن يقبل الإيمان إلا بالعمل الصالح .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن ابن عمر لقيه فسأله عن هذه الآية { ومن يعمل من الصالحات } قال : الفرائض .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } قال : قد يعمل اليهودي والنصراني والمشرك الخير ، فلا ينفعهم في الدنيا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } قال : إنما يتقبل الله من العمل ما كان في الإيمان .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال : النقير هي النكتة التي تكون في ظهر النواة .
وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي قال : « القطمير » القشرة التي تكون على النواة والفتيل الذي يكون في بطنها و « النقير » النقطة البيضاء التي في وسط النواة .(3/262)
وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : قال أهل الإسلام : لا دين إلا الإسلام ، كتابنا نسخ كل كتاب ، ونبينا خاتم النبيين ، وديننا خير الأديان . فقال الله تعالى { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن } .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله اصطفى موسى بالكلام ، وإبراهيم بالخلة » .
وأخرج ابن جرير والطبراني في السنة عن ابن عباس قال : إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة ، واصطفى موسى بالكلام ، واصطفى محمداً بالرؤية .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن الضريس عن معاذ بن جبل . أنه لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ { واتخذ الله إبراهيم خليلاً } فقال رجل من القوم : لقد قرت عين أم إبراهيم .
وأخرج الحاكم وصححه عن جندب : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يتوفى : « إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً » .
وأخرج الطبراني وابن عساكر عن ابن مسعود قال : إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً ، وإن صاحبكم خليل الله ، وإن محمداً سيد بني آدم يوم القيامة . ثم قرأ { عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً } [ الإسراء : 79 ] .
وأخرج الطبراني عن سمرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن الأنبياء يوم القيامة كل اثنين منهم خليلان دون سائرهم . قال فخليلي منهم يومئذ خليل الله إبراهيم » .
وأخرج الطبراني والبزار عن أبي هريرة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن في الجنة قصراً من درة لا صدع فيه ولا وهن ، أعده الله لخليله إبراهيم عليه السلام نزلاً » .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال : أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم ، والكلام لموسى ، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم ؟! « .
وأخرج الترمذي وابن مردويه عن ابن عباس قال : » جلس ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرونه ، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم ، وإذا بعضهم يقول : إن الله اتخذ من خلقه خليلاً فإبراهيم خليله . وقال آخر : ماذا بأعجب من أن كلم الله موسى تكليماً . وقال آخر : فعيسى روح الله وكلمته . وقال آخر : آدم اصطفاه الله . فخرج عليهم فسلم فقال : قد سمعت كلامكم وعجبكم ان إبراهيم خليل الله وهو كذلك ، وموسى كليمه ، وعيسى روحه وكلمته ، وآدم اصطفاه الله ربه كذلك ، ألا وإني حبيب الله ولا فخر ، وأنا أول شافع ، وأول مشفع ولا فخر ، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتحها الله ، فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر ، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر « .(3/263)
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات قال : أوحى الله إلى إبراهيم : أتدري لم اتخذتك خليلاً؟ قال : لا يا رب . قال : لأني اطلعت إلى قلبك فوجدتك تحب أن ترزأ ولا ترزأ .
وأخرج ابن المنذر عن ابن أبزى قال : دخل إبراهيم عليه السلام منزله ، فجاءه ملك الموت في صورة شاب لا يعرفه ، فقال له إبراهيم : بإذن من دخلت؟ قال : بإذن رب المنزل . فعرفه إبراهيم فقال له ملك الموت : إن ربك اتخذ من عباده خليلاً . قال إبراهيم : ونحن ذلك! قال : وما تصنع به؟ قال : أكون خادماً له حتى أموت . قال : فإنه أنت . وبأي شيء اتخذني خليلاً؟ قال : بأنك تحب أن تعطي ولا تأخذ .
وأخرج البيهقي في الشعب عن عبدالله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا جبريل لم اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟ قال : لإطعامه الطعام يا محمد » .
وأخرج الديلمي بسند واهٍ عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس : « يا عم أتدري لم اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟ هبط إليه جبريل فقال : أيها الخليل هل تدري بم استوجبت الخلة؟ فقال : لا أدري يا جبريل! قال : لأنك تعطي ولا تأخذ » .
وأخرج الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في فضائل العباس عن واثلة بن الأسقع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم اتخذه خليلاً ، واصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ، ثم اصطفى من ولد إسماعيل نزاراً ، ثم اصطفى من ولد نزار مضر ، ثم اصطفى من مضر كنانة ، ثم اصطفى من كنانة قريشاً ، ثم اصطفى من قريش بني هاشم ، ثم اصطفى من بني هاشم بني عبد المطلب ، ثم اصطفاني من بني عبد المطلب » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه وابن عساكر والديلمي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « { اتخذ الله إبراهيم خليلاً } وموسى نجياً ، واتخذني حبيباً ، ثم قال : وعزتي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيِّي » .
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن علي بن أبي طالب قال : أوّل من يكسى يوم القيامة إبراهيم قبطيتين والنبي صلى الله عليه وسلم حلة حبرة وهو عن يمين العرش . والله أعلم .(3/264)
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127)
أخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله { ويستفتونك في النساء . . . } الآية . قال كان أهل الجاهلية لا يورثون المولود حتى يكبر ، ولا يورثون المرأة . فلما كان الإسلام قال { ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب } في أوّل السورة في الفرائض .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال : كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه ، ولا يرث الصغير ولا المرأة شيئاً ، فلما نزلت المواريث في سورة النساء شق ذلك على الناس ، وقالوا : أيرث الصغير الذي لا يقوم في المال ، والمرأة التي هي كذلك ، فيرثان كما يرث الرجل؟ فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء ، فانتظروا فلما رأوا أنه لا يأتي حدث قالوا : لئن تم هذا إنه لواجب ما عنه بد ، ثم قالوا : سلوا . . . فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله { ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب } في أول السورة ، في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن . قال سعيد ابن جبير : وكان الولي إذا كانت المرأة ذات جمال ومال رغب فيها ونكحها واستأثر بها ، وإذا لم تكن ذات جمال ومال أنكحها ولم ينكحها .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان شيئاً ، كانوا يقولون : لا يغزون ولا يغنمون خيراً ، ففرض الله لهن الميراث حقاً واجباً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم في الآية قال : كانوا إذا كانت الجارية يتيمة دميمة لم يعطوها ميراثها ، وحبسوها من التزويج حتى تموت فيرثوها ، فأنزل الله هذا .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل فيرغب أن ينكحها ولا يعطيها مالها رجاء أن تموت فيرثها ، وإن مات لها حميم لم تعط من الميراث شيئاً ، وكان ذلك في الجاهلية ، فبين الله لهم ذلك ، وكانوا لا يورثون الصغير والضعيف شيئاً ، فأمر الله أن يعطى نصيبه من الميراث .
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال : كان جابر بن عبدالله له ابنة عم عمياء ، وكانت دميمة ، وكانت قد ورثت من أبيها مالاً ، فكان جابر يرغب عن نكاحها ولا ينكحها رهبة أن يذهب الزوج بمالها ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، وكان ناس في حجورهم جوار أيضاً مثل ذلك ، فأنزل الله فيهم هذا .
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق السدي عن أبي مالك في قوله { وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهم ما كتب لهم وترغبون أن تنكحوهن } قال : كانت المرأة إذا كانت عند ولي يرغب عن حسنها لم يتزوّجها ولم يترك أحداً يتزوّجها { والمستضعفين من الولدان } قال : كانوا لا يورثون إلا الأكبر فالأكبر .(3/265)
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير في قوله { وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء } قال : ما يتلى عليكم في أول السورة من المواريث ، وكانوا لا يورثون امرأة ولا صبياً حتى يحتلم .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عائشة في قوله { ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن } إلى قوله { وترغبون أن تنكحوهن } قالت : هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووراثها قد شركته في ماله حتى في العذق ، فيرغب أن ينكحها ، ويكره أن يزوّجها رجلاً فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها ، فنزلت هذه الآية .
وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم عن عائشة قالت : ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن ، فأنزل الله { ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء } قالت : والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب ، الآية الأولى التي قال الله { وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء } قالت : وقول الله { وترغبون أن تنكحوهن } رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال ، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال : كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه ، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوّجها أبداً ، فإن كانت جميلة وهويها تزوّجها وأكل مالها ، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبداً حتى تموت ، فإذا ماتت ورثها فحرم الله ذلك ونهى عنه ، وكانوا لا يورثون الصغار ولا البنات وذلك قوله { لا تؤتونهن ما كتب لهن } فنهى الله عنه ، وبيَّن لكل ذي سهم سهمه ، صغيراً كان أو كبيراً .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال : كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل فيها دمامة ، فيرغب عنها أن ينكحها ، ولا ينكحها رغبة في مالها .
وأخرج القاضي إسماعيل في أحكام القرآن عن عبد الملك بن محمد بن حزم . أن عمرة بنت حزم كانت تحت سعد بن الربيع فقتل عنها بأحد ، وكان له منها ابنة ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تطلب ميراث ابنتها ، ففيها نزلت { ويستفتونك في النساء . . . } الآية .
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن عون عن الحسن وابن سيرين في هذه الآية قال أحدهما : ترغبون فيهن ، وقال الآخر : ترغبون عنهن .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الحسن في قوله { وترغبون أن تنكحوهن } قال : ترعبون عنهن .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عبيدة { وترغبون أن تنكحوهن } قال : ترغبون عنهن .(3/266)
وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134)
أخرج الطيالسي والترمذي وحسنه وابن المنذر والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : « خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله لا تطلقني واجعل يومي لعائشة ، ففعل ونزلت هذه الآية { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا . . . } الآية . قال ابن عباس : فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز » .
وأخرج ابن سعد وأبو داود والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة قالت : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا ، وكان يطوف علينا يومياً من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى من هو يومها فيبيت عندها ، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت ، وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله يومي هو لعائشة . فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة : فأنزل الله في ذلك { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً . . . } الآية » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن جرير وابن المنذر عن عائشة { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً . . . } الآية . قالت : الرجل تكون عنده المرأة ليس مستكثراً منها يريد أن يفارقها ، فتقول : أجعلك من شأني في حل . فنزلت هذه الآية .
وأخرج ابن ماجة عن عائشة قالت : نزلت هذه الآية { والصلح خير } في رجل كانت تحته امرأة قد طالت صحبتها وولدت منه أولاداً ، فأراد أن يستبدل بها ، فراضته على أن يقيم عندها ولا يقيم لها .
وأخرج مالك وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن رافع بن خديج . أنه كانت تحته امرأة قد خلا من سنها ، فتزوج عليها شابة فآثرها عليها ، فأبت الأولى أن تقر ، فطلقها تطليقة حتى إذا بقي من أجلها يسير قال : إن شئت راجعتك وصبرت على الأثرة ، وإن شئت تركتك؟ قالت : بل راجعني . فراجعا فلم تصبر على الأثرة ، فطلقها أخرى وآثر عليها الشابة ، فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله أنزل فيه { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً . . . } الآية .
وأخرج الشافعي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي عن سعيد ابن المسيب . أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج ، فكره منها أمراً ، إما كبراً أو غيره ، فأراد طلاقها فقالت : لا تطلقني . واقسم لي ما بدا لك ، فاصطلحا على صلح ، فجرت السنة بذلك ، ونزل القرآن { وإن امرأة خافت من بعلها . . . } الآية .
وأخرج ابن جرير عن عمر . أن رجلاً سأله عن آية؟ فكره ذلك وضربه بالدرة ، فسأله آخر عن هذه الآية { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً } فقال : عن مثل هذا فسلوا ، ثم قال : هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها ، فيتزوج المرأة الثانية يلتمس ولدها ، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز .(3/267)
وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وابن راهويه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن علي بن أبي طالب . أنه سئل عن هذه الآية فقال : هو الرجل عنده امرأتان ، فتكون إحداهما قد عجزت أو تكون دميمة فيريد فراقها ، فتصالحه على أن يكون عندها ليلة وعند الأخرى ليالي ولا يفارقها ، فما طابت به نفسها فلا بأس به ، فإن رجعت سوَّى بينهما .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال : هي المرأة تكون عند الرجل حتى تكبر ، فيريد أن يتزوج عليها ، فيتصالحان بينهما صلحاً على أن لها يوماً ولهذه يومان أو ثلاثة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال : تلك المرأة تكون عند الرجل لا يرى منها كثيراً مما يحب ، وله امرأة غيرها أحب إليه منها فيؤثرها عليها ، فأمر الله إذا كان ذلك أن يقول لها : يا هذه إن شئت أن تقيمي على ما ترين من الأثرة فأواسيك وأنفق عليك فأقيمي ، وإن كرهت خليت سبيلك ، فإن هي رضيت أن تقيم بعد أن يخبرها فلا جناح عليه ، وهو قوله { والصلح خير } يعني أن تخيير الزوج لها بين الإقامة والفراق خير من تمادي الزوج على أثرة غيرها عليها .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : هو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة ، فينكح عليها المرأة الشابة ، ويكره أن يفارق أم ولده فيصالحها على عطية من ماله ونفسه ، فيطيب له ذلك الصلح .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال : نزلت في أبي السنابل بن بعكك .
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال : نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي سودة بنت زمعة .
وأخرج أبو داود وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أبغض الحلال إلى الله الطلاق » .
وأخرج الحاكم عن كثير بن عبدالله بن عوف عن أبيه عن جده : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « الصلح حائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالاً أو أحل حراماً ، والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { وأحضرت الأنفس الشح } قال : تشح عند الصلح على نصيبها من زوجها .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله { وأحضرت الأنفس الشح } قال : هواه في الشيء يحرص عليه . وفي قوله { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } قال : في الحب والجماع .(3/268)
وفي قوله { فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة } قال : لا هي أيِّم ولا هي ذات زوج .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبي مليكة قال : نزلت هذه الآية { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } في عائشة ، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبها أكثر من غيرها .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن المنذر عن عائشة قالت : « كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ، ثم يقول : اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن ماجة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط » .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال : كانوا يستحبون أن يسوّوا بين الضرائر حتى في الطيب ، يتطيب لهذه كما يتطيب لهذه .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن جابر بن زيد قال : كانت لي امرأتان ، فلقد كنت أعدل بينهما حتى أعد القبل .
وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين . في الذي له امرأتان يكره أن يتوضأ في بيت إحداهما دون الأخرى .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال : إن كانوا ليسوّون بين الضرائر حتى تبقى الفضلة مما لا يكال من السويق والطعام ، فيقسمونه كفاً كفاً إذا كان مما لا يستطاع كيله .
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في قوله { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } قال : في الجماع .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن عبيدة في قوله { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } قال في الحب { فلا تميلوا كل الميل } قال : في الغشيان { فتذروها كالمعلقة } لا أيِّم ولا ذات زوج .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد في قوله { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } قال : يعني في الحب { فلا تميلوا كل الميل } قال : لا تتعمدوا الإساءة .
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية يقول : لا تمل عليها ، فلا تنفق عليها ، ولا تقسم لها يوماً .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في الآية يقول : إن أحببت واحدة وأبغضت واحدة فاعدل بينهما .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فتذروها كالمعلقة } قال : لا مطلقة ولا ذات بعل .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن قتادة في قوله { كالمعلقة } قال : كالمسجونة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { وإن يتفرقا } قال : الطلاق .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وكان الله غنياً } قال : غنياً عن خلقه { حميداً } قال : مستحمداً إليهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن علي . مثله .
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله { وكفى بالله وكيلاً } قال : حفيظاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين } قال : قادر والله ربنا على ذلك أن يهلك من خلقه ما شاء ويأت بآخرين من بعدهم .(3/269)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين . . . } الآية . قال : أمر الله المؤمنين أن يقولوا بالحق ولو على أنفسهم ، أو آبائهم ، أو أبنائهم ، لا يحابوا غنياً لغناه ، ولا يرحموا مسكيناً لمسكنته ، وفي قوله { فلا تتبعوا الهوى } فتذروا الحق ، فتجوروا { وإن تلووا } يعني ألسنتكم بالشهادة أو تعرضوا عنها .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس في قوله { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله . . . } الآية . قال : الرجلان يقعدان عند القاضي فيكون ليّ القاضي وإعراضه لأحد الرجلين على الآخر .
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن مولى لابن عباس قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، كانت البقرة أول سورة نزلت ، ثم أردفها سورة النساء قال : فكان الرجل يكون عنده الشهادة قبل ابنه أو عمه أو ذوي رحمه ، فيلوي بها لسانه أو يكتمها ، مما يرى من عسرته حتى يوسر فيقضي ، فنزلت { كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله } يعني إن يكن غنياً أو فقيراً .
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال : نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم ، اختصم إليه رجلان غني وفقير ، فكان حلفه مع الفقير يرى أن الفقير لا يظلم الغني ، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال : هذا في الشهادة ، فأقم الشهادة يا ابن آدم ولو على نفسك ، أو الوالدين والأقربين ، أو على ذي قرابتك وأشراف قومك ، فإنما الشهادة لله وليست للناس ، وإن الله تعالى رضي بالعدل لنفسه ، والإقساط والعدل ميزان الله في الأرض ، به يرد الله من الشديد على الضعيف ، ومن الصادق على الكاذب ، ومن المبطل على المحق ، وبالعدل يصدق الصادق ويكذب الكاذب ، ويرد المعتدي ويوبخه تعالى ربنا وتبارك ، وبالعدل يصلح الناس ، يا ابن آدم إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما ، يقول : الله أولى بغنيكم وفقيركم ، ولا يمنعك عنى غني ولا فَقْرُ فقير أن تشهد عليه بما تعلم فإن ذلك من الحق ، قال : وذكر لنا أن نبي الله موسى عليه السلام قال : يا رب أي شيء وضعت في الأرض أقل؟ قال : العدل أقل ما وضعت « .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { وإن تلووا أو تعرضوا } يقول : تلوي لسانك بغير الحق وهي اللجلجة ، فلا يقيم الشهادة على وجهها . والإعراض الترك .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال { تلووا } تحرفوا و { تعرضوا } تتركوا .
أخرج آدم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله { وإن تلووا } يقول : تبدلوا الشهادة { أو تعرضوا } يقول : تكتموها .(3/270)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136)
أخرج الثعلبي عن ابن عباس ، أن عبد الله بن سلام ، وأسداً وأسيدا ابنَيْ كعب ، وثعلبة بن قيس ، وسلاماً ابن أخت عبد الله بن سلام ، وسلمة ابن أخيه ، ويامين بن يامين ، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : « يا رسول الله إنا نؤمن بكتابك وموسى والتوراة وعزير ، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل آمنوا بالله ورسوله محمد ، وكتابه القرآن ، وبكل كتاب كان قبله ، فقالوا : لا نفعل . فنزلت { يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل } قال : فآمنوا كلهم » .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله { يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله . . . } الآية . قال : يعني بذلك أهل الكتاب ، كان الله قد أخذ ميثاقهم في التوراة والإنجيل ، وأقروا على أنفسهم بأن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فلما بعث الله رسوله ، دعاهم إلى أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ، وذكرهم الذي أخذ عليهم من الميثاق ، فمنهم من صدق النبي واتبعه ، ومنهم من كفر .(3/271)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال : هم اليهود والنصارى ، آمنت اليهود بالتوراة ثم كفرت ، وآمنت النصارى بالإنجيل ثم كفرت .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { إن الذين آمنوا ثم كفروا } قال : هؤلاء اليهود ، آمنوا بالتوراة ثم كفروا ، ثم ذكر النصارى فقال { ثم آمنوا ثم كفروا } يقول : آمنوا بالإنجيل ثم كفروا به { ثم ازدادوا كفراً } بمحمد صلى الله عليه وسلم { ولا ليهديهم سبيلاً } قال : طريق هدى وقد كفروا بآيات الله .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : هؤلاء المنافقون آمنوا مرتين وكفروا مرتين { ثم ازدادوا كفراً } .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال : هم المنافقون .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن علي أنه قال في المرتد : إن كنت لمستتيبه ثلاثاً ، ثم قرأ هذه الآية { إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازداودا كفراً } .
وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه عن فضالة بن عبيد . أنه أتي برجل من المسلمين قد فر إلى العدوّ فأقاله الإسلام ، فأسلم ثم فر الثانية ، فأتي به فأقاله الإسلام ، ثم فر الثالثة ، فأتي به فنزع بهذه الآية { إن الذين آمنوا ثم كفروا } إلى { سبيلاً } ثم ضرب عنقه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ازدادوا كفراً } قال : تموا على كفرهم حتى ماتوا .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد . مثله .
وأخرج الحاكم في التاريخ والديلمي وابن عساكر عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله يقول كل يوم : أنا ربكم العزيز ، فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز » .(3/272)
وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)
أخرج ابن المنذر وابن جرير عن أبي وائل قال : إن الرجل ليتكلم في المجلس بالكلمة الكذب يُضْحِكُ بها جلساءه فيسخط الله عليهم جميعاً ، فذكر ذلك لإبراهيم النخعي فقال : صدق أبو وائل ، أو ليس ذلك في كتاب الله { فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره } .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال : أنزل في سورة الأنعام { حتى يخوضوا في حديث غيره } [ الأنعام : 68 ] ثم نزل التشديد في سورة النساء { إنكم إذاً مثلهم } .
وأخرج ابن المنذر عن السدي في الآية قال : كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله والقرآن ، فشتموه واستهزؤوا به ، فأمر الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره .
وأخرج عن سعيد بن جبير أن الله جامع المنافقين من أهل المدينة ، والمشركين من أهل مكة الذين خاضوا واستهزؤوا بالقرآن في جهنم جميعاً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { الذين يتربصون بكم } قال : هم المنافقون يتربصون بالمؤمنين ، { فإن كان لكم فتح من الله } إن أصاب المسلمون من عدوّهم غنيمة قال المنافقون { ألم نكن معكم } قد كنا معكم فأعطونا من الغنيمة مثل ما تأخذون { وإن كان للكافرين نصيب } يصيبونه من المسلمين قال المنافقون للكفار { ألم نستحوذ عليكم } ألم نبين لكم أنا على ما أنتم عليه قد نثبطهم عنكم .
وأخرج ابن جرير عن السدي { ألم نستحوذ عليكم } قال : نغلب عليكم .
أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن علي . أنه قيل له : أرأيت هذه الآية { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً } وهم يقاتلونا فيظهرون ويقتلون؟ فقال : ادنه ادنه ، ثم قال : فالله يحكم بينكم يوم القيامة { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً } .
واخرج ابن جرير عن علي { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً } قال في الآخرة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً } قال : ذاك يوم القيامة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً } قال : ذاك يوم القيامة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك . مثله .
وأخرج ابن جرير عن السدي { سبيلاً } قال : حجة .(3/273)
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142)
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن في الآية قال : يلقى على كل مؤمن ومنافق نور يمشون به يوم القيامة ، حتى إذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين ومضى المؤمنون بنورهم ، فتلك خديعة الله إياهم .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { وهو خادعهم } قال : يعطيهم يوم القيامة نوراً يمشون فيه مع المسلمين كما كانوا معه في الدنيا ، ثم يسلبهم ذلك النور فيطفئه ، فيقومون في ظلمتهم .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد وسعيد بن جبير . نحوه .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في الآية قال : نزلت في عبد الله بن أبي ، وأبي عامر بن النعمان .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في الصمت عن ابن عباس . أنه كان يكره أن يقول الرجل : إني كسلان ويتأوّل هذه الآية .
وأخرج أبو يعلى عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من حسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو فتلك استهانة استهان بها ربه » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة { يراؤون الناس } قال : والله لولا الناس ما صلى المنافق ، ولا يصلي إلا رياء وسمعة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان عن الحسن { ولا يذكرون الله إلا قليلاً } قال : إنما لأنه كان لغير الله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة { ولا يذكرون الله إلا قليلاً } قال : إنما قل ذكر المنافق لأن الله لم يقبله ، وكل ما رد الله قليل ، وكل ما قبل الله كثير .
وأخرج ابن المنذر عن علي قال : لا يقل عمل مع تقوى ، وكيف يقل ما يتقبل؟ .
وأخرج مسلم وأبو داود والبيهقي في سننه عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تلك صلاة المنافق ، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً » .(3/274)
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : مثل المؤمن والمنافق والكافر مثل ثلاثة نفر انتهوا إلى واد ، فوقع أحدهم فعبر حتى أتى ، ثم وقع أحدهم حتى أتى على نصف الوادي ناداه الذي على شفير الوادي : ويلك أين تذهب إلى الهلكة ، ارجع عودك على بدئك؟! وناداه الذي عبر : هلم النجاة . فجعل ينتظر إلى هذا مرة وإلى هذا مرة قال : فجاءه سيل فأغرقه ، فالذي عبر المؤمن ، والذي غرق المنافق ، مذبذب بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، والذي مكث الكافر .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية { مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } يقول : ليسوا بمؤمنين مخلصين ولا مشركين مصرحين بالشرك . قال : « وذكر لنا : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يضرب مثلاً للمؤمن والكافر والمنافق كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر ، فوقع المؤمن فقطع ، ثم وقع المنافق حتى كاد يصل إلى المؤمن ، ناداه الكافر : أن هلم إليّ فإني أخشى عليك ، وناداه المؤمن أن هلم إليّ فإن عندي وعندي يحض يحصي له ما عنده ، فما زال المنافق يتردد بينهما حتى أتى عليه الماء فغرقه ، وإن المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى عليه الموت وهو كذلك » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { مذبذبين بين ذلك } قال : هم المنافقون { لا إلى هؤلاء } يقول : لا إلى أصحاب محمد ، ولا إلى هؤلاء اليهود .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد { مذبذبين بين ذلك } قال : بين الإسلام والكفر .
وأخرج عبد بن حميد والبخاري في تاريخه ومسلم وابن جرير وابن المنذر عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مَثَل المنافق مَثَل الشاة العائرة بين الغنمين ، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة ، لا تدري أيها تتبع » .
وأخرج أحمد والبيهقي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أن مثل المنافق يوم القيامة كالشاة بين الغنمين ، إن أتت هؤلاء نطحتها وإن أتت هؤلاء نطحتها » .(3/275)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً } قال : إن لله السلطان على خلقه ، ولكنه يقول : عذراً مبيناً .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : كل سلطان في القرآن فهو حجة .(3/276)
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)
أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وهناد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في صفة النار عن ابن مسعود { إن المنافقين في الدرك الأسفل } قال : في توابيت من حديد مقفلة عليهم ، وفي لفظ : مبهمة عليهم ، أي مقفلة لا يهتدون لمكان فتحها .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة { إن المنافقين في الدرك الأسفل } قال : الدرك الأسفل . بيوت من حديد لها أبواب تطبق عليها ، فيوقد من تحتهم ومن فوقهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي هريرة { إن المنافقين في الدرك } قال : في توابيت ترتج عليهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { في الدرك الأسفل } يعني في أسفل النار .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عبد الله بن كثير قال : سمعت أن جهنم أدراك منازل ، بعضها فوق بعض .
وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار عن أبي الأحوص قال : قال ابن مسعود : أي أهل النار أشد عذاباً؟ قال رجل : المنافقون . قال : صدقت ، فهل تدري كيف يعذبون؟ قال : لا . قال : يجعلون في توابيت من حديد تصمد عليهم ، ثم يجعلون في الدرك الأسفل ، في تنانير أضيق من زج ، يقال له : جب الحزن يطبق على أقوام بأعمالهم آخر الأبد .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن معاذ بن جبل . أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن : أوصني . قال : « أخلص دينك يكفك القليل من العمل » .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الإخلاص والبيهقي في الشعب عن ثوبان « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : طوبى للمخلصين أولئك مصابيح الهدى ، تنجلي عنهم كل فتنة ظلماء » .
وأخرج البيهقي عن أبي فراس رجل من أسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « سلوني عما شئتم . فنادى رجل : يا رسول الله ما الإسلام؟ قال : إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، قال : فما الإيمان؟ قال : الإخلاص . قال : فما اليقين؟ قال : التصديق بالقيامة » .
وأخرج البزار بسند حسن عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع : « نصر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها ، فرب حامل فقه ليس بفقيه ، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مؤمن . إخلاص العمل لله ، والمناصحة لأئمة المسلمين ، ولزوم جماعتهم ، فإن دعاءهم يحيط من ورائهم » .
وأخرج النسائي عن مصعب بن سعد عن أبيه ، أنه ظن أن له فضلاً على من دونه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها ، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم » .(3/277)
وأخرج ابن أبي شيبة والمروزي في زوائد الزهد وأبو الشيخ بن حبان عن مكحول قال : بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما أخلص عبد لله أربعين صباحاً إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » .
وأخرج أحمد والبيهقي عن أبي ذر . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان ، وجعل قلبه سليماً ، ولسانه صادقاً ، ونفسه مطمئنة ، وخليقته مستقيمة ، وأذنه مستمعة ، وعينه ناظرة ، فأما الأذن فقمع ، والعين مقرة لما يوعي القلب ، وقد أفلح من جعل قلبه واعياً » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة ، قيل : يا رسول الله وما إخلاصها؟ قال : أن تحجزه عن المحارم » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والحكيم والترمذي وابن أبي حاتم عن أبي ثمامة قال : قال الحواريون لعيسى عليه السلام : يا روح الله من المخلص لله؟ قال : الذي يعمل لله لا يحب أن يحمده الناس عليه .
وأخرج ابن عساكر عن أبي إدريس قال : لا يبلغ عبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحب أن يحمده أحد على شيء من عمل الله عز وجل .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله { ما يفعل الله بعذابكم . . . } الآية . قال : إن الله لا يعذب شاكراً ولا مؤمناً .(3/278)
لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول . . . } الآية . قال : لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوماً ، فإنه رخص له أن يدعو على من ظلمه ، وإن يصبر فهو خير له .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن في الآية قال : هو الرجل يظلم فلا يدع عليه ، ولكن ليقل : اللهم أعني عليه ، اللهم استخرج لي حقي حل بينه وبين ما يريد ونحو هذا .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية قال : عذر الله المظلوم كما تسمعون أن يدعو .
وأخرج أبو داود « عن عائشة . أنها سرق لها شيء ، فجعلت تدعو عليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » لا تسبخي عنه بدعائك « » .
وأخرج الترمذي عنها . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من دعا على من ظلمه فقد انتصر » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال : نزلت في رجل ضاف رجلاً بفلاة من الأرض ، فلم يضفه ، فنزلت { إلا من ظلم } ذكر أنه لم يضفه لا يزيد على ذلك .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال : هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته ، فيخرج من عنده فيقول : أساء ضيافتي ولم يحسن .
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية يقول : إن الله لا يحب الجهر بالسوء من القول من أحد من الخلق ، ولكن يقول : من ظلم فانتصر بمثل ما ظلم فليس عليه جناح .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : كان أبي يقرأ { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } قال ابن زيد : يقول : من قام على ذلك النفاق فجهر له بالسوء حتى نزع .
وأخرج ابن المنذر عن إسماعيل { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } قال : كان الضحاك بن مزاحم يقول : هذا في التقديم والتأخير يقول الله { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } [ النساء : 147 ] { إلا من ظلم } وكان يقرأها كذلك ، ثم قال { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول } أي على كل حال .(3/279)
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (152)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال : أولئك أعداء الله اليهود والنصارى ، آمنت اليهود بالتوراة وموسى وكفروا بالإنجيل وعيسى ، وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى وكفروا بالقرآن ومحمد ، فاتخذوا اليهودية والنصرانية وهما بدعتان ليستا من الله ، وتركوا الإسلام وهو دين الله الذي بعث به رسله .
وأخرج ابن جرير عن السدي وابن جرير . نحوه .(3/280)
يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (154) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156)
أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال : جاء ناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن موسى جاءنا بالألواح من عند الله فائتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقِّك ، فأنزل الله { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء } إلى { وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال : إن اليهود والنصارى قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم : لن نبايعك على ما تدعونا إليه حتى تأتينا بكتاب من عند الله ، من الله إلى فلان أنك رسول الله ، وإلى فلان أنك رسول الله ، فأنزل الله { يسألك أهل الكتاب . . . } الآية .
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال : قالت اليهود : إن كنت صادقاً أنك رسول الله ، فآتنا كتاباً مكتوباً من السماء كما جاء به موسى .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { أن تنزل عليهم كتاباً من السماء } أي كتاباً خاصة . وفي قوله { جهرة } أي عياناً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { فقالوا أرنا الله جهرة } قال : إنهم إذا رأوه إنما قالوا جهرة أرنا الله ، قال : هو مقدم ومؤخر .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن عمر بن الخطاب . أنه قرأ « فأخذتهم الصعقة » .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { فأخذتهم الصاعقة } قال : الموت ، أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة بقولهم ما شاء الله أن يميتهم ثم بعثهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة { رفعنا فوقهم الطور } قال : جبل كانوا في أصله ، فرفعه الله فجعله فوقهم كأنه ظلة ، فقال : لتأخذن أمري أو لأرمينكم به فقالوا : نأخذه وأمسكه الله عنهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { وقلنا لهم ادخلوا الباب سجداً } قال : كنا نحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس { وقلنا لهم لا تعدوا في السبت } قال : أمر القوم أن لا يأكلوا الحيتان يوم السبت ولا يعرضوا لها ، وأحلت لهم ما خلا ذلك ، وفي قوله { فبما نقضهم } يقول : فبنقضهم ميثاقهم { وقولهم قلوبنا غلف } أي لا نفقة { بل طبع الله عليها } يقول : لما ترك القوم أمر الله ، وقتلوا رسوله ، وكفروا بآياته ، ونقضوا الميثاق الذي عليهم ، طبع الله على قلوبهم ولعنهم حين فعلوا ذلك .
وأخرج البزار والبيهقي في الشعب وضعفه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الطابع معلق بقائمة العرش ، فإذا انتهكت الحرمة ، وعمل بالمعاصي ، واجترئ على الله ، بعث الله الطابع فطبع على قلبه ، فلا يقبل بعد ذلك شيئاً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً } قال : رموها بالزنا .
وأخرج البخاري في تاريخه والحاكم وصححه « عن علي قال : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : » إن لك من عيسى مثلاً أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه ، وأحبته النصارى حتى أنزلوه المنزل الذي ليس له « . والله تعالى أعلم .(3/281)
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)
أخرج عبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى أصحابه وفي البيت إثنا عشر رجلاً من الحواريين ، فخرج عليهم من غير البيت ورأسه يقطر ماء ، فقال : إن منكم من يكفر بي إثني عشر مرة بعد أن آمن بي ، ثم قال : أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي ، فقام شاب من أحدثهم سناً ، فقال له : اجلس . ثم أعاد عليهم فقام الشاب ، فقال : اجلس . ثم أعاد عليهم فقام الشاب ، فقال : أنا . فقال : أنت ذاك ، فألقى عليه شبه عيسى ، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء . قال : وجاء الطلب من اليهود ، فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه ، وكفر به بعضهم إثني عشر مرة بعد أن آمن به ، وافترقوا ثلاث فرق ، وقالت طائفة : كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء ، فهؤلاء اليعقوبية . وقالت فرقة : كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه ، وهؤلاء النسطورية ، وقالت فرقة : كان فينا عبد الله ورسوله ، وهؤلاء المسلمون . فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها ، فلم يزل الإسلام طامساً حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله { فآمنت طائفة من بني إسرائيل } يعني الطائفة التي آمنت في زمن عيسى ، وكفرت الطائفة التي كفرت في زمن عيسى { فأيدنا الذين آمنوا } في زمن عيسى بإظهار محمد دينهم على دين الكافرين .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة { وقولهم إنا قتلنا المسيح . . . } الآية . قال : أولئك أعداء الله اليهود ، افتخروا بقتل عيسى ، وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه ، وذكر لنا أنه قال لأصحابه : أيكم يقذف عليه شبهي فإنه مقتول؟ قال رجل من أصحابه : أنا يا نبي الله ، فقتل ذلك الرجل ، ومنع الله نبيه ورفعه إليه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { شُبِّه لهم } قال : صلبوا رجلاً غير عيسى شبه بعيسى يحسبونه إياه ، ورفع الله إليه عيسى حياً .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { وما قتلوه يقيناً } قال : يعني لم يقتلوا ظنهم يقيناً .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال : ما قتلوا ظنهم يقيناً .
وأخرج ابن جرير مثله ، عن جويبر والسدي .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وابن عساكر من طريق ثابت البناني عن أبي رافع قال : رُفِع عيسى ابن مريم وعليه مدرعة ، وخُفَّا راع ، وحذافة يخذف بها الطير .
وأخرج أحمد في الزهد وأبو نعيم وابن عساكر من طريق ثابت البناني عن أبي العالية قال : ما ترك عيسى بن مريم حين رفع إلا مدرعة صوف ، وخفَّيْ راع ، وقذافة يقذف بها الطير .(3/282)
وأخرج ابن عساكر عن عبد الجبار بن عبد الله بن سليمان قال : أقبل عيسى ابن مريم على أصحابه ليلة رفع فقال لهم : لا تأكلوا بكتاب الله أجراً فانكم إن لم تفعلوا أقعدكم الله على منابر الحجر منها خير من الدنيا وما فيها . قال عبد الجبار : وهي المقاعد التي ذكر الله في القرآن { في مقعد صدق عند مليك مقتدر } [ القمر : 55 ] ورفع عليه السلام .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن وهب بن منبه قال : إن عيسى لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشق عليه ، فدعا الحواريين فصنع لهم طعاماً ، فقال : احضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة ، فلما اجتمعوا إليه من الليلة عَشَّاهُم وقام يحدثهم ، فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضيهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه ، فتعاظموا ذلك وتكارموه فقال : ألا من رد عليَّ شيئاً الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه ، فأقروه حتى فرغ من ذلك قال : أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم فلا يتعظم بعضكم على بعض ، وليبذل بعضكم نفسه لبعض كما بذلت نفسي لكم ، وأما حاجتي التي استعنتكم عليها ، فتدعون لي الله وتجتهدون في الدعاء أن يؤخِّر أجلي ، فلما نصبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء ، فجعل يوقظهم ويقول : سبحان الله . . ! ما تصبرون لي ليلة واحدة تعينونني فيها؟ قالوا : والله ما ندري ما كنا لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمراً ، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه ، فقال : يذهب بالراعي وتتفرق الغنم ، وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعي به نفسه ، ثم قال : الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات ، وليبيعنني أحدكم بدراهم يسيرة ، وليأكلن ثمني ، فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهود تطلبه ، فأخذوا شمعون أحد الحواريين فقالوا : هذا من أصحابه . فجحد وقال : ما أنا بصاحبه فتركوه ، ثم أخذه آخرون كذلك ، ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال : ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهماً ، فأخذها ودلهم عليه وكان شبِّه عليهم قبل ذلك ، فأخذوه واستوثقوا منه وربطوه بالحبل ، فجعلوا يقودونه ويقولون : أنت كنت تحيي الميت ، وتبرئ المجنون ، أفلا تخلِّص نفسك من هذا الحبل؟ ويبصقون عليه ، ويلقون عليه الشوك ، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها فرفعه الله إليه وصلبوا ما شُبِّه لهم ، فمكث سبعاً .
ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان حيث المصلوب ، فجاءهما عيسى فقال : علام تبكيان؟! قالتا عليك . قال : إني قد رفعني الله إليه ولم يصبني إلا خير ، وإن هذا شيء شبِّه لهم ، فأمروا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا ، فألقوه إلى ذلك المكان أحد عشر ، وقعد الذي كان باعه ودل عليه اليهود ، فسأل عنه أصحابه فقالوا : إنه ندم على ما صنع فاختنق وقتل قال : لو تاب تاب الله عليه ، ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له يحنا؟ فقال : هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كل إنسان منكم يحدث بلغة فليتدبرهم وليدعهم .(3/283)
وأخرج ابن المنذر عن وهب بن منبه قال : إن عيسى عليه السلام كان سياحاً فمر على امرأة تستقي ، فقال : اسقيني من مائك الذي من شرب منه مات وأسقيك من مائي الذي من شرب منه حيي؟ قال : وصادف امرأة حكيمة فقالت له : أما تكتفي بمائك الذي من شرب منه حيي عن مائي الذي من شرب منه مات؟ قال : إن ماءك عاجل ومائي آجل . قالت : لعلك هذا الرجل الذي يقال له عيسى ابن مريم؟ قال : فإني أنا هو ، وأنا أدعوك إلى عبادة الله وترك ما تعبدين من دون الله عز وجل . قالت : فأتني على ما تقول ببرهان؟ قال : برهان ذلك أن ترجعي إلى زوجك فيطلقك . قالت : إن في هذا لآية بينة ، ما في بني إسرائيل امرأة أكرم على زوجها مني ، ولئن كان كما تقول إني لأعرف أنك صادق . قال : فرجعت إلى زوجها ، وزوجها شاب غيور فقال : ما بَطُؤ بِكِ؟ قالت : مر علي رجل فأرادت أن تخبره عن عيسى ، فاحتملته الغيرة فطلقها ، فقالت : لقد صدقني صاحبي .
فخرجت تتبع عيسى وقد آمنت به ، فأتى عيسى ومعه سبعة وعشرون من الحواريين في بيت وأحاطوا بهم ، فدخلوا عليهم وقد صوّرهم الله على صورة عيسى ، فقالوا : قد سحرتمونا؟ لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعاً ، فقال عيسى لأصحابه : من يشتري منكم نفسه بالجنة؟ فقال رجل من القوم : أنا . فأخذوه فقتلوه وصلبوه ، فمن ثم شُبِّه لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى وصلبوه ، فظنت النصارى مثل ذلك ، ورفع الله عيسى من يومه ذلك .
فبلغ المرأة أن عيسى قد قتل وصلب ، فجاءت حتى بنت مسجداً إلى أصل شجرته ، فجعلت تصلي وتبكي على عيسى ، فسمعت صوتاً من فوقها صوت عيسى لا تنكره : أي فلانة إنهم والله ما قتلوني وما صلبوني ولكن شُبِّه لهم ، وآية ذلك أن الحواريين يجتمعون الليلة في بيتك ، فيفترقون اثنتي عشرة فرقة كل فرقة منهم تدعو قوماً إلى دين الله ، فلما أمسوا اجتمعوا في بيتها ، فقالت لهم : إني سمعت الليلة شيئاً أحدِّثكم به وعسى أن تكذبوني وهو الحق ، سمعت صوت عيسى وهو يقول : يا فلانة إني والله ما قتلت ولا صلبت ، وآية ذلك أنكم تجتمعون الليلة في بيتي ، فتفترقون اثنتي عشرة فرقة ، فقالوا : إن الذي سمعت كما سمعت ، فإن عيسى لم يقتل ولم يصلب إنما قتل فلان وصلب ، وما اجتمعنا في بيتك إلا لما قال ، نريد أن نخرج دعاة في الأرض ، فكان ممن توجه إلى الروم نسطور وصاحبان له ، فأما صاحباه فخرجا ، وأما نسطور فحبسته حاجة له فقال لهما : ارفقا ولا تخرقا ولا تستبطئاني في شيء ، فلما قدما الكورة التي أرادا قدما في يوم عيدهم ، وقد برز ملكهم وبرز معه أهل مملكته ، فأتاه الرجلان فقاما بين يديه ، فقالا له : اتق الله فإنكم تعملون بمعاصي الله وتنتهكون حرم الله مع ما شاء الله أن يقولا .(3/284)
قال : فأسف الملك وهمَّ بقتلهما ، فقام إليه نفر من أهل مملكته فقالوا : إن هذا يوم لا تهرق فيه دما ، وقد ظفرت بصاحبيك فإن أحببت أن تحبسهما حتى يمضي عيدنا ثم ترى فيهما رأيك فعلت ، فأمر بحبسهما ثم ضُرِب على أذنه بالنسيان لهما ، حتى قدم نسطور فسأل عنهما فأخبر بشأنهما وإنهما محبوسان في السجن ، فدخل عليهما فقال : ألم أقل لكما ارفقا ولا تخرقا ولا تستبطئاني في شيء ، هل تدريان ما مثلكما؟ مثلكما مثل امرأة لم تصب ولداً حتى دخلت في السن فأصابت بعدما دخلت في السن ولداً ، فأحبت أن تعجل شبابه لتنتفع به ، فحملت على معدته ما لا تطيق فقتلته ، ثم قال لهما : والآن فلا تستبطئاني في شيء ، ثم خرج فانطلق حتى أتى باب الملك ، وكان إذا جلس الناس وضع سريره وجلس الناس سمطاً بين يديه ، وكانوا إذا ابتلوا بحلال أو حرام رفعوا له ، فنظر فيه ثم سأل عنه من يليه في مجلسه ، وسأل الناس بعضهم بعضاً حتى تنتهي المسألة إلى أقصى المجلس ، وجاء نسطور حتى جلس في أقصى القوم ، فلما ردوا على الملك جواب من أجابه ، وردوا عليه جواب نسطور فسمع بشيء عليه نور وحلا في مسامعه فقال : من صاحب هذا القول؟ فقيل : الرجل الذي في أقصى القوم . فقال : عليَّ به . فقال : أنت القائل كذا وكذا؟ قال : نعم . قال : فما تقول في كذا وكذا؟ قال : كذا وكذا . فجعل لا يسأله عن شيء إلا فسَّره له . فقال : عندك هذا العلم وأنت تجلس في آخر القوم؟ ضعوا له عند سريري مجلساً؟ ثم قال : إن أتاك ابني فلا تقم له عنه ، ثم أقبل على نسطور وترك الناس ، فلما عرف أن منزلته قد تثبتت قال : لأزورنه .
فقال : أيها الملك رجل بعيد الدار بعيد الضيعة ، فإن أحببت أن تقضي حاجتك مني وتأذن لي فأنصرف إلى أهلي . فقال : يا نسطور ليس إلى ذلك سبيل ، فإن أحببت أن تحمل أهلك إلينا فلك المواساة ، وإن أحببت أن تأخذ من بيت المال حاجتك فتبعث به إلى أهلك فعلت ، فسكت نسطور .
ثم تحيَّن يوماً فمات لهم فيه ميت فقال : أيها الملك بلغني أن رجلين أتياك يعيبان دينك؟ قال : فذكرهما فأرسل إليهما ، فقال : يا نسطور أنت حكم بيني وبينهما ما قلت من شيء رضيت .(3/285)
قال : نعم أيها الملك ، هذا ميت قد مات في بني إسرائيل فمرهما حتى يَدْعُوَا ربهما فيحييه لهما ففي ذلك آية بيِّنة ، قال : فأتى بالميت فوضع عنده ، فقاما وتوضآ ودعوا ربهما فرد عليه روحه وتكلم ، فقال : أيها الملك إن في هذه لآية بينة ، ولكن مرهما بغير ما أجمع أهل مملكتك ، ثم قل لآلهتك ، فإن كانت تقدر أن تضر هذين فليس أمرهما بشيء ، وإن كان هذان يقدران أن يضرا آلهتك فأمرهما قوي ، فجمع الملك أهل مملكته ودخل البيت الذي فيه الآلهة ، فخر ساجداً هو ومن معه من أهل مملكته وخرَّ نسطور ساجداً ، وقال : اللهم إني أسجد لك وأكيد هذه الآلهة أن تعبد من دونك ، ثم رفع الملك رأسه فقال : إن هذين يريدان أن يبدلا دينكم ويدعوا إلى إله غيركم ، فافقأوا أعينهما أو اجذموهما أو شلوهما ، فلم تردَّ عليه الآلهة شيئاً ، وقد كان نسطور أمر صاحبيه أن يحملا معهما فأساً ، فقال : أيها الملك قل لهذين أيقدران أن يضرا آلهتك؟ قال : أتقدران على أن تضرا آلهتنا؟ قالا : خلِّ بيننا وبينها ، فأقبلا عليها فكسراها ، فقال نسطور : أما أنا فآمنت برب هذين ، وقال الملك : وأنا آمنت برب هذين ، وقال جميع الناس : آمنا برب هذين ، فقال نسطور لصاحبيه : هكذا الرفق .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { وكان الله عزيزاً حكيماً } قال : معنى ذلك أنه كذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس . أن يهودياً قال له : إنكم تزعمون أن الله كان عزيزاً حكيماً فكيف هو اليوم؟ قال ابن عباس : إنه كان من نفسه عزيزاً حكيماً .(3/286)
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159)
أخرج الفريابي وعبد بن حميد والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } قال : خروج عيسى ابن مريم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } قال : قبل موت عيسى .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : يعني أنه سيدرك أناس من أهل الكتاب حين يبعث عيسى ، سيؤمنون به .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وإن من أهل الكتاب } قال : اليهود خاصة { إلا ليؤمنن به قبل موته } قال : قبل موت اليهودي .
وأخرج الطيالسي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } قال : هي في قراءة أبي قبل موتهم . قال : ليس يهودي أبداً حتى يؤمن بعيسى . قيل لابن عباس : أرأيت إن خر من فوق بيت؟ قال : يتكلم به في الهواء . فقيل : أرأيت إن ضرب عنق أحدكم؟ قال : يتلجلج بها لسانه .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لو ضربت عنقه لم تخرج نفسه حتى يؤمن بعيسى .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس قال : لا يموت يهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله ، ولو عجل عليه بالسلاح .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } قال : لو أن يهودياً ألقي من فوق قصر ما خلص إلى الأرض حتى يؤمن أن عيسى عبد الله ورسوله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى . قيل : وإن ضرب بالسيف؟ قال : يتكلم به . قيل : وإن هوى؟ قال : يتكلم به وهو يهوي .
وأخرج ابن المنذر عن أبي هاشم وعروة قالا : في مصحف أبي بن كعب « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موتهم » .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن شهر بن حوشب في قوله { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } عن محمد بن علي بن أبي طالب هو ابن الحنفية ، قال : ليس من أهل الكتاب أحد إلا أتته الملائكة يضربون وجهه ودبره ، ثم يقال : يا عدو الله إن عيسى روح الله وكلمته ، كذبت على الله وزعمت أنه الله ، إن عيسى لم يمت وإنه رفع إلى السماء ، وهو نازل قبل أن تقوم الساعة ، فلا يبقى يهودي ولا نصراني إلا آمن به .
وأخرج ابن المنذر عن شهر بن حوشب قال : قال لي الحجاج : يا شهر آية من كتاب الله ما قرأتها إلا اعترض في نفسي منها شيء؟ قال الله { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } وإني أوتى بالأسارى فأضرب أعناقهم ولا أسمعهم يقولون شيئاً؟ فقلت : رفعت إليك على غير وجهها ، وإن النصراني إذا خرجت روحه ضربته الملائكة من قبله ومن دبره ، وقالوا : أي خبيث ، إن المسيح الذي زعمت أنه الله ، أو ابن الله ، أو ثالث ثلاثة ، عبد الله ، وروحه ، وكلمته ، فيؤمن حين لا ينفعه إيمانه ، وإن اليهودي إذا خرجت نفسه ضربته الملائكة من قبله ومن دبره ، وقالوا : أي خبيث ، إن المسيح الذي زعمت أنك قتلته عبد الله ، وروحه ، فيؤمن به حين لا ينفعه الإيمان ، فإذا كان عند نزول عيسى آمنت به أحياؤهم كما آمنت به موتاهم .(3/287)
فقال : من أين أخذتها؟ فقلت : من محمد بن علي . قال : لقد أخذتها من معدنها . قال شهر : وأيم الله ما حدثنيه إلا أم سلمة ، ولكني أحببت أن أغيظه .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } قال : إذا نزلت آمنت به الأديان كلها { ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً } أنه قد بلَّغ رسالة ربه ، وأقرَّ على نفسه بالعبودية .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } قال : إذا نزل عيسى عليه السلام فقتل الدجال ، لم يبق يهودي في الأرض إلا آمن به ، فذلك حين لا ينفعهم الإيمان .
وأخرج ابن جرير عن أبي مالك { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } قال : ذلك عند نزول عيسى ابن مريم ، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به .
وأخرج ابن جرير عن الحسن { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } قال : قبل موت عيسى ، والله إنه الآن حي عند الله ، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن . أن رجلاً سأله عن قوله { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } قال : قبل موت عيسى ، وإن الله رفع إليه عيسى ، وهو باعثه قبل يوم القيامة مقاماً ، يؤمن به البر والفاجر .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ، حتى تكون السجدة خيراً من الدنيا وما فيها » ثم يقول أبو هريرة : واقرأوا إن شئتم { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً } .(3/288)
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً ، يقتل الدجال ، ويقتل الخنزير ، ويكسر الصليب ، ويضع الجزية ، ويفيض المال ، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين ، واقرأوا إن شئتم { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } موت عيسى بن مريم ، ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات » .
وأخرج أحمد وابن جرير عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام ، فيقتل الخنزير ، ويكسر الصليب ، ويجمع له الصلاة ، ويعطي المال حتى لا يقبل ، ويضع الخراج ، وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما » قال : وتلا أبو هريرة { وإن من أهل الكتاب إلاَّ ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً } قال أبو هريرة : يؤمن به قبل موت عيسى .
وأخرج أحمد ومسلم عن أبي هريرة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ليهلن عيسى بن مريم بفج الروحاء بالحج أو بالعمرة ، أو ليثنينهما جميعاً » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم ، وإمامكم منكم؟ » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وابن جرير وابن حبان عن أبي هريرة « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الأنبياء أخوات لعلات ، أمهاتهم شتى ، ودينهم واحد ، وإني أولى الناس بعيسى بن مريم ، لأنه لم يكن بيني وبينه نبي ، وإنه خليفتي على أمتي ، وأنه نازل ، فإذا رأيتموه فاعرفوه ، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ، عليه ثوبان ممصران ، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل ، فيدق الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويدعو الناس إلى الإسلام ، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال ، ثم تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل ، والنمار مع البقر ، والذئاب مع الغنم ، وتلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم ، فيمكث أربعين سنة ، ثم يتوفى ، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه » .
وأخرج أحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إني لأرجو إن طال بي عمر أن ألقى عيسى بن مريم ، فإن عجل بي موت فمن لقية منكم فليقرئه مني السلام » .
وأخرج الطبراني عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألا إن عيسى ابن مريم ليس بيني وبينه نبي ولا رسول ، إلا أنه خليفتي في أمتي من بعدي ، إلا أنه يقتل الدجال ، ويكسر الصليب ، ويضع الجزية ، وتضع الحرب أوزارها ، ألا من أدركه منكم فليقرأ عليه السلام » .
وأخرج الطبراني عن أبي هريرة(3/289)
« أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ينزل عيسى ابن مريم فيمكث في الناس أربعين سنة » .
وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ينزل ابن مريم إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويرجع السلم ، وتتخذ السيوف مناجل ، وتذهب حمة كل ذات حمة ، وتنزل السماء رزقها ، وتخرج الأرض بركتها ، حتى يلعب الصبي بالثعبان ولا يضره ، ويراعي الغنم الذئب ولا يضرها ، ويراعي الأسد البقر ولا يضرها » .
وأخرج أحمد والطبراني عن سمرة بن جندب « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الدجال خارج وهو أعور عين الشمال ، عليها طفرة غليظة ، وأنه يبرئ الأكمه والأبرص ، ويحيي الموتى ، ويقول : أنا ربكم . فمن قال : أنت ربي فقد فتن ، ومن قال ربي الله حي لا يموت فقد عصم من فتنته ولا فتنة عليه ولا عذاب ، فيلبث في الأرض ما شاء الله ، ثم يجيء عيسى ابن مريم من المغرب » ولفظ الطبراني : من المشرق ، « مصدقاً بمحمد وعلى ملته ، فيقتل الدجال ، ثم إنما هو قيام الساعة » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد « عن عائشة قالت : دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقال : » ما يبكيكِ؟ قلت : يا رسول الله ذكرت الدجال فبكيت . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه يخرج في يهودية أصبهان حتى يأتي المدينة فينزل ناحيتها ، ولها يومئذ سبعة أبواب ، على كل نقب منها ملكان ، فيخرج إليها شرار أهلها حتى يأتي الشام مدينة بفلسطين باب لدّ ، فينزل عيسى ابن مريم فيقتله ، ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً « » .
وأخرج أحمد عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم ، فله أربعون ليلة يسيحها في الأرض ، اليوم منها كالسنة ، واليوم منها كالشهر ، واليوم منها كالجمعة ، ثم سائر أيامه كأيامكم هذه ، وله حمار يركبه عرض ما يبن أذنيه أربعون ذراعاً ، فيقول للناس : أنا ربكم . وهو أعور ، وإن ربكم ليس بأعور ، مكتوب بين عينيه ك ف ر مهجاة ، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب ، يرد كل ماء منهل إلا المدينة ومكة حرمهما الله عليه ، وقامت الملائكة بأبوابها ومعه جبال من خبز ، والناس في جهد إلا من اتبعه ، ومعه نهران أنا أعلم بهما منه ، نهر يقول الجنة ، ونهر يقول النار ، فمن دخل الذي يسميه الجنة فهي النار ، ومن دخل الذي يسميه النار فهي الجنة ، وتبعث معه شياطين تكلم الناس ، ومعه فتنة عظيمة ، يأمر السماء فتمطر فيما يرى الناس ، ويقتل نفساً ثم يحييه ، لا يسلط على غيرها من الناس فيما يرى الناس ، فيقول للناس : أيها الناس هل يفعل مثل هذا إلا الرب؟ فيفر المسلمون إلى جبل الدخان بالشام ، فيأتيهم فيحصرهم فيشتد حصارهم ، ويجهدهم جهداً شديداً ، ثم ينزل عيسى فينادي من السحر فيقول : يا أيها الناس ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذاب الخبيث؟ فيقولون : هذا رجل حي فينطلقون فإذا هم بعيسى ، فتقام الصلاة فيقال له : تقدم يا روح الله ، فيقول : ليتقدم إمامكم فليصل بكم ، فإذا صلوا الصبح خرجوا إليه ، فحين يراه الكذاب ينماث كما ينماث الملح في الماء ، فيمشي إليه فيقتله ، حتى إن الشجرة تنادي : يا روح الله هذا يهودي فلا يترك ممن كان يتبعه أحد إلاَّ قتله » .(3/290)
وأخرج معمر في جامعه عن الزهري ، أخبرني عمرو بن سفيان الثقفي ، أخبرني رجل من الأنصار ، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال فقال : يأتي سباخ المدينة وهو محرم عليه أن يدخلها ، فتنتفض بأهلها نفضة أو نفضتين وهي الزلزلة ، فيخرج إليه منها كل منافق ومنافقة ، ثم يأتي الدجال قبل الشام حتى يأتي بعض جبال الشام فيحاصرهم ، وبقية المسلمون يومئذ معتصمون بذروة جبل ، فيحاصرهم نازلاً بأصله ، حتى إذا طال عليهم الحصار » ، قال رجل : حتى متى أنتم هكذا وعدوّكم نازل بأصل جبلكم ، هل أنتم إلا بين إحدى الحسنيين ، بين أن تستشهدوا أو يظهركم؟ فيتبايعون على القتال بيعة يعلم الله أنها الصدق من أنفسهم ، ثم تأخذهم ظلمة لا يبصر أحدهم كفه ، فينزل ابن مريم فيحسر عن أبصارهم وبين أظهرهم رجل عليه لأمة فيقول : من أنت؟ فيقول : أنا عبد الله وروحه وكلمته عيسى ، إختاروا إحدى ثلاث : بين أن يبعث الله على الدجال وجنوده عذاباً جسيماً ، أو يخسف بهم الأرض ، أو يرسل عليهم سلاحكم ويكف سلاحهم ، فيقولون : هذه يا رسول الله أشفى لصدورنا ، فيومئذ ترى اليهودي العظيم الطويل الأكول الشروب لا تقل يده سيفه من الرعب ، فينزلون إليهم فيسلطون عليهم ، ويذرب الدجال حتى يدركه عيسى فيقتله .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني والحاكم وصححه عن عثمان بن أبي العاصي « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يكون للمسلمين ثلاثة أمصار : مصر بملتقى البحرين ، ومصر بالجزيرة ، ومصر بالشام فيفزع الناس ثلاث فزعات فيخرج الدجال في عراض جيش فيهزم من قبل المشرق ، فأوّل مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين ، فيصير أهلها ثلاث فرق : فرقة تقيم وتقول نشامه ننظر ما هو ، وفرقة تلحق الأعراب ، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم ، ومع الدجال سبعون ألفاً عليهم التيجان ، وأكثر من معه اليهود والنساء ، ثم يأتي المصر الذي يليهم فيصير أهله ثلاث فرق : فرقة تقول نشامه وننظر ما هو ، وفرقة تلحق بالأعراب ، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم ، ثم يأتي الشام فينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق ، فيبعثون بسرح لهم فيصاب سرحهم ، فيشتد ذلك عليهم ، وتصيبهم مجاعة شديدة وجهد شديد ، حتى إن أحدهم ليحرق وتر قوسه فيأكله ، فبينما هم كذلك إذ ناداهم مناد : من السحر أتاكم الغوث أيها الناس ثلاثاً ، فيقول بعضهم لبعض : إن هذا لصوت رجل شبعان ، فينزل عيسى عند صلاة الفجر ، فيقول له أمير الناس تقدم يا رسول الله فصلِّ بنا ، فيقول : إنكم معشر هذه الأمة أمراء بعضكم على بعض ، تقدم أنت فصلِّ بنا ، فيتقدم فيصلي بهم ، فإذا انصرف أخذ عيسى حربته نحو الدجال ، فإذا رآه ذاب كما يذوب الرصاص ، فتقع حربته بين تندوته فيقتله ثم ينهزم أصحابه ، فليس شيء يومئذ يجن أحداً منهم ، حتى إن الحجر يقول : يا مؤمن هذا كافر فاقتله ، والشجر يقول : يا مؤمن هذا كافر فاقتله » .(3/291)
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي الطفيل قال : كنت بالكوفة فقيل : قد خرج الدجال فأتينا حذيفة بن أسيد فقلت : هذا الدجال قد خرج؟ فقال اجلس فجلست ، فنودي أنها كذبة صباغ فقال حذيفة : إن الدجال لو خرج زمانكم لرمته الصبيان بالخزف ، ولكنه يخرج في نقص من الناس ، وخفة من الدين ، وسوء ذات بين ، فيرد كل منهل ، وتُطْوَى له الأرض طيّ فروة الكبش ، حتى يأتي المدينة فيغلب على خارجها ويمنع داخلها ، ثم جبل إيليا فيحاصر عصابة من المسلمين ، فيقول لهم الذي عليهم : ما تنتظرون بهذا الطاغية أن تقاتلوه حتى تلحقوا بالله أو يفتح لكم ، فيأتمرون أن يقاتلوه إذا أصبحوا ، فيصبحون ومعهم عيسى ابن مريم ، فيقتل الدجال ويهزم أصحابه .
وأخرج مسلم والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يخرج الدجال فليبث في أمتي ما شاء الله يلبث أربعين ، ولا أدري ليلة أو شهراً أو سنة . قال : ثم يبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعد الثقفي ، فيطلبه حتى يهلكه ، ثم يبقى الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة ، ثم يبعث الله ريحاً باردة تجيء من قبل الشام ، فلا تدع أحداً في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضت روحه ، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه ، سمعت هذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كبد جبل ، ثم يبقى شرار الناس من لا يعرف معروفاً ، ولا ينكر منكراً ، في خفة الطير وأحلام السباع ، فيجيئهم الشيطان فيقول : ألا تستحيون؟ فيقولون : ما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان فيعبدونها ، وهم في ذلك دار رزقهم ، حسن عيشهم ، ثم ينفخ في الصور » .
وأخرج أبو داود وابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي قال : « خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أكثر خطبته حديثاً حدثناه عن الدجال وحذرناه ، فكان من قوله أن قال : إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال ، وإن الله لم يبعث نبياً إلا حذر من الدجال ، وأنا آخر الأنبياء ، وأنتم آخر الأمم ، وهو خارج فيكم لا محالة ، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم فأنا حجيج لكل مسلم ، وإن يخرج من بعدي فكل حجيج نفسه ، والله خليفتي على كل مسلم ، وأنه يخرج من خلة بين الشام والعراق ، فيعيث يميناً ويعيث شمالاً ، يا عباد الله فاثبتوا ، وإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي .
إنه يبدأ فيقول : أنا نبي ولا نبي بعدي ، ثم يثني فيقول : أنا ربكم ولا ترون ربكم حتى تموتوا ، وإنه أعور وإن ربكم عز وجل ليس بأعور ، وإنه مكتوب بين عينيه كافر ، يقرأه كل مؤمن كاتب وغير كاتب ، وإن من فتنته أن معه جنة وناراً ، فناره جنة وجنته نار ، فمن ابتلي بناره فليستعن بالله وليقرأ فواتح الكهف فتكون عليه برداً وسلاماً كما كانت النار على إبراهيم ، وإن من فتنته أن يقول لأعرابي : أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك أتشهد أني ربك؟ فيقول له : نعم . فيمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه فيقولان : يا بني اتبعه فإنه ربك . وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة فيقتلها ينشرها بالمنشار حتى يلقى شقتين ، ثم يقول : انظروا إلى عبدي هذا فإني أبعثه الآن ، ثم يزعم أن له رباً غيري فيبعثه الله فيقول له الخبيث : من ربك؟ فيقول : ربي الله وأنت عدوّ الله الدجال ، والله ما كنت أشد بصيرة بك مني اليوم .
وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر ، ويأمر الأرض أن تنبت ، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه فلا يبقى لهم سائمة إلا هلكت ، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر ، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت ، حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه وأمده خواصر وادره ضروعاً ، وأنه لا يبقى من الأرض شيء إلا وطئه وظهر عليه إلا مكة والمدينة ، فإنه لا يأتيها من نقب من نقابها إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلته حتى ينزل عند الظريب الأحمر عند منقطع السبخة ، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات ، فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه ، فتنقي الخبث منها كما ينقي الكير خبث الحديد ، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص .
فقالت أم شريك بنت أبي العسكر : يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال : هم قليل ، وجلهم ببيت المقدس ، وإمامهم رجل صالح ، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي الصبح إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح ، فرجع ذلك الإمام يمشي القهقرى ليتقدم عيسى يصلي ، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له تقدم فصل فإنها لك أقيمت ، فيصلي بهم إمامهم ، فإذا انصرف قال عيسى : أقيموا الباب ، فيفتح ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي ، كلهم ذو سيف محلى وساج ، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هارباً ، ويقول عيسى : إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها ، فيدركه عند باب لدّ الشرقي فيقتله ، فيهزم الله اليهود فلا يبقى شيء ما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله الشيء ، لا حجر ولا شجر ولا دابة ولا حائط إلا الغرقدة ، فإنها من شجرهم لا تنطق إلا قالت : يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال فاقتله .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وإن أيامه أربعون سنة ، السنة كنصف السنة ، والسنة كالشهر ، والشهر كالجمعة ، وآخر أيامه كالشررة ، يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بها الآخر حتى يمسي ، فقيل له : يا رسول الله كيف نصلي في تلك الأيام القصار؟ قال : تقدرون فيها للصلاة كما تقدرون في هذه الأيام الطوال ثم صلوا . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليكونن عيسى ابن مريم في أمتي حكماً عدلاً ، وإماماً مقسطاً ، يدق الصليب ، ويذبح الخنزير ، ويضع الجزية ، ويترك الصدقة ، فلا يسعى على شاة ولا بعير ، وترفع الشحناء والتباغض ، وتنزع حمة كل ذات حمة ، حتى يدخل الوليد يده في في الحية فلا تضره ، وينفر الوليد الأسد فلا يضره ، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها ، وتملأ الأرض من المسلم كما يملأ الإناء من الأناء ، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله ، وتضع الحرب أوزارها ، وتسلب قريش ملكها ، وتكون الأرض كثاثور الفضة ، تنبت نباتها كعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب يشبعهم ، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم ، ويكون الثور بكذا وكذا من المال ، ويكون الفرس بالدريهمات .
قيل : يا رسول الله وما يرخص الفرس؟ قال : لا يركب لحرب أبداً . قيل له : فما يغلي الثور؟ قال : لحرث الأرض كلها . وإن قبل خرج الدجال ثلاث شداد ، يصيب الناس فيها جوع شديد ، يأمر الله السماء أن تحبس ثلث مطرها ، ويأمر الأرض أن تحبس ثلث نباتها ، ثم يأمر السماء في السنة الثانية فتحبس ثلثي مطرها ، ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها ، ثم يأمر السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله فلا تقطر قطرة ، ويأمر الأرض فتحبس نباتها كله فلا تنبت خضراء ، فلا تبقي ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله . قيل : فما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال : التهليل ، والتكبير ، والتسبيح ، والتحميد ، ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام » .(3/292)
وأخرج أحمد ومسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة ، قال : فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم : تعال صلِّ بنا . فيقول : لا إن بعضكم على بعض أمير تكرمه الله هذه الأمة » .(3/293)
وأخرج الطبراني عن أوس بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ينزل عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء في دمشق » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول « عن عبد الرحمن بن سمرة قال : » بعثني خالد بن الوليد بشيراً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مؤتة ، فلما دخلت عليه قلت : يا رسول الله فقال : على رسلك يا عبد الرحمن ، أخذ اللواء زيد ابن حارثة فقاتل حتى قتل رحم الله زيداً ، ثم أخذ اللواء جعفر فقاتل فقتل رحم الله جعفراً ، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل فقتل رحم الله عبد الله ، ثم أخذ اللواء خالد ففتح الله لخالد ، فخالد سيف من سيوف الله ، فبكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم حوله ، فقال : ما يبكيكم؟ قالوا : وما لنا لا نبكي وقد قتل خيارنا وأشرافنا وأهل الفضل منا! فقال : لا تبكوا فإنما مَثل أمتي مثل حديقة قام عليها صاحبها ، فاجتث زواكيها ، وهيأ مساكنها ، وحلق سعفها ، فأطعمت عاماً فوجا ، ثم عاما فوجا ، ثم عاماً فوجا ، فلعل آخرها طعماً يكون أجودها قنواناً ، وأطولها شمراخاً ، والذي بعثني بالحق ليجدن ابن مريم في أمتي خلفاً من حواريه « » .
وأخرج ابن أبي شيبة والحكيم والترمذي والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي عن أبيه قال : لما اشتد جزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على من قتل يوم مؤتة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليدركن الدجال من هذه الأمة قوماً مثلكم أو خيراً منكم ثلاث مرات ، ولن يخزي الله أمة أنا أولها وعيسى ابن مريم آخرها » ، قال الذهبي : مرسل وهو خبر منكر .
وأخرج الحاكم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « سيدرك رجال من أمتي عيسى ابن مريم ، ويشهدون قتال الدجال » .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليهبطن ابن مريم حكماً عدلاً ، واماماً مقسطاً ، وليسلكن فجاً حاجّاً أو معتمراً ، وليأتين قبري حتى يسلِّم عليَّ ، ولأردن عليه . » يقول أبو هريرة : أي بني أخي إن رأيتموه فقولوا : أبو هريرة يقرئك السلام .
وأخرج الحاكم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أدرك منكم عيسى بن مريم فَلْيُقْرئْهُ مني السلام » .
وأخرج أحمد في الزهد عن أبي هريرة قال : يلبث عيسى ابن مريم في الأرض أربعين سنة ، لو يقول للبطحاء سيلي عسلاً لسالت .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه عن مجمع بن جارية « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ليقتلن ابن مريم الدجال بباب لدّ » .
وأخرج أحمد عن ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « عصابتان من أمتي أحرزهم الله من النار : عصابة تغزو الهند ، وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم » .
وأخرج الترمذي وحسنه عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده قال : مكتوب في التوراة صفة محمد ، وعيسى ابن مريم يدفن معه .
وأخرج البخاري في تاريخه والطبراني عن عبد الله بن سلام قال : يدفن عيسى ابن مريم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ، فيكون قبره رابعاً .(3/294)
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161)
أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قرأ « طيبات كانت أحلَّت لهم » .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة { فبظلم من الذين هادوا حرَّمنا عليهم طيبات أحلت لهم } قال : عوقب القوم بظلم ظلموه وبغي بغوه ، فحرمت عليهم أشياء ببغيهم وظلمهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { وبصدهم عن سبيل الله كثيراً } قال : أنفسهم وغيرهم عن الحق .(3/295)
لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله { لكن الراسخون في العلم منهم } قال : استثنى الله منهم ، فكان منهم من يؤمن بالله ، وما أُنزل عليهم ، وما أُنزل على نبي الله ، يؤمنون به ويصدقون به ، ويعلمون أنه الحق من ربهم .
وأخرج ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله { لكن الراسخون في العلم منهم . . . } الآية . قال : نزلت في عبد الله بن سلام ، وأسيد بن سعية ، وثعلبة بن سعية ، حين فارقوا يهود وأسلموا .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر عن الزبير بن خالد قال : قلت لأبان بن عثمان بن عفان : ما شأنها كتبت { لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة } ما بين يديها وما خلفها رفع وهي نصب؟ قال : إن الكاتب لما كتب { لكن الراسخون } حتى إذا بلغ قال : ما أكتب؟ قيل له : اكتب { والمقيمين الصلاة } فكتب ما قيل له .
وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي داود وابن المنذر عن عروة قال : سألت عائشة عن لحن القرآن { إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون } [ المائدة : 69 ] { والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة } { إن هذان لساحران } [ طه : 63 ] ؟ فقالت : يا ابن أختي هذا عمل الكتاب أخطأوا في الكتاب .
وأخرج ابن أبي داود عن سعيد بن جبير قال : في القرآن أربعة أحرف . الصابئون ، والمقيمين ، { فأصَّدَّق وأكن من الصالحين } [ المنافقون : 10 ] { إن هذان لساحران } [ طه : 63 ] .
وأخرج ابن أبي داود عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي قال : لما فرغ من المصحف أتى به عثمان فنظر فيه فقال : قد أحسنتم وأجملتم ، أرى شيئاً من لحن ستقيمه العرب بألسنتها ، قال ابن أبي داود : هذا عندي يعني بلغتها فينا ، وإلا فلو كان فيه لحن لا يجوز في كلام العرب جميعاً لما استجاز أن يبعث إلى قوم يقرأونه .
وأخرج ابن أبي داود عن عكرمة قال : لما أتى عثمان بالمصحف رأى فيه شيئاً من لحن ، فقال : لو كان المملي من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا .
وأخرج ابن أبي داود عن قتادة . أن عثمان لما رفع إليه المصحف قال : إن فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها .
وأخرج ابن أبي داود عن يحيى بن يعمر قال : قال عثمان : إن في القرآن لحناً وستقيمه العرب بألسنتها .(3/296)
إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163)
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : قال سكين وعدي بن زيد : يا محمد ما نعلم الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى . فأنزل الله في ذلك { إنا أوحينا إليك . . . } إلى آخر الآيات .
وأخرج ابن جرير عن الربيع بن خثيم في قوله { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } قال : أوحى إليه كما أوحى إلى جميع النبيين من قبله .(3/297)
وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164)
أخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن حبان في صحيحه والحاكم وابن عساكر « عن أبي ذر قال : قلت : يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال : » مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفاً . قلت : يا رسول الله كم الرسل منهم؟ قال : ثلثمائة وثلاثة عشر جم غفير . قال : يا أبا ذر أربعة سريانيون : آدم ، وشيث ، ونوح ، وخنوخ وهو إدريس ، وهو أوّل من خط بقلم ، وأربعة من العرب : هود ، وصالح ، وشعيب ، ونبيك ، وأوّل نبي من أنبياء بني إسرائيل موسى ، وآخرهم عيسى ، وأوّل النبيين آدم ، وآخرهم نبيك « ، أخرجه ابن حبان في صحيحه وابن الجوزي في الموضوعات ، وهما في طرفي نقيض ، والصواب أنه ضعيف لا صحيح ، ولا موضوع ، كما بينته في مختصر الموضوعات .
وأخرج ابن أبي حاتم » عن أبي أمامة قال : قلت : يا نبي الله كم الأنبياء؟ قال : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً ، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً « .
وأخرج أبو يعلى وأبو نعيم في الحلية بسند ضعيف عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » كان فيمن خلا من اخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي ، ثم كان عيسى بن مريم ، ثم كنت أنا بعده « .
وأخرج الحاكم بسند ضعيف عن أنس قال : » بُعِث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثمانية آلاف من الأنبياء ، منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل « .
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي في قوله { ورسلاً لم نقصصهم عليك } قال : بعث الله نبياً عبداً حبشياً فهو مما ما لم يقصصه على محمد صلى الله عليه وسلم . وفي لفظ : بعث نبي من الحبش .
وأخرج ابن عساكر عن كعب الأحبار قال : إن الله أنزل على آدم عليه السلام عصياً بعدد الأنبياء المرسلين ، ثم أقبل علىبنه شيث فقال : أي بني أنت خليفتي من بعدي ، فخذها بعمارة التقوى والعروة الوثقى ، وكلما ذكرت اسم الله تعالى فاذكر إلى جنبه اسم محمد ، فإني رأيت اسمه مكتوباً على ساق العرش وأنا بين الروح والطين ، ثم إني طفت السموات فلم أرَ في السموات موضعاً إلا رأيت اسم محمد مكتوباً عليه ، وإن ربي أسكنني الجنة فلم أرَ في الجنة قصراً ولا غرفة إلا رأيت اسم محمد مكتوباً عليه ، ولقد رأيت اسم محمد مكتوباً على نحور الحور العين ، وعلى ورق قصب آجام الجنة ، وعلى ورق شجرة طوبى ، وعلى ورق سدرة المنتهى ، وعلى أطراف الحجب ، وبين أعين الملائكة ، فأكثر ذكره فإن الملائكة تذكره في كل ساعاتها .
وأخرج الطبراني والحاكم وصححه من طريق أبي يونس عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس .(3/298)
أن رجلاً من بني عبس يقال له خالد بن سنان قال لقومه : إني أطفئ عنكم نار الحدثان . فقال له عمارة بن زياد رجل من قومه . والله ما قلت لنا يا خالد قط إلا حقاً ، فما شأنك وشأن نار الحدثان تزعم أنك تطفئها؟! قال : فانطلق وانطلق معه عمارة في ثلاثين من قومه حتى أتوها ، وهي تخرج من شن جبل من حرة يقال لها حرة أشجع ، فخط لهم خالد خطة فاجلسهم فيها ، فقال : إن أبطأت عليكم فلا تدعوني باسمي ، فخرجت كأنها خيل شقر يتبع بعضها بعضاً ، فاستقبلها خالد فجعل يضربها بعصاه وهو يقول : بدا بدا بدا كل هدي ، زعم ابن راعية المعزى أني لا أخرج منها وثيابي تندى حتى دخل معها الشق فابطأ عليهم فقال عمارة : والله لو كان صاحبكم حياً لقد خرج إليكم . فقالوا : إنه قد نهانا أن ندعوه باسمه قال : فقال : فادعوه باسمه - فوالله - لو كان صاحبكم حياً لقد خرج إليكم ، فدعوه باسمه فخرج إليهم برأسه فقال : ألم أنهكم أن تدعوني باسمي - قد والله - قتلتموني فادفنوني ، فإذا مرت بكم الحمر فيها حمار ابتر فانبشوني ، فإنكم ستجدوني حياً . فدفنوه فمرت بهم الحمر فيها حمار ابتر ، فقالوا : انبشوه فإنه أمرنا أن ننبشه . فقال لهم عمارة : لا تحدث مضر اننا ننبش موتانا ، والله لا تنبشوه أبداً ، وقد كان خالد أخبرهم أن في عكن امرأته لوحين ، فإذا أشكل عليكم أمر فانظروا فيهما ، فإنكم سترون ما تساءلون عنه ، وقال : لا تمسها حائض ، فلما رجعوا إلى امرأته سألوها عنهما فأخرجتهما وهي حائض ، فذهب ما كان فيهما من علم ، وقال أبو يونس : قال سماك بن حرب : سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « ذاك نبي أضاعه قومه ، وإن ابنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : مرحباً بابن أخي قال الحاكم : صحيح على شرط البخاري ، فإن أبا يونس هو حاتم بن أبي صغيرة ، وقال الذهبي منكر » .
وأخرج ابن سعد والزبير بن بكار في الموفقيات وابن عساكر عن الكلبي قال : أوّل نبي بعثه الله في الأرض ادريس ، وهو اخنوخ بن يرد ، وهو يارد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ، ثم انقطعت الرسل حتى بعث نوح بن لمك بن متوشلخ بن اخنوخ بن يارد ، وقد كان سام بن نوح نبياً ، ثم انقطعت الرسل حتى بعث الله إبراهيم نبياً ، وهو إبراهيم بن تارح وتارح هو آزر بن ناحور بن شاروخ بن ارغو بن فالغ ، وفالغ هو فالخ وهو الذي قسم الأرض ابن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ، ثم إسماعيل بن إبراهيم فمات بمكة ودفن بها ، ثم إسحاق بن إبراهيم مات بالشام ، ولوط بن هاران بن تاريح وإبراهيم عمه هو ابن أخي إبراهيم ، ثم إسرائيل ، وهو يعقوب بن إسحاق ، ثم يوسف بن يعقوب ، ثم شعيب بن بوبب ابن عنقاء بن مدين بن إبراهيم ، ثم هود بن عبد الله بن الخلود بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح ، ثم صالح بن آسف بن كماشج بن اروم بن ثمود بن جابر بن ارم بن سام بن نوح ، ثم موسى وهارون ابنا عمران بن فاهت ابن لاوي بن يعقوب ، ثم أيوب بن رازخ بن أمور بن ليغزر بن العيص ، ثم داود بن ايشا بن عويد بن ناخر بن سلمون بن بخشون بن عنادب بن رام ابن خصرون بن يهود بن يعقوب ، ثم سليمان بن داود ، ثم يونس بن متى من سبط بنيامين بن يعقوب ، ثم اليسع من سبط روبيل بن يعقوب ، والياس بن بشير بن العاذر بن هارون بن عمران ، وذا الكفل اسمه عويدياً من سبط يهود بن يعقوب ، وبين موسى بن عمران وبين مريم بنت عمران أم عيسى ألف سنة وسبعمائة سنة ، وليسا من سبط ، ثم محمد صلى الله عليه وسلم ، وكل نبي ذكر في القرآن من ولد إبراهيم غير إدريس ، ونوح ، ولوط ، وهود ، وصالح ، ولم يكن من العرب أنبياء إلا خمسة : هود ، وصالح ، وإسماعيل ، وشعيب ، ومحمد ، وإنما سموا عرباً لأنه لم يتكلم أحد من الأنبياء بالعربية غيرهم ، فلذلك سموا عرباً .(3/299)
وأخرج ابن المنذر والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس قال : كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة : نوح ، وهود ، وصالح ، ولوط ، وإبراهيم ، وإسحاق ، وإسماعيل ، ويعقوب ، وشعيب ، ومحمد صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن نبي له اسمان إلا عيسى ، ويعقوب ، فيعقوب إسرائيل وعيسى المسيح .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال : كان بين آدم ونوح ألف سنة ، وبين نوح وإبراهيم ألف سنة ، وبين إبراهيم وموسى ألف سنة ، وبين موسى وعيسى أربعمائة سنة ، وبين عيسى ومحمد ستمائة سنة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش قال : كان بين موسى وعيسى ألف نبي .
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال : كان عمر آدم ألف سنة . قال ابن عباس : وبين آدم وبين نوح ألف سنة ، وبين نوح وإبراهيم ألف سنة ، وبين إبراهيم وبين موسى سبعمائة سنة ، وبين موسى وعيسى ألف وخمسمائة سنة ، وبين عيسى ونبينا ستمائة سنة .
أخرج ابن المنذر عن وائل بن داود في قوله { وكلم الله موسى تكليماً } قال : مراراً .
وأخرج ابن مردويه والطبراني عن عبد الجبار بن عبد الله قال : جاء رجل إلى أبي بكر بن عياش فقال : سمعت رجلاً يقرأ { وكلم الله موسى تكليماً } فقال : ما قال هذا إلا كافر ، قرأت على الأعمش ، وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب ، وقرأ يحيى بن وثاب على أبي عبد الرحمن السلمي ، وقرأ أبو عبد الرحمن على علي بن أبي طالب ، وقرأ علي على رسول الله صلى الله عليه وسلم { وكلم الله موسى تكليماً } قال الهيثمي : ورجاله ثقات ، غير أن عبد الجبار لم أعرفه والذي روى عن ابن عباس أحمد بن عبد الجبار بن ميمون وهو ضعيف .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن ثابت قال : لما مات موسى بن عمران جالت الملائكة في السموات بعضها إلى بعض ، واضعي أيديهم على خدودهم ينادون مات موسى كليم الله ، فأي الخلق لا يموت؟! .(3/300)
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165)
أخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا أحد أغير من الله ، من أجل ذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه ، ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والحكيم الترمذي عن المغيرة بن شعبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا شخص أحب إليه العذر من الله ولذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين ، ولا شخص أحب إليه المدح من الله ولذلك وعد الجنة » .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } فيقولوا : ما أرسلتَ إلينا رسولاً .(3/301)
لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170)
أخرج ابن اسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : دخل جماعة من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لهم : « إني والله أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله ، فقالوا : ما نعلم ذلك . . ! فأنزل الله { لكن الله يشهد . . } الآية » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { لكن الله يشهد . . } الآية . قال : شهود والله غير متهمة .(3/302)
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171)
أخرج ابن المنذر عن قتادة في قوله { لا تغلوا } قال : لا تبتدعوا .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { وكلمته ألقاها إلى مريم } قال : كلمته إن قال : كن فكان .
وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن أبي موسى . أن النجاشي قال لجعفر : ما يقول صاحبك في ابن مريم؟ قال : يقول فيه قول الله : روح الله ، وكلمته أخرجه من البتول العذراء لم يقربها بشر ، فتناول عوداً من الأرض فرفعه فقال : يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال : « بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ونحن ثمانون رجلاً ومعنا جعفر بن أبي طالب ، وبعثت قريش عمارة ، وعمرو بن العاص ، ومعهما هدية إلى النجاشي ، فلما دخلا عليه سجدا له وبعثا إليه بالهدية ، وقالا : إن ناساً من قومنا رغبوا عن ديننا وقد نزلوا أرضك ، فبعث إليهم حتى دخلوا عليه فلم يسجدوا له ، فقالوا : ما لكم لم تسجدوا للملك؟! فقال جعفر : إن الله بعث إلينا نبيه فأمرنا أن لا نسجد إلا لله . فقال عمرو بن العاص : إنهم يخالفونك في عيسى وأمه . قال : فما يقولون في عيسى وأمه؟ قالوا : نقول كما قال الله : هو روح الله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسسها بشر ، فتناول النجاشي عوداً فقال : يا معشر القسيسين والرهبان ما تزيدون على ما يقول هؤلاء ما يزن هذه ، مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده ، فأنا أشهد أنه نبي ، ولوددت أني عنده فأحمل نعليه ، فانزلوا حيث شئتم من أرضي » .
وأخرج البخاري عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، فإنما أنا عبد ، فقولوا : عبدالله ورسوله » .
وأخرج مسلم عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن عيسى عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه ، والجنة حق ، والنار حق ، أدخله الله من أبواب الجنة الثمانية ، من أيها شاء على ما كان من العمل » .(3/303)
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لن يستنكف } قال : لن يستكبر .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والإسماعيلي في معجمه بسند ضعيف عن ابن مسعود رضي الله عنه قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { فيوفِّيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } قال { أجورهم } يدخلهم الجنة { ويزيدهم من فضله } الشفاعة فيمن وجبت لهم النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا » والله سبحانه أعلم .(3/304)
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175)
أخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن مسعود . أنه كان إذا تحرك من الليل قال { يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً } .
وأخرج ابن عساكر عن سفيان الثوري عن أبيه عن رجل لا يحفظ اسمه في قوله { قد جاءكم برهان من ربكم } قال : محمد صلى الله عليه وسلم { وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً } قال : الكتاب .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { برهان من ربكم } قال : حجَّة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { قد جاءكم برهان من ربكم } قال : بيِّنة { وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً } قال : هذا القرآن .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله { واعتصموا به } قال : القرآن .(3/305)
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)
أخرج ابن سعد وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن جابر بن عبدالله قال « دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل ، فتوضأ ثم صب عليَّ فعقلت ، فقلت إنه لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث؟ فنزلت آية الفرائض » .
وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن جابر قال « أنزلت فيَّ { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } .
وأخرج ابن راهويه وابن مردويه عن عمر . أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تورث الكلالة؟ فأنزل الله { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة . . } إلى آخرها . فكأن عمر لم يفهم فقال لحفصة : إذا رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيب نفس فسليه عنها ، فرأت منه طيب نفس فسألته فقال : أبوك ذكر لك هذا ، ما أرى أباك يعلمها؟ فكان عمر يقول ما أراني أعلمها ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال » .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن مردويه عن طاوس « أن عمر أمر حفصة أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة ، فسألته ، فأملاها عليها في كتف ، وقال : من أمرك بهذا ، أعمر . . ؟ ما أراه يقيمها ، أو ما تكفيه آية الصيف؟ قال سفيان : وآية الصيف التي في النساء { وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة } [ النساء : 12 ] فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت الآية التي في خاتمة النساء » .
وأخرج مالك ومسلم وابن جرير والبيهقي عن عمر قال : « ما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر ما سألته عن الكلالة ، حتى طعن بأصبعه في صدري وقال : تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء » .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والبيهقي عن البراء بن عازب قال « جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الكلالة؟ فقال : تكفيك آية الصيف » .
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في المراسيل والبيهقي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : « جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الكلالة؟ فقال : » أما سمعت الآية التي أنزلت في الصيف { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } فمن لم يترك ولداً ولا والداً فورثته كلالة « وأخرجه الحاكم موصولا عن أبي سلمة عن أبي هريرة .
وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر عن عمر قال : » ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه . الجد ، والكلالة ، وأبواب من أبواب الربا « .(3/306)
وأخرج أحمد عن عمر قال « سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فقال : تكفيك آية الصيف » ، فلأن أكون سألت النبي صلى الله عليه وسلم عنها أحب إليّ من أن يكون لي حمر النعم .
وأخرج عبد الرزاق والعدني وابن المنذر والحاكم عن عمر قال « لأن أكون سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاث أحب إليَّ من حمر النعم : عن الخليفة بعده ، وعن قوم قالوا : نقر بالزكاة من أموالنا ولا نؤديها إليك أيحل قتالهم؟ وعن الكلالة » .
وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق والعدني وابن ماجه والساجي وابن جرير والحاكم والبيهقي عن عمر قال : « ثلاث لأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بيَّنهنَّ لنا أحب إليّ من الدنيا وما فيها : الخلافة ، والكلالة ، والربا » .
وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل يستفتيه في الكلالة أنبئني يا رسول الله أكلالة الرجل يريد إخوته من أبيه وأمه؟ فلم يقل له رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ، غير أنه قرأ عليه آية الكلالة التي في سورة النساء ، ثم عاد الرجل يسأله ، فكلما سأله قرأها حتى أكثر وصخب الرجل ، واشتد صخبه من حرصه على أن يبيِّن له النبي صلى الله عليه وسلم ، فقرأ عليه الآية ، ثم قال له : إني والله لا أزيدك على ما أعطيت » .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : كنت آخر الناس عهداً بعمر ، فسمعته يقول : القول ما قلت . قلت : وما قلت؟ قال : قلت : الكلالة من لا ولد له .
وأخرج ابن جرير عن طارق بن شهاب قال : أخذ عمر كتفاً وجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : لأقضين في الكلالة قضاء تحدث به النساء في خدورهن ، فخرجت حينئذ حية من البيت فتفرقوا ، فقال : لو أراد الله أن يتم هذا الأمر لأتمه .
وأخرج عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب . إن عمر كتب في الجد والكلالة كتاباً فمكث يستخير الله يقول : اللهم إن علمت أن فيه خيراً فامضه ، حتى إذا طعن دعا بالكتاب فمحا ولم يدر أحد ما كتب فيه ، فقال : إني كنت كتبت في الجد والكلالة كتاباً ، وكنت أستخير الله فيه فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه .
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد عن ابن عباس قال : أنا أوّل من أتى عمر حين طعن فقال : احفظ عني ثلاثاً فإني أخاف أن لا يدركني الناس : أما أنا فلم أقض في الكلالة ، ولم أستخلف على الناس خليفة ، وكل مملوك له عتيق .
وأخرج أحمد عن عمرو القاري(3/307)
« أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على سعد وهو وجع مغلوب ، فقال : يا رسول الله إن لي مالاً ، وإني أورث كلالة ، أفأوصي بمالي أو أتصدَّق به؟ قال : لا . قال : أفأوصي بثلثيه؟ قال : لا . قال : أفأوصي بشطره؟ قال : لا . قال : أفأوصي بثلثه؟ قال : نعم ، وذاك كثير » .
وأخرج ابن سعد والنسائي وابن جرير والبيهقي في سننه « عن جابر قال : اشتكيت ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ ، فقلت : يا رسول الله أوصي لأخواني بالثلث؟ قال : أحسن . قلت : بالشطر؟ قال : أحسن ، ثم خرج ، ثم دخل علي فقال : لا أراك تموت في وجعك هذا ، إن الله أنزل وبيَّن ما لأخواتك وهو الثلثان ، » فكان جابر يقول : نزلت هذه الآية في { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } .
وأخرج العدني والبزار في مسنديهما وأبو الشيخ في الفرائض بسند صحيح عن حذيفة قال « نزلت آية الكلالة على النبي صلى الله عليه وسلم في مسير له ، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو بحذيفة فلقاه إياه ، فنظر حذيفة فإذا عمر فلقاه إياه ، فلما كان في خلافة عمر نظر عمر في الكلالة فدعا حذيفة فسأله عنها ، فقال حذيفة : لقد لقانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلقيتك كما لقاني - والله - لا أزيدك على ذلك شيئاً أبداً » .
وأخرج أبو الشيخ في الفرائض عن البراء قال : « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة؟ فقال : » ما خلا الولد والوالد « » .
وأخرج ابن أبي شيبة والدارمي وابن جرير عن أبي الخير . أن رجلاً سأل عقبة بن عامر عن الكلالة؟ فقال : ألا تعجبون من هذا يسألني عن الكلالة ، وما أعضل بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ما أعضلت بهم الكلالة؟! .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والدرامي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن الشعبي قال : سئل أبو بكر عن الكلالة فقال : إني سأقول فيها برأيي ، فإذا كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له ، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله منه بريء ، أراه ما خلا الولد والوالد ، فلما استخلف عمر قال : الكلالة ما عدا الولد ، فلما طعن عمر قال : إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر رضي الله عنه .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي بكر الصديق . أنه قال : من مات ليس له ولد ولا والد فورثته كلالة ، فضج منه علي ثم رجع إلى قوله .
وأخرج عبد الرزاق عن عمرو بن شرحبيل قال : ما رأيتهم إلا قد تواطأوا ، إن الكلالة من لا ولد له ولا والد .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والدرامي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريق الحسن بن محمد بن الحنفية قال : سألت ابن عباس عن الكلالة قال : هو ما عدا الوالد والولد .(3/308)
فقلت له { إن امرؤ هلك ليس له ولد } فغضب وانتهرني .
وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس قال : الكلالة . من لم يترك ولداً ولا والداً .
وأخرج ابن أبي شيبة عن السميط قال : كان عمر يقول : الكلالة : ما خلا الولد والوالد .
وأخرج ابن المنذر عن الشعبي قال : الكلالة ما كان سوى الوالد والولد من الورثة ، إخوة أو غيرهم من العصبة . كذلك قال : علي ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر عن ابن عباس قال : الكلالة . الميت نفسه .
وأخرج ابن جرير عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال : قال عمر بن الخطاب « ما أغلظ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو ما نازعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما نازعته في آية الكلالة ، حتى ضرب صدري فقال : يكفيك منها آية الصيف { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } وسأقضي فيها بقضاء يعلمه من يقرأ ومن لا يقرأ ، هو ما خلا الرب » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن سيرين قال : نزلت { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } والنبي صلى الله عليه وسلم في مسير له ، وإلى جنبه حذيفة بن اليمان ، فبلغها النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة ، وبلغها حذيفة عمر بن الخطاب وهو يسير خلفه ، فلما استخلف عمر سأل عنها حذيفة ورجا أن يكون عنده تفسيرها ، فقال له حذيفة : والله إنك لعاجز إن ظننت أن أمارتك تحملني أن أحدثك ما لم أحدثك يومئذ ، فقال عمر : لم أرد هذا رحمك الله .
وأخرج ابن جرير عن عمر قال : لأن أكون أعلم الكلالة أحب إليَّ من أن يكون لي جزية قصور الشام .
وأخرج ابن جرير « عن الحسن بن مسروق عن أبيه قال : سألت عمر وهو يخطب الناس عن ذي قرابة لي ورث كلالة ، فقال : الكلالة الكلالة الكلالة ، وأخذ بلحيته ثم قال : والله لأن أعلمها أحب إليَّ من أن يكون لي ما على الأرض من شيء ، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : » ألم تسمع الآية التي أنزلت في الصيف؟ « فأعادها ثلاث مرات .
وأخرج ابن جرير عن أبي سلمة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الكلالة ، فقال : » ألم تسمع الآية التي أنزلت في الصيف { وإن كان رجل يورث كلالة } [ النساء : 12 ] إلى آخر الآية « .
وأخرج أحمد بسند جيد عن زيد بن ثابت أنه سئل عن زوج وأخت لأب وأم؟ فأعطى الزوج النصف ، والأخت النصف ، فكلم في ذلك فقال : حضرت النبي صلى الله عليه وسلم قضى بذلك .(3/309)
وأخرج عبد الرزاق والبخاري والحاكم عن الأسود قال : قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابنة وأخت للإبنة النصف ، وللأخت النصف .
وأخرج عبد الرزاق والبخاري والحاكم والبيهقي عن هزيل بن شرحبيل . أن أبا موسى الأشعري سئل عن ابنة ، وابنة ابن ، وأخت لأبوين؟ فقال : للبنت النصف ، وللأخت النصف ، وائت ابن مسعود فيتابعني . فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى ، فقال : لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ، اقضي فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم للابنة النصف ، ولابنة الإبن السدس تكملة الثلثين ، وما بقي فللأخت ، فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال : لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والحاكم والبيهقي عن ابن عباس أنه سئل عن رجل توفي وترك ابنته وأخته لأبيه وأمه فقال : للبنت النصف ، وليس للأخت شيء ، وما بقي فلعصبته فقيل : إن عمر جعل للأخت النصف . فقال ابن عباس : أأنتم أعلم أم الله؟ قال الله { إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فنصف ما ترك } فقلتم أنتم لها النصف وإن كان له ولد .
وأخرج ابن المنذر والحاكم عن ابن عباس قال : شيء لا تجدونه في كتاب الله ، ولا في قضاء رسول الله ، وتجدونه في الناس كلهم ، للابنة النصف ، وللأخت النصف ، وقد قال الله { إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك } .
وأخرج الشيخان عن ابن عباس . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ألحقوا الفرائض بأهلها ، فما أبقت فلأول رجل ذكر » .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس { يستفتونك } قال : سألوا نبي الله عن الكلالة { يبين الله لكم أن تضلوا } قال في شأن المواريث .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن البراء قال : آخر سورة نزلت كاملة ( براءة ) وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } .
وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد والبيهقي في سننه عن قتادة قال : ذكر لنا أن أبا بكر الصديق قال في خطبته : ألا إن الآية التي أنزلت في سورة النساء في شأن الفرائض أنزلها الله في الولد والوالد ، والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم ، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم ، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله مما جرت به الرحم من العصبة .
وأخرج الطبراني في الصغير عن أبي سعيد « أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حماراً إلى قباء يستخير في العمة والخالة ، فأنزل الله لا ميراث لهما » .(3/310)
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن سيرين قال : كان عمر بن الخطاب إذا قرأ { يبيِّن الله لكم أن تضلوا } قال : اللهم من بيِّنت له الكلالة فلم تتبيَّن لي .
وأخرج أحمد عن عمرو القاري « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على سعد وهو وجع وغلوب ، فقال : يا رسول الله إن لي مالاً ، وإني أورث كلالة ، أفأوصي بمالي أو أتصدَّق به؟ قال : لا . قال : أفأوصي بثلثيه؟ قال : لا . قال : أفأوصي بشطره؟ قال : لا . قال : أفاوصي بثلثه؟ قال : نعم ، وذاك كثير » .
وأخرج الطبراني عن خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت كتب لمعاوية رسالة : بسم الله الرحمن الرحيم . لعبدالله معاوية أمير المؤمنين من زيد بن ثابت ، سلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإنك كتبت تسألني عن ميراث الجد والإخوة ، وإن الكلالة وكثيراً مما قضى به في هذه المواريث لا يعلم مبلغها إلا الله ، وقد كنا نحضر من ذلك أموراً عند الخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوعينا منها ما شئنا أن نعي ، فنحن نفتي بعد من استفتاناً في المواريث . والله أعلم .(3/311)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله { أوفوا بالعقود } يعني بالعهود ، ما أحل الله وما حرم ، وما فرض وما حدَّ في القرآن كله ، لا تغدروا ولا تنكثوا .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { أوفوا بالعقود } أي بعقد الجاهلية ، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول « أوفوا بعقد الجاهلية ، ولا تحدثوا عقداً في الإسلام » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله { أوفوا بالعقود } قال : بالعهود ، وهي عقود الجاهلية الحلف .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عبد الله بن عبيدة قال : العقود خمس : عقدة الإيمان ، وعقدة النكاح ، وعقدة البيع ، وعقدة العهد ، وعقدة الحلف .
وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في الآية قال : العقود خمس : عقدة الإيمان ، وعقدة النكاح ، وعقدة البيع ، وعقدة العهد ، وعقدة الحلف .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال : هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقِّه أهلها ، ويعلمهم السنة ، ويأخذ صدقاتهم ، فكتب بسم الله الرحمن الرحيم . هذا كتاب من الله ورسوله { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } عهداً من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم ، أمره بتقوى الله في أمره كله { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } [ النحل : 128 ] ، وأمره أن يأخذ الحق كما أمره ، وأن يبشر بالخير الناس ، ويأمرهم به الحديث بطوله .
وأخرج الحرث بن أبي أسامة في مسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أدوا للحلفاء عقودهم التي عاقدت أيمانكم . قالوا : وما عقدهم يا رسول الله؟ قال : العقل عنهم ، والنصر لهم » .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن مقاتل بن حيان قال : بلغنا في قوله { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } يقول : أوفوا بالعهود ، يعني العهد الذي كان عهد اليهم في القرآن فيما أمرهم من طاعته أن يعملوا بها ، ونهيه الذي نهاهم عنه ، وبالعهد الذي بينهم وبين المشركين ، وفيما يكون من العهود بين الناس .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس ان نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله تعالى { أحلت لكم بهيمة الأنعام } قال : يعني الإبل والبقر والغنم قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت الأعشى وهو يقول :
أهل القباب الحمر والن ... عم المؤثل والقبائل
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ابن المنذر عن الحسن في قوله { أحلت لكم بهيمة الأنعام } قال : الإبل ، والبقر ، والغنم .(3/312)
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس . أنه أخذ بذنب الجنين ، فقال : هذا من بهيمة الأنعام التي أحلَّت لكم .
وأخرج ابن جرير عن ابن عمر في قوله { أحلت لكم بهيمة الأنعام } قال : ما في بطونها . قلت : إن خرج ميتاً آكله؟ قال : نعم .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله { أحلت لكم بهيمة الأنعام } قال : الأنعام كلها { إلا ما يتلى عليكم } قال : إلا الميتة ، وما لم يذكر اسم الله عليه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله { أحلَّت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم } قال { الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، وما أهل لغير الله به } [ المائدة : 3 ] إلى آخر الآية فهذا ما حرم الله من بهيمة الأنعام .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله { إلا ما يتلى عليكم } قال : إلا الميتة وما ذكر معها { غير محلي الصيد وأنتم حرم } قال : غير أن يحل الصيد أحد وهو محرم .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن أيوب قال : سئل مجاهد عن القرد أيؤكل لحمه؟ فقال : ليس من بهيمة الأنعام .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الربيع بن أنس في الآية قال : الأنعام كلها حل إلا ما كان منها وحشياً فإنه صيد ، فلا يحل إذا كان محرماً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { إن الله يحكم ما يريد } قال : إن الله يحكم ما أراد في خلقه ، وبين ما أراد في عباده ، وفرض فرائضه ، وحدَّ حدوده ، وأمر بطاعته ، ونهى عن معصيته .(3/313)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله { لا تحلوا شعائر الله } قال : كان المشركون يحجون البيت الحرام ، ويهدون الهدايا ، ويعظمون حرمة المشاعر ، وينحرون في حجهم ، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فقال الله { لا تحلوا شعائر الله } وفي قوله { ولا الشهر الحرام } يعني لا تستحلوا قتالاً فيه { ولا آمين البيت الحرام } يعني من توجه قبل البيت ، فكان المؤمنون والمشركون يحجون البيت جميعاً ، فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحداً يحج البيت ، أو يتعرضوا له من مؤمن أو كافر ، ثم أنزل الله بعد هذا { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } [ التوبة : 28 ] وفي قوله { يبتغون فضلاً } يعني أنهم يترضون الله بحجهم { ولا يجرمنكم } يقول : لا يحملنكم { شنآن قوم } يقول : عداوة قوم { وتعاونوا على البر والتقوى } قال : البر . ما أمرت به { والتقوى } ما نهيت عنه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : شعائر الله ما نهى الله عنه أن تصيبه وأنت محرم ، والهدي ما لم يقلدوا القلائد مقلدات الهدي { ولا آمين البيت الحرام } يقول : من توجه حاجاً .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { لا تحلوا شعائر الله } قال : مناسك الحج .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله { لا تحلوا شعائر الله } قال : معالم الله في الحج .
وأخرج ابن جرير وابن المنذرعن عطاء أنه سئل عن شعائر الحج فقال : حرمات الله اجتناب سخط الله واتباع طاعته ، فذلك شعائر الله .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير والنحاس في ناسخه عن قتادة في قوله { يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام } قال : منسوخ ، كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من السمر فلم يعرض له أحد ، واذا تقلد بقلادة شعر لم يعرض له أحد ، وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت ، فأمر الله أن لا يقاتل المشركون في الشهر الحرام ولا عند البيت ، ثم نسخها قوله { اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [ التوبة : 5 ] .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال : نسخ منها { آمّين البيت الحرام } نسختها الآية التي في براءة { اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } وقال { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر } [ التوبة : 17 ] وقال { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } [ التوبة : 28 ] وهو العام الذي حج فيه أبو بكر بالآذان .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله { لا تحلوا شعائر الله . . . } الآية . قال : نسختها(3/314)
{ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم . . . } [ التوبة : 5 ] .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك . مثله .
وأخرج ابن جرير عن عطاء قال : كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم ، يأمنون بذلك إذا خرجوا من الحرم ، فنزلت { لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد } .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله { لا تحلوا شعائر الله } قال : القلائد . اللحاء في رقاب الناس والبهائم أماناً لهم ، والصفا والمروة والهدي والبدن كل هذا من شعائر الله قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم « هذا كله عمل أهل الجاهلية فعله وإقامته ، فحرم الله ذلك كله بالإسلام إلا اللحاء القلائد ترك ذلك » .
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء في الآية قال : أما القلائد . فإن أهل الجاهلية كانوا ينزعون من لحاء السمر فيتخذون منها قلائد يأمنون بها في الناس ، فنهى الله عن ذلك أن ينزع من شجر الحرم .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله { ولا الشهر الحرام } قال : هو ذو القعدة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال « كان رسول الله ص بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت ، وقد اشتد ذلك عليهم ، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة ، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نصد هؤلاء كما صدنا أصحابنا ، فأنزل الله { ولا يجرمنكم . . . . } الآية » .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال : « أقبل الحطم بن هند البكري حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فدعاه فقال : إلام تدعو؟ فأخبره ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان ، فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم قال : انظروا لعلي أسلم ولي من أشاوره ، فخرج من عنده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقب غادر » ، فمر بسرح من سرح المدينة ، فساقه ثم أقبل من عام قابل حاجاً قد قلد وأهدى ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه ، فنزلت هذه الآية حتى بلغ { ولا آمين البيت الحرام } فقال ناس من أصحابه : يا رسول الله خلِّ بيننا وبينه فإنه صاحبنا . قال : أنه قد قلد! قالوا : إنما هو شيء كنا نصنعه في الجاهلية ، فأبى عليهم ، فنزلت هذه الآية .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال : قدم الحطم بن هند البكري المدينة في عير له تحمل طعاماً ، فباعه ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فبايعه وأسلم ، فلما ولى خارجاً نظر اليه فقال لمن عنده « لقد دخل عليَّ بوجه فاجر وولى بقفا غادر ، فلما قدم اليمامة ارتد عن الإسلام ، وخرج في عير له تحمل الطعام في ذي القعدة يريد مكة ، فلما سمع به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تهيأ للخروج اليه نفر من المهاجرين والأنصار ليقتطعوه في عيره ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله } الآية . فانتهى القوم » .(3/315)
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { ولا آمين البيت الحرام } قال : هذا يوم الفتح ، جاء ناس يؤمون البيت من المشركين يهلون بعمرة ، فقال المسلمون : يا رسول الله ، إنما هؤلاء مشركون ، فمثل هؤلاء فلن ندعهم إلا أن نغير عليهم ، فنزل القرآن { ولا آمين البيت الحرام } .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله { ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً } قال : يبتغون الأجر والتجارة حرم الله على كل أحد إخافتهم .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً } قال : هي للمشركين يلتمسون فضل الله ورضواناً نماء يصلح لهم دنياهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : خمس آيات في كتاب الله رخصة وليست بعزمة { وإذا حللتم فاصطادوا } إن شاء اصطاد وإن شاء لم يصطد { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا } [ الجمعة : 10 ] . { أو على سفر فعدة من أيام أخر } [ البقرة : 184 ] { فكلوا منها وأطعموا } [ الحج : 28 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال : خمس آيات من كتاب الله رخصة وليست بعزيمة { فكلوا منها وأطعموا } [ الحج : 28 ] فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل { وإذا حللتم فاصطادوا } فمن شاء فعل ومن شاء لم يفعل { ومن كان مريضاً أو على سفر } [ البقرة : 184 ] فمن شاء صام ومن شاء أفطر { فكاتبوهم إن علمتم } [ النور : 33 ] إن شاء كاتب وإن شاء لم يفعل ، { فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا } [ الجمعة : 10 ] ، إن شاء انتشر وإن شاء لم ينتشر .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { ولا يجرمنكم شنآن قوم } قال : لا يحملنكم بغض قوم .
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس في قوله { ولا آمين البيت الحرام } قال : الذين يريدون الحج { يبتغون فضلاً من ربهم } قال : التجارة في الحج { ورضواناً } قال : الحج { ولا يجرمنكم شنآن قوم } قال : عداوة قوم { وتعاونوا على البر والتقوى } قال : البر . ما أمرت به ، والتقوى . ما نهيت عنه .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد في هذه الآية والبخاري في تاريخه عن وابصة قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا لا أريد أن أدع شيئاً من البر والإثم إلا سألته عنه ، فقال لي « يا وابصة أخبرك عما جئت تسأل عنه أم تسأل؟ قلت : يا رسول الله أخبرني! قال : جئت لتسأل عن البر والاثم ، ثم جمع أصابعه الثلاث فجعل ينكت بها في صدري ، ويقول : يا وابصة استفت قلبك ، استفت نفسك ، البر : ما اطمأن اليه القلب واطمأنت اليه النفس ، والإثم : ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك » .(3/316)
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب ومسلم والترمذي والحاكم والبيهقي في الشعب عن النوّاس بن سمعان قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم ، فقال « ما حاك في نفسك فدعه قال : فما الإيمان؟ قال : من ساءته سيئته وسرته حسنته فهو مؤمن » .
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن مسعود قال : الإثم حوّاز القلوب .
وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال : الاثم حوّاز القلوب ، فإذا حز في قلب أحدكم شيء فليدعه .
وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « الإثم حوّاز القلوب ، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع » .
وأخرج أحمد والبيهقي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما من رجل ينعش لسانه حقاً يعمل به إلا أجرى عليه أجره إلى يوم القيامة ، ثم بوَّأه الله ثوابه يوم القيامة » .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أن داود عليه السلام قال فيما يخاطب ربه عز وجل : يا رب ، أي عبادك أحب إليك أحبه بحبك؟ قال : يا داود أحب عبادي إليّ نقي القلب ، نقي الكفين ، لا يأتي إلى أحد سوءاً ، ولا يمشي بالنميمة ، تزول الجبال ولا يزول ، أحبني وأحب من يحبني ، وحببني إلى عبادي ، قال : يا رب إنك لتعلم إني أحبك وأحب من يحبك ، فكيف أحببك إلى عبادك؟! قال : ذكرهم بآلائي وبلائي ونعمائي ، يا داود إنه ليس من عبد يعين مظلوماً ، أو يمشي معه في مظلمته ، إلا أُثَبِّتُ قدميه يوم تزل الأقدام » .
وأخرج أحمد عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة » .
وأخرج ابن ماجة عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة ، لقي الله مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله » .
وأخرج الطبراني في الأوسط والحاكم عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من أعان ظالماً بباطل ليدحض به حقاً فقد برئ من ذمة الله ورسوله » .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من أعان على خصومة بغير حق كان في سخط الله حتى ينزع » .
وأخرج البخاري في تاريخه والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان عن أوس بن شرحبيل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام » .(3/317)
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضادّ الله في أمره ، ومن مات وعليه دين فليس بالدينار والدرهم ولكنها الحسنات والسيئات ، ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع ، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال » .
وأخرج البيهقي من طريق فسيلة . أنها سمعت أباها وهو واثلة بن الأسقع يقول : « سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أمن المعصية أن يحب الرجل قومه؟ قال » لا ، ولكن من المعصية أن يعين الرجل قومه على الظلم « » .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من مشى مع قوم يرى أنه شاهد وليس بشاهد فهو شاهد زور ، ومن أعان على خصومة بغير علم كان في سخط الله حتى ينزع ، وقتال المسلم كفر ، وسبابه فسوق » .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من أعان قوماً على ظلم فهو كالبعير المتردي ، فهو ينزع بذنبه » . ولفظ الحاكم : « مثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل البعير يتردى ، فهو يمد بذنبه » .(3/318)
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)
أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه عن أبي أمامة قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله وأعرض عليهم شعائر الإسلام ، فأتيتهم فبينما نحن كذلك إذ جاؤوا بقصعة دم واجتمعوا عليها يأكلونها ، قالوا : هلم يا صدي فكل . قلت : ويحكم . . . ! إنما أتيتكم من عند من يحرِّم هذا عليكم ، وأنزل الله عليه . قالوا : وما ذاك؟ قال : فتلوت عليهم هذه الآية { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير . . . } الآية .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن قتادة قال : إذا أكل لحم الخنزير عرضت عليه التوبة ، فإن تاب وإلا قتل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { وما أهل لغير الله به } قال : ما أهل للطواغيت به { والمنخنقة } قال : التي تخنق فتموت { والموقوذة } التي تضرب بالخشبة فتموت { والمتردية } قال : التي تتردى من الجبل فتموت { والنطيحة } قال : الشاة التي تنطح الشاة { وما أكل السبع } يقول : ما أخذ السبع { إلا ما ذكيتم } يقول : ما ذبحتم من ذلك وبه روح فكلوه { وما ذبح على النصب } قال : النصب . إنصاب ، كانوا يذبحون ويهلون عليها { وأن تستقسموا بالأزلام } قال : هي القداح كانوا يستقسمون بها في الأمور { ذلكم فسق } يعني من أكل من ذلك كله فهو فسق .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس ان نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله تعالى { والمنخنقة } قال : كانت العرب تخنق الشاة ، فإذا ماتت أكلوا لحمها . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت امرئ القيس وهو يقول :
يغط غطيط البكر شد خناقه ... ليقتلني والمرء ليس بقتال
قال : أخبرني عن قوله { والموقوذة } قال : التي تضرب بالخشب حتى تموت . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت الشاعر يقول :
يلوينني دين النهار واقتضي ... ديني إذا وقذ النعاس الرقدا
قال : أخبرني عن قوله { الأنصاب } قال : الأنصاب . الحجارة التي كانت العرب تعبدها من دون الله وتذبح لها . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت نابغة بني ذبيان وهو يقول :
فلا لعمر الذي مسحت كعبته ... وما هريق على الأنصاب من جسد
قال : أخبرني عن قوله { وإن تستقسموا بالأزلام } قال : الأزلام . القداح كانوا يستقسمون الأمور بها ، مكتوب على أحدهما أمرني ربي ، وعلى الآخر نهاني ربّي ، فإذا أرادوا أمراً أتوا بيت أصنامهم ، ثم غطوا على القداح بثوب فأيهما خرج عملوا به . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت الحطيئة وهو يقول :
لا يزجر الطير إن مرت به سنحاً ... ولا يفاض على قدح بأزلام
وأخرج البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم قال : قلت يا رسول الله ، إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب ، فقال :(3/319)
« إذا رميت بالمعراض فخزق فكله ، وإن أصابه بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الرادة التي تتردى في البئر ، والمتردية التي تتردى من الجبل .
وأخرج عن أبي ميسرة أنه كان يقرأ « والمنطوحة » .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قرأ « وأكيل السبع » .
وأخرج ابن جرير عن علي قال : إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة ، وهي تحرك يداً أو رجلا فكلها .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا تأكل الشريطة فإنها ذبيحة الشيطان » قال ابن المبارك : هي أن تخرج الروح منه بشرط من غير قطع حلقوم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { وما ذبح على النصب } قال : كانت حجارة حول الكعبة يذبح عليها أهل الجاهلية ويبدلونها بحجارة : إذا شاؤوا أعجب اليهم منها .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله { وأن تستقسموا بالأزلام } قال : سهام العرب وكعاب فارس التي يتقامرون بها .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال { الأزلام } القداح ، يضربون بها لكل سفر وغزو وتجارة .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله { وأن تستقسموا بالأزلام } قال : القداح ، كانوا إذا أرادوا أن يخرجوا في سفر جعلوا قداحاً للخروج وللجلوس ، فإن وقع الخروج خرجوا ، وإن وقع الجلوس جلسوا .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله { وأن تستقسموا بالأزلام } قال : حصى بيض كانوا يضربون بها .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في الآية قال : كانوا إذا أرادوا أمراً أو سفراً يعمدون إلى قداح ثلاثة ، على واحد منها مكتوب أمرني ، وعلى الآخر إنهني ، ويتركون الآخر محللاً ، بينهما عليه شيء ، ثم يجيلونها ، فإن خرج الذي عليه مرني مضوا لأمرهم ، وإن خرج الذي عليه إنهني كفوا ، وإن خرج الذي ليس عليه شيء أعادوها .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لن يلج الدرجات العلى من تكهَّن ، أو استقسم ، أو رجع من سفر تطيراً » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } قال : يئسوا أن ترجعوا إلى دينهم أبداً .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } يقول : يئس أهل مكة أن ترجعوا إلى دينهم ، عبادة الاوثان أبداً { فلا تخشوهم } في اتباع محمد { واخشونِ } في عبادة الأوثان وتكذيب محمد ، فلما كان واقفاً بعرفات نزل عليه جبريل وهو رافع يده والمسلمون يدعون الله { اليوم أكملت لكم دينكم } يقول : حلالكم وحرامكم ، فلم ينزل بعد هذا حلال ولا حرام { وأتممت عليكم نعمتي } قال : منتي فلم يحج معكم مشرك { ورضيت } يقول : واخترت { لكم الإسلام ديناً } مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية إحدى وثمانين يوماً ، ثم قبضه الله إليه .(3/320)
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم . . . اليوم أكملت لكم دينكم } قال : هذا حين فعلت .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله { فلا تخشوهم واخشون } قال : فلا تخشوهم أي يظهروا عليكم .
وأخرج مسلم عن جابر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ، ولكن في التحريش بينهم » .
وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة وأبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الشيطان قد أيس أن بعبد بأرضكم هذه ، ولكنه راض منكم بما تحقرون » .
وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام بأرض العرب ، ولكن سيرضى منكم بدون ذلك بالمحقرات ، وهي الموبقات يوم القيامة ، فاتقوا المظالم ما استطعتم » .
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال : أخبر الله نبيه والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان ، فلا تحتاجون إلى زيادة أبداً ، وقد أتمه فلا ينقص أبداً ، وقد رضيه فلا يسخطه .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { اليوم أكملت لكم دينكم } قال : أخلص الله لهم دينهم ، ونفى المشركين عن البيت ، قال : وبلغنا أنها أنزلت يوم عرفة ، ووافقت يوم جمعة .
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله { اليوم أكملت لكم دينكم } قال : ذكر لنا أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، يوم جمعة حين نفى الله المشركين عن المسجد الحرام ، وأخلص للمسلمين حجهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال : كان المشركون والمسلمون يحجون جميعاً ، فلما نزلت براءة فنفي المشركون عن البيت الحرام ، وحج المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين ، فكان ذلك من تمام النعمة ، وهو قوله { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله { اليوم أكملت لكم دينكم } قال : تمام الحج ، ونفي المشركين عن البيت .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الشعبي قال : نزلت هذه الآية { اليوم أكملت لكم دينكم } على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفات ، وقد أطاف به الناس ، وتهدمت منار الجاهلية ومناسكهم ، واضمحل الشرك ، ولم يطف بالبيت عريان ، ولم يحج معه في ذلك العام مشرك ، فأنزل الله { اليوم أكملت لكم دينكم } .(3/321)
وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال : نزل على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية وهو بعرفة { اليوم أكملت لكم دينكم } وكان إذا أعجبته آيات جعلهن صدر السورة ، قال : « وكان جبريل يعلم كيف ينسك » .
وأخرج الحميدي وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والبيهقي في سننه عن طارق بن شهاب قال « قالت اليهود لعمر : إنكم تقرأون آية في كتابكم ، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتّخذنا ذلك اليوم عيداً . قال : وأي آية؟ قالوا { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي } قال عمر : والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، والساعة التي نزلت فيها ، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة ، في يوم جمعة » .
وأخرج اسحاق بن راهويه في مسنده وعبد بن حميد عن أبي العالية قال : كانوا عند عمر فذكروا هذه الآية ، فقال رجل من أهل الكتاب : لو علمنا أي يوم نزلت هذه الآية لاتخذناه عيداً . فقال عمر : الحمد لله الذي جعله لنا عيداً ، واليوم الثاني نزلت يوم عرفة ، واليوم الثاني يوم النحر ، فأكمل لنا الأمر ، فعلمنا أن الأمر بعد ذلك في انتقاص .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير « عن عنترة قال : لما نزلت { اليوم أكملت لكم دينكم } وذلك يوم الحج الأكبر بكى عمر ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم » ما يبكيك؟! قال : أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا ، فأما إذ كمل فإنه لا يكمل شيء قط إلا نقص . فقال : صدقت « » .
وأخرج ابن جرير عن قبيصة بن أبي ذؤيب قال : قال كعب : لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيداً يجتمعون فيه ، فقال عمر : وأي آية يا كعب؟ فقال { اليوم أكملت لكم دينكم } فقال عمر : لقد علمت اليوم الذي أنزلت ، والمكان الذي نزلت فيه ، نزلت في يوم جمعة ، ويوم عرفة ، وكلاهما بحمد الله لنا عيد .
وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير والطبراني والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية { اليوم أكملت لكم دينكم } فقال يهودي : لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيداً . فقال ابن عباس : فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين : في يوم جمعة ، يوم عرفة .
وأخرج ابن جرير ، عن عيسى بن حارثة الأنصاري ، قال : كنا جلوساً في الديوان فقال لنا نصراني : يا أهل الإسلام ، لقد أنزلت عليكم آية لو أنزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم وتلك الساعة عيداً ، ما بقي منا اثنان { اليوم أكملت لكم دينكم } فلم يجبه أحد منا ، فلقيت محمد بن كعب القرظي فسألته عن ذلك ، فقال : ألا رددتم عليه؟ فقال : قال عمر بن الخطاب : أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف على الجبل يوم عرفة ، فلا يزال ذلك اليوم عيداً للمسلمين ما بقي منهم أحد .(3/322)
وأخرج ابن جرير عن داود قال : قلت لعامر الشعبي ان اليهود تقول كيف لم تحفظ العرب هذا اليوم الذي أكمل الله لها دينها فيه؟ فقال عامر : أو ما حفظته؟ . قلت له : فأي يوم هو؟ قال : يوم عرفة ، أنزل الله في يوم عرفة .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن علي قال : أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم عشية عرفة { اليوم أكملت لكم دينكم } .
وأخرج ابن جرير والطبراني عن عمرو بن قيس السكوني . أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينزع بهذه الآية { اليوم أكملت لكم دينكم } حتى ختمها . فقال : نزلت في يوم عرفة في يوم جمعة .
وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه عن سمرة قال : نزلت هذه الآية { اليوم أكملت لكم دينكم } على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو بعرفة واقف يوم الجمعة .
وأخرج البزار بسند صحيح عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة { اليوم أكملت لكم دينكم } .
وأخرج ابن جرير بسند ضعيف عن ابن عباس قال : ولد نبيكم يوم الاثنين ، ونبأ يوم الاثنين ، وخرج من مكة يوم الاثنين ، ودخل المدينة يوم الاثنين ، وفتح مكة يوم الاثنين ، وأنزلت سورة المائدة يوم الاثنين { اليوم أكملت لكم دينكم } وتوفي يوم الاثنين .
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري قال « لما نصب رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً يوم غدير خم فنادى له بالولاية ، هبط جبريل عليه بهذه الآية { اليوم أكملت لكم دينكم } » .
وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر بسند ضعيف عن أبي هريرة قال : « لما كان يوم غدير خم وهو يوم ثماني عشر من ذي الحجة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : » من كنت مولاه فعلي مولاه . فأنزل الله { اليوم أكملت لكم دينكم } « » .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { اليوم أكملت لكم دينكم } قال : هذا نزل يوم عرفة ، فلم ينزل بعدها حرام ولا حلال ، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات ، فقالت أسماء بنت عميس : حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الحجة ، فبينما نحن نسير إذ تجلى له جبريل على الراحلة ، فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن فبركت ، فأتيته فسجيت عليه برداً كان عليّ « .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال : مكث النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما نزلت هذه الآية احدى وثمانين ليلة قوله { اليوم أكملت لكم دينكم } .(3/323)
أما قوله تعالى : { ورضيت لكم الإسلام ديناً } .
أخرج ابن جرير عن قتادة قال « ذكر لنا أنه يمثل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة ، فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله ويعدهم إلى الخير حتى يجيء الإسلام فيقول : رب أنت السلام وأنا الإسلام ، فيقول : إياك اليوم أقبل وبك اليوم أجزي » .
وأخرج أحمد عن علقمة بن عبدالله المزني قال : حدثني رجل قال : كنت في مجلس عمر بن الخطاب فقال عمر لرجل من القوم : كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينعت الإسلام؟ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « إن الإسلام بدأ جذعاً ، ثم ثنياً ، ثم رباعياً ، ثم سدسياً ، ثم بازلاً » قال عمر : فما بعد البزول إلا النقصان .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فمن اضطر } يعني إلى ما حرم مما سمي في صدر هذه السورة { في مخمصة } يعني مجاعة { غير متجانف لإثم } يقول : غير معتدٍ لإثم .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { في مخمصة } قال : في مجاعة وجهد . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم أما سمعت الاعشى وهو يقول :
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرتي يبتن خمائصا
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله { فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم } قال : في مجاعة غير متعرض لإثم .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال : رخص للمضطر إذا كان غير متعمد لإثم أن يأكله من جهد ، فمن بغى ، أو عدا ، أو خرج في معصية الله ، فإنه محرم عليه أن يأكله .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه « عن أبي واقد الليثي أنهم قالوا » يا رسول الله ، إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة فمتى تحل لنا الميتة؟ قال : إذا لم تصطبحوا ، ولم تغتبقوا ، ولم تحتفئوا بقلاً ، فشأنكم بها « » .
وأخرج ابن سعد وأبو داود عن الفجيع العامري . أنه قال « يا رسول الله ، ما يحل لنا من الميتة؟ فقال : ما طعامكم؟ قلنا : نغتبق ونصطبح . قال عقبة : قدح غدوة ، وقدح عشية . قال : ذاك . وأبى الجوع ، وأحل لهم الميتة على هذه الحال » وأخرج الحاكم وصححه عن سمرة بن جندب ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إذا رويت أهلك من اللبن غبوقاً فاجتنب ما نهى الله عنه من ميتة » .(3/324)
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4)
أخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه ، والبيهقي في سننه عن أبي رافع قال : « جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن عليه فأذن له ، فأبطأ فأخذ رداءه فخرج ، فقال : قد أذنا لك! قال : أجل ، ولكنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة ، فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو . قال أبو رافع : فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة ففعلت ، وجاء الناس فقالوا : يا رسول الله ، ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله { يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوراح مكلبين } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أرسل الرجل كلبه ، وذكر اسم الله فأمسك عليه ، فليأكل مالم يأكل » .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة . أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع في قتل الكلاب ، فقتل حتى بلغ العوالي ، فدخل عاصم بن عدي ، وسعد بن خيثمة ، وعويم بن ساعدة ، فقالوا : ماذا أحل لنا يا رسول الله؟ فنزلت { يسئلونك ماذا أحل لهم . . } الآية .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال « لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب قالوا : يا رسول الله ، ماذا أحل لنا من هذه الأمة؟ فنزلت { يسئلونك ماذا أحل لهم . . } الآية » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أن عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : « يا رسول الله ، قد حرم الله الميتة . فماذا يحل لنا؟ فنزلت { يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات } » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عامر . أن عدي بن حاتم الطائي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن صيد الكلاب ، فلم يدرِ ما يقول له حتى أنزل الله عليه هذه الآية في المائدة { تعلمونهن مما علمكم الله } .
وأخرج ابن جرير عن عروة بن الزبير عمن حدثه ، « أن رجلاً من الأعراب أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه في الذي حرم الله عليه والذي أحل له ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : » يحل لك الطيبات ، ويحرم عليك الخبائث ، إلا أن تفتقر إلى طعام لك فتأكل منه حتى تستغني عنه . فقال الرجل : وما فقري الذي يحل لي ، وما غناي الذي يغنيني عن ذلك؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا كنت ترجو نتاجاً فتبلغ من لحوم ماشيتك إلى نتاجك ، أو كنت ترجو غنى تطلبه فتبلغ من ذلك شيئاً ، فاطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه . فقال الأعرابي : ما غناي الذي أدعه إذا وجدته؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أرويت أهلك غبوقاً من الليل فاجتنب ماحرم الله عليك من طعام ، وأما مالك فإنه ميسور كله ليس فيه حرام « » .(3/325)
وأخرج الطبراني عن صفوان بن أمية ، أن عرفطة بن نهيك التميمي قال : « يا رسول الله ، إني وأهل بيتي يرزقون من هذا الصيد ولنا فيه قسم وبركة ، وهو مشغلة عن ذكر الله وعن الصلاة في جماعة ، وبنا اليه حاجة ، أفتحله أم أحرمه؟ قال : أحله ، لأن الله قد أحله نعم العمل ، والله أولى بالعذر ، قد كانت قبلي لله رسل كلهم يصطادون ويطلبون الصيد ، ويكفيك من الصلاة في جماعة إذا غبت غبت عنها في طلب الرزق حبك الجماعة وأهلها ، وحبك ذكر الله وأهله ، وابتغ على نفسك وعيالك حلالاً ، فإن في ذلك جهاد في سبيل الله ، واعلم أن عون الله في صالح التجار » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { وما علمتم من الجوارح مكلبين } قال : هي الكلاب المعلمة ، والبازي يعلم الصيد ، والجوارح يعني : الكلاب ، والفهود ، والصقور ، وأشباهها { والمكلبين } الضواري { فكلوا مما أمسكن عليكم } يقول : كلوا مما قتلن ، فإن قتل وأكل فلا تأكل { واذكروا اسم الله عليه } يقول : إذا أرسلت جوارحك فقل بسم الله ، وإن نسيت فلا حرج .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله { من الجوارح مكلبين } قال : الطير ، والكلاب .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { من الجوارح مكلبين } قال : يكالبن الصيد { فكلوا مما أمسكن عليكم } قال : إذا أرسلت كلبك أو طائرك أو سهمك فذكرت اسم الله فأمسك أو قتل فكل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس : في المسلم يأخذ كلب المجوسي المعلم ، أو بازه ، أو صقره ، مما علمه المجوسي ، فيرسله فيأخذه . قال : لا يأكله وإن سميت؛ لأنه من تعليم المجوسي ، وإنما قال { تعلمونهن مما علمكم الله } .
وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله { وما علمتم من الجوارح } قال : كُلّ ما { تعلمونهن مما علمكم الله } قال : تعلمونهن من الطلب كما علمكم الله .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : إنما المعلم من الكلاب أن يمسك صيده فلا يأكل ، كل منه حتى يأتيه صاحبه .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : إذا أكل الكلب فلا تأكل ، فإنما أمسك على نفسه .
وأخرج ابن جرير « عن عدي بن حاتم قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي . قال : » ما أمسك عليك فكل « » .
وأخرج البخاري ومسلم « عن عدي بن حاتم قال » قلت : يا رسول الله ، إني أرسل الكلاب المعلمة واذكر اسم الله؟ فقال : إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسكن عليك . قلت : وإن قتلن؟ قال : وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها ، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسمِّ على غيره « » .(3/326)
وأخرج ابن أبي حاتم « عن عدي بن حاتم قال : قلت » يا رسول الله ، إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة ، فما يحل لنا منها؟ قال : يحل لكم { ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه } ثم قال : ما أرسلت من كلب وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك . قلت : وإن قتل؟ قال : وإن قتل ، مالم يأكل هو الذي أمسك . قلت : إنا قوم نرمي ، فما يحل لنا؟ قال : ما ذكرت اسم الله وخزقت فكل « » .
وأخرج عبد بن حميد عن علي بن الحكم أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس فقال : أرأيت إذا أرسلت كلبي وسميت فقتل الصيد ، آكله؟ قال : نعم . قال نافع : يقول الله { إلا ما ذكيتم } تقول أنت : وإن قتل! قال : ويحك يا ابن الأزرق . . . ! أرأيت لو أمسك على سنور فأدركت ذكاته ، أكان يكون على يأس؟ والله إني لأعلم في أي كلاب نزلت : في كلاب نبهان من طي ، ويحك يا ابن الأزرق . . . ! ليكونن لك نبأ .
وأخرج عبد بن حميد عن مكحول قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما أمسك عليك الذي ليس بمكلب فأدركت ذكاته فكل ، وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكل » .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال : إذا أكل الكلب فلا تأكل ، وإذا أكل الصقر فكل؛ لأن الكلب تستطيع أن تضربه ، والصقر لا تستطيع .
وأخرج عبد بن حميد عن عروة أنه سئل عن الغراب ، أمن الطيبات هو؟ قال : من أين يكون من الطيبات ، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسقاً؟! .(3/327)
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { وطعام الذين أوتوا الكتاب } قال : ذبائحهم . وفي قوله { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } قال : حل لكم { إذا آتيتموهن أجورهن } يعني مهورهن { محصنين } يعني تنكحوهن بالمهر والبينة { غير مسافحين } غير معلنين بالزنا { ولا متخذي أخدان } يعني يسررن بالزنا .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } قال : ذبيحتهم .
وأخرج عبد الرزاق عن إبراهيم النخعي في قوله { وطعام الذين أوتوا الكتاب } قال : ذبائحهم .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } قال : أحل الله لنا محصنتين : محصنة مؤمنة ، ومحصنة من أهل الكتاب ، نساؤنا عليهم حرام ، ونساؤهم لنا حلال .
وأخرج ابن جرير عن جابر بن عبدالله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوّجون نساءنا » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن عمر بن الخطاب قال : المسلم يتزوج النصرانية ، ولا يتزوّج النصراني المسلمة .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : أحل لنا طعامهم ونساؤهم .
وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : إنما أحلت ذبائح اليهود والنصارى من أجل أنهم آمنوا بالتوراة والإنجيل .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } قال : من الحرائر .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } قال : من العفائف .
وأخرج عبد الرزاق عن الشعبي في قوله { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } قال : التي أحصنت فرجها واغتسلت من الجنابة .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن جابر بن عبد الله . أنه سئل عن نكاح المسلم اليهودية والنصرانية ، فقال : تزوجناهن زمن الفتح ونحن لا نكاد نجد المسلمات كثيراً ، فلما رجعنا طلقناهن . قال : ونساؤهن لنا حل ، ونساؤنا عليهم حرام .
وأخرج عبد بن حميد عن ميمون بن مهران قال : سألت ابن عمر عن نساء أهل الكتاب ، فتلا عليّ هذه الآية { والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } . { ولا تنكحوا المشركات } [ البقرة : 221 ] .
وأخرج ابن جرير عن الحسن . أنه سئل : أيتزوج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟ قال : ما له ولأهل الكتاب وقد أكثر الله المسلمات! فإن كان لا بد فاعلاً فليعهد إليها حصاناً غير مسافحة . قال الرجل : وما المسافحة؟ قال : هي التي إذا ألمح اليها الرجل بعينه تبعته .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { ولا متخذي أخدان } قال : ذو الخدن والخلية الواحدة .(3/328)
قال : ذكر لنا أن رجالاً قالوا : كيف نتزوج نساءهم وهم على دين ونحن على دين؟ فأنزل الله { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } قال : لا والله لا يقبل الله عملاً إلا بالإيمان .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } قال : أخبر الله أن الإيمان هو العروة الوثقى ، وأنه لا يقبل عملاً إلا به ، ولا يحرم الجنة إلا على من تركه .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال « نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات ، وحرم كل ذات دين غير الإسلام » قال الله تعالى { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } .(3/329)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني بسند ضعيف عن علقمة بن صفوان قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراق البول نكلمه فلا يكلمنا ، ونسلم عليه فلا يرد علينا حتى يأتي أهله فيتوضأ كوضوئه للصلاة ، فقلنا : يا رسول الله ، نكلمك فلا تكلمنا ، ونسلم عليك فلا ترد علينا! حتى نزلت آية الرخصة { يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة . . . } الآية .
وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن بريدة قال « كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة ، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد ، فقال له عمر : يا رسول الله ، إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله! قال : إني عمداً فعلت يا عمر » .
وأخرج أبو داود والترمذي وابن عباس . « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الخلاء فقدم إليه طعام فقالوا : ألا نأتيك بوضوء؟ فقال : » إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة « » .
وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي عن عبدالله بن حنظلة بن الغسيل « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أوغير طاهر ، فلما شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالسواك عند كل صلاة ، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث » .
وأخرج ابن جرير والنحاس في ناسخه عن علي أنه كان يتوضأ عند كل صلاة ، ويقرأ { يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة . . . } الآية .
وأخرج البيهقي في سننه عن رفاعة بن رافع . « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته : » إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ، يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين « » .
وأخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن زيد بن أسلم والنحاس ، أن معنى هذه الآية { إذا قمتم إلى الصلاة . . . } الآية . إن ذلك إذا قمتم من المضاجع ، يعني النوم .
وأخرج ابن جرير عن السدي . مثله .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } يقول : قمتم وأنتم على غير طهر .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن في قوله { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم } قال : ذلك الغسل الدلك .
وأخرج الدارقطني والبيهقي في سننهما عن جابر بن عبدالله قال « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن طلحة عن أبيه عن جده قال « رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح رأسه هكذا ، وأمرَّ حفص بيديه على رأسه حتى مسح قفاه » .(3/330)
وأخرج ابن أبي شيبة عن المغيرة بن شعبة « أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس عن ابن عباس انه قرأها { وأرجلكم } بالنصب ، يقول : رجعت إلى الغسل .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن علي أنه قرأ { وأرجلكم } قال : عاد إلى الغسل .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والنحاس عن ابن مسعود . أنه قرأ { وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم } بالنصب .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة . أنه كان يقرأ { وأرجلكم } يقول : رجع الأمر إلى الغسل .
وأخرج عبد الرزاق والطبراني عن قتادة أن ابن مسعود قال : رجع قوله إلى غسل القدمين في قوله { وأرجلكم إلى الكعبين } .
وأخرج ابن جرير عن أبي عبد الرحمن قال : قرأ الحسن والحسين { وأرجلكم إلى الكعبين } فسمع علي ذلك وكان يقضي بين الناس فقال : أرجلكم هذا من المقدم والمؤخر في الكلام .
وأخرج سعيد بن منصور عن أنس أنه قرأ { وأرجلكم } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم } قال : هو المسح .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن ماجة عن ابن عباس قال : أبى الناس إلا الغسل ، ولا أجد في كتاب الله إلا المسح .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ابن عباس قال : الوضوء غسلتان ومسحتان .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة . مثله .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس قال : افترض الله غسلتين ومسحتين ، ألا ترى أنه ذكر التيمم فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة . مثله .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير عن أنس . أنه قيل له : إن الحجاج خطبنا فقال : اغسلوا وجوهكم وأيديكم ، وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم ، وأنه ليس شيء من ابن آدم أقرب إلى الخبث من قدميه فاغسلوا بطونهما ، وظهورهما وعراقيبهما . فقال أنس : صدق الله وكذب الحجاج . قال الله { وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم } وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن الشعبي قال : نزل جبريل بالمسح على القدمين ، ألا ترى أن التيمم أن يمسح ما كان غسلاً ويلقى ما كان مسحاً .
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش والنحاس عن الشعبي قال : نزل القرآن بالمسح وجرت السُّنة بالغسل .
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش قال : كانوا يقرؤونها { برؤوسكم وأرجلكم } بالخفض ، وكانوا يغسلون .
وأخرج سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على غسل القدمين .(3/331)
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحكم قال : « مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين بغسل القدمين » .
وأخرج ابن جرير عن عطاء قال : لم أرَ أحداً يمسح القدمين .
وأخرج ابن جرير عن أنس قال : نزل القرآن بالمسح ، والسنة بالغسل .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن البراء بن عازب « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يمسح على الخفين قبل نزول المائدة وبعدها حتى قبضه الله عز وجل » .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس أنه قال : ذكر المسح على القدمين عند عمر وسعد وعبدالله بن عمر فقال عمر : سعد أفقه منك . فقال عمر : يا سعد ، إنا لا ننكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح ، ولكن هل مسح منذ أنزلت سورة المائدة؟ ، فإنها أحكمت كل شيء ، وكانت آخر سورة نزلت من القرآن إلا براءة . قال : فلم يتكلم أحد .
وأخرج أبو الحسن بن صخر في الهاشميات بسند ضعيف عن ابن عباس قال « نزل بها جبريل على ابن عمي صلى الله عليه وسلم { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم } قال له : اجعلها بينهما .
وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي واللفظ له عن جرير أنه بال ثم توضأ ومسح على الخفين ، قال : ما يمنعني أن أمسح وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح! قالوا : إنما كان ذلك قبل نزول المائدة . قال : ما أسلمت إلابعد نزول المائدة .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن جرير بن عبدالله قال » قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول المائدة ، فرأيته يمسح على الخفين « .
وأخرج ابن عدي عن بلال قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : » امسحوا على الخفين « .
وأخرج ابن جرير عن القاسم بن الفضل الحداني قال : قال أبو جعفر : من الكعبين فقال القوم : ههنا؟ فقال : هذا رأس الساق ، ولكن الكعبين هما عند المفصل .
أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { وإن كنتم جنباً فاطهروا } يقول : فاغتسلوا .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال » كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل جيد الثياب ، طيب الريح ، حسن الوجه ، فقال : السلام عليك يا رسول الله . فقال : وعليك السلام . قال : أدنو منك؟ قال : نعم . فدنا حتى ألصق ركبته بركبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله ، ما الإسلام؟ قال : تقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج إلى بيت الله الحرام ، وتغتسل من الجنابة ، قال : صدقت . فقلنا : ما رأينا كاليوم قط رجلاً - والله - لكأنه يعلم رسول الله صلى الله عليه وسم؟! « .(3/332)
وأخرج عبد بن حميد عن وهب الذماري قال : مكتوب في الزبور « من اغتسل من الجنابة فإنه عبدي حقاً ، ومن لم يغتسل من الجنابة فإنه عدوي حقاً » .
أما قوله تعالى : { وإن كنتم مرضى } الآية .
أخرج عبد بن حميد عن عطاء قال : « احتلم رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مجذوم فغسلوه فمات ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » قتلوه قتلهم الله ، ضيعوه ضيعهم الله « » .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس . أنه كان يطوف بالبيت بعدما ذهب بصره ، وسمع قوماً يذكرون المجامعة والملامسة والرفث ولا يدرون معناه ، واحد أم شتى؟ فقال : « الله أنزل القرآن بلغة كل حي من أحياء العرب ، فما كان منه لا يستحي الناس من ذكره فقد عناه ، وما كان منه يستحي الناس فقد كناه ، والعرب يعرفون معناه ، لأن المجامعة والملامسة والرفث ووضع أصبعيه في أذنيه ، ثم قال : ألا هو النيك » .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله تعالى { أو لامستم النساء } قال : أو جامعتم النساء ، وهذيل تقول اللمس باليد . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول :
يلمس الاحلاس في منزله ... بيديه كاليهودي المصل
وقال الأعشى :
ودارعة صفراء بالطيب عندنا ... للمس الندى ما في يد الدرع منتق
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } قال : إن أعياك الماء ، فلا يعييك الصعيد أن تضع فيه كفيك ثم تنفضهما فتمسح بهما يديك ووجهك ، لا تعدو ذلك لغسل جنابة ولا لوضوء صلاة ، ومن تيمم بالصعيد فصلى ثم قدر على الماء فعليه الغسل وقد مضت صلاته التي كان صلاها ، ومن كان معه ماء قليل وخشي على نفسه الظمأ فليتيمم الصعيد ، ويتبلغ بمائه ، فإنه كان يؤمر بذلك والله أعذر بالعذر .
وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم عن عائشة قالت : « سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة ، فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم وثنى رأسه في حجري راقداً ، وأقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة ، وقال : حبست الناس في قلادة؟ فبي الموت لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أوجعني ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح ، فالتمس الماء فلم يوجد ، فنزلت { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم . . } الآية . فقال أسيد بن الحضير : لقد بارك الله فيكم يا آل أبي بكر » .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وابن ماجة ، عن عمار بن ياسر « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرس باولات الجيش ومعه عائشة ، فانقطع عقد لها من جزع ظفار ، فجلس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ماء ، فأنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم رخصة الطهر بالصعيد الطيب ، فقام المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربوا بأيديهم إلى المناكب ، من بطون أيديهم إلى الابط » .(3/333)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { من حرج } قال : من ضيق .
وأخرج مالك ومسلم وابن جرير عن أبي هريرة . ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه ، خرج من وجهه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء ، أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب » .
وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان من طريق محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن دارة عن حمران مولى عثمان ، عن عثمان بن عفان « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما توضأ عبد فأسبغ وضوءه ، ثم قام إلى الصلاة ، إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى » قال محمد بن كعب القرظي : وكنت إذا سمعت الحديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم التمسته في القرآن ، فالتمست هذا فوجدته { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك } [ البقرة : 221 ] فعرفت أن الله لم يتم عليه النعمة حتى غفر له ذنوبه ، ثم قرأت الآية التي في سورة المائدة { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } حتى بلغ { ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم } فعرفت أن الله لم يتم النعمة عليهم حتى غفر لهم .
وأخرج ابن أبي شيبة من أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا توضأ الرجل المسلم خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه ، فإن جلس جلس مغفوراً له » .
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن أبي أمامة الباهلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا تمضمض أحدكم حط ما أصاب بفيه ، وإذا غسل وجهه حط ما أصاب بوجهه ، وإذا غسل يديه حط ما أصاب بيديه ، وإذا مسح رأسه تناثرت خطاياه من أصول الشعر ، وإذا غسل قدميه حط ما أصاب برجليه » .
وأخرج أحمد والطبراني بسند حسن عن أبي أمامة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « أيما رجل قام إلى وضوئه يريد الصلاة فغسل كفيه نزلت كل خطيئة من كفيه ، فإذا مضمض واستنشق واستنثر نزلت خطيئته من لسانه وشفتيه مع أوّل قطرة ، فإذا غسل وجهه نزلت كل خطيئة من سمعه وبصره مع أول قطرة ، وإذا غسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين ، سلم من كل ذنب كهيئته يوم ولدته أمه ، فإذا قام إلى الصلاة رفع الله درجته ، وإن قعد قعد سالماً » .(3/334)
وأخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من توضأ فأسبغ الوضوء غسل يديه ووجهه ، ومسح على رأسه وأذنيه ، ثم قام إلى الصلاة المفروضة ، غفر له ذلك اليوم ما مشت رجله ، وقبضت عليه يداه ، وسمعت إليه أذناه ، ونظرت إليه عيناه ، وحدث به نفسه من سوء » .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « ما من مسلم يتوضأ فيغسل يديه ، ويمضمض فاه ، ويتوضأ كما أمر ، إلا حط عنه ما أصاب يومئذ ما نطق به فمه ، وما مس بيديه ، وما مشى إليه ، حتى أن الخطايا لتتحادر من أطرافه ، ثم هو إذا مشى إلى المسجد ، فرِجل تكتب حسنة ، وأخرى تمحو سيئة » .
وأخرج الطبراني عن ثعلبة بن عباد عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما من عبد يتوضأ فيحسن الوضوء ، فيغسل وجهه حتى يسيل الماء على ذقنه ، ثم يغسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه ، ثم يغسل رجليه حتى يسيل الماء من كعبيه ، ثم يقوم فيصلي ، إلا غفر الله ما سلف من ذنبه » .
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما من مسلم يتوضأ للصلاة فيمضمض ، إلاّ خرج مع قطر الماء كل سيئة تكلم بها لسانه ، ولا يستنشق إلا خرج مع قطر الماء كل سيئة نظر إليها بهما ، ولا يغسل شيئاً من يديه إلاّ خرج مع قطر الماء كل سيئة مشى بهما إليها ، فإذا خرج إلى المسجد ، كتب له بكل خطوة خطاها حسنة ، ومحا بها عنه سيئة حتى يأتي مقامه » .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن عمرو بن عبسة قال : « قلت يا رسول الله ، أخبرني عن الوضوء ، فقال : ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويمج ، ثم يستنشق وينثر إلا جرت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء ، ثم يغسل وجهه كما أمره الله إلا جرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء ، ثم يغسل يديه إلى المرفقين ، إلا جرت خطايا يديه بين أطراف أنامله ، ثم يمسح رأسه كما أمره الله ، إلا جرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء ، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله ، إلا جرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء ، ثم يقوم فيحمد الله ويثني عليه بالذي هو له أهل ، ثم يركع ركعتين ، إلا انصرف من ذنوبه كهيئته يوم ولدته أمه » .(3/335)
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله { ويتم نعمته عليك } قال : تمام النعمة . دخول الجنة ، لم تتم نعمته على عبد لم يدخل الجنة .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب ، والترمذي والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات ، والخطيب عن معاذ بن جبل قال « مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وهو يقول : اللهم إني أسألك الصبر . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سألت البلاء فاسأله المعافاة . ومر على رجل وهو يقول : اللهم إني أسألك تمام النعمة . قال : يا ابن آدم ، هل تدري ما تمام النعمة؟ قال : يا رسول الله ، دعوة دعوت بها رجاء الخير! قال : تمام النعمة دخول الجنة ، والفوز من النار . ومر على رجل وهو يقول : يا ذا الجلال والإكرام . فقال : قد استجيب لك فسل » .
وأخرج ابن عدي عن أبي مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا تتم على عبد نعمة إلا بالجنة » .(3/336)
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)
أخرج ابن جرير والطبراني عن ابن عباس في قوله { واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا } حتى ختم بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنزل عليه الكتاب ، قالوا : آمنا بالنبي والكتاب ، وأقررنا بما في التوراة ، فأذكرهم الله ميثاقه الذي أقروا به على أنفسهم ، وأمرهم بالوفاء به .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { واذكروا نعمة الله عليكم } قال : النعم . آلاء الله وميثاقه الذي واثقكم به . قال : الذي واثق به بني آدم في ظهر آدم عليه السلام .(3/337)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10)
أخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن عبد الله بن كثير في قوله { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط . . } الآية نزلت في يهود خيبر؛ ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستعينهم في دية فهموا ليقتلوه ، فذلك قوله { ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا . . } الآية . والله أعلم .(3/338)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبدالله « أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلاً فتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها ، فعلق النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة ، فجاء أعرابي إلى سيفه فأخذه فَسَلَّهُ ، ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من يمنعك مني؟ قال : الله . . . قال الأعرابي : مرتين أو ثلاثاً من يمنعك مني؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : الله . . . » فشام الأعرابي السيف ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ، فأخبرهم بصنيع الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه « قال معمر : وكان قتادة يذكر نحو هذا ، ويذكر أن قوماً من العرب أرادوا أن يفتكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فأرسلوا هذا الأعرابي ويتألوا { اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم . . } الآية .
وأخرج الحاكم وصححه » عن جابر قال : قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم محارب خصفة بنخل ، فرأوا من المسلمين غرة ، فجاء رجل منهم يقال له غورث بن الحارث ، قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : من يمنعك؟ قال : الله فوقع السيف من يده ، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : من يمنعك؟ قال : كن خير آخذ . قال : تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال : أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخلى سبيله « ، فجاء إلى قومه فقال : جئتكم من عند خير الناس ، فلما حضرت الصلاة صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف ، فكان الناس طائفتين : طائفة بإزاء العدو ، وطائفة تصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانصرفوا فكانوا موضع أولئك الذين بإزاء عدوهم ، وجاء أولئك فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ، فكان للناس ركعتين ركعتين وللنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات » .
وأخرج ابن إسحاق وأبو نعيم في الدلائل من طريق الحسن . أن رجلاً من محارب يقال له غورث بن الحارث قال لقومه : أقتل لكم محمداً؟ قالوا له : كيف تقتله؟! فقال : أفتك به ، فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس وسيفه في حجره فقال : يا محمد ، أنظر إلى سيفك هذا ، قال : نعم ، فأخذه فاستله وجعل يهزه ويهم فيكبته الله فقال : يا محمد ، ما تخافني وفي يدي السيف؟ ورده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله { يا أيها الذين أمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ همَّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكفَّ أيديهم عنكم . . . } الآية .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس قال(3/339)
« إن عمرو بن أمية الضمري حين انصرف من بئر معونة ، لقي رجلين كلابيين معهما أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقتلهما ولم يعلم أم معهما أماناً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير ومعه أبو بكر وعمر وعلي ، فتلقاه بنو النضير فقالوا : مرحبا . يا أبا القاسم ، لماذا جئت؟ قال : رجل من أصحابي قتل رجلين من بني كلاب معهما أمان مني ، طلب مني ديتهما ، فأريد أن تعينوني . قالوا : نعم ، أقعد حتى نجمع لك . فقعد تحت الحصن وأبو بكر وعمر وعلي ، وقد تآمر بنو النضير أن يطرحوا عليه حجراً ، فجاء جبريل فاخبره بما هموا به ، فقام بمن معه ، وأنزل الله { يا أيها الذين أمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم . . . } الآية » .
وأخرج أبو نعيم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس . نحوه .
وأخرج أيضاً عن عروة ، وزاد بعد نزول الآية « وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجلائهم لما أرادوا ، فأمرهم أن يخرجوا من ديارهم . قالوا : إلى أين؟ قال : إلى الحشر » .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبدالله ابن أبي بكر قالا : « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم على دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري ، فلما جاءهم خلا بعضهم ببعض فقالوا : إنكم لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن ، فمروا رجلاً يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه . فقال عمر بن جحاش بن كعب : أنا ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم الخبر فانصرف ، فأنزل الله فيهم ، وفيما أراد هو وقومه { يا أيها الذين أمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم . . . } » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم } قال : هم يهود . دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم حائطاً لهم وأصحابه من وراء جداره ، فاستعانهم في مغرم في دية غرمها ، ثم قام من عندهم فائتمروا بينهم بقتله ، فخرج يمشي القهقرى معترضاً ينظر إليهم ، ثم دعا أصحابه رجلاً رجلاً حتى تقاوموا إليه « .
وأخرج ابن جرير عن يزيد بن زياد قال : » جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير يستعينهم في عقل أصابه ومعه أبو بكر وعمر وعلي ، فقال « أعينوني في عقل أصابني . فقالوا : نعم يا أبا القاسم ، قد آن لك تأتينا وتسألنا حاجة ، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا ، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ينتظرونه ، وجاء حيي بن أخطب فقال حيي لأصحابه : لا ترونه أقرب منه الآن ، اطرحوا عليه حجارة فاقتلوه ولا ترون شراً أبداً ، فجاؤوا إلى رحى لهم عظيمة ليطرحوها عليه ، فأمسك الله عنها أيديهم حتى جاءه جبريل فأقامه من بينهم ، فأنزل الله { يا أيها الذين أمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم . . . } الآية . فأخبر الله نبيه ما أرادوا » « .(3/340)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق السدي عن أبي مالك في الآية قال : نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه حين أرادوا أن يغروا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال « بعث النبي صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أحد النقباء ليلة العقبة في ثلاثين راكباً من المهاجرين والأنصار إلى غطفان ، فالتقوا على ماء من مياه عامر فاقتتلوا ، فقتل المنذر ابن عمرو وأصحابه إلا ثلاثة نفر كانوا في طلب ضالة لهم ، فلم يرعهم إلا والطير تجول في جوّ السماء يسقط من خراطيمها علق الدم ، فقالوا قتل أصحابنا والرحمن . فانطلق رجل منهم فلقي رجلاً ، فاختلفا ضربتين فلما خالطه الضربة رفع طرفه إلى السماء ، ثم رفع عينيه ، فقال : الله أكبر! . . . الجنة ورب العالمين ، وكان يرعى أعنق ليموت ، فانطلق صاحباه فلقيا رجلين من بني سليم فانتسبا لهما إلى بني عامر فقتلاهما ، وكان بينهما وبين النبي صلى الله عليه وسلم موادعة ، فقدم قومهما على النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون عقلهما ، فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف ، حتى دخلوا على بني النضير يستعينونهم في عقلهما ، فقالوا : نعم . فاجتمعت يهود على أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فاعتلوا له بصنعة الطعام ، فلما أتاه جبريل بالذي أجمع له يهود من الغدر خرج ، ثم أعاد علياً فقال : لا تبرح من مكانك هذا ، فمن مر بك من أصحابي فسألك عني فقل : وجه إلى المدينة فأدركوه ، فجعلوا يمرون على علي فيقول لهم الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتى عليه آخرهم ، ثم تبعهم ففي ذلك أنزلت { إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم } حتى { ولا تزال تطلع على خائنة منهم } » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في هذه الآية قال « إن قوماً من اليهود صنعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه طعاماً ليقتلوه ، فأوحى الله إليه بشأنهم فلم يأت الطعام ، وأمر أصحابه فلم يأتوه » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال « ذكر لنا أنها أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببطن نخل في الغزوة الثانية ، فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب ان يفتكوا به ، فأطلعه الله على ذلك ، ذكر لنا أن رجلاً انتدب لقتله ، فأتى نبي الله صلى الله عليه وسلم وسيفه موضوع ، فقال : آخذه يا رسول الله؟ قال : خذه . قال : استله؟ قال : نعم . فاستله فقال : من يمنعك مني؟ قال : الله يمنعني منك ، فهدده أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأغلظوا له القول فشام السيف ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالرحيل ، فأنزلت عليه صلاة الخوف عند ذلك » .(3/341)
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)
أخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل } قال : أخذ الله مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره { وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً } يعني بذلك وبعثنا منهم اثني عشر كفيلاً ، فكفلوا عليهم بالوفاء لله بما وثقوا عليه من العهود فيما أمرهم عنه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { اثني عشر نقيباً } قال : من كل سبط من بني إسرائيل رجال ، أرسلهم موسى إلى الجبارين ، فوجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان ، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس بينهم في خشبة ، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس وأربعة ، فرجع النقباء كل منهم ينهى سبطه عن قتالهم إلا يوشع بن نون وكالب بن باقية . أمرا الأسباط بقتال الجبارين ومجاهدتهم ، فعصوهما وأطاعوا الآخرين ، فهما الرجلان اللذان أنعم الله عليهما ، فتاهت بنو إسرائيل أربعين سنة يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا في تيههم ذلك ، فضرب موسى الحجر لكل سبط عيناً حجر لهم يحملونه معهم ، فقال لهم موسى : اشربوا يا حمير . فنهاه الله عن سبهم ، وقال : هم خلقي فلا تجعلهم حميراً . والسبط كل بطن بني فلان .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال : أمر الله بني إسرائيل بالسير إلى أريحاء - وهي أرض بيت المقدس - فساروا حتى إذا كانوا قريباً منه ، أرسل موسى اثني عشر نقيباً من جميع أسباط بني إسرائيل ، فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبابرة ، فلقيهم رجل من الجبارين يقال له عاج ، فأخذ اثني عشر فجعلهم في حجزته وعلى رأسه حزمة حطب ، فانطلق بهم إلى امرأته فقال : انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا ، فطرحهم بين يديها فقال : ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته : بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا . ففعل ذلك ، فلما خرج القوم قال بعضهم لبعض : يا قوم ، إنكم ان أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم ارتدوا عن نبي الله ، لكن اكتموه ، ثم رجعوا فانطلق عشرة منهم فنكثوا العهد ، فجعل كل منهم يخبر أخاه وأباه بما رأى من عاج ، وكتم رجلان منهم ، فأتوا موسى وهارون فأخبروهما ، فذلك حين يقول الله { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً } قال : شهيداً من كل سبط رجل شاهد على قومه .
وأخرج ابن جرير عن الربيع قال : النقباء ، الأمناء .
وأخرج الطستي عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل { اثني عشر نقيباً } . قال : اثني عشر وزيراً وصاروا أنبياء بعد ذلك .(3/342)
قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت الشاعر يقول :
وإني بحق قائل لسراتها ... مقالة نصح لا يضيع نقيبها
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله عز وجل { اثني عشر نقيباً } قال : هم من بني إسرائيل بعثهم موسى لينظروا إلى المدينة ، فجاؤوا بحبة من فاكهتهم ، فعند ذلك فتنوا ، فقالوا : لا نستطيع القتال فاذهب أنت وربك فقاتلا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لو صدقني وآمن بي واتبعني عشرة من اليهود لأسلم كل يهودي » كان قال كعب اثني عشر ، وتصديق ذلك في المائدة { وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً } .
وأخرج أحمد والحاكم عن ابن مسعود . أنه سئل كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال : سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « اثنا عشر كعدة بني إسرائيل » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس . أن موسى عليه السلام قال للنقباء الاثني عشر : سيروا اليوم فحدثوني حديثهم وما أمرهم ، ولا تخافوا إن الله { معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وعزرتموهم } قال : أعنتموهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { وعزرتموهم } قال : نصرتموهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : التعزيز والتوقير . النصرة والطاعة .(3/343)
فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)
أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { فبما نقضهم ميثاقهم } قال : هو ميثاق أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه .
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله { فبما نقضهم } يقول : فبنقضهم .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم } قال : اجتنبوا نقض الميثاق ، فإن الله قدم فيه وأوعد فيه ، وذكره في آي من القرآن تقدمة ونصيحة وحجة ، وإنما بعظم عظمها الله به عند أولي الفهم والعقل وأهل العلم بالله ، وانا ما نعلم الله أوعد في ذنب ما أوعد في نقض الميثاق .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { يحرِّفون الكلم عن مواضعه } يعني حدود الله في التوراة يقول : ان أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه ، وإن خالفكم فاحذروا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ونسوا حظاً مما ذكروا به } قال : نسوا الكتاب .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله { ونسوا حظاً مما ذكروا به } قال : نسوا الكتاب .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله { ونسوا حظاً مما ذكروا به } قال : كتاب الله إذا نزل عليهم .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { ونسوا حظاً } تركوا نصيباً .
وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله { ونسوا حظاً مما ذكروا به } قال : عرى دينهم ولطائف الله التي لا يقبل الأعمال إلا بها .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية قال : نسوا كتاب الله بين أظهرهم ، وعهده الذي عهده إليهم ، وأمره الذي أمرهم به ، وضيعوا فرائضه ، وعطلوا حدوده ، وقتلوا رسله ، ونبذوا كتابه .
وأخرج ابن المبارك وأحمد في الزهد عن ابن مسعود قال : إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { ولا تزال تطلع على خائنة منهم } قال : هم يهود مثل الذي هموا به من النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل عليهم حائطهم .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { ولا تزال تطَّلع على خائنة منهم } يقول : على خيانة وكذب وفجور . وفي قوله { فاعف عنهم واصفح } قال : لم يؤمر يومئذ بقتالهم ، فأمرهم الله أن يعفو عنهم ويصفح ، ثم نسخ ذلك في براءة فقال { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر . . . } [ التوبة : 29 ] الآية .(3/344)
وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله { ومن الذين قالوا إنا نصارى } قال : كانوا بقرية يقال لها ناصرة ، كان عيسى بن مريم ينزلها .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { ومن الذين قالوا إنا نصارى } قال : كانوا بقرية يقال لها ناصرة نزلها عيسى ، وهو اسم تسموا به ولم يؤمروا به . وفي قوله { ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به } قال : نسوا كتاب الله بين أظهرهم ، وعهد الله الذي عهد لهم ، وأمر الله الذي أمر به وضيعوا فرائضه { فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة } قال : بأعمالهم أعمال السوء ، ولو أخذ القوم بكتاب الله وأمره ما تفرقوا وما تباغضوا .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن إبراهيم في قوله { فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة } قال : أغرى بعضهم بعضاً بالخصومات والجدال في الدين .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم في الآية قال : ما أرى الإغراء في هذه الآية إلا الأهواء المختلفة .
وأخرج ابن جرير عن الربيع قال : إن الله تقدم إلى بني إسرائيل أن لا يشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً ، ويعلموا الحكمة ولا يأخذوا عليها أجراً ، فلم يفعل ذلك إلا قليل منهم ، فأخذوا الرشوة في الحكم وجاوزوا الحدود ، فقال في اليهود حيث حكموا بغير ما أمر الله { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة } [ المائدة : 64 ] وقال في النصارى { فنسوا حَظًّا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة } .(3/345)
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : لما أخبر الأعور سمويل بن صوريا الذي صدق النبي صلى الله عليه وسلم على الرجم أنه في كتابهم ، وقال : لكنا نخفيه ، فنزلت { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب } وهو شاب أبيض طويل من أهل فدك .
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا } قال : هو محمد صلى الله عليه وسلم { يبين لكم كثيراً } يقول : يبين لكم محمد رسولنا كثيراً مما كنتم تكتمونه الناس؛ ولا تبينونه لهم مما في كتابكم ، وكان مما يخفونه من كتابهم فبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس : رجم الزانيين المحصنين .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال : إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أتاه اليهود يسألونه عن الرجم ، فقال : أيكم أعلم؟ فأشاروا إلى ابن صوريا ، فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى ، والذي رفع الطور بالمواثيق التي أخذت عليهم ، هل تجدون الرجم في كتابكم؟ فقال : إنه لما كثر فينا جلدنا مائة وحلقنا الرؤوس فحكم عليهم بالرجم ، فأنزل الله { يا أهل الكتاب } إلى قوله { صراط مستقيم } .
وأخرج ابن الضريس والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب . قال تعالى { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب } قال : فكان الرجم مما أخفوا .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { ويعفو عن كثير } من ذنوب القوم جاء محمد باقالة منها وتجاوز إن اتبعوه .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام } قال : سبيل الله الذي شرعه لعباده ، ودعاهم إليه ، وابتعث به رسله ، وهو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عمل إلا به ، لا اليهودية ، ولا النصرانية ، ولا المجوسية . والله تعالى أعلم .(3/346)
وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال « أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أبي ، وبحري بن عمرو وشاس بن عدي ، فكلمهم وكلموه ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته ، فقالوا : ما تخوّفنا يا محمد ، نحن والله أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى ، فأنزل الله فيهم { وقالت اليهود والنصارى . . . . } إلى آخر الآية » والله تعالى أعلم .
قوله تعالى : { قل فلم يعذبكم } الآية .
أخرج أحمد عن أنس قال « مر النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه وصبي في الطريق ، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ ، فأقبلت تسعى وتقول : ابني ابني . . . فأخذته فقال القوم : يا رسول الله ، ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا والله ولا يلقى حبيبه في النار » .
وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « والله لا يعذب الله حبيبه ، ولكن يبتليه في الدنيا » .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } يقول : يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له ، ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذبه .(3/347)
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال « دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود إلى الإسلام ، فرغبهم فيه وحذرهم فأبوا عليه ، فقال لهم معاذ بن جبل ، وسعد بن عبادة ، وعقبة بن وهب : يا معشر يهود اتقوا الله ، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله ، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته ، فقال رافع بن حريملة ، ووهب بن يهودا : ما قلنا لكم هذا ، وما أنزل الله من كتاب من بعد موسى ، ولا أرسل بشيراً ولا نذيراً بعده ، فأنزل الله { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة . . } الآية » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل } قال : هو محمد جاء بالحق الذي فتر به بين الحق والباطل ، فيه بيان وموعظة ونور وهدى وعصمة لمن أخذ به ، قال : وكانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ، وذكر لنا أنه كانت ستمائة سنة أو ما شاء الله من ذلك .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير من طريق معمر عن قتادة في قوله { على فترة من الرسل } قال : كان بين عيسى ومحمد خمسمائة سنة وستون . قال معمر : قال الكلبي : خمسمائة سنة وأربعون سنة .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : كانت الفترة خمسمائة سنة .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : كانت الفترة بين عيسى ومحمد أربعمائة سنة وبضعاً وثلاثين سنة .(3/348)
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20)
أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً } قال : واسم الله قد جعل نبياً وجعلكم ملوكاً على رقاب الناس ، فاشكروا نعمة الله إن الله يحب الشاكرين .
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله { وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً } قال : كنا نحدث أنهم أول من سخَّر لهم الخدم من بني آدم وملكوا .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { وجعلكم ملوكاً } قال : ملَّكهم الخدم ، وكانوا أول من ملك الخدم .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { وجعلكم ملوكاً } قال : كان الرجل من بني إسرائيل ، إذا كانت له الزوجة والخادم والدار يسمى ملكاً .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله { وجعلكم ملوكاً } قال : الزوجة والخادم والبيت .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان ، عن ابن عباس في قوله { إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً } قال : المرأة الخادم { وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين } قال : الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكاً » .
وأخرج ابن جرير والزبير بن بكار في الموفقيات عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من كان له بيت وخادم فهو ملك » .
وأخرج أبو داود في مراسيله عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من كان له بيت وخادم فهو ملك » .
وأخرج أبو داود في مراسيله عن زيد بن أسلم في قوله { وجعلكم ملوكاً } قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « زوجة ومسكن وخادم » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن عبد الله بن عمرو بن العاص . أنه سأله رجل : ألسنا من فقراء المهاجرين؟ قال : ألك امرأة تأوي إليها؟ قال : نعم . قال : ألك مسكن تسكنه؟ قال : نعم . قال : فأنت من الأغنياء . قال : إن لي خادماً . قال : فأنت كم الملوك .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { وجعلكم ملوكاً } قال : جعل لهم أزواجاً وخدماً وبيوتاً { وآتاكم ما لم يؤتِ أحداً من العالمين } قال : المنَّ والسلوى والحجر والغمام .
وأخرج ابن جرير عن الحسن { وجعلكم ملوكاً } قال : وهل الملك إلا مركب وخادم ودار؟ . .
وأخرج ابن جرير من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله { وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين } قال : المنَّ والسلوى .(3/349)
يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21)
أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { الأرض المقدسة } قال : هي المباركة .
وأخرج ابن عساكر عن معاذ بن جبل قال : الأرض ما بين العريش إلى الفرات .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله { الأرض المقدسة } قال : هي الشام .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { التي كتب الله لكم } قال : أمركم الله بها .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال : أمر القوم كما أمروا بالصلاة والزكاة والحج والعمرة .(3/350)
قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23)
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { إن فيها قوماً جبارين } قال : ذكر لنا أنهم كانت لهم أجسام وخلق ليست لغيرهم .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله { قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين } قال : هم أطول منا أجساماً وأشد قوّة .
وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن أبي ضمرة قال : استظل سبعون رجلاً من قوم موسى خلف رجل من العماليق .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن زيد بن أسلم قال : بلغني أنه رُئِيَتْ ضبع وأولادها رابضة في فجاج عين رجل من العمالقة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك . أنه أخذ عصا فذرع فيها شيئاً ، ثم قاس في الأرض خمسين أو خمساً وخمسين ، ثم قال : هكذا أطول العماليق .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين ، فسار بمن معه حتى نزل قريباً من المدينة وهي أريحاء ، فبعث إليهم اثني عشر نقيباً من كل سبط منهم عين فيأتوه بخبر القوم فدخلوا المدينة فرأوا أمراً عظيماً من هيبتهم وجسمهم وعظمهم ، فدخلوا حائطاً لبعضهم ، فجاء صاحب الحائط ليجني من حائطه ، فجعل يحش الثمار ، فنظر إلى آثارهم فتبعهم ، فكلما أصاب واحداً منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه ، فقال الملك : قد رأيتم شأننا وأمرنا اذهبوا فأخبروا صاحبكم . قال : فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم . فقال : اكتموا عنا ، فجعل الرجل يخبر أباه وصديقه ويقول : اكتم عني فأشيع ذلك في عسكرهم ، ولم يكتم منهم إلا رجلان يوشع بن نون ، وكالب بن يوحنا ، وهم اللذان أنزل الله فيهما { قال رجلان من الذين يخافون } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ادخلوا الأرض المقدسة } قال : هي مدينة الجبارين ، لما نزل بها موسى وقومه بعث منهم اثني عشر رجلاً ، وهم النقباء الذين ذكرهم الله تعالى ليأتوهم بخبرهم ، فساروا فلقيهم رجل من الجبارين فجعلهم في كساءته ، فحملهم حتى أتى بهم المدينة ونادى في قومه : فاجتمعوا إليه فقالوا : من أنتم؟ قالوا : نحن قوم موسى بعثنا لنأتيه بخبركم ، فأعطوهم حبة من عنب تكفي الرجل ، وقالوا لهم : اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم : أقدروا قدر فاكهتهم ، فلما أتوهم قالوا : يا موسى { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } [ المائدة : 24 ] { فقال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما } وكانا من أهل المدينة أسلما واتبعا موسى ، فقالا لموسى { ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون } .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { قال رجلان } قال : يوشع بن نون وكالب .(3/351)
وأخرج عبد بن حميد عن عطية العوفي في قوله { قال رجلان } قال : كالب ويوشع بن النون فتى موسى .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { من الذين يخافون أنعم الله عليهما } قال : في بعض القراءة { يخافون أنعم الله عليهما } .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير . أنه كان يقرأها بضم الياء { يخافون } .
وأخرج ابن منذر عن سعيد بن جبير قال : كانا من العدو ، فصارا مع موسى .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس { قال رجلان من الذين يخافون } برفع الياء .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { من الذين يخافون } بنصب الياء في يخافون .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك { قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما } بالهدى فهداهما فكانا على دين موسى ، وكانا في مدينة الجبارين .
وأخرج ابن جرير عن سهل بن علي { قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما } بالخوف .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله { قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما } قال : هم النقباء . وفي قوله { ادخلوا عليهم الباب } قال : هي قرية الجبارين .(3/352)
قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)
أخرج أحمد والنسائي وابن حبان عن انس « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر استشار المسلمين فأشار عليه عمر ، ثم استشارهم فقالت الأنصار : يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالوا : لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك » .
وأخرج أحمد وابن مردويه عن عتبة بن عبد السلمي قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه « ألا تقاتلون؟ قالوا : نعم . ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون » .
وأخرج أحمد عن طارق بن شهاب أن المقداد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر « يا رسول الله ، إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون » .
وأخرج البخاري والحاكم وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال « لقد شهدت من المقداد مشهداً لأن أكون أنا صاحبه أحب إليَّ مما عدل به ، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين قال : والله يا رسول الله ، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } ولكن نقاتل عن يمينك وعن يسارك ، ومن بين يديك ومن خلفك ، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرق لذلك وسر بذلك » .
وأخرج ابن جريرعن قتادة قال « ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم الحديبية حين صد المشركون الهدي وحيل بينهم وبين مناسكهم! إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت . فقال المقداد بن الأسود : اما والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } » .(3/353)
قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25)
أخرج ابن جرير عن السدي قال : غضب موسى عليه السلام حين قال له القوم : { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } فدعا عليهم فقال : { رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } وكان عجلة من موسى عجلها ، فلما ضرب عليهم التيه ندم موسى ، فلما ندم أوحى الله إليه { فلا تأس على القوم الفاسقين } [ المائدة : 26 ] لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } يقول : افصل بيننا وبينهم .(3/354)
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)
أخرج ابن جرير عن قتادة في قوله { فإنها محرمة عليهم } قال : أبداً . وفي قوله { يتيهون في الأرض } قال : أربعين سنة .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال : ذكر لنا أنهم بعثوا اثني عشر رجلاً ، من كل سبط رجلاً عيوناً ليأتوهم بأمر القوم ، فأما عشرة فجبنوا قومهم وكرهوا إليهم الدخول ، وأما يوشع بن نون وصاحبه فأمرا بالدخول واستقاما على أمر الله ورغبا قومهم في ذلك ، وأخبراهم في ذلك أنهم غالبون حتى بلغ { ههنا قاعدون } . قال : لما جبن القوم عن عدوّهم وتركوا أمر ربهم قال الله { فإنها محرمة عليهم أربعين سنة } إنما يشربون ماء الاطواء ، لا يهبطون قرية ولا مصراً ، ولا يهتدون لها ولا يقدرون على ذلك .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال : حرمت عليهم القرى ، فكانوا لا يهبطون قرية ولا يقدرون على ذلك ، إنما يتبعون الاطواء أربعين سنة ، والاطواء الركايا ، وذكر لنا أن موسى توفي في الأربعين سنة ، وأنه لم يدخل بيت المقدس منهم إلا أبناؤهم والرجلان اللذان قالا .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : تاهوا أربعين سنة ، فهلك موسى وهرون في التيه ، وكل من جاوز الأربعين سنة ، فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم يوشع بن نون ، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى ، وهو الذي قيل له اليوم يوم الجمعة فهموا بافتتاحها ، فدنت الشمس للغروب ، فخشي إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا ، فنادى الشمس : إني مأمور وإنك مأمورة . فوقفت حتى افتتحها ، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط ، فقربوه إلى النار فلم تأتِ فقال : فيكم الغلول ، فدعا رؤوس الاسباط وهم اثنا عشر رجلاً فبايعهم ، فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال : الغلول عندك ، فأخرجه فأخرج رأس بقرة من ذهب ، لها عينان من ياقوت ، وأسنان من لؤلؤ ، فوضعا مع القربان ، فأتت النار فأكلتها .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال : تاهت بنو إسرائيل أربعين سنة ، يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا في تيههم .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال : إن بني إسرائيل لما حرم الله عليهم أن يدخلوا الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون في الأرض ، شكوا إلى موسى فقالوا : ما نأكل؟ فقال : إن الله سيأتكم بما تأكلون . قالوا : من أين؟ قال : إن الله سينزل عليكم خبزاً مخبوزاً . فكان ينزل عليهم المنّ وهو خبز الرقاق ومثل الذرة . قالوا : وما نَأْتَدِمُ ، وهل بُدِّلْنَا من لحم؟ قال : فإن الله يأتيكم به . قالوا : من أين؟ فكانت الريح تأتيهم بالسلوى ، وهو طير سمين مثل الحمام . فقالوا : فما نلبس؟ قال : لا يخلق لأحدكم ثوب أربعين سنة . قالوا : فما نحتذي؟ قال : لا ينقطع لأحدكم شسع أربعين سنة .(3/355)
قالوا : فإنه يولد فينا أولاد صغار فما نكسوهم؟ قال : الثوب الصغير يشب معه . قالوا : فمن أين لنا الماء؟ قال : يأتيكم به الله . فأمر الله موسى أن يضرب بعصاه الحجر قالوا : فما نبصر تغشانا الظلمة ، فضرب له عموداً من نور في وسط عسكره أضاء عسكره كله . قالوا : فبم نستظل؟ الشمس علينا شديدة ، قال : يظلكم الله تعالى بالغمام .
وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال : ظلل عليهم الغمام في التيه قدر خمسة فراسخ أو ستة ، كلما أصبحوا ساروا غادين ، فإذا امسوا إذا هم في مكانهم الذي ارتحلوا منه ، فكانوا كذلك أربعين سنة ، وهم في ذلك ينزل عليهم المن والسلوى ولا تبلى ثيابهم ، ومعهم حجر من حجارة الطور يحملونه معهم ، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق ولا تذوب .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن طاوس قال : كانت بنو إسرائيل إذا كانوا في تيهم تشب معهم ثيابهم إذا شبوا .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال : لما استسقى موسى لقومه أوحى الله إليه : أن اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، فقال لهم موسى : ردوا معشر الحمير . فأوحى الله إليه : قلت لعبادي معشر الحمير ، وإني قد حرمت عليكم الأرض المقدسة؟ . قال : يا رب فاجعل قبري منها قذفة حجر . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لو رأيتم قبر موسى لرأيتموه من الأرض المقدسة قذفة بحجر » .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال : لما استسقى لقومه فسقوا قال : اشربوا يا حمير . فنهاه عن ذلك ، وقال : لا تدعُ عبادي يا حمير .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { فلا تأس } قال : لا تحزن .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس ان نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل { فلا تَأْسَ } قال : لا تحزن . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت امرؤ القيس وهو يقول :
وقوفاً بها صحبي عليّ مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمَّل
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والحاكم وصححه عن أبي هريرة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن نبياً من الأنبياء قاتل أهل مدينة ، حتى إذا كاد أن يفتحها خشي أن تغرب الشمس فقال : أيتها الشمس إنك مأمورة وأنا مأمور ، بحرمتي عليك إلا وقفت ساعة من النهار . قال : فحبسها الله تعالى حتى افتتح المدينة ، وكانوا إذا أصابوا الغنائم قربوها في القربان فجاءت النار فأكلتها ، فلما أصابوا وضعوا القربان فلم تجئ النار تأكله . فقالوا : يا نبي الله ، ما لنا لا يقبل قرباننا؟! قال : فيكم غلول . قالوا : وكيف لنا أن نعلم من عنده الغلول؟ قال : وهم اثنا عشر سبطاً قال : يبايعني رأس كل سبط منكم ، فبايعه رأس كل سبط ، فلزقت كفه بكف رجل منهم فقالوا له : عندك الغلول . فقال : كيف لي أن أعلم؟ قال تدعو سبطك فتبايعهم رجلاً رجلاً ، ففعل ، فلزقت كفه بكف رجل منهم قال : عندك الغلول . قال : نعم ، عندي الغلول . قال : وماهو؟ قال : رأس ثور من ذهب أعجبني فغللته ، فجاء به فوضعه في الغنائم ، فجاءت النار فأكلته »(3/356)
، فقال كعب : صدق الله ورسوله هكذا ، والله في كتاب الله يعني في التوراة ، ثم قال : يا أبا هريرة ، أحدثكم النبي صلى الله عليه وسلم أي نبي كان؟ قال : هو يوشع بن نون . قال : فحدثكم أي قرية؟ قال : هي مدينة أريحاء ، وفي رواية عبد الرزاق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لم تحل الغنيمة لأحد قبلنا ، وذلك أن الله رأى ضعفنا فطيبها لنا ، وزعموا أن الشمس لم تحبس لأحد قبله ولا بعده » .(3/357)
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)
أخرج ابن جرير عن ابن مسعود عن ناس من الصحابة . أنه كان لا يولد لآدم مولود ألا ولد معه جارية ، فكان يزوّج غلام هذا البطن لجارية البطن الآخر ، ويزوّج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر ، حتى ولد له ابنان يقال لهما قابيل وهابيل ، وكان قابيل صاحب زرع ، وكان هابيل صاحب ضرع ، وكان قابيل أكبرهما وكانت له أخت أحسن من أخت هابيل ، وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه وقال : هي اختي ولدت معي وهي أحسن من أختك وأنا أحق أن أتزوّج بها . فأمره أبوه أن يتزوّجها هابيل فأبى ، وإنهما قَرَّبَا قرباناً إلى الله أيهما أحق بالجارية ، وكان آدم قد غاب عنهما إلى مكة ينظر إليها ، فقال آدم للسماء : احفظي ولدي بالأمانة فأبت ، وقال للأرض فأبت ، وقال للجبال فأبت ، فقال لقابيل فقال : نعم ، تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك . فلما انطلق آدم قربا قرباناً ، وكان قابيل يفخر عليه فقال : أنا أحق بها منك ، هي أختي وأنا أكبر منك وأنا وصي والدي ، فلما قربا قرب هابيل جذعة سمينة ، وقرب قابيل حزمة سنبل ، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها فأكلها ، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل ، فغضب وقال : لأقتلنك حتى لا تنكح أختي . فقال هابيل { إنما يتقبل الله من المتقين ، إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } يقول : إثم قتلي إلى إثمك الذي في عنقك .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر بسند جيد عن ابن عباس قال : نهى أن ينكح المرأة أخاها توأمها ، وأن ينكحها غيره من اخوتها ، وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة ، فبينما هم كذلك ولد له امرأة وضيئة وأخرى قبيحة ذميمة ، فقال أخو الذميمة : انكحني أختك وأنكحك أختي . قال : لا ، أنا أحق بأختي ، فقربا قرباناً ، فجاء صاحب الغنم بكبش أبيض وصاحب الزرع بصبرة من طعام ، فتقبل من صاحب الكبش فخزنه الله في الجنة أربعين خريفاً وهو الكبش الذي ذبحه إبراهيم ، ولم يقبل من صاحب الزرع ، فبنو آدم كلهم من ذلك الكافر .
وأخرج إسحاق بن بشر في المبتدأ وابن عساكر في تاريخه من طريق جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال : ولد لآدم أربعون ولداً ، عشرون غلاماً وعشرون جارية ، فكان ممن عاش منهم هابيل ، وقابيل ، وصالح ، وعبد الرحمن ، والذي كان سماه عبد الحارث ، وود ، وكان يقال له شيث ، ويقال له هبة الله ، وكان اخوته قد سودوه ، وولد له سواع ، ويغوث ، ونسر ، وإن الله أمره أن يفرق بينهم في النكاح ، ويزوج أخت هذا من هذا .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : كان من شأن ابني آدم أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه ، وإنما كان القربان يقربه الرجل ، فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا : لو قربنا قرباناً ، وكان أحدهما راعياً والآخر حراثاً ، وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه واسمنها ، وقرب الآخر بعض زرعه ، فجاءت النار فنزلت فأكلت الشاة وتركت الزرع ، وإن ابن آدم قال لأخيه : أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قرباناً فتقبل منك وردَّ عليَّ؟ فلا والله لا ينظر الناس إليّ وإليك وأنت خير مني ، فقال : لأقتلنك .(3/358)
فقال له أخوه : ما ذنبي { إنما يتقبل الله من المتقين ، لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك } لا أنا مستنصر ولأمسكن يدي عنك .
وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال : إن ابني آدم اللذين قربا قرباناً ، كان أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم ، وأنهما أُمِرَا أن يُقَرِّبَا قرباناً وأن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه ، وإن صاحب الحرث قرب شر حرثه الكردن والزوان غير طيبة بها نفسه ، وإن الله تقبل قربان صاحب الغنم ولم يقبل قربان صاحب الحرث ، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه ، وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين ، ولكنه منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { واتل عليهم نبأ ابني آدم } قال : هابيل وقابيل لصلب آدم ، قرب هابيل عناقاً من أحسن غنمه وقرب قابيل زرعاً من زرعه ، فتقبل من صاحب الشاة ، فقال لصاحبه : لأقتلنك . . . ! فقتله . فعقل الله إحدى رجليه بساقه إلى فخذها من يوم قتله إلى يوم القيامة ، وجعل وجهه إلى اليمن ، حيث دارت عليه حظيرة من ثلج في الشتاء ، وعليه في الصيف حظيرة من نار ، ومعه سبعة أملاك كلما ذهب ملك جاء الآخر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله { واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق } قال : كانا من بني إسرائيل ولم يكونا ابني آدم لصلبه ، وإنما كان القربان في بني إسرائيل وكان أوّل من مات .
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء قال : لأن استيقن ان الله تقبل مني صلاة واحدة أحب إليّ من الدنيا وما فيها ، إن الله يقول { إنما يتقبل الله من المتقين } .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن علي بن أبي طالب قال : لا يقل عمل مع تقوى ، وكيف يقل ما يتقبل؟ . . .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز . أنه كتب إلى رجل : أوصيك بتقوى الله الذي لا يقبل غيرها ، ولا يرحم إلا عليها ، ولا يثيب إلا عليها ، فإن الواعظين بها كثير ، والعاملين بها قليل .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن يزيد العيص : سألت موسى بن أعين عن قوله عز وجل { إنما يتقبل الله من المتقين } قال : تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام ، فسماهم الله متقين .(3/359)
وأخرج ابن أبي الدنيا عن فضالة بن عبيد قال : لأن أكون اعلم أن الله يقبل مني مثقال حبة من خردل ، أحب إليَّ من الدنيا وما فيها ، فإن الله يقول { إنما يتقبل الله من المتقين } .
وأخرج ابن سعد وابن أبي الدنيا عن قتادة قال : قال عامر بن عبد قيس آية في القرآن أحب إليّ من الدنيا جميعاً أن أعطاه أن يجعلني الله من المتقين ، فإنه قال { إنما يتقبل الله من المتقين } .
وأخرج ابن أبي الدنيا ، عن همام بن يحيى قال : بكى عامر بن عبد الله عند الموت فقيل له : ما يبكيك؟ قال : آية في كتاب الله . فقيل له : أيّة آية؟! قال { إنما يتقبل الله من المتقين } .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله لا يقبل عمل عبد حتى يرضى عنه » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ثابت قال : كان مطرف يقول : اللهم تقبَّل مني صيام يوم ، اللهم اكتب لي حسنة ، ثم يقول { إنما يتقبل الله من المتقين } .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك في قوله { إنما يتقبل الله من المتقين } قال : الذين يتقون الشرك .
وأخرج ابن عساكر عن هشام بن يحيى عن أبيه قال : دخل سائل إلى ابن عمر فقال لابنه : اعطه ديناراً فاعطاه ، فلما انصرف قال ابنه : تقبل الله منك يا أبتاه فقال : لو علمت أن الله تقبل مني سجدة واحدة أو صدقة درهم لم يكن غائب أحب إلي من الموت ، تدري ممن يتقبل الله؟ { إنما يتقبل الله من المتقين } .(3/360)
لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29)
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { لئن بسطت إلي يدك . . . } الآية . قال : كان كتب عليهم إذا أراد الرجل رجلاً تركه ولا يمتنع منه .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية . قال : كانت بنو إسرائيل كتب عليهم إذا الرجل بسط يده إلى الرجل لا يمتنع عنه حتى يقتله أو يدعه ، فذلك قوله { لئن بسطت } الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك } قال : بقتلك إياي { وإثمك } قال : بما كان منك قبل ذلك .
وأخرج عن قتادة والضحاك . مثله .
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل { إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك } قال : ترجع بإثمي وإثمك الذي عملت فتستوجب النار . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت الشاعر يقول :
من كان كاره عيشه فليأتنا ... يلقى المنية أو يبوء عناء
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن سعد بن أبي وقاص : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إنها ستكون فتنة ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم خير من الماشي ، والماشي خير من الساعي ، قال : أفرأيت إن دخل علي بيتي فبسط إليّ يده ليقتلني؟ قال : كن كابن آدم ، وتلا { لئن بسطت إلىّ يدك لتقتلني } الآية » .
وأخرج أحمد ومسلم والحاكم عن أبي ذر قال « ركب النبي صلى الله عليه وسلم حماراً وأردفني خلفه فقال : يا أبا ذر أرأيت إن أصاب الناس جوع لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك ، كيف تصنع؟ قلت : الله ورسوله أعلم! قال : تعفف يا أبا ذر ، أرأيت إن أصاب الناس موت شديد يكون البيت فيه بالعبد يعني القبر؟ قلت : الله ورسوله أعلم! قال : اصبر يا أبا ذر . قال : أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضاً حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء ، كيف تصنع؟ قلت : الله ورسوله أعلم! قال : اقعد في بيتك واغلق بابك . قلت : فإن لم أترك؟ قال : فائت من أنق منهم فكن فيهم . قلت : فآخذ سلاحي؟ قال : إذن تشاركهم فيما هم فيه ، ولكن إن خشيت أن يروّعك شعاع السيف فالق طرف ردائك على وجهك حتى يبوء بإثمه وإثمك فيكون من أصحاب النار » .
وأخرج البيهقي عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « اكسروا سيفكم يعني في الفتنة ، واقطعوا أوتاركم ، والزموا أجواف البيوت ، وكونوا فيها كالخير من ابني آدم » .
وأخرج ابن مردويه عن حذيفة قال : لئن اقتتلتم لأنتظرن أقصى بيت في داري فلألجنَّه فلئن دخل عليَّ فلأقولن : ها بؤ بإثمي وإثمك كخير ابني آدم .(3/361)
وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن أبي نضرة قال : دخل أبو سعيد الخدري يوم الحرة غاراً ، فدخل عليه الغار رجل ومع أبي سعيد السيف ، فوضعه أبو سعيد وقال : بؤ بإثمي وإثمك وكن من أصحاب النار ، ولفظ ابن سعد وقال : { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار } قال أبو سعيد الخدري : أنت . . . ؟! قال : نعم . قال : فاستغفر لي . قال : غفر الله لك .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن ابني آدم ضربا مثلاً لهذه الأمة فخذوا بالخير منهما » .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « يا أيها الناس ألا إن ابني آدم ضربا لكم مثلاً ، فتشبهوا بخيرهما ولا تتشبهوا بشرهما » .
وأخرج ابن جرير من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه قال : قلت لبكر بن عبد الله : أما بلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلاً ، فخذوا خيرهما ودعوا شرهما؟ . . قال بلى » .
وأخرج الحاكم بسند صحيح عن أبي بكرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ألا إنها ستكون فتن ، ألا ثم تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي إليها ، فإذا نزلت فمن كان له إبل فليلحق بإبله ، ومن كان له أرض فليلحق بأرضه . فقيل : أرأيت يا رسول الله إن لم يكن له ذلك؟ قال : فليأخذ حجراً فليدق به على حد سيفه ، ثم لينج إن استطاع النجاة ، اللهم هل بلغت ثلاثاً . فقال رجل : يا رسول الله ، أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين ، فيرميني رجل بسهم أو يضربني بسيف فيقتلني؟ قال يبوء بإثمه وإثمك فيكون من أصحاب النار . قالها ثلاثاً » .
وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة أنه قيل له : ما تأمرنا إذا قتل المصلون؟ قال : آمرك أن تنظر أقصى بيت في دارك فتلج فيه ، فإن دخل عليك فتقول له : بُؤْ بإثمي وإثمك فتكون كابن آدم .
وأخرج أحمد والحاكم عن خالد بن عرفطة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يا خالد إنه سيكون بعدي أحداث وفتن واختلاف ، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول « يكون فتنة النائم فيها خير من المضطجع ، والمضطجع خير من القاعد ، والقاعد خير من الماشي ، والماشي خير من الساعي ، قتلاها كلها في النار . قال : يا رسول الله ، فيم تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال : ادخل بيتك . قلت : أفرأيت إن دخل عليَّ؟ قال : قل بؤ بإثمي وإثمك ، وكن عبد الله المقتول » .(3/362)
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر عن الأوزاعي قال : من قتل مظلوماً كفَّر الله كل ذنب عنه ، وذلك في القرآن { إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك } .
وأخرج ابن سعد عن خباب بن الأرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم « أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، فإن أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يعجز أحدكم أتاه الرجل أن يقتله أن يقول هكذا ، وقال بإحدى يديه على الأخرى ، فيكون كالخير من ابني آدم ، وإذا هو في الجنة وإذا هو في الجنة وإذا قاتله في النار » .(3/363)
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { فطوّعت له نفسه قتل أخيه } قال : زيَّنت له نفسه .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة { فطوّعت له نفسه قتل أخيه } ليقتله ، فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال ، فأتاه يوماً من الأيام وهو يرعى غنماً له وهو نائم ، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات ، فتركه بالعراء ولا يدري كيف يدفن ، فبعث الله غرابين أخوين ، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ، فحفر له ثم حثا عليه التراب ، فلما رآه قال : يا ويلتا ، أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال : ابن آدم الذي قتل أخاه لم يدر كيف يقتله ، فتمثل له إبليس في صورة طير ، فأخذ طيراً فوضع رأسه بين حجرين ، فشدخ رأسه فعلمه القتل . وأخرج عن مجاهد نحوه .
وأخرج ابن جرير عن خيثمة قال : لما قتل ابن آدم أخاه شفت الأرض دمه ، فلعنت ، فلم تشف الأرض دماً بعد .
وأخرج ابن عساكر عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « بدمشق جبل يقال له قاسيون فيه قتل ابن آدم أخاه » .
وأخرج ابن عساكر عن عمرو بن خبير الشعباني قال : كنت مع كعب الأحبار على جبل دير المران ، فرأى لجة سائلة في الجبل ، فقال : ههنا قتل ابن آدم أخاه ، وهذا أثر دمه جعله الله آية للعالمين .
وأخرج ابن عساكر من وجه آخر عن كعب قال : إن الدم الذي على جبل قاسيون هو دم ابن آدم .
وأخرج ابن عساكر عن وهب قال : إن الأرض نشفت دم ابن آدم المقتول فلعن ابن آدم الأرض ، فمن أجل ذلك لا تنشف الأرض دماً بعد دم هابيل إلى يوم القيامة .
وأخرج نعيم بن حماد في الفتن عن عبد الرحمن بن فضالة قال : لما قتل قابيل هابيل مسح الله عقله ، وخلع فؤاده ، تائها حتى مات .
قوله تعالى : { فأصبح من الخاسرين } .
أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل » .
وأخرج ابن المنذر عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما قتلت نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم قاتل الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل » .
وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن عمرو قال : إن أشقى الناس رجلاً لابن آدم الذي قتل أخاه ما سفك دم في الأرض منذ قتل أخاه إلى يوم القيامة إلا لحق به منه شيء وذلك أنه أول من سن القتل .(3/364)
وأخرج الطبراني عن ابن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أشقى الناس ثلاثة : عاقر ناقة ثمود ، وابن آدم الذي قتل أخاه ما سفك على الأرض من دم إلا لحقه منه لأنه أول من سن القتل » .
وأخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمرو قال إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب عليه شطر عذابهم .
وأخرج ابن أبي الدنيا كتاب من عاش بعد الموت من طريق عبد الله بن دينار عن أبي أيوب اليماني عن رجل من قومه يقال له عبد الله ، أنه ونفراً من قومه ركبوا البحر وإن البحر أظلم عليهم أياماً ، ثم انجلت عنهم تلك الظلمة وهم قرب قرية . قال عبد الله : فخرجت ألتمس الماء وإذا أبواب مغلقة تجأجأ فيها الريح فهتفت فيها فلم يجبني أحد فبينا أنا على ذلك إذ طلع عليَّ فارسان ، فسألا عن أمري فأخبرتهما الذي أصابنا في البحر وأني خرجت أطلب الماء ، فقالا لي : اسلك في هذه السكة فإنك ستنتهي إلى بركة فيها ماء فاستق منها ولا يهولنك ما ترى فيها . فسألتهما عن تلك البيوت المغلقة التي تجأجئ فيها الريح ، فقالا : هذه بيوت أرواح الموتى ، فخرجت حتى انتهيت إلى البركة فإذا فيها رجل معلق منكوس على رأسه ، يريد أن يتناول الماء بيده فلا يناله ، فلما رآني هتف بي وقال : يا عبد الله ، اسقني فغرفت بالقدح لأناوله فقبضت يدي فقلت : أخبرني من أنت؟ فقال : أنا ابن آدم أول من سفك دماً في الأرض .(3/365)
فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطية قال : لما قتله ندم ، ضمه إليه حتى أروح ، وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يرمي به فتأكله ، وكره أن يأتي به آدم فيحزنه ، فبعث الله غرابين قتل أحدهما الآخر وهو ينظر إليه ، ثم حفر به بمنقاره وبرجليه حتى مكَّن له ، ثم دفعه برأسه حتى ألقاه في الحفرة ، ثم بحث عليه برجليه حتى واراه ، فلما رأى ما صنع الغراب { قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : بعث الله غرابين فاقتتلا ، فقتل أحدهما الآخر ثم جعل يحثو عليه التراب حتى واراه ، فقال ابن آدم القاتل : { يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : جاء غراب إلى غراب ميت ، فحثا عليه التراب حتى واراه ، فقال الذي قتل أخاه { يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي } .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : مكث يحمل أخاه في جراب على رقبته سنة ، حتى بعث الله الغرابين ، فرآهما يبحثان فقال { أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب } فدفن أخاه .
وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن سالم بن أبي الجعد قال : ان آدم لما قتل أحد ابنيه الآخر ، مكث مائة عام لا يضحك حزناً عليه ، فأتى على رأس المائة فقيل له : حياك الله وبياك وبشر بغلام ، فعند ذلك ضحك .
وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : لما قتل ابن آدم ، بكى آدم فقال :
تغيرت البلاد ومن عليها ... فلون الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي لون وطعم وقل بشاشة الوجه المليح ... فأجيب آدم عليه السلام :
أبا هابيل قد قتلا جميعاً ... وصار الحي بالميت الذبيح
وجاء بشره قد كان منه ... على خوف فجاء بها يصيح
وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس قال : لما قتل ابن آدم أخاه قال آدم عليه الصلاة والسلام :
تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي لون وطعم ... وقل بشاشة الوجه الصبيح
قتل قابيل هابيلاً أخاه ... فوا حزناً مضى الوجه المليح
فأجابه إبليس عليه اللعنة :
تنح عن البلاد وساكنيها ... فبي في الخلد ضاق بك الفسيح
وكنت بها وزوجك في رخاء ... وقلبك من أذى الدنيا مريح
فما انفكت مكايدتي ومكري ... إلى أن فاتك الثمن الربيح(3/366)
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)
أخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل } يقول : من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ظلماً .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله { من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً } عند المقتول يقول : في الإثم { ومن أحياها } فاستنقذها من هلكة { فكأنما أحيا الناس جميعاً } عند المستنفذ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { فكأنما قتل الناس جميعاً } قال : أوبق نفسه كما لو قتل الناس جميعاً وفي قوله { من أحياها } قال : من سلم من قتلها .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : احياؤها أن لا يقتل نفساً حرمها الله .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : من قتل نبياً ، أو إمام عدل ، فكأنما قتل الناس جميعاً .
وأخرج ابن سعد عن أبي هريرة قال : دخلت على عثمان يوم الدار فقلت : جئت لأنصرك . فقال : يا أبا هريرة ، أيسرك أن تقتل الناس جميعاً وإيار معهم؟ قلت : لا . قال : فإنك إن قتلت رجلاً واحداً فكأنما قتلت الناس جميعاً ، فانصرف .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { فكأنما قتل الناس جميعاً } قال : هذه مثل التي في سورة النساء { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً } [ النساء : 93 ] يقول : لو قتل الناس جميعاً لم يزد على مثل ذلك العذاب .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله { من قتل نفساً بغير نفس . . . فكأنما قتل الناس جميعاً } قال : في الوزر { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً } قال : في الأجر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { ومن أحياها } قال : من أنجاها من غرق أو حرق أو هدم أو هلكة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله { ومن أحياها } قال : من قتل حميم فعفا عنه فكأنما أحيا الناس جميعاً .
وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه قيل له في هذه الآية : أهي لنا كما كانت لبني إسرائيل؟ قال : اي والذي لا إله غيره .(3/367)
إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)
أخرج أبو داود والنسائي عن ابن عباس في قوله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : نزلت في المشركين ، منهم من تاب قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل ، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل ، أو أفسد في الأرض ، أو حارب الله ورسوله ، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدروا عليه ، لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه .
وأخرج ابن جرير والطبراني في الكبير عن ابن عباس في هذه الآية قال « كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق ، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض ، فخيَّر الله نبيه فيهم إن شاء أن يقتل ، وإن شاء أن يصلب ، وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وأما النفي فهو الهرب في الأرض ، فإن جاء تائباً فدخل في الإسلام قُبِل منه ولم يؤخذ بما سلف » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن سعد قال : نزلت هذه الآية في الحرورية { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية .
وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه والبيهقي في الدلائل عن أنس « أن نفراً من عكل قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا وآمنوا ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها ، فقتلوا راعيها واستاقوها ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم ، فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ، ولم يحسمهم وتركهم حتى ماتوا ، فأنزل الله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله . . . } الآية » .
وأخرج أبو داود والنسائي وابن جرير عن ابن عمر قال : نزلت آية المحاربين في العرنيين .
وأخرج ابن جرير قال : « قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة مضرورين ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما صحوا واشتدوا قتلوا رعاء اللقاح ، ثم صرخوا باللقاح عامدين بها إلى أرض قومهم قال جرير : فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين ، فقدمنا بهم ، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم ، فأنزل الله هذه الآية { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية » .
وأخرج ابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية ، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر من العرنيين ، وهم من بجيلة . قال أنس « فارتدوا عن الإسلام ، وقتلوا الراعي ، واستاقوا الإبل ، وأخافوا السبيل ، وأصابوا الفرج الحرام ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عن القضاء فيمن حارب ، فقال : من سرق وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه » .(3/368)
وأخرج الحافظ عبد الغني في إيضاح الإشكال من طريق أبي قلابة عن أنس « عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : » هم من عكل « » .
وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة قال « قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من بني فزاره قد ماتوا هزالاً ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى لقاحه فسرقوها فطلبوا ، فأتى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ، قال أبو هريرة : فيهم نزلت هذه الآية { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : فترك النبي صلى الله عليه وسلم الأعين بعد » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن سعيد بن جبير قال : « كان ناس من بني سليم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فبايعوه على الإسلام وهم كذبة ، ثم قالوا : إنا نجتوي المدينة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح فاشربوا من أبوالها ، فبينما هم كذلك إذ جاء الصريخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : قتلوا الراعي ، وساقوا النعم ، فركبوا في أثرهم ، فرجع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسروا منهم ، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم بهم ، فأنزل الله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية . فقتل النبي صلى الله عليه وسلم منهم ، وصلب ، وقطع ، وسمل الأعين ، قال : فما مثَّل النبي صلى الله عليه وسلم قبل ولا بعد ، ونهى عن المثلة وقال : لا تمثِّلوا بشيء » .
وأخرج مسلم والنحاس في ناسخه والبيهقي عن أنس قال « إنما سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة » .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية . قال : « نزلت في سودان عرينة ، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وبهم الماء الأصفر ، فشكوا ذلك إليه ، فأمرهم فخرجوا إلى إبل الصدقة ، فقال اشربوا من أبوالها وألبانها ، فشربوا حتى إذا صحوا وبرئوا قتلوا الرعاة واستاقوا الإبل ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى بهم ، فأراد أن يسمل أعينهم ، فنهاه الله عن ذلك ، وأمره أن يقيم فيهم الحدود كما أنزل الله » .
وأخرج ابن جرير عن الوليد بن مسلم قال : ذكرت لليث بن سعد ما كان من سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك حسمهم حتى ماتوا ، فقال : سمعت محمد بن عجلان يقول : أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم معاتبة في ذلك ، وعلَّمه عقوبة مثلهم من القطع والقتل والنفي ، ولم يسمل بعدهم وغيرهم .(3/369)
قال : وكان هذا القول ذكر لابن عمر ، فأنكر أن تكون نزلت معاتبة ، وقال : بل كانت عقوبة ذلك النفر بأعيانهم ، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم فرفع عنه السمل .
وأخرج البيهقي في سننه عن محمد بن عجلان عن أبي الزناد « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قطع الذين أخذوا لقاحه وسمل أعينهم ، عاتبه الله في ذلك ، فأنزل الله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله . . } الآية » .
وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله . . } الآية . قال : إذا خرج المحارب فأخذ المال ولم يقتل يقطع من خلاف ، واذا خرج فقتل ولم يأخذ المال قتل ، وإذا خرج فقتل وأخذ المال قتل وصلب ، واذا خرج فأخاف السبيل ولم يأخذ المال ولم يقتل نفي .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله . . } الآية . قال : من شهر السلاح في قبة الإسلام ، وأفسد السبيل وظهر عليه وقدر فإمام المسلمين مخيَّر فيه ، إن شاء قتله ، وإن شاء صلبه ، وإن شاء قطع يده ورجله ، قال { أو ينفوا من الأرض } يهربوا يخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب .
وأخرج أبو داود والنسائي والنحاس في ناسخه والبيهقي ، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال : زان محصن يرجم ، ورجل قتل متعمداً فيقتل ، ورجل خرج من الإسلام فحارب ، فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض » .
وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن عباس « أن قوماً من عرينة جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا وكان منهم مواربة قد شلت أعضاؤهم ، واصفرت وجوههم ، وعظمت بطونهم ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة يشربوا من أبوالها وألبانها ، فشربوا حتى صحوا وسمنوا ، فعمدوا إلى راعي النبي صلى الله عليه وسلم فقتلوه واستاقوا الإبل ، وارتدوا عن الإسلام ، وجاء جبريل فقال : يا محمد ابعث في آثارهم ، فبعث ثم قال : ادع بهذا الدعاء : اللهم إن السماء سماؤك ، والأرض أرضك ، والمشرق مشرقك ، والمغرب مغربك ، اللهم ضيق من مسك حمل حتى تقدرني عليهم . فجاؤوا بهم ، فأنزل الله تعالى { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله . . } الآية . فأمره جبريل أن من أخذ المال وقتل يصلب ، ومن قتل ولم يأخذ المال يقتل ، ومن أخذ المال ولم يقتل تقطع يده ورجله من خلاف ، وقال ابن عباس هذا الدعاء : لكل آبق ، ولكل من ضلت له ضالة من انسان وغيره ، يدعو هذا الدعاء ، ويكتب في شيء ويدفن في مكان نظيف إلا قدره الله عليه » .(3/370)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة وعطاء الخراساني في قوله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله . . } الآية . قال : هذا الذي يقطع الطريق فهو محارب ، فإن قتل وأخذ مالاً صلب ، وإن قتل ولم يأخذ مالاً قتل ، وإن أخذ مالاً ولم يقتل قطعت يده ورجله ، وإن أخذ قبل أن يفعل شيئاً من ذلك نفي ، وأما قوله { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } فهؤلاء خاصة ، ومن أصاب دماً ثم تاب من قبل أن يقدر عليه أهدر عنه ما مضى .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عطاء ومجاهد قالا : الإمام في ذلك مخير ، إن شاء قتل ، وإن شاء قطع ، وإن شاء صلب ، وإن شاء نفى .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب والحسن والضحاك في الآية قالوا : الإمام مخيَّر في المحارب يصنع به ما شاء .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك فال « كان قوم بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق ، فنقضوا العهد وقطعوا السبل ، وأفسدوا في الأرض ، فخير الله نبيه فيهم إن شاء قتل ، وإن شاء صلب ، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، أو ينفوا من الأرض . قال : هو أن يطلبوا حتى يعجزوا ، فمن تاب قبل أن يقدروا عليه قبل ذلك منه » .
وأخرج أبو داود في ناسخه عن الضحاك قال : نزلت هذه الآية في المشركين .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : نفيه أن يطلبه الإمام حتى يأخذه ، أقام عليه إحدى هذه المنازل التي ذكر الله بما استحل .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله { أو ينفوا من الأرض } قال : من بلد إلى بلد .
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : ينفى حتى لا يقدر عليه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الزهري في قوله { أو ينفوا من الأرض } قال : نفيه أن يطلب فلا يقدر عليه ، كلما سمع به أرض طلب .
وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس في الآية قال : يخرجوا من الأرض ، أينما أدركوا خرجوا حتى يلحقوا بأرض العدو .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في الآية قال : من أخاف سبيل المؤمنين نفي من بلد إلى غيره .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله { ويسعون في الأرض فساداً } قال : الزنا ، والسرقة ، وقتل النفس ، وهلاك الحرث ، والنسل .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وسعيد بن جبير قالا : ان جاء تائباً لم يقطع مالاً ، ولا سفك دماً ، فذلك الذي قال الله { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب الأشراف وابن جرير وابن أبي حاتم عن الشعبي قال : كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة ، قد أفسد في الأرض وحارب ، وكلم رجالاً من قريش أن يستأمنوا له علياً فأبوا ، فأتى سعيد بن قيس الهمذاني ، فأتى علياً فقال : يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً؟ قال : أن يقتلوا ، أو يصلبوا ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، أو ينفوا من الأرض ، ثم قال { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } فقال سعيد : وإن كان حارثة بن بدر؟ فقال : هذا حارثة بن بدر قد جاء تائباً فهو آمن؟ قال : نعم .(3/371)
قال : فجاء به إليه ، فبايعه وقَبِل ذلك منه وكتب له أماناً .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الأشعث عن رجل قال : صلى رجل مع أبي موسى الأشعري الغداة ، ثم قال : هذا مقام العائذ التائب ، أنا فلان بن فلان ، أنا كنت ممن حارب الله ورسوله وجئت تائباً من قبل أن يقدر عليَّ ، فقال أبو موسى : إن فلان ابن فلان كان ممن حارب الله ورسوله وجاء تائباً من قبل أن يقدر عليه ، فلا يعرض له أحد إلا بخير ، فإن يكن صادقاً فسبيلي ذلك ، وإن يك كاذباً فلعل الله أن يأخذه بذنبه .
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء أنه سئل عن رجل سرق سرقة فجاء تائباً من غير أن يؤخذ عليه ، هل عليه حد؟ قال : لا ، ثم قال { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم . . . } الآية .
وأخرج أبو داود في ناسخه عن السدي في قوله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : سمعنا انه إذا قَتَلَ قُتِلَ ، واذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده بالمال ، ورجله بالمحاربة ، وإذا قتل وأخذ المال قطعت يده ورجلاه وصلب { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } فإن جاء تائباً إلى الإمام قبل أن يقدر عليه فأمنه الإمام فهو آمن ، فإن قتله إنسان بعد أن يعلم أن الإمام قد أمنه قتل به ، فإن قتله ولم يعلم أن الإمام قد أمنه كانت الدية .(3/372)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)
أخرج عبد بن حميد والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله { وابتغوا إليه الوسيلة } قال : القربة .
وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة في قوله { وابتغوا إليه الوسيلة } قال : القربة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { وابتغوا إليه الوسيلة } قال : تقربوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي وائل قال { الوسيلة } في الإيمان .
وأخرج الطستي وابن الأنباري في الوقف والابتداء ، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : اخبرني عن قوله عز وجل { وابتغوا إليه الوسيلة } قال : الحاجة ، قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت عنترة وهو يقول :
إن الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكللي وتخضبي(3/373)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37)
أخرج مسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة » قال يزيد بن الفقير : فقلت لجابر بن عبد الله : يقول الله { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها } قال : اتل أول الآية { إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة } ألا إنهم الذين كفروا .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن مردويه والبيهقي في الشعب ، عن طلق بن حبيب قال : كنت من أشد الناس تكذيباً للشفاعة حتى لقيت جابر بن عبد الله ، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها يذكر الله فيها خلود أهل النار . قال : يا طلق ، أتراك أَقْرَأ لِكِتابِ الله وأَعْلَم لِسُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم مني؟ إن الذين قرأت هم أهلها ، هم المشركون ، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوباً ثم خرجوا منها ، ثم أهوى بيديه إلى أذنيه فقال : صمتا ان لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « يخرجون من النار بعدما دخلوا » ونحن نقرأ كما قرأت .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس { وما هم بخارجين منها } فقال ابن عباس : ويحك . . . ! اقرأ ما فوقها ، هذه للكفار .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال : إن الله إذا فرغ من القضاء بين خلقه أخرج كتاباً من تحت عرشه فيه : رحمتي سبقت غضبي وأنا أرحم الراحمين . قال : فيخرج من النار مثل أهل الجنة ، أو قال مثلي أهل الجنة ، مكتوب ههنا منهم - وأشار إلى نحره - عتقاء الله تعالى ، فقال رجل لعكرمة : يا أبا عبد الله ، فإن الله يقول { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها } قال : ويلك . . ! أولئك هم أهلها الذين هم أهلها .
وأخرج ابن المنذر والبيهقي في الشعب عن أشعث قال : قلت : أرأيت قول الله { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها } فقال : إنك والله لا تسقط على شيء ، إن للنار أهلاً لا يخرجون منها كما قال الله تعالى .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك قال : ما كان فيه عذاب مقيم ، يعني دائم لا ينقطع .(3/374)
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن نجدة الحنفي قال : سألت ابن عباس عن قوله { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } أخاص أم عام؟ قال : بل عام .
وأخرج عبد بن حميد عن نجدة بن نفيع قال : سألت ابن عباس عن قوله { والسارق والسارقة . . } الآية . قال : ما كان من الرجال والنساء قطع .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ من طرق ، عن ابن مسعود أنه قرأ « فاقطعوا أيمانهما » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم النخعي . أنه قال : في قراءتنا ، وربما قال : في قراءة عبد الله « والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم » .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { جزاءً بما كسبا نكالاً من الله } قال : لا ترثوا لهم فيه ، فإنه أمر الله الذي أمر به قال : وذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول : اشتدوا على الفساق واجعلوهم يداً يداً ورجلاً رجلاً .
وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال « إن أول حد أقيم في الإسلام لرجل أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم سرق فشهدوا عليه ، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع ، فلما حف الرجل نظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كأنما سفى فيه الرماد ، فقالوا : يا رسول الله ، كأنه اشتد عليك قطع هذا! . . قال : وما يمنعني وأنتم أعون للشيطان على أخيكم! قالوا : فأرسله . قال : فهلا قبل أن تأتوني به ، إن الإمام إذا أتى بحد لم يسغ له أن يعطله » .(3/375)
فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40)
أخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمر « أن امرأة سرقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطعت يدها اليمنى . فقالت : هل لي من توبة يا رسول الله؟ قال : نعم ، أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك ، فأنزل الله في سورة المائدة { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم } » .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه } يقول : الحد كفارته .
وأخرج عبد الرزاق عن محمد بن عبد الرحمن عن ثوبان قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل سرق شملة ، فقال : ما أخاله سرق أو سرقت؟ قال : نعم . قال : اذهبوا به فاقطعوا يده ثم احسموها ثم ائتوني به ، فأتوه به فقال : تبت إلى الله؟ فقال : إني أتوب إلى الله . قال : اللهم تب عليه .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن المنكدر « أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع رجلاً ثم أمر به فحسم وقال : تب إلى الله ، فقال أتوب إلى الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم » إن السارق إذا قطعت يده وقعت في النار ، فإن عاد تبعها ، وإن تاب استشلاها ، يقول : استرجعها « » .(3/376)
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } قال : هم اليهود { من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } قال : هم المنافقون .
وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال « إن الله أنزل { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } [ المائدة : 44 ] الظالمون ، الفاسقون ، أنزلها الله في طائفتين من اليهود قهرت إحداهما الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا ، على أن كل قتيل قتلته الغريزة من الذليلة فديته خمسون وسقاً ، وكل قتيل قتلته الذليلة من الغريزة فديته مائة وسق ، فكانوا على ذلك حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فنزلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ لم يظهر عليهم ، فقامت الذليلة فقالت : وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد ، ونسبهما واحد ، وبلدهما واحد ، ودية بعضهم نصف دية بعض ، إنما أعطيناكم هذا ضيماً منكم لنا وفرقاً منكم ، فاما إذ قدم محمد صلى الله عليه وسلم فلا نعطيكم ذلك ، فكادت الحرب تهيج بينهم ، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ، ففكرت الغريزة فقالت : والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم ، ولقد صدقوا ، ما أعطونا هذا إلا ضيماً وقهراً لهم ، فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاخبر الله رسوله بأمرهم كله وماذا أرادوا ، فأنزل الله { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } إلى قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } ، ثم قال : فيهم - والله - أنزلت » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عامر الشعبي في قوله { لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } قال : رجل من اليهود قتل رجلاً من أهل دينه ، فقالوا لحلفائهم من المسلمين : سلوا محمداً صلى الله عليه وسلم فإن كان يقضي بالدية اختصمنا إليه ، وإن كان يقضي بالقتل لم نأته .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن أبي هريرة « أن أحبار اليهود اجتمعوا في بيت المدراس حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وقد زنى رجل بعد احصانه بامرأة من اليهود وقد أحصنت ، فقالوا : ابعثوا هذا الرجل وهذه المرأة إلى محمد فاسألوه كيف الحكم فيهما وولوه الحكم فيهما ، فإن حكم بعملكم من التجبية ، والجلد بحبل من ليف مطلي بقار ، ثم يسود وجوههما ، ثم يحملان على حمارين وجوههما من قبل أدبار الحمار ، فاتبعوه فإنما هو ملك سيد القوم ، وإن حكم فيهما بالنفي فإنه نبي فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكم .(3/377)
فأتوه فقالوا : يا محمد . هذا رجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت ، فاحكم فيهما فقد وليناك الحكم فيهما ، فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى أحبارهم في بيت المدراس فقال : يا معشر يهود ، أخرجوا إليَّ علماءكم ، فأخرجوا إليه عبد الله بن صوريا ، وياسر بن أخطب ، ووهب بن يهودا ، فقالوا : هؤلاء علماؤنا . فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم حصل أمرهم إلى أن قالوا لعبد الله بن صوريا : هذا أعلم من بقي بالتوراة ، فخلا رسول الله صلى الله عليه وسلم به وشدد المسألة وقال : يا ابن صوريا ، أنشدك الله وأذكرك أيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلم أن الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة؟ فقال : اللهم نعم ، أما والله يا أبا القاسم ، إنهم ليعرفون أنك مرسل ولكنهم يحسدونك ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر بهما فرجما عند باب المسجد ، ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا وجحد نبوّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } الآية « .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال » أول مرجوم رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود ، زنى رجل منهم وامرأة ، فقال بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه نبي بعث بتخفيف ، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله ، وقلنا : فتيا نبي من أنبيائك . قال : فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد وأصحابه ، فقالوا : يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكلمه كلمة حتى أتى مدراسهم ، فقام على الباب فقال : أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى ، ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟ قالوا يحمم ويجبه ويجلد ، والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار ، ويقابل أقفيتهما ، ويطاف بهما ، وسكت شاب ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم سكت ، ألظ النشدة فقال : اللهم نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم ، ثم زنى رجل في أسرة من الناس ، فأراد رجمه فحال قومه دونه ، وقالوا : والله ما نرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه ، فاصطلحوا بهذه العقوبة بينهم . قال النبي صلى الله عليه وسلم : فإني أحكم بما في التوراة ، فأمر بهما فرجما . قال الزهري : فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا } [ المائدة : 44 ] فكان النبي صلى الله عليه وسلم منهم « .
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والنحاس في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن البراء بن عازب قال :(3/378)
« مر على النبي صلى الله عليه وسلم يهودي محمم مجلود ، فدعاهم فقال : » أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا : نعم ، فدعا رجلاً من علمائهم فقال : أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى : أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال : اللهم لا ، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك ، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ، ولكنه كثر في أشرافنا ، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، فقلنا : تعالوا نجعل شيئاً نقيمه على الشريف والوضيع ، فاجتمعنا على التحميم والجلد ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه « ، وأمر به فرجم ، فأنزل الله { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } إلى قوله { إن أوتيتم هذا فخذوه } وإن أفتاكم بالرجم { فاحذروا } إلى قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال في اليهود { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } [ المائدة : 45 ] قال : في النصارى إلى قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } [ المائدة : 47 ] قال : في الكفار كلها .
وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال : » إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له رجلاً منهم وامرأة زنيا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما تجدون في التوراة؟ قالوا : نفضحهم ويجلدون . قال عبد الله بن سلام : كذبتم ان فيها آية الرجم ، فأتوا بالتوراة فنشروها ، فوضع أحدهم يده على آية الرجم ، فقال ما قبلها وما بعدها ، فقال عبد الله بن سلام : ارفع يدك ، فرفع يده فإذا آية الرجم . قالوا : صدق ، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما » « .
وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا } قال » هم اليهود ، زنت منهم امرأة وقد كان حكم الله في التوراة في الزنا الرجم ، فنفسوا أن يرجموها وقالوا : انطلقوا إلى محمد فعسى أن تكون عنده رخصة ، فإن كانت عنده رخصة فاقبلوها ، فأتوه فقالوا : يا أبا القاسم إن امرأة منا زنت ، فما تقول فيها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فكيف حكم الله في التوراة في الزاني؟ قالوا : دعنا مما في التوراة ، ولكن ما عندك في ذلك؟ فقال : ائتوني بأعلمكم بالتوراة التي أنزلت على موسى . فقال لهم : بالذي نجاكم من آل فرعون ، وبالذي فلق لكم البحر فانجاكم وأغرق آل فرعون ، إلا أخبرتموني ما حكم الله في التوراة في الزاني؟ قالوا : حكمه الرجم ، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت « .(3/379)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن جابر بن عبد الله في قوله { من الذين هادوا سماعون للكذب } قال : يهود المدينة { سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } قال : يهود فدك { يحرفون الكلم } قال : يهود فدك { يقولون } ليهود المدينة { إن أوتيتم هذا } الجلد { فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا } الرجم .
وأخرج الحميدي في مسنده وأبو داود وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : « زنى رجل من أهل فدك ، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة اسألوا محمداً عن ذلك ، فإن أمركم بالجلد فخذوه عنه ، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه ، فسألوه عن ذلك فقال : أرسلوا إليَّ أعلم رجلين منكم ، فجاؤوا برجل أعور يقال له ابن صوريا وآخر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما » أليس عندكما التوراة فيها حكم الله؟ قالا : بلى . قال : فانشدك بالذي فلق البحر لبني إسرائيل ، وظلل عليكم الغمام ، ونجاكم من آل فرعون ، وأنزل التوراة على موسى ، وأنزل المن والسلوى على بني إسرائيل ، ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقال أحدهما للآخر : ما نشدت بمثله قط : قالا : نجد ترداد النظر زنية ، والاعتناق زنية ، والقبل زنية ، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدئ ويعيد كما يدخل الميل في المكحلة فقد وجب الرجم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فهو كذلك ، فأمر به فرجم ، فنزلت { فإن جاؤوك فاحكم بينهم } إلى قوله { يحب المقسطين } [ المائدة : 42 ] « .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } قال : نزلت في رجل من الأنصار ، زعموا أنه أبو لباتة أشارت اليه بنو قريظة يوم الحصار ما الأمر على ما ننزل ، فأشار إليهم أنه الذبح .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { ومن الذين هادوا سماعون للكذب } قال : هم أبو يسرة وأصحابه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله { سماعون لقوم آخرين } قال : يهود خيبر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { سمَّاعون لقوم آخرين } قال : هم أيضاً سماعون ليهود .
وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم النخعي في قوله { يحرِّفون الكلم عن مواضعه } [ المائدة : 13 ] قال : كان يقول بني إسرائيل : يا بني أحباري ، فحرفوا ذلك فجعلوه يا بني أبكاري ، فذلك قوله { يحرفون الكلم عن مواضعه } وكان إبراهيم يقرأها » يحرفون الكلم من مواضعه « .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { يحرفون الكلم من بعد مواضعه . . } الآية . قال : ذكر لنا أن هذا كان في قتيل بني قريظة والنضير ، إذ قتل رجل من قريظة قتله النضير ، وكانت النضير إذا قتلت من بني قريظة لم يقيدوهم ، إنما يعطونهم الدية لفضلهم عليهم في أنفسهم تعوذاً ، فقدم نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة فسألهم ، فأرادوا ان يرفعوا ذلك إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم ، فقال لهم رجل من المنافقين : إن قتيلكم هذا قتيل عمد ، وإنكم متى ترفعون أمره إلى محمد أخشى عليكم القود ، فإن قبل منكم الدية فخذوه وإلا فكونوا منهم على حذر .(3/380)
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه } قال : إن وافقكم وإن لم يوافقكم { فاحذروه } يهود تقول : للمنافقين .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله { يحرفون الكلم } يعني حدود الله في التوراة . وفي قوله { يقولون إن أوتيتم هذا } قال : يقولون إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه وإن خالفكم فاحذروه . وفي قوله { ومن يرد الله فتنته } قال : ضلالته { فلن تملك له من الله شيئاً } يقول : لن تغني عنه شيئاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { لهم في الدنيا خزي } قال : أما خزيهم في الدنيا ، فإنه إذا قام الهدى فتح القسطنطينية فقتلهم فذلك الخزي .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله { لهم في الدنيا خزي } مدينة تفتح بالروم فيسبون .
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله { لهم في الدنيا خزي } قال : يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون .(3/381)
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42)
أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { سمَّاعون للكذب أكَّالون للسحت } وذلك أنهم أخذوا الرشوة في الحكم وقضوا بالكذب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { سمَّاعون للكذب أكَّالون للسحت } قال : تلك أحكام اليهود يسمع كذبه ويأخذ رشوته .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال : السحت الرشوة في الدين . قال سفيان : يعني في الحكم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال : من شفع لرجل ليدفع عنه مظلمته أو يرد عليه حقاً ، فاهدى له هدية فقبلها فذلك السحت . فقيل : يا أبا عبد الرحمن إنا كنا نعد السحت الرشوة في الحكم ، فقال عبد الله : ذلك الكفر { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } [ المائدة : 44 ] .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني في سننه عن ابن عباس أنه سئل عن السحت فقال : الرشا . قيل : في الحكم؟ قال : ذلك الكفر ، ثم قرأ { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } [ المائدة : 44 ] .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي عن ابن مسعود أنه سئل عن السحت ، أهو الرشوة في الحكم؟ قال : لا . { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } [ المائدة : 45 ] الفاسقون ، ولكن السحت أن يستعينك رجل على مظلمة فيهدي لك فتقبله ، فذلك السحت .
وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال : قلت لعمر بن الخطاب : أرأيت الرشوة في الحكم ، أمن السحت هي؟ قال : لا ، ولكن كفراً ، إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة ويكون إلى السلطان حاجة ، فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « رشوة الحكام حرام ، وهي السحت الذي ذكر الله في كتابه » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به . قيل : يا رسول الله ، وما السحت؟ قال : الرشوة في الحكم » .
وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن ثابت . أنه سئل عن السحت فقال : الرشوة .
وأخرج عبد بن حميد عن علي بن أبي طالب . أنه سئل عن السحت فقال : الرشا . فقيل له : في الحكم؟ قال : ذاك الكفر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عمر قال : بابان من السحت يأكلهما الناس . الرشا في الحكم ، ومهر الزانية .
وأخرج أبو الشيخ عن علي قال : أبواب السحت ثمانية : رأس السحت رشوة الحاكم ، وكسب البغي ، وعَسَبُ الفحل ، وثمن الميتة ، وثمن الخمر ، وثمن الكلب ، وكسب الحجام ، وأجر الكاهن .(3/382)
وأخرج عبد الرزاق عن طريف قال : مر علي برجل يحسب بين قوم بأجر ، وفي لفظ : يقسم بين ناس قسماً فقال له علي : إنما تأكل سحتاً .
وأخرج الفريابي وابن جرير عن أبي هريرة قال : من السحت مهر الزانية ، وثمن الكلب إلا كلب الصيد ، وما أخذ من شيء في الحكم .
وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « هدايا الأمراء سحت » .
وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ست خصال من السحت : رشوة الإمام وهي أخبث ذلك كله ، وثمن الكلب ، وعسب الفحل ، ومهر البغي ، وكسب الحجام ، وحلوان الكاهن » .
وأخرج عبد بن حميد عن طاوس قال : هدايا العمال سحت .
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن سعيد قال « لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر أهدوا له فروة ، فقال : سحت » .
وأخرج عبد الرزاق والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال « لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي » .
وأخرج أحمد والبيهقي عن ثوبان قال : « لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش ، يعني الذي يمشي بينهما » .
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من ولي عشرة فحكم بينهم بما أحبوا أو كرهوا جيء به مغلولة يده ، فإن عدل ولم يرتش ولم يحف فك الله عنه ، وإن حكم بغير ما أنزل الله ارتشى وحابى فيه شدت يساره إلى يمينه ثم رمي في جهنم ، فلم يبلغ قعرها خمسمائة عام » .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « ستكون من بعدي ولاة يستحلون الخمر بالنبيذ ، والبخس بالصدقة ، والسحت بالهدية ، والقتل بالموعظة ، يقتلون البريء لتوطى العامة لهم فيزدادوا إثماً » .
وأخرج الخطيب في تاريخه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من السحت : كسب الحجام ، وثمن الكلب ، وثمن القرد ، وثمن الخنزير ، وثمن الخمر ، وثمن الميتة ، وثمن الدم ، وعسب الفحل ، وأجر النائحة ، وأجر المغنية ، وأجر الكاهن ، وأجر الساحر ، وأجر القائف ، وثمن جلود السباع ، وثمن جلود الميتة ، فإذا دبغت فلا بأس بها ، وأجر صور التماثيل ، وهدية الشفاعة ، وجعلة الغزو » .
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن شقيق قال : هذه الرغف التي يأخذها المعلمون من السحت .
وأخرج ابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : آيتان نسختا من هذه السورة - يعني من المائدة - آية القلائد ، وقوله { فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيراً ، إن شاء حكم بينهم ، وإن شاء أعرض عنهم فردهم إلى أحكامهم ، فنزلت(3/383)
{ وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتَّبع أهواءهم } [ المائدة : 49 ] قال : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما في كتابنا « .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } قال : نسختها هذه الآية { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } [ المائدة : 49 ] .
وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة . مثله .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن شهاب . أن الآية التي في سورة المائدة { فإن جاؤوك فاحكم بينهم } كانت في شأن الرجم .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس » أن الآيات من المائدة التي قال الله فيها { فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } إلى قوله { المقسطين } إنما أنزلت في الدية من بني النضير وقريظة ، وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف يريدون الدية كاملة ، وأن بني قريظة كانوا يريدون نصف الدية ، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله ذلك فيهم ، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق ، فجعل الدية سواء « .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : كانت قريظة والنضير ، وكان النضير أشرف من قريظة ، فكان إذا قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة أدى مائة وسق من تمر ، وإذا قتل رجل من قريظة رجلاً من النضير قتل به ، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة ، فقالوا : ادفعوه إلينا نقتله ، فقالوا : بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم فأتوه ، فنزلت { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } والقسط . النفس بالنفس ، ثم نزلت { أفحكم الجاهلية يبغون } [ المائدة : 50 ] .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله { فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } قال : يوم نزلت هذه الآية كان في سعة من أمره ، إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم ، ثم قال { وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً } قال : نسختها { وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم } [ المائدة : 49 ] .
وأخرج عبد بن حميد والنحاس في ناسخه عن الشعبي في قوله { فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } قال : إن شاء حكم بينهم وإن شاء لم يحكم .(3/384)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن إبراهيم والشعبي قالا : إذا جاؤوا إلى حاكم من حكام المسلمين ، إن شاء حكم بينهم ، وإن شاء أعرض عنهم ، وإن حكم بينهم حكم بما أنزل الله .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء في الآية قال : هو مخيَّر .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في أهل الذمة يرتفعون إلى حكام المسلمين قال : يحكم بينهم بما أنزل الله .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال : أهل الذمة إذ ارتفعوا إلى المسلمين حكم عليهم بحكم المسلمين .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي عن إبراهيم التيمي { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } قال : بالرجم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك في قوله { إن الله يحب المقسطين } قال : المعدلين في القول والفعل .
وأخرج عبد الرزاق عن الزهري في الآية قال : مضت السنة أن يردوا في حقوقهم ومواريثهم إلى أهل دينهم ، إلا أن يأتوا راغبين في حد يحكم بينهم فيه ، فيحكم بينهم بكتاب الله ، وقد قال لرسوله { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } .(3/385)
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)
أخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال « مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم قد جلد ، فسألهم ما شأن هذا؟ قالوا : زنى . فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود : ما تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا؛ نجد حده التحميم والجلد . فسألهم أيكم أعلم؟ فوركوا ذلك إلى رجل منهم ، قالوا : فلان . فارسل إليه فسأله ، قال : نجد التحميم والجلد ، فناشده رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال : نجد الرجم ، ولكنه كثر في عظمائنا ، فامتنعوا منهم بقومهم ووقع الرجم على ضعفائنا ، فقلنا نضع شيئاً يصلح بينهم حتى يستووا فيه ، فجعلنا التحميم والجلد ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه » ، فأمر به فرجم . قال : ووقع اليهود بذلك الرجل الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وشتموه ، وقالوا : لو كنا نعلم أنك تقول هذا ما قلنا انك أعلمنا . قال : ثم جعلوا بعد ذلك يسألون النبي صلى الله عليه وسلم : ما تجد فيما أنزل إليك حد الزاني؟ فأنزل الله { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله } يعني حدود الله ، فأخبره الله بحكمه في التوراة قال { وكتبنا عليهم فيها } [ المائدة : 45 ] إلى قوله { والجروح قصاص } [ المائدة : 45 ] .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله } يقول : عندهم بيان ما تشاجروا فيه من شأن قتيلهم .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل بن حيان في قوله { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله } يقول : فيها الرجم للمحصن والمحصنة ، والإيمان بمحمد والتصديق له { ثم يتولون } يعني عن الحق { من بعد ذلك } يعني بعد البيان { وما أولئك بالمؤمنين } يعني اليهود .(3/386)
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } يعني هدى من الضلالة ، ونور من العمى { يحكم بها النبيون } يحكمون بما في التوراة من لدن موسى إلى عيسى { للذين هادوا } لهم وعليهم ، ثم قال ويحكم بها { الربانيون والأحبار } أيضاً بالتوراة { بما استحفظوا من كتاب الله } من الرجم والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم { وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس } في أمر محمد صلى الله عليه وسلم والرجم يقول : اظهروا أمر محمد والرجم { واخشون } في كتمانه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار } قال : أما الربانيون . ففقهاء اليهود ، وأما الأحبار . فعلماؤهم . قال : وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لما أنزلت هذه الآية : نحن نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن في قوله { يحكم بها النبيون الذين أسلموا } قال : النبي صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الأنبياء يحكمون بما فيها من الحق .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله { والربانيون والأحبار } قال : الفقهاء والعلماء .
وأخرج عن مجاهد قال : { الربانيون } العلماء الفقهاء ، وهم فوق الأحبار .
وأخرج عن قتادة قال { الربانيون } فقهاء اليهود { والأحبار } العلماء .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال « كان رجلان من اليهود أخوان يقال لهما ابنا صوريا ، قد اتبعا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسلما ، وأعطياه عهداً أن لا يسألهما عن شيء في التوراة إلا أخبراه به ، وكان أحدهما ربيّا والآخر حبراً ، وإنما الأمر كيف حين زنى الشريف وزنى المسكين وكيف غيروه ، فأنزل الله { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا } يعني النبي صلى الله عليه وسلم { والربانيون والأحبار } هما ابنا صوريا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الربانيون . الفقهاء العلماء .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { والربانيون } قال : هم المؤمنون { والأحبار } قال : هم القراء { كانوا عليه شهداء } يعني الربانيون والأحبار هم الشهداء لمحمد صلى الله عليه وسلم بما قال أنه حق جاء من عند الله ، فهو نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم أتته اليهود فقضى بينهم بالحق » .
وأخرج ابن المنذر وابن جريج { فلا تخشوا الناس واخشون } لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن عساكر عن نافع قال : كنا مع ابن عمر في سفر فقيل إن السبع في الطريق قد حبس الناس ، فاستحث ابن عمر راحلته ، فلما بلغ اليه برك فعرك أذنه وقعده ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول(3/387)
« إنما يسخط على ابن آدم من خافه ابن آدم ، ولو أن ابن آدم لم يخف إلا الله لم يسلط عليه غيره ، وإنما وكل ابن آدم عن رجال ابن آدم ، ولو أن ابن آدم لم يرج إلا الله لم يكله إلى سواه » .
وأخرج ابن جرير عن السدي { فلا تخشوا الناس } فتكتموا ما أنزلت { ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً } على أن تكتموا ما أنزلت .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً } قال : لا تأكلوا السحت على كتابي .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله } فقد كفر ، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق .
وأخرج سعيد بن منصور والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } [ المائدة : 45 ] { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } [ المائدة : 47 ] قال : كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق .
وأخرج سعيد بن منصور و أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : إنما أنزل الله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } والظالمون ، والفاسقون ، في اليهود خاصة .
وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال : الثلاث الآيات التي في المائدة { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } هم الظالمون ، هم الفاسقون ، ليس في أهل الإسلام منها شيء ، هي في الكفار .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } هم الظالمون ، هم الفاسقون ، نزلت هؤلاء الآيات في أهل الكتاب .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن إبراهيم النخعي في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله . . . } الآيات . قال : نزلت الآيات في بني إسرائيل ، ورضي لهذه الأمة بها .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . . . } قال : نزلت في اليهود ، وهي علينا واجبة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن الشعبي قال : الثلاث آيات التي في المائدة { ومن لم يحكم بما أنزل الله } أولها في هذه الأمة ، والثانية في اليهود ، والثالثة في النصارى .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال : من حكم بكتابه الذي كتب بيده وترك كتاب الله ، وزعم أن كتابه هذا من عند الله فقد كفر .(3/388)
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن حذيفة أن هذه الآيات ذكرت عنده { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } والظالمون ، والفاسقون ، فقال رجل : ان هذا في بني إسرائيل . قال حذيفة : نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل ، إن كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة ، كلا والله لتسلكن طريقهم قدر الشراك .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال : نعم القوم أنتم إن كان ما كان من حُلو فهو لكم ، وما كان من مُر فهو لأهل الكتاب ، كأنه يرى أن ذلك في المسلمين { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي مجلز { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال : نعم . قالوا { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } قال : نعم . قالوا : فهؤلاء يحكمون بما أنزل الله . قال : نعم ، هو دينهم الذي به يحكمون ، والذي به يتكلمون وإليه يدعون ، فإذا تركوا منه شيئاً علموا أنه جور منهم ، إنما هذه اليهود والنصارى والمشركون الذين لا يحكمون بما أنزل الله .
وأخرج عبد بن حميد عن حكيم بن جبير قال : سألت سعيد بن جبير عن هذه الآيات في المائدة { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } ، { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } فقلت : زعم قوم أنها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا قال : اقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقرأت عليه فقال : لا ، بل نزلت علينا ، ثم لقيت مقسماً مولى ابن عباس ، فسألته عن هذه الآيات التي في المائدة ، قلت : زعم قوم أنها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا . قال : إنه نزل على بني إسرائيل ونزل علينا ، وما نزل علينا وعليهم فهو لنا ولهم ، ثم دخلت على علي بن الحسين فسألته عن هذه الآيات التي في المائدة ، وحدثته أني سألت عنها سعيد بن جبير ومقسماً قال : فما قال مقسم؟ فأخبرته بما قال . قال صدق ، ولكنه كفر ليس ككفر الشرك ، وفسق ليس كفسق الشرك ، وظلم ليس كظلم الشرك ، فلقيت سعيد بن جبير فأخبرته بما قال : فقال سعيد بن جبير لابنه : كيف رأيته ، لقد وجدت له فضلاً عليك وعلى مقسم .
وأخرج سعيد بن منصور عن عمر قال : ما رأيت مثل من قضى بين إثنين بعد هذه الآيات .
وأخرج سعيد قال : استُعمل أبو الدرداء على القضاء ، فأصبح يهينه . قال : تهينني بالقضاء وقد جعلت على رأس مهواة منزلتها أبعد من عدن وأبين ، ولو علم الناس ما في القضاء لأخذوه بالدول رغبة عنه وكراهية له ، ولو يعلم الناس ما في الأذان لأخذوه بالدول رغبة فيه وحرصاً عليه .(3/389)
وأخرج ابن سعد عن يزيد بن موهب . أن عثمان قال لعبد الله بن عمر : اقض بين الناس ، قال : لا أقضي بين إثنين ولا أؤم إثنين قال : لا ، ولكنه بلغني أن القضاة ثلاثة . رجل قضى بجهل فهو في النار ، ورجل حاف ومال به الهوى فهو في النار ، ورجل اجتهد فأصاب فهو كفاف لا أجر له ولا وزر عليه . قال : إن أباك كان يقضي؟ قال : إن أبي إذا أشكل عليه شيء سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا أشكل على النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل ، وإني لا أجد من أسأل أما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول « من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ؟ فقال عثمان : بلى . قال : فاني أعوذ بالله أن تستعملني ، فأعفاه وقال : لا تخبر بهذا أحداً » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن عبد العزيز بن أبي رواد قال : بلغني أن قاضياً كان في زمن بني إسرائيل ، بلغ من اجتهاده أن طلب إلى ربه أن يجعل بينه وبينه علماً ، إذا هو قضى بالحق عرف ذلك . فقيل له : ادخل منزلك ، ثم مد يدك في جدارك ، ثم انظر كيف تبلغ أصابعك من الجدار ، فاخطط عنده خطاً ، فإذا أنت قمت من مجلس القضاء فارجع إلى ذلك الخط ، فامدد يدك إليه فانك متى كنت على الحق فانك ستبلغه ، وإن قصرت عن الحق قصر بك ، فكان يغدو إلى القضاء وهو مجتهد ، وكان لا يقضي إلا بالحق ، وكان إذا فرغ لم يذق طعاماً ولا شراباً ، ولا يفضي إلى أهله بشيء حتى يأتي ذلك الخط ، فإذا بلغه حمداً لله وأفضى إلى كل ما أحل الله له من أهل أو مطعم أو مشرب ، فلما كان ذات يوم وهو في مجلس القضاء أقبل إليه رجلان بدابة ، فوقع في نفسه أنهما يريدان يختصمان إليه ، وكان أحدهما له صديقاً وخدنا ، فتحرك قلبه عليه محبة أن يكون له فيقضي له به ، فلما إن تكلما دار الحق على صاحبه فقضى عليه ، فلما قام من مجلسه ذهب إلى خطه كما كان يذهب كل يوم ، فمد يده إلى الخط فإذا الخط قد ذهب وتشمر إلى السقف وإذا هو لا يبلغه ، فخر ساجداً وهو يقول : يا رب ، شيء لم أتعمده ، فقيل له : أتحسبن أن الله لم يطلع على جور قلبك حيث أحببت أن يكون الحق لصديقك فتقضي له به ، قد أردته وأحببته ولكن الله قد رد الحق إلى أهله وأنت لذلك كاره .
وأخرج الحكيم والترمذي عن ليث قال : تقدم إلى عمر بن الخطاب خصمان فأقامهما ، ثم عادا ففصل بينهم ، فقيل له في ذلك فقال : تقدما إليَّ ، فوجدت لأحدهما ما لم أجد لصاحبه فكرهت أن افصل بينهما ، ثم عادا فوجدت بعض ذلك فكرهت ، ثم عادا وقد ذهب ذلك ففصلت بينهما .(3/390)
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)
أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال « لما رأت قريظة النبي صلى الله عليه وسلم حكم بالرجم ، وقد كانوا يخفونه في كتابهم ، فنهضت قريظة فقالوا : يا محمد ، اقض بيننا وبين إخواننا بني النضير ، وكان بينهم دم قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت النضير ينفرون على بني قريظة دياتهم على انصاف ديات النضير ، فقال : دم القرظي وفاء دم النضير ، فغضب بنو النضير وقالوا : لا نطيعك في الرجم ولكنا نأخذ بحدودنا التي كنا عليها ، فنزلت { أفحكم الجاهلية يبغون } [ المائدة : 50 ] ونزل { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس . . . } الآية » .
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس { وكتبنا عليهم فيها } قال : في التوراة .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } قال : كتب عليهم هذا في التوراة ، فكانوا يقتلون الحر بالعبد ، ويقولون : كتب علينا أن النفس بالنفس .
وأخرج عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب قال : كتب ذلك على بني إسرائيل ، فهذه الآيات لنا ولهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن قوله { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس . . . } إلى تمام الآية . أهي عليهم خاصة؟ قال : بل عليهم والناس عامة .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة { وكتبنا عليهم فيها } قال : في التوراة { أن النفس بالنفس . . . } الآية . قال : إنما أنزل ما تسمعون في أهل الكتاب حين نبذوا كتاب الله ، وعطّلوا حدوده ، وتركوا كتابه ، وقتلوا رسله .
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من قتل عبده قتلناه ، ومن جدعه جدعناه ، فراجعوه ، فقال : قضى الله { أن النفس بالنفس } » .
وأخرج البيهقي في سننه عن ابن شهاب قال : لما نزلت هذه الآية { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } أقيد الرجل من المرأة ، وفيما تعمده من الجوارح .
وأخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب قال : الرجل يقتل بالمرأة إذا قتلها . قال الله { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه في قوله { أن النفس بالنفس } قال : تقتل بالنفس { والعين بالعين } قال : تفقأ بالعين { والأنف بالأنف } قال : يقطع الأنف بالأنف { والسن بالسن والجروح قصاص } قال : وتقتص الجراح بالجراح { فمن تصدَّق به } يقول : من عفا عنه فهو كفارة للمطلوب .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين } بنصب النفس ورفع العين وما بعده الآية كلها » .(3/391)
وأخرج ابن سعد وأحمد والبخاري وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس « أن الربيع كسرت ثنية جارية ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أخوها أنس بن النضر : يا رسول الله تكسر ثنية فلانة؟ فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أنس كتاب الله القصاص » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال : الجروح قصاص ، وليس للإمام أن يضربه ولا أن يحبسه ، إنما القصاص - ما كان الله نسياً - لو شاء لأمر بالضرب والسجن .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمر . في قوله { فمن تصدَّق به } .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن في قوله { فمن تصدَّق به فهو كفارة له } قال كفارة للمجروح .
وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن عبد الله { فهو كفارة له } قال للذي تصدق به .
وأخرج ابن مردويه عن رجل من الأنصار عن النبي صلى الله عليه وسلم « في قوله { فمن تصدق به فهو كفارة له } قال : الرجل تكسر سنه ، أو تقطع يده ، أو يقطع الشيء ، أو يجرح في بدنه ، فيعفو عن ذلك ، فيحط عنه قدر خطاياه ، فإن كان ربع الدية فربع خطاياه ، وإن كان الثلث فثلث خطاياه ، وإن كانت الدية حطت عنه خطاياه كذلك » .
وأخرج الديلمي عن ابن عمر قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { فمن تصدق به فهو كفَّارة له } الرجل تكسر سنه ، أو يجرح من جسده ، فيعفو عنه فيحط من خطاياه بقدر ما عفا من جسده ، إن كان نصف الدية فنصف خطاياه ، وإن كان ربع الدية فربع خطاياه ، وإن كان ثلث الدية فثلث خطاياه ، وإن كانت الدية كلها فخطاياه كلها »
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن مردويه عن عدي بن ثابت . « أن رجلاً هتم فم رجل على عهد معاوية ، فأعطاه دية فأبى إلا أن يقتص ، فاعطاه ديتين فأبى ، فأعطى ثلاثاً . فحدث رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من تصدق بدم فما دونه فهو كفارة له من يوم ولد إلى يوم يموت » .
وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن جرير عن أبي الدرداء قال : كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار ، فاستعدى عليه ، فقال معاوية : أنا أسترضيه ، فألح الأنصاري فقال معاوية : شأنك بصاحبك؟ وأبو الدرداء جالس فقال أبو الدرداء « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة » فقال الأنصاري : فاني قد عفوت .
وأخرج الديلمي عن ابن عمر قال(3/392)
« قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { فمن تصدق به فهو كفَّارة له } قال : هو الرجل تكسر سنه ، ويجرح من جسده ، فيعفو عنه فيحط عنه من خطاياه بقدر ما عفا عنه من جسده ، إن كان نصف الدية فنصف خطاياه ، وإن كان ربع الدية فربع خطاياه ، وإن كان ثلث الدية فثلث خطاياه ، وإن كان الدية كلها فخطاياه كلها » .
وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن جرير عن أبي الدرداء . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط به خطيئة » فقال الانصاري : فإني قد عفوت .
وأخرج أحمد والنسائي عن عبادة بن الصامت . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « مامن رجل يجرح من جسده جرحة فيتصدق بها إلا كفر الله عنه مثل ما تصدق به » .
وأخرج أحمد عن رجل من الصحابة قال : من أصيب بشيء من جسده فتركه بعد كان كفارة له .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن يونس بن أبي إسحاق قال : سأل مجاهد أبا إسحاق عن قوله { فمن تصدق به فهو كفارة له } فقال له أبو إسحاق : هو الذي يعفو . قال مجاهد : بل هو الجارح صاحب الذنب .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { فمن تصدق به فهو كفَّارة له } قال : كفارة للجارح ، وأجر المتصدق على الله .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد وإبراهيم { فمن تصدق به فهو كفارة له } قال : كفارة للجارح ، وأجر المتصدق على الله .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد وإبراهيم { فمن تصدق به فهو كفارة له } قالا : للجارح .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { فمن تصدق به فهو كفارة له } للمتصدق عليه .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { فمن تصدق به فهو كفارة له } يقول : من جرح فتصدق به على الجارح ، فليس على الجارح سبيل ، ولا قود ، ولا عقل ، ولا جرح عليه من أجل أنه تصدق عليه الذي جرح ، فكان كفارة له من ظلمه الذي ظلم .
وأخرج الخطيب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من عفا عن دم لم يكن له ثواب إلا الجنة » .(3/393)
وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)
أخرج أبو الشيخ في قوله { وقفينا على آثارهم } يقول : بعثنا من بعدهم عيسى ابن مريم .
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قول الله { وقفينا على آثارهم } قال : اتبعنا آثار الأنبياء ، أي بعثنا على آثارهم ، قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت عدي بن زيد وهو يقول :
يوم قفت عيرهم من عيرنا ... واحتمال الحي في الصبح فلق
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه } قال : من أهل الإنجيل { فأولئك هم الفاسقون } قال : الكاذبون . قال ابن زيد : كل شيء في القرآن فاسق فهو كاذب إلا قليلا ، وقرأ قول الله { إن جاءكم فاسق بنبأ } [ الحجرات : 6 ] فهو كاذب . قال : الفاسق ههنا كاذب .(3/394)
وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)
أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة قال : لما أنبأكم الله عن أهل الكتاب قبلكم بأعمالهم أعمال السوء ، وبحكمهم بغير ما أنزل الله وعظ نبيه والمؤمنين موعظة بليغة شافية ، وليعلم من ولي شيئاً من هذا الحكم أنه ليس بين العباد وبين الله شيء يعطيهم به خيراً ولا يدفع عنهم به سوءاً إلا بطاعته والعمل بما يرضيه ، فلما بيَّن الله لنبيه والمؤمنين صنيع أهل الكتاب وجورهم قال { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه } يقول : للكتب التي قد خلت قبله .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله { ومهيمناً عليه } مؤتمناً عليه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله { ومهيمناً عليه } قال : المهيمن الأمين ، والقرآن أمين على كل كتاب قبله .
وأخرج أبو الشيخ عن عطية { ومهيمناً عليه } قال : أميناً على التوراة والإنجيل ، يحكم عليهما ولا يحكمان عليه قال : مؤتمنا محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج آدم بن أبي إياس وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن مجاهد { ومهيمناً عليه } قال : محمد صلى الله عليه وسلم مؤتمناً على القرآن ، والمهيمن الشاهد على ما قبله من الكتب .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ومهيمناً عليه } قال : شهيداً على كل كتاب قبله .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي روق { ومهيمناً عليه } قال : شهيداً على خلقه بأعمالهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فاحكم بينهم بما أنزل الله } قال : بحدود الله .
وأخرج عبد بن حميد وسعيد بن منصور والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله { شرعة ومنهاجاً } قال : سبيلاً وسنة .
وأخرج الطستي عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عزوجل { شرعة ومنهاجاً } قال : الشرعة الدين ، والمنهاج الطريق . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو يقول :
لقد نطق المأمون بالصدق والهدى ... وبين لنا الإسلام ديناً ومنهاجاً
يعني به النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً } قال : الدين واحد والشرائع مختلفة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً } يقول : سبيلاً والسنن مختلفة ، للتوراة شريعة ، وللإنجيل من يطيعه ممن يعصيه ، ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره التوحيد والإخلاص الذي جاءت به الرسل .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن كثير في قوله { ولكن ليبلوكم فيما آتاكم } قال : من الكتب .(3/395)
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49)
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : قال كعب بن أسد ، وعبد الله بن صوريا ، وشاس بن قيس ، اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه ، فأتوه فقالوا : يا محمد ، إنك عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم ، وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا ، وإن بيننا وبين قومنا خصومة ، فنحاكمهم إليك ، فتقضي لنا عليهم ونؤمن لك ونصدقك ، فأبى ذلك ، وأنزل الله عز وجل فيهم { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } إلى قوله { لقوم يوقنون } .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } قال : أمر الله نبيه أن يحكم بينهم بعدما كان رخص له أن يعرض عنهم إن شاء ، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال : نسخت من هذه السورة { فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } [ المائدة : 42 ] قال : فكان مخيراً حتى أنزل الله { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما في كتاب الله .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم قال : نسخت ما قبلها { فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } [ المائدة : 42 ] .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن مسروق . أنه كان يحلف أهل الكتاب بالله ، وكان يقول { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } .(3/396)
أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { أفحكم الجاهلية يبغون } قال : يهود .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { أفحكم الجاهلية يبغون } قال : هذا في قتيل اليهود ، إن أهل الجاهلية كان يأكل شديدهم ضعيفهم وعزيزهم ذليلهم . قال { أفحكم الجاهلية يبغون } .
وأخرج البخاري عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أبغض الناس إلى الله مبتغ في الإسلام سنة جاهلية ، وطالب امرئ بغير حق ليريق دمه » .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال : الحكم حكمان : حكم الله ، وحكم الجاهلية ، ثم تلا هذه الآية { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة قال : كانت تسمى الجاهلية العالمية حتى جاءت امرأة فقالت : يا رسول الله ، كان في الجاهلية كذا وكذا . فأنزل الله ذكر الجاهلية .(3/397)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن عبادة بن الوليد « أن عبادة بن الصامت قال : لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم تشبث بأمرهم عبد الله بن سلول وقام دونهم ، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم ، - وكان أحد بني عوف بن الخزرج - وله من حلفهم مثل الذي كان لهم من عبد الله بن أبي ، فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أتولى الله ورسوله والمؤمنين ، وأبرأ إلى الله ورسوله من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم ، وفيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات في المائدة { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض } إلى قوله { فإن حزب الله هم الغالبون } » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : إن عبد الله بن أبي بن سلول قال : أن بيني وبين قريظة والنضير حلف ، وإني أخاف الدوائر فأرتد كافراً . وقال عبادة بن الصامت : أبرأ إلى الله من حلف قريظة والنضير ، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء } إلى قوله { فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم } يعني عبد الله بن أبي . وقوله { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون } [ المائدة : 55 ] يعني عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون } [ المائدة : 81 ] .
وأخرج ابن مردويه من طريق عبادة بن الوليد عن أبيه عن جده عن عبادة بن الصامت قال : فيّ نزلت هذه الآية حين أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبرأت إليه من حلف اليهود ، وظاهرت رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين عليهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عطية بن سعد قال « جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن لي موالي من يهود كثير عددهم ، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود ، وأتولى الله ورسوله فقال عبد الله بن أبي : إني رجل أخاف الدوائر ، لا أبرأ من ولاية مواليّ . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أُبَيِّ : يا أبا حباب ، أرأيت الذي نفست به من ولاء يهود على عبادة ، . . فهو لك دونه . قال : إذن أقبل . فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض } إلى أن بلغ إلى قوله { والله يعصمك من الناس } » .(3/398)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : لما كانت وقعة أُحد اشتد على طائفة من الناس وتخوَّفوا أن يدال عليهم الكفار ، فقال رجل لصاحبه : أما أنا فألحق بفلان اليهودي ، فآخذ منه أماناً وأتهوّد معه فإني أخاف أن يدال على اليهود . وقال الآخر : اما أنا فألحق بفلان النصراني ببعض أرض الشام ، فآخذ منه أماناً وأتنصر معه . فأنزل الله تعالى فيهما ينهاهما { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض } في بني قريظة ، إذ غدروا ونقضوا العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابه إلى أبي سفيان بن حرب ، يدعونه وقريشاً ليدخلوهم حصونهم ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا لبابة بن عبد المنذر إليهم ان يستنزلهم من حصونهم ، فلما أطاعوا له بالنزول وأشار إلى حلقه بالذبح ، وكان طلحة والزبير يكاتبان النصارى وأهل الشام ، وبلغني أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يخافون العوز والفاقة ، فيكاتبون اليهود من بني قريظة والنضير ، فيدسون إليهم الخبر من النبي صلى الله عليه وسلم يلتمسون عندهم القرض والنفع ، فنهوا عن ذلك .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كلوا من ذبائح بني تغلب ، وتزوّجوا من نسائهم ، فإن الله يقول { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم } فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء . . . } الآية . قال : إنها في الذبائح من دخل في دين قوم فهو منهم .
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن عياض . أن عمر أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع اليه ما أخذ وما أعطى في أزيم واحد ، وكان له كاتب نصراني ، فرفع إليه ذلك ، فعجب عمر وقال : إن هذا لحفيظ ، هل أنت قارئ لنا كتاباً في المسجد جاء من الشام؟ فقال : إنه لا يستطيع أن يدخل المسجد . قال عمر : أجنب هو؟ قال : لا ، بل نصراني . فانتهرني وضرب فخذي ثم قال : أخرجوه ، ثم قرأ { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء . . . } الآية .
وأخرج عبد بن حميد عن حذيفة قال : ليتق أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر وتلا { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } .(3/399)
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية { فترى الذين في قلوبهم مرض } كعبد الله بن أبي { يسارعون فيهم } في ولايتهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد { فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم } قال : هم المنافقون في مصانعة اليهود وملاحاتهم واسترضاعهم أولادهم اياهم { يقولون نخشى } أن تكون الدائرة لليهود بالفتح حينئذ { فعسى الله أن يأتي بالفتح } على الناس عامة { أو أمر من عنده } خاصة للمنافقين { فيصبحوا } المنافقون { على ما أسروا في أنفسهم } من شأن يهود { نادمين } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي { فترى الذين في قلوبهم مرض } قال : شك { يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة } والدائرة ظهور المشركين عليهم { فعسى الله أن يأتي بالفتح } فتح مكة { أو أمر من عنده } قال : والأمر هو الجزية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { فترى الذين في قلوبهم مرض } قال : أناس من المنافقين كانوا يوادّون اليهود ويناصحونهم دون المؤمنين . قال الله تعالى { فعسى الله أن يأتي بالفتح } أي بالقضاء { أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين } .
وأخرج ابن سعد وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن عمرو . انه سمع ابن الزبير يقرأ « فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم من موادتهم اليهود ومن غمهم الإسلام وأهله نادمين » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن عمرو . أنه سمع ابن الزبير يقرأ « فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبح الفساق على ما أسروا في أنفسهم نادمين » قال عمر : ولا أدري كانت قراءته أم فسر .(3/400)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي وابن عساكر عن قتادة قال : أنزل الله هذه الآية وقد علم أنه سيرتد مرتدون من الناس ، فلما قبض الله نبيه ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد : أهل المدينة ، وأهل الجواثي من عبد القيس ، وقال الذين ارتدوا : نصلي الصلاة ولا نزكي والله يغصب أموالنا ، فكلم أبو بكر في ذلك ليتجاوز عنهم ، وقيل لهم أنهم قد فقهوا أداء الزكاة فقال : والله لا أفرق بين شيء جمعه الله ، والله لو منعوني عقالاً مما فرض الله ورسوله لقاتلتهم عليه ، فبعث الله تعالى عصائب مع أبي بكر ، فقاتلوا حتى أقروا بالماعون وهو الزكاة ، قال قتادة : فكنا نحدث أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه . . . } إلى آخر الآية .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال : هو أبو بكر وأصحابه ، لما ارتد من ارتد من العرب عن الإسلام جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردهم إلى الإسلام .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وخيثمة الاترابلسي في فضائل الصحابة والبيهقي في الدلائل عن الحسن { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال : هم الذين قاتلوا أهل الردة من العرب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أبو بكر وأصحابه .
وأخرج ابن جرير عن شريح بن عبيد قال « لما أنزل الله { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال عمر : أنا وقومي هم يا رسول الله؟ قال : بل هذا وقومه ، يعني أبا موسى الأشعري » .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة في مسنده وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن عياض الأشعري قال : « لما نزلت { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » هم قوم هذا ، وأشار إلى أبي موسى الأشعري « » .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والحاكم في جمعه لحديث شعبة والبيهقي { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } فقال النبي صلى الله عليه وسلم « هم قومك يا أبا موسى ، أهل اليمن » .
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وأبو الشيخ والطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند حسن عن جابر بن عبد الله قال : « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال : » هؤلاء قوم من أهل اليمن من كندة ، من السكون ، ثم من التحبيب « » .(3/401)
وأخرج البخاري في تاريخه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال : هم قوم من أهل اليمن ، ثم كندة من السكون .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس { فسوف يأتي الله بقوم } قال : هم أهل القادسية .
وأخرج البخاري في تاريخه عن القاسم بن مخيمرة قال : أتيت ابن عمر فرحَّب بي ، ثم تلا { من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم } ثم ضرب على منكبي وقال : احلف بالله أنهم لمنكم أهل اليمن ثلاثاً .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد { فسوف يأتي الله بقوم } قال : هم قوم سبأ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال : هذا وعيد من عند الله ، انه من ارتد منكم سيتبدل بهم خيراً . وفي قوله { أذلة } له قال : رحماء .
وأخرج ابن جرير عن قوله { أذلة على المؤمنين } قال : أهل رقة على أهل دينهم { أعزة على الكافرين } قال : أهل غلظة على من خالفهم في دينهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله { أذلة على المؤمنين } قال : رحماء بينهم { أعزة على الكافرين } قال : أشداء عليهم . وفي قوله { يجاهدون في سبيل الله } قال : يسارعون في الحرب .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد طوائف من العرب ، فبعث الله أبا بكر في أنصار من أنصار الله ، فقاتلهم حتى ردهم إلى الإسلام ، فهذا تفسير هذه الآية .
قوله تعالى : { ولا يخافون لومة لائم }
أخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والطبراني والبيهقي في الشعب عن أبي ذر قال « أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع : بحب المساكين وأن أدنو منهم ، وأن لا أنظر إلى من هو فوقي ، وأن أصل رحمي وإن جفاني ، وأن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها من كنز تحت العرش ، وأن أقول الحق وإن كان مرًّا ، ولا أخاف في الله لومة لائم ، وأن لا أسأل الناس شيئاً » .
وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول الحق إذا رآه وتابعه ، فإنه لا يقرِّب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق ، أو أن يذكر بعظيم » .
وأخرج أحمد وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمر الله فيه يقال فلا يقول فيه مخافة الناس ، فيقال : إياي كنت أحق أن تخاف » .(3/402)
وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن سهل بن سعد الساعدي قال : « بايعت النبي صلى الله عليه وسلم أنا ، وأبو ذر ، وعبادة بن الصامت ، وأبو سعيد الخدري ، ومحمد بن مسلمة ، وسادس ، على أن لا تأخذنا في الله لومة لائم ، فأما السادس فاستقاله فأقاله » .
وأخرج البخاري في تاريخه من طريق الزهري أن عمر بن الخطاب قال : إن وليت شيئاً من أمر الناس فلا تبال لومة لائم .
وأخرج ابن سعد عن أبي ذر قال : ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ما ترك لي الحق صديقاً .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة عن عبادة بن الصامت قال « بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره ، وعلى أثره علينا ، وأن لا ننازع الأمر أهله ، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة » .(3/403)
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عطية بن سعد قال : نزلت في عبادة بن الصامت { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا } .
وأخرج الخطيب في المتفق عن ابن عباس قال : « تصدَّق علي بخاتمه وهو راكع ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للسائل » من أعطاك هذا الخاتم؟ قال : ذاك الراكع ، فأنزل الله { إنما وليكم الله ورسوله } « » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { إنما وليكم الله ورسوله . . . } الآية . قال : نزلت في علي بن أبي طالب .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن عمار بن ياسر قال « وقف بعلي سائل وهو راكع في صلاة تطوّع ، فنزع خاتمه فأعطاه السائل ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلمه ذلك ، فنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون } فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه ، ثم قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه » .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال « نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته { إنما وليكم الله ورسوله والذين } إلى آخر الآية . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد ، جاء والناس يصلون بين راكع وساجد وقائم يصلي ، فإذا سائل فقال : يا سائل ، هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال : لا ، إلا ذاك الراكع - لعلي بن أبي طالب - أعطاني خاتمه » .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن سلمة بن كهيل قال : تصدق علي بخاتمه وهو راكع ، فنزلت { إنما وليكم الله } الآية .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { إنما وليكم الله ورسوله . . . } الآية . نزلت في علي بن أبي طالب ، تصدق وهو راكع .
وأخرج ابن جرير عن السدي وعتبة بن حكيم مثله .
وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : « أتى عبد الله بن سلام ورهط معه من أهل الكتاب نبي الله صلى الله عليه وسلم عند الظهر ، فقالوا : يا رسول الله ، إن بيوتنا قاصية لا نجد من يجالسنا ويخالطنا دون هذا المسجد ، وإن قومنا لما رأونا قد صدقنا الله ورسوله وتركنا دينهم أظهروا العداوة وأقسموا ان لا يخالطونا ولا يؤاكلونا ، فشق ذلك علينا ، فبيناهم يشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون } ونودي بالصلاة صلاة الظهر ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أعطاك أحد شيئاً؟ قال : نعم . قال : من؟ قال : ذاك الرجل القائم . قال : على أي حال أعطاكه؟ قال : وهو راكع . قال : وذلك علي بن أبي طالب ، فكبَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك وهو يقول { ومن يتولَّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون } [ المائدة : 56 ] » .(3/404)
وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم عن أبي رافع قال « دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نائم يوحى إليه ، فإذا حية في جانب البيت ، فكرهت أن أبيت عليها ، فأوقظ النبي صلى الله عليه وسلم ، وخفت أن يكون يوحى إليه ، فاضطجعت بين الحية وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، لئن كان منها سوء كان فيَّ دونه ، فمكثت ساعة فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون } الحمد لله الذي أتمَّ لعلي نعمه ، وهيأ لعلي بفضل الله اياه » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : كان علي بن أبي طالب قائماً يصلي ، فمر سائل وهو راكع فأعطاه خاتمه ، فنزلت هذه الآية . { إنما وليكم الله ورسوله . . . } الآية . قال : نزلت في الذين آمنوا ، وعلي بن أبي طالب أوّلهم .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس في قوله { إنما وليكم الله . . . } الآية . قال : يعني من أسلم فقد تولى الله ورسوله والذين آمنوا .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي جعفر . أنه سئل عن هذه الآية ، من الذين آمنوا؟ قال : الذين آمنوا . قيل له : بلغنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب . قال : علي من الذين آمنوا .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عبد الملك بن أبي سليمان قال : سألت أبا جعفر محمد بن علي عن قوله { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون } قال : أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قلت يقولون : علي؟ قال : علي منهم .
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن جرير بن مغيرة قال : كان في قراءة عبد الله { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة } .(3/405)
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون } قال : أخبرهم من الغالب فقال : لا تخافوا الدولة ولا الدائرة .(3/406)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57)
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : كان رفاعة بن زيد بن التابوت ، وسويد بن الحارث ، قد أظهرا الإسلام ونافقا ، وكان رجال من المسلمين يوادّونهما ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تتَّخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً } إلى قوله { أعلم بما كانوا يكتمون } .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير عن ابن مسعود . أنه كان يقرأ { من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا } .(3/407)
وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58)
أخرج البيهقي في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } أمر الله . قال : « كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى بالصلاة فقام المسلمون إلى الصلاة قالت اليهود : قد قاموا لا قاموا ، فإذا رأوهم ركعاً وسجداً استهزأوا بهم وضحكوا منهم » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعباً } قال : كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي : أشهد أن محمداً رسول الله . قال : أحرق الله الكاذب ، فدخل خادمه ذات ليلة من الليالي بنار وهو قائم وأهله نيام ، فسقطت شرارة فاحرقت البيت واحترق هو وأهله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن شهاب الزهري قال : قد ذكر الله الأذان في كتابه فقال { وإذا ناديتم إلى الصلاة } .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبيد بن عمير قال « ائتمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كيف يجعلون شيئاً إذا أرادوا جمع الصلاة اجتمعوا لها به؟ فائتمروا بالناقوس ، فبينا عمر بن الخطاب يريد أن يشتري خشبتين للناقوس إذ رأى في المنام أن لا تجعلوا الناقوس بل أذنوا بالصلاة ، فذهب عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره بالذي رأى ، وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بذلك ، فما راع عمر إلا بلال يؤذن فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قد سبقك بذلك الوحي ، حين أخبره بذلك عمر » .(3/408)
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59)
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من يهود ، فيهم أبو ياسر بن أخطب ، ونافع بن أبي نافع ، وغازي بن عمرو ، وزيد بن خالد ، وازار بن أبي أزار ، وأسقع ، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟ قال : أؤمن بالله { وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وما أوتي موسى وعيسى ، وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرِّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } فلما ذكر عيسى جحدوا نبوّته ، وقالوا : لا نؤمن بعيسى ، فأنزل الله { قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا } إلى قوله { فاسقون } .(3/409)
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60)
أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : المثوبة . الثواب ، مثوبة الخير ومثوبة الشر ، وقرئ { بشر ثواباً } .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله { مثوبة عند الله } يقول : ثواباً عند الله .
قوله تعالى : { وجعل منهم القردة والخنازير } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { وجعل منهم القردة والخنازير } قال : مسخت من يهود .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك . أنه قيل : أكانت القردة والخنازير قبل أن يمسخوا؟ قال : نعم ، وكانوا مما خلق من الأمم .
وأخرج مسلم وابن مردويه عن ابن مسعود قال « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير أهي مما مسخ الله؟ فقال : إن الله لم يهلك قوماً أو يمسخ قوماً فيجعل لهم نسلاً ولا عاقبة ، وإن القردة والخنازير قبل ذلك » .
وأخرج الطيالسي وأحمد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود قال « سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير أهي من نسل اليهود؟ فقال : لا ، إن الله لم يعلن قوماً قط فمسخهم فكان لهم نسل ، ولكن هذا خلق ، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم جعلهم مثلهم » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « الحيات مسخ الجن كما مسخت القردة والخنازير » .
وأخرج ابن جرير عن عمرو بن كثير عن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري قال : حدثت ان المسخ في بني إسرائيل من الخنازير كان أن امرأة كانت من بني إسرائيل كانت في قرية من قرى بني إسرائيل ، وكان فيها ملك بني إسرائيل ، وكانوا قد استجمعوا على الهلكة ، إلا أن تلك المرأة كانت على بقية من الإسلام متمسكة ، فجعلت تدعو إلى الله حتى إذا اجتمع إليها ناس فبايعوها على أمرها ، قالت لهم : أنه لا بد لكم من أن تجاهدوا عن دين الله وأن تنادوا قومكم بذلك ، فاخرجوا فإني خارجة ، فخرجت وخرج إليها ذلك الملك في الناس ، فقتل أصحابها جميعاً وانفلتت من بينهم ، ودعت إلى الله حتى تجمع الناس إليها ، إذا رضيت منهم أمرتهم بالخروج فخرجوا وخرجت معهم فأصيبوا جميعاً ، وانفلتت منهم ، ثم دعت إلى الله حتى إذا اجتمع اليها رجال واستجابوا لها أمرتهم بالخروج فخرجوا وخرجت معهم فأصيبوا جميعاً ، وانفلتت منهم ، ثم دعت إلى الله حتى إذا اجتمع إليها رجال واستجابوا لها أمرتهم بالخروج فخرجوا وخرجت معهم فأصيبوا جميعاً ، وانفلتت من بينهم فرجعت وقد أيست وهي تقول : سبحان الله . . . ! لو كان لهذا الدين ولي وناصر لقد أظهره بعد ، فباتت محزونة وأصبح أهل القرية يسعون في نواحيها خنازير مسخهم الله في ليلتهم تلك ، فقالت حين أصبحت ورأت ما رأت : اليوم أعلم أن الله قد أعز دينه وأمر دينه قال : فما كان مسخ الخنازير في بني إسرائيل إلا على يدي تلك المرأة .(3/410)
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سيكون في أمتي خسف ، ورجف ، وقردة ، وخنازير »
والله أعلم . أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن زهير قال : قلت لابن أبي ليلى : كيف كان طلحة يقرأ الحرف { وعبد الطاغوت } ؟ فسره ابن أبي ليلى وخففه .
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء بن السائب قال : كان أبو عبد الرحمن يقرأ { وعبد الطاغوت } بنصب العين والباء .
وأخرج ابن جرير عن أبي جعفر النحوي . أنه كان يقرأها { وعبد الطاغوت } كما يقول : ضرب الله .
وأخرج ابن جرير عن بريدة . أنه كان يقرؤها { وعابد الطاغوت } .
وأخرج ابن جرير من طريق عبد الرحمن بن أبي حماد قال : حدثني الأعمش ، وعن يحيى بن وثاب ، أنه قرأ { وعبد الطاغوت } يقول : خدم قال عبد الرحمن : وكان حمزة رحمه الله يقرؤها كذلك .(3/411)
وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وإذا جاؤوكم قالوا آمنا . . . } الآية . قال « اناس من اليهود ، وكانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم فيخبرونه أنهم مؤمنون راضون بالذي جاء به ، وهم متمسكون بضلالتهم وبالكفر ، فكانوا يدخلون ويخرجون به من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به } فإنهم دخلوا وهم يتكلمون بالحق وتسر قلوبهم الكفر ، فقال { دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به } .
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال : هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يهوداً يقول : دخلوا كفاراً وخرجوا كفاراً .(3/412)
وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان } قال : هؤلاء اليهود { لبئس ما كانوا يعملون ، لولا ينهاهم الربانيون } إلى قوله { لبئس ما كانوا يصنعون } ويعملون واحد . قال : هؤلاء لم ينهوا كما قال لهؤلاء حين عملوا .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت } قال : كان هذا في أحكام اليهود بين أيديكم .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { لولا ينهاهم الربانيون والأحبار } وهم الفقهاء والعلماء .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله { لولا ينهاهم } العلماء والأحبار .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لبئس ما كانوا يصنعون } قال : حيث لم ينهوهم عن قولهم الإثم وأكلهم السحت .
وأخرج ابن أبي حاتم أن علي رضي الله عنه أنه قال في خطبته : أيها الناس ، إنما هلك من هلك قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار ، فلما تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار أخذتهم العقوبات ، فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقاً ولا يقرِّب أجلاً .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : ما في القرآن آية أشد توبيخاً من هذه الآية « لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم العدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون » هكذا قرأ .
وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك ابن مزاحم قال : ما في القرآن آية أخوف عندي من هذه الآية { لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون } أساء الثناء على الفريقين جميعاً .
وأخرج عبد بن حميد من طريق سلمة بن نبيط عن الضحاك { لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت } قال { الربانيون والأحبار } فقهاؤهم وعلماؤهم قال : ثم يقول الضحاك : وما أخوفني من هذه الآية .
وأخرج أبو داود وابن ماجة عن جرير . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل من المعاصي هم أعز منه وأمنع من أن يغيروا إلا أصابهم الله منه بعذاب » .(3/413)
وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)
أخرج ابن إسحاق والطبراني في الكبير وابن مردويه عن ابن عباس . قال رجل من اليهود يقال له النباش بن قيس : إن ربك بخيل لا ينفق . فأنزل الله { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس { وقالت اليهود يد الله مغلولة } نزلت في فنحاص رأس يهود قينقاع .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله { وقالت اليهود يد الله مغلولة . . . } الآية . قال : نزلت في فنحاص اليهودي .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس { وقالت اليهود يد الله مغلولة } قال : أي بخيلة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وقالت اليهود يد الله مغلولة } قال : لا يعنون بذلك أن يد الله موثوقة ولكن يقولون : إنه بخيل أمسك ما عنده ، تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيراً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { مغلولة } يقولون : إنه بخيل ليس بجواد . وفي قوله { غلت أيديهم } قال : أمسكت عن النفقة والخير .
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أنس مرفوعاً « أن يحيى بن زكريا سأل ربه فقال : يا رب ، اجعلني ممن لا يقع الناس فيه . فأوحى الله يا يحيى هذا شيء لم أستخلصه لنفسي كيف أفعله بك؟ اقرأ في المحكم تجد فيه { وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله } [ التوبة : 30 ] . وقالوا { يد الله مغلولة } وقالوا وقالوا . . . » .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد قال : إذا بلغك عن أخيك شيء يسوءك فلا تغتم ، فإنه إن كان كما يقول كانت عقوبة أجلت ، وإن كانت على غير ما يقول كانت حسنة لم تعملها . قال : وقال موسى : يا رب ، أسالك أن لا يذكرني أحد إلا بخير . قال « ما فعلت ذلك لنفسي » .
وأخرج أبو نعيم عن وهب قال : قال موسى : يا رب ، أسألك أن لا يذكرني أحد إلا بخير . قال « ما فعلت ذلك لنفسي » .
وأخرج أبو نعيم عن وهب قال : « قال موسى : يا رب ، احبس عني كلام الناس . فقال الله عزوجل » لو فعلت هذا بأحد لفعلته بي « » .
قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } .
أخرج أبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن أبي داود وابن الأنباري معاً في المصاحف وابن المنذرعن ابن مسعود قرأ { بل يداه مبسوطتان } .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة ، سخاء الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه . قال : وعرشه على الماء ، وفي يده الأخرى القبض يرفع ويخفض » .(3/414)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة { وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً } قال : حملهم حسد محمد والعرب على أن تركوا القرآن وكفروا بمحمد ودينه ، وهم يجدونه عندهم مكتوباً .
وأخرج أبو الشيخ عن الربيع قال : قالت العلماء فيما حفظوا وعلموا : أنه ليس على الأرض قوم حكموا بغير ما أنزل الله إلا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء ، وقال : ذلك في اليهود حيث حكموا بغير ما أنزل الله { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة } قال : اليهود والنصارى . وفي قوله { كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله } قال : حرب محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي { كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله } قال : كلما اجمعوا أمرهم على شيء فرّقه الله وأطفأ حدهم ونارهم ، وقذف في قلوبهم الرعب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة { كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله } قال : أولئك أعداء الله اليهود ، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ، فلن تلقى اليهود ببلد إلا وجدتهم من أذل أهله ، لقد جاء الإسلام حين جاء وهم تحت أيدي المجوس ، وهم أبغض خلق الله تعمية وتصغيراً باعمالهم أعمال السوء .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وفي قوله عن الحسن { كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله } قال : كلما اجتمعت السفلة على قتل العرب .(3/415)
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا } قال : آمنوا بما أنزل الله ، واتقوا ما حرم الله .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مالك بن دينار قال { جنات النعيم } بين جنات الفردوس وجنات عدن ، وفيها جوار خلقن من ورد الجنة . قيل فمن سكنها؟ قال : الذين هموا بالمعاصي فلما ذكروا عظمة الله جل جلاله راقبوه .(3/416)
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل . . . } الآية . قال : أما اقامتهم التوراة والإنجيل فالعمل بهما ، وأما { ما أنزل إليهم من ربهم } فمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه ، وأما { لأكلوا من فوقهم } فأرسلت عليه مطراً ، وأما { من تحت أرجلهم } يقول : لأنبت لهم من الأرض من رزقي ما يغنيهم { منهم أمة مقتصدة } وهم مسلمة أهل الكتاب .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { لأكلوا من فوقهم } يعني لأرسل عليهم السماء مدراراً { ومن تحت أرجلهم } قال : تخرج الأرض من بركاتها .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية يقول : لأكلوا من الرزق الذي ينزل من السماء ، والذي والذي ينبت من الأرض .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } يقول لأعطتهم السماء بركاتها والأرض نباتها { منهم أمة مقتصدة } على كتاب الله قد آمنوا ، ثم ذم أكثر القوم فقال { وكثير منهم ساء ما يعملون } .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال : الأمة المقتصدة . الذين لا هم فسقوا في الدين ولا هم غلوا . قال : والغلو الرغبة ، والفسق التقصير عنه .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي { أمة مقتصدة } يقول : مؤمنة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن جبير بن نفير . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يوشك أن يرفع العلم . قلت : كيف وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا؟ فقال : ثكلتك أمك يا ابن نفير إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة! أوليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى؟ فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله ، ثم قرأ { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل } الآية » .
وأخرج أحمد وابن ماجة من طريق ابن أبي الجعد عن زياد بن لبيد قال « ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فقال : وذلك عند ذهاب أبنائنا يا رسول الله ، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ، ونقرئه أبناءنا ، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم ، إلى يوم القيامة؟ قال : ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد . ! إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة ، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل ، ولا ينتفعون مما فيهما بشيء » .
وأخرج ابن مردويه من طريق يعقوب بن زيد بن طلحة عن زيد بن أسلم عن أنس بن مالك قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر حديثاً قال : « ثم حدثهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : » تفرَّقت أمة موسى على إحدى وسبعين ملة ، سبعون منها في النار وواحدة منها في الجنة . وتفرقت أمة عيسى على اثنين وسبعين ملة ، واحدة منها في الجنة وإحدى وسبعون في النار . وتعلوا أنتم على الفريقين جميعاً بملة واحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار ، قالوا : من هم يا رسول الله؟ قال : الجماعات الجماعات « قال يعقوب بن زيد : كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا فيه قرآناً { ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا } إلى قوله { ساء ما يعملون } وتلا أيضاً { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } [ الأعراف : 181 ] يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم » .(3/417)
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)
أخرج أبو الشيخ عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً ، وعرفت أن الناس مكذبي ، فوعدني لأبلغن أو ليعذبني ، فأنزل { يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك } » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال : لما نزلت { بلغ ما أنزل إليك من ربك } قال : يا رب ، إنما أنا واحد كيف أصنع ليجتمع عليّ الناس؟ ، فنزلت { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال : نزلت هذه الآية { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم ، في علي بن أبي طالب .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } أن علياً مولى المؤمنين { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عنترة . أنه قال لعلي هل عندكم شيء لم يبده رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس؟ فقال : ألم تعلم أن الله قال { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } والله ما ورثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء في بيضاء .
أما قوله تعالى : { والله يعصمك من الناس } .
أخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال : « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي آية أنزلت من السماء أشد عليك؟ فقال » كنت بمنى أيام موسم واجتمع مشركوا العرب وافناء الناس في الموسم ، فنزل عليّ جبريل فقال { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } قال : فقمت عند العقبة ، فناديت : يا أيها الناس من ينصرني على أن أبلغ رسالة ربي ولكم الجنة ، أيها الناس قولوا لا إله إلا الله ، وأنا رسول الله إليكم ، وتنجحوا ولكم الجنة . قال : فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي إلا يرمون عليّ بالتراب والحجارة ، ويبصقون في وجهي ويقولون : كذاب صابئ ، فعرض عليّ عارض فقال : يا محمد ، إن كنت رسول الله فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ، وانصرني عليهم أن يجيبوني إلى طاعتك « ، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه ، قال : الأعمش فبذلك تفتخر بنو العباس ، ويقولون : فيهم نزلت(3/418)
{ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } [ القصص : 56 ] هوى النبي صلى الله عليه وسلم أبا طالب ، وشاء الله عباس بن عبد المطلب .
وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل وابن مردويه عن عائشة قالت : « كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت { والله يعصمك من الناس } فأخرج رأسه من القبة فقال : أيها الناس ، انصرفوا فقد عصمني الله » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : كان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم فيمن يحرسه ، فلما نزلت { والله يعصمك من الناس } ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرس .
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه حتى نزلت { والله يعصمك من الناس } فذهب ليبعث معه فقال : يا عم ، إن الله قد عصمني حاجة لي إلى من تبعث » .
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وأبو نعيم في الدلائل وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس قال « كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس ، وكان يرسل معه عمه أبو طالب كل يوم رجلاً من بني هاشم يحرسونه ، فقال : يا عم ، إن الله قد عصمني لا حاجة لي إلى من تبعث » .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أبي ذر قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينام إلا ونحن حوله من مخافة الغوائل ، حتى نزلت آية العصمة { والله يعصمك من الناس } » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عصمة بن مالك الخطمي قال « كنا نحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل حتى نزلت { والله يعصمك من الناس } فترك الحرس » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال : « لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أنمار ، نزل ذات الرقاع بأعلى نخل ، فبينا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه فقال غورث بن الحرث : لأقتلن محمداً فقال له أصحابه : كيف تقتله؟ قال : أقول له أعطيني سيفك فإذا أعطانيه قتلته به . فأتاه فقال : يا محمد ، اعطني سيفك أشمه ، فأعطاه إياه فرعدت يده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حال الله بينك وبين ما تريد ، فأنزل الله { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } الآية » .
وأخرج ابن حبان وابن مردويه عن أبي هريرة قال « كنا إذا صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تركنا له أعظم دوحة وأظلها فينزل تحتها ، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها ، فجاء رجل فأخذه فقال : يا محمد ، من يمنعك مني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله يمنعني منك ، ضع عنك السيف فوضعه ، فنزلت { والله يعصمك من الناس } » .(3/419)
وأخرج أحمد عن جعدة بن خالد بن الصمة الجشمي قال : « أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل فقيل : هذا أراد أن يقتلك . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : الم ترع؟ . . ولو أردت ذلك لم يسلطك الله عليّ » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال : أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنه سيكفيه الناس ويعصمه منهم ، وأمره بالبلاغ ، وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قيل له : لو احتجت فقال : « والله لا يدع الله عقبي للناس ما صاحبتهم » .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال : « لما نزلت { يا أيها الرسول } إلى قوله { والله يعصمك من الناس } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحرسوني إن ربي قد عصمني » .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن شقيق قال « إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعقبه ناس من أصحابه ، فلما نزلت { والله يعصمك من الناس } فخرج فقال : يا أيها الناس الحقوا بملاحقكم فإن الله قد عصمني من الناس » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يحرس يحارسه أصحابه حتى أنزل الله { والله يعصمك من الناس } فترك الحرس حين أخبره أنه سيعصمه من الناس » .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلاً اختار له أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها ، فأتاه اعرابي فاخترط سيفه ، ثم قال : من يمنعك مني؟ قال : الله ، فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف منه قال : وضرب برأسه الشجرة حتى انتثرت دماغه ، فأنزل الله { والله يعصمك من الناس } » .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال « كان النبي صلى الله عليه وسلم يهاب قريشاً ، فأنزل الله { والله يعصمك من الناس } فاستلقى ، ثم قال : من شاء فليخذلني مرتين أو ثلاثاً » .
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن الربيع بن أنس قال « كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرسه أصحابه حتى نزلت هذه الآية { يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك . . . } الآية . فخرج إليهم فقال : لا تحرسوني فإن الله قد عصمني من الناس » .(3/420)
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70)
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : « جاء رافع بن حارثة ، وسلام بن مشكم ، ومالك بن الصيف ، ورافع بن حرملة ، قالوا : يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه ، وتؤمن بما عندنا من التوراة ، وتشهد أنها من حق الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم » بلى ، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق ، كتمتم منها ما أمرتم أن تبينوا للناس فبرئت من أحداثكم . قالوا : فإنا نأخذ مما في أيدينا فإنا على الهدى والحق ولا نؤمن بك ولا نتبعك ، فأنزل الله فيهم { قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل } إلى قوله { القوم الكافرين } « » .(3/421)
وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71)
وأخرج ابن جرير عن مجاهد { وحسبوا ألا تكون فتنة } قال : يهود .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله { وحسبوا ألا تكون فتنة } قال : بلاء .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة { وحسبوا ألا تكون فتنة } قال : حسب القوم أن لا يكون بلاء { فعموا وصموا } قال : كلما عرض لهم بلاء ابتلوا به هلكوا فيه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي { وحسبوا ألا تكون فتنة } قال : حسبوا أن لا يبتلوا فعموا عن الحق .(3/422)
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76)
أخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب قال : لما رفع الله عيسى ابن مريم اجتمع من علماء بني إسرائيل مائة رجل ، فقال بعضهم : أنتم كثير نتخوف الفرقة ، اخرجوا عشرة فاخرجوا عشرة ، ثم قالوا : أنتم كثير نتخوف الفرقة ، اخرجوا عشرة فاخرجوا عشرة ، ثم قالوا : أنتم كثير فاخرجوا عشرة فاخرجوا عشرة ، ثم قالوا : أنتم كثير فاخرجوا عشرة حتى بقي عشرة ، فقالوا : أنتم كثير حتى الآن فاخرجوا ستة وبقي أربعة ، فقال بعضهم : ما تقولون في عيسى؟ فقال رجل منهم : أتعلمون أنه لا يعلم الغيب إلا الله؟ قالوا : لا . فقال الرجل : هو الله كان في الأرض ما بدا له ، ثم صعد إلى السماء حين بدا له . وقال الآخر : قد عرفنا عيسى وعرفنا أمه هو ولده ، وقال الآخر : لا أقول كما تقولون ، قد كان عيسى يخبرنا أنه عبد الله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم ، فنقول كما قال لنفسه ، لقد خشيت أن تكونوا قلتم قولاً عظيماً . قال : فخرجوا على الناس فقالوا لرجل منهم : ماذا قلت؟ قال : قلت هو الله كان في الأرض ما بدا له ثم صعد إلى السماء حين بدا له . قال : فاتبعه عنق من الناس وهؤلاء النسطورية واليعقوبية ، ثم خرج الرابع فقالوا له : ماذا قلت؟ قال : قلت هو عبد الله روحه وكلمته ألقاها إلى مريم ، فاتبعه عنق من الناس فقال محمد بن كعب ، فكل قد ذكره الله في القرآن { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة . . . } الآية . ثم قرأ { وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً } [ النساء : 156 ] ثم قرأ { ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا } [ المائدة : 65 ] إلى قوله { منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون } [ المائدة : 66 ] قال محمد بن كعب : فهؤلاء أمة مقتصدة ، الذين قالوا : عيسى عبد الله وكلمته وروحه ألقاها إلى مريم .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } قال : النصارى يقولون : { إن الله ثالث ثلاثة } وكذبوا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : تفرق بنو إسرائيل ثلاث فرق في عيسى ، فقالت فرقة! هو الله . وقالت فرقة : هو ابن الله . وقالت فرقة : هو عبد الله وروحه ، وهي المقتصدة ، وهي مسلمة أهل الكتاب .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } قال : قالت النصارى : إن الله هو المسيح وأمه ، فذلك قوله { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } [ المائدة : 116 ] .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا عبد الله بن هلال الدمشقي ، حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال : قال أبو سليمان الداراني : يا أحمد - والله - ما حرك ألسنتهم بقولهم ثالث ثلاثة إلا هو ، ولو شاء الله لأخرس ألسنتهم .(3/423)
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { لا تغلوا في دينكم } يقول : لا تبتدعوا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { لا تغلوا في دينكم } قال : الغلو فراق الحق ، وكان مما غلوا فيه أن دعوا لله صاحبة وولداً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال : قد كان قائم قام عليهم ، فأخذ بالكتاب والسنة زماناً ، فأتاه الشيطان فقال : إنما تركب اثراً وأمراً قد عمل به قبلك فلا تحمد عليه ، ولكن ابتدع أمراً من قبل نفسك وادع إليه واجبر الناس عليه ، ففعل ثم ادّكر من بعد فعله زماناً فاراد أن يموت ، فخلع سلطانه وملكه وأراد أن يتعبد ، فلبث في عبادته أياماً فأتي فقيل له : لو أنك تبت من خطيئة عملتها فيما بينك وبين ربك عسى أن يتاب عليك ، ولكن ضل فلان وفلان في سبيلك حتى فارقوا الدنيا وهم على الضلالة ، فكيف لك بهداهم؟ فلا توبة لك أبداً ، ففيه سمعنا وفي اشباهه هذه الآية { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً } فهم أولئك الذين ضلوا وأضلوا أتباعهم { وضلوا عن سواء السبيل } عن عدل السبيل . والله أعلم .(3/424)
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)
أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال : كان الرجل يلقى الرجل فيقول له : ياهذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب الله على قلوب بعضهم ببعض . قال { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود } إلى قوله { فاسقون } ثم قال : كلا والله لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ، ولتأخذن على يدي الظالم ، ولتأطرنه على الحق اطراء .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن بني اسرئيل لما عملوا الخطيئة نهاهم علماؤهم تعزيراً ، ثم جالسوهم وآكلوهم وشاربوهم كأن لم يعملوا بالأمس خطيئة ، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ، ولعنهم على لسان نبي من الأنبياء ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله لتأمرن بالمعروف ، ولتنهن عن المنكر ، ولتأطرنهم على الحق أطراً ، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ، وليلعننكم كما لعنهم » .
وأخرج عبد بن حميد عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « خذوا العطاء ما كان عطاء ، فإذا كان رشوة عن دينكم فلا تأخذوه ، ولن تتركوه يمنعكم من ذلك الفقر والمخافة ، إن بني يأجوج قد جاؤوا ، وإن رحى الإسلام ستدور ، فحيث ما دار القرآن فدوروا به ، يوشك السلطان والقرآن أن يقتتلا ويتفرقا ، إنه سيكون عليكم ملوك يحكمون لكم بحكم ولهم بغيره ، فإن أطعتموهم أضلوكم ، وإن عصيتموهم قتلوكم ، قالوا : يا رسول الله فكيف بنا ان أدركنا ذلك؟ قال : تكونون كأصحاب عيسى ، نشروا بالمناشير ، ورفعوا على الخشب ، موت في طاعة خير من حياة في معصية ، إن أول ماكان نقص في بني إسرائيل أنهم كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر شبه التعزير ، فكان أحدهم إذا لقي صاحبه الذي كان يعيب عليه آكله وشاربه كأنه لم يعب عليه شيئاً ، فلعنهم الله على لسان داود ، وذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ، والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ، أو ليسلطنَّ الله عليكم شراركم ، ثم ليدعون خياركم فلا يستجاب لكم ، والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ، ولتنهن عن المنكر ، ولتأخذن على يد الظالم فلتأطرنه عليه اطراً ، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض » .
وأخرج ابن راهويه والبخاري في الوحدانيات وابن السكن وابن منده والباوردي في معرفة الصحابة والطبراني وأبو نعيم وابن مردويه عن ابن أبزى عن أبيه قال(3/425)
« خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر طوائف من المسلمين فأثنى عليهم خيراً ، ثم قال : ما بال أقوام لا يعلمون جيرانهم ولا يفقهونهم ولا يفطنونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم ، وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتفطنون ، والذي نفسي بيده ليعلمن جيرانه أو ليتفقهن أو ليفطنن ، أو لأعاجلنهم بالعقوبة في دار الدنيا ، ثم نزل فدخل بيته . فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يعني بهذا الكلام؟! قالوا : ما نعلم يعني بهذا الكلام إلا الأشعريين ، فقهاء علماء ، ولهم جيران من أهل المياه جفاة جهلة ، فاجتمع جماعة من الأشعريين فدخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ذكرت طوائف من المسلمين بخير وذكرتنا بشر ، فما بالنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لتعلمن جيرانكم ولتفقهنهم ولتأمرنهم ولتنهونهم ، أو لأعاجلنكم بالعقوبة في دار الدنيا ، فقالوا : يا رسول الله ، فاما إذن فامهلنا سنة ، ففي سنة ما نعلمه ويتعلمون ، فامهلهم سنة ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون } » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لُعِن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود } يعني في الزبور { وعيسى } يعني في الإنجيل .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لعن الذين كفروا . . . } الآية . قال : لعنوا بكل لسان ، لعنوا على عهد محمد في القرآن .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس { لعن الذين كفروا . . . } الآية . خالطوهم بعد النهي على تجارهم ، فضرب الله قلوب بعضهم على بعض ، وهم ملعونون على لسان داود وعيسى ابن مريم .
وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك الغفاري في الآية قال : لعنوا على لسان داود فجُعلوا قردة ، وعلى لسان عيسى فجُعِلوا خنازير .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد . مثله .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال : لعنهم الله على لسان داود في زمانهم ، فجعلهم قردة خاسئين ، ولعنهم في الإنجيل على لسان عيسى فجعلهم خنازير .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } ماذا كان بعضهم؟ قالوا { لا يتناهون عن منكر فعلوه } .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي عمرو بن حماس أن ابن الزبير قال لكعب : هل لله من علامة في العباد إذا سخط عليهم؟ قال : نعم ، يذلهم فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ، وفي القرآن { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل .(3/426)
. . } الآية .
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعاً « قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أوّل النهار ، فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عبادهم ، فأمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ، فقتلوا جميعاً في آخر النهار ، فهم الذين ذكر الله { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل . . . } الآيات » .
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والبيهقي عن حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، أو ليوشكن أن يبعث الله عليكم عقاباً من عنده ، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم » .
وأخرج ابن ماجة عن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم » .
وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان » .
وأخرج أحمد عن عدي بن عميرة . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة ، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه ، فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة » .
وأخرج الخطيب في رواة مالك من طريق أبي سلمة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه ، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة » .
وأخرج الخطيب في رواية مالك من طريق أبي سلمة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « والذي نفس محمد بيده ، ليخرجن من أمتي اناس من قبورهم في صورة القردة والخنازير ، داهنوا أهل المعاصي ، سكتوا عن نهيهم وهم يستطيعون » .
وأخرج الحكيم والترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا عظمت أمتي الدنيا نزعت منها هيبة الإسلام ، واذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بَرَكة الوحي ، وإذا تسابَّت امتي سقطت من عين الله » .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال « قيل يا رسول الله ، أتهلك القرية فيهم الصالحون؟ قال : نعم . فقيل يا رسول الله . . . ؟! قال : تهاونهم وسكوتهم عن معاصي الله عز وجل » .
وأخرج الطبراني عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن من كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل العامل فيهم الخطيئة فنهاه الناهي تعزيراً ، فإذا كان من الغد جالسه وآكله وشاربه كأنه لم يره على خطيئة بالأمس ، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ، ولتنهن عن المنكر ، ولتأخذن على يد المسيء ، ولتأطرنه على الحق اطراً ، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ، ويلعنكم كما لعنهم » .
وأخرج الديلمي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا استغنى النساء بالنساء ، والرجال بالرجال ، فبشروهم بريح حمراء تخرج من قبل المشرق ، فينسخ ببعضهم ، ويخسف ببعض { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } » .(3/427)
تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80)
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { لبئس ما قدمت لهم أنفسهم } قال : ما أمرتهم .
وأخرج ابن أبي حاتم والخرائطي في مساوئ الأخلاق وابن مردويه والبيهقي في الشعب وضعفه عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « يا معشر المسلمين ، إياكم والزنا ، فإن فيه ست خصال : ثلاث في الدنيا ، وثلاث في الآخرة ، فاما التي في الدنيا قد طاب إليها ، ودوام الفقر ، وقصر العمر ، وأما التي في الآخرة فسخط الله ، وطول الحساب ، والخلود في النار ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { لبئس ما قدَّمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم الخالدون } » .(3/428)
وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء } الآية .(3/429)
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86)
أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله ، » وفي لفظ : « إلا حدَّث نفسه بقتله » .
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } قال : هم الوفد الذين جاؤوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال : ما ذكر الله به النصارى قال : هم ناس من الحبشة آمنوا إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين ، فذلك لهم .
وأخرج النسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال : نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع } .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والواحدي من طريق ابن شهاب قال : أخبرني سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعروة بن الزبير قالوا « بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري ، وكتب معه كتاباً إلى النجاشي ، فقدم على النجاشي ، فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه ، وأرسل النجاشي إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم ، ثم أمر جعفر بن أبي طالب أن يقرأ عليهم القرآن ، فقرأ عليهم سورة مريم ، فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع ، وهم الذين أنزل فيهم { ولتجدن أقربهم مودة } إلى قوله { مع الشاهدين } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن جبير في قوله { ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً } قال : هم رسل النجاشي الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه ، كانوا سبعين رجلاً اختارهم من قومه الخيِّر الخيِّر ، فالخير في الفقه والسن ، وفي لفظ : بعث من خيار أصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين رجلاً ، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا عليه ، فقرأ عليهم سورة يس ، فبكوا حين سمعوا القرآن ، وعرفوا أنه الحق ، فأنزل الله فيهم { ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً . . } الآية . ونزلت هذه الآية فيهم أيضاً { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون } [ القصص : 52 ] إلى قوله { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا } [ القصص : 54 ] .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ » عن عروة قال : كانوا يرون أن هذه الآية نزلت في النجاشي { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول } قال : إنهم كانوا برايين يعني ملاحين ، قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة ، فلما قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن آمنوا وفاضت أعينهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا رجعتم إلى أرضكم انقلبتم عن دينكم ، فقالوا لن ننقلب عن ديننا ، فأنزل الله ذلك من قولهم { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول } » « .(3/430)
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال « ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في الذين أقبلوا مع جعفر من أرض الحبشة ، وكان جعفر لحق بالحبشة هو وأربعون معه من قريش ، وخمسون من الأشعريين ، منهم أربعة من عك ، أكبرهم أبو عامر الأشعري وأصغرهم عامر ، فذكر لنا أن قريشاً بعثوا في طلبهم عمرو بن العاص ، وعمارة بن الوليد ، فأتوا النجاشي فقالوا : إن هؤلاء قد أفسدوا دين قومهم ، فأرسل اليهم فجاؤوا فسألهم ، فقالوا : بعث الله فينا نبياً كما بعث في الأمم قبلنا يدعوننا إلى الله وحده ، ويأمرنا بالمعروف وينهانا عن المنكر ، ويأمرنا بالصلة ، وينهانا عن القطيعة ، ويأمرنا بالوفاء ، وينهانا عن النكث ، وإن قومنا بغوا علينا ، وأخرجونا حين صدقناه وآمنا به ، فلم نجد أحد نلجأ اليه غيرك فقال : معروفاً . فقال عمرو وصاحبه : إنهم يقولون في عيسى غير الذي تقول . قال : وما تقولون في عيسى؟ قالوا : نشهد أنه عبد الله ورسوله ، وكلمته وروحه ، ولدته عذراء بتول . قال : ما أخطأتم ، ثم قال لعمرو وصاحبه : لولا أنكما أقبلتما في جواري لفعلت بكما ، وذكر لنا أن جعفر وأصحابه إذ أقبلوا جاء أولئك معهم فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم . قال قائل : لو قد رجعوا إلى أرضهم لحقوا بدينهم ، فحدثنا أنه قدم مع جعفر سبعون منهم ، فلما قرأ عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فاضت أعينهم » .
وأخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم عن السدي قال « بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إثنا عشر رجلاً ، سبعة قسيسين وخمسة رهباناً ، ينظرون إليه ويسألونه ، فلما لقوه قرأ عليهم ما أنزل الله بكوا وآمنوا ، وأنزل الله فيهم { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول } الآية » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة يخاف على أصحابه من المشركين ، فبعث جعفر بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة ، فلما بلغ المشركين بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم ، وذكروا أنهم سبقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ، فقالوا : إنه قد خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها ، زعم أنه نبي وأنه بعث إليك رهطاً ليفسدوا عليك قومك ، فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم . قال : إن جاؤوني نظرت فيما يقولون ، فلما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتوا إلى باب النجاشي فقالوا : استأذن لأولياء الله؟ فقال : ائذن لهم فمرحباً بأولياء الله ، فلما دخلوا عليه سلموا فقال الرهط من المشركين : ألم تر أيها الملك انا صدقناك وانهم لم يحيوك بتحيتك التي تحيى بها؟ .(3/431)
. . فقال لهم : ما يمنعكم أن تحيوني بتحيتي؟ قالوا : إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة . فقال لهم : ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ قالوا : يقول عبدالله ورسوله ، وكلمة من الله ، وروح منه ألقاها إلى مريم ، ويقول في مريم : إنها العذراء الطيبة البتول . قال : فأخذ عوداً من الأرض فقال : ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم هذا العود ، فكره المشركون قوله وتغير لون وجوههم ، فقال : هل تقرأون شيئاً مما أنزل عليكم؟ قالوا : نعم . قال : فاقرأوا وحوله القسيسون والرهبان وسائر النصارى ، فجعلت طائفة من القسيسسن والرهبان كلما قرأوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق . قال الله { ذلك بأن منهم قسيسيين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون ، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق } « .
وأخرج الطبراني عن سلمان في إسلامه قال » لما قدم النبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة صنعت طعاماً ، فجئت به فقال : ما هذا؟ قلت : صدقة . فقال لأصحابه : كلوا ولم يأكل ، ثم إني رجعت حتى جمعت طعاماً فأتيته به فقال : ما هذا؟ قلت : هدية . فأكل وقال لأصحابه : كلوا . قلت يا رسول الله ، أخبرني عن النصارى؟ قال : لا خير فيهم ولا فيمن أحبهم ، فقمت وأنا مثقل ، فأنزل الله { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود } حتى بلغ { تفيض من الدمع } فأرسل إلىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : يا سلمان ، إن أصحابك هؤلاء الذين ذكر الله « .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ولتجدن أقربهم مودة . . . } الآية . قال : أناس من أهل الكتاب ، كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى يؤمنون به وينتهون إليه ، فلما بعث الله محمداً صدقوه وآمنوا به وعرفوا ما جاء به من الحق أنه من الله ، فأثنى عليهم بما تسمعون .
وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن أبي شيبة في مسنده وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والحارث بن أسامة في مسنده والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبزار وابن الأنباري في المصاحف وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن سلمان » أنه سئل عن قوله { ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً } قال : الرهبان الذين في الصوامع ، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { ذلك بأن منهم صديقين ورهباناً } ولفظ البزار دع القسيسين؛ أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم { ذلك بأن منهم صديقين } ولفظ الحكيم الترمذي : قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم { ذلك بأن منهم قسيسين } فأقرأني { ذلك بأن منهم صديقين } .(3/432)
وأخرج البيهقي في الدلائل عن سلمان قال : كنت يتيماً من رامهرمز ، وكان ابن دهقان رامهرمز يختلف إلى معلم يعلمه ، فلزمته لأكون في كنفه وكان لي أخ أكبر مني ، وكان مستغنياً في نفسه ، وكنت غلاماً فقيراً ، فكان إذا قام من مجلسه تفرق من يحفظه ، فإذا تفرقوا خرج ، فتقنع بثوبه ثم صعد الجبل ، فكان يفعل ذلك غير مرة متنكراً قال : فقلت أما أنك تفعل كذا وكذا ، فلم لا تذهب بي معك؟ قال : أنت غلام وأخاف أن يظهر منك شيء . قال : قلت لا تخف . قال : فإن في هذا الجبل قوماً في برطيل لهم عبادة وصلاح ، يذكرون الله عز وجل ويذكرون الآخرة ، يزعمون أنا عبدة النيران وعبدة الأوثان ، وأنا على غير دين . قلت : فاذهب بي معك إليهم . قال : لا أقدر على ذلك حتى أستأمرهم ، وأنا أخاف أن يظهر منك شيء فيعلم أبي فيقتل القوم فيجري هلاكهم على يدي . قال : قلت لن يظهر مني ذلك ، فاستأمرهم فقال : غلام عندي يتيم فأحب أن يأتيكم ويسمع كلامكم ، قالوا : إن كنت تثق به . قال : أرجو أن لا يجيء منه إلا ما أحب .
قالوا : فجيء به . فقال لي : قد استأذنت القوم أن تجيء معي ، فإذا كانت الساعة التي رأيتني أخرج فيها فأتني ولا يعلم بك أحد ، فإن أبي إن علم قتلهم . قال : فلما كانت الساعة التي يخرج تبعته ، فصعد الجبل فانتهينا إليهم فإذا هم في برطيلهم . قال : علي . وأراه قال : هم ستة أو سبعة . قال : وكانت الروح قد خرجت منهم من العبادة ، يصومون النهار ويقومون الليل ، يأكلون الشجر وما وجدوا ، فقعدنا إليهم فأثنى ابن الدهقان عليَّ خيراً ، فتكلموا فحمدوا الله وأثنوا عليه ، وذكروا من مضى من الرسل والأنبياء حتى خلصوا إلى عيسى ابن مريم ، قالوا : بعثه الله وولده بغير ذكر ، بعثه الله رسوله ، وسخر له ما كان يفعل من إحياء الموتى ، وخلق الطير ، وابراء الأعمى والأبرص ، فكفر به قوم وتبعه قوم . وإنما كان عبد الله ورسوله ابتلى به خلقه . قال : وقالوا قبل ذلك : يا غلام ، إن لك رباً ، وإن لك معاداً ، وإن بين يديك جنة وناراً إليها تصير ، وإن هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة لا يرضى الله بما يصنعون وليسوا على دين ، فلما حضرت الساعة التي ينصرف فيها الغلام انصرف وانصرفت معه ، ثم غدونا إليهم فقالوا مثل ذلك وأحسن ، فلزمتهم فقالوا : يا غلام ، إنك غلام ، وإنك لا تستطيع أن تصنع كما نصنع ، فكل واشرب وصل ونم .
قال : فاطلع الملك على صنيع ابنه ، فركب الخيل حتى أتاهم في برطيلهم ، فقال : ياهؤلاء ، قد جاورتموني فأحسنت جواركم ولم تروا مني سوءاً ، فعمدتم إلى ابني فافسدتموه عليَّ ، قد أجلتكم ثلاثاً ، فإن قدرت عليكم بعد ثلاث أحرقت عليكم برطيلكم هذا فالحقوا ببلادكم ، فإني أكره أن يكون مني إليكم سوء .(3/433)
قالوا : نعم ، ما تعمدنا اساءتك ، ولا أردنا إلا الخير ، فكفَّ ابنه عن إتيانهم فقلت له : اتق الله ، فإنك تعرف أن هذا الدين دين الله ، وإن أباك ونحن على غير دين ، إنما هم عبدة النيران لا يعرفون الله ، فلا تبع آخرتك بدنيا غيرك . قال : يا سلمان ، هو كما تقول ، وإنما أتخلف عن القوم بقيا عليهم ان اتبعت القوم يطلبني أبي في الخيل ، وقد جزع من إتياني إياهم حتى طردهم ، وقد أعرف أن الحق في أيديهم . قلت : أنت أعلم ، ثم لقيت أخي فعرضت عليه فقال : أنا مشتغل بنفسي وطلب المعيشة ، فأتيتهم في اليوم الذي أرادوا أن يرتحلوا فيه فقالوا : يا سلمان ، قد كنا نحذر ، فكان ما رأيت ، اتق الله واعلم أن الدين ما أوصيناك به ، وإن هؤلاء عبدة النيران لا يعرفون الله ولا يذكرونه ، فلا يخدعنَّك أحد عن ذلك . قلت : ما أنا بمفارقكم .
قالوا : إنك لا تقدر على أن تكون معنا ، نحن نصوم النهار ونقوم الليل ونأكل الشجر وما أصبنا ، وأنت لا تستطيع ذلك . قال : قلت : لا أفارقكم . قالوا : أنت أعلم قد أعلمناك حالنا فإذا أبيت فاطلب أحداً يكون معك ، واحمل معك شيئاً تأكله لا تستطيع ما نستطيع نحن . قال : ففعلت ، فلقيت أخي فعرضت عليه فأبى ، فأتيتهم فتحمَّلوا فكانوا يمشون وأمشي معهم ، فرزقنا الله السلامة حتى أتينا الموصل ، فأتينا بيعه بالموصل ، فلما دخلوا حفوا بهم وقالوا : أين كنتم؟ قالوا : كنا في بلاد لا يذكرون الله ، بها عبّاد نيران فطردونا فقدمنا عليكم ، فلما كان بعد قالوا : يا سلمان ، إن ههنا قوماً في هذه الجبال هم أهل دين وإنا نريد لقاءهم ، فكن أنت ههنا مع هؤلاء فإنهم أهل دين ، وسترى منهم ما تحب ، قلت : ما أنا بمفارقكم . قال : وأوصوا بي أهل البيعة فقال أهل دين البيعة : أقم معنا فإنه لا يعجزك شيء يسعنا . قلت : ما أنا بمفارقكم .
فخرجوا وأنا معهم ، فأصبحنا بين جبال ، فإذا صخرة وماء كثير في جرار وخبز كثير ، فقعدنا عند الصخرة ، فلما طلعت الشمس خرجوا من بين تلك الجبال ، يخرج رجل رجل من مكانه كأن الأرواح انتزعت منهم حتى كثروا ، فرحبوا بهم وحفوا وقالوا : أين كنتم لم نركم؟ قالوا : كنا في بلاد لا يذكرون اسم الله فيها عبدة النيران ، وكنا نعبد الله فيها فطردونا ، فقالوا : ما هذا الغلام؟ قال : فطفقوا يثنون عليَّ ، وقالوا : صحبنا من تلك البلاد فلم نرَ منه إلا خيراً . قال : فوالله إنهم لكذا إذ طلع عليهم رجل من كهف رجل طويل ، فجاء حتى سلم وجلس ، فحف به أصحابي الذين كنت معهم وعظموه ، وأحدقوا به فقال لهم : أين كنتم؟ فأخبروه فقال : وما هذا الغلام معكم؟ فأثنوا عليَّ خيراً ، وأخبروه باتباعي إياهم ، ولم أرَ مثل إعظامهم إياه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم ذكر من أرسل من رسله وأنبيائه ، وما لقوا وما صنع بهم حتى ذكر مولد عيسى بن مريم ، وأنه ولد بغير ذكر ، فبعثه الله رسولاً ، وأجرى على يديه إحياء الموتى وإبراء الأعمى والأبرص ، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله ، وأنزل عليه الإنجيل وعلمه التوراة ، وبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل ، فكفر به قوم وآمن به قوم ، وذكر بعض ما لقي عيسى ابن مريم ، وأنه كان عبداً أنعم الله عليه ، فشكر ذلك له ورضي عنه حتى قبضه الله ، وهو يعظمهم ويقول : اتقوا الله والزموا ما جاء عيسى به ، ولا تخالفوا فيخالف بكم ، ثم قال : من أراد أن يأخذ من هذا شيئاً فليأخذ .(3/434)
فجعل الرجل يقوم فيأخذ الجرة من الماء والطعام والشيء ، وقام إليه أصحابي الذين جئت معهم فسلموا عليه وعظموه ، فقال لهم : الزموا هذا الدين وإياكم أن تفرقوا واستوصوا بهذا الغلام خيراً ، وقال لي : يا غلام ، هذا دين الله الذي ليس له دين فوقه وما سواه هو الكفر .
قال : قلت : ما أفارقك . قال : إنك لن تستطيع أن تكون معي ، إني لا أخرج من كهفي هذا إلا كل يوم أحد ، لا تقدر على الكينونة معي . قال : وأقبل على أصحابه فقالوا : يا غلام ، إنك لا تستطيع أن تكون معه . قلت : ما أنا بمفارقك . قال : يا غلام ، فإني أعلمك الآن ، إني أدخل هذا الكهف ولا أخرج منه إلى الأحد الآخر ، وأنت أعلم . قلت : ما أنا بمفارقك . قال له أصحابه : يا فلان ، هذا غلام ونخاف عليه . قال : قال لي : أنت أعلم . قلت : إني لا أفارقك . فبكى أصحابي الأوّلون الذين كنت معهم عند فراقهم إياي . فقال : خذ من هذا الطعام ما ترى أنه يكفيك إلى الأحد الآخر ، وخذ من هذا الماء ما تكتفي به ففعلت ، وتفرقوا وذهب كل إنسان إلى مكانه الذي يكون فيه ، وتبعته حتى دخل الكهف في الجبل فقال : ضع ما معك وكل واشرب ، وقام يصلي ، فقمت معه أصلي قال : وانفتل إلي فقال : إنك لا تستطيع هذا ، ولكن صل ونم ، وكل واشرب ، ففعلت فما رأيته لا نائماً ولا طاعماً إلا راكعاً وساجداً إلى الأحد الآخر .
فلما أصبحنا قال : خذ جرتك هذه وانطلق ، فخرجت معه أتبعه حتى انتهينا إلى الصخرة ، وإذا هم قد خرجوا من تلك الجبال ، واجتمعوا إلى الصخرة ينتظرون خروجه ، فقعدوا وجاد في حديثه نحو المرة الأولى . فقال : الزموا هذا الدين ولا تفرقوا ، واتقوا الله واعلموا أن عيسى ابن مريم كان عبد الله أنعم الله عليه ، ثم ذكروني فقالوا : يا فلان ، كيف وجدت هذا الغلام؟ فأثنى علي وقال : خيراً .(3/435)
فحمدوا الله ، فإذا خبز كثير وماء ، فأخذوا وجعل الرجل يأخذ بقدر ما يكتفي به ففعلت ، وتفرقوا في تلك الجبال ورجع إلى كهفه ورجعت معه .
فلبث ما شاء الله ، يخرج في كل يوم أحد ويخرجون معه ، ويوصيهم بما كان يوصيهم به ، فخرج في أحد ، فلما اجتمعوا حمد الله ووعظهم وقال مثل ما كان يقول لهم ، ثم قال لهم آخر ذلك : يا هؤلاء ، إني قد كبرت سني ، ورق عظمي ، واقترب أجلي ، وأنه لا عهد لي بهذا البيت منذ كذا وكذا ، ولا بد لي من إتيانه ، فاستوصوا بهذا الغلام خيراً ، وإني رأيته لا بأس به ، قال : فجزع القوم فما رأيت مثل جزعهم ، وقالوا : يا أبا فلان ، أنت كبير وأنت وحدك ، ولا نأمن أن يصيبك الشيء ولسنا أحوج ما كنا إليك . قال : لا تراجعوني لا بد لي من إتيانه ولكن استوصوا بهذا الغلام خيراً وافعلوا وافعلوا . قال : قلت : ما أنا بمفارقك . قال : يا سلمان ، قد رأيت حالي وما كنت عليه وليس هذا لك ، إنما أمشي أصوم النهار وأقوم الليل ، ولا أستطيع أن أحمل معي زاداً ولا غيره ولا تقدر على هذا . قال : قلت : ما أنا بمفارقك . قال : أنت أعلم قالوا : يا أبا فلان ، إنا نخاف عليك وعلى هذا الغلام . قال : هو أعلم قد أعلمته الحالة ، وقد رأى ما كان قبل هذا . قلت : لا أفارقك . فبكوا وودعوه وقال لهم : اتقوا الله وكونوا على ما أوصيتكم به ، فإن أعش فلعلي أرجع إليكم ، وإن أمت فإن الله حي لا يموت ، فسلم عليهم وخرج وخرجت معه ، وقال لي : احمل معك من هذا الخبز شيئاً تأكله .
فخرج وخرجت معه يمشي واتبعه ، يذكر الله ، ولا يلتفت ولا يقف على شيء حتى إذ أمسى قال : يا سلمان صل أنت ونم ، وكل واشرب ، ثم قام هو يصلي إلى أن انتهى إلى بيت المقدس ، وكان لا يرفع طرفه إلى السماء حتى انتهينا إلى بيت المقدس ، وإذا على الباب مقعد قال : يا عبد الله ، قد ترى حالي فتصدق عليَّ بشيء ، فلم يلتفت إليه ودخل المسجد ودخلت معه ، فجعل يتتبع أمكنة من المسجد يصلي فيها ، ثم قال : يا سلمان ، إني لم أنم منذ كذا وكذا ولم أجد طعم نوم ، فإن أنت جعلت لي أن توقظني إذا بلغ الظل مكان كذا وكذا نمت ، فاني أحب أن أنام في هذا المسجد وإلا لم أنم . قال : قلت : فإني أفعل . قال : فانظر إذا بلغ الظل مكان كذا وكذا فأيقظني إذا غلبتني عيني ، فنام فقلت في نفسي : هذا لم ينم منذ كذا وكذا وقد رأيت بعض ذلك ، لأدعنه ينام حتى يشتفي من النوم .
وكان فيما يمشي وأنا معه يقبل عليَّ فيعظني ، ويخبرني أن لي رباً وأن بين يديه جنة وناراً وحساباً ، ويعلمني بذلك ويذكرني نحو ما كان يذكر القوم يوم الأحد حتى قال فيما يقول لي : يا سلمان ، الله تعالى سوف يبعث رسولاً اسمه أحمد يخرج بتهامة - وكان رجلاً أعجمياً لا يحسن أن يقول تهامة ولا محمد - علامته أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، بين كتفيه خاتم ، وهذا زمانه الذي يخرج فيه قد تقارب ، فأما أنا فإني شيخ كبير ولا أحسبني أدركه ، فإن أدركته أنت فصدقه واتبعه .(3/436)
قلت : وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه؟ قال : وإن أمرك فإن الحق فيما يجيء به ، ورضا الرحمن فيما قال .
فلم يمض إلا يسير حتى استيقظ فزعاً يذكر الله تعالى فقال : يا سلمان ، مضى الفيء من هذا المكان ولم أذكر الله ، أين ما جعلت لي على نفسك؟ قال : قلت : أخبرتني أنك لم تنم منذ كذا وكذا ، وقد رأيت بعض ذلك فأحببت أن تشتفي من النوم فحمد الله ، فقام وخرج فتبعته فقال المقعد : يا عبد الله ، دخلت فسألتك فلم تعطني ، وخرجت فسألتك فلم تعطني ، فقام ينظر هل يرى أحداً فلم يره ، فدنا منه فقال : ناولني يدك ، فناوله فقال : قم بسم الله ، فقام كأنه نشط من عقال صحيحاً لا عيب فيه ، فخلى عن يده ، فانطلق ذاهباً فكان لا يلوي على أحد ولا يقوم عليه ، فقال لي المقعد : يا غلام ، أحمل على ثيابي حتى أنطلق وأبشر أهلي ، فحملت عليه ثيابه وانطلق لا يلوي عليَّ .
فخرجت في أثره أطلبه ، وكلما سألت عنه قالوا : أمامك . حتى لقيني الركب من كلب فسألتهم ، فلما سمعوا لغتي أناخ رجل منهم بعيره فحملني ، فجعلني خلفه حتى بلغوا بي بلادهم قال : فباعوني فاشترتني امرأة من الأنصار فجعلتني في حائط لها ، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُخبرت به ، فأخذت شيئاً من تمر حائطي فجعلته على شيء ، ثم أتيته فوجدت عنده أناساً ، وإذا أبو بكر أقرب القوم منه ، فوضعته بين يديه فقال : ما هذا؟ قلت صدقة . فقال للقوم : كلوا ولم يأكل هو ، ثم لبثت ما شاء الله ، ثم أخذت مثل ذلك فجعلته على شيء ، ثم أتيته به فوجدت عنده أناساً ، وإذا أبو بكر أقرب القوم منه ، فوضعته بين يديه فقال : ما هذا؟ قلت : هدية . قال : بسم الله ، فأكل وأكل القوم ، قال : قلت : في نفسي هذه من آياته ، كان صاحبي رجلاً أعجمياً لم يحسن أن يقول تهامة قال تهمة ، وقال أحمد فدرت خلفه ففطن بي فأرخى ثوبه فإذا الخاتم في ناحية كتفه الايسر ، فتبينته ثم درت حتى جلست بين يديه فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله .
قال : من أنت؟ قلت : مملوك ، فحدثته بحديثي وحديث الرجل الذي كنت معه وما أمرني به ، قال : لمن أنت؟ قلت : لامرأة من الأنصار جعلتني في حائط لها .(3/437)
قال : يا أبا بكر ، قال : لبيك . . . قال : اشتره . قال : فاشتراني أبو بكر فاعتقني ، فلبثت ما شاء الله أن ألبث ، ثم أتيته فسلمت عليه وقعدت بين يديه ، فقلت : يا رسول الله ، ما تقول في دين النصارى؟ قال : لا خير فيهم ولا في دينهم ، فدخلني أمر عظيم فقلت في نفسي : هذا الذي كنت معه ورأيت منه ما رأيت ، أخذ بيد المقعد فأقامه الله على يديه ، لا خير في هؤلاء ولا في دينهم ، فانصرفت وفي نفسي ما شاء الله ، فأنزل الله بعد على النبي صلى الله عليه وسلم { ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون } إلى آخر الآية .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ بسلمان ، فأتاني الرسول فدعاني وأنا خائف ، فجئت حتى قعدت بين يديه ، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم { ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون } إلى آخر الآية . فقال : يا سلمان ، أولئك الذين كنت معهم وصاحبك لم يكونوا نصارى إنما كانوا مسلمين ، فقلت : يا رسول الله ، فوالذي بعثك بالحق لقد أمرني باتباعك . فقلت له : وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه ، فأتركه؟ قال : نعم ، فاتركه فإن الحق وما يحب الله فيما يأمرك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { قسيسين } قال : علماؤهم .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : القسيسون . عبادهم .
وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق قال : سألت الزهري عن هذه الآية { ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون } وقوله { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً } [ الفرقان : 63 ] قال : ما زلت أسمع علماءنا يقولون : نزلت في النجاشي وأصحابه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله { فاكتبنا مع الشاهدين } قال : أمة محمد صلى الله عليه وسلم . وفي لفظ : قال : يعنون بالشاهدين محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته ، أنهم قد شهدوا له أنه قد بلِّغ ، وشهدوا للمرسلين أنهم قد بلغوا .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين } قال : القوم الصالحون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم .(3/438)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)
أخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عدي في الكامل والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس « أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني إذا أكلت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي ، وإني حرمت عليّ اللحم ، فنزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه « عن ابن عباس في قوله { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } قال : نزلت هذه الآية في رهط من الصحابة قالوا : نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات الدنيا ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك فقالوا : نعم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لكني أصوم أفطر ، وأصلي وأنام ، وأنكح النساء ، فمن أخذ بسنتي فهو مني ، ومن لم يأخذ بسنَّتي فليس مني » .
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في مراسيله وابن جرير عن أبي مالك في قوله { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } قال : نزلت في عثمان بن مظعون وأصحابه ، كانوا حرموا على أنفسهم كثيراً من الشهوات والنساء ، وهمَّ بعضهم أن يقطع ذكره ، فنزلت هذه الآية .
وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة « أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر؟ فقال بعضهم : لا آكل اللحم ، وقال بعضهم : لا أتزوّج النساء ، وقال بعضهم لا أنام على فراش ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما بال أَقوام يقول أحدهم كذا وكذا ، لكني أصوم وأفطر ، وأنام وأقوم ، وآكل اللحم ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني » .
وأخرج البخاري ومسلم وابن أبي شيبة والنسائي وابن أبي حاتم وابن حبان والبيهقي في سننه وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود قال كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساء ، فقلنا ألا نستخصي؟ فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ، ثم قرأ عبد الله { يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال : كان أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم همُّوا بالخصاء ، وترك اللحم والنساء ، فنزلت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة ، أن عثمان بن مظعون في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، قال بعضهم : لا آكل اللحم ، وقال الآخر : لا أنام على فراش ، وقال الآخر : لا أتزوج النساء ، وقال الآخر : أصوم ولا أفطر ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم .(3/439)
. . } الآية .
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي في قوله { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } قال : كانوا حرموا الطيب واللحم ، فأنزل الله هذا فيهم .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن أبي قلابة قال « أراد أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفضوا الدنيا ، ويتركوا النساء ويترهَّبوا ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فغلظ فيهم المقاتلة ، ثم قال : إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد ، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع ، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، وحجوا واعتمروا واستقيموا يستقم بكم . قال : ونزلت فيهم { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم . . . } الآية » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } قال : نزلت في أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أرادوا أن يتخلوا من الدنيا ويتركوا النساء وتزهَّدوا ، منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم . . . } الآية . قال « ذكر لنا أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رفضوا النساء واللحم ، وأرادوا أن يتخذوا الصوامع ، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ليس في ديني ترك النساء واللحم ، ولا اتخاذ الصوامع ، » وخبرنا أن « ثلاثة نفر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفقوا فقال أحدهم أما أنا فأقوم الليل لا أنام ، وقال أحدهم : أما أنا فأصوم النهار فلا أفطر ، وقال الآخر : أما أنا فلا آتي النساء ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال : ألم أنبأ إنكم اتفقتم على كذا وكذا؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، وما أردنا إلا الخير . قال : لكني أقوم وأنام ، وأصوم وأفطر ، وآتي النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ، » وكان في بعض القراءة في الحرف الأول : من رغب عن سنتك فليس من أمتك ، وقد ضل سواء السبيل .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي عبد الرحمن قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم « لا آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً » .
وأخرج ابن أبي جرير عن السدي قال « إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوماً فذكر الناس ، ثم قام ولم يزدهم على التخويف ، فقال ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا عشرة ، منهم علي بن أبي طالب ، وعثمان بن مظعون : ما حقنا أن لم نحدث عملاً ، فإن النصارى قد حرَّموا على أنفسهم فنحن نحرم ، فحرم بعضهم أكل اللحم والودك وأن يأكل منها ، وحرم بعضهم النوم ، وحرم بعضهم النساء ، فكان عثمان بن مظعون ممن حرم النساء ، وكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه ، فأتت امرأته عائشة - وكان يقال لها الحولاء - فقالت لها عائشة ومن حولها من نساء النبي صلى الله عليه وسلم : ما بالك يا حولاء متغيرة اللون لا تمتشطين ولا تتطيبين؟! فقالت : وكيف أتطيب وأمتشط وما وقع عليَّ زوجي ولا رفع عني ثوباً منذ كذا وكذا ، فجعلن يضحكن من كلامها ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن يضحكن ، فقال : ما يضحككن؟ قالت : يا رسول الله ، الحولاء سألتها عن أمرها فقالت : ما رفع عني زوجي ثوباً منذ كذا وكذا ، فأرسل إليه فدعاه فقال : ما بالك يا عثمان؟ ، قال : إني تركته لله لكي أتخلى للعبادة ، وقصَّ عليه أمره ، وكان عثمان قد أراد أن يجب نفسه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقسمت عليك إلا رجعت فواقعت أهلك ، فقال : يا رسول الله إني صائم! قال : أفطر . قال : فأفطر وأتى أهله ، فرجعت الحولاء إلى عائشة قد اكتحلت وامتشطت وتطيبت ، فضحكت عائشة فقالت : مالك يا حولاء؟ فقالت : أنه أتاها أمس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم ، ألا اني أنام وأقوم ، وأفطر وأصوم ، وأنكح النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ، فنزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا } يقول لعثمان : لا تجب نفسك ، فإن هذا هو الاعتداء ، وأمرهم أن يكفروا أيمانهم فقال { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } [ المائدة : 89 ] الآية » .(3/440)
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد قال « أراد رجال منهم عثمان بن مظعون ، وعبد الله بن عمرو ، أن يتبتلوا ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح ، فنزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } والآية التي بعدها .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة . » أن عثمان بن مظعون ، وعلي بن أبي طالب ، وابن مسعود ، والمقداد بن الأسود ، وسالماً مولى أبي حذيفة ، وقدامة ، تبتلوا فجلسوا في البيوت ، واعتزلوا النساء ، ولبسوا المسوح ، وحرموا طيبات الطعام واللباس ، إلا ما يأكل ويلبس السياحة من بني إسرائيل ، وهمُّوا بالاختصاء ، وأجمعوا لقيام الليل ، وصيام النهار ، فنزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم . . . } الآية . فلما نزلت بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن لأنفسكم حقاً ، ولأعينكم حقاً ، وإن لأهلكم حقاً ، فصلوا وناموا وأفطروا ، فليس منا من ترك سنتنا . فقالوا : اللهم صدقنا واتبعنا ما أنزلت على الرسول « .(3/441)
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال « إن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عثمان بن مظعون حرموا اللحم والنساء على أنفسهم ، وأخذوا الشفار ليقطعوا مذاكيرهم لكي تنقطع الشهوة عنهم ويتفرغوا لعبادة ربهم ، فأُخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما أردتم؟ قالوا : أَردنا أن نقطع الشهوة عنا ، ونتفرغ لعبادة ربنا ، ونلهو عن الناس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم أؤمر بذلك ، ولكني أُمِرْتُ في ديني أن أتزوج النساء ، فقالوا : نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } إلى قوله { واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } فقالوا : يا رسول الله ، فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فأنزل الله { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } [ المائدة : 89 ] » .
وأخرج ابن مردويه عن الحسن العرني قال : كان علي في أناس ممن أرادوا أن يحرموا الشهوات ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم . . . } الآية .
وأخرج أبو الشيخ من طريق ابن جريج عن المغيرة بن عثمان قال « كان عثمان بن مظعون ، وعلي ، وابن مسعود ، والمقداد ، وعمار ، أرادوا الاختصاء ، وتحريم اللحم ، ولبس المسوح في أصحاب لهم ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون ، فسأله عن ذلك ، فقال : قد كان بعض ذلك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنكح النساء ، وآكل اللحم ، وأصوم وأفطر ، وأصلي وأنام ، وألبس الثياب ، لم آتِ بالتبتل ولا بالرهبانية ، ولكن جئت بالحنيفية السمحة ، ومن رغب عن سنتي فليس مني » ، قال ابن جريج : فنزلت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم . . . } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم « أن عبد الله بن رواحة ضافه ضيف من أهله وهو عند النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم رجع إلى أهله فوجدهم لم يطعموا ضيفهم انتظاراً له ، فقال لامرأته : حبست ضيفي من أجلي هو حرام علي . فقالت امرأته : هو عليَّ حرام . قال الضيف : هو علي حرام ، فلما رأى ذلك وضع يده وقال : كلوا بسم الله ، ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قد أصبت ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } » .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا } إلى ما حرم الله عليكم .(3/442)
وأخرج عبد بن حميد عن المغيرة قال : قلت : لإبراهيم في هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } هو الرجل يحرم الشيء مما أحل الله؟ قال : نعم .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في الآية قال : هو الرجل يحلف لا يصل أهله ، أو يحرِّم عليه بعض ما أحل الله له ، فيأتيه ويكفر عن يمينه .
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني من طرق عن ابن مسعود . أن معقل بن مقرن قال له : إني حرمت فراشي عليَّ سنة . فقال : نم على فراشك وكفِّر عن يمينك ، ثم تلا { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم . . . } إلى آخر الآية .
وأخرج البخاري والترمذي والدار قطني عن أبي جحيفة قال « آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء ، فزار سلمان أبا الدرداء ، فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها : ما شأنك . . . ؟ قالت : أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا ، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً فقال : كل فإني صائم قال : ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل ، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم قال : نم ، فنام ثم ذهب يقوم فقال : نم . فلما كان من آخر الليل قال سلمان : قم الآن . فصليا فقال له سلمان : أن لربك عليك حقاً ، ولنفسك عليك حقاً ، ولأهلك عليك حقاً ، فأعط كل ذي حق حقه . فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك له ، فقال : صدق سلمان » .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم « ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ قلت : بلى يا رسول الله ، قال : فلا تفعل ، صم وأفطر ، وقم ونم ، فإن لجسدك عليك حقاً ، وإن لعينك عليك حقاً ، وإن لزوجك عليك حقاً ، وإن لزورك عليك حقاً ، وأن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام ، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها ، فإذن ذلك صيام الدهر كله . قلت : إني أجد قوة . قال : فصم صيام نبي الله داود لا تزد عليه . قلت : وما كان صيام نبي الله داود؟ قال : نصف الدهر » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن سعيد بن المسيب « أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عمرو ، لما تبتلوا وجلسوا في البيوت ، واعتزلوا وهمُّوا بالخصاء ، وأجمعوا على قيام الليل وصيام النهار فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فدعاهم فقال : أما أنا فاني أصلي وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني » .(3/443)
وأخرج عبد الرزاق والطبراني عن عائشة قالت « دخلت امرأة عثمان بن مظعون واسمها خولة بنت حكيم عليَّ ، وهي باذة الهيئة فسألتها ما شأنك؟ فقالت : زوجي يقوم الليل ويصوم النهار ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرت ذلك له ، فلقي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا عثمان ، إن الرهبانية لم تكتب علينا ، أما لك فيَّ أسوة؟ فوالله إن أخشاكم لله وأحفظكم لحدوده لأنا » .
وأخرج عبد الرزاق عن أبي قلابة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من : تبتل فليس منا » .
وأخرج ابن سعد عن ابن شهاب « أن عثمان بن مظعون أراد أن يختصي ويسيح في الأرض ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أليس لك فيَّ أسوة؟ فأني آتي النساء ، وآكل اللحم ، وأصوم وأفطر ، إن خصاء أمتي الصيام ، وليس من أمتي من خصى أو اختصى » .
وأخرج ابن سعد عن أبي بردة قال « دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، فرأينها سيئة الهيئة ، فقلن لها : ما لك؟ فقالت : ما لنا منه شيء ، أما ليله فقائم ، وأما نهاره فصائم ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرن ذلك له ، فلقيه فقال يا عثمان بن مظعون ، أما لك فيَّ أسوة؟ قال : وما ذاك؟ قال : تصوم النهار وتقوم الليل . قال : إني لأفعل . قال : لا تفعل ، إن لعينك عليك حقاً ، وإن لجسدك عليك حقاً ، وإن لأهلك عليك حقاً ، فصل ونم ، وصم وأفطر ، قال : فاتتهن بعد ذلك عطرة كأنها عروس ، فقلن لها : مه؟ قالت : أصابنا ما أصاب الناس » .
وأخرج ابن سعد عن أبي قلابة « أن عثمان بن مظعون اتخذ بيتاً فقعد يتعبّد فيه ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتاه فأخذ بعضادتي باب البيت الذي هو فيه ، فقال : يا عثمان ، إن الله لم يبعثني بالرهبانية مرتين أو ثلاثاً ، وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة » .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال « كانت امرأة عثمان بن مظعون امرأة جميلة عطرة تحب اللباس والهيئة لزوجها ، فزارتها عائشة وهي تفلة ، قالت : ما حالك هذه؟ قالت : إن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن رواحة ، وعثمان بن مظعون ، قد تخلوا للعبادة وامتنعوا من النساء وأكل اللحم ، وصاموا النهار وقاموا الليل ، فكرهت أن أريه من حالي ما يدعوه إلى ما عندي لما تخلى له ، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته عائشة ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم نعله ، فحمله بالسبابة من أصبعه اليسرى ، ثم انطلق سريعاً حتى دخل عليهم ، فسألهم عن حالهم ، قالوا : أردنا الخير . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني إنما بعثت بالحنيفية السمحة ، وإني لم أبعث بالرهبانية البدعة ، إلا وإن أقواماً ابتدعوا الرهبانية فكتبت عليهم فما رعوها حق رعايتها ، إلا فكلوا اللحم ، وأتوا النساء ، وصوموا وأفطروا ، وصلوا وناموا ، فإني بذلك أمرت » .(3/444)
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن مسعود قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم « من استطاع منكم الباءة فليتزوّج ، فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء » .
وأخرج عبد الرزاق عن عثمان بن عفان قال « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بفتية فقال : من كان منكم ذا طول فليتزوج ، فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فليصم فإن الصوم له وجاء » .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة قال : لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لأحببت أن يكون لي فيه زوجة .
وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب . أنه قال لرجل : أتزوجت؟ قال : لا . قال : إما أن تكون أحمق ، وإما أن تكون فاجراً .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن إبراهيم بن ميسرة قال : قال لي طاوس : لتنكحن أو لأقول لك ما قال عمر لأبي الزوائد ، ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور .
وأخرج عبد الرزاق عن وهب بن منبه قال : مثل الأعزب كمثل شجرة في فلاة تقلبها الرياح هكذا وهكذا .
وأخرج عبد الرزاق عن سعيد بن هلال ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « تناكحوا تكثروا ، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة » .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن سعد بن أبي وقاص قال « لقد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل ، ولو أذن له في ذلك لاختصينا » .
وأخرج ابن سعد والبيهقي في شعب الإيمان من طريق عائشة بنت قدامة بن مظعون عن أبيها عن أخيه عثمان بن مظعون « أنه قال : يا رسول الله ، إني رجل تشق عليَّ هذه العزبة في المغازي ، فتأذن لي يا رسول الله في الخصاء؟ فأختصي . قال : لا ، ولكن عليك يا ابن مظعون بالصيام فإنه مجفر » .
وأخرج أحمد عن عائشة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سمرة « أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أنس « أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر ، فقال بعضهم : لا أتزوج النساء ، وقال بعضهم : لا آكل اللحم ، وقال بعضهم : لا أنام على فراش ، وقال بعضهم أصوم ولا أفطر ، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ ، لكني أصلي وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني » .(3/445)
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي في سننه عن عبيد الله بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من أحب فطرتي فليستن بسنتي ، ومن سنتي النكاح » .
وأخرج البيهقي في سننه عن ميمون أبي المغلس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من كان موسراً لأن ينكح فلم ينكح فليس منا » .
وأخرج عبد الرزاق عن أيوب . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من استن بسنتي فهو مني ، ومن سنتي النكاح » .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد عن أبي ذر قال « دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقال له عكاف بن بشير التميمي ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : هل لك من زوجة؟ قال : لا . قال : ولا جارية؟ قال : ولا جارية . قال : وأنت موسر بخير؟ قال : نعم . قال : أنت إذاً من إخوان الشياطين ، لو كنت من النصارى كنت من رهبانهم ، إن من سنتنا النكاح ، شراركم عزابكم ، وأراذل موتاكم عزابكم ، أبا لشيطان تتمرسون؟ ما للشيطان من سلاح أبلغ في الصالحين من النساء ، إلا المتزوجين أولئك المطهرون الْمُبَرَّأون من الخنا ، ويحك يا عكاف! إنهن صواحب أيوب وداود ويوسف وكرسف فقال له بشير بن عطية : ومن كرسف يا رسول الله؟ قال : رجل كان يعبد الله بساحل من سواحل البحر ثلثمائة عام ، يصوم النهار ويقوم الليل ، ثم إنه كفر بعد ذلك بالله العظيم في سبب امرأة عشقها وترك ما كان عليه من عبادة ربه ، ثم استدركه الله ببعض ما كان منه فتاب عليه ، ويحك يا عكاف! تزوج وإلا فأنت من المذبذبين » .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عطية بن بسر المازني قال « جاء عكاف بن وداعة الهلالي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عكاف ألك زوجة؟ قال : لا . قال : ولا جارية؟ قال : لا . قال : وأنت صحيح موسر؟ قال : نعم ، والحمد لله . قال : فأنت إذاً من الشياطين ، إما أن تكون من رهبانية النصارى فأنت منهم ، وإما أن تكون منا فتصنع كما نصنع ، فإن من سنتنا النكاح ، شراركم عزابكم ، وأراذل موتاكم عزابكم ، أبا لشيطان تتمرسون ، ما له في نفسه سلاح أبلغ في الصالحين من النساء إلا المتزوجون المطهرون المبرأون من الخنا ، ويحك يا عكاف . ! تزوج إنهن صواحب داود ، وصواحب أيوب ، وصواحب يوسف ، وصواحب كرسف ، فقال عطية من كرسف يا رسول الله؟ فقال : رجل من بني إسرائيل على ساحل من سواحل البحر يصوم النهار ، ويقوم الليل ، لا يفتر من صلاة ولا صيام ، ثم كفر من بعد ذلك بالله العظيم في سبب امرأة عشقها فترك ما كان عليه من عبادة ربه عز وجل ، فتداركه الله بما سلف منه فتاب الله عليه ، ويحك . ! تزوج وإلا فإنك من المذبذبين » .(3/446)
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي عن أبي نجيح قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من كان موسراً لأن ينكح فلم ينكح فليس مني » .
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن أبي نجيح قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « مسكين مسكين ، مسكين رجل ليست له امرأة . قيل يا رسول الله ، وإن كان غنياً ذا مال؟ قال : وإن كان غنياً من المال . قال : ومسكينة مسكينة مسكينة ، امرأة ليس زوج ، قيل : يا رسول الله ، وإن كانت غنية ومكثرة من المال ، قال : وإن كانت » قال البيهقي : أبو نجيح اسمه يسار ، وهو والد عبد الله بن أبي نجيح ، والحديث مرسل « .
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبيهقي عن أنس قال » كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالباءة ، وينهانا عن التبتل نهياً شديداً ، ويقول : تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة « .
وأخرج البيهقي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف دينه ، فليتق الله في النصف الباقي « .
وأخرج البيهقي من وجه آخر عن أنس . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : » من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه ، فليتق الله في الشطر الباقي « .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال : كان في بني إسرائيل رجل عابد ، وكان معتزلاً في كهف له ، فكان بنو إسرائيل قد أعجبوا بعبادته ، فبينما هم عند نبيهم إذ ذكروه فأثنوا عليه ، فقال النبي : » إنه لكما تقولون لولا أنه تارك لشيء من السنة وهو التزوج « .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن شداد بن أوس أنه قال : » زوِّجوني فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصاني أن لا ألقى الله عزباً « .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال : قال معاذ في مرضه الذي مات فيه : زوجوني إني أكره أن ألقى الله عزباً .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال : يكفن الرجل في ثلاثة أثواب ، لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين .(3/447)
لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال « لما نزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم } [ المائدة : 87 ] في القوم الذين كانوا حرَّموا النساء ، واللحم على أنفسهم ، قالوا : يا رسول الله ، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فأنزل الله { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } » .
وأخرج أبو الشيخ عن يعلى بن مسلم قال : سألت سعيد بن جبير عن هذه الآية { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } قال : اقرأ ما قبلها فقرأت { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } إلى قوله { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : اللغو أن تحرم هذا الذي أحل الله لك وأشباهه تكفرعن يمينك ولا تحرمه ، فهذا اللغو الذي لا يؤاخذكم به { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } فإن مت عليه أخذت به .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : هو الرجل يحلف على الحلال أن يحرمه ، فقال الله { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } أن تتركه وتكفر عن يمينك { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } قال : ما أقمت عليه .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : هما الرجلان يتبايعان . يقول أحدهما : والله لا أبيعك بكذا ، ويقول الآخر : والله لا أشتريه بكذا .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن إبراهيم قال : اللغو . أن يصل الرجل كلامه بالحلف ، والله لتجيئن ، والله لتأكلن ، والله لتشربن ، ونحو هذا لا يريد به يميناً ، ولا يتعمد به حلفاً ، فهو لغو اليمين ليس عليه كفارة .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك قال : الأيمان ثلاثة . يمين تكفر ، ويمين لا تكفر ، ويمين لا يؤاخذ بها ، فأما التي تكفر فالرجل يحلف على قطيعة رحم أو معصية الله فيكفر يمينه ، والتي لا تكفر الرجل يحلف على الكذب متعمداً ولا تكفر ، والتي لا يؤاخذ بها فالرجل يحلف على الشيء يرى أنه صادق فهو اللغو لا يؤاخذ به . والله أعلم .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة قال : اللغو . الخطأ ، أن يحلف على الشيء وأنت ترى أنه كما حلفت عليه ، فلا يكون كذلك تجوّز لك عنه ولا كفَّارة عليك فيه { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } قال : ما تعمدت فيه المآثم فعليك فيه الكفارة .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن مجاهد { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } قال : بما تعمدتم .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك وليس كذلك { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } قال : الرجل يحلف على الشيء وهو يعلمه .(3/448)
وأخرج أبو الشيخ عن عائشة قالت : إنما اللغو في المراء والهزل والمزاحة في الحديث الذي لا يعقد عليه القلب ، وإنما الكفارة في كل يمين حلف عليها في جد من الأمر في غضب أو غيره ليفعلن أو ليتركن ، فذاك عقد الأيمان الذي فرض الله فيه الكفارة .
قوله تعالى : { فكفارته إطعام عشرة مساكين } .
وأخرج ابن ماجة وابن مردويه عن ابن عباس قال « كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس به ، ومن لم يجد فنصف صاع من بر » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقيم كفارة اليمين مداً من حنطة بمد الأول » .
وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت أبي بكر قالت : كنا نعطي في كفارة اليمين بالمد الذي يقتات به .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب قال : أني أحلف لا أعطي أقواماً ثم يبدو لي أن أعطيهم ، فأطعم عشرة مساكين كل مسكين صاعاً من شعير ، أو صاعاً من تمر ، أو نصف صاع من قمح .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال : في كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع من قمح .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال : في كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع من حنطة .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس : في كفارة اليمين نصف صاع من حنطة .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد قال : كل طعام في القرآن فهو نصف صاع ، في كفارة اليمين وغيرها .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس قال : في كفارة اليمين مد من حنطة لكل مسكين .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن زيد بن ثابت . أنه قال : في كفارة اليمين مد من حنطة لكل مسكين .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عمر . في كفارة اليمين قال : إطعام عشرة مساكين ، لكل مسكين مد من حنطة .
وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة قال : ثلاث فيهن مد مد ، كفارة اليمين ، وكفارة الظهار ، وكفارة الصيام .(3/449)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في قوله { فكفارته إطعام عشرة مساكين } قال : يغديهم ويعشيهم ، إن شئت خبزاً ولحماً ، أو خبزاً وزيتاً ، أو خبزاً وسمناً ، أو خبزاً وتمراً .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن محمد بن سيرين . في كفارة اليمين قال : أكلة واحدة .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن الشعبي أنه سئل عن كفارة اليمين فقال : رغيفين وعرق لكل مسكين .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن سفيان الثوري عن جابر قال : قيل للشعبي أردد على مسكين واحد . قال : لا يجزيك إلا عشرة مساكين .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن . أنه كان لا يرى بأساً أن يطعم مسكيناً واحداً عشر مرات في كفارة اليمين .
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { من أوسط ما تطعمون أهليكم } قال : من عسركم ويسركم .
وأخرج ابن ماجة عن ابن عباس قال : كان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه سعة ، وكان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه شدة ، فنزلت { من أوسط ما تطعمون أهليكم } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : كان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه فضل ، وبعضهم يقوت قوتاً دون ذلك ، فقال الله { من أوسط ما تطعمون أهليكم } ليس بأرفعه ولا أدناه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر { من أوسط ما تطعمون أهليكم } قال : من أوسط ما نطعم أهلينا الخبز والتمر ، والخبز والزيت ، والخبز والسمن ، ومن أفضل ما نطعمهم الخبز واللحم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن سيرين قال : كانوا يقولون : أفضله الخبز واللحم ، وأوسطه الخبز والسمن ، وأخسه الخبز والتمر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال : كان أهل المدينة يفضلون الحر على العبد ، والكبير على الصغير ، يقولون : الصغير على قدره والكبير على قدره ، فنزلت { من أوسط ما تطعمون أهليكم } فأمروا بأوسط من ذلك ليس بأرفعه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { من أوسط } يعني من أعدل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله { من أوسط } قال : من أمثل .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير { من أوسط ما تطعمون أهليكم } قال : قوتهم ، والطعام صاع من كل شيء إلا الحنطة .
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال : كل شيء فيه إطعام مسكين فهو مد بمد أهل مكة .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عائشة « عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { أو كسوتهم } قال » عباءة لكل مسكين « » .(3/450)
وأخرج ابن مردويه عن حذيفة قال « قلنا يا رسول الله { أو كسوتهم } ما هو؟ قال : عباءة » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { أو كسوتهم } قال : عباءة لكل مسكين أو شملة .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { أو كسوتهم } قال : ثوب ثوب لكل إنسان ، وقد كانت العباءة تقضي يومئذ من الكسوة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : الكسوة ثوب أو إزار .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد { أو كسوتهم } قال : القميص أو الرداء أو الإزار . قال : ويجزي في كفارة اليمين كل ثوب إلا التبان أو القلنسوة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد { أو كسوتهم } قال : أدناه ثوب ، وأعلاه ما شئت .
وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن سعيد بن المسيب { أو كسوتهم } قال : إزار وعمامة .
وأخرج أبو الشيخ عن الزهري قال : السراويل لا يجزي ، والقلنسوة لا تجزي .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمران بن حصين . أنه سئل عن قوله { أو كسوتهم } قال : لو أن وفداً قدموا على أميركم فكساهم قلنسوة قلنسوة قلتم قد كسوا .
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء . في الرجل يكون عليه الكفارة من اليمين فيكسو خمس مساكين ، ويطعم خمسة أن ذلك جائز؟ .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير أنه قرأ « إطعام عشرة مساكين أو كاسوتهم » ثم قال سعيد : أو كاسوتهم في الطعام .
أما قوله تعالى : { أو تحرير رقبة } .
وأخرج ابن أبو شيبة وأبو الشيخ عن الحسن قال : لا يجزي الأعمى ولا المقعد في الرقبة .
وأخرج أبو الشيخ عن فضالة بن عبيد قال : يجزي ولد الزنا في الرقبة الواجبة .
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء بن أبي رياح قال : تجزي الرقبة لصغيرة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن : أنه كان لا يرى عتق الكافر في شيء من الكفارات .
وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال : لا يجزي ولد الزنا في الرقبة ، ويجزئ اليهودي والنصراني في كفارة اليمين . والله تعالى أعلم .
أما قوله تعالى : { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } .
وأخرج ابن جرير والبيهقي في سننه عن ابن عباس . في آية كفارة اليمين قال : هو بالخيار في هؤلاء الثلاثة ، الأول فالأوّل ، فإن لم يجد شيئاً من ذلك فصيام ثلاثة أيام متتابعات .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : « لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة : يا رسول الله نحن بالخيار؟ قال » أنت بالخيار ، إن شئت أعتقت ، وإن شئت كسوت ، وإن شئت أطعمت ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات « » .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال : من كان عنده درهمان فعليه أن يطعم في الكفارة .(3/451)
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال : إذا كان عنده خمسون درهماً فهو ممن يجد ويجب عليه الإطعام ، وإن كانت أقل فهو ممن لا يجد ويصوم .
وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم النخعي قال : إذا كان عنده عشرون درهماً فعليه أن يطعم في الكفارة .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي بن كعب . أنه كان يقرأها « فصيام ثلاثة أيام متتابعات » .
وأخرج مالك والبيهقي عن حميد بن قيس المكي قال : كنت أطوف مع مجاهد ، فجاءه إنسان يسأله عن صيام الكفارة أيتابع؟ قال حميد : فقلت : لا . فضرب مجاهد في صدري ، ثم قال : إنها في قراءة أبي بن كعب « متتابعات » .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري وأبو الشيخ والبيهقي من طرق عن ابن مسعود . أنه كان يقرأها « فصيام ثلاثة أيام متتابعات » قال سفيان : ونظرت في مصحف ربيع بن خيثم ، فرأيت فيه « فمن لم يجد من ذلك شيئاً فصيام ثلاثة أيام متتابعات » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود ، أنه كان يقرأ كل شيء في القرآن متتابعات .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن عباس ، أنه كان يقرأها « فصيام ثلاثة أيام متتابعات » .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال : كل صوم في القرآن فهو متتابع ، إلاَّ قضاء رمضان فإنه عدة من أيام أخر .
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي . أنه كان لا يفرق في صيام اليمين ثلاثة أيام .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن . إنه كان يقول في صوم كفارة اليمين : يصومه متتابعات ، فإن أفطر من عذر يقضي يوماً مكان يوم .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير { ذلك } يعني الذي ذكر من الكفارة { كفارة أيمانكم إذا حلفتم } يعني اليمين العمد { واحفظوا أيمانكم } يعني لا تعمدوا الأيمان الكاذبة { كذلك } يعني هكذا { يبين الله لكم آياته } يعني ما ذكر من الكفارة { لعلكم تشكرون } فمن صام من كفارة اليمين يوماً أو يومين ثم وجد ما يطعم فليطعم ، ويجعل صومه تطوّعاً .
وأخرج عبد الرزاق والبخاري وابن أبي شيبة وابن مردويه عن عائشة قالت : كان أبو بكر إذا حلف لم يحنث ، حتى نزلت آية الكفارة ، فكان بعد ذلك يقول : لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وقبلت رخصة الله .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال : من حلف على ملك يمين ليضربه فكفارته تركه ، ومع الكفارة حسنة .
وأخرج أبو الشيخ عن جبير بن مطعم . أنه افتدى يمينه بعشرة آلاف درهم ، وقال : ورب هذه القبلة لو حلفت لحلفت صادقاً ، وإنما هو شيء افتديت به يميني .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي نجيح . أن ناساً من أهل البيت حلفوا عند البيت خمسين رجلاً قسامة ، فكأنهم حلفوا على باطل ، ثم خرجوا حتى إذا كانوا في بعض الطريق قالوا تحت صخرة ، فبينما هم قائلون تحتها إذ انقلبت الصخرة عليهم ، فخرجوا يشتدون من تحتها ، فانفلقت خمسين فلقة ، فقتلت كل فلقة رجلاً .(3/452)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)
أخرج أحمد عن أبي هريرة قال « حرمت الخمر ثلاث مرات ، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يشربون الخمر ، ويأكلون الميسر ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما؟ فأنزل الله { يسألونك عن الخمر والميسر } [ البقرة : 219 ] الآية . فقال الناس ما حرم علينا ، إنما قال إثم كبير ، وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين ، أمّ أصحابه في المغرب ، خلط في قراءته ، فأنزل الله أغلظ منها { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } [ النساء : 43 ] وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مغتبق ، ثم نزلت آية أغلظ من ذلك { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر } إلى قوله { فهل أنتم منتهون } قالوا : انتهينا ربنا ، فقال الناس : يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله وماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر ، ويأكلون الميسر ، وقد جعله الله رجساً من عمل الشيطان؟ فأنزل الله { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح } إلى آخر الآية . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : » لو حرم عليهم لتركوه كما تركتم « .
وأخرج الطيالسي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر قال : » نزل في الخمر ثلاث آيات ، فأوّل شيء نزل { يسألونك عن الخمر والميسر } [ البقرة : 219 ] الآية . فقيل حرمت الخمر فقالوا : يا رسول الله دعنا ننتفع بها كما قال الله ، فسكت عنهم . ثم نزلت هذه الآية { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } [ النساء : 43 ] فقيل : حرمت الخمر . فقالوا : يا رسول الله لا نشربها قرب الصلاة ، فسكت عنهم ، ثم نزلت { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر . . . } الآية . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حرمت الخمر « .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والنحاس في ناسخه عن سعد بن أبي وقاص قال : » فيَّ نزل تحريم الخمر ، صنع رجل من الأنصار طعاماً ، فدعانا فأتاه ناس ، فأكلوا وشربوا حتى انتشوا من الخمر . وذلك قبل أن تحرم الخمر . فتفاخروا فقالت الأنصار : الأنصار خير وقالت قريش : قريش خير . فأهوى رجل بلحي جزور فضرب على أنفي ففزره ، فكان سعد مفزور الأنف ، قال : فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرت ذلك له ، فنزلت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر } إلى آخر الآية « .
وأخرج ابن جرير من طريق ابن شهاب أن سالم بن عبد الله حدثه . أن أول ما حرمت الخمر أن سعد بن أبي وقاص وأصحاباً له شربوا فاقتتلوا فكسروا أنف سعد ، فأنزل الله { إنما الخمر والميسر . . . } الآية .
وأخرج الطبراني عن سعد بن أبي وقاص قال(3/453)
« نزلت فيَّ ثلاث آيات من كتاب الله نزل تحريم الخمر ، نادمت رجلاً فعارضته وعارضني ، فعربدت عليه فشججته ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر } إلى قوله { فهل أنتم منتهون } ونزلت فيَّ { ووصينا الإنسان بوالديه حسناً } [ العنكبوت : 8 ] حملته أمه كرهاً إلى آخر الآية ونزلت { يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } [ المجادلة : 12 ] فقدمت شعيرة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك لزهيد ، فنزلت الآية الأخرى { أأشفقتم أن تقدموا . . . } [ المجادلة : 13 ] الآية » .
وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال : إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار ، شربوا فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض ، فلما أن صحوا جعل يرى الرجل منهم الأثر بوجهه وبرأسه ولحيته ، فيقول : صنع بي هذا أخي فلان ، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن ، والله لو كان بي رؤوفاً ما صنع بي هذا ، حتى وقعت الضغائن في قلوبهم ، فأنزل الله هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر } إلى قوله { فهل أنتم منتهون } فقال ناس من المتكلفين : هي رجس ، وهي في بطن فلان قتل يوم بدر ، وفلان قتل يوم أحد ، فأنزل الله هذه الآية { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } الآية .
وأخرج ابن جرير عن بريدة قال « بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن نشرب الخمر جلاء ، إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأسلم عليه وقد نزل تحريم الخمر { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر } إلى قوله { منتهون } فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم ، قال : وبعض القوم شربته في يده قد شرب بعضاً وبقي بعض في الإناء ، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام ، ثم صبوا ما في باطيتهم ، فقالوا : انتهينا ربنا » .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال « يا أهل المدينة إن الله يعرض عن الخمر تعريضاً لا أدري لعله سينزل فيها أمر ، ثم قام فقال : يا أهل المدينة إن الله قد أنزل إليَّ تحريم الخمر ، فمن كتب منكم هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشربها » .
وأخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن سابط قال : زعموا أن عثمان بن مظعون حرم الخمر في الجاهلية ، وقال : لا أشرب شيئاً يذهب عقلي ، ويضحك بي من هو أدنى مني ، ويحملني على أن أنكح كريمتي من لا أريد ، فنزلت هذه الآية في سورة المائدة في الخمر ، فمر عليَّ رجل فقال : حرمت الخمر ، وتلا هذه الآية فقال : تباً لها قد كان بصري فيها ثابتاً .(3/454)
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال « لما نزلت في البقرة { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس } [ البقرة : 219 ] شربها قوم لقوله منافع للناس وتركها قوم لقوله إثم كبير منهم عثمان بن مظعون ، حتى نزلت الآية التي في النساء { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } [ النساء : 43 ] فتركها قوم وشربها قوم ، يتركونها بالنهار حين الصلاة ويشربونها بالليل ، حتى نزلت الآية التي في المائدة { إنما الخمر والميسر . . . } الآية . قال عمر : أقرنت بالميسر والأنصاب والأزلام بعداً لك وسحقاً ، فتركها الناس ووقع في صدور أناس من الناس منها ، فجعل قوم يمر بالراوية من الخمر فتخرق فيمر بها أصحابها فيقولون : قد كنا نكرمك عن هذا المصرع ، وقالوا : ما حرم علينا شيء أشد من الخمر ، حتى جعل الرجل يلقى صاحبه فيقول : إن في نفسي شيئاً . فيقول له صاحبه : لعلك تذكر الخمر . فيقول : نعم . فيقول : إن في نفسي مثل ما في نفسك ، حتى ذكر ذلك قوم واجتمعوا فيه فقالوا : كيف نتكلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد ، وخافوا أن ينزل فيهم ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أعدوا له حجة ، فقالوا : أرأيت حمزة بن عبد المطلب ، ومصعب بن عمير ، وعبد الله بن جحش أليسوا في الجنة؟ قال : بلى . قالوا : أليسوا قد مضوا وهم يشربون الخمر؟ فحرم علينا شيء دخلوا الجنة وهم يشربونه . فقال : قد سمع الله ما قلتم ، فإن شاء أجابكم ، فأنزل الله { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } قالوا : انتهينا ، ونزل في الذين ذكروا حمزة وأصحابه { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا . . . } الآية » .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { يسألونك عن الخمر والميسر } قال : الميسر . هو القمار كله { قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس } قال : فذمهما ولم يحرمهما وهي لهم حلال يومئذ ، ثم أنزل هذه الآية في شأن الخمر وهي أشد منها فقال { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } [ النساء : 43 ] فكان السكر منها حراماً ، ثم أنزل الآية التي في المائدة { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام . . . } إلى قوله { فهل أنتم منتهون } فجاء تحريمها في هذه الآية ، قليلها وكثيرها ، ما أسكر منها وما لم يسكر .
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال : أول ما نزل تحريم الخمر { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير . . . } [ البقرة : 219 ] الآية . فقال بعض الناس : نشربها لمنافعها التي فيها ، وقال آخرون لا خير في شيء فيه إثم ، ثم نزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } [ النساء : 43 ] الآية . فقال بعض الناس : نشربها ونجلس في بيوتنا ، وقال آخرون : لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة مع المسلمين ، فنزلت { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر .(3/455)
. . } الآية . فانتهوا فنهاهم فانتهوا .
وأخرج عبد بن حميد « عن قتادة في قوله { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } [ النساء : 43 ] قال : كان القوم يشربونها حتى إذا حضرت الصلاة أمسكوا عنها قال : وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال حين أنزلت هذه الآية : قد تقرَّب الله في تحريم الخمر ، ثم حرمها بعد ذلك في سورة المائدة بعد غزوة الأحزاب ، وعلم أنها تسفِّه الأحلام ، وتجهد الأموال ، وتشغل عن ذكر الله وعن الصلاة » .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { فهل أنتم منتهون } قال : فانتهى القوم عن الخمر وأمسكوا عنها قال : وذكر لنا أن هذه الآية لما أنزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يا أيها الناس إن الله قد حرم الخمر فمن كان عنده شيء فلا يطعمه ولا تبيعوها ، فلبث المسلمون زماناً يجدون ريحها من طرق المدينة لكثرة ما أهرقوا منها » .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عباس . أن الشراب كانوا يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأيدي والنعال والعصي حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر : لو فرضنا لهم حداً ، فتوخى نحو ما كانوا يضربون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي ، ثم كان عمر من بعده يجلدهم كذلك أربعين ، حتى أتى برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب ، فأمر به لن يجلد فقال : لم تجلدني؟ بيني وبينك كتاب الله . قال : وفي أي كتاب الله تجد أن لا أجلدك؟ قال : فإن الله تعالى يقول في كتابه { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } فإنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات { ثم اتقوا وأحسنوا } شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً وأحداً والخندق والمشاهد . فقال عمر : ألا تردون عليه؟ فقال ابن عباس : هؤلاء الآيات نزلت عذراً للماضين وحجة على الباقين ، عذراً للماضين لأنهم لقوا الله قبل أن حرم عليهم الخمر ، وحجة على الباقين لأن الله يقول { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام } حتى بلغ الآية الأخرى ، فإن كان من { آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وأمنوا ثم اتقوا وأحسنوا } فإن الله نهى أن يشرب الخمر . فقال عمر : فماذا ترون؟ فقال علي بن أبي طالب : نرى أنه إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، وعلى المفتري ثمانون جلدة ، فأمر عمر فجلد ثمانين .
وأخرج ابن مردويه عن أنس عن أبي طلحة زوج أم أنس قال « لما نزلت تحريم الخمر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم هاتفاً يهتف : ألا أن الخمر قد حرمت فلا تبيعوها فمن كان عنده منه شيء فليهرقه .(3/456)
قال أبو طلحة : يا غلام حل عُزّلى تلك المزاد ، ففتحها فأهرقها وخمرنا يومئذ البسر والتمر ، فأهرق الناس حتى امتنعت فجاج المدينة « .
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : » كنا نأكل من طعام لنا ونشرب عليه من هذا الشراب ، فأتانا فلان من نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنكم تشربون الخمر وقد أنزل فيها . قلنا ما تقولون؟ قال : نعم ، سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم الساعة ومن عنده أتيتكم ، فقمنا فأكفينا ما كان في الإناء من شيء « .
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال » كان عند أبي طلحة مال ليتيم ، فاشترى به خمراً ، فلما حرمت الخمر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اجعله خلاً؟ فقال : لا ، أهْرقْهُ « .
وأخرج ابن مردويه عن أنس . أن الآية التي حرم الله فيها الخمر نزلت وليس في المدينة شراب يشرب إلا من تمر .
وأخرج أبو يعلى عن أنس قال : لما نزل تحريم الخمر فدخلت على ناس من أصحابي وهي بين أيديهم فضربتها برجلي ، وقلت : انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد نزل تحريم الخمر ، وشرابهم يومئذ البسر والتمر .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : كانوا يشربون الخمر بعد ما أنزلت التي في البقرة ، وبعد التي في سورة النساء ، فلما نزلت التي التي في سورة المائدة تركوه .
وأخرج مسلم وأبو يعلى وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال » يا أيها الناس إن الله أعرض بالخمر ، فمن كان عنده منها شيء فليبع ولينتفع به ، فلم نلبث إلا يسيراً ثم قال : إن الله قد حرم الخمر ، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يبع ولا يشرب . قال : فاستقبل الناس بما كان عندهم منها فسفكوها في طرق المدينة « .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها ، والمسكر من كل شراب .
وأخرج ابن مردويه عن وهب بن كيسان قال : قلت لجابر بن عبد الله متى حرمت الخمر؟ قال : بعد أحد صبحنا الخمر يوم أحد حين خرجنا إلى القتال .
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبدالله قال : حرمت الخمر يوم حرمت ، وما كان شراب الناس إلا التمر والزبيب .
وأخرج ابن مردويه عن جابر قال » كان رجل عنده مال أيتام ، فكان يشتري لهم ويبيع ، فاشترى خمراً فجعله في خوابي ، وإن الله أنزل تحريم الخمر ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله إنه ليس لهم مال غيره فقال : أهرقه . فأهرقه « .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال : حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء ، وما خمرهم يومئذ إلا الفضيخ .(3/457)
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : حرمت الخمر يوم حرمت ، وما بالمدينة خمر إلا الفضيخ .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمرو قال : إن هذه الآية التي في القرآن { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } هي في التوراة ، إن الله أنزل الحق ليذهب به الباطل ويبطل به اللعب والزفن والمزامير والكبارات . يعني البرابط ، والزمارات ، يعني الدف ، والطنابير والشعر والخمر مرة لمن طعمها ، وأقسم ربي بيمينه وعزة حيله لا يشربها عبد بعدما حرمتها عليه إلا عطشته يوم القيامة ، ولا يدعها بعد ما حرمتها إلا سقيته إياها من حظيرة القدس .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « حرم الله الخمر ، وكل مسكر حرام » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال : لقد أنزل الله تحريم الخمر ، وما بالمدينة زبيبة واحدة .
وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن الجارود وابن مردويه عن أبي سعيد قال « كان عندنا خمر ليتيم ، فلما نزلت الآية التي في المائدة سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا : ليتيم؟ فقال : اهريقوها » .
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : حرمت الخمر وهي تخمر في الجراري .
وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال : نزل تحريم الخمر وما في أسقيتنا إلا الزبيب والتمر ، فأكفأناهما .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر « سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : من التمر خمر ، ومن العسل خمر ، ومن الزبيب خمر ، ومن العنب خمر ، ومن الحنطة خمر ، وأنهاكم عن كل مسكر » .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال : لما نزلت { يسألونك عن الخمر والميسر . . . } [ البقرة : 219 ] الآية . كرهها قوم لقوله { فيهما إثم كبير } وشربها قوم لقوله { ومنافع للناس } حتى نزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } [ النساء : 43 ] فكانوا يَدَعونها في حين الصلاة ، ويشربونها في غير حين الصلاة . حتى نزلت { إنما الخمر والميسر . . . } الآية ، فقال عمر : ضيعة لك اليوم قرنت بالميسر .
وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال : نزلت في الخمر أربع آيات { يسألونك عن الخمر والميسر . . . } الآية . فتركوها ، ثم نزلت { تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً } [ النحل : 67 ] فشربوها ، ثم نزلت الآيتان في المائدة { إنما الخمر والميسر . . . } إلى قوله { فهل أنتم منتهون } .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال : نزلت هذه الآية { يسألونك عن الخمر والميسر . . . . } الآية . فلم يزالوا بذلك يشربونها حتى صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً ، فدعانا ساقيهم وعلي بن أبي طالب يقرأ { قل يا أيها الكافرون } [ الكافرون : 1 ] فلم يفهمها ، فأنزل الله يشدد في الخمر { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } فكانت حلالاً يشربونها من صلاة الغداة حتى يرتفع النهار ، فيقومون إلى صلاة الظهر وهم مصحون ، ثم لا يشربونها حتى يصلوا العتمة ، ثم يقومون إلى صلاة الفجر وقد صحوا ، فلم يزالوا بذلك يشربونها حتى صنع سعد بن أبي وقاص طعاماً ، فدعا ساقيهم رجل من الأنصار ، فشوى لهم رأس بعير ثم دعاهم عليه ، فلما أكلوا وشربوا من الخمر سكروا ، وأخذوا في الحديث ، فتكلم سعد بشيء ، فغضب الأنصاري ، فرفع لحي البعير فكسر أنف سعد ، فأنزل الله نسخ الخمر وتحريمها { إنما الخمر والميسر } إلى قوله { فهل أنتم منتهون } .(3/458)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال : نزل تحريم الخمر في سورة المائدة بعد غزوة الأحزاب ، وليس للعرب يومئذ عيش أعجب إليهم منها .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الربيع قال : لما نزلت آية البقرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن ربكم يقدم في تحريم الخمر ، ثم نزلت آية النساء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن ربكم يقرب في تحريم الخمر ، ثم نزلت آية المائدة ، فحرمت الخمر عند ذلك » .
وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي قال « نزلت أربع آيات في تحريم الخمر أولهن التي في البقرة ، ثم نزلت الثانية { من ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً } [ النحل : 67 ] ، ثم أنزلت التي في النساء ، بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بعض الصلوات إذ غنى سكران خلفه ، فأنزل الله { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى . . . } [ النساء : 43 ] الآية . فشربها طائفة من الناس وتركها طائفة ، ثم نزلت الرابعة التي في المائدة ، فقال عمر ين الخطاب ، انتهينا يا ربنا » .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن قيس قال « لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه الناس وقد كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر ، فسألوه عن ذلك؟ فأنزل الله { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } [ البقرة : 216 ] فقالوا : هذا شيء قد جاء فيه رخصة ، نأكل الميسر ونشرب الخمر ونستغفر من ذلك ، حتى أتى رجل صلاة المغرب فجعل يقرأ { قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد } [ الكافرون : الآيات الثلاث ] فجعل لا يجوّد ذلك ولا يدري ما يقرأ ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } [ النساء : 43 ] فكان الناس يشربون الخمر حتى يجيء وقت الصلاة فيدعون شربها ، فيأتون الصلاة وهم يعلمون ما يقولون ، فلم يزالوا كذلك حتى أنزل الله { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام } إلى قوله { فهل أنتم منتهون } فقال : انتهينا يا رب » .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(3/459)
« لا يموت مدمن خمر إلا لقي الله كعابد وثن ، ثم قرأ { إنما الخمر والميسر . . . } الآية » .
وأخرج أحمد وابن مردويه عن عبدالله بن عمرو . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « إن الله حرم الخمر ، والميسر ، والكوبة ، والغبيراء ، وكل مسكر حرام » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله حرم عليكم الخمر ، والميسر ، والكوبة ، وكل مسكر حرام » .
وأخرج البخاري وابن مردويه عن ابن عمر قال : نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ، ما فيها شراب العنب .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن جابر بن عبد الله . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح « إن الله حرَّم بيع الخمر ، الأنصاب ، والميتة ، والخنزير ، فقال بعض الناس : كيف ترى ، في شحوم الميتة يدهن بها السفن والجلود ، ويستصبح بها الناس؟ فقال : لا ، هي حرام ، ثم قال عند ذلك : قاتل الله اليهود ، إن الله لما حرم عليهم الشحوم ، جملوه فباعوه وأكلوا ثمنه » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال « قدم رجل من دوس على النبي صلى الله عليه وسلم براوية من خمر أهداها له ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هل علمت أن الله حرمها بعدك؟ فأقبل الدوسي على رجل كان معه فأمره ببيعها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل علمت أن الذي حرَّم شربها حرم بيعها وأكل ثمنها؟ وأمر بالمزاد فأهريقت حتى لم يبق فيها قطرة » .
وأخرج ابن مردويه عن تميم الداري أنه « كان يهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل عام راوية من خمر ، فلما كان عام حرمت الخمر جاء براوية ، فلما نظر إليها ضحك وقال : هل شعرت أنها قد حرمت؟ فقال : يا رسول الله أفلا نبيعها فننتفع بثمنها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعن الله اليهود ، انطلقوا إلى ما حرم الله عليهم من شحوم البقر والغنم ، فأذابوه اهالة فباعوا منه ما يأكلون ، والخمر حرام ثمنها حرام بيعها » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو عوانة والطحاوي وابن أبي حاتم وابن حبان والدارقطني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عمر . أنه قام على المنبر فقال : أما بعد فإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل ، وهي من خمسة . من العنب ، والتمر ، والبر ، والشعير ، والعسل ، والخمر ، ما خامر العقل .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال : إن هذه الأنبذة تنبذ من خمسة أشياء . من التمر ، والزبيب ، والعسل ، والبر ، والشعير ، فما خمرته منها ثم عتقته فهو خمر .(3/460)
وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام » .
وأخرج الحاكم وصححه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « الزبيب والتمر هو الخمر ، يعني إذا انتبذا جميعاً » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والنحاس في ناسخه والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن من الحنطة خمراً ، ومن الشعير خمراً ، ومن الزبيب خمراً ، ومن التمر خمراً ، ومن العسل خمراً ، وأنا أنهاكم عن كل مسكر » .
وأخرج الحاكم وصححه عن مريم بنت طارق قالت : « كنت في نسوة من المهاجرات ، حججنا فدخلنا على عائشة ، فجعل نساء يسألنها عن الظروف؟ فقالت : إنكم لتذكرون ظروفاً ما كان كثير منها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاتقين الله واجتنبن ما يسكركن ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كل مسكر حرام ، وإن أسكرها ماء حبها فلتجتنبه » .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر والنحاس في ناسخه عن أبي هريرة « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الخمر من هاتين الشجرتين : النخلة والعنبة » .
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي عن الحسن قال : الميسر . القمار .
وأخرج البيهقي في سننه عن نافع . أن ابن عمر كان يقول : الميسر . القمار .
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في سننه عن مجاهد قال : الميسر كعاب فارس ، وقداح العرب ، وهو القمار كله .
وأخرج البيهقي عن مجاهد قال : الميسر القمار كله ، حتى الجوز الذي يلعب به الصبيان .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي موسى الاشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التي يزجر بها زجراً فإنها من الميسر » .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الشعب عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إياكم وهذه الكعاب الموسومة التي تزجر زجراً فإنها من الميسر » .
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إياكم وهاتين اللعبتين الموسومتين اللتين يزجران زجراً فإنهما ميسر العجم » .
وأخرج وكيع وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال : إياكم وهذه الكعاب الموسومة التي تزجر زجراً فإنها ميسر العجم .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال : كل القمار من الميسر ، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب .(3/461)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال : النرد والشطرنج من الميسر .
وأخرج عبد بن حميد عن علي قال : الشطرنج ميسر الأعاجم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم بن محمد . أنه سئل عن النرد أهي من الميسر؟ قال : كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والبيهقي في الشعب عن القاسم . أنه قيل له : هذه النرد تكرهونها فما بال الشطرنج؟ قال : كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب من طريق ربيعة بن كلثوم عن أبيه قال : خطبنا ابن الزبير فقال : يا أهل مكة بلغني عن رجال يلعبون بلعبة يقال لها النرد شير ، وإن الله يقول في كتابه { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر } إلى قوله { فهل أنتم منتهون } ، وإني أحلف بالله لا أوتى بأحد لعب بها إلا عاقبته في شعره وبشره ، وأعطيت سلبه من أتاني به .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من لعب بالنرد شير فقد عصى الله ورسوله » .
وأخرج أحمد عن أبي عبد الرحمن الخطمي « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم فيصلي ، مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن عبدالله بن عمرو قال : اللاعب بالنرد قماراً كآكل لحم الخنزير ، واللاعب بها من غير قمار كالمدهن بودك الخنزير .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن مجاهد قال : اللاعب بالنرد قماراً من الميسر ، واللاعب بها سفاحاً كالصابغ يده في دم الخنزير ، والجالس عندها كالجالس عند مسالخه ، وإنه يؤمر بالوضوء منها ، والكعبين والشطرنج سواء .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن يحيى بن أبي كثير قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم يلعبون بالنرد ، فقال : « قلوب لاهية ، وأيد عاملة ، وألسنة لاغية » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال : النرد ميسر العجم .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن أنس قال : الشطرنج من النرد ، بلغنا عن ابن عباس أنه ولي مال يتيم فأحرقها .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبيدالله بن عمير قال : سئل ابن عمر عن الشطرنج فقال : هي شر من النرد .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي جعفر أنه سئل عن الشطرنج فقال : تلك المجوسية لا تلعبوا بها . وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الملك بن عمير قال : رأى رجل من أهل الشام أنه يغفر لكل مؤمن في كل يوم اثنتي عشرة مرة ، إلا أصحاب الشاه يعني الشطرنج .(3/462)
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن قتادة قال : الميسر القمار ، كان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله فيقعد سليباً حزيناً ينظر إلى ماله في يد غيره ، وكانت تورث بينهم العداوة والبغضاء فنهى الله عن ذلك ، وتقدم فيه وأخبر إنما هو رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق ليث عن عطاء وطاوس ومجاهد قالوا : كل شئ فيه قمار فهو من الميسر ، حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن محمد بن سيرين . أنه رأى غلماناً يتقامرون في يوم عيد فقال : لا تقامروا فإن القمار من الميسر .
وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن ابن سيرين قال : ما كان من لعب فيه قمار ، أو قيام ، أو صياح ، أو شر ، فهو من الميسر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن شريح . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « ثلاث من الميسر : الصفير بالحمام ، والقمار ، والضرب بالكعاب » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يتبع حمامة ، فقال : شيطان يتبع شيطانة » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال : شهدت عثمان وهو يخطب ، وهو يأمر بذبح الحمام ، وقتل الكلاب .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن خالد الحذاء عن رجل يقال له أيوب قال : كان ملاعب آل فرعون الحمام .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن إبراهيم قال : من لعب بالحمام الطيارة لم يمت حتى يذوق ألم الفقر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب بن قال : كان من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين .
وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي في الميسر قال : كانوا يشترون الجزور فيجعلونها أجزاء ، ثم يأخذون القداح فيلقونها ، وينادي : يا ياسر الجزور يا ياسر الجزور ، فمن خرج قدحه أخذ جزءاً بغير شيء ، ومن لم يخرج قدحه غرم ولم يأخذ شيئاً .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس . أنه كان يقال : اين ايسار الجزور؟ فيجتمع العشرة ، فيشترون الجزور بعشرة فصلان إلى الفصال ، فيجيلون السهام فتصير بتسعة حتى تصير إلى واحد ، ويغرم الآخرون فصيلاً فصيلاً إلى الفصال ، فهو الميسر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الأنصاب حجارة كانوا يذبحون لها ، والأزلام قداح كانوا يقتسمون بها الأمور .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : كانت لهم حصيات ، إذا أراد أحدهم أن يغزو أو يجلس استقسم بها .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله { والأزلام } قال : هي كعاب فارس التي يقتمرون بها ، وسهام العرب .(3/463)
وأخرج أبو الشيخ عن سلمة بن وهرام قال : سألت طاوساً عن الأزلام؟ فقال : كانوا في الجاهلية لهم قداح يضربون بها قدح معلم يتطيرون منه ، فإذا ضربوا بها حين يريد أحدهم الحاجة فخرج ذلك القدح لم يخرج لحاجته ، وإن خرج غيره خرج لحاجته ، وكانت المرأة إذا أرادت حاجة لها لم تضرب بتلك القداح ، فذلك قوله الشاعر :
إذا جددت أنثى لأمر خمارها ... أتته ولم تضرب له بالمقاسم
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { رجس } قال : سخط .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق سعيد بن جبير في قوله { رجس } قال : إثم { من عمل الشيطان } يعني من تزيين الشيطان { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر } يعني حين شج الأنصاري رأس سعد بن أبي وقاص { ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } فهذا وعيد التحريم { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } يعني في تحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام { فإن توليتم } يعني أعرضتم عن طاعتهما { فاعلموا أنما على رسولنا } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم { البلاغ المبين } يعني أن يبين تحريم ذلك .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس قال : لما نزل تحريم الخمر قالوا : يا رسول الله فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فنزلت { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح . . . } الآية .
وأخرج الطياليسي وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه عن البراء بن عازب قال : مات ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يشربون الخمر ، فلما نزل تحريمها قال أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فنزلت { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح . . . } الآية .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال « بينا أدير الكاس على أبي طلحة ، وأبي عبيدة بن الجراح ، ومعاذ بن جبل ، وسهيل بن بيضاء ، وأبي دجانة ، حتى مالت رؤوسهم من خليط بسر وتمر ، فسمعنا منادياً ينادي : ألا إن الخمر قد حرمت . قال : فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج حتى أهرقنا الشراب ، وكسرنا القلال ، وتوضأ بعضنا ، واغتسل بعضنا ، وأصبنا من طيب أم سليم ، ثم خرجنا إلى المسجد وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر } إلى قوله { فهل أنتم منتهون } فقال رجل : يا رسول الله فما منزلة من مات منا وهو يشربها؟ فأنزل الله { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا .(3/464)
. . } الآية « .
وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال : كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة ، فنزل تحريم الخمر ، فنادى مناد ، فقال أبو طلحة : اخرج فانظر ما هذا الصوت؟ فخرجت فقلت : هذا مناد ينادي : ألا إن الخمر قد حرمت . فقال لي : اذهب فأهرقها . قال : فجرت في سكك المدينة ، قال : وكانت خمرهم يومئذ الفضيخ البسر والتمر ، فقال بعض القوم : قتل قوم وهي في بطونهم ، فأنزل الله { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا . . . } الآية .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن جابر بن عبد الله قال : اصطبح ناس الخمر يوم أحد ، ثم قتلوا شهداء .
وأخرج الطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال : » لما نزل تحريم الخمر قالت اليهود : أليس إخوانكم الذين ماتوا كانوا يشربونها؟ فأنزل الله { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح . . . } الآية . فقال النبي صلى الله عليه وسلم قيل لي : أنت منهم « .
وأخرج الدارقطني في الأفراد وابن مردويه عن ابن مسعود قال : » لما نزل تحريم الخمر قالوا : يا رسول الله كيف بمن شربها من إخواننا الذين ماتوا وهي في بطونهم؟ فأنزل الله { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا . . . } الآية « .
وأخرج ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { ليس على الذين آمنوا . . . } الآية . يعني بذلك رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ماتوا وهم يشربون الخمر قبل أن تحرم الخمر ، فلم يكن عليهم فيها جناح قبل أن تحرم ، فلما حرمت قالوا : كيف تكون علينا حراماً وقد مات إخواننا وهم يشربونها؟ فأنزل الله { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا . . . } يقول ليس عليهم حرج فيما كانوا يشربون قبل أن أحرمها إذ كانوا محسنين متقين ، والله يحب المحسنين .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال : نزلت { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } فيمن كان يشربها ممن قتل ببدر وأحد مع النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : لما أنزل الله تحريم الخمرة في سورة المائدة بعد سورة الأحزاب ، قال في ذلك رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أصيب فلان يوم بدر ، وفلان يوم أحد ، وهم يشربونها فنحن نشهد أنهم من أهل الجنة ، فأنزل الله { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين } يقول : شربها القوم على تقوى من الله وإحسان ، وهي لهم يومئذ حلال ، ثم حرمت بعدهم فلا جناح عليهم في ذلك .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي عن ابن عباس في قوله { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح } قال : قالوا : يا رسول الله ما نقول لإخواننا الذين مضوا كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر؟ فأنزل الله { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } من الحرام قبل أن يحرم عليهم { إذا ما اتقوا وأحسنوا } وأحسنوا بعدما حرم عليهم ، وهو قوله(3/465)
{ فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف } [ البقرة : 275 ] .
وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن مردويه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبدالله بن مسعود قال : « لما نزلت { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا . . . } الآية . قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم » قيل لي : أنت منهم « » .
وأخرج الدينوري في المجالسة وابن مردويه وأبو نعيم عن ثابت بن عبيد قال : جاء رجل من آل حاطب إلى علي ، فقال : يا أمير المؤمنين إني أرجع إلى المدينة ، وإنهم سائلي عن عثمان ، فماذا أقول لهم؟ قال : أخبرهم أن عثمان كان من { آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين } .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر من طريق عطاء بن السائب عن محارب بن دثار « أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شربوا الخمر بالشام ، فقال لهم يزيد بن أبي سفيان : شربتم الخمر؟ فقالوا : نعم ، لقول الله { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } حتى فرغوا من الآية . فكتب فيهم إلى عمر ، فكتب إليه إن أتاك كتابي هذا نهاراً فلا تنظر بهم الليل ، وإن أتاك ليلاً فلا تنظر بهم النهار ، حتى تبعث بهم إليَّ لا يفتنوا عباد الله ، فبعث بهم إلى عمر ، فلما قدموا على عمر قال : شربتم الخمر؟ قالوا : نعم . فتلا عليهم { إنما الخمر والميسر . . . } إلى آخر الآية . قالوا : اقرأ التي بعدها { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } قال : فشاور فيهم الناس ، فقال لعلي : ما ترى؟ قال : أرى أنهم شرَّعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه ، فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم فقد أحلوا ما حرم الله ، وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين ثمانين فقد افتروا على الله الكذب ، وقد أخبرنا الله بحد ما يفتري به بعضنا على بعض . قال : فجلدهم ثمانين ثمانين .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » إن الله لعن الخمر ، ولعن غارسها ، ولعن شاربها ، ولعن عاصرها ، ولعن مؤويها ، ولعن مديرها ، ولعن ساقيها ، ولعن حاملها ، ولعن آكل ثمنها ، ولعن بائعها « .
وأخرج وكيع والبخاري ومسلم عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(3/466)
« من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إلا أن يتوب » .
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب ، لم يشربها في الآخرة وإن أُدخل الجنة » .
وأخرج مسلم والبيهقي عن جابر بن عبدالله . « أن رجلاً قدم من اليمن ، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم » أويسكر هو؟ قالوا : نعم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل مسكر حرام ، إن الله عهد لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال . قالوا : يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال : عرق أهل النار ، أو عصارة أهل النار « » .
وأخرج عبد الرزاق والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عمرو . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ، فإن تاب تاب الله عليه ، وإن شربها الثالثة لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ، فإن تاب تاب الله عليه ، فإن شربها الرابعة لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ، فإن تاب لم يتب الله عليه وكان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال . قيل : وما طينة الخبال؟ قال : صديد أهل النار » .
وأخرج البيهقي عن عبدالله بن عمرو بن العاص . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « من شرب الخمر شربة لم تقبل صلاته أربعين صباحاً ، فإن تاب تاب الله عليه ، فإن عاد لم تقبل توبته أربعين صباحاً ، فلا أدري أفي الثالثة أو في الرابعة؟ قال : فإن عاد كان حقاً على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة » .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن عبدالله بن عمر وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « من ترك الصلاة سكراً مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسلبها ، ومن ترك الصلاة سكراً أربع مرات كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال . قيل : وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال : عصارة أهل النار » .
وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي عن عبدالله بن عمر « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الخمر ، وعاصرها ، ومعتصرها ، وبائعها ، ومبتاعها ، وحاملها ، والمحمولة إليه ، وساقيها ، وشاربها ، وآكل ثمنها » .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « أتاني جبريل فقال : يا محمد إن الله لعن الخمر ، وعاصرها ، ومعتصرها ، وشاربها ، وحاملها ، والمحمولة إليه ، وبائعها ، وساقيها ، ومسقيها » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عثمان . سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول(3/467)
« اجتنبوا أم الخبائث ، فإنه كان رجل فيمن كان قبلكم يتعبد ويعتزل النساء ، فعلقته امرأة غاوية فأرسلت إليه خادمها ، فقالت : إنا ندعوك لشهادة ، فدخل فطفقت كلما دخل عليها باب أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة جالسة عندها غلام ، وباطية فيها خمر ، فقالت : أنا لم أدعك لشهادة ولكن دعوتك لتقتل هذا الغلام ، أو تقع عليَّ ، أو تشرب كأساً من هذا الخمر ، فإن أبيت صحت وفضحتك ، فلما رأى أنه لا بد من ذلك قال : اسقني كأساً من هذا الخمر ، فسقته كأساً من الخمر ، ثم قال : زيديني ، فلم يرم حتى وقع عليها ، وقتل النفس ، فاجتنبوا الخمر فإنه - والله - لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر في صدر رجل أبداً ، ليوشكن أحدهما أن يخرج صاحبه » وأخرجه عبد الرزاق في المصنف عن عثمان موقوفا .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر » .
وأخرج ابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن أبي الدرداء قال « أوصاني أبو القاسم صلى الله عليه وسلم أن لا تشرك بالله شيئاً ، وإن قطِّعت أو حرِّقت ، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمداً فمن تركها متعمداً برئت منه الذمة ، وأن لا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر » .
وأخرج البيهقي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله تبارك وتعالى بنى الفردوس بيده ، وحظره على كل مشرك وكل مدمن الخمر سكير » .
وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ولا يرفع لهم إلى السماء عمل : العبد الآبق من مواليه حتى يرجع فيضع يده في أيديهم ، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى ، والسكران حتى يصحو » .
وأخرج البيهقي عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر » .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال « نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقعد على مائدة يشرب عليها الخمر » .
وأخرج البيهقي عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر » .
وأخرج البخاري في التاريخ عن سهل بن أبي صالح عن محمد بن عبيدالله عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من لقي الله وهو مدمن خمر لقيه كعابد وثن » .
وأخرج البخاري في التاريخ والبيهقي من طريق سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً مثله ، وقال البخاري ولا يصح حديث أبي هريرة .(3/468)
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « من مات مدمن خمر لقي الله وهو كعابد وثن » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من شرب شراباً يذهب بعقله فقد أتى باباً من أبواب الكبائر » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عبدالله بن عمرو قال : لأن أزني أحب إليَّ من أن أسكر ، ولأن أسرق أحب إليَّ من أن أسكر ، لأن السكران يأتي عليه ساعة لا يعرف فيها ربه .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة ، ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب بها في الآخرة ، ثم قال : لباس أهل الجنة ، وشراب أهل الجنة ، وآنية أهل الجنة » .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي موسى . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « ثلاثة لا يدخلون الجنة : مدمن خمر ، وقاطع الرحم ، ومصدِّق بالسحر ، ومن مات مدمن الخمر سقاه الله من نهر الغوطة ، قيل : وما نهر الغوطة؟ قال : نهر يخرج من فروج المومسات ، يؤذي أهل النار ريح فروجهم » .
وأخرج الحاكم وصححه « عن ابن عمر : أن أبا بكر ، وعمر ، وناساً جلسوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم فيها علم ، فأرسلوني إلى عبدالله بن عمرو أسأله ، فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر . فأتيتهم فأخبرتهم ، فأنكروا ذلك ووثبوا جميعاً حتى أتوه في داره ، فأخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال » إن ملكاً من ملوك بني إسرائيل أخذ رجلاً فخيره بين أن يشرب الخمر ، أو يقتل نفساً ، أو يزني ، أو يأكل لحم خنزير ، أو يقتلوه . فاختار الخمر ، وإنه لما شربه لم يمتنع من شيء أرادوه منه ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما من أحد يشربها فتقبل له صلاة أربعين ليلة ، ولا يموت وفي مثانته منه شيء إلا حرمت عليه بها الجنة ، فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية « » .
وأخرج الحاكم وصححه « عن أبي مسلم الخولاني . أنه حج ، فدخل على عائشة ، فجعلت تسأله عن الشام وعن بردها ، فجعل يخبرها فقالت : كيف تصبرون على بردها؟ قال : يا أم المؤمنين ، إنهم يشربون شراباً لهم يقال له الطلا . قالت : صدق الله وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ، سمعته يقول » إن ناساً من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها « » .(3/469)
وأخرج البيهقي في الشعب عن أنس . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « بعثني الله رحمة وهدى للعالمين ، وبعثني بمحق المعازف والمزامير وأمر الجاهلية ، ثم قال : من شرب خمراً في الدنيا سقاه الله كما شرب منه من حميم جهنم ، معذب بعد أو مغفور له » .
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والطبراني عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين ، بعثني لأمحق المعازف والمزامير وأمر الجاهلية والأوثان ، وحلف ربي عز وجل بعزته لا يشرب الخمر أحد في الدنيا إلا سقاه الله مثلها من الحميم يوم القيامة مغفور له أو معذب ، ولا يدعها أحد في الدنيا إلا سقيته إياها في حظيرة القدس حتى تقنع نفسه » .
وأخرج الحاكم عن ثوبان قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا حلفت على معصية فدعها واقذف ضغائن الجاهلية تحت قدمك ، وإياك وشرب الخمر فإن الله لم يقدس شاربها » .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الملاهي عن سهل بن سعد الساعدي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ . قيل : يا رسول الله ، متى؟ قال : إذا ظهرت المعازف والقينات ، واستحلت الخمر » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يكون في أمتي قذف ومسخ وخسف . قيل : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومتى ذلك؟ قال : إذا ظهرت المعازف ، وكثرت القينات ، وشربت الخمر » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يكون في أمتي خسف ومسخ وقذف . قلت : يا رسول الله ، وهم يقولون لا إله إلا الله؟ قال : إذا ظهرت القيان ، وظهر الزنا ، وشرب الخمر ، ولبس الحرير ، كان ذا عند ذا » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن الترمذي عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء ، قيل : وما هي يا رسول الله؟ قال : إذا كان المغنم دولاً ، والأمانة مغنماً ، والزكاة مغرماً ، وأطاع الرجل زوجته ، وعقَّ أمه ، وبرَّ صديقه ، وجفا أباه ، وارتفعت الأصوات في المساجد ، وكان زعيم القوم أرذلهم ، وأكرم الرجل مخافة شره وشربت الخمور ، ولبس الحرير ، واتخذوا القيان والمعازف ، ولعن آخر هذه الأمة أولها ، فليرتقبوا عند ذلك ثلاثاً : ريحاً حمراء ، وخسفاً ، ومسخاً » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « تمسخ طائفة من أمتي قردة ، وطائفة خنازير ، ويخسف بطائفة ، ويرسل على طائفة الريح العقيم بأنهم شربوا الخمر ، ولبسوا الحرير ، واتخذوا القيان ، وضربوا بالدفوف » .(3/470)
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ليكونن في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ ، وذلك إذا شربوا الخمر ، واتخذوا القينات ، وضربوا بالمعازف » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يمسخ قوم من هذه الأمة في آخر الزمان قردة وخنازير . قالوا : يا رسول الله ، أليس يشهدون أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله؟ قال : بلى ، ويصومون ويصلون ويحجون . قال : فما بالهم؟ قال : اتخذوا المعازف والدفوف والقينات ، فباتوا على شربهم ولهوهم ، فأصبحوا قد مسخوا قردة وخنازير » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن سابط قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ . قالوا : متى ذلك يا رسول الله؟ قال : إذا أظهروا المعازف ، واستحلوا الخمور ، ولبس الحرير » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن الغازي بن ربيعة رفع الحديث قال « ليمسخن قوم وهم على أريكتهم قردة وخنازير بشربهم الخمر وضربهم بالبرابط والقيان » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن صالح بن خالد رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال « ليستحلن ناس من أمتي الحرير والخمر والمعازف ، وليأتين الله على أهل حاضرتهم بجبل عظيم حتى ينبذه عليهم ، ويمسخ آخرون قردة وخنازير » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ليبيتن رجال على أكل وشرب وعزف ، يصبحون على أرائكهم ممسوخين قردة وخنازير » .
وأخرج ابن عدي والحاكم والبيهقي في الشعب وضعفه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « والذي بعثني بالحق لا تنقضي هذه الدنيا حتى يقع بهم الخسف والمسخ والقذف . قالوا : ومتى ذاك يا رسول الله؟ قال : إذا رأيتم النساء ركبن السروج ، وكثرت المعازف ، وفشت شهادات الزور ، وشربت الخمر لا يستخفى به ، وشربت المصلون في آنية أهل الشرك من الذهب والفضة ، واستغنى النساء بالنساء والرجال بالرجال ، فإذا رأيتم ذلك فاستدفروا واستعدوا ، واتقوا القذف من السماء » .
وأخرج البيهقي وضعفه عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا استعملت أمتي خمساً فعليهم الدمار : إذا ظهر فيهم التلاعن ، ولبس الحرير ، واتخذوا القينات ، وشربوا الخمر ، واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء » .
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « يبيت قوم من هذه الأمة على طعم وشرب ولهو ولعب ، فيصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير ، وليصيبنهم خسف وقذف حتى يصبح الناس ، فيقولون : قد خسف الليلة ببني فلان ، وخسف الليلة بدار فلان ، وليرسلن عليهم حاصباً من السماء كما أرسلت على قوم لوط على قبائل فيها وعلى دور ، وليرسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عاداً على قبائل فيها ، وعلى دور بشربهم الخمر ، ولبسهم الحرير ، واتخاذهم القينات ، وأكلهم الربا ، وقطيعتهم الرحم » .(3/471)
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجة والبيهقي عن أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ، وتضرب على رؤوسهم المعازف والمغنيات ، يخسف الله بهم الأرض ، ويجعل منهم القردة والخنازير » .
وأخرج البيهقي عن معاذ وأبي عبيدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوّة ، ثم يكون رحمة وخلافة ، ثم كائن ملكاً عضوضاً ، ثم كائن عتواً وجبرية وفساداً في الأرض ، يستحلون الحرير والخمور والفروج ، يرزقون على ذلك وينصرون ، حتى يلقوا الله عز وجل » .
وأخرج البيهقي عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من حبس العنب أيام قطافه حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يعلم أنه يتخذ خمراً فقد تقدم في النار على بصيرة » .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر : أنه كان يكره أن تسقى البهائم الخمر .
وأخرج البيهقي عن عائشة : أنها كانت تنهى النساء أن يمتشطن بالخمر .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن معاوية بن أبي سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من شرب الخمر فاجلدوه . قالها ثلاثاً ، فإن شربها الرابعة فاقتلوه » .
وأخرج عبد الرزاق عن أبي موسى الأشعري « أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن سأله قال : إن قومي يصنعون شراباً من الذرة يقال له المزر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أيسكر؟ قال : نعم ، قال : فانههم عنه . قال : نهيتهم ولم ينتهوا . قال : فمن لم ينتهِ في الثالثة منهم فاقتله » .
وأخرج عبد الرزاق عن مكحول قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من شرب الخمر فاضربوه ، ثم قال في الرابعة : من شرب الخمر فاقتلوه » .
وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إذا شربوا فاجلدوهم . قالها ثلاثاً ، فإذا شربوا الرابعة فاقتلوهم »
قال معمر : فذكرت ذلك لابن المنكدر فقال : قد ترك القتل ، قد أتى النبي صلى الله عليه وسلم بابن النعيمان فجلده ، ثم أتى به فجلده ، ثم أتى به فجلده ، ثم أتى به فجلده الرابعة أو أكثر .
وأخرج عبد الرزاق عن الزهري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا شربوا فاجلدوهم ، ثم إذا شربوا فاجلدوهم ، ثم إذا شربوا فاقتلوهم ، ثم قال : إن الله قد وضع عنهم القتل ، فإذا شربوا فاجلدوهم ، ثم إذا شربوا فاجلدوهم ، ذكرها أربع مرات » .(3/472)
وأخرج عبد الرزاق عن عمرو بن دينار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من شرب الخمر فحدُّوه ، فإن شرب الثانية فحدُّوه ، فإن شرب الرابعة فاقتلوه » ، قال : فأتى بابن النعيمان قد شرب فضرب بالنعال والأيدي ، ثم أتى به الثانية فكذلك ، ثم أتى به الرابعة فحدَّه ووضع القتل .
وأخرج عبد الرزاق عن قبيصة بن ذؤيب « أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب رجلاً في الخمر أربع مرات ، ثم أن عمر بن خطاب ضرب أبا محجن الثقفي في الخمر ثمان مرات » .
وأخرج الطبراني عن أبي الرمد البلوي « أن رجلاً منهم شرب الخمر ، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه ، ثم شرب الثانية فأتوا به فضربه ، فما أدري قال في الثالثة أو الرابعة ، فجعل على العجل فضربت عنقه » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « لا يدخل الجنة عاق ، ولا منان ، ولا مدمن خمر » ، قال ابن عباس : فذهبنا ننظر في كتاب الله ، فإذا هم فيه في العاق { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } [ محمد : 22 ] إلى آخر الآية . وفي المنان { يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } [ البقرة : 262 ] وفي الخمر { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر } إلى قوله { من عمل الشيطان } .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وابن مردويه عن الديلمي قال « وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، إنا نصنع طعاماً وشراباً فنطعمه بني عمنا ، فقال : هل يسكر؟ قلت : نعم . فقال : حرام . فلما كان عند توديعي إياه ذكرته له ، فقلت : يا نبي الله ، إنهم لن يصبروا عنه . قال : فمن لم يصبر عنه فاضربوا عنقه » .
وأخرج ابن سعد وأحمد عن شرحبيل بن أوس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم « من شرب الخمر فاجلدوه ، فإن عاد فاجلدوه ، فإن عاد فاجلدوه ، فإن عاد فاقتلوه » .
وأخرج أحمد والطبراني عن أم حبيبة بنت أبي سفيان « أن ناساً من أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعلمهم الصلاة والسنن والفرائض ، ثم قالوا : يا رسول الله ، إن لنا شراباً نصنعه من التمر والشعير ، فقال : الغبيراء؟ قالوا : نعم . قال : لا تطعموه . قالوا : فإنهم لا يدعونها . قال : من لم يتركها فاضربوا عنقه » .
وأخرج ابن مردويه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الذين يشربون الخمر وقد حرم الله عليهم لا يسقونها في حظيرة القدس » .(3/473)
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر قال « من شرب الخمر لم يقبل الله منه صلاة أربعين صباحاً ، فإن مات في الأربعين دخل النار ولم ينظر الله إليه » .
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « يلقى الله شارب الخمر يوم القيامة وهو سكران ، فيقول : ويلك ، ما شربت . . . ؟! فيقول : الخمر . قال : أو لم أحرمها عليك؟ فيقول : بلى . فيؤمر به إلى النار » .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « والذي نفسي بيده ليبيتن أناس من أمتي على أشر وبطر ولعب ولهو ، فيصبحوا قردة وخنازير باستحلالهم المحارم ، واتخاذهم القينات ، وشربهم الخمر ، وبأكلهم الربا ، ولبسهم الحرير » .
وأخرج عبد الرزاق عن عبدالله بن عمرو قال : إنه في الكتاب مكتوب : أن خطيئة الخمر تعلو الخطايا كما تعلو شجرتها الشجر .
وأخرج عبد الرزاق عن مسروق بن الأجدع قال : شارب الخمر كعابد الوثن ، وشارب الخمر كعابد اللات والعزى .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن جبير قال : من شرب مسكراً لم يقبل الله منه ما كانت في مثانته منه قطرة ، فإن مات منها كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال ، وهي صديد أهل النار وقيحهم .
وأخرج عبد الرزاق عن أبي ذر قال : من شرب مسكراً من الشراب فهو رجس ، ورجس صلاته أربعين ليلة ، فإن تاب تاب الله عليه ، فإن شرب أيضاً فهو رجس ، ورجس صلاته أربعين ليلة ، فإن تاب تاب الله عليه ، فإن عاد لها قال : في الثالثة أو الرابعة كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال .
وأخرج عبد الرزاق عن أبان رفع الحديث قال : إن الخبائث جعلت في بيت فأغلق عليها ، وجعل مفتاحها الخمر ، فمن شرب الخمر وقع بالخبائث .
وأخرج عبد الرزاق عن عبيد بن عمير قال : إن الخمر مفتاح كل شر .
وأخرج عبد الرزاق عن محمد المنكدر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من شرب الخمر صباحاً كان كالمشرك بالله حتى يمسي ، وكذلك إن شربها ليلاً كان كالمشرك بالله حتى يصبح ، ومن شربها حتى يسكر لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً ، ومن مات وفي عروقه منها شيء مات ميتة جاهلية » .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حلف الله بعزته وقدرته لا يشرب عبد مسلم شربة من خمر إلا سقيته بما انتهك منها من الحميم معذب بعد أو مغفور له ، ولا يتركها وهوعليها قادر ابتغاء مرضاتي إلا سقيته منها فأرويته في حظيرة القدس » .
وأخرج عبد الرزاق عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال : يجيء يوم القيامة شارب الخمر مسوداً وجهه ، مزرقَّة عيناه ، مائلاً شقه .(3/474)
أو قال : شدقه مدلياً لسانه ، يسيل لعابه على صدره ، يقذره كل من يراه .
وأخرج أحمد عن قيس بن سعد بن عبادة ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « من شرب الخمر أتى عطشان يوم القيامة ، ألا وكل مسكر خمر ، وإياكم والغبيراء » .
وأخرج أحمد عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاة أربعين ليلة ، فإن تاب تاب الله عليه ، وإن عاد كان مثل ذلك ، فما أدري في الثالثة أم في الرابعة قال : فإن عاد كان حتماً على الله أن يسقيه من طينة الخبال . قالوا : يا رسول الله ، ما طينة الخبال؟ قال : عصارة أهل النار » .
وأخرج ابن أبي سعد وابن أبي شيبة عن خلدة بنت طلق قالت : قال لنا أبي : « جلسنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء صحار ، فسأله ما ترى في شراب نصنعه من ثمارنا؟ قال : تسألني عن المسكر ، لا تشربه ولا تسقه أخاك ، فوالذي نفس محمد بيده ما شربه رجل قط ابتغاء لذة سكر فيسقيه الله الخمر يوم القيامة » .
وأخرج أحمد عن أسماء بنت يزيد . أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « من شرب الخمر لم يرضَ الله عنه أربعين ليلة ، فإن مات مات كافراً ، وإن تاب تاب الله عليه ، وإن عاد كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال . قلت : يا رسول الله ، وما طينة الخبال؟ قال : صديد أهل النار » .
وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال « الريب من الكفر ، والنوح عمل الجاهلية ، والشعر من أمر إبليس ، والغلول جمر من جهنم ، والخمر جامع كل إثم ، والشباب شعبة من الجنون ، والنساء حبائل الشيطان ، والكبر شر من الشر ، وشر المآكل مال اليتيم ، وشر المكاسب الربا ، والسعيد من وُعِظ بغيره ، والشقي من شقي في بطن أمه » .
وأخرج البيهقي في الشعب عن علي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « لم يزل جبريل ينهاني عن عبادة الأوثان وشرب الخمر وملاحاة الرجال » .
وأخرج البيهقي عن أم سلمة . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « كان في أول ما نهاني عنه ربي وعهد إليَّ بعد عبادة الأوثان وشرب الخمر لملاحاة الرجال »
والله تعالى أعلم .(3/475)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم } قال : هو الضعيف من الصيد وصغيره ، يبتلي الله به عباده في إحرامهم حتى لو شاؤوا تناولوه بأيديهم ، فنهاهم الله أن يقربوه ، فمن قتله منكم متعمداً قال : إن قتله متعمداً أو ناسياً أو خطأ حكم عليه ، فإن عاد متعمداً عجلت له العقوبة إلا أن يعفو الله عنه .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله { ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم } قال : النبل والرمح ينال كبار الصيد ، وأيديهم تنال صغار الصيد ، أخذ الفروخ والبيض . وفي لفظ : أيديكم . أخذكم إياهن بأيديكم من بيضهن وفراخهن ، ورماحكم . ما رميت أو طعنت .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد { ليبلونكم الله بشيء من الصيد } قال : ما لا يستطيع أن يرمي من الصيد .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال : أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية ، فكانت الوحش والطير والصيد يغشاهم في رحالهم ، لم يروا مثله قط فيما خلا ، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون { ليعلم الله من يخافه بالغيب } .
وأخرج ابن أبي حاتم من طرق قيس بن سعد عن ابن عباس . أنه كان يقول في قوله : { فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } : أن يوسع ظهره وبطنه جلداً ، ويسلب ثيابه .
وأخرج أبو الشيخ من طريق الكلبي عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله قال : كان إذا ما أخذ شيئاً من الصيد أو قتله جلد مائة ، ثم نزل الحكم بعد .
وأخرج أبو الشيخ من طريق أبي صالح عن ابن عباس قال : يملأ بطنه وظهره إن عاد لقتل الصيد متعمداً ، وكذلك صنع بأهل وج أهل واد بالطائف ، قال ابن عباس : كانوا في الجاهلية إذا أحدث الرجل حدثاً أو قتل صيداً ضرب ضرباً شديداً وسلب ثيابه .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في قوله { فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } قال : هي والله موجبة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد . مثله .(3/476)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95)
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } فنهى المحرم عن قتله في هذه الآية ، وأكله .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } قال : حرم صيده ههنا ، وأكله ههنا .
وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { ومن قتله منكم متعمداً } قال : إن قتله متعمداً أو ناسياً أو خطأ حكم عليه ، فإن عاد متعمداً عجلت له العقوبة إلا أن يعفو الله عنه . وفي قوله { فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال : إذا قتل المحرم شيئاً من الصيد حكم عليه فيه ، فإن قتل ظبياً أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة ، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين ، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ، فإن قتل إبلاً ونحوه فعليه بقرة ، فإن لم يجدها أطعم عشرين مسكيناً ، فإن لم يجد صام عشرين يوماً ، وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه فعليه بدنة من الإبل ، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكيناً ، فإن لم يجد صام ثلاثين يوماً ، والطعام مدٌّ مدٌّ يشبعهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحكم . أن عمر كتب أن يحكم عليه في الخطأ والعمد .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء قال : يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { ومن قتله منكم متعمداً } قال : متعمد القتلة ناسياً لإحرامه ، فذلك الذي يحكم عليه ، فإن قتله ذاكراً لإحرامه متعمد القتلة لم يحكم عليه .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الذي يقتل الصيد متعمداً وهو يعلم أنه محرم ومتعمد قتله قال : لا يحكم عليه ولا حج له .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال : العمد هو الخطأ المكفر ، أن يصيب الصيد وهو يريد غيره فيصيبه .
وأخرج ابن جرير عن الحسن { ومن قتله منكم متعمداً } للصيد ناسياً لإحرامه ، فمن اعتدى بعد ذلك متعمداً للصيد يذكر إحرامه لم يحكم عليه .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس { ومن قتله منكم متعمداً } قال : إذا كان ناسياً لإحرامه وقتل الصيد متعمداً .
وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن سيرين قال : من قتله متعمداً لقتله ناسياً لإحرامه فعليه الجزاء ، ومن قتله متعمداً لقتله غير ناس لإحرامه ، فذاك إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له .
وأخرج الشافعي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال : من قتله متعمداً غير ناس لإحرامه ولا يريد غيره فقد حل وليست له رخصة ، ومن قتله ناسياً لإحرامه أو أراد غيره فأخطأ به فذلك العمد المكفر .(3/477)
وأخرج الشافعي وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج قال : قلت لعطاء { ومن قتله منكم متعمداً } فمن قتله خطأ يغرم ، وإنما جعل الغرم على من قتله متعمداً قال : نعم ، تعظم بذلك حرمات الله ، ومضت بذلك السنن ، ولئلا يدخل الناس في ذلك .
وأخرج الشافعي وابن المنذر عن عمرو بن دينار قال : رأيت الناس أجمعين يغرمون في الخطأ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال : إنما كانت الكفارة فيمن قتل الصيد متعمداً ، ولكن غلظ عليهم في الخطأ كي يتقوا .
وأخرج ابن جرير عن الزهري قال : نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في الخطأ ، يعني في المحرم يصيب الصيد .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن الزهري قال : يحكم عليه في العمد وفي الخطأ منه .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال : إذا أصاب المحرم الصيد فليس عليه شيء .
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير . في المحرم إذا أمات صيداً خطأ فلا شيء عليه ، وإن أصاب متعمداً فعليه الجزاء .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن طاوس قال : لا يحكم على من أصاب صيداً خطأ ، إنما يحكم من أصابه عمداً ، والله ما قال الله إلا { ومن قتله منكم متعمداً } .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال : إذا أصاب المحرم الصيد يحكم عليه جزاؤه من النعم ، فإن وجد جزاؤه ، ذبحه وتصدَّق بلحمه ، وإن لم يجد جزاؤه ، قوّم الجزاء دراهم ، ثم قوّمت الدراهم حنطة ، ثم صام مكان كل نصف صاع يوماً . قال { أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً } وإنما أريد بالطعام الصيام ، أنه إذا وجد الطعام وجد جزاءه .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ، في الرجل يصيب الصيد وهو محرم قال : يحكم عليه جزاؤه ، فإن لم يجد قال : يحكم عليه ثمنه فقوّم طعاماً فتصدق به ، فإن لم يجد ، حكم عليه الصيام .
وأخرج ابن المنذر عن عطاء الخراساني في قوله { فجزاء مثل } قال : شبهه .
وأخرج ابن المنذر عن الشعبي { فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال : نده .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عكرمة قال : سأل مروان بن الحكم ابن عباس وهو بوادي الأزرق قال : أرأيت ما أصبنا من الصيد لم نجد له نداً؟ فقال ابن عباس : ثمنه يهدى إلى مكة .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال : عليه من النعم مثله .(3/478)
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال : إن قتل نعامة أو حماراً فعليه بدنة ، وإن قتل بقرة أو أيلاً أو أروى فعليه بقرة ، أو قتل غزالاً أو أرنباً فعليه شاة ، وإن قتل ظبياً أو جرياً أو يربوعاً ، فعليه سخلة قد أكلت العشب وشربت اللبن .
وأخرج ابن جرير عن عطاء أنه سئل : أيغرم في صغير الصيد كما يغرم في كبيره؟ قال : أليس يقول الله { فجزاء مثل ما قتل } ؟
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله { فجزاء مثل ما قتل } قال : ما كان له مثل يشبهه فهو جزاؤه قضاؤه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حبان في قوله { فجزاء مثل ما قتل } قال : فما كان من صيد البر مما ليس له قرن الحمار والنعامة ، فجزاؤه من البدن ، وما كان من صيد البر ذوات القرون ، فجزاؤه من البقر ، وما كان من الظباء ، ففيه من الغنم ، والأرنب فيه ثنية من الغنم ، واليربوع فيه برق وهو الحمل ، وما كان من حمامة أو نحوها من الطير ففيها شاة ، وما كان من جرادة أو نحوها ففيها قبضة من طعام .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : أرأيت إن قتلت صيداً فإذا هو أعور أو أعرج أو منقوص ، أغرم مثله؟ قال : نعم ، إن شئت . قال عطاء : وإن قتلت ولد بقرة وحشية ، ففيه ولد بقرة إنسية مثله ، فكل ذلك على ذلك .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم في قوله { فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال : ما كان من صيد البر مما ليس له قرن الحمار أو النعامة فعليه مثله من الإبل ، وما كان ذا قرن من صيد البر من وعل أو إبل فجزاؤه من البقر ، وما كان من ظبي فمن الغنم مثله ، وما كان من أرنب ففيها ثنية ، وما كان من يربوع وشبهه ففيه حمل صغير ، وما كان من جرادة أو نحوها ففيها قبضة من طعام ، وما كان من طير البر ففيه أن يقوم ويتصدق بثمنه ، وإن شاء صام لكل نصف صاع يوماً ، وإن أصاب فرخ طير برية أو بيضها ، فالقيمة فيها طعام أو صوم على الذي يكون في الطير .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « الضبع صيد ، فإذا أصابه المحرم ففيه جزاء كبش مسن وتؤكل » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء . أن عمر وعثمان وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية قالوا : في النعامة بدنة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر . أن عمر قضى في الأرنب جفرة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء وطاوس ومجاهد أنهم قالوا : في الحمار بقرة .(3/479)
وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة قال : إذا أصاب المحرم بقرة الوحش ففيها جزور .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء . أن رجلاً أغلق بابه على حمامة وفرخيها ، ثم انطلق إلى عرفات ومنى ، فرجع وقد ماتت ، فأتى ابن عمر فذكر ذلك له ، فجعل عليه ثلاثة من الغنم ، وحكم معه رجل .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال : في طير الحرم شاة شاة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال : أول من فدى طير الحرم بشاة عثمان .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال : في الجراد قبضة من طعام .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال : تمرة خير من جرادة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن القاسم قال : سئل ابن عباس عن المحرم يصيد الجرادة؟ فقال : تمرة خير من جرادة .
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال : ما أصاب المحرم من شيء حكم فيه قيمته .
وأخرج أبو الشيخ من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « في بيضة النعام صيام يوم ، أو إطعام مسكين » .
وأخرج الشافعي عن أبي موسى الأشعري وابن مسعود موقوفاً . مثله .
وأخرج ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرة وأحمد عن رجل من الأنصار . « أن رجلاً أوطأ بعيره ادحي نعامة فكسر بيضها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » عليك بكل بيضة صوم يوم أو إطعام مسكين « » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن ذكوان . « أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل محرم أصاب بيض نعام قال : عليه في كل بيضة صيام يوم أو إطعام مسكين » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الزناد عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم . نحوه .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه من طريق أبي المهزم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « في بيض النعام ثمنه » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال : في بيض النعام قيمته .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال : في بيض النعام قيمته .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال : في كل بيضتين درهم ، وفي كل بيضة نصف درهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن قبيصة بن جابر قال : حججنا زمن عمر فرأينا ظبياً ، فقال أحدنا لصاحبه : أتراني أبلغه؟ فرمى بحجر فما أخطأ خششاه فقتله ، فأتينا عمر بن الخطاب فسألناه عن ذلك وإذا إلى جنبه رجل ، يعني عبد الرحمن بن عوف ، فالتفت إليه فكلمه ثم أقبل على صاحبنا فقال : أعمدا قتلته أم خطأ؟ قال الرجل : لقد تعمدت رميه وما أردت قتله . قال عمر : ما أراك إلا قد أشركت بين العمد والخطأ ، اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدق بلحمها وأسق إهابها ، يعني ادفعه إلى مسكين يجعله سقاء ، فقمنا من عنده فقلت لصاحبي : أيها الرجل ، أعظم شعائر الله ، الله ما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى شاور صاحبه ، اعمد إلى ناقتك فانحرها فلعل ذلك .(3/480)
قال قبيصة : وما أذكر الآية في سورة المائدة { يحكم به ذوا عدل منكم } قال : فبلغ عمر مقالتي فلم يفجأنا إلا ومعه الدرة ، فعلا صاحبي ضرباً بها ، وهو يقول : أقتلت الصيد في الحرم وسفهت الفتيا ، ثم أقبل عليَّ يضربني فقلت : يا أمير المؤمنين ، لا أحل لك مني شيئاً مما حرم الله عليك . قال : يا قبيصة ، إني أراك شاباً حديث السن ، فصيح اللسان فسيح الصدر ، وإنه قد يكون في الرجل تسعة أخلاق صالحة وخلق سيء ، فيغلب خلقه السيء أخلاقه الصالحة ، فإياك وعثرات الشباب .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران . أن أعرابياً أتى أبا بكر فقال : قتلت صيداً وأنا محرم ، فما ترى عليَّ من الجزاء؟ فقال أبو بكر لأبي بن كعب وهوجالس عنده : ما ترى فيها؟ فقال الأعرابي : أتيتك وأنت خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسألك فإذا أنت تسأل غيرك! قال أبو بكر : فما تنكر؟ يقول الله { يحكم به ذوا عدل منكم } فشاورت صاحبي حتى إذا اتفقنا على أمر أمرناك به .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن بكر بن عبد الله المزني قال : كان رجلان من الأعراب محرمان ، فأجاش أحدهما ظبياً فقتله الآخر ، فأتيا عمر وعنده عبد الرحمن بن عوف ، فقال له عمر : ما ترى؟ قال : شاة . قال : وأنا أرى ذلك ، اذهبا فاهديا شاة ، فلما مضيا قال أحدهما لصاحبه : ما درى أمير المؤمنين ما يقول حتى سأل صاحبه! فسمعها عمر فردهما ، وأقبل على القائل ضرباً بالدرة وقال : تقتل الصيد وأنت محرم وتغمص الفتيا؟ ، إن الله يقول { يحكم به ذوا عدل منكم } ثم قال : إن الله لم يرض بعمر وحده فاستعنت بصاحبي هذا .
وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن طارق بن شهاب قال : أوطأ أربد ظبياً فقتله وهو محرم ، فأتى عمر ليحكم عليه ، فقال له عمر : احكم معي . فحكما فيه جدياً قد جمع الماء والشجر ، ثم قال عمر { يحكم به ذوا عدل منكم } .
وأخرج ابن جرير عن أبي مجلز : أن رجلاً سأل ابن عمر عن رجل أصاب صيداً وهومحرم وعنده عبدالله بن صفوان فقال ابن عمر له : إما أن تقول فأصدقك أو أقول فتصدقني . فقال ابن صفوان : بل أنت فقل . فقال ابن عمر ووافقه على ذلك عبدالله بن صفوان .
وأخرج ابن سعد وابن جرير وأبو الشيخ عن أبي حريز البجلي قال : أصبت ظبياً وأنا محرم ، فذكرت ذلك لعمر فقال : ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك ، فأتيت عبد الرحمن بن عوف وسعداً ، فحكما عليَّ تيساً أعفر .(3/481)
وأخرج ابن جرير عن عمرو بن حبشي قال : سمعت رجلاً سأل عبدالله بن عمر عن رجل أصاب ولد أرنب فقال : فيه ولد ماعز فيما أرى أنا ، ثم قال لي : أكذاك؟ فقلت : أنت أعلم مني . فقال : قال الله { يحكم به ذوا عدل منكم } .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي مليكة قال : سئل القاسم بن محمد عن محرم قتل سخلة في الحرم ، فقال لي : احكم . فقلت : أحكم وأنت ههنا؟ فقال : إن الله يقول { يحكم به ذوا عدل منكم } .
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة بن خالد قال : لا يصلح إلا بحكمين لا يختلفان .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر بن محمد بن علي ، أن رجلاً سأل علياً عن الهدي ، ممَّ هو؟ قال : من الثمانية الأزواج ، فكأن الرجل شك! فقال علي : تقرأ القرآن؟ فكأن الرجل قال نعم . قال : أفسمعت الله يقول { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام } [ المائدة : 1 ] قال : نعم . قال : وسمعته يقول { ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } [ الحج : 34 ] { ومن الأنعام حمولة وفرشاً } [ الأنعام : 142 ] فكلوا من بهيمة الأنعام ، قال : نعم . قال : أفسمعته يقول { من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين } [ الأنعام : 143 ] قال : نعم . قال : أفسمعته يقول { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } [ المائدة : 95 ] إلى قوله { هدياً بالغ الكعبة } قال الرجل : نعم . فقال : إن قتلت ظبياً فما علي؟ قال : شاة . قال علي : هدياً بالغ الكعبة . قال الرجل : نعم . فقال علي : قد سماه الله بالغ الكعبة كما تسمع .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عمر قال : إنما الهدي ذوات الجوف .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان { هدياً بالغ الكعبة } قال : محله مكة .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عطاء قال : الهدي والنسك والطعام بمكة ، والصوم حيث شئت .
وأخرج أبو الشيخ عن الحكم قال : قيمة الصيد حيث أصابه .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { أو كفارة طعام مساكين } قال : الكفارة في قتل ما دون الأرنب إطعام .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال : من قتل الصيد ناسياً أو أراد غيره فأخطأ به فذلك العمد المكفر ، فعليه مثله { هدياً بالغ الكعبة } فإن لم يجد فابتاع بثمنه طعاماً ، فإن لم يجد صام عن كل مد يوماً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال : قال لي الحسن بن مسلم : من أصاب من الصيد ما يبلغ أن يكون فيه شاة فصاعداً فذلك الذي قال الله { فجزاء مثل ما قلتم من النعم } وأما { كفارة طعام مساكين } فذلك الذي لا يبلغ أن يكون فيه هدي ، العصفور يقتل فلا يكون هدي قال { أو عدل ذلك صياماً } عدل النعامة أو عدل العصفور ، أو عدل ذلك كله .(3/482)
قال ابن جريج : فذكرت ذلك لعطاء ، فقال : كل شيء في القرآن أو ، فلصاحبه أن يختار ما شاء .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم النخعي . أنه كان يقول : إذا أصاب المحرم شيئاً من الصيد عليه جزاؤه من النعم ، فإن لم يجد ، قوم الجزاء دراهم ، ثم قومت الدراهم طعاماً بسعر ذلك اليوم فتصدق به ، فإن لم يكن عنده طعام صام مكان كل نصف صاع يوماً .
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء ومجاهد في قوله { أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً } قالا : هو ما يصيب المحرم من الصيد لا يبلغ أن يكون فيه الهدي ، ففيه طعام قيمته .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطاء في الآية قال : إن أصاب إنسان محرم نعامة فإن له إن كان ذا يسار أن يهدي ما شاء ، جزوراً أو عدلها طعاماً ، أو عدلها صياماً له ، ايتهن شاء من أجل قوله عز وجل ، فجزاؤه كذا . قال : فكل شيء في القرآن ، أو ، فليختر منه صاحبه ما شاء . قلت له : أرأيت إذا قدر على الطعام ألا يقدر على عدل الصيد الذي أصاب؟ قال : ترخيص الله عسى أن يكون عنده طعام وليس عنده ثمن الجزور ، وهي الرخصة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني . أن عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وزيد بن ثابت ، ومعاوية ، قضوا فيما كان من هدي مما يقتل المحرم من صيد فيه جزاء ، نظر إلى قيمة ذلك فأطعم به المساكين .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال : ما كان في القرآن أو فهو فيه بالخيار ، وما كان فمن لم يجد فالأول ، ثم الذي يليه .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك . مثله .
وأخرج ابن جرير عن الشعبي في محرم أصاب صيداً بخراسان قال : يكفر بمكة أو بمنى ، ويقوِّم الطعام بسعر الأرض التي يكفر بها .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن إبراهيم قال : ما كان من دم فبمكة ، وما كان من صدقة أو صوم حيث شاء .
وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس وعطاء . مثله .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : أين يتصدق بالطعام؟ قال : بمكة من أجل أنه بمنزلة الهدي .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عطاء قال : كفارة الحج بمكة .
وأخرج ابن جرير عن عطاء قال : إذا قدمت مكة بجزاء صيد فانحره ، فإن الله يقول { هدياً بالغ الكعبة } إلا أن تقدم في العشر فيؤخر إلى يوم النحر .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : هل لصيامه وقت؟ قال : لا إذا شاء وحيث شاء ، وتعجيله أحب إليَّ .(3/483)
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : ما عدل الطعام من الصيام؟ قال : لكل مد يوم يأخذ ، زعم بصيام رمضان وبالظهار ، وزعم أن ذلك رأي يراه ولم يسمعه من أحد .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله { أو عدل ذلك صياماً } قال : يصوم ثلاثة أيام إلى عشرة أيام .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس قال : إنما جعل الطعام ليعلم به الصيام .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي { ليذوق وبال أمره } قال : عقوبة أمره .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة { ليذوق وبال أمره } قال : عاقبة عمله .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق نعيم بن قعنب عن أبي ذر { عفا الله عما سلف } عما كان في الجاهلية { ومن عاد فينتقم الله منه } قال : في الإسلام .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عطاء { عفا الله عما سلف } قال : عما كان في الجاهلية { ومن عاد } قال : من عاد في الإسلام { فينتقم الله منه } وعليه مع ذلك الكفارة . قال ابن جريج : قلت لعطاء : فعليه من الآثام عقوبة؟ قال : لا .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق عكرمة عن ابن عباس . في الذي يصيب الصيد وهو محرم يحكم عليه من واحدة ، فإن عاد لم يحكم عليه وكان ذلك إلى الله ، إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه ، ثم تلا { ومن عاد فينتقم الله منه } ولفظ أبي الشيخ : ومن عاد قيل له اذهب ، ينتقم الله منك .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس قال : من قتل شيئاً من الصيد خطأ وهو محرم حكم عليه كلما قتله ، ومن قتله متعمداً حكم عليه فيه مرة واحدة ، فإن عاد يقال له : ينتقم الله منك كما قال الله عز وجل .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الشعبي . أن رجلاً أصاب صيداً وهو محرم ، فسأل شريحاً فقال : هل أصبت قبل هذا شيئاً؟ قال : لا . قال : أما إنك لو فعلت لم أحكم عليك ، ولوكلتك إلى الله يكون هو ينتقم منك .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال : رخص في قتل الصيد مرة ، فإن عاد لم يدعه الله حتى ينتقم منه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم . في الذي يقتل الصيد ثم يعود قال : كانوا يقولون : من عاد لا يحكم عليه ، أمره إلى الله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير قال : يحكم عليه في العمد مرة واحدة ، فإن عاد لم يحكم عليه وقيل له : اذهب ينتقم الله منك ، ويحكم عليه في الخطأ أبداً .(3/484)
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن عطاء بن أبي رباح قال : يحكم عليه كلما عاد .
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم قال : كلما أصاب الصيد المحرم حكم عليه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق زيد أبي المعلى عن الحسن . أن رجلاً أصاب صيداً وهو محرم فتجوز عنه ، ثم عاد فأصاب صيداً آخر ، فنزلت نار من السماء فأحرقته ، فهو قوله { ومن عاد فينتقم الله منه } .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال : ذكر لنا أن رجلاً عاد ، فبعث الله عليه ناراً فأكلته .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ليقتل المحرم الفأرة ، والعقرب ، والحدأ ، والغراب ، والكلب العقور » ، زاد في رواية « ويقتل الحية » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « خمس فواسق فاقتلوهن في الحرم : الحداء ، والغراب ، والكلب ، والفأرة ، والعقرب » .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود . أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر محرماً أن يقتل حية في الحرم بمنى .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يقتل المحرم الذئب » .(3/485)
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)
أخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم } قال : ما لفظه ميتاً فهو طعامه » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة موقوفاً . مثله .
وأخرج أبو الشيخ من طريق قتادة عن أنس عن أبي بكر الصديق في الآية قال : صيده ما حويت عليه ، وطعامه ما لفظ إليك .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة . أن أبا بكر الصديق قال في قوله { أحل لكم صيد البحر وطعامه } قال : صيد البحر ما تصطاده أيدينا ، وطعامه ما لاثه البحر . وفي لفظ : طعامه كل ما فيه ، وفي لفظ : طعامه ميتته .
وأخرج أبو الشيخ من طريق أبي الطفيل عن أبي بكر الصديق قال في البحر : هو الطهور ماؤه الحل ميتته .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال : صيد البحر حلال وماؤه طهور .
وأخرج أبو الشيخ من طريق أبي الزبير عن عبد الرحمن مولى بني مخزوم قال : ما في البحر شيء إلا قد ذكَّاه الله لكم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس قال : خطب أبو بكر الناس فقال { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم } قال : وطعامه ما قذف به .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال : قدمت البحرين ، فسألني أهل البحرين عما يقذف البحر من السمك؟ فقلت لهم : كلوا ، فلما رجعت سألت عمر بن الخطاب عن ذلك ، فقال : بم أفتيتهم؟! قال : أفتيتهم أن يأكلوا . قال : لو أفتيتهم بغير ذلك لعلوتك بالدرة ، ثم قال { أحل لكم صيد البحر وطعامه } فصيده ما صيد منه ، وطعامه ما قذف .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عباس قال : صيده ما صيد ، وطعامه ما لفظ به البحر ، وفي رواية ما قذف به ، يعني ميتاً .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق أخرى عن ابن عباس في الآية قال : صيده الطري ، وطعامه المالح ، للمسافر والمقيم .
وأخرج ابن جرير عن زيد بن ثابت قال : صيده ما اصطدت .
وأخرج ابن جرير عن جابر بن عبدالله قال : ما حسر عنه فكل .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عمر قال : صيده ما اضطرب ، وطعامه ما قذف .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس { أحل لكم صيد البحر } يعني طعامه مالحه ، وما حسر عنه الماء ، وما قذفه ، فهذا حلال لجميع الناس محرم وغيره .(3/486)
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن نافع أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر عن حيتان ألقاها البحر ، فقال ابن عمر : أميتة هي؟ قال : نعم . فنهاه ، فلما رجع عبدالله إلى أهله أخذ المصحف فقرأ سورة المائدة ، فأتى على هذه الآية { وطعامه متاعاً لكم } فقال : طعامه هو الذي ألقاه فألحقه ، فمره يأكله .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أبي أيوب قال : ما لفظ البحر فهو طعامه وإن كان ميتاً .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن المسيب قال : صيده ما اصطدت طرياً ، وطعامه ما تزوّدت مملوحاً في سفرك .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير . مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان قال : ما نعلمه حرم من صيد البحر شيئاً غير الكلاب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون الكردي . أن ابن عباس كان راكباً فمر عليه جراد فضربه ، فقيل له : قتلت صيداً وأنت محرم؟ فقال : إنما هو من صيد البحر .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن عطاء بن يسار قال : قال كعب الأحبار لعمر : والذي نفسي بيده إن هو إلا نثرة حوت ينثره في كل عام مرتين . يعني الجراد .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مجلز في الآية قال : ما كان من صيد البحر يعيش في البر والبحر فلا يصيده ، وما كان حياته في الماء فذلك له .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة { متاعاً لكم } لمن كان يحضره البحر { وللسيارة } قال : السفر .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد { وطعامه } قال : حيتانه { متاعاً لكم } لأهل القرى { وللسيارة } أهل الأسفار وأجناس الناس كلهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن { وللسيارة } قال : هم المحرمون .
وأخرج الفريابي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس { وللسيارة } قال : المسافر يتزوّد منه ويأكل .
وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق طاوس عن ابن عباس في قوله { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً } قال : هي مبهمة ، لا يحل لك أكل لحم الصيد وأنت محرم ، ولفظ ابن أبي حاتم قال : هي مبهمة صيده ، وأكله حرام على المحرم .
وأخرج أبو الشيخ عن عبد الكريم بن أبي المخارق قال : قلت لمجاهد : فإنه صيد اصطيد بهمذان قبل أن يحرم الرجل بأربعة أشهر . فقال : لا ، كان ابن عباس يقول : هي مبهمة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحارث بن نوفل قال : حج عثمان بن عفان ، فأتى بلحم صيد صاده حلال ، فأكل منه عثمان ولم يأكل علي ، فقال عثمان : والله ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا ، فقال علي { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً } .(3/487)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الحسن . أن عمر بن الخطاب لم يكن يرى بأساً بلحم الصيد للمحرم إذا صيد لغيره ، وكرهه علي بن أبي طالب .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب . أن علياً كره لحم الصيد للمحرم على كل حال .
وأخرج عن ابن عباس . مثله .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عمر . أنه كان لا يأكل الصيد وهو محرم ، وإن صاده الحلال .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إسماعيل قال : سألت الشعبي عنه فقال : قد اختلف فيه ، فلا تأكل منه أحب إليَّ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي هريرة . أنه سئل عن لحم صيد صاده حلال ، أيأكله المحرم؟ قال : نعم . ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره ، فقال : لو أفتيت بغير هذا لعلوتك بالدرة ، إنما نهيت أن تصطاده .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً } فجعل الصيد حراماً على المحرم صيده وأكله حراماً ، وإن كان الصيد صيد قبل أن يحرم الرجل فهو حلال ، وإن صاده حرام للحلال فلا يحل أكله .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عبد الرحمن بن عثمان قال « كنا مع طلحة بن عبيدالله ونحن حرم ، فأهدي لنا طائر ، فمنا من أكل ومنا من تورع فلم يأكل ، فلما استيقظ طلحة وافق من أكل وقال : أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : اقرأها كما تقرؤها ، فإن الله ختم الآية بحرام قال أبو عبيد : يعني { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً } يقول : فهذا يأتي معناه على قتله وعلى أكل لحمه .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن أبي قتادة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حاجاً فخرجوا معه ، فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة ، فقال : خذوا ساحل البحر حتى نلتقي ، فأخذوا ساحل البحر ، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم ، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش ، فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتاناً ، فنزلوا فأكلوا من لحمها ، فقالوا : نأكل لحم صيد ونحن محرمون ، فحملنا ما بقي من لحمها ، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسول الله ، إنا كنا أحرمنا ، وقد كان أبو قتادة لم يحرم ، فرأينا حمر وحش ، فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانا ، فنزلنا فأكلنا من لحمها ، ثم قلنا أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها . قال : أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا : لا . قال : فكلوا ما بقي من لحمها » .(3/488)
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لحم صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ، ما لم تصيدوه أو يصد لكم » .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس أنه قال « يا زيد بن أرقم ، أعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدي له بيضات نعام وهو حرام فردهن؟ قال : نعم . » .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة بسند ضعيف عن أبي هريرة : « كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حج أو عمرة ، فاستقبلنا رحل جراد ، فجعلنا نضربهن بعصينا وسياطنا فنقتلهن ، فأسقط في أيدينا فقلنا : ما نصنع ونحن محرمون؟ فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لا بأس بصيد البحر » .
وأخرج ابن جرير عن عطاء قال : كل شيء عاش في البر والبحر فأصابه المحرم فعليه الكفارة .(3/489)
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)
أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال : إنما سميت الكعبة لأنها مربعة .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال : إنما سميت الكعبة لتربيعها .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس } قال : قياماً لدينهم ومعالم لحجهم .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : قيامها أن يأمن من توجه إليها .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد { قياماً للناس } قال : قواماً للناس .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير { قياماً للناس } قال : صلاحاً لدينهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير { قياماً للناس } قال : شدة لدينهم .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير { قياماً للناس } قال : عصمة في أمر دينهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : كان الناس كلهم فيهم ملوك يدفع بعضهم عن بعض ، ولم يكن في العرب ملوك يدفع بعضهم عن بعض ، فجعل الله لهم البيت الحرام قياماً يدفع بعضهم عن بعض به { والشهر الحرام } كذلك يدفع الله بعضهم عن بعض بالأشهر الحرم والقلائد ، ويلقي الرجل قاتل أبيه أو ابن عمه فلا يعرض له ، وهذا كله قد نسخ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال : جعل الله البيت الحرام والشهر الحرام قياماً للناس يأمنون به في الجاهلية الأولى ، لا يخاف بعضهم بعضاً حين يلقونهم عند البيت ، أو في الحرم أو في الشهر الحرام .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد } قال : حواجز أبقاها الله في الجاهلية بين الناس ، فكان الرجل لو جر كل جريرة ثم لجأ الحرم لم يتناول ولم يقرب ، وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقربه ، وكان الرجل لو لقي الهدي مقلداً وهو يأكل العصب من الجوع لم يعرض له ولم يقربه ، وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادة من شعر فأحمته ومنعته من الناس ، وكان إذا نفر تقلد قلادة من الإذخر أو من السمر فمنعته من الناس حتى يأتي أهله حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن . أنه تلا هذه الآية { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس } قال : لا يزال الناس على دين ما حجوا البيت واستقبلوا القبلة .(3/490)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : جعل الله هذه الأربعة قياماً للناس هي قوام أمرهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده في قوله { قياماً للناس } قال : تعظيمهم إياها .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل بن حيان { قياماً للناس } يقول : قواماً علماً لقبلتهم ، وأمناً هم فيه آمنون .
وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم { قياماً للناس } قال : أمنا .
وأخرج أبو الشيخ عن عبد الله بن مسلم بن هرمز قال : حدثني من أصدق قال : تنصب الكعبة يوم القيامة للناس تخبرهم بأعمالهم فيها .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي مجلز . أن أهل الجاهلية كان الرجل منهم إذا أحرم تقلد قلادة من شعر فلا يعرض له أحد ، فإذا حج وقضى حجه تقلد قلادة من إذخر فقال الله : { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام . . . } الآية .
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء الخراساني في الآية قال : كانوا إذا دخل الشهر الحرام وضعوا السلاح ، ومشى بعضهم إلى بعض .
وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم في الآية قال : كانت العرب في جاهليتها جعل الله هذا لهم شيئاً بينهم يعيشون به ، فمن انتهك شيئاً من هذا أو هذا لم يناظره الله حتى بعد ذلك { لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض } . والله تعالى أعلم .(3/491)
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99)
أخرج أبو الشيخ عن الحسن ، أن أبا بكر الصديق حين حضرته الوفاة قال : ألم ترَ أن الله ذكر آية الرخاء عند آية الشدة ، وآية الشدة عند آية الرخاء ، ليكون المؤمن راغباً راهباً ، لا يتمنى على الله غير الحق ، ولا يلقي بيده إلى التهلكة .(3/492)
قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في الآية قال : الخبيث هم المشركون ، والطيب هم المؤمنون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال : لدرهم حلال أتصدق به أحب إليَّ من مائة ألف ومائة ألف حرام ، فإن شئتم فاقرأوا كتاب الله { قل لا يستوي الخبيث والطيب } .
وأخرج ابن أبي حاتم حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب حدثني يعقوب بن عبد الرحمن الاسكندراني قال : كتب إلى عمر عبد العزبز بعض عماله يذكر أن الخراج قد انكسر ، فكتب إليه عمر أن الله يقول { لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث } فإن استطعت أن تكون في العدل والإصلاح والإحسان بمنزلة من كان قبلك في الظلم والفجور والعدوان فافعل ولا قوّة إلا بالله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { يا أولي الألباب } يقول : من كان له لب أو عقل .(3/493)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102)
أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال « خطب النبي صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط ، فقال رجل : من أبي؟ قال فلان ، فنزلت هذه الآية { لا تسألوا عن أشياء } » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق قتادة عن أنس « في قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } أن الناس سألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة ، فخرج ذات يوم حتى صعد المنبر فقال : لا تسألوني اليوم عن شيء إلا أنبأتكم به ، فلما سمع ذلك القوم أرموا وظنوا أن ذلك بين يدي أمر قد حضر ، فجعلت التفت عن يميني وشمالي ، فإذا كل رجل لاف ثوبه برأسه يبكي ، فأتاه رجل فقال : يا رسول الله ، من أبي؟ قال : أبوك حذافة ، وكان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه ، فقال عمر بن الخطاب : رضينا بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، ونعوذ بالله من سوء الفتن . قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط ، إن الجنة والنار مثلتا لي حتى رأيتهما دون الحائط » قال قتادة : وإن الله يريه ما لا ترون ، ويسمعه ما لا تسمعون . قال : وأنزل عليه { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء . . } الآية . قال قتادة : وفي قراءة أبي بن كعب « قد سألها قوم بينت لهم فأصبحوا بها كافرين » .
وأخرج البخاري وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال : كان ناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء ، فيقول الرجل : من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته : أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء } حتى فرغ من الآية كلها .
وأخرج ابن جرير « عن ابن عون قال : سألت عكرمة مولى ابن عباس عن قوله { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } قال : ذاك يوم قام فيهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ، فقام رجل فكره المسلمون مقامه يومئذ ، فقال : يا رسول الله ، من أبي؟ قال : أبوك حذافة . فنزلت هذه الآية » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن طاوس قال « نزلت { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } في رجل قال : يا رسول الله من أبي؟ قال : أبوك فلان » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي « في قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء . . . } الآية . قال : غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام فقام خطيباً ، فقال : سلوني فإنكم لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به ، فقام إليه رجل من قريش من بني سهم يقال له عبدالله بن حذافة - وكان يطعن فيه - فقال : يا رسول الله ، من أبي؟ قال : أبوك فلان ، فدعاه لأبيه ، فقام إليه عمر فقبل رجله ، وقال : يا رسول الله ، رضينا بالله رباً ، وبك نبياً ، وبالقرآن إماماً ، فاعف عنا عفا الله عنك ، فلم يزل به حتى رضي ، فيومئذ قال : الولد للفراش وللعاهر الحجر ، وأنزل عليه { قد سألها قوم من قبلكم } » .(3/494)
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة قال « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمار وجهه حتى جلس على المنبر ، فقام إليه رجل فقال : أين آبائي؟ قال : في النار . فقام آخر فقال : من أبي؟ فقال : أبوك حذافة . فقام عمر بن الخطاب فقال : رضينا بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد نبياً ، وبالقرآن إماماً ، إنا يا رسول الله حديث عهد بجاهلية وشرك ، والله أعلم مَنْ آباؤنا ، فسكن غضبه ، ونزلت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء } » .
وأخرج ابن حبان عن أبي هريرة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال : أيها الناس إن الله تعالى قد افترض عليكم الحج ، فقام رجل فقال : لكل عام يا رسول الله؟ فسكت عنه حتى أعادها ثلاث مرات قال : لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها ، ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وذكر أن هذه الآية في المائدة نزلت في ذلك { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } » .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال « يا أيها الناس كتب الله عليكم الحج . فقام عكاشة بن محصن الأسدي فقال : أفي كل عام يا رسول الله؟ قال : أما أني لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ثم تركتكم لضللتم ، اسكتوا عني ما سكت عنكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } إلى آخر الآية » .
وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة الباهلي قال « قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فقال : إن الله تعالى كتب عليكم الحج . فقال رجل من الأعراب : أفي كل عام؟ فسكت طويلاً ثم تكلم ، فقال : من السائل؟ فقال : أنا ذا . فقال : ويحك . . ! ماذا يؤمنك أن أقول نعم؟ والله لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت لتركتم ، ولو تركتم لكفرتم ، ألا أنه إنما أهلك الذين من قبلكم أئمة الحرج والله لو أني أحللت لكم جميع ما في الأرض من شيء ، وحرمت عليكم منها موضع خف بعير لوقعتم فيه ، وأنزل الله عند ذلك { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء } إلى آخر الآية » .(3/495)
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه « عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كتب الله عليكم الحج . فقال رجل : يا رسول الله ، كل عام؟ فأعرض عنه ثم قال : والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت ما أطقتموها ، ولو تركتموها لكفرتم ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء . . . } الآية » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال « جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أين أبي؟ قال : في النار . ثم جاء آخر فقال : يا رسول الله ، الحج كل عام؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحول وركه فدخل البيت ، ثم خرج فقال : لم تسألوني عما لا أسألكم عنه؟! ثم قال : والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت عليكم كل عام ثم لكفرتم ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء . . . } الآية » .
وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم وابن مردويه عن علي قال « لما نزلت { ولله على الناس حجُّ البيت } [ آل عمران : 97 ] قالوا : يا رسول الله ، أفي كل عام؟ فسكت ثم قالوا : أفي كل عام؟ قال : لا : ولو قلت نعم لوجبت ، فنزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبْدَ لكم تسؤكم } » .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال « لما نزلت آية الحج أذن النبي صلى الله عليه وسلم في الناس ، فقال : يا أيها الناس ، إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا . فقالوا : يا رسول الله ، أعاماً واحداً أم كل عام؟ فقال : لا ، بل عاماً واحداً ، ولو قلت كل عام لوجبت ، ولو وجبت لكفرتم ، وأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء } الآية » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في الناس فقال : يا قوم ، كتب عليكم الحج ، فقام رجل من بني أسد فقال : يا رسول الله ، أفي كل عام؟ فغضب غضباً شديداً فقال : والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت ما استطعتم وإذن لكفرتم ، فاتركوني ما تركتكم ، وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا ، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه ، فأنزل الله { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت النصارى من المائدة ، فأصبحوا بها كافرين ، فنهى الله عن ذلك وقال { لا تسألوا عن أشياء } أي إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك ولكن انتظروا ، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه » .(3/496)
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد « في قوله { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء } قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج . فقيل : أواجب هو يا رسول الله كل عام؟ قال : لا ، ولو قلتها لوجبت عليكم كل عام ، ولو وجبت ما أطقتم ، ولو لم تطيقوا لكفرتم ، ثم قال : سلوني فلا يسألني رجل في مجلسي هذا عن شيء إلا أخبرته ، وإن سألني عن أبيه . فقام إليه رجل فقال : من أبي؟ قال : أبوك حذافة بن قيس . فقام عمر فقال : يا رسول الله ، رضينا بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ، ونعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله » .
وأخرج ابن المنذر عن سعد بن أبي وقاص قال : « إن كانوا ليسألون عن الشيء وهو لهم حلال ، فما يزالون يسألون حتى يحرم عليهم ، وإذا حرم عليهم وقعوا فيه » .
وأخرج الشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن المنذر عن سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن أبي ثعلبة الخشني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن لله حد حدوداً فلا تعتدوها ، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها ، وترك أشياء في غير نسيان ولكن رحمة منه لكم فاقبلوها ولا تبحثوا عنها » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق خصيف عن مجاهد عن ابن عباس . في قوله { لا تسألوا عن أشياء } قال : يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، ألا ترى أنه يقول بعد ذلك : ما جعل الله من كذا ولا كذا قال : وأما عكرمة فإنه قال : إنهم كانوا يسألونه عن الآيات فنهوا عن ذلك ، ثم قال { قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين } قال : فقلت : قد حدثني مجاهد بخلاف هذا عن ابن عباس فما لك تقول هذا؟ فقال : هاه « .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق عبد الكريم عن عكرمة في قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء } قال : هو الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم : من أبي؟ وأما سعيد بن جبير فقال : هم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة ، وأما مقسم فقال : هي فيما سألت الأمم أنبياءها عن الآيات .(3/497)
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن نافع في قوله { لا تسألوا عن أشياء } قال : ما زال كثرة السؤال مذ قط تكره .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم . أنه قرأ { تبد لكم } برفع التاء ونصب الدال .
وأخرج أبو الشيخ عن عبد الملك بن أبي جمعة الأزدي قال : سألت الحسن عن كسب الكناس فقال لي : ويحك . . . ! ما تسأل عن شيء لو ترك في منازلكم لضاقت عليكم ، ثم تلا هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } .
وأخرج أحمد وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع ، وهو مردف الفضل بن عباس على جمل آدم ، فقال : يا أيها الناس ، خذوا العلم قبل رفعه وقبضه . قال : وكنا نهاب مسألته بعد تنزيل الله الآية { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } فقدمنا إليه أعرابياً ، فرشوناه برداء على مسألته فاعتم بها حتى رأيت حاشية البرد على حاجبه الأيمن ، وقلنا له : سل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يرفع العلم وهذا القرآن بين أظهرنا ، وقد تعلمناه وعلمناه نساءنا وذرارينا وخدامنا؟ فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه ، قد علا وجهه حمرة من الغضب فقال : أوليست اليهود والنصارى بين أظهرها المصاحف ، وقد أصبحوا ما يتعلقون منها بحرف مما جاء به أنبياؤهم ، ألا وإن ذهاب العلم أن تذهب حملته » .
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات « عن أبي مالك الأشعري قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء } قال : فنحن نسأله إذ قال : إن لله عباداً ليسوا بأنبياء ولا شهداء ، يغبطهم النبيون والشهداء بقربهم ومقعدهم من الله يوم القيامة . فقال أعرابي : من هم يا رسول الله؟ قال : هم عباد من عباد الله من بلدان شتى وقبائل شتى من شعوب القبائل ، لم تكن بينهم أرحام يتواصلون بها ، ولا دنيا يتبادلون بها ، يتحابون بروح الله ، يجعل الله وجوههم نوراً ، ويجعل لهم منابر من لؤلؤ قدام الرحمن ، يفزع الناس ولا يفزعون ، ويخاف الناس ولا يخافون » .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن عبدالله بن مالك بن بحينة قال : « صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل المقبرة ثلاث مرات ، وذلك بعد نزول هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } فاسكت القوم . فقام أبو بكر ، فأتى عائشة فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أهل المقبرة؟ فقالت عائشة : صليت على أهل المقبرة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تلك مقبرة بعسقلان يحشر منها سبعون ألف شهيد » .(3/498)
وأخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة والخرائطي في مكارم الأخلاق عن معاذ بن جبل قال « كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فتقدمت به راحلته ، ثم إن راحلتي لحقت براحلته حتى تصحب ركبتي ركبته ، فقلت : يا رسول الله ، إني أريد أن أسألك عن أمر يمنعني مكان هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } قال : ما هو يا معاذ؟ قلت : ما العمل الذي يدخلني الجنة وينجيني من النار؟ قال : قد سألت عن عظيم وإنه يسير ، شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، وإقام الصلاة ، وايتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان ، ثم قال : ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروته؟ أما رأس الأمر فالإسلام ، وعموده الصلاة ، وأما ذروته فالجهاد ، ثم قال : الصيام جنة ، والصدقة تكفر الخطايا ، وقيام الليل ، وقرأ { تتجافى جنوبهم عن المضاجع . . . } إلى آخر الآية . ثم قال : ألا أنبئكم ما هو أملك بالناس من ذلك؟ ثم أخرج لسانه فأمسكه بين أصبعيه ، فقلت : يا رسول الله ، أكل ما نتكلم به يكتب علينا؟ قال : ثكلتك أمك . . . ؟ وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟ إنك لن تزال سالماً ما أمسكت ، فإذا تكلمت كتب عليك أو لك » .(3/499)
مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104)
أخرج البخاري ومسلم وعبد الرزاق وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن المسيب قال : البحيرة . التي يمنع درها للطواغيت ولا يحلها أحد من الناس ، والسائبة : كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء . قال : وقال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار ، كان أول من سيب السوائب » قال ابن المسيب : والوصيلة . الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل ثم تثني بعد بأنثى ، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر ، والحامي : فحل الإبل ، يضرب الضراب المعدود فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت واعفوه من الحمل فلم يحمل شيء وسموه الحامي .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي الأحوص عن أبيه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقان من الثياب ، فقال لي : هل لك من مال؟ قلت : نعم . قال : من أي المال؟ قلت : من كل المال ، من الإبل والغنم والخيل والرقيق . قال : فإذا آتاك الله مالاً فلير عليك ، ثم قال : تنتج إبلك رافية آذانها؟ قلت : نعم ، وهل تنتج الإبل إلا كذلك! قال : فلعلك تأخذ موسى قتقطع آذان طائفة منها وتقول : هذه بحر ، وتشق آذان طائفة منها وتقول : هذه الصرم ، قلت : نعم . قال : فلا تفعل؛ إن كل ما آتاك الله لك حل ، ثم قال { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام } قال أبو الأحوص : أما البحيرة فهي التي يجدعون آذانها ، فلا تنتفع امرأته ، ولا بناته ، ولا أحد من أهل بيته بصوفها ، ولا أوبارها ، ولا أشعارها ، ولا ألبانها ، فإذا ماتت اشتركوا فيها . وأما السائبة : فهي التي يسيبون لآلهتهم . وأما الوصيلة : فالشاة تلد ستة أبطن وتلد السابع جدياً وعناقاً ، فيقولون : قد وصلت فلا يذبحونها ، ولا تضرب ، ولا تمنع مهما وردت على حوض ، وإذا ماتت كانوا فيها سواء . والحام من الإبل إذا أدرك له عشرة من صلبه كلها تضرب حمى ظهره فسمي الحام ، فلا ينتفع له بوبر ، ولا ينحر ، ولا يركب له ظهر ، فإذا مات كانوا فيه سواء .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : البحيرة . هي الناقة ، إذا أنتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس فإن كان ذكراً ذبحوه فأكله الرجال دون النساء ، وإن كانت أنثى جدعوا آذانها فقالوا : هذه بحيرة . وأما السائبة : فكانوا يسيبون من أنعامهم لآلهتهم لا يركبون لها ظهراً ، ولا يحلبون لها لبناً ، ولا يجزون لها وبراً ، ولا يحملون عليها شيئاً .(3/500)
وأما الوصيلة : فالشاة ، إذا أنتجت سبعة أبطن نظروا السابع ، فإن كان ذكراً أو أنثى وهو ميت ، اشترك فيه الرجال دون النساء ، وإن كانت أنثى استحيوها ، وإن كان ذكراً وأنثى في بطن استحيوهما ، وقالوا : وصلته أخته فحرمته علينا . وأما الحام : فالفحل من الإبل إذا ولد لولده قالوا : حمى هذا ظهره فلا يحملون عليه شيئاً ، ولا يجزون له وبراً ، ولا يمنعونه من حمى رعي ، ولا من حوض يشرب منه ، وإن كان الحوض لغير صاحبه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { ما جعل الله من بحيرة } قال : البحيرة الناقة ، كان الرجل إذا ولدت خمسة فيعمد إلى الخامسة ، فما لم تكن سقياً فيبتك آذانها ، ولا يجز لها وبراً ، ولا يذوق لها لبناً ، فتلك البحيرة { ولا سائبة } كان الرجل يسيب من ماله ما شاء { ولا وصيلة } فهي الشاة إذا ولدت سبعاً عمد إلى السابع ، فإن كان ذكراً ذبح ، وإن كانت أنثى تركت ، وإن كان في بطنها اثنان ذكر وأنثى فولدتهما ، قالوا : وصلت أخاها فيتركان جميعاً لا يذبحان ، فتلك الوصيلة { ولا حام } كان الرجل يكون له الفحل ، فإذا ألقح عشراً قيل : حام فاتركوه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ما جعل الله من بحيرة . . . } الآية . قال : البحيرة من الإبل ، كان أهل الجاهلية يحرمون وبرها وظهرها ولحمها ولبنها إلا على الرجال ، فما ولدت من ذكر وأنثى فهو على هيئتها ، فإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكل لحمها ، فإذا ضرب من ولد البحيرة فهو الحامي ، والسائبة من الغنم على نحو ذلك ، إلا أنها ما ولدت من ولد بينها وبين ستة أولاد كان على هيئتها ، فإذا ولدت في السابع ذكراً أو أنثى أو ذكرين ذبحوه فأكله رجالهم دون نسائهم ، وإن توأمت أنثى وذكر فهي وصيلة ترك ذبح الذكر بالأنثى ، وإن كانتا أنثيين تركتا .
وأخرج ابن المنذر عن أبي سعيد الخدري قال « صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر ، فاستأخر عن قبلته ، وأعرض بوجهه ، وتعوَّذ بالله ، ثم دنا من قبلته حتى رأيناه يتناول بيده ، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا : يا نبي الله ، لقد صنعت اليوم في صلاتك شيئاً ما كنت تصنعه! . . قال : نعم ، عرضت عليَّ في مقامي هذا الجنة والنار ، فرأيت في النار ما لا يعلمه إلا الله ، ورأيت فيها الحميرية صاحبة الهرة التي ربطتها فلم تطعمها ، ولم تسقها ، ولم ترسلها فتأكل من خشاش الأرض حتى ماتت في رباطها ، ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار ، وهو الذي سيَّب السوائب ، وبحر البحيرة ، ونصب الأوثان وغيَّر دين إسماعيل ، ورأيت فيها عمران الغفاري معه محجنه الذي كان يسرق به الحاج . قال : وسمى لي الرابع فنسيته . ورأيت الجنة فلم أر مثل ما فيها ، فتناولت منها قطفاً لأريكموه فحيل بيني وبينه ، فقال رجل من القوم : كيف تكون الحبة منه؟ قال : كأعظم دلو فرته أمك قط . قال محمد بن إسحاق : فسألت عن الرابع فقال : هو صاحب ثنيتي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نزعهما » .(4/1)
وأخرج البخاري وابن مردويه عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً ، ورأيت عمراً يجر قصبه في النار وهو أول من سيب السوائب » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكتم بن الجون : يا أكتم ، عرضت عليَّ النار فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار ، فما رأيت رجلاً أشبه برجل منك به ولا به منك . فقال أكتم : أخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا إنك مؤمن وهو كافر ، إنه أول من غيَّر دين إبراهيم ، وبحر البحيرة ، وسيب السائبة ، وحمى الحامي » .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن أول من سيب السوائب ، وعبد الأصنام ، أبو خزاعة عمرو بن عامر ، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار » .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إني لأعرف أول من سيَّب السوائب ، ونصب النصب ، وأول من غير دين إبراهيم ، قالوا : من هو يا رسول الله؟ قال : عمرو بن لحي ، أخو بني كعب ، لقد رأيته يجر قصبه في النار ، يؤذي أهل النار ريح قصبه ، وإني لأعرف من بحر البحائر . قالوا : من هو يا رسول الله؟ قال : رجل من بني مدلج ، كانت له ناقتان ، فجدع آذانهما وحرم ألبانهما وظهورهما ، وقال : هاتان لله ، ثم احتاج إليهما فشرب ألبانهما ، وركب ظهورهما ، قال : فلقد رأيته في النار وهما يقضمانه بأفواههما ويطآنه بأخفافهما » .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن أبي بن كعب قال : « بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر والناس في الصفوف خلفه ، فرأيناه تناول شيئاً فجعل يتناوله ، فتأخر ، فتأخر الناس ، ثم تأخر الثانية فتأخر الناس ، فقلت : يا رسول الله ، رأيناك صنعت اليوم شيئاً ما كنت تصنعه في الصلاة؟ فقال : إنه عرضت علي الجنة بما فيها من الزهرة والنضرة ، فتناولت قطفاً من عنبها ، ولو أخذته لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه ، فحيل بيني وبينه ، وعرضت علي النار فلما وجدت سفعتها تأخَّرت عنها ، وأكثر من رأيت فيها النساء إن ائتمن أفشين ، وإن سألن ألحفن ، وإذا سئلن بخلن ، وإذا أعطين لم يشكرن ، ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار ، وأشبه من رأيت به معبد بن أكتم الخزاعي ، فقال معبد : يا رسول الله ، أتخشى عليّ من شبهه؟ قال : لا ، أنت مؤمن وهو كافر ، وهو أول من حمل العرب على عبادة الأصنام » .(4/2)
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون } قال : لا يعقلون تحريم الشيطان الذي يحرم عليهم .
وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن أبي موسى في الآية قال : الآباء جعلوا هذا وماتوا ، ونشأ الأبناء وظنوا أن الله هو جعل هذا ، فقال الله { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } الآباء فالآباء افتروا على الله الكذب ، والأبناء أكثرهم لا يعقلون ، يظنون الله هو الذي جعله .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن أبي موسى في قوله { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } قال : هم أهل الكتاب { وأكثرهم لا يعقلون } قال : هم أهل الأوثان .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون } قال : الذين لا يعقلوهم الأتباع ، وأما الذين افتروا فعقلوا أنهم افتروا .(4/3)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والعدني وابن منيع والحميدي في مسانيدهم ، وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى والكجي في سننه ، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والدارقطني في الأفراد ، وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان ، والضياء في المختارة ، عن قيس قال : قام أبو بكر ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : يا أيها الناس ، إنكم تقرأون هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } وإنكم تضعونها على غير موضعها ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب » .
وأخرج ابن جرير عن قيس بن أبي حازم قال : صعد أبو بكر منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إنكم لتتلون آية من كتاب الله وتعدونها رخصة ، والله ما أنزل الله في كتابه أشد منها { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله منه بعقاب « .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن جرير البجلي : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : » ما من قوم يكون بين أظهرهم رجل يعمل بالمعاصي هم أمنع منه وأعز ، ثم لا يغيرون عليه إلا أوشك أن يعمهم الله منه بعقاب « .
وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير والبغوي في معجمه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب » عن أبي أمية الشعباني قال أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له : كيف تصنع في هذه الآية؟ قال : أية آية؟ قال : قوله { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرُّكم من ضل إذا اهتديتم } قال : أما والله لقد سألت عنها خبيراً ، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر . حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً ، وهوى تبعاً ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بخاصة نفسك ، ودع عنك أمر العوام ، فإن من ورائكم أيام الصبر ، الصابر فيهن مثل القابض على الحمر ، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً ، يعملون مثل عملكم » « .
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه » عن أبي عامر الأشعري « أنه كان فيهم شيء ، فاحتبس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أتاه فقال : ما حبسك؟ قال : يا رسول الله ، قرأت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرُّكم من ضل إذا اهتديتم } قال : فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أين ذهبتم؟ إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم » « .(4/4)
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ عن الحسن . أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله { عليكم أنفسكم } فقال : أيها الناس ، إنه ليس بزمانها فإنها اليوم مقبولة ، ولكنه قد أوشك أن يأتي زمان تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا ، أو قال : فلا يقبل منكم ، فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن ابن مسعود في قوله { عليكم أنفسكم . . . } الآية . قال : مروا بالمعروف ، وانهوا عن المنكر ما لم يكن من دون ذلك السوط والسيف ، فإذا كان ذلك كذلك فعليكم أنفسكم .
وأخرج عبد بن حميد ونعيم بن حماد في الفتن وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي العالية قال : كانوا عند عبدالله بن مسعود ، فوقع بين رجلين بعض ما يكون بين الناس ، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه فقال رجل من جلساء عبدالله : ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه : عليك نفسك ، فإن الله تعالى يقول { عليكم أنفسكم } فسمعها ابن مسعود فقال : مه! لم يجئ تأويل هذه الآية بعد ، إن القرآن أنزل حيث أنزل ، ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن ، ومنه ما وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومنه آي يقع تأويلهن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنين ، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم ، ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة ما ذكر من أمر الساعة ، ومنه آي يقع تأويلهن عند الحساب ما ذكر من أمر الحساب والجنة والنار ، فما دامت قلوبكم واحدة ، وأهواؤكم واحدة ، ولم تلبسوا شيعاً ، فلم يذق بعضكم بأس بعض ، فمروا وانهوا ، فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعاً وذاق بعضكم بأس بعض فكل امرئ ونفسه ، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه « عن ابن عمر . أنه قيل له : أجلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه ، فإن الله قال { عليكم أنفسكم } فقال : إنها ليست لي ولا لأصحابي؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال » ألا فليبلغ الشاهد الغائب « فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب ، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا ، إن قالوا لم يقبل منه .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من طريق قتادة عن رجل قال : كنت في خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة في حلقة فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا فيهم شيخ حسبت أنه قال أبي بن كعب ، فقرأ { عليكم أنفسكم } فقال : إنما تأويلها في آخر الزمان .(4/5)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ من طريق قتادة عن أبي مازن قال : انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة ، فإذا قوم جلوس ، فقرأ أحدهم { عليكم أنفسكم } فقال : أكثرهم : لم يجيء تأويل هذه الآية اليوم .
وأخرج ابن جرير عن جبير بن نفير قال : كنت في حلقة فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإني لأصغر القوم ، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فقلت : أليس الله يقول { عليكم أنفسكم } فأقبلوا علي بلسان واحد ، فقالوا : تنزع آية من القرآن لا تعرفها ولا تدري ما تأويلها؟ حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت ، ثم أقبلوا يتحدثون ، فلما حضر قيامهم قالوا : إنك غلام حدث السن ، وإنك نزعت أية لا تدري ماهي ، وعسى أن تدرك ذلك الزمان إذا رأيت شحاً مطاعاً ، وهوى متبعاً ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بنفسك ، لا يضرك من ضل إذا اهتديت .
وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل أنه قال : « يا رسول الله ، أخبرني عن قول الله عز وجل { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } قال : يا معاذ ، مروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ، فإذا رأيتم شحاً مطاعاً ، وهوى متبعاً ، وإعجاب كل امرئ برأيه ، فعليكم أنفسكم لا يضركم ضلالة غيركم ، فهو من ورائكم أيام صبر ، المتمسك فيها بدينه مثل القابض على الجمر ، فللعامل منهم يومئذ مثل عمل أحدكم اليوم كأجر خمسين منكم . قلت : يا رسول الله ، خمسين منهم؟ قال : بل خمسين منكم أنتم » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : « ذكرت هذه الآية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم . قول الله عز وجل { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : لم يجئ تأويلها ، لا يجيء تأويلها حتى يهبط عيسى بن مريم عليه السلام » .
وأخرج ابن مردويه عن محمد بن عبدالله التيمي عن أبي بكر الصديق سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بذل ، ولا أقر قوم المنكر بين أظهرهم إلا عمهم الله بعقاب ، وما بينكم وبين أن يعمكم الله بعقاب من عنده إلا أن تأولوا هذه الآية على غير أمر بمعروف ولا نهي عن المنكر { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال : خطب أبو بكر الناس فكان في خطبته قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يا أيها الناس لا تتكلموا على هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } إن الذاعر ليكون في الحي فلا يمنعوه ، فيعمهم الله بعقاب » .(4/6)
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الحسن . أنه تلا هذه الآية { عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } فقال : يا لها من سعة ما أوسعها! ، ويا لها ثقة ما أوثقها! .
وأخرج أبو الشيخ عن عثمان الشحام أبي سلمة قال : « حدثني شيخ من أهل البصرة وكان له فضل وسن قال : بلغني أن داود سأل ربه قال : يا رب ، كيف لي أن أمشي لك في الأرض وأعمل لك فيها بنصح؟ قال » يا داود ، تحب من أحبني من أحمر وأبيض ، ولا يزال شفتاك رطبتين من ذكري ، واجتنب فراش المغيب . قال : أي رب ، فكيف أن تحبني أهل الدنيا البر والفاجر؟ قال : يا داود ، تصانع أهل الدنيا لدنياهم ، وتحب أهل الآخرة لآخرتهم ، وتجتان إليك ذنبك بيني وبينك ، فإنك إذا فعلت ذلك فلا يضرك من ضل إذا اهتديت « » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر . أنه جاء رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن ، نفر ستة كلهم قرأ القرآن ، وكلهم مجتهد لا يألوهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك ، فقال : لعلك ترى أني آمرك أن تذهب إليهم تقاتلهم ، عظهم و انههم ، فإن عصوك فعليك نفسك ، فإن الله تعالى يقول { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم } حتى ختم الآية .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن صفوان بن محرز . أنه أتاه رجل من أصحاب الأهواء ، فذكر له بعض أمره فقال له صفوان : ألا أدلك على خاصة الله التي خص الله بها أولياءه { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } يقول : أطيعوا أمري ، واحفظوا وصيتي .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } يقول : إذا ما أطاعني العبد فيما أمرته من الحلال والحرام ، فلا يضره من ضل بعده إذا عمل بما أمرته به .
وأخرج ابن جرير من طريق قارب بينهما عن الضحاك عن ابن عباس قال : { عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } ما لم يكن سيف أو سوط .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول . أن رجلاً سأله عن قول الله { عليكم أنفسكم } الآية . فقال : إن تأويل هذه الآية لم يجيء بعد ، إذا هاب الواعظ وأنكر الموعوظ ، فعليك نفسك لا يضرك حينئذ من ضل إذا اهتديت .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر مولى غفرة قال : إنما أنزلت هذه الآية لأن الرجل كان يسلم ويكفر أبوه ، ويسلم الرجل ويكفر أخوه ، فلما دخل قلوبهم حلاوة الإيمان دعوا آباءهم وإخوانهم ، فقالوا : حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا .(4/7)
فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير أنه سئل عن هذه الآية فقال : نزلت في أهل الكتاب يقول { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل } من أهل الكتاب { إذا اهتديتم } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حذيفة في قوله { عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } قال : إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب في قوله { لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } قال : إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر لا يضرك من ضل إذا اهتديت .
وأخرج ابن جرير عن الحسن . أنه تلا هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم } فقال : الحمد لله بها والحمد لله عليها ، ما كان مؤمن فيما مضى ولا مؤمن فيما بقي إلا وإلى جانبه منافق يكره عمله .
وأخرج أحمد وابن ماجة والبيهقي في الشعب عن أنس قال : « قيل يا رسول الله ، متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال » إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل قبلكم . قالوا : وما ذاك يا رسول الله؟ قال : إذا ظهر الادهان في خياركم ، والفاحشة في كباركم ، وتحوّل الملك في صغاركم والفقه « ، وفي لفظ : » والعلم في رذالكم « .
وأخرج البيهقي عن حذيفة . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال » والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم . والله تعالى أعلم « .(4/8)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)
أخرج الترمذي وضعفه وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو النعيم في المعرفة من طريق أبي النضر وهو الكلبي ، عن باذان مولى أم هانئ عن ابن عباس عن تميم الداري في هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت } قال « برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء ، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام ، فأتيا الشام لتجارتهما ، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له : بديل بن أبي مريم بتجارة ، ومعه جام من فضة يريد به الملك وهو عظم تجارته ، فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله . قال تميم : فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ، ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بداء ، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا ، وفقدوا الجام فسألونا عنه ، فقلنا : ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره . قال تميم : فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك ، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر ، وأديت إليهم خمسمائة درهم ، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها ، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألهم البينة فلم يجدوا ، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه ، فحلف الله { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } إلى قوله { أن ترد أيمان بعد أيمانهم } فقام عمرو بن العاص ورجل آخر ، فحلفا ، فنزعت الخمسمائة درهم من عدي بن بداء » .
وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والنحاس والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال « خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء ، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فأوصى إليهما ، فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مخوصاً بالذهب ، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله : ما كتمتماها ولا اطلعتما ، ثم وجدوا الجام بمكة ، فقيل : اشتريناه من تميم وعدي ، فقام رجلان من أولياء السهمي ، فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ، وإن الجام لصاحبهم ، وأخذ الجام وفيه نزلت { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال « كان تميم الداري وعدي بن بداء رجلين نصرانيين يتجران إلى مكة في الجاهلية ويطيلان الإقامة بها ، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم حوّل متجرهما إلى المدينة ، فخرج بديل بن أبي مارية مولى عمرو بن العاص تاجراً حتى قدم المدينة ، فخرجوا جميعاً تجاراً إلى الشام ، حتى إذا كانوا ببعض الطريق اشتكى بديل ، فكتب وصيته بيده ثم دسها في متاعه وأوصى إليهما ، فلما مات ، فتحا متاعه ، فأخذا منه شيئاً ثم حجزاه كما كان ، وقدما المدينة على أهله فدفعا متاعه ، ففتح أهله متاعه فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به ، وفقدوا شيئاً فسألوهما عنه ، فقالوا : هذا الذي قبضنا له وَدُفِعَ إلينا ، فقالوا لهما : هذا كتابه بيده! قالوا : ما كتمنا له شيئاً ، فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت } إلى قوله { إنا إذاً لمن الآثمين } فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوهما بعد صلاة العصر بالله الذي لا إله إلا هو ، ما قبضنا له غير هذا ولا كتمنا ، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا ، ثم ظهر معهما على إناء من فضة منقوش مموه بذهب ، فقال أهله : هذا من متاعه ولكنا اشتريناه منه ، ونسينا أن نذكره حين حلفنا ، فكرهنا أن نكذب نفوسنا ، فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت الآية الأخرى { فإن عثر على أنهما استحقا إثماً } فأمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من أهل الميت أن يحلفا على ما كتما وغيبا ويستحقانه ، ثم إن تميماً الداري أسلم وبايع النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان يقول : صدق الله ورسوله ، أنا أخذت الإناء ، ثم قال : يا رسول الله ، إن الله يظهرك على أهل الأرض كلها ، فهب لي قريتين من بيت لحم - وهي القرية التي ولد فيها عيسى - فكتب له بها كتاباً ، فلما قدم عمر الشام أتاه تميم بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر : أنا حاضر ذلك فدفعها إليه » .(4/9)
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { شهادة بينكم } مضاف برفع شهادة بغير نون وبخفض بينكم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس من طريق علي عن أبي طلحة عن ابن عباس { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم } هذا لمن مات وعنده المسلمون ، أمره الله أن يشهد على وصيته عدلين من المسلمين ، ثم قال { أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض } فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين ، أمره الله بشهادة رجلين من غير المسلمين ، فإن ارتيب بشهادتهما استحلفا بالله بعد الصلاة : ما اشترينا بشهادتنا ثمناً قليلاً ، فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما ، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة ، فذلك قوله تعالى { فإن عثر على أنهما استحقا إثماً } يقول : إن اطلع على أن الكافرين كذبا ، قام الأوليان فحلفا أنهما كذبا ، ذلك أدنى أن يأتي الكافران بالشهادة على وجهها ، أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ، فتترك شهادة الكافرين ، ويحكم بشهادة الأوليان ، فليس على شهود المسلمين أقسام ، إنما الأقسام إذا كانا كافرين .(4/10)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { اثنان ذوا عدل منكم } قال : من أهل الإسلام { أو آخران من غيركم } قال : من غير أهل الإسلام ، وفي قوله { فيقسمان بالله } يقول : يحلفان بالله بعد الصلاة . وفي قوله { فآخران يقومان مقامهما } قال : من أولياء الميت فيحلفان { بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما } يقول : فيحلفان بالله ما كان صاحبنا ليوصي بهذا وإنهما لكاذبان . وفي قوله { ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } يعني أولياء الميت فيستحقون ماله بأيمانهم ، ثم يوضع ميراثه كما أمر الله ، وتبطل شهادة الكافرين . وهي منسوخة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية { اثنان ذوا عدل منكم } قال : ما من الكتاب إلا قد جاء على شيء جاء على إدلاله غير هذه الآية ، ولئن أنا لم أخبركم بها لأنا أجهل من الذي ترك الغسل يوم الجمعة ، هذا رجل خرج مسافراً ومعه مال ، فأدركه قدره ، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته ، وأشهد عليهما عدلين من المسلمين ، فإن لم يجد عدلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب ، فإن أدى فسبيل ما أدى ، وإن هو جحد استحلف بالله الذي لا إله إلا هو دبر صلاة : أن هذا الذي وقع إلي وما غيبت شيئاً ، فإذا حلف برئ ، فإذا أتى بعد ذلك صاحبا الكتاب فشهدا عليه ، ثم ادعى القوم عليه من تسميتهم ما لهم جعلت أيمان الورثة مع شهادتهم ثم اقتطعوا حقه ، فذلك الذي يقول الله { ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم } .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد { شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت } قال : أن يموت المؤمن فيحضر موته مسلمان أو كافران ، لا يحضره غير اثنين منهم ، فإن رضي ورثته بما غابا عنه من تركته فذلك ، ويحلف الشاهدان أنهما صادقان ، فإن عثر قال : وجد لطخ أو لبس أو تشبيه حلف الاثنان الأوّلان من الورثة ، فاستحقا وأبطلا أيمان الشاهدين .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله { أو آخران من غيركم } قال : من غير المسلمين من أهل الكتاب .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن المسيب في قوله { اثنان ذوا عدل منكم } قال : من أهل دينكم { أو آخران من غيركم } قال : من أهل الكتاب إذا كان ببلاد لا يجد غيرهم .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن شريح قال : لا تجوز شهادة اليهودي ولا النصراني إلا في وصية ، ولا تجوز في وصية إلا في سفر .(4/11)
وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه عن الشعبي . أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقاء ، ولم يجد أحداً من المسلمين يشهد على وصيته ، فأشهد رجلين من أهل الكتاب ، فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعري ، فأخبراه وقدما بتركته ووصيته ، فقال الأشعري : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم . فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدَّلا ولا كتما ولا غيرا ، وإنها وصية الرجل وتركته ، فأمضى شهادتهما .
وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في قوله { شهادة بينكم } الآية . كلها قال : كان ذلك في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام ، وذلك في أول الإسلام ، والأرض حرب ، والناس كفار ، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالمدينة ، وكان الناس يتوارثون بينهم بالوصية ، ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض وعمل المسلمون بها .
وأخرج ابن جرير عن الزبير قال : مضت السنة أن لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر ، إنما هي في المسلمين .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : هذه الآية منسوخة .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن عكرمة { أو آخران من غيركم } قال : من المسلمين من غير حيه .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والنحاس وأبو الشيخ والبيهقي في سننه { إثنان ذوا عدل منكم } قال : من قبيلتكم { أو آخران من غيركم } قال : من غير قبيلتكم ، ألا ترى أنه يقول { تحبسونهما من بعد الصلاة } كلهم من المسلمين .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عقيل قال : سألت ابن شهاب عن هذه الآية قلت : أرأيت الاثنين اللَّذين ذكر الله من غير أهل المرء الموصي ، أهما من المسلمين أو هما من أهل الكتاب؟ ورأيت الآخرين اللذين يقومان مقامهما ، أتراهما من أهل المرء الموصي أم هما في غير المسلمين؟ قال ابن شهاب : لم نسمع في هذه الآية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أئمة العامة سنة أذكرها ، وقد كنا نتذاكرها أناساً من علمائنا أحياناً فلا يذكرون فيها سنة معلومة ولا قضاء من إمام عادل ، ولكنه مختلف فيها رأيهم ، وكان أعجبهم فيها رأيا إلينا الذين كانوا يقولون : هي فيما بين أهل الميراث من المسلمين ، يشهد بعضهم الميت الذي يرثونه ويغيب عنه بعضهم ، ويشهد من شهده على ما أوصى به لذوي القربى ، فيخبرون من غاب عنه منهم بما حضروا من وصية ، فإن سلموا جازت وصيته ، وإن ارتابوا أن يكونوا بدلوا قول الميت وآثروا بالوصية من أرادوا ممن لم يوص لهم الميت بشيء ، حلف اللذان يشهدان على ذلك بعد الصلاة ، وهي أن المسلمين { يقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذاً لمن الآثمين } فإذا أقسما على ذلك جازت شهادتهما وأيمانهما ما لم يعثر على أنهما استحقا إثماً في شيء من ذلك ، قام آخران مقامهما من أهل الميراث من الخصم الذين ينكرون ما يشهد عليه الأولان المستحلفان أول مرة ، فيقسمان بالله لشهادتنا على تكذيبكما أو إبطال ما شهدتما به ، وما اعتدينا إنا إذاً لمن الظالمين .(4/12)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عبيدة في قوله { تحبسونهما من بعد الصلاة } قال : صلاة العصر .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { لا نشتري به ثمناً } قال : لا نأخذ به رشوة { ولا نكتم شهادة الله } وإن كان صاحبها بعيداً .
وأخرج أبو عبيدة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عامر الشعبي أنه كان يقرأ { ولا نكتم شهادة } يعني بقطع الكلام منوّناً { الله } بقطع الألف وخفض اسم الله على القسم .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرؤها { ولا نكتم شهادة الله } يقول هو القسم .
وأخرج عن عاصم { ولا نكتم شهادة الله } مضاف بنصب شهادة ، ولا ينون .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { فإن عثر على أنهما استحقا إثماً } أي اطلع منهما على خيانة على أنهما كذبا أو كتما ، فشهد رجلان هما أعدل منهما بخلاف ما قالا ، أجيز شهادة الآخرين وبطلت شهادة الأولين .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وأبو عبيدة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب أنه كان يقرأ { من الذين استحق عليهم الأوليان } بفتح التاء .
وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ { من الذين استحق عليهم الأوليان } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن عدي عن أبي مجلز أن أبي بن كعب قرأ { من الذين استحق عليهم الأوليان } قال عمر : كذبت . قال : أنت أكذب . فقال الرجل : تكذب أمير المؤمنين! قال : أنا أشد تعظيماً لحق أمير المؤمنين منك ، ولكن كذبته في تصديق كتاب الله ولم أصدق أمير المؤمنين في تكذيب كتاب الله . فقال عمر : صدق .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى ابن يعمر أنه قرأها { الأوليان } وقال : هما الوليان .
وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس أنه كان يقرأ « من الذين استحق عليهم الأولين » ويقول : أرأيت لو كان الأوليان صغيرين كيف يقومان مقامهما؟
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه كان يقرأ الأوّلين مشدّدة على الجماع .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم { من الذين استحق } برفع التاء وكسر الحاء « عليهم الأولين » مشددة على الجماع .(4/13)
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { الأوليان } قال : الميت .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها } يقول : ذلك أحرى أن يصدقوا في شهادتهم { أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } يقول : وأن يخافوا العنت .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } فتبطل أيمانهم وتؤخذ أيمان هؤلاء .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله { واتقوا الله واسمعوا } قال : يعني القضاء .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { والله لا يهدي القوم الفاسقين } قال : الكاذبين الذين يحلفون على الكذب . والله تعالى أعلم .(4/14)
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109)
أخرج الفريابي وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم } فيفزعون فيقول : ماذا أجبتم فيقولون : لا علم لنا ، فيرد إليهم أفئدتهم فيعلمون .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا } قال : ذلك أنهم نزلوا منزلاً ذهلت فيه العقول ، فلما سئلوا قالوا : لا علم لنا ، ثم نزلوا منزلاً آخر فشهدوا على قومهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم } فيقولون للرب تبارك وتعالى : لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق الضحاك عن ابن عباس في قوله { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا } قال : فرقا تذهل عقولهم ، ثم يرد الله عقولهم إليهم ، فيكونون هم الذين يسألون يقول الله { فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين } [ الأعراف : 6 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله { فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا } قال : من هول ذلك اليوم .
وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال : يأتي على الخلق ساعة يذهل فيها عقل كل ذي عقل ، { يوم يجمع الله الرسل } .
وأخرج الخطيب في تاريخه عن عطاء بن أبي رباح قال : جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس فقال : والذي نفسي بيده لتفسرن لي آياً من كتاب الله عز وجل أو لأكفرن به ، فقال ابن عباس : ويحك . . ! أنا لها اليوم ، أي آي؟ قال : أخبرني عن قوله عز وجل { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا } وقال في آية أخرى { ونزعنا من كل أمة شهيداً فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله } [ القصص : 75 ] فكيف علموا وقد قالوا لا علم لنا؟ وأخبرني عن قول الله { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } [ الزمر : 31 ] وقال في آية أخرى { لا تختصموا لديَّ } [ ق : 38 ] فكيف يختصمون وقد قال : لا تختصموا لديَّ؟ وأخبرني عن قول الله { اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم } [ يس : 65 ] فكيف شهدوا وقد ختم على الأفواه؟ فقال ابن عباس : ثكلتك أمك يا ابن الأزرق ، إن للقيامة أحوالاً وأهوالاً وفظائع وزلازل ، فإذا تشققت السموات ، وتناثرت النجوم ، وذهب ضوء الشمس والقمر ، وذهلت الأمهات عن الأولاد ، وقذفت الحوامل ما في البطون ، وسجرت البحار ، ودكدكت الجبال ، ولم يلتفت والد إلى ولد ، ولا ولد إلى والد ، وجيء بالجنة تلوح فيها قباب الدر والياقوت حتى تنصب على يمين العرش ، ثم جيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام من حديد ممسك بكل زمام سبعون ألف ملك ، لها عينان زرقاوان ، تجر الشفة السفلى أربعين عاماً ، تخطر كما يخطر الفحل ، لو تركت لأتت على كل مؤمن وكافر ، ثم يؤتى بها حتى تنصب عن يسار العرش ، فتستأذن ربها في السجود فيأذن لها ، فتحمده بمحامد لم يسمع الخلائق بمثلها تقول : لك الحمد إلهي إذ جعلتني أنتقم من أعدائك ولم تجعل لي شيئاً مما خلقت تنتقم به مني إلى أهلي ، فلهي أعرف بأهلها من الطير بالحب على وجه الأرض ، حتى إذا كانت من الموقف على مسيرة مائة عام ، وهو قول الله تعالى(4/15)
{ إذا رأتهم من مكان بعيد } [ الفرقان : 12 ] زفرت زفرة فلا يبقي ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، ولا صديق منتخب ، ولا شهيد مما هنالك الآخر جاثياً على ركبتيه ، ثم تزفر الثانية زفرة فلا يبقى قطرة من الدموع إلا بدرت ، فلو كان لكل آدمي يومئذ عمل اثنين وسبعين نبياً لظن أنه سيواقعها ، ثم تزفر الثالثة زفرة فتنقطع القلوب من أماكنها ، فتصير بين اللهوات والحناجر ، ويعلو سواد العيون بياضها ، ينادي كل آدمي يومئذ يا رب نفسي نفسي ، لا أسألك غيرها ، حتى أن إبراهيم ليتعلق بساق العرش ينادي : يا رب نفسي نفسي ، لا أسألك غيرها ، ونبيكم صلى الله عليه وسلم يقول : يا رب أمتي أمتي ، لا همة له غيركم ، فعند ذلك يدعى بالأنبياء والرسل فيقال لهم { ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا } طاشت الأحلام وذهلت العقول ، فإذا رجعت القلوب إلى أماكنها { نزعنا من كل أمة شهيداً فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله } [ القصص : 75 ] وأما قوله تعالى { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } [ الزمر : 31 ] فيؤخذ للمظلوم من الظالم ، وللمملوك من المالك ، وللضعيف من الشديد ، وللجماء من القرناء حتى يؤدي إلى كل ذي حق حقه ، فإذا أدى إلى كل ذي حق حقه أمر بأهل الجنة إلى الجنة ، وأهل النار إلى النار ، اختصموا فقالوا : ربنا هؤلاء أضلونا { ربنا من قدم لنا هذا فزده عذاباً ضعفاً في النار } [ ص : 16 ] فيقول الله تعالى { لا تختصموا لديَّ وقد قدمت إليكم بالوعيد } [ ق : 38 ] إنما الخصومة بالموقف ، وقد قضيت بينكم بالموقف ، فلا تختصموا لدي . وأما قوله { اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم } [ يس : 65 ] فهذا يوم القيامة ، حيث يرى الكفار ما يعطي الله أهل التوحيد من الفضائل والخير . يقولون : تعالوا حتى نحلف بالله ما كنا مشركين ، فتتكلم الأيدي بخلاف ما قالت الألسن : وتشهد الأرجل تصديقاً للأيدي ، ثم يأذن الله للأفواه فتنطق { فقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } [ فصلت : 21 ] .(4/16)
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110)
أخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا كان يوم القيامة دعى بالأنبياء وأممها ، ثم يدعى بعيسى فيذكره الله نعمته عليه فيقربها ، يقول { يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك . . . } الآية . ثم يقول { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } [ المائدة : 116 ] فينكر أن يكون قال ذلك ، فيؤتي بالنصارى فيسألون؟ فيقولون : نعم ، هو أمرنا بذلك . فيطول شعر عيسى حتى يأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده ، فيجاثيهم بين يدي الله مقدار ألف عام ، حتى يوقع عليهم الحجة ، ويرفع لهم الصليب ، وينطلق بهم إلى النار » .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي بكر بن عياش عن ابن وهب عن أبيه قال : قدم رجل من أهل الكتاب اليمن فقال أبي : ائته واسمع منه . فقلت : تحيلني على رجل نصراني؟ قال : نعم . ائته واسمع منه . فأتيته فقال : لما رفع الله عيسى عليه السلام أقامه بين يدي جبريل وميكائيل فقال له { اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك } فعلت بك وفعلت بك ، ثم أخرجتك من بطن أمك ، ففعلت بك وفعلت بك ، ستكون أمة بعدك ينتجلونك وينتجلون ربوبيتك ، ويشهدون أنك قدمت وكيف يكون رب يموت؟ فبعزتي حلفت لأناصبنهم الحساب يوم القيامة ، ولأقيمنهم مقام الخصم من الخصم حتى ينفذوا ما قالوا ولن ينفذوه أبداً ، ثم أسلم وجاء من الأحاديث بشيء لم أسمع مثلها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات } أي الآيات التي وضع على يديه من احياء الموتى ، وخلقه من الطين كهيئة الطير . ثم ينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله ، وإبراء الأسقام ، والخبر بكثير من الغيوب مما يدخرون في بيوتهم ، وما رد عليهم من التوراة مع الإنجيل الذي أحدث الله إليه ، ثم ذكر كفرهم بذلك كله .(4/17)
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { وإذ أوحيت إلى الحواريين } يقول : قذفت في قلوبهم .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { وإذ أوحيت إلى الحواريين } قال : وحي قذف في قلوبهم ليس بوحي نبوّة ، والوحي وحيان : وحي تجيء به الملائكة ، ووحي يقذف في قلب العبد .(4/18)
إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115)
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان الحواريون أعلم بالله من أن يقولوا هل يستطيع ربك ، إنما قالوا : هل تستطيع أنت ، ربك هل تستطيع أن تدعوه .
وأخرج الحاكم وصححه والطبراني وابن مردويه عن عبد الرحمن بن غنم قال : سألت معاذ بن جبل عن قول الحواريين { هل يستطيع ربك } أو تستطيع ربك؟ فقال؟ أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم { هل تستطيع ربك } بالتاء .
وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس أنه قرأها « هل تستطيع ربك » بالتاء ونصب ربك .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير عن سعيد بن جبير أنه قرأها « هل تستطيع ربك » قال : هل تستطيع أن تسأل ربك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر الشعبي أن علياً كان يقرأها { هل يستطيع ربك } قال : هل يعطيك ربك .
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن وثاب وأبي رجاء أنهما قرآ { هل يستطيع ربك } بالياء والرفع .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء } قال : قالوا : هل يطيعك ربك إن سألته ، فأنزل الله عليهم مائدة من السماء فيها جميع الطعام إلا اللحم ، فأكلوا منها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { مائدة } قال : المائدة الخوان . وفي قوله { وتطمئن } قال : توقن .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا } يقول : نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا } قال : أرادوا أن تكون لعقبهم من بعدهم .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وأبو بكر الشافعي في فوائده المعروفة بالغيلانيات عن سلمان الفارسي قال : لما سأل الحواريون عيسى ابن مريم المائدة كره ذلك جداً ، وقال : اقنعوا بما رزقكم الله في الأرض ، ولا تسألوا المائدة من السماء فإنها إن نزلت عليكم كانت آية من ربكم ، وإنما هلكت ثمود حين سألوا نبيهم آية ، فابتلوا بها حتى كان بوارهم فيها ، فأبوا إلا أن يأتيهم بها ، فلذلك { قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين } .
فلما رأى عيسى أن قد أبوا إلا أن يدعو لهم بها قام فألقى عنه الصوف ، ولبس الشعر الأسود ، وجبة من شعر ، وعباءة من شعر ، ثم توضأ واغتسل ودخل مصلاه ، فصلى ما شاء الله ، فلما قضى صلاته قام قائماً مستقبل القبلة ، وصف قدميه حتى استويا فألصق الكعب بالكعب ، وحاذي الأصابع بالأصابع ، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره ، وغض بصره ، وطأطأ رأسه خشوعاً ، ثم أرسل عينيه بالبكاء ، فما زالت دموعه تسيل على خديه وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض حيال وجهه من خشوعه ، فلما رأى ذلك دعا الله فقال { اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا } تكون عظة منك لنا { وآية منك } أي علامة منك تكون بيننا وبينك ، وارزقنا عليها طعاماً نأكله { وأنت خير الرازقين } .(4/19)
فأنزل الله عليهم سفرة حمراء بين غمامتين ، غمامة فوقها وغمامة تحتها ، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من فلك السماء تهوي إليهم ، وعيسى يبكي خوفاً للشروط التي اتخذ الله فيها عليهم ، إنه يعذب من يكفر بها منهم بعد نزولها عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين ، وهو يدعو الله في مكانه ويقول : إلهي اجعلها رحمة ، إلهي لا تجعلها عذاباً ، إلهي كم من عجيبة سألتك فأعطيتني ، إلهي اجعلنا لك شاكرين ، إلهي أعوذ بك أن تكون أنزلتها غضباً ورجزاً ، إلهي اجعلها سلامة وعافية ولا تجعلها فتنة ومثلة ، فما زال يدعو حتى استقرت السفرة بين يدي عيسى ، والحواريون وأصحابه حوله يجدون رائحة طيبة لم يجدوا فيما مضى رائحة مثلها قط ، وخر عيسى والحواريون لله سجداً شكراً له بما رزقهم من حيث لم يحتسبوا ، وأراهم فيه آية عظيمة ذات عجب وعبرة .
وأقبلت اليهود ينظرون فرأوا أمراً عجباً أورثهم كمداً وغماً ، ثم انصرفوا بغيظ شديد ، وأقبل عيسى والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السفرة ، فإذا عليه منديل مغطى قال عيسى : من أجرؤنا على كشف المنديل عن هذه السفرة وأوثقنا بنفسه وأحسننا بلاء عند ربه فليكشف عن هذه الآية حتى نراها ، ونحمد ربنا ، ونذكر باسمه ، ونأكل من رزقه الذي رزقنا ، فقال الحواريون : يا روح الله وكلمته ، أنت أولانا بذلك وأحقنا بالكشف عنها .
فقام عيسى : فاستأنف وضوءاً جديداً ، ثم دخل مصلاه فصلى بذلك ركعات ، ثم بكى طويلاً ودعا الله أن يأذن له في الكشف عنها ، ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقاً ، ثم انصرف وجلس إلى السفرة ، وتناول المنديل وقال : بسم الله خير الرازقين ، وكشف عن السفرة ، وإذا هو عليها سمكة ضخمة مشوية ليس عليها بواسير ، وليس في جوفها سوك ، يسيل منها السمن سيلاً ، قد نضد حولها بقول من كل صنف غير الكراث ، وعند رأسها خل ، وعند ذنبها ملح ، وحول البقول خمسة أرغفة على واحد منها زيتون ، وعلى الآخر تمرات ، وعلى الآخر خمس رمانات ، فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى : يا روح الله وكلمته أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة؟ فقال : أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات وتنتهوا عن تنقير المسائل ، ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب هذه الآية .(4/20)
فقال شمعون : لا وإله إسرائيل ما أردت بها سوءاً يا ابن الصديقة . فقال عيسى : ليس شيء مما ترون عليها من طعام الجنة ولا من طعام الدنيا ، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة الغالبة القاهرة ، فقال له كن فكان أسرع من طرفة عين ، فكلوا مما سألتم بسم الله ، واحمدوا عليه ربكم يمدكم منه ويزدكم ، فإنه بديع قادر شاكر .
فقال يا روح الله وكلمته إنا نحب أن ترينا آية في هذه الآية . فقال عيسى : سبحان الله . . ! أما اكتفيتم بما رأيتم من هذه الآية حتى تسألوا فيها آية أخرى! ثم أقبل عيسى على السمكة فقال : يا سمكة عودي بإذن الله حية كما كنت ، فأحياها الله بقدرته فاضطربت وعادت بإذن الله حية طرية تلمظ كما يتلمظ الأسد ، تدور عيناها لها بصيص ، وعادت عليها بواسيرها ، ففزع القوم منها وانحاسوا ، فلما رأى عيسى ذلك منهم قال : ما لكم تسألون الآية فإذا أراكموها ربكم كرهتموها ، ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بما تصنعون! يا سمكة عودي بإذن الله كما كنت ، فعادت بإذن الله مشوية كما كانت في خلقها الأول .
فقالوا لعيسى : كن أنت يا روح الله الذي تبدأ بالأكل منها ثم نحن بعد . فقال : معاذ الله من ذلك ، يبدأ بالأكل كل من طلبها . فلما رأى الحواريون وأصحابهم امتناع نبيهم منها خافوا أن يكون نزولها سخطة وفي أكلها مثلة فتحاموها ، فلما رأى ذلك عيسى دعا لها الفقراء والزمنى وقال : كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم ، واحمدوا الله الذي أنزلها لكم ، يكون مهناها لكم وعقوبتها على غيركم ، وافتتحوا أكلكم بسم الله واختتموه بحمد الله ففعلوا ، فأكل منها ألف وثلثمائة إنسان بين رجل وامرأة ، يصدرون عنها كل واحد منهم شبعان يتجشأ .
ونظر عيسى والحواريون فإذا ما عليها كهيئة إذ نزلت من السماء لم ينتقص منه شيء ، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون فاستغنى كل فقير أكل منها ، وبريء كل زمن منهم أكل منها ، فلم يزالوا أغنياء صحاحاً حتى خرجوا من الدنيا ، وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة سألت منها أشفارهم ، وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات . قال : فكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبلت بنو إسرائيل إليها من كل مكان يسعون يزاحم بعضهم بعضاً ، الأغنياء والفقراء والنساء والصغار والكبار والأصحاء والمرضى يركب بعضهم بعضاً ، فلما رأى عيسى ذلك جعلها نوباً بينهم ، فكانت تنزل يوماً ولا تنزل يوماً ، فلبثوا في ذلك أربعين يوماً تنزل عليهم غباً عند ارتفاع الضحى ، فلا تزال موضوعة يؤكل منها ، حتى إذا قالوا ارتفعت عنهم بإذن الله إلى جو السماء وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى توارى عنهم .(4/21)
فأوحى الله إلى عيسى أن اجعل رزقي في المائدة لليتامى والفقراء والزمنى دون الأغنياء من الناس ، فلما فعل الله ذلك ارتاب بها الأغنياء وغمصوا ذلك ، حتى شكوا فيها في أنفسهم وشككوا فيها الناس ، وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر ، وأدرك الشيطان منهم حاجته ، وقذف وساوسه في قلوب المرتابين ، حتى قالوا لعيسى : أخبرنا عن المائدة ونزولها من السماء حق فإنه ارتاب بها بشر منا كثير . قال عيسى : كذبتم وإله المسيح ، طلبتم المائدة إلى نبيكم أن يطلبها لكم إلى ربكم ، فلما أن فعل وأنزلها الله عليكم رحمة ورزقاً وأراكم فيها الآيات والعبر كذبتم بها وشككتم فيها ، فأبشروا بالعذاب فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله ، وأوحى الله إلى عيسى إني آخذ المكذبين بشرطي ، فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ، فلما أمسى المرتابون بها وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة من نسائهم آمنين ، فلما كان من آخر الليل مسخهم الله خنازير ، وأصبحوا يتتبعون الأقذار في الكناسات .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس . أنه كان يحدث عن عيسى ابن مريم أنه قال لبني إسرائيل : هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوماً؟ ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم ، فإن أجر العامل على من عمل له ، ففعلوا ثم قالوا : يا معلم الخير قلت لنا إن أجر العامل على من عمل له ، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوماً ففعلنا ، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوماً إلا أطعمنا ، { هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء } إلى قوله { أحداً من العالمين } فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة حتى وضعتها بين أيديهم ، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم .
وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمار بن ياسر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً ، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد ، فخانوا وادخروا ورفعوا لغد ، فمسخوا قردة وخنازير » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من وجه آخر عن عمار بن ياسر موقوفاً مثله . قال الترمذي : والوقف أصح .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمار بن ياسر قال : نزلت المائدة عليها ثمر من ثمر الجنة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : المائدة سمكة وأريغفة .
وأخرج سفيان بن عيينة عن عكرمة . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « لولا بنو إسرائيل ما خنز الخبز ولا أنتن اللحم ، ولكن خَبَّأوه لغد فأُنتن اللحم وخنز الخبز » .(4/22)