أحكام وآداب زيارة
مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم
للإمام ابن باز يرحمه الله
إعداد
بندر بن عتيق المطيري
دار المحمدي
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وبعد
فهذه رسالة مختصرة جليلة في أحكام وآداب زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم من كلام الإمام ابن باز رحمه الله جمع فيها الشيخ رحمه الله ما ينبغي أن يفعله وما ينبغي أن يحذر منه في الزيارة في كلام سهل ميسر يدل على إمامة هذا العالم وقوة علمه ومدى حرصه وشفقته على المسلمين فقد كان رحمه الله معروفا بحبه للمسلمين وحرصه عليهم وبذل كل ما في وسعه من اجل هدايتهم إلى طريق السعادة والفلاح وهذه الرسالة موجودة ضمن كتاب منسك الإمام ابن باز طبعة دار المحمدي عام 1423هـ ولكن لان الزيارة مشروعة في كل وقت وليس لها تعلق بالحج رأيت أن افردها في رسالة مستقلة يسهل الرجوع إليها والاستفادة منها متى ما أراد المسلم الزيارة . وأحب أن أنبه القارئ الكريم بان جميع الأرقام وما بين الأقواس في الرسالة ليس من كلام الشيخ رحمه الله هذا واسأل الله سبحانه أن يوفقنا وسائر المسلمين إلى ما يحبه ويرضاه وصلى الله وسلم على نبينا محمد
وكتب
بندر بن عتيق المطيري
جدة 18/7/1424هـ
almotaire@naseej.com
ص.ب.45272
الرمز البريدي 21512
بسم الله الرحمن الرحيم
( أحكام الزيارة وآدابها )(1/1)
تسن زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" رواه مسلم . وعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا" أخرجه أحمد وابن خزيمة وابن حبان . وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه" أخرجه أحمد وابن ماجة . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة .
( تنبيه )
" الزيارة للمسجد النبوي سنة وليست واجبة وليس لها تعلق بالحج بل السنة أن يزار المسجد النبوي في جميع السنة ولا يختص ذلك بوقت الحج لقول النبي صلى الله عليه وسلم "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى" متفق عليه.(1/2)
وإذا زار المسجد النبوي شرع له أن يصلي في الروضة ركعتين ثم يسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما يشرع زيارة البقيع والشهداء للسلام على المدفونين هناك من الصحابة وغيرهم والدعاء لهم والترحم عليهم كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزورهم وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين و إنّا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية" وفي رواية عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول إذا زار البقيع "يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد"
ويشرع أيضاً لمن زار المسجد النبوي أن يزور قباء ويصلي فيه ركعتين لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يزوره كل سبت ويصلي فيه ركعتين وقال عليه الصلاة والسلام "من تطهر في بيته فأحسن الطهور ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه كان كعمرة" هذه هي المواضع التي تزار في المدينة المنورة أما المساجد السبعة ومسجد القبلتين وغيرها من المواضع التي يذكر بعض المؤلفين في المناسك زيارتها فلا أصل لذلك ولا دليل عليه والمشروع للمؤمن دائماً هو الإتباع دون الابتداع والله ولي التوفيق " .
( ما يفعله الزائر إذا وصل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم )
إذا وصل الزائر إلى المسجد (فعل الآتي) :-
1) استحب له أن يقدم رجله اليمنى عند دخوله ويقول "بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم . اللهم افتح لي أبواب رحمتك" . كما يقول ذلك عند دخول سائر المساجد وليس لدخول مسجده صلى الله عليه وسلم ذكر مخصوص .
2) يصلي ركعتين فيدعو الله فيهما بما أحب من خيري الدنيا والآخرة وإن صلاهما في الروضة الشريفة فهو أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" .(1/3)
3) بعد الصلاة يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما . فيقف تجاه قبر النبي صلى الله عليه وسلم بأدب وخفض صوت ثم يسلم عليه ، عليه الصلاة والسلام قائلاً "السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته" لما في سنن أبي داود بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من أحد يسلم علي إلا رد الله على روحي حتى أرد عليه السلام" وإن قال الزائر في سلامه "السلام عليك يا نبي الله السلام عليك يا خيرة الله من خلقه السلام عليك يا سيد المرسلين وإمام المتقين أشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاده" فلا بأس بذلك . لأن ذلك كله من أوصافه صلى الله عليه وسلم . ويصلي عليه عليه الصلاة والسلام ويدعو له لما قد تقرر في الشريعة من شرعية الجمع بين الصلاة والسلام عليه عملاً بقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (56) سورة الأحزاب، ثم يسلم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ويدعو لهما ويترضى عنهما .
وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبيه لا يزيد غالباً على قوله : السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك يا أبا بكر ، السلام عليك يا أبتاه ، ثم ينصرف ، وهذه الزيارة إنما تشرع في حق الرجال خاصة أما النساء فليس لهن زيارة شئ من القبور كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه لعن زوّارات القبور من النساء والمتخذين عليها المساجد والسرج"
وأما قصد المدينة للصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم والدعاء فيه ونحو ذلك مما يشرع في سائر المساجد فهو مشروع في حق الجميع لما تقدم من الأحاديث في ذلك.(1/4)
4) يسن للزائر أن يصلي الصلوات الخمس في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وأن يكثر فيه من الذكر والدعاء و صلاة النافلة اغتناما لما في ذلك من الأجر الجزيل .
ويستحب أن يكثر من صلاة النافلة في الروضة الشريفة لما سبق من الحديث الصحيح في فضلها وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" .
أما صلاة الفريضة فينبغي للزائر وغيره أن يتقدم إليها ويحافظ على الصف الأول مهما استطاع وإن كان في الزيادة القبلية لما جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم من الحث والترغيب في الصف الأول مثل قوله صلى الله عليه وسلم "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا" متفق عليه . ومثل قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه "تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم ولا يزال الرجل يتأخر عن الصلاة حتى يؤخره الله" أخرجه مسلم . وأخرج أبو داود عن عائشة رضي الله عنها بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا يزال الرجل يتأخر عن الصف المقدم حتى يؤخره الله في النار"وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها ؟ قالوا : يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها ؟ قال يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف" رواه مسلم .
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وهي تعم مسجده صلى الله عليه وسلم وغيره قبل الزيادة وبعدها . وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحث أصحابه على ميامن الصفوف ومعلوم أن يمين الصف في مسجده الأول خارج الروضة فعلم بذلك أن العناية بالصفوف الأول و ميامن الصفوف مقدمة على العناية بالروضة الشريفة وأن المحافظة عليهما أولى من المحافظة على الصلاة في الروضة وهذا بين واضح لمن تأمل الأحاديث الواردة في هذا الباب والله الموفق .(1/5)
5) يستحب لزائر المدينة أن يزور مسجد قباء ويصلي فيه لما في الصحيحين من حديث ابن عمر قال "كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور مسجد قباء راكباً وماشياً ويصلي فيه ركعتين" . وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة" رواه أحمد والنسائي وابن ماجة.
6) يسن (لزائر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم) زيارة قبور البقيع وقبور الشهداء وقبر حمزة رضي الله عنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزورهم ويدعو لهم ولقوله صلى الله عليه وسلم "زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة" أخرجه مسلم . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية" أخرجه مسلم من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه .
وأخرج الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال "السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر" .
ومن هذه الأحاديث يُعلم أن الزيارة الشرعية للقبور يُقصد منها تذكر الآخرة والإحسان إلى الموتى والدعاء لهم والترحم عليهم .
فأما زيارتهم لقصد الدعاء عند قبورهم أو العكوف عندها أو سؤالهم قضاء الحاجات أو شفاء المرضى أو سؤال الله بهم أو بجاههم ونحو ذلك فهذه زيارة بدعية منكرة لم يشرعها الله ولا رسوله ولا فعلها السلف الصالح رضي الله عنهم بل هي من الهُجْر الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال "زوروا القبور ولا تقولوا هُجْراً " .
وهذه الأمور المذكورة تجتمع في كونها بدعة ولكنها مختلفة المراتب فبعضها بدعة وليس بشرك كدعاء الله سبحانه عند القبور وسؤاله بحق الميت وجاهه ونحو ذلك وبعضها من الشرك الأكبر كدعاء الموتى والاستعانة بهم ونحو ذلك .(1/6)
( تنبيهات وتحذيرات لزائر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم )
1) لا يجوز لأحد أن يتمسح بالحجرة أو يقبلها أو يطوف بها لأن ذلك لم ينقل عن السلف الصالح بل هو بدعة منكرة .
2) لا يجوز لأحد أن يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم قضاء حاجة أو تفريج كربة أو شفاء مريض أو نحو ذلك . لأن ذلك كله لا يطلب إلا من الله سبحانه وطلبه من الأموات شرك بالله وعبادة لغيره ودين الإسلام مبني على أصلين : أحدهما أن لا يعبد إلا الله وحده ، والثاني أن لا يعبد إلا بما شرعه الله و الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .
3) لا يجوز لأحد أن يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم الشفاعة لأنها ملك الله سبحانه فلا تطلب إلا منه ، كما قال تعالى{قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (44) سورة الزمر ، فتقول "اللهم شَفِّعْ فيَّ نَبيَّك ، اللهم شَفِّعْ فيَّ ملائكتك وعبادك المؤمنين ، اللهم شَفِّعْ فيَّ أفراطي" ونحو ذلك . وأما الأموات فلا يطلب منهم شئ لا الشفاعة ولا غيرها سواء كانوا أنبياءً أو غير أنبياء . لأن ذلك لم يشرع ولأن الميت قد انقطع عمله إلا مما استثناه الشارع .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" .(1/7)
وإنما جاز طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ويوم القيامة لقدرته على ذلك فإنه يستطيع أن يتقدم فيسأل ربه للطالب أما في الدنيا فمعلوم وليس ذلك خاصا به بل هو عام له ولغيره . فيجوز للمسلم أن يقول لأخيه اشفع لي إلى ربي في كذا وكذا ، بمعنى أدع الله لي ويجوز للمقول له ذلك أن يسأل الله ويشفع لأخيه إذا كان ذلك المطلوب مما أباح الله طلبه ، وأما يوم القيامة فليس لأحد أن يشفع إلا بعد إذن الله سبحانه كما قال الله تعالى{ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ُ} (255) سورة البقرة ، وأما حالة الموت فهي حالة خاصة لا يجوز إلحاقها بحال الإنسان قبل الموت ولا بحاله بعد البعث والنشور لانقطاع عمل الميت وارتهانه بكسبه إلا ما استثناه الشارع وليس طلب الشفاعة من الأموات مما استثناه الشارع فلا يجوز إلحاقه بذلك ، ولاشك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته حي حياة برزخية أكمل من حياة الشهداء ولكنها ليست من جنس حياته قبل الموت ولا من جنس حياته يوم القيامة بل حياة لا يعلم حقيقتها وكيفيتها إلا الله سبحانه ولهذا تقدم في الحديث الشريف قوله عليه الصلاة والسلام "ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام " .
فدل ذلك على أنه ميت وعلى أن روحه قد فارقت جسده لكنها ترد عليه عند السلام . والنصوص الدالة على موته صلى الله عليه وسلم من القرآن والسنة معلومة وهو أمر متفق عليه بين أهل العلم ولكن ذلك لا يمنع حياته البرزخية كما أن موت الشهداء لم يمنع حياتهم البرزخية المذكورة في قول الله تعالى{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} (169) سورة آل عمران .(1/8)
وإنما بسطنا الكلام في هذه المسألة لدعاء الحاجة إليه بسبب كثرة من يُشَبِّهُ في هذا الباب ويدعو إلى الشرك وعبادة الأموات من دون الله فنسأل الله لنا ولجميع المسلمين السلامة من كل ما يخالف شرعه . والله أعلم
4) ما يفعله بعض الزوار من رفع الصوت عند قبره صلى الله عليه وسلم وطول القيام هناك فهو خلاف المشروع ، لأن الله سبحانه نهى الأمة عن رفع أصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم وعن الجهر له بالقول كجهر بعضهم لبعض وحثهم على غض الصوت عنده في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ، إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} (2-3) سورة الحجرات .
ولأن طول القيام عند قبره صلى الله عليه وسلم والإكثار من تكرار السلام يفضي إلى الزحام وكثرة الضجيج وارتفاع الأصوات عند قبره صلى الله عليه وسلم وذلك يخالف ما شرعه الله للمسلمين في هذه الآيات المحكمات ، وهو صلى الله عليه وسلم محترم حياً وميتاً فلا ينبغي للمؤمن أن يفعل عند قبره ما يخالف الأدب الشرعي .(1/9)
5) ما يفعله بعض الزوار وغيرهم من تحري الدعاء عند قبره مستقبلاً للقبر رافعاً يديه يدعو فهذا كله خلاف ما عليه السلف الصالح من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان . بل هو من البدع المحدثات وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد حسن . وقال صلى الله عليه وسلم "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منا فهو رد" أخرجه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" .
ورأى علي بن الحسين "زين العابدين" رضي الله عنهما رجلاً يدعو عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه عن ذلك وقال ألا أحدثك حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم" أخرجه الحافظ محمد بن عبد الواحد المقدسي في كتابه الأحاديث المختارة.
6) ما يفعله بعض الزوار عند السلام عليه صلى الله عليه وسلم من وضع يمينه على شماله فوق صدره أو تحته كهيئة المصلي فهذه الهيئة لا تجوز عند السلام عليه صلى الله عليه وسلم ولا عند السلام على غيره من الملوك والزعماء وغيرهم . لأنها هيئة ذل وخضوع وعبادة لا تصلح إلا لله كما حكى ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح عن العلماء . والأمر في ذلك جلي واضح لمن تأمل المقام وكان هدفه اتباع هدي السلف الصالح .
وأما من غلب عليه التعصب والهوى والتقليد الأعمى وسوء الظن بالدعاة إلى هدي السلف الصالح فأمره إلى الله ونسأل الله لنا وله الهداية والتوفيق لإيثار الحق على ما سواه إنه سبحانه خير مسؤول.(1/10)
7) ما يفعله بعض الناس من استقبال القبر الشريف من بعيد وتحريك شفتيه بالسلام أو الدعاء فكل هذا من جنس ما قبله من المحدثات ، ولا ينبغي للمسلم أن يحدث في دينه ما لم يأذن به الله . وهو بهذا العمل أقرب إلى الجفاء منه إلى الموالاة والصفاء وقد أنكر الإمام مالك رحمه الله هذا العمل وأشباهه وقال "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها" . ومعلوم أن الذي أصلح أول هذه الأمة هو السير على منهاج النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وصحابته المرضيين وأتباعهم بإحسان ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا تمسكهم بذلك وسيرهم عليه .
وفق الله المسلمين لما فيه نجاتهم وسعادتهم وعزهم في الدنيا والآخرة إنه جواد كريم .
8) ليست زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم واجبة ولا شرطاً في الحج كما يظنه بعض العامة وأشباههم ، بل هي مستحبة في حق من زار مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أو كان قريباً منه .
أما البعيد عن المدينة فليس له شد الرحل لقصد زيارة القبر ولكن يسن له شد الرحل لقصد المسجد الشريف . فإذا وصله زار القبر الشريف وقبر الصاحبين ودخلت الزيارة لقبره عليه السلام وقبري صاحبيه تبعاً لزيارة مسجده صلى الله عليه وسلم وذلك لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى" .
ولو كان شد الرحال لقصد قبره عليه السلام أو قبر غيره مشروعاً لدل الأمة عليه وأرشدهم إلى فضله لأنه أنصح الناس وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية وقد بلغ البلاغ المبين ودل أمته على كل خير وحذرهم من كل شر . كيف وقد حذر من شد الرحل لغير المساجد الثلاثة وقال "لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" .(1/11)
والقول بشرعية شد الرحال لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم يفضي إلى اتخاذه عيداً ووقوع المحذور الذي خافه النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو والإطراء كما قد وقع الكثير من الناس في ذلك بسبب اعتقادهم شرعية شد الرحال لزيارة قبره عليه الصلاة والسلام .
وأما ما يروى في هذا الباب من الأحاديث التي يحتج بها من قال بشرعية شد الرحال إلى قبره عليه الصلاة والسلام فهي أحاديث ضعيفة الأسانيد بل موضوعة كما قد نبه على ضعفها الحفاظ ، كالدار قطني ، والبيهقي ، والحافظ ابن حجر ، وغيرهم فلا يجوز أن يعارض بها الأحاديث الصحيحة الدالة على تحريم شد الرحال لغير المساجد الثلاثة .
( أحاديث موضوعة في الزيارة يجب الحذر منها )
وإليك أيها القارئ شيئاً من الأحاديث الموضوعة في هذا الباب لتعرفها وتحذر الاغترار بها .
الأول : "من حج ولم يزرني فقد جفاني" .
الثاني : "من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي" .
الثالث : "من زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد ضمنت له على الله الجنة" .
الرابع : "من زار قبري وجبت له شفاعتي" .
فهذه الأحاديث وأشباهها لم يثبت منها شئ عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" بعد ما ذكر أكثر الروايات . طرق هذا الحديث كلها ضعيفة .
وقال الحافظ العقيلي : لا يصح في هذا الباب شئ .
وجزم شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله أن هذه الأحاديث كلها موضوعة وحسبك به علماً وحفظاً وإطلاعاً .
ولو كان شئ منها ثابتاً لكان الصحابة رضي الله عنهم أسبق الناس إلى العمل به وبيان ذلك للأمة ودعوتهم إليه لأنهم خير الناس بعد الأنبياء وأعلمهم بحدود الله وبما شرعه لعباده وأنصحهم لله ولخلقه . فلما لم ينقل عنهم شئ من ذلك دل ذلك على أنه غير مشروع ولو صح منها شئ لوجب حمل ذلك على الزيارة الشرعية التي ليس فيها شد الرحال لقصد القبر وحده جمعاً بين الأحاديث والله سبحانه وتعالى أعلم .(1/12)