-----
ألا ترى أن بعد ما أقام الشفيع البينة بألف لا يحلف المشتري، وإن لم يكن للمشتري بينة، ولا يلزم بهذه البينة الشفيع زيادة ألف؛ لأن للشفيع أن يترك الأحد بألفي درهم، وإن لم يكن بينة المشتري مقبولة على البيع بألفين، كان البيع بألفين ثابتاً بإقرار المشتري، فلا ينفسخ بالبيع بألف، فيحمل كلاماً ثابتاً في حق الشفيع بخلاف ما إذا وقع بين البائع والمشتري؛ لأن هناك العقد بألفين ثابت ببينة البائع؛ لأن بينة البائع على العقد بألفين مقبولة؛ لأنه بهذه البينة يلزم المشتري الألف الزائدة، وبخلاف ما إذا اختلفوا جميعاً؛ لأن بينة البائع على الزيادة مقبولة؛ لأنها توجب الزيادة على المشتري فكان البيع بالزيادة ثابتاً بالبينة، فينفسخ البيع بما دونه في حق العاقد والشفيع.
وأما الوكيل مع الموكل، إذا اختلفا فقد روى ابن سماعة عن محمد: أن البينة بينة الموكل، وفي ظاهر الرواية البينة بينة البائع الوكيل؛ لأن الوكيل مع الموكل ينزل منزلة البائع مع المشتري وقد ذكرنا العذر.
ثمة الطريق الثاني: أن بينة الشفيع ملزمة المشتري تسليم المشتري شاء أو أبى، وبينة المشتري، غير ملزمة بل هو مخير بين الأخذ والترك، والبينات في الأصل شرعت للإلزام، فما كانت ملزمة كانت أولى بالقبول، بخلاف البائع مع المشتري، كان هناك بينة كل واحد منهما ملزمة، وبخلاف الوكيل مع الموكل؛ لأن بينة كل واحد منهما ملزمة فاستويا من هذا الوجه، فصرنا إلى الترجيح بالزيادة.
وإذا اختلف البائع والمشتري والشفيع في الثمن قبل نقد الثمن، فهذا على الوجهين:(7/551)
-----
الأول: أن تكون الدار في يد البائع وفي هذا الوجه ينظر إن كان ما قاله البائع أقل مما قالا: فالقول قول البائع، ويأخذ الشفيع ذلك من غير يمين على واحد، وإن كان ما قاله البائع أكثر مما قالا، فالبائع مع المشتري يتحالفان، فبعد ذلك إن نكل البائع فالشفيع يأخذ بألفين؛ لأن النكول بمنزلة الإقرار، فكأن البائع أقر بالبيع بألفين بعد ما ادعى البيع بثلاثة آلاف، وإن نكل المشتري لزمه ثلاثة آلاف درهم، والشفيع يأخذ بالثلاث آلاف إن شاء، وليس له أن يأخذه بألف درهم، وإن أقر المشتري أن الشراء كان بألفي درهم؛ لأن النكول من المشتري في حق الشفيع بمنزلة البينة، كما أن النكول من الوكيل بالبيع إذا أراد المشتري أن يرد عليه بالعيب بمنزلة البينة، وسيأتي ذلك بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ولو ثبت بالبينتان البيع كان بثلاثة آلاف بعد ما أقر المشتري بالشراء بألفي درهم، أخذ الشفيع الدار بثلاثة آلاف درهم، وليس له أن يأخذه بألفي درهم بإقرار المشتري؛ لأنه صار مكذباً في إقراره كذا هاهنا، وإن حلفا وطلبا الفسخ من القاضي أو طلب الثاني، إذا كانت الدار في يد المشتري.
والجواب فيه نظير الجواب، فيما إذا كانت الدار في يد البائع، وإذا كانت الدار في يد المشتري فقال البائع: بعتها إياه بألف درهم واستوفيت الثمن، وقال المشتري: اشتريتها بألفين، فالقول قول البائع، ويأخذ الشفيع بألف درهم وبمثله لو قال: بعتها منه واستوفيت الثمن وهو ألف درهم، وقال المشتري: اشتريتها بألفين أخذها بألفين.(7/552)
-----
والفرق: أنه إذا بدأ بالإقرار بالاستيفاء لا يصح منه بيان مقدار الثمن بعد ذلك؛ لأنه لم يبق بعد استيفاء الثمن وتسليم الدار إلى المشتري ذو خط من هذا العقد، بل صار كالأجنبي، ولو أن أجنبياً بين مقدار الثمن لا يصح بيانه كذا هاهنا، وإذا بدأ ببيان مقدار الثمن لا يصح منه الإقرار باستيفاء بعد ذلك؛ لأن قبل الإقرار بالاستيفاء ثبت للشفيع حق الأخذ بذلك المقدار، وبالإقرار بالاستيفاء يبطل ذلك الحق على الشفيع؛ لأن بالإقرار بالاستيفاء تبين أن مقدار الثمن منه لم يصح؛ لأنه لم يبق ذو خط من هذا العقد، فلم يصح الإقرار بالاستيفاء صيانة لحق الشفيع، وإذا لم يصح الإقرار بالاستيفاء، بقي بيان مقدار الثمن صحيحاً؛ لأنه بين مقدار الثمن، وهو ذو خط في هذا العقد؛ لأن له الاستيفاء بحكم هذا العقد.
قال القدوري: وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن المبيع إذا كان في يد البائع فأقر بقبض الثمن وزعم أنه ألف، فالقول قوله؛ لأن التملك يقع على البائع، فيرجع إلى قوله.
في «المنتقى»: ابن سماعة عن محمد رحمه الله: رجل اشترى من رجل داراً، ولها شفيعان، فأتاه أحدهما بطلت شفعته، فقال المشتري: أني اشتريتها بألف، وصدقه الشفيع في ذلك، وأخذها بألف، ثم إن الشفيع الثاني جاء وأقام بينته، أن المشتري اشترى بخمسمائة، فالشفيع الثاني يأخذ من الشفيع الأول نصفها، ويدفع إليه مائة درهم وخمسين، ويرجع الشفيع الأول على المشتري بمائة وخمسين، ويبقى في يد الشفيع الأول نصف الدار بخمسمائة؛ لأنه صدق المشتري على ما أخذها به.(7/553)
-----
وفيه أيضاً: رجل اشترى من رجل داراً وقبضها، فجاء الشفيع بطلت الشفعة، فقال المشتري: اشتريتها بألفين وقال الشفيع: (173ب3) لا بل اشتريت بألف، ولم يكن للشفيع بينة وحلف المشتري على ما ذكر، وأخذه الشفيع بألفي درهم، ثم قدم شفيع أخر وأقام بينة على الشفيع الأول، أن البائع باع هذه الدار من فلان بألف، فإنه يأخذ نصف الدار بخمسمائة، ويرجع الشفيع الأول على المشتري بخمسمائة، حصة النصف الذي أخذه الثاني ويقال للشفيع الأول: إن شئت أعد البينة على المشتري من قبل النصف الذي في يدك، وإلا فلا شيء لك؛ لأن الشفيع الثاني إنما يستحق ببينته نصف الدار، هكذا ذكر في «الكتاب».
ومعنى المسألة: أن الشفيع الأول لو قال للمشتري: أن الشفيع الثاني أثبت البينة أن الشراء كان بألف فيكون بمقابلة النصف الذي في يدي خمسمائة، فلي أن أرجع عليك بخمسمائة، ليس له ذلك إلا إذا أعاد البينة أن الشراء كان بألف، لما أشار إليه في «الكتاب»: أن الشفيع الثاني إنما استحق ببينته نصف الدار.
ومعناه: أن بينة الشفيع الثاني لما عمل في نصف الدار ثبت الشراء بألف في حق ذلك النصف الذي استحقه الشفيع الثاني، لا في حق النصف الذي في يد الشفيع الأول فيحتاج الشفيع الأول، إلى إعادة البينة، لثبت الشراء بالألف في النصف الذي في يديه، فيستحق الرجوع على المشتري بالخمسمائة الزائدة.
في القدوري: اتفق البائع والمشتري أن البيع كان يشترط الخيار للبائع، وأنكر الشفيع فالقول قولهما، في قول أبي حنيفة ومحمد، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمهم الله: ولا شفعة للشفيع؛ لأن البيع ثبت بإقرارهما، وإنما ثبت على الوجه الذي أقربه، وفي إحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمه الله: القول قول الشفيع؛ لأن الأصل في البيع البات، فكان الشفيع متمسكاً بالأصل.(7/554)
-----
وفي «الجامع»: إذا ادعى البائع الخيار وأنكر المشتري والشفيع، فالقول قول المشتري استحساناً؛ لأن الخيار لا يثبت إلا بالشرط والمشتري ينكر، وذكر في «النوادر»: أن القول قول البائع وهو الصحيح، وكذا لو ادعى المشتري الخيار، وأنكر البائع والشفيع ذلك، فالقول قول البائع: ويأخذها الشفيع.
لما قلنا في «فتاوى الفضلي»: رجلان تبايعا، وطلب الشفعة يحضر بهما فقال البائع: سنتابع معاملة، وصدقه المشتري على ذلك، لا يصدقان على الشفيع؛ لأنهما أقرا بالأصل البيع فيكون القول قول من يدعي الجوار، إلا إذا كان الحال يدل عليه، بأن كان المنزل كثير القيمة وقد بيع بثمن لا يباع مثله بمثله، فحينئذ يكون القول قولهما ولا شفعة للشفيع.
ألا ترى أن في الوجه الأول: لو اختلف البائع والمشتري في هذه الصورة فقال البائع: بعت معاملة، وقال المشتري: اشتريت لا معاملة، كان القول قول المشتري، وفي الوجه الثاني: لو اختلفا كان القول قول البائع في «المنتقى».
باع داراً من رجل ثم إن المشتري والبائع تصادقا أن البيع كان فاسداً، وقال الشفيع: كان جائزاً فالقول قول الشفيع، ولا أصدقهما على فساد البيع في حق الشفيع بشيء لو ادعى أحدهما، وأنكر الأخر جعلت القول فيه قول الذي يدعي الصحة، وإذا زعما أن البيع كان فاسداً، جعلت القول فيه قول من يدعي الفساد، فإني أصدقهما، ولا أجعل للشفيع شفعة، يريد بهذا أن البائع مع المشتري إذا اتفقا على فساد البيع بسبب، لو اختلف البائع والمشتري فيما بينهما في فساد العقد بذلك السبب، فالقول قول من يدعي الجوار.
نحو أن يدعي أحدهما فاسداً، فإذا اتفقا على الفساد بذلك السبب لا يصدقان في حق الشفيع، وإذا اتفقا على فساد البيع بسبب لو اختلفا فيما بينهما في فساد البيع بذلك السبب كان القول. قول من يدعي الفساد، فإذا اتفقا على الفساد بذلك السبب يصدقان في حق الشفيع.(7/555)
-----
وبين ذلك في «المنتقى»: فقال: لو قال المشترى للبائع: بعتها بألف درهم ورطل من خمر فقال البائع: صدقت، لم أصدقهما على الشفيع، ولو قال: بعت فيها بخمر وصدقه البائع، فلا شفعة للشفيع، هذا هو لفظ «المنتقى».
وجعل القدوري في كتابه المذكور في «المنتقى»قول أبي يوسف في إحدى الروايتين عنه، قال القدوري: لأن أبا يوسف على هذه الرواية يعتبر هذا الاختلاف بالاختلاف من المتعاقدين، ولو اختلف المتعاقدان فيما بينهما فقال المشتري: بعت منها بألف درهم ورطل من خمر، وقال البائع: لا بل بعتها بألف درهم، فالقول قول البائع.
ولو قال المشتري: بعت منها بخمر وخنزير، وقال البائع: بعتها بألف درهم، فالقول قول البائع؛ لأن البيع بخمر لا جواز له بحال، وإنما يجعل القول قول من يدعي الجواز في عقد له جواز بحال، بخلاف البيع بأجل فاسد، أو بألف ورطل من الخمر، فأما على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: إذا اتفقا على الفساد وكذبهما الشفيع فلا شفعة للشفيع على كل حال، كما لو اتفقا على البيع بشرط الخيار للبائع، وكذبهما الشفيع فيه.
في «فتاوى الفضلي»: رجل اشترى من رجل ضيعة عشرها بثمن كثير وتسعة أعشارها بثمن قليل، فللشفيع الشفعة في البيع الأول، ولا شفعة له في البيع الثاني، وهو من جملة الحيل، وسيأتي ذلك في فصل الحيل لأبطال الشفعة إن شاء الله تعالى.
فإن أراد الشفيع أن يحلف المشتري بالله ما أراد به إبطال شفعة لا يحلف؛ لأنه ادعى عليه معنى لو أقر به لا يلزمه، ولو ادعى الشفيع أن البيع الأول كان تلجئة، وأراد أن يحلف المشتري بالله، أن البيع الأول ما كان تلجئة، فله ذلك؛ لأنه يدعي عليه معنى لو أقر به يلزمه، وهو تأويل ما ذكر في كتاب الشفعة إذا أراد الاستحلاف، إنه لم يرد به إبطال الشفعة، إن له ذلك إذا ادعى أن البيع كان بيع تلجئة.(7/556)
-----
وقد ذكرنا في الفصل المتقدم: أن المشتري إذا كان واقفاً مع ابنه فسلم الشفيع على المشتري لا تبطل شفعته، فلو سلم الشفيع على المشتري لا تبطل شفعته، فلو سلم على أحدهما بأن قال: السلام عليك ولا يدري على من سلم، سئل الشفيع إنه سلم على الأب أو على الابن، فإن قال: على الأب، لا تبطل شفعته، وإن اختلفا فقال المشتري: سلمت على ابني وقد بطلت شفعتك، وقال الشفيع: سلمت عليك، فالقول قول الشفيع؛ لأن حاصل اختلافهما في بطلان حق الشفيع، فالمشتري يدعي عليه بطلان حقه وهو ينكر.
في «المنتقى»: اشترى داراً لابنه (174أ3) الصغير وقبضها، ثم اختلف المشتري والشفيع في الثمن، قال: لا يحلف المشتري.
وفي الدعوى من «الفتاوى»: جاء الشفيع يخاصم المشتري فأنكر الشراء، وأقر أن الدار لابنه الصغير ولا بينة للشفيع على شرائه، قال: لا يمين على المشتري؛ لأنه قد لزمه الإقرار لابنه، فلا يجوز الإقرار لغيره.
في «الأجناس»: إذا قال المشتري: اشتريت هذه الدار لابني الصغير، وأنكر شفعة الشفيع فلا يمين على المشتري إن كان الشفيع أقر أن له ابن صغير.
وفي «الواقعات»: إذا قال الشفيع: إنما قال المشتري ذلك ليدفع اليمين عن نفسه فحلفه أنها القاضي أنه ما اشتراها لنفسه فلا يمين عليه، وأنكر الشفيع أن له ابن، يحلف المشتري بالله ما يعلم أنه له ابن صغير، وإن كان الابن كبيراً وقد سلم الدار إليه، دفع عن نفسه الخصومة، وقبل تسليم الدار هو خصم للشفيع، ذكرها في «الأجناس».(7/557)
-----
وفي «الأصل»: إذا اشترى داراً وقبضها وهدم بناؤها أو أحرقه أو فعل ذلك رجل أجنبي حتى سقط عن الشفيع حصة البناء من الثمن، يقيم الثمن على قيمة الأرض أو على قيمة البناء مبنياً يوم اشتراها، فما أصاب الأرض أخذها بذلك، فإن اختلفا في قيمة البناء، فقال: المشتري كان قيمة البناء ألف درهم، وقيمة العرض ألف درهم فسقط نصف الثمن، وقال الشفيع: كان قيمة البناء ألفي درهم، فسقط ثلثا الثمن، فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأنه حاصل اختلافهما في ثمن العرصة فالمشتري يقول: اشتريت العرصة بنصف الثمن، والشفيع يقول: اشتريت بثلثي الثمن، فيكون القول قول المشتري مع يمينه.
كما لو اختلفا في مقدار الثمن لا في قيمة البناء كان القول قول المشتري مع يمينه على ما مر كذا هاهنا، وأيهما تفرد بإقامة البينة قبلت بينته، وإن أقام البينة فالبينة بينة المشتري في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
فأبو يوسف مر على أصله، ومحمد فرق فقال: إذا اختلفا في قدر قيمة البناء، وإقامة البينة، فالبينة بينة المشتري، وقال: إذا اختلفا في مقدار الثمن، وأقاما البينة، فالبينة بينة المشتري، وقال: إذا اختلفا في مقدار الثمن وأقاما البينة فالبينة بينته الشفيع، واضطربا في قول أبي حنيفة رحمه الله.
قال أبو يوسف قياس قول أبي حنيفة: إن البينة بينة الشفيع كما لو اختلفا في مقدار الثمن وأقاما البينة، وقال محمد رحمه الله: قياس قوله: أن البينة بينة المشتري، بخلاف ما لو اختلفا في مقدار الثمن، وأقاما البينة في الأصل.
إذا اشترى الرجل داراً من امرأة فلم يجد من يعرفها لا من له الشفعة، فإن شهادتهم لا تجوز عليها إذا أنكرت الشراء، وكذلك إذا كان البائع رجلاً وجحد البيع بعد ذلك وشهد الشفيعان عليه بالبيع، لا تقبل شهادتهما.(7/558)
-----
وهذا إذا كانا يطلبا الشفعة؛ لأنه إذا كان كذلك كانا جارين إلى نفسهما مغنماً بهذه الشهادة، وهو حق الشفعة؛ ولأنهما إذا طلبا الشفعة فقد صارا خصماً؛ لأنهما أظهرا الخصومة بطلبهما الشفعة، وشهادة الخصم لا يقبل، فأما إذا سلما الشفعة ثم شهدا بالبيع قبلت شهادتهما هكذا ذكر في «الكتاب»، ولم يفصل قال مشايخنا رحمهم الله: ويجب أن يكون الجواب فيه التفصيل.
إن سلما الشفعة قبل أن يطلبا، ثم شهدا تقبل شهادتهما؛ لأنهما جران إلى نفسهما مغنماً بهذه الشهادة، ولم يصيرا خصماً في هذا الحادث، وإن سلما الشفعة بعد ما طلبها لا يقبل شهادتهما؛ لأنهما صارا خصماً فيما شهدا؛ لأنهما أظهرا الخصومة حين طلب الشفعة، ومن صار خصماً في حادثة لا تقبل شهادته في تلك الحادثة، وإن لم يبق خصماً فيها كالوصي إذا شهد لليتيم بعد ما عزل، فإنه لا يقبل شهادته، وإن لم يكن خصماً فيما شهد وقت الشهادة؛ لأنه كان خصماً فيه قبل ذلك، فإن قيل قبل الطلب: إن لم يصيرا خصمين حقيقية لعدم الخصومة فهما حقيقة، فقد صار الخصمين حكماً فوجوب حق الشفعة لهما بنفس البيع؛ وهذا لأن الإنسان كما يصير خصماً بوجود الخصومة منه حقيقة يصير خصماً بوجوب الحق له، من غير أن يوجد منه الخصومة كما في الوصي.
فإنه إذا شهد للصغير بمال قبل أن يخاصم في ذلك، فإنه لا يقبل شهادته، وإنما لم يقبل لصيرورته خصماً.
والجواب هذا هكذا إذا كان الحق الذي وجب حقاً لازماً، كما في الوصي، فإن الحق ثابت له فيما شهد بنفس الوصاية، بحيث لا يمكنه دفعه، فأما حق الشفيع ليس بلازم، فإنه مخير بين الأخذ والترك فلا يكفي هذا الحق لصيرورته خصماً، بل يشترط إظهار الخصومة، هذا إذا كان البائع يدعي الشراء والمشتري ينكر.
وإن كان المشتري يدعي الشراء، والبائع ينكر، فشهد الشفيعان بالبيع على المشتري لا تقبل شهادتهما أيضاً، إذا كانا يطلبان الشفعة.(7/559)
-----
وفي المسألة نوع أشكال؛ لأن حق الشفعة هاهنا ليس تثبت بشهادتهما، إنما يثبت بإقرار البائع، والجواب: أنهما إن كانا لا يثبتان حق الشفعة؛ لأنفسهما، يثبتان؛ لأنفسهما حق الأخذ من المشتري وإلزام المشتري العهدة متى أخذا منه، غير أن في هذه الصورة لهما أن يأخذا الدار بالشفعة بإقرار البائع بالبيع بخلاف الفصل الأول.
وإن شهد أبناء البائع على الشفيع بتسليم الشفعة فهذا على وجهين:
الأول: أن تكون الدار في يد البائع، وفي هذا الوجه وإن كان البائع يدعي تسليم الشفعة لا يقبل شهادتهما، وإن كان يجحد، تقبل شهادتهما؛ لأن هذه الشهادة على أمر للأب فيه منفعة من وجه، بأن كان المشتري أملاء من الشفيع، ومضر من وجه بأن كان الشفيع أملاء من المشتري وترجح جانب النفع بالدعوى، وجانب الضرر بالجحود.
والوجه الثاني: أن تكون الدار في يد المشتري، وفي هذا الوجه يقبل شهادتهما؛ لأنهما بهذه الشهادة لا يُجران إلى أنهما مغنماً ولا يدفعان عنه مغرماً؛ لأنه خرج من البين، بتسليم الدار إلى المشتري فيقبل شهادتهما.
ثم فرق بين شهادة ابني البائع، وبين شهادة البائعين فقال: إذا شهد البائعان على الشفيع بتسليم الشفعة لا يقبل شهادتهما، وإن كانت الدار في يد المشتري.
وقال: إذا شهد ابنا البائع بذلك والدار في يد المشتري يقبل شهادتهما.(7/560)
-----
والفرق: أن شهادة البائعين إنما لم تقبل؛ لأنهما كانا خصمين في هذه الدار قبل التسليم إلى المشتري، ومن كان خصماً في شيء لا يقبل شهادته فيه، وإن لم يبق خصماً، أما أبناء ما كانا خصمين في هذه الدار حتى لا تقبل (174ب3) شهادتهما من هذا الوجه، لو لم يقبل، إنما يقبل إذا جرى إلى أيهما مغنماً أو دفعا عنها مغرماً، ولم يوجد هذا إذا شهد ابنا البائع على الشفيع بتسليم الشفعة، فأما إذا شهدا على المشتري بتسليم الدار إلى الشفيع، فإنه لا يقبل شهادتهما، سواء كانت الدار في يد الأب أو في يد المشتري؛ لأنهما يبعدان العهدة عن الأب هذه الشهادة، فإنه إذا ورد الاستحقاق على المشتري فالمشتري يرجع على البائع، وإذا ورد الاستحقاق على الشفيع فالشفيع يرجع على المشتري، يرجع على البائع وبتعيد العهدة منفعة، فكانت هذه الشهادة للأب، وسواء ادعى الأب ذلك أو لم يدع لا يقبل شهادتهما؛ لأن بتعيد العهدة منفعة محضة، وما كان منفعة محضة لا يشترط فيهما الدعوى.
وإذا وكل الرجل رجلاً بشراء دار أو بيعها، فاشترى أو باع وشهد ابنا الموكل على الشفيع بتسليم الشفعة، فإن كان التوكيل بالشراء لا تقبل شهادتهما، سواء كانت الدار في يد البائع، أو في يد الوكيل، أو في يد الموكل؛ لأنهما يشهدان لأبيهما بتقرر الملك، فإن حق الشفيع إذا سقط بتقرير الملك لأبيهما، وإن كان التوكيل بالبيع، فإن كانت الدار في يد الموكل أو في يد الوكيل لا يقبل شهادتهما؛ لأن فيه تقرير العهدة لأبيهما على المشتري؛ لأن حق الشفيع متى سقط تقررت العهدة على المشتري.
(7/561)
ومتى لم يسقط وأخذ الشفيع الدار من يد الموكل أو من يد الوكيل ينفسخ الشراء وتسقط العهدة عن المشتري، وربما يكون المشتري أصيلاً، فكان في هذه الشهادة منفعة للأب، وإن كانت الدار في يد المشتري يقبل شهادتهما؛ لأنه منفعة لأبيهما في هذه الشهادة؛ لأن العهدة متقررة على المشتري سقط حق الشفيع أو لم يسقط.(7/562)
-----
وإذا شهد شاهدان للبائع والمشتري أنه قد سلم شفعته وشهد آخران للشفيع أن البائع والمشتري سلما إليه قضيت بها للذي في يديه، أشار إلى أن بينة الذي في يديه الدار وهو البائع أو المشتري أولى.
وجعل هذه المسألة نظير مسألة الخارج معنى ذي اليد إذا أقاما البينة على النتاج؛ وهذا لأن الشهود شهدوا بالأمرين ولم يشهدوا بالترتيب، ويتصور وقوعهما من غير ترتيب، فيجعل كأنهما وقعا معاً، ولو وقعا معاً كان تسليم الشفعة سابقاً على تسليم الدار بالشفعة؛ لأن تسليم الشفعة وتسليم الدار تمليك والإسقاط أسرع نفاذاً من التمليك، فكان سابقاً معنى.
ألا ترى أنه لو شهد شاهدان على رجل أنه أعتق عبده وشهد آخران عليه أنه باعه كانت بينة العتق أولى؛ لأنه سابق معنى، كذا هاهنا أقر المشتري أنه اشترى هذه الدار بألف درهم وأخذها الشفيع بذلك ثم ادعى البائع أن الثمن ألفان، وأقام على ذلك بينة قبلت بينته وكان للمشتري أن يرجع على الشفيع بألف أخرى، وإن أقر أن الثمن ألف؛ لأنه صار مكذباً في إقراره لما وجب القضاء ببينة البائع.
وكذلك إذا ادعى البائع أنه باعها من هذا المشتري بعرض بعينه وأقام على ذلك بينة، فالقاضي يسمع بينته ويقضي له بذلك على المشتري ويسلم الدار للشفيع بقيمة ذلك العرض، فإن كان ما أخذ المشتري من الشفيع وذلك ألف أقل من قيمة العرض، وإن كان أكثر من قيمة العرض رجع الشفيع عليه بما زاد على قيمة العرض إلى تمام الألف.
وإن كان للدار شفيعان شهد شاهدان أن أحدهما قد سلم الدار ولا يدري من هو، فالقاضي لا يقبل شهادتهما وللشفيعين أن يأخذها بالشفعة؛ لأنه لم يثبت تسليم أحدهما بهذه الشهادة.
فإذا كفل رجلان المشتري الدار بالدرك، ثم شهد الكفيلان على المشتري أنه قد سلم الدار للشفيع لا يقبل شهادتهما؛ لأنهما يبعدان العهدة عن أنفسهما.
وإذا اشترى الرجل داراً بعرض حتى كان للشفيع أن يأخذ بقيمة العرض على ما يأتي بيانه في موضعه.(7/563)
-----
واختلفا في قيمة العرض يوم العقد، فإن كان العرض قائماً للحال ينظر إلى قيمته في الحال، ويجعل الحال حكماً على ما قبله؛ وهذا لأن قيمة ما سوى الحيوانات من العروض لا يتغير ساعة فساعة، فيمكن أن يجعل الحال حكماً على ما قبله، وإن كان العرض مستهلكاً، فالقول قول المشترى؛ لأن اختلافهما في مقدار قيمة العرض اختلاف في مقدار الثمن في الحاصل، وإن أقام أحدهما بينته قبلت بينته، وإن أقاما البينة فهذا وما لو اختلفا في قيمة البناء المحترق سواء.
وإذا تزوج امرأة على دار على أن ردت على الزوج ألف درهم، فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله: لا شفعة للشفيع في شيء من الدار.
وعلى قولهما: له الشفعة فيما ملك بيعاً ولا شفعة فيما ملك مهراً، وقد مر هذا في صدر الكتاب ثم عندهما إذا وجبت الشفعة فيما ملك بالبيع يقسم الدار على مهر مثلها وعلى ألف درهم، فإن كان مهر مثلها ألف انقسمت الدار عليهما نصفان، فيكون نصف الدار مهراً بإزاء البضع والنصف مبيعاً بإزاء الألف.
فإن اختلفا في مهر مثلها وقت البيع، فقال الزوج: كان مهر مثلها ألف وللشفيع نصف الدار، وقال الشفيع: كان مهر مثلها خمسمائة لي ثلثا الدار، فالقول قول الزوج مع يمينه؛ إما؛ لأن الشفيع يدعي لنفسه استحقاق زيادة سدس والزوج ينكر أو؛ لأن حاصل اختلافهما في مقدار الثمن.
والشفيع مع المشتري إذا اختلفا في مقدار الثمن، فالقول قول المشتري، وإن أقاما البينة فالبينة بينة المشتري عندهما كما لو اختلفا في مقدار قيمة البناء الهالك.
وإذا ادعى رجل على رجل حقاً في أرض أو دار، فصالحه على دار فللشفيع فيها الشفعة بقيمة ذلك الحق الذي ادعى؛ لأن المأخوذ منه وهو المدعي يزعم أنه ملك الدار بدلاً عما هو مال، فيكون مقراً للشفيع بالشفعة، فيؤاخذ بإقراره في حقه.(7/564)
-----
فإن اختلفا في قيمة ذلك الحق فالقول قول المدعي وهو المأخوذ منه الدار؛ لأن الحاصل اختلافهما في مقدار الثمن، وإن أقاما البينة على قيمته.
ذكر ههنا أن البينة بينة الشفيع عند أبي حنيفة إذا اشترى الرجل داراً بألف درهم وقبضها ونقد الثمن، ثم جاء الشفيع، فقال المشتري: قد أحدثت فيها هذا البناء، وكذبه الشفيع وقال: كان هذا البناء فيه، فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأنه ينكر ثبوت حق الشفعة في البناء، وإن أقاما البينة فالبينة بينة الشفيع؛ لأنه أشبه بالمدعين؛ لأنه يخير بين أن يدعي وبين أن يترك، فهذا هو أحد المدعي، والبينات في الأصل شرعت حجة للمدعين فمن كان أشبه بالمدعين كانت بينته أولى (175أ3) بالقبول.
وإذا اشترى أرضاً فجاء الشفيع يأخذها بالشفعة وفيها أشجار ونخيل، فقال المشتري: أحدثت الأشجار والنخيل فيها، وقال الشفيع: اشتريتها مع هذه الأشجار والنخيل، فإن كان من وقت الأخذ بالشفعة مدة لا يمكن إحداث مثل هذه الأشجار، فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأنه لم يثبت كذب ما قاله المشتري في هذه الصورة، بخلاف الصورة الأولى إذا قال المشتري للشفيع: اشتريت الدار أو قال: الأرض بخمسمائة، ثم اشتريت البناء بخمسمائة فلا شفعة للشفيع في البناء، وقال الشفيع: لا بل اشتريتهما معاً، فالقول قول الشفيع مع يمينه على علمه استحساناً يحلف بالله ما يعلم أنه اشتراهما بعقدين؛ لأن المشتري أقر بالسبب المثبت لحق الشفيع في الأرض والبناء، وهو الشراء وبدعوى تفرق الصفقة ادعى سقوط حق الشفيع في البناء.
(7/565)
-----
ولو قال المشتري: باعني الأرض بغير بناء، ثم وهب لي البناء أو قال: وهب لي البناء ثم باعني الأرض، وقال الشفيع: لا بل اشتريتهما، فالقول قول المشتري في هذه ما أقر بالسبب المثبت لحق الشفيع في البناء، بل أنكر حقه ولا كذلك الصورة الأولى، وكذلك إذا قال المشتري: وهب لي هذا البيت بطريقه إلى باب الدار وباعني الباقي من الدار بألف درهم، وقال الشفيع: لا بل اشتريت كلها، فالقول قول المشتري في البيت لإ نكاره سبب ثبوت حق الشفعة في البيت، ويأخذ الشفيع الدار كلها غير البيت.
وطريقه: إن شاء؛ لأن المشتري أقر بسبب ثبوت حق الشفيع فيما سوى البيت وطريقه وادعى لنفسه حق التقدم عليه بالشركة في الحقوق، فلا يثبت ما ادعى من غير حجة.
وإن أقر بهبة البيت للمشتري وادعى المشتري أن الهبة كانت قبل الشراء فلا شفعة للجار؛ ولأنه شريك في الحقوق وقت الشراء الثاني، والجار يقول: لا بل كان الشراء قبل الهبة ولي الشفعة فيما اشتريت، فالقول قول الشفيع؛ لأن العقدين قد ظهرا وقد جهل التاريخ، فيجعل كأنهما وقعا معاً.
ولو وقعا معاً كانت الشفعة للجار؛ لأن شريك المشتري في الحقوق بعد الشراء؛ لأن الهبة لا تفيد الملك قبل القبض والشراء يفيد الملك بنفسه، فكان شركة المشتري في الحقوق بسبب الهبة حادثة بعد الشراء لا تبطل شفعة الجار، وإن قامت البينه على الهبة قبل الشراء، فإن صاحبها أولى بالشفعة من الجار.
ولو ادعى المشتري أنه اشترى الأرض والبناء بصفقة واحدة، وقال الشفيع: لا بل اشتريتهما بصفقتين ولي أن آخذ الأرض دون البناء، فالقول قول المشتري مع يمينه ولم يذكر الاستحسان، والقياس في هذه المسألة، وفيما إذا ادعى المشتري تفرق الصفقة، فهي المسألة التي تقدم ذكرها ذكر القياس والاستحسان.
وذكر أن القول قول الشفيع مع يمينه استحساناً ويجب أن تكون هذه المسألة على القياس والاستحسان ويكون ما ذكر أن القول قول المشتري.(7/566)
-----
جواب الاستحسان: رجل أقام بينة أنه اشترى هذه الدار من فلان بألف درهم، وأقام رجل آخر بينة أنه اشترى هذا البيت من هذه الدار من فلان منذ شهر بكذا، فإنه يقضي بالبيت لصاحب الشهر وببقية الدار للآخر؛ لأن الشراء حادث، والأصل في الحوادث أن يحال بحدوثها على أقرب الأوقات ما لم يؤرخ الشهود، وشهود مشتري البيت أرخوا شراءه أما شهود مشتري الباقي ما أرخوا... اشتراه، فثبت شراء البيت منذ شهر وثبت شراء الباقي للحال، ثم مشتري البيت منذ شهر أولى بشفعة باقي الدار؛ لأن شراء البيت لما ثبت قبل شراء الباقي من الدار كان مشتري البيت شريكاً في الحقوق منذ شراء الباقي من الدار، والشريك في الحقوق مقدم على الجار، ولو لم يؤقت واحد منهما قضيت بالبيت بينهما، وقضيت بباقي الدار للآخر، ولا شفعة لواحد منهما فيما صار لصاحبه؛ لأنه ظهر كلا الأمرين ولم يعرف التاريخ، فيجعل كأنهما وقعا معاً.
وإذا كانا داران متلازقان ادعى أحدهما منذ شهرين وادعى الآخر شراء الآخر منذ شهر، فالشفعة لصاحب الشهرين، ولو لم يؤقت شهود واحد منهما فلا شفعة لواحد منهما.
الفصل الثالث عشر: في التوكيل بالشفعة وتسليم الوكيل الشفعة وما يتصل به
ويجوز التوكيل بطلب الشفعة؛ لأنه توكيل بالخصومة والشراء، والتوكيل بكلا الأمرين جائز، وإذا أقر المشتري بشراء الدار في يديه وجبت فيها الشفعة وخصمه الوكيل؛ لأنه أقر بثبوت حق الشفعة فيما في يده.(7/567)
-----
ولو أقر بالملك فيما في يده أليس يصح إقراره؟ فكذا إذا أقر بحق الشفعة، ولا يقبل من المشتري بينة أنه اشتراها من صاحبها إذا كان صاحبها غائباً؛ لأن البينه على الغائب لا تقبل من غير خصم حاضر، ولا خصم عن الغائب ههنا، حتى لو حضر صاحبها بعد إقامة المشتري البينه على الشراء وصدقه فيما أقوله من الملك وكذبه فيما ادعى من المشتري يسترد الدار من يد الشفيع ويسلم إلى البائع؛ لأنهم اتفقوا على أن أصل الملك كان له، ولم يثبت النقل من المشتري، ولكن يحلف صاحبها بالله ما بعتها من هذا المشتري، فإذا حلف حينئذ يرد الدار عليه، فإن قامت بينة لمحضر صاحبها أنه باعه من المشتري ثبت الشراء وسلم الدار للشفيع، ويقبل هذه البينة من المشتري ومن الشفيع؛ لأن المشتري يثبت عقده والشفيع يثبت حقه في الشفعة، وإن أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري والدار في يد البائع قضى بالشفعة لما ذكرنا في جانب المشتري وخصمه الوكيل.
وإن أقر المشتري والبائع بالبيع، ولكن قالا: لا شفعة لفلان فيها، فإن القاضي يسأل الوكيل البينة على الحق الذي وجبت به لموكله الشفعة من شركة أو جوار، فإن أقامها قضي له بالشفعة، وما لا فلا.
وهذا لأن الوكيل قائم مقام الموكل، والحكم في حق الموكل إذا أنكر المشتري والبائع شفعته هذا فكذا في حق الوكيل، وإذا أراد الوكيل إثبات الشفعة لموكله بالجوار ينبغي أن يقيم بينة أن الدار التي إلى جنب الدار المبيعة ملك موكله فلان.(7/568)
-----
هكذا ذكر محمد رحمه الله، وقد ذكرنا في فصل إنكار المشتري جواز الشفيع كيفية الشهادة (175ب3) في حق الأصيل، فيجب أن يكون في حق الوكيل كذلك، ولو أقام بينة أن الدار التي جنب الدار المبيعة ملك موكله فلان لا يكتفي به كما في حق الموكل، ولو أقام البينة بنفسه، وإذا أراد إثبات الشفعة بالشركة فأقام بينة أن لموكله فلان نصيباً من هذه الدار المبيعة ولم يثبتوا مقداره لا يثبت ذلك، ولا يقضى له بالشفعة؛ لأنه لا يمكن القضاء بالشفعة إلا بالقضاء بالشركة وتعذر القضاء بالشركة لمكان الجهالة.
وهذا بخلاف ما لو أقام المدعي بينة على المحبوس في السجن أنه موسر فإنه يقبل بينته، وإن لم يبينوا مقدار ملكه حتى يجلده القاضي في السجن بينة المدعي وتجليده في السجن لا يستحق إلا باليسار ويساره لا بثبت إلا بملكه.
والفرق: أن في مسألة المديون القضاء بالملك له مع إنكاره غير ممكن، ألا ترى مع بيان مقدار ملكه لا يمكن للقاضي أن يقضي له بالملك بجحوده، وما تعذر القضاء بالملك هناك لم يشترط للقضاء باليسار إمكان القضاء بالملك، وفي مسألة الشفعة أمكن للقاضي القضاء بالملك للشفيع؛ لأنه مدع، فلا يسقط اعتبار اشتراط القضاء بالملك للقضاء بالشفعة لمكان الجهالة.
وإذا وكل الرجل رجلاً بأخذ دار له بالشفعة ولم يعلمه الثمن صح التوكيل، وإذا أخذها الوكيل بما اشتراها المشتري لزم الموكل، وإن كان ذلك ثمناً كثيراً بحيث لا يتغابن الناس فيه سواء أخذها بقضاء أو بغير قضاء، بخلاف الوكيل بالشراء إذا اشترى بثمن كثير لا يتغابن الناس في مثله حيث لا يلزم الموكل.
والفرق: أن في فصل الشفعة الثمن منصوص عليه، وهو الثمن الذي اشتراه المشتري؛ لأن الأخذ بالشفعة لأخذ بمثل ذلك الثمن وقد اشتراه به، فأما في فصل الشراء الثمن غير منصوص عليه، فيعرف المقدار بالعرف.(7/569)
-----
وإذا وكل رجل هو ليس بشفيع الدار أن يأخذ الدار له بالشفعة، فأظهر الشفيع ذلك فقد بطلت شفعته؛ لأنه قصد التملك من جهة المشتري بغيره، فيعتبر بما لو قصد التملك من جهة لنفسه بأن ساومه، وذلك مبطل شفعته، فإن أسر الشفيع ذلك حتى أخذها ثم علم المشتري بذلك إن سلمها بغير قضاء قاض جاز ذلك، ولم يكن للمشتري أن يأخذها وصار الشفيع مشترياً للآمر؛ لأنه سلم الدار بالشفعة في موضع لا شفعة للشفيع مستأنفاً إذا حصل برضا المشتري.
وإن أخذها بقضاء قاض، فإنها ترد على المشتري؛ لأنه لما لم يكن له أخذ الدار بالشفعة تبين أن القاضي قضى للوكيل بالدار بغير سبب، ولا يمكن أن يجعل شراء مستقبلاً لانعدام الرضا من المشتري، ولا يصح توكيل الشفيع المشتري بأخذ الشفعة سواء كانت الدار في يده أو في يد البائع إن كانت الدار في يده؛ فلأن الأخذ بالشفعة شراء، والإنسان لا يصلح وكيلاً بالشراء من نفسه، وإن كانت الدار في يد البائع؛ فلأنه ساع في نقص ما تم به؛ لأن بالأخذ بالشفعة ينفسخ الشراء الذي جرى بين البائع وبين المشتري، وكذا لا يصح توكيل البائع بذلك.
وإن كانت الدار في يد البائع قياساً، وفي الاستحسان: لا يصح؛ لأنه ساع في نقض ما تم به من وجه؛ لأن الأخذ بالشفعة من المشتري إن كان تمليكاً مبتدأ من جهة، المشتري من وجه فهو بمنزلة الاستحقاق من وجه من حيث إنه يأخذ من غير رضا المشتري بحق سابق له على حق المشتري، فمن هذا الوجه يصير البائع ساعياً في نقض ما تم به.
وإذا وكل رجلاً بطلب الشفعة بكذا كذا درهماً واحدة، فإن كان المشتري اشترى بذلك المقدار أو بأقل فهو وكيل، وإن كان اشترى بأكثر من ذلك، فهو ليس بوكيل؛ لأن الأخذ بالشفعة شراءٌ والوكيل بالشراء بثمن معين بملك الشراء به وبأقل منه، ولا يملك الشراء بأكثر منه، وكذلك إذا قال: وكلتك إن كان فلان اشتراها فإذا قد اشتراها غيره لا يكون وكيلاً.(7/570)
-----
وإذا وكل وكيلين بأخذ الشفعة، فلأحدهما أن يخاصم بدون الآخر، ولا يأخذ الشفعة بدون الآخر، وإذا وكل وكيلاً بأخذ الشفعة، فليس للوكيل أن يوكل غيره إلا أن يكون الأصل أجاز ما صنع، فإن أجاز ما صنع وكل الوكيل وكيلاً، وأجاز ما صنع لم يكن لهذا الوكيل الثاني أن يوكل غيره.
الوكيل بالشفعة إذا سلم الشفعة ذكر في شفعة «الأصل»: أنه إذا سلم في مجلس القاضي صح، وإن سلم في غير مجلس القاضي لا يصح عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وهو قول أبي يوسف الأول، ثم رجع أبو يوسف عن هذا، وقال: يصح تسليمه في مجلس القاضي.h
فعلى رواية كتاب الشفعة جوز تسليمه في مجلس القاضي، ولم يحك فيه خلافاً، وذكر في كتاب «الوكالة» و «المأذون»: ما ذكر في الشفعة قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وإقراره على موكله بالتسليم في مجلس القاضي صحيح بلا خلاف بين علمائنا الثلاثة وإقراره في غير مجلس القاضي عند أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف الأول.
في قوله الآخر صحيح، فمحمد رحمه الله، فرّق بين تسليمه في مجلس القاضي وبين إقراره بالتسليم على موكله في مجلس القاضي.
والفرق: أن إقراره إنما صح أنه جواب الخصومة، والتسليم ليس جواب الخصومة بل هو إبطال حق على الموكل والوكيل مأمور باستيفاء الحق لا بإبطاله.
ألا ترى أن الوكيل بالخصومة في الدِّين يملك الإقرار على موكله بالقبض، ولا يملك الإبراء.
الوكيل بالشفعة إذا طلب الشفعة وادعى المشتري التسليم، فهذا على وجهين:(7/571)
-----
الأول: أن يدعي التسليم على الموكل ويطلب يمين الوكيل بالله ما يعلم أن الموكل قد سلم الشفعة، أو يطلب الموكل بالله ما سلمني الشفعة، فإن طلب يمين الوكيل، فالقاضي لا يحلفه؛ لأن أصل الدعوى وقعت على الموكل، فإنه ادعى تسليم الموكل واستحلاف غير من توجه عليه الدعوى بمنزلة البدل عن استحلاف من يوجه عليه الدعوى والإنصاف إلى البدل على إمكان المصير إلى الأصل، وما دام الموكل حياً واستخلافه ممكن بخلاف ما لو ادعى ديناً على ميت وأنكر الوارث ذلك وطلب المدعي من القاضي أن يحلف الوارث، فالقاضي يحلفه على علمه؛ لأن هناك وقع العجز عن المصير إلى الأصل، وإن طلب يمين الموكل، فالقاضي يقول له: سلم الدار إلى الوكيل ليأخذها الموكل بالشفعة وانطلق واطلب يمين الموكل.
وهو نظير ما لو وكل (176أ3) رجلاً بقبض الدين فقال المديون: أريد يمين الموكل بالله ما أبرأني، فالقاضي يقضي عليه بالمال، ويأمره بالأداء إلى الوكيل ويقول له انطلق واطلب يمين الموكل، وهذا بخلاف الوكيل بالشراء إذا وجد بالمشترى عيباً وأراد رده على البائع، وطلب البائع يمين الموكل بالله ما رضي بالعيب كان له ذلك، ولا يرد حتى يحضر الموكل ويحلف الوجه الثاني أن يدعي التسليم على الوكيل ويطلب يمينه فالقاضي لا يحلفه عند أبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف رحمهم الله.
وإذا شهد شاهدان على الوكيل أنه سلم الشفعة عند غير القاضي، فشهادتهما باطلة عند أبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف، وكذلك إذا شهد شاهدان عليه أنه قد سلم عند القاضي، ثم عزل قبل أن يقضي عليه لم يجز على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.
ولو أقر الوكيل عند القاضي أنه قد سلم الشفعة عند غير قاض، أو عند قاض آخر فإقراره صحيح، ويكون هذا بمنزلة إنشاء التسليم عند هذا القاضي.(7/572)
-----
وهو نظير ما لو شهد شاهدان على رجوع الشهود وعن شهادتهم في غير مجلس القاضي فالقاضي لا يقبل شهادتهم، ولو أقر الشهود عند القاضي أنهم قد رجعوا عن شهادتهم في غير مجلس القاضي صح إقرارهم وجعل ذلك منهم منزلة إنشاء الرجوع عند هذا القاضي.
في «فتاوي (أهل) سمرقند»:... وإذا وكل رجلاً ببيع داره، فباعها بألف درهم ثم حط عن المشتري مائة درهم وضمن ذلك الأمر، فليس للشفيع أن يأخذها بالشفعة إلا بالألف؛ لأن حط الوكيل لا يلتحق بأصل العقد.
في «فتاوي الفضلي»: الوكيل بشراء الدار إذا اشترى وقبض فجاء الشفيع وأراد أن يطلب الشفعة من الوكيل، فهذا على وجهين:
الأول: أن تكون الدار في يد الوكيل، وفي هذا الوجه الطلب منه صحيح.
الوجه الثاني: أن يكون الوكيل قد سلم الدار إلى الموكل وفي هذا الوجه لا يصح الطلب من الوكيل، هكذا قال، قول الفقيه أبو إبراهيم، هكذا ذكر في «الأجناس» عن محمد قال الصدر الشهيد رحمه الله: هو المختار.
وقال القاضي الإمام علي السغدي: الصحيح أنه يصح الطلب منه على كل حال؛ لأنه هو العاقد، قال الصدر الشهيد: والجواب في الوكيل مع الموكل كالجواب في البائع مع المشتري إن كانت الدار في يد البائع فالطلب منه صحيح، وإن كانت في يد المشتري لا يصح الطلب من البائع هو المختار غير أن فرق ما بين الوكيل والبائع أن البائع إذا لم يسلم الدار لا يكون خصماً حتى يحضر المشتري، والوكيل إذا قبض فهو خصم، وإن لم يحضر الموكل، هذا هو الكلام في الطلب.
وأما الكلام في تسليم الشفعة وتسليم الشفيع عند الوكيل وقد ذكرناه في فصل تسليم الشفعة في «القدوري».(7/573)
-----
قال أصحابنا: إذا قال المشتري قبل أن يخاصم في الشفعة: اشتريت هذه الدار لفلان وسلمها إليه، ثم حضر الشفيع فلا خصومة بين الشفيع وبين المشتري؛ لأن إقراره قبل الخصومة صحيح، فصار كما لو كانت الوكالة معلومة، فإذا خوصم ثم أقر بذلك لم تسقط الخصومة عنه؛ لأنه صار خصماً وهو يريد إسقاط الخصومة عن نفسه ولو أقام بينة أنه قبل شرائه اشترى لفلان لم تقبل بينته؛ لأنه لا يدفع بهذه الخصومة عن نفسه.
قال: وروي عن محمد رحمه الله: أن المشتري إذا قال: أنا أقيم البينة أني أقررت بهذا القول قبل الشراء لم تقبل بينته لإثبات الملك للغائب، ولا خصومة بينه وبين الشفيع حتى يحضر المقر له.
وفي «المنتقى»: بشر عن أبي يوسف: رجل اشترى داراً وأشهد قبل شرائهما معنى قوله أشهد قال بلسانه: أنه اشترى لفلان بماله وأمره وطلب الشفيع الشفعة، فالمشتري خصم في ذلك، ولو كان له شاهدان يشهدان أن فلاناً أمره بشرائهما لم يكن هو خصماً للشفيع والله أعلم.
وأما الكلام في تسليم الشفعة وتسليم الشفيع عند الوكيل وقد ذكرناه في فصل تسليم الشفعة في «القدوري».
قال أصحابنا: إذا قال المشتري قبل أن يخاصم في الشفعة: اشتريت هذه الدار لفلان وسلمها إليه، ثم حضر الشفيع فلا خصومة بين الشفيع وبين المشتري؛ لأن إقراره قبل الخصومة صحيح، فصار كما لو كانت الوكالة معلومة، فإذا خوصم ثم أقر بذلك لم تسقط الخصومة عنه؛ لأنه صار خصماً وهو يريد إسقاط الخصومة عن نفسه ولو أقام بينة أنه قبل شرائه اشترى لفلان لم تقبل بينته؛ لأنه لا يدفع بهذه الخصومة عن نفسه.
قال: وروي عن محمد رحمه الله: أن المشتري إذا قال: أنا أقيم البينة أني أقررت بهذا القول قبل الشراء لم تقبل بينته لإثبات الملك للغائب، ولا خصومة بينه وبين الشفيع حتى يحضر المقر له.(7/574)
-----
وفي «المنتقى»: بشر عن أبي يوسف: رجل اشترى داراً وأشهد قبل شرائهما معنى قوله أشهد قال بلسانه: أنه اشترى لفلان بماله وأمره وطلب الشفيع الشفعة، فالمشتري خصم في ذلك، ولو كان له شاهدان يشهدان أن فلاناً أمره بشرائهما لم يكن هو خصماً للشفيع والله أعلم.
الفصل الرابع عشر: في شفعة الصبي
قال محمد رحمه الله في «الأصل»: الصغير والكبير في استحقاق الشفعة سواء؛ لأنهما في سبب استحقاق الشفعة سواء، قال: والحبل في استحقاق الشفعة والكبير سواء؛ لأن الحبل يرث فيثبت له الشركة أو الجوار كما يثبت للكبير، فإن وضعت الأقل من ستة أشهر منذ وقع الشراء فله الشفعة؛ لأنا تيقنا بوجوده يوم البيع وكان وضعه بمنزلة قدومه وهو غائب.
وإن جاءت به لسته أشهر فصاعداً منذ وقع الشراء، فإنه لا شفعة له؛ لأنه لم يثبت وجوده وقت البيع لا حقيقة ولا حكماً إلا أن يكون أبوه مات قبل البيع وورث الحبل منه حينئذ يستحق الشفعة، وإن جاءت بالولد لستة أشهر فصاعداً؛ لأن وجوده وقت البيع ثابت حكماً لما ورث من أبيه، ثم إذا وجب الشفعة للصغير فالذي يقوم بالطلب والأخذ من قام مقامه شرعاً في استيفاء حقوقه وهو أبوه، ثم وصي أبيه، ثم جده أب أبيه، ثم وصي نصيبه القاضي، فإن لم يكن له أخذ من هؤلاء فهو على شفعته إذا أدرك، فإذا أدرك وقد ثبت له خيار البلوغ والشفعة فاختار رد النكاح أو طلب الشفعة مع الإمكان بطلت الشفعة، حتى لو بلغ الصغير لا يكون له حق الأخذ، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف.(7/575)
-----
وقال محمد: لا تبطل الشفعة، وعلى هذا الخلاف تسليم الشفعة إذا سلم الأب أو الوصي ومن بمعناهما شفعة الصغير صح تسليمه، وأبي يوسف حتى لو بلغ الصبي لا يكون له أن يأخذها بالشفعة؛ لأن تسليم الشفعة وترك طلبها ترك التجارة، ومن ملك التجارة في مال إنسان ملك تركها أيضاً؛ ولأن أخذ الشفعة يكون عوضاً، فبتسليم الشفعة إن كان سقط حق الصغير، ولكن بعوض وإسقاط حق الصغير بعوض داخل تحت ولاية هؤلاء.
ألا ترى أنهم ملكوا بيع مال الصغير، ثم تسليم الأب والوصي شفعة الصغير صحيح عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، سواء كان التسليم في مجلس القضاء أو في غير مجلس القضاء بخلاف تسليم الوكيل في غير مجلس القضاء عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنهما نائبان عن الصغير في مجلس القضاء وغيره، فأما الوكيل نائب عن الموكل في مجلس القاضي؛ لأنه وكيل بالخصومة، ومعدن الخصومة مجلس القضاء، فكأن الموكل قال له: أنت وكيلي في مجلس القاضي.
إذا اشترى داراً لابنه الصغير والأب (176ب3) شفيعها كان للأب أن يأخذها بالشفعة عندنا، كما لو اشترى الأب مال ابنه لنفسه، ثم كيف يقول: اشتريت وأخذ بالشفعة، ولو كان مكان الأب وصياً. ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله هذه المسألة في «واقعاته»وشوش الجواب المشبع إن كان في أخذ الوصي هذه الدار بالشفعة منفعة للصغير بأن وقع شراء الدار بغبن يسير بأن كان قيمة الدار مثلاً عشرة وقد اشتراها الوصي بأحد عشر، فإن الغبن اليسير يتحمل من الوصي في تصرفه مع الأجانب، ويأخذ الوصي بالشفعة يرتفع ذلك الغبن.
(7/576)
-----
فإذا كانت الحالة هذه كان أخذ الوصي بالشفعة مبتغياً في حق الصغير فإن للوصي أن يأخذ الدار بالشفعة على قياس قول أبي حنيفة وأحد الروايتين عن أبي يوسف كما في شراء الوصي من مال الصغير لنفسه، وإن لم يكن في أخذ الوصي هذه الدار بالشفعة منفعة في حق الصغير بأن وقع شراء الدار للصغير بمثل القيمة لا يكون للوصي الشفعة بالاتفاق.
كما لا يكون للوصي أن يشتري شيئاً من مال اليتيم لنفسه بمثل القيمة بالاتفاق، ومتى كان للوصي ولاية الأخذ يقول: اشتريت وطلبت الشفعة، ثم يرفع الأمر إلى القاضي حتى ينصب قيمة عن الصبي، فيأخذ الوصي منه بالشفعة ويسلم الثمن إليه ثم القيم يسلم الثمن إلى الوصي.
في «فتاوى أبي الليث»: رحمه الله وفي «الفتاوى»: عن الفقيه أبي بكر: لو اشترى لابنه الصغير داراً والأب شفيعها لا يأخذ بالشفعة ما لم يدرك الابن أو ينصب الحاكم خصماً.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: هذا الجواب في الوصي فأما الأب يأخذ؛ لأن الأب لو اشترى مال ابنه لنفسه صح، كذا هذا يأخذ من غير قضاء وعن شداد: أن الوصي يشهد على طلب الشفعة ويترك حتى يبلغ الصبي، ولو كان الصبي شفيع دار اشتراها الوصي لا يشهد ولا يطلب الشفعة له حتى يدرك الصبي.
اشترى الأب لنفسه داراً وابنه الصغير شفيعها فلم يطلب الأب الشفعة للصغير حتى بلغ الصغير، فليس للذي بلغ أن يأخذها بالشفعة؛ لأن الأب كان متمكناً من الأخذ بالشفعة، فسكوته يكون مبطلاً للشفعة.
ولو باع الأب داراً لنفسه وابنه الصغير شفيعها فلم يطلب الأب الشفعة للصغير، لا تبطل شفعة الصغير حتى لو بلغ الصغير كان له أن يأخذها؛ لأن الأب ههنا لا يتمكن من الأخذ بالشفعة لكونه تابعاً وسكوت من لا يملك الأخذ لا يكون مبطلاً ذكر هذه الجملة شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في باب تسليم الشفعة، وهكذا ذكر القدوري في «شرحه»وأحاله إلى «نوادر أبي يوسف».(7/577)
-----
وأما الوصي إذا اشترى داراً لنفسه أو باع داراً له والصبي شفيعها، فلم يطلب الوصي شفعته فاليتيم على شفعته إذا بلغ؛ لأن الوصي لا يملك البيع والشراء للصغير مع نفسه إلا إذا كان فيه منفعة للصغير، وإذا لم يملك الأخذ لم يكن سكوته تسليماً، هكذا ذكر القدوري في «شرحه».
في «نوادر هشام» قال: قلت لمحمد: ما يقول في رجل اشترى داراً وابنه الصغير شفيعها، فلم يطلب الشفعة، قال: أما في قياس أبي حنيفة لا شفعة للصغير؛ لأن تسليم الأب جائز عليه، وأما في الوصي فهو على شفعته؛ لأنه لا يقدر أن يأخذه له من نفسه، ويجب أن يكون الجواب في شراء الأب داراً لنفسه وابنه الصغير شفيعها على التفصيل إن لم يكن للصبي في هذا الأخذ ضرر بأن وقع شراء الأب بمثل القيمة أو بأكثر مقدار ما يتغابن الناس في مثله لا يكون للصغير الشفعة إذا بلغ.
وإن كان للصغير في هذا الأخذ ضرر بأن وقع شراء الأب بأكثر من القيمة مقدار ما لا يتغابن الناس فيه كان له الشفعة إذا بلغ؛ لأن الأب لا يملك التصرف في مال الصغير مع نفسه على وجه الضرر، فلم يكن الأب متمكناً من الأخذ في هذه الصورة، فلا يكون سكوته مبطلاً للشفعة، والذي يريد هذا مسألة ذكرها شمس الأئمه السرخسي في باب تسليم الشفعة.
وصورتها: رجل اشترى داراً بأكثر من قيمتها وصغير شفيعها، فسلم الأب شفيعها لا يصح تسليمه عندهم جميعاً هو الصحيح؛ لأن الأب لا يملك الأخذ ههنا بالاتفاق لكثرة الثمن والسكوت عن الطلب، والتسليم إنما يصح ممن يملك، فيبقى الصبي على حقه إذا بلغ.(7/578)
-----
ويجب أن يكون الجواب في الوصي إذا اشترى داراً لنفسه والصغير شفيعها، فلم يطلب حتى بلغ الصبي على التفصيل أيضاً: إن كان للصغير في الأخذ بالشفعة منفعة، فلا شفعة للصغير إذا بلغ عند أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أبي يوسف؛ لأن الوصي لو اشترى من مال نفسه شيئاً للصغير وللصغير فيه منفعة ظاهرة جاز عند أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، فكان الوصي متمكناً من الأخذ فكان سكوته مبطلاً شفعته، وإن لم يكن للصغير في الأخذ بالشفعة منفعة ظاهرة كان له الشفعة إذا بلغ بالاتفاق، فلا يكون سكوته مبطلاً.
ولو كان الوصي باع الدار وباقي المسألة بحاله، فالصغير على شفعته إذا بلغ بالاتفاق، كما في الأب إذا قال الأب أو الوصي: اشتريت هذه الدار بألف درهم للصغير، فقال الشفيع: اتق الله فإنك اشتريتها بخمسمائة فصدقة، فإنه لا يصدق ويأخذ الدار بألف درهم حتى يقيم البينة على الشراء بخمسمائة والله أعلم.
الفصل الخامس عشر: في حكم الشفعة إذا وقع الشراء بالعروض
قد ذكرنا قبل هذا أن الشراء إذا وقع ما ليس من ذوات الأمثال، فالشفيع يأخذ الدار بقيمة ما وقع الشراء به.
قال محمد رحمه الله في «الأصل»: إذا اشترى الرجل داراً بعبد بعينه وأخذ الشفيع الدار بقيمة العبد بقضاء القاضي، ثم استحق العبد بطلت الشفعة وأخذ الدار من الشفيع؛ وهذا لأن الشراء بالمستحق شراء فاسد، ولهذا لا يفيد الملك في بذل المستحق إلا بالقبض ولا شفعة في الشراء الفاسد، فظهر أن القاضي أخطأ في قضائه حيث قضى بالشفعة ولا شفعة، فيرد قضاؤه وذلك يرد حكمه، فلهذا قال يسترد الدار من يد الشفيع.
فإن قيل: ينبغي أن لا يسترد الدار، وإن ظهر أنه لم يكن له الشفعة عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن القضاء بالشفعة قضاء بالشراء، والقاضي متى قضي بالشراء للإنسان ثبت الشراء بقضائه وإن لم يكن بينهما شراء.(7/579)
-----
قلنا: القضاء بالشفعة قضاء (177أ3) بالشراء من وجه قضاء بالملك المرسل من وجه لما ذكرنا أن الأخذ بالشفعة بمنزلة الاستحقاق من وجه من حيث إن الشفيع يأخذ الدار من غير رضا المشتري بحق سابق والقضاء بالشراء إن كان ينفذ ظاهراً وباطناً عند أبي حنيفة، فالقضاء بالملك المرسل لا ينفذ باطناً، فلا ينفذ القضاء بالشفعة ظاهراً أو باطناً بالشك.
فلهذا قال: يسترد الدار من يد البائع، هذا إذا أخذ الشفيع الدار بقيمة العبد بقضاء القاضي، وإن كان المشتري قد سلم الدار إلى الشفيع بقيمة العبد بقضاء القاضي، وإن كان المشتري قد سلم الدار إلى الشفيع بقيمة العبد بغير قضاء إن كان قد سمى الشفيع قيمة العبد كذا كذا حتى صار الثمن معلوماً من كل وجه.
ثم استحق العبد ليس للمشتري على الدار سبيل ويجعل ذلك بيعاً مبتدأ لوجود حده وهو التملك والتمليك بالتراضي، لما تبين أنه لم يكن له شفعة، ويكون للبائع على المشتري قيمة الدار؛ لأن باستحقاق العبد تبين أن الشراء وقع فاسداً.
وإذا باع ما اشترى نفذ بيعه ويضمن للبائع قيمة ما اشترى، وإن لم يكن سمى للشفيع قيمة العبد كذا وكذا، ولكن قال سلمت الدار لك بقيمة العبد كان للمشتري أن يسترد الدار من الشفيع.
إذا اشترى داراً بعبد وهلك العبد في يد البائع قبل التسليم إلى المشتري كان للشفيع أن يأخذ الدار بالشفعة؛ وهذا لأن بهلاك العبد وإن فسد البيع لما عرف أن هناك أحد البدلين في بيع المقايضة يوجب فساد العقد، إلا أنه إنما فسد البيع بعد وقوعه بوصف الصحة، وإنه لا ينافي حق الشفعة ولو لم يمت العبد حتى أخذ الشفيع الدار بقيمة العبد إن أخذها من البائع لم يبق للبائع على العبد الذي جعله المشتري ثمناً لهذه الدار سبيل؛ لأن يأخذ الشفيع الدار من البائع ينفسخ شراء المشتري، وإن أخذها من المشتري ثم مات العبد في يد البائع قبل التسليم إلى المشتري، فالقيمة التي أخذها المشتري من الشفيع تكون للبائع.(7/580)
-----
وإذا اشترى داراً بعبد غيره، وأجاز صاحب العبد الشراء، فللشفيع الشفعة؛ لأن الإجازة في الانتهاء بمنزلة الإذن في الابتداء ويأخذها بالشفعة بقيمة العبد لما ذكرنا، وإذا وقع الشراء بمكيل أو موزون بعينه واستحق المكيل أو الموزون فقد بطلت الشفعة؛ لأن المكيل أو الموزون إذا كان بعينه فهو والعبد سواء، وإن كان المكيل أو الموزون في الذمة، فأوفاه ذلك ثم استحق ذلك فشفعة الشفيع على حاله؛ لأن المكيل أو الموزون إذا كان في الذمة فهو والدراهم سواء.
في «المنتقى»: ابن سماعة عن محمد رحمه الله: في رجل اشترى من آخر داراً بالكوفة بكر حنطة بعينه أو بغير عينه وتقابضا ثم خاصمه الشفيع في الدار بمرو فقضى له عليه بالشفعة والدار بكوفة، قال: إن شاء المشتري أخر الشفيع حتى يأخذ منه حنطة مثلها بالكوفة وسلم له الدار بمرو، وإن شاء سلم له الدار وأخذ منه بمرو قيمة الطعام بالكوفة.
وقال في موضع آخر من «المنتقى»: إذا كان قيمة الكر في الموضعين سواء أعطاه الكر حيث قضي له بالشفعة، وإن كانت القيمة متفاضلة نظر في ذلك إن كان الكر في الموضع الذي يريد الشفيع أن يعطي أعلى، فذلك إلى الشفيع يعطيه ذلك حيث شاء، وإن كان أرخص فرضي به المشتري، فذلك إليه وإن شاؤوا أعطى المشتري قيمة ذلك في الموضع الذي فيه ما يساوي في موضع الشراء.
(7/581)
الفصل السادس عشر: في الشفعة في فسخ البيع والإقالة وما يتصل بذلك
-----
مشتري الدار إذا وجد الدار عيباً بعدما قبضها وردها بالعيب، وكان ذلك بعد ما سلم الشفيع الشفعة فللشفيع أن يأخذها بالشفعة، وإن كان الرد بغير قضاء قاض، فإن الرد بالعيب بغير قضاء بيع جديد في حق الثالث والشفيع ثالث، فصار في حق الشفيع كأن المشتري باع الدار من البائع، ولو كان الرد بقضاء قاض فليس للشفيع أن يأخذها؛ لأن الرد بقضاء فسخ في حق الكل وليس ببيع جديد أصلاً لانعدام حده، والتملك بالتراضي وحق الشفيع إنما يثبت في العقد لا في الفسخ، وإذا كان الرد بالعيب قبل قبض الدار، فإن كان بقضاء فلا شفعة للشفيع، وإن كان بغير قضاء، فكذلك عند محمد رحمه الله؛ لأنه تعذر اعتباره بيعاً جديداً في حق الشفيع؛ لأن بيع العقار قبل القبض عنده لا يجوز، وأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف، فقد اختلف المشايخ بعضهم قالوا: للشفيع الشفعة؛ لأن بيع العقار قبل القبض عندهما جائز، فأمكن أن يجعل هذا الرد بيعاً جديداً في حق الشفيع وبعضهم قالوا: لا شفعة للشفيع؛ لأن رضا البائع قبل القبض لا عبرة به؛ لأن للمشتري حق الرد بالعيب قبل القبض وإن لم يرض به البائع؛ لأن الصفقة لم يتم بعد، ولو انعدم الرضا من البائع لا يمكن أن يعتبر بيعاً جديداً في حق الشفيع، فكذا إذا لم يعتبر رضاه.
كما لو سلم المشتري الدار إلى الشفيع باختياره ورضاه لا يعتبر ذلك بيعاً جديداً في حق الثالث، حتى لو كان لهذه الدار شفيع آخر وقد سلم الشفعة لا يتجدد له شفعة أخرى بهذا التسليم؛ لأن للشفيع أن يأخذ منه بغير رضاه، فلم يكن لرضاه عبرة كذا هاهنا.
وإن كان المشتري رد الدار بخيار رؤية أو بخيار شرط لا يتجدد للشفيع حق الشفعة حصل الرد قبل القبض أو بعد القبض، بتراضيهما أو بغير تراضيهما؛ لأن الرد بهذه الأسباب فسخ من كل وجه في حق الناس كافة.(7/582)
-----
وإن اشترى الرجل داراً أو أرضاً فسلم الشفيع الشفعة، ثم إن البائع والمشتري تصادقا أن البيع كان تلجئة ورد المشتري على البائع لا يتجدد للشفيع حق الشفعة، وكان ينبغي أن يتجدد؛ لأن إقرارهما بالتجلئة لا يعتبر في حق الشفيع.
ألا ترى أنهما لو أقرا بذلك قبل تسليم الشفعة لا يعتبر إقرارهما في حق الشفيع حتى كان للشفيع أن يأخذ الدار كذا هاهنا.
وإذا لم يعتبر إقرارهما لم تثبت التلجئة في حق الشفيع فكان الرد بسبب التلجئة فسخاً للعقد في حقه لا رداً بالتلجئة والفسخ متى حصل بالتراضي يتجدد للشفيع حق الشفعة، والجواب إنما لم يعمل إقرارهما بالتلجئة في حق الشفيع قبل تسليم الشفعة؛ لأن البيع الصحيح ظاهر أو ثبت للشفيع حق الشفعة، فهما بهذا الإقرار يريدان إبطال حقه؛ فأما بعد تسليم الشفعة لم يبق للشفيع (177ب3) حق أصلاً، فإقرارهما لا يتضمن بطلان حقه فتثبت التلجئة بإقراره، فكان الرد بسبب التلجئة فلا يتجدد به حق الشفعة.l
في «المنتقى»: رجل اشترى داراً وقبضها وسلم الشفيع الشفعة، ثم إن المشتري قال: إنما كنت اشتريتها لفلان، وقال الشفيع بل اشتريتها لنفسك، وهذا منك بيع مستقبل وأنا آخذها بالشفعة بهذا البيع، فالقول قول الشفيع، وإن كان فلاناً غائباً لم يكن للشفيع أن يأخذ الدار حتى يقدم الغائب من قبل أن الشفيع يدعي أن هذا باع الدار من الغائب، وليس للشفيع أن يأخذ الدار من البائع حال غيبة المشتري.
وإن قال المشتري: أنا أقيم البينة أن فلاناً كان أمرني بذلك، وإني إنما اشتريتها له لم يقبل بينته على ذلك حتى يحضر فلان.
ومما يتصل بهذا الفصل
إذا انفسخ العقد فيما بين البائع والمشتري بسبب هو فسخ من كل وجه لا يبطل حق الشفيع؛ لأن حق الشفعة يعتمد وجود البيع لا بقاؤه والله أعلم بالصواب.
(7/583)
الفصل السابع عشر: في شفعة أهل الكفر
-----
الكافر والمسلم في استحقاق الشفعة سواء؛ لأنهما في سبب استحقاق الشفعة سواء. وإذا اشترى النصراني داراً بميته أو دم، فلا شفعة للشفيع؛ لأن الميت والدم ليس بمال في حقهم، فالشراء حصل بما ليس بمال فلا ينعقد، وهذا بخلاف ما لو اشترى بخمر أو خنزير؛ لأن ذلك مال في حقهم، فالشراء حصل بما هو مال فينعقد.
اشترى الذمي داراً بخمر وتقابضا ثم صار الخمر خلاً ثم أسلم البائع والمشتري، ثم استحق نصف الدار وحضر الشفيع أخذ النصف بنصف قيمة الخمر ولا يأخذ بنصف الخل؛ لأن الشفيع إنما يأخذ الدار بمثل الثمن الذي هو مضمون على المشتري، والمضمون على المشتري الخمر دون الخل وقد عجز الشفيع عن الأخذ بصورة الخمر، فيأخذ بمعناها وهو القيمة، ثم يرجع المشتري على البائع بنصف الخل إن كان الخل قائماً في يده.
وإن كان مستهلكاً رجع عليه بمثل نصف الخل؛ لأنه لما استحق نصف الدار ظهر أن نصف الخمر كان في يده بحكم عقد فاسد، والخمر الذي اشتراها الذمي في شراء فاسداً إذا صارت خلاً في يده لا يسعه رد الخل بعينه إن كان قائماً، وإن عجز عن رد عينه رد مثله، فإن عجز عن رد مثله حينئذ رد قيمته، كذا هاهنا.
اشترى الذمي من ذمي كنيسة أو بيعة فللشفيع الشفعة هكذا ذكر في «الأصل»، وهذا الجواب ظاهر فيما إذا كان من ديانتهم أن الملك لا يزول عن المالك بجعله بيعة أو كنيسة إنما يشكل فيما إذا كان من ديانتهم أن الملك يزول عن المالك بهذا الصنع؛ لأنه باع ما لا يملك فلا يجوز بيعه في ديانته، ونحن أمرنا ببناء الأحكام على اعتقادهم وأن يتركهم وما يدينون إلا ما استثني عليهم في عودهم.
والوجه في ذلك: أنه لما أقدم على البيع فقد أدان بديننا؛ لأن من ديننا أن الملك لا يزول عن المالك بما بعده للمعصية والذمي إذا دان بديننا يلزمه ذلك كما في نكاح المحارم إذا طلبا الفرقة من القاضي.(7/584)
-----
اشترى المرتد داراً ثم مات أو قتل على الردة حتى بطل شراؤه عند أبي حنيفة أو أسلم حتى نفذ شراؤه فللشفيع الشفعة؛ لأن شراء المرتد بمنزلة الشراء على أن المشتري بالخيار؛ لأنه توقف لمعنى من جهة المشتري وهو ردته.
ومن اشترى داراً على أن المشتري بالخيار كان للشفيع الشفعة أجاز المشتري البيع أو فسخ، وإن باع المرتد داراً ثم مات أو قتل على الردة، فلا شفعة للشفيع وإن أسلم فله الشفعة؛ لأن بيع المرتد بمنزلة البيع على أن البائع بالخيار.
ومن باع داراً بشرط الخيار إن أجاز البيع وجبت الشفعة وإن فسخه لا تجب كذا هاهنا عند أبي حنيفة، وإذا كان الشفيع مرتداً أو طلب الشفعة من القاضي، فالقاضي لا يقضي له بالشفعة حتى يسلم عند أبي حنيفة؛ لأن القضاء بالشفعة قضاء بالشراء، وشراء المرتد موقوف عند أبي حنيفة رحمه الله، بين أن ينفذ إذا أسلم، وبين أن يبطل إذا مات أو قتل على الردة، فمتى قضي له بالشفعة صار معرضاً قضاءه للإبطال، وعلى القاضي أن يصون قضاءه عن النقض والإبطال، وإن أبطل القاضي شفعته ثم أسلم بعد ذلك، فلا شفعة له؛ لأن قضاء القاضي قد نفذ لمصادفته محلاً مجتهداً فيه، فإن من العلماء من قال: لا شفعة للمرتد لا على الكافر ولا على المسلم وهو ابن شرمه.
ومنهم من قال: لا شفعة له على المسلم، وله شفعة على الكافر، وهو عثمان اليتي، فهو معنى قولنا: إن قضاءه صادف محلاً مجتهداً فيه فنفذ، وإن أوقفها القاضي حتى ينظر ثم أسلم فهو على شفعته، وإذا كان الشفيع مرتداً فمات أو قتل على الردة أو لحق بدار الحرب فلا شفعة لوارثه؛ لأن وارثه لو استحق الشفعة إما أن يستحق بحكم الإرث ولا وجه إليه؛ لأن الملك للوارث إنما يثبت من حين يموت المرتد أو يلحق بدار الحرب ويقضي القاضي بلحوقه لامن وقت الردة والبيع كان قبل الموت فكان جوار الورثة حادثاً والشفعة لا تستحق بجوار حادث.(7/585)
-----
ولو كان المرتد لحق بدار الحرب، ثم بيعت الدار قبل قسمة ميراثه كان لورثته الشفعة؛ لأنهم ملكوا ماله من وقت اللحوق بدار الحرب والبيع كان بعد ذلك، فتبين أنه كان للورثة جوار لوقت البيع، فيستحقون الشفعة ابتداء بجوارهم لا بحكم الإرث.
إذا اشترى الحربي المستأمن داراً ولحق بدار الحرب، فالشفيع على شفعته متى لقيه؛ لأن لحاقه بدار الحرب كموته، وموت المشتري لا يبطل شفعة الشفيع، وإن كان الشفيع هو الحربي، فلا شفعة له متى لحق بدار الحرب؛ لأن موت الشفيع يوجب بطلان الشفعة.
وإن كان الشفيع مسلماً أو ذمياً فدخل دار الحرب إن لم يعلم بالبيع فهو على شفعته متى علم؛ لأن دخول المسلم أو الذمي دار الحرب ليس كموته بل هو بمنزلة الغيبة وغيبة الشفيع لا تبطل شفعته، وإن دخل وهو يعلم بالبيع فلم يطلب بطلت شفعته لترك الطلب.
وإذا اشترى المسلم داراً في دار الحرب وشفيعها مسلم، ثم أسلم أهل الدار، فلا شفعة للشفيع. يجب أن يعلم أن كل حكم لا يفتقر إلى قضاء القاضي لا يثبت ذلك الحكم في حق من كان من المسلمين في دار الحرب بمباشرة سبب ذلك الحكم في دار الحرب.
نظير الأول: جواز البيع والشراء (178أ3) وصحة الاستيلاء ونفاذ العتق ووجوب الصوم والصلاة، فإن هذه الأحكام كلها من أحكام الإسلام ويجري على كل من كان في دار الحرب من المسلمين؛ لأن أحكام هذه الحقوق لا يفتقر إلى القضاء.
ونظير الثاني: الزنى فإن المسلم إذا زنى في دار الحرب، ثم صار دار الإسلام لا يقام عليه الحد؛ لأن الزنى حال وجوده لم يوجب الحد؛ لأن ما هو المقصود من الحد الإقامة والإقامة إلى الإمام، وليس للإمام ولاية الإقامة في دار الحرب فلم يجب الحد لما كانت ولاية الإقامة فائته؛ إذا ثبت هذا فنقول: المقصود من حق الشفعة التملك وذلك يفتقر إلى قضاء القاضي؛ لأن المشتري عسى يرضى وعسى لا يرضى، وقضاء القاضي لا يجري على من كان في دار الحرب.(7/586)
-----
الفصل الثامن عشر: في الشفعة في المرض
إذا باع المريض داره بألفي درهم وقيمتها ثلاثة آلاف، ولا مال له غير الدار، ثم مات المريض وابنه شفيع الدار فلا شفعة له؛ هكذا ذكر في «الكتاب»، وهذا الجواب لا يشكل عندهم جميعاً، متى أراد الشفيع الأخذ بألفي درهم قبل إجازة الورثة؛ لأن المريض كما صار بائعاً من المشتري بإيجاب حقيقة الملك له ببدل صار بائعاً من الشفيع بإيجاب حق التملك له ببدل.
ولهذا قلنا: إن الشفيع لو أقال مع البائع بعد ما أخذ الدار من المشتري بالشفعة صحت إقالته؛ لأنه أقال مع بائعه، ولو باع من وارثه من كل وجه بألفي درهم لا يجوز إجازة الورثة عندهم لما فيه من الوصية للوارث كذا هذا.
فأما إذا أراد أن يأخذ بثلاثة آلاف درهم لا شك أن على قول أبي حنيفة لا يجوز بدون إجازة الورثة لما ذكرنا أنه صار بائعاً من الشفيع من وجه، ولو باع منه من كل وجه بثلاثة ألف درهم لا يجوز عند أبي حنيفة من غير إجازة الورثة فهاهنا كذلك.
وأما على قولهما: فقد ذكر في كتاب الشفعة و «الجامع» والوصايا في رواية أبي حفص والمأذون أنه لا يأخذها بالشفعة، وذكر في الوصايا في رواية أبي سليمان: أنه يأخذها، فمن مشايخنا من قال في المسألة روايتان.
وجه ما ذكر في عامة الروايات: أن الأخذ بثلاثة آلاف يخالف موضوع الشفعة أن الشفيع يأخذ بمثل الثمن الذي هو مضمون على المشتري والمضمون على المشتري ألفا درهم، فلا يجوز أن يأخذ بثلاثة ألف درهم.
وجه ما ذكر في رواية أبي سليمان: أن المريض صار بائعاً الدار من الوارث من وجه، فيعتبر بما لو باعه منه من كل وجه ولو باع منه بألفي درهم وقيمتها ثلاثة آلاف درهم كان له الأخذ بثلاثة آلاف درهم قبل إجازة الورثة كذا هاهنا.(7/587)
-----
ومن المشايخ من وفق بين الروايتين، وقال: ما ذكر في عامة الروايات محمول على ما إذا أراد الأخذ من المشتري؛ لأن الألف الزائد حينئذ تكون للمشتري؛ لأنه يملك من جهة المشتري فلهذه العهدة تكون على المشتري، فلا تزول المحاباة في حق الوارث؛ وما ذكر في الرواية الأخرى محمول على ما إذا أراد الأخذ من الورثة؛ لأن الألف الزائدة حينئذ تكون للورثة، فتزول المحاباة في حقهم.
وأما إذا أراد الأخذ بألفين بإجازة الورثة إن كان الأخذ من المشتري لا تعمل إجازتهم؛ لأن الشفيع بهذا الأخذ يصير متملكاً من جهة المشتري ومن جهة المريض فباعتبار التملك من المريض إن كانت تعمل إجازتهم، فباعتبار التملك من المشتري لا تعمل إجازتهم، فلا تصح إجارتهم بالشك، وإن كان الأخذ من الورثة تعمل إجارتهم، فإن شراء المشتري ينفسخ ويصير متملكاً على المريض من كل وجه فتعمل إجازتهم، هذا إذا كان المشتري أجنبياً، وإن كان المشتري وارثاً، فإن كان باعها بمثل قيمتها أو بأضعاف قيمتها لا شفعة للشفيع قبل إجازة الورثة عند أبي حنيفة خلافاً لهما، إن باعها بألفي درهم وقيمتها ثلاثة آلاف درهم لا شك أن على قول أبي حنيفة لا شفعة للشفيع.
وأما على قولهما: فقد ذكر في كتاب الشفعة أنه يأخذها بثلاثة آلاف درهم إن شاء؛ لأن الشفيع قائم مقام المشتري وهو الابن أن يزيل المحاباة ويأخذها بثلاثة آلاف إن شاء، فكذا للشفيع، وذكر في موضع آخر: أنه لا شفعة للشفيع ههنا؛ لأن عندهما بيع المريض من وارثة إنما يصح، إذا لم تكن فيه وصية، وفي بيع المحاباة وصيتة ولا وصية للوارث، فكان البيع فاسداً ولا شفعة في البيع الفاسد، وبأن كان المشتري يتمكن من إزالة المفسد، فذاك لا يوجب الشفعة للشفيع.
كما لو اشترى بشرط أجلٍ فاسد، وعن أبي يوسف رحمه الله: أن للشفيع أن يأخذها بألفي درهم؛ لأنه يتقدم على المشتري شرعاً، فيجعل كأن البيع من المريض كان معه بألفي درهم.(7/588)
-----
المريض إذا باع داراً بألفي درهم وقيمتها ثلاثة آلاف، وشفيعها أجنبي فله أن يأخذها بالشفعة بألفي درهم؛ لأن المحاباة كانت بقدر الثلث، وذلك صحيح من المريض الأجنبي.
فإن قيل: كيف يأخذ الشفيع الدار بألفي درهم والوصية من المريض كانت للمشتري لا للشفيع، ولا يجوز تنفيذ الوصية له لغير الوصي له.
قلنا: الوصية ما حصلت مقصودة ههنا، إنما حصلت في ضمن البيع والشفيع قد تقدم على المشتري شرعاً في البيع، فكذا فيما هو متضمن البيع على (أنه) لما أوجب البيع للمشتري بما سمى مع علمه أن الشفيع يتمكن من الأخذ بمثل ما اشترى به المشتري، كان هذه وصية للمشتري إن سلم الشفيع الشفعة، وللشفيع أن يأخذ بالشفعة إذا باعها بألفين إلى أجل، وقيمتها ثلاثة آلاف درهم، فالأجل باطل؛ لأن المحاباة بالقدر استغرقت ثلث المال، فلا يمكن تنفيذ الوصية بالأجل في شيء ولكن يتخير المشتري بين أن يفسخ البيع، أو يؤدي الألفين حالة، ليصل إلى الورثة كمال حقهم وأي ذلك ما فعل، فللشفيع الشفعة يأخذها بألفي درهم حالة، وإن باعها بثلاثة آلاف درهم إلى سنة وقيمتها ألفا درهم، ثم مات أجمعوا على أن الأجل فيما زاد على الثلث باطل؛ لأنه بمنزلة المحاباة؛ لأنه براءة مؤقته، فتعتبر بالبراءة المؤبدة، لكن اختلفوا أنه يعتبر الأجل في الثلث باعتبار الثمن أو باعتبار القيمة، قال أبو يوسف: باعتبار الثمن، فيجعل ثلثي الثمن، وذلك ألفا درهم (178ب3) إن شاء والألف الثالثة إلى أجله، وقال محمد رحمه الله: باعتبار القيمة، فيجعل ثلثا القيمة، وذلك ألف وثلثمائة وثلاثة وثلثون وثلث إن شاء، والباقي عليه إلى أجله.(7/589)
-----
إذا باع المريض داراً وحابى وابنه شفيعها فبرئ من مرضه، فإن كان الوارث الشفيع علم بالبيع، وقد طلب وقت ما علم كان له أن يأخذ بالشفعة، وإن لم يطلب فلا شفعة له؛ لأنه ترك الطلب بغير عذر، أكثر ما فيه أنه لم يكن متمكناً من الأخذ وقت البيع لمرض البائع، لكن هذا لا يمنع سقوط الشفعة عند ترك الطلب، ألا ترى أن الجار إذا لم يطلب الشفعة بعد ما علم بالبيع لمكان الشريك، ثم سلم الشريك الشفعة، فلا شفعة للجار، وإن لم يكن متمكناً من الأخذ وقت البيع.
الفصل التاسع عشر: في وجوه الحيل في باب الشفعة
الحيل في هذا الباب نوعان:
نوع لإسقاطه بعد الوجوب، وذلك أن يقول المشتري للشفيع: أنا أبيعها منك بما أحدث، فلا فائدة لك في الأخذ، فيقول الشفيع: نعم أو يقول المشتري للشفيع اشتراه مني بما أحدث فيقول الشفيع: نعم، أو يقول: اشتريت، فبطل به شفعته وإنه مكروه، هكذا ذكر شيخ الإسلام في «شرحه»، وذكر شمس الأئمة السرخسي في «شرحه»: أنه لا يكره إذا لم يكن قصد المشتري الإضرار بالشفيع.
ونوع لمنع وجوبه، وقد اختلف المشايخ فيه: بعضهم قالوا على قول أبي يوسف: لا يكره، وعلى قول محمد: يكره، وهذا القائل قاس فصل الشفعة على فصل الذكاة وفي كراهية الحيل لمنع وجوب الذكاة خلاف بين أبي يوسف ومحمد، ومنهم من قال: في الشفعة لا تكره الحيلة لمنع وجوبها بلا خلاف، وإنما الخلاف في فصل الذكاة فعلى قول هذا القائل يحتاج محمد إلى الفرق بين الشفعة وبين الذكاة.
وفي «المنتقى»: قال هشام: سألت عن محمداً عن رجل جعل بيتاً من داره هبة لرجل، ثم باع بقية الدار منه هرباً من الشفعة قال: كان أبو يوسف لا يرى بذلك بأساً، وأما محمد رحمه الله، فكرهه كراهة شديدة، ولم يحفظ عن أبي حنيفة شيئاً.
وفي «فتاوى الفضلي»: سئل أبو بكر بن أبي أسعد عن ذلك، فقال: بعد البيع مكروه في الأحوال كلها إن كان الجار فاسقاً يتأذى به، فلا يكره.(7/590)
-----
وقيل: يكره في جميع الأحوال، ثم بعض الحيل يرجع إلى منع وجوب الشفعة، وبعضها يرجع إلى تقليل الرغبة في الشفعة، أما التي ترجع إلى منع وجوبها: أن يهب البائع بيتاً معلوماً من الدار بطريقه أو موضعاً آخر معلوماً من الدار بطريقه فتجوز الهبة؛ لأن ما وهب مقرر معين، والطريق وإن كان مشاعاً إلا أنه لا يحتمل القسمة، وهبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة جائز، فيصير شريكاً في الطريق ثم يبيع بقية الدار منه بثمن الكل، فيصير أولى بالجار، إلا أن هذه الحيلة تصلح لدفع الجار أما لا يصلح لدفع الشريك في الدار.
ومن جملة ذلك
أن يتصدق بطائفة معينة من الدار على المشتري بطريقها ويسلمها، ثم يبيع الباقي منه، فلا يكون للجار الشفعة.
ومن جملة ذلك: أن يهب من المشتري قدر ذراع من الجانب الذي هو متصل بملك الجار حتى يزول جواره عن باقي الدار، ثم يبيع الباقي منه.
ومن جملة ذلك: أن يستأجر صاحب الدار من المشتري ثوباً ليلبثه يوماً إلى الليل بجزء من داره التي يريد بيعها ثم يصير حتى يمضي اليوم أو بشرط التعجيل حتى يملك ذلك الجزء للحال ثم يبيع الباقي منه فلا يكون للجار الشفعة في الجزء الأول؛ لأنه ملك بعقد الإجارة، ولا في الجزء الثاني؛ لأن المشتري في الدار وقت البيع والشريك يتقدم على الجار.
ومنها: أن يؤكل الشفيع ببيعها، فإذا باعها بطلت شفعته.
ومنها: أن يبيعها بشرط أن يضمن الشفيع الدرك أو يضمن الثمن للبائع، فإذا ضمن بطلت شفعته، ومنها أن يبيعها بشرط الخيار للشفيع ثلاثة أيام فلا شفعة له قبل إسقاط الخيار بطلت شفعته.(7/591)
-----
وأما التي يرجع إلى تعليل الرغبة أن يبيع عشر الدار من المشتري بتسعة أعشار الثمن ثم يبيع تسعة أعشار الدار بعشر الثمن، فلا يرغب المشتري في أخذ العشر لكثرة الثمن، ولا حق له في الباقي؛ لأن المشتري شريك وقت شراء الباقي، فلو أن المشتري في هذه الصورة خاف أنه لو اشترى العشر بتسعة أعشار الثمن لا يبيع الباقي بعشر من الثمن.
فالحيلة في ذلك: أن يشتري العشر على خيار ثلاثة أيام حتى لو أن البائع إن أبى بيع الباقي، فالمشتري ينقض البيع في العشر بحكم الخيار، فلو أن البائع خاف في هذه الصورة أنه إن باع الباقي بعشر الثمن يفسخ المشتري البيع في العشر الأول بحكم الخيار.
فالحيلة للبائع: أن يبيع الباقي بشرط الخيار لنفسه ثلاثة أيام يجيزان البيعين معاً، فإن خاف كل واحد منهما أنه إن أجاز لم يجز صاحبه.
فالحيلة في ذلك: أن يوكل كل واحد منهما وكيلاً بإجازة البيع، ويشترط أن يجيز بشرط أن يجيزان لم يجز صاحبه.
ومنها: أن يشتري الدار بثمن كثير ثم يعطي المشتري بذلك شيئاً من خلاف جنسه هو أقل قيمة منه، فإذا أراد الشفيع أن يأخذ يأخذ بذلك الثمن الكثير، فلا يرغب فيه لكثرة الثمن.
ومنها: وهو قريب مما تقدم: أنه إذا أراد أن يشتري داراً قيمتها عشرة آلاف درهم وعشرة ينبغي أن يشتريها بعشرين ألف درهم ويعطيه عشرة آلاف درهم وديناراً بعشرة، فإذا أراد الشفيع الأخذ يأخذ بعشرين ألف درهم؛ لأن الشراء وقع بهذا القدر، وإن استحق الدينار رجع على البائع بما أدى من الدراهم والدنانير فقط؛ لأنه لما استحق الدينار رجع على البائع بما أدى من الدراهم بطل الصرف؛ لأنه ظهر أن الثمن لم يكن عليه، فصار كمن اشترى من آخر ديناراً بعشرة عليه ثم تصادقا إنه لا دين عليه، فإنه يبطل الصرف ويرد الدينار كذا هاهنا.
(7/592)
-----
ومنها: أن يبيع البناء من الدار من المشتري ليقلعه بثمن قليل ويبيع الساحة بثمن كثير فلا يجب للشفيع الشفعة في البناء، ويجب في الساحة ولكن لا يرغب في الساحة لكثرة الثمن.
ومنها: أن قيمة الدار إذا كانت ألفاً مثلاً يبيع مشتري الدار شيئاً من أعيان ما له قيمته ألف بألفين حتى يجب للمشتري بائع الدار ألفي درهم قيمة ذلك الشيء ثم يشتري المشتري الدار وقيمتها ألف بثمن ذلك الشيء ألفي درهم، فتقع المقاصة بين الثمنين، (179أ3) ويكون ثمن الدار ألفي درهم إذا أراد المشتري أخذ الدار يأخذها بألفي درهم فلا يرغب في أخذها.
الفصل العشرون: في المتفرقات
ذكر محمد رحمه الله في «الجامع الكبير»: أن الشفيع إذا باع بعض داره التي يستحق بها الشفعة مشاعاً غير مقسوم بعد بيع الدار المشفوعة لا تبطل به شفعته، في «الأصل» في هذه المسألة وأجناسها: أن الشفيع متى أحدث في الدار التي يستحق بها الشفعة حدثاً بعد البيع والطلب قبل الأخذ، وما لو أحدثه بعد البيع قبل الطلب أو قبل البيع منع الطلب ووجوب الشفعة منع الأخذ، وما لا يمنع الطلب ووجوب الشفعة لا يمنع الأخذ بالشفعة؛ إذ المقصود من الطلب الأخذ.
إذا ثبت هذا فنقول: بيع بعض الدار التي يستحق بها الشفعة مشاعاً قبل البيع أو بعد البيع قبل الطلب لا يمنع وجوب الشفعة، وطلبها لقيام الجوار في نقص الدار، فبعد البيع والطلب لا يمنع الأخذ، وكذلك إذا باع بعضها مقسوماً مما لا يلي جانب الدار المبيعة لا تبطل به شفعته.
وإن باع بعضها مقسوماً مما يلي الدار المبيعة تبطل به شفعته؛ لأن ما أحدث لو أحدثه قبل البيع أو بعد البيع قبل الطلب يمنع وجوب الشفعة، وطلبها زوال الجوار وقت البيع ووقت الطلب، فيمنع الأخذ بالشفعة.(7/593)
-----
داران طريقهما واحد، وأحد الدارين بين رجلين، والآخر لرجل خاصة باع صاحب الخاصة داره، فللآخرين الشفعة بالطريق، فإن اقتسما الدار المشترك وأصاب أحدهما بعض الدار مع كل الطريق الذي كان لهما وأصاب الآخر بعض الدار بلا طريق، وفتح الذي لا طريق له لنصيبه باباً إلى الطريق الأعظم، وهما جميعاً جاران للدار التي بيعت، فالذي صار الطريق له أحق بشفعتها؛ لأنه بقي في شركة الطريق، فإن سلم هو الشفعة أخذه الآخر بالجوار، ولا تبطل شفعته بسبب هذه القسمة؛ لأن هذه القسمة لو وجدت قبل البيع أو بعد البيع قبل الطلب لا تمنع وجوب الشفعة وطلبها الآخر؛ لأن الجار مع الخليط شفيع إلا أن الخليط مقدم على الجار فلا يمنع الأخذ بالشفعة أيضاً.r
في «الأصل»: إذا بنى الشفيع في الدار التي أخذها بالشفعة بناءً، ثم استحقت الدار من يده رجع على الذي الدار منه بالثمن ولم يرجع بقيمة البناء، والمشتري إذا بنى ثم استحقت الدار من يده، فإنه يرجع بقيمة البناء كما يرجع بالثمن.
والفرق: أن رجوع المشتري بقيمة البناء من حيث إن البائع ضمن سلامة البناء للمشتري، وهذا المعنى لا يتأتى في حق الشفيع؛ لأن المأخوذ منه الدار لم يضمن له سلامة البناء؛ لأن الشفيع أخذ الدار على كره منه وضمان السلامة لا يثبت بدون الرضا.
وفي «المنتقى»: الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله: أن الشفيع إن كان أخذ الدار بقضاء لا يرجع بقيمة البناء على كل حال، وهو قول أبي يوسف رحمه الله أولاً، وكان أبو يوسف يرويه عن أبي حنيفة أيضاً، وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف: أنه يرجع بقيمة البناء على من أخذ الدار منه، وكتب عليه عهدته؛ لأنه بمنزلة البائع ويستوي فيه الحكم وغير الحكم.(7/594)
-----
في «الأصل»: رجل زعم أنه باع داره من فلان بكذا ولم يأخذ الثمن، فقال فلان: ما اشتريتها منك كان للشفيع أن يأخذها بالشفعة؛ لأن في زعم البائع أن البيع ثابت وصدقه الشفيع في ذلك، فكان للشفيع أن يأخذ للبائع في ذلك بزعمه، هذا إذا أقر أنه باع من فلان وفلان حاضر ينكر الشراء، فأما إذا كان غائباً فلا خصومة للشفيع مع البائع حتى يحضر المشتري؛ لأن الشراء من الغائب قد ثبت بتصديق البائع والشفيع، فيعتبر بما لو كان ثابتاً معاينة وغاب المشتري، فلا خصومة للشفيع مع البائع إلى أن يحضر المشتري؛ لأن الملك يستحق عليه، فلا بد من حضرته، فكذا ها هنا.
ذكر في أول باب طلب الشفعة، قال هشام: سألت محمداً عن رجل باع داراً إلى جنب رجل وهو شفيعها، والشفيع يزعم أن الدار المبيعة له، ويخاف أنه إن ادعى رقبتها تبطل شفعته، وإن ادعى الشفعة تبطل دعوى الرقبة، فكيف يصنع؟.
فأجاب، وقال: ينبغي له أن يقول: هذه الدار داري وأنا أدعي رقبتها، فإن وصلت إليها وإلا فأنا على شفعتي فيها، فإذا قال هذا لا يبطل شفعته بدعواه الرقبة.
وفي «النوازل»: دار بيعت وفيها لرجل هو شفيعها حق فأراد أن يطلب الشفعة على وجه لا تبطل دعواه ينبغي أن يقول: طلبت الشفعة إن لم يثبت لي فيها حق الذي ادعى فيها.
وفي «المنتقى»: في آخر باب طلب الشفعة: إذا باع الرجل داره فادعى رجل أنها داري وأنا أقيم البينة، فإن لم يزك بينتي فأنا آخذها بالشفعة؛ لأن داري لزيقها فلا شفعة له فيها من قبل أنه ادعى ملكها وزعم أنه لا شفعة له فيها.(7/595)
-----
وفيه أيضاً: رجل له دار غصبها غاصب، فبيعت دار بجنبها والغاصب والمشتري جاحدان الدار للشفيع ينبغي أن يطلب الشفعة حتى إذا أقام البينة على الملك يتبين أن الشفعة كانت ثابتة له، فطلب خاصم الغاصب إلى القاضي وأخبره عن صورة الأمر، فبعد ذلك قضى القاضي له بالدار وبالشفعة في الدار الأخرى، وإن لم يقم البينة فالقاضي يحلفهما جميعاً فبعد ذلك المسألة على وجوه: إن حلفا فالقاضي لا يقضي له بإحدى الدارين، وإن نكلا فالقاضي يقضي بالدارين، وإن حلف الغاصب ونكل المشتري لا يقضي له بالدار المغصوبة، ويقضي له بالشفعة، وإن حلف المشتري ونكل الغاصب يقضي له بالدار المغصوبة، ويقضي له بالشفعة؛ لأن النكول إقرار وإقرار كل مقر حجة عليه خاصة.
ذكر هشام في «نوادره»: سمعت أبا يوسف يقول في رجل صالح رجلاً من دار ادعاها في يديه على مائة درهم وهو جاحد، فأقام الشفيع البينة أنها للذي ادعاها قال: يأخذها.
في «القدوري»: اشترى داراً ولها شفيع، فبيعت دار إلى جنب هذه الدار، فطالب بالشفعة، وقضى له ثم حضر الشفيع قضي له بالدار الأولى لجواره، ويمضي الحكم في الثانية للمشتري؛ لأنه كان جاراً له البيع والحكم له، فبطلان الجوار لا يبطل حكم الواقع كما لو باع المشفوع بها.
ولو كان الأول جاراً للدارين حكم له بالدار الأولى بالجوار وبنصف الدار الثانية؛ لأن الشفيع مع المشتري جاران للدار الثانية، وروي عن أبي يوسف رحمه الله فيمن اشترى نصف دار ثم اشترى آخر نصفها الأخرى، فخاصمه المشتري الأول فقضي له بالشفعة بالشركة ثم خاصمه جار (179ب3) في الشفيعين، فالجار أحق بالشراء الأول، ولا حق له في الثاني.(7/596)
-----
وكذلك لو اشترى نصفها ثم اشترى نصفها؛ لأنه شريك وقت شراء النصف الثاني، فكان أولى بالشفعة من الجار، ولو كان المشتري للنصف الثاني غير المشتري للنصف الأول، فلم يخاصمه فيه حتى أخذ الجار النصف الأول، فالجار أحق بالنصف الثاني؛ لأن ملك المشتري الأول قد بطل قبل الأخذ بالشفعة، فيبطل حقه في الشفعة.
ولو أن رجلاً ورث داراً فبيعت دار بجنبها فأخذها بالشفعة، ثم بيعت دار أخرى بجنب الدار الثانية، ثم استحقت الدار الموروثة وطلب المستحق الشفعة، فإنه يأخذ الدار الثانية ويكون الوارث أحق بالدار الثالثة، هكذا ذكر القدوري، ولم يذكر ما إذا لم يطالب المستحق الشفعة، وذكر في القدوري: أن الدار الثانية ترد على المقضي عليه بالشفعة يعني للذي كان اشتراها والدار الثالثة تترك في يد الذي هي في يديه.
في الباب الأول من شفعة «الجامع:» رجل اشترى داراً وقبضها فأراد الشفيع أخذها فقال المشتري: بعتها من فلان وخرجت من يدي، ثم أودعينها لم يصدق، وجعله خصماً للشفيع؛ لأن الشفيع ادعى لنفسه حقاً في هذه الدار وذو اليد أقر أنه كان خصماً له ثم ادعى أنه لم يبق خصماً له، فلا يصدق، فإن أقام البينة على ذلك لا تسمع بينته.
وكذلك لو قال: وهبتها لفلان وقبضها ثم أودعينها لا يقبل قوله، ولو أقام على ذلك بينة، فإن حضر المشتري في الفصل الأول والموهوب له في الفصل الثاني، وكان ذلك بعد قضاء القاضي للشفيع، وأقام البينة على الشراء أو على الهبة لا تسمع بينته، وكان القضاء بالشفعة نقضاً للشراء والهبة؛ لأن صاحب اليد صار مقضياً عليه، فكل من ادعى تلقي الملك من جهة صاحب اليد يصير مقضياً عليه، ألا ترى أنه لو كان مكان دعوى الشفعة دعوى الملك في هذه الدار وقضي القاضي بالملك للمدعي، ثم حضر المشتري والموهوب له وأقام البينة على الشراء والهبة لا يقبل بينته كذا ها هنا.
(7/597)
-----
وفي الأبواب المتفرقة قبيل كتاب البيوع من «الجامع»: دار في يدي رجل يدعي أنه اشتراها من فلان ونقده الثمن والدار تعرف لفلان، وادعى فلان أنه وهبها للمدعي، وله أن يرجع في الهبة، فالقول قول فلان؛ لأن التمليك صدر من فلان باتفاقهما، فيكون القول قوله في بيان جهته، فإن لم يقض القاضي للواهب بالرجوع حتى حضر شفيع الدار، فهو أحق بالدار من الواهب؛ لأن صاحب اليد أقر بحق الشفعة للشفيع، وقد صح هذا الإقرار منه؛ لأن صاحب الدار أقر أنه ملك الدار من صاحب اليد، والتمليك تسليط على التصرف، وأن يضمن ذلك إبطال حق الواهب في الرجوع، فيصح الإقرار منه بثبوت حق التملك للشفيع أيضاً، فإن لم يحضر الشفيع قضى القاضي بالرجوع للواهب؛ لأن حقه ظاهر وحق الشفيع لم يظهر بعد فإذا قضي له بالرجوع، ثم حضر الشفيع نقض الرجوع، وردت الدار على الشفيع.
ولو كان صاحب اليد ادعى أنه اشتراها من فلان على أن فلاناً بالخيار ونقده الثمن، وادعى فلان الهبة والتسليم وحضر الشفيع أخذها بالشفعة وبطل الخيار.
وفي المسألة نوع إشكال؛ لأن صاحب اليد مع صاحب الدار اتفقا على أنه لا شفعة للشفيع؛ لأن صاحب الدار يدعي الهبة وصاحب اليد يدعي البيع بشرط الخيار للبائع.
قلنا: صاحب الدار لما أقر بالهبة والتسليم إلى صاحب الدار فقد أقر بثبوت الملك له، وإقراره بثبوت الملك إسقاط منه للخيار، وصاحب اليد مقر بالشراء، فتثبت الشفعة بإقرار صاحب اليد بالشراء عند سقوط خيار صاحب الدار.(7/598)
-----
في «الأصل»: إذا كانت الدار في يد البائع، وقضى القاضي للشفيع بالشفعة على البائع، وطلب الشفيع من البائع الإقالة فأقاله البائع فالإقالة جائزة، وتعود الدار إلى ملك البائع ولا تعود إلى ملك المشتري، ويجعل في حق المشتري كأن البائع اشترى الدار من الشفيع، وكذلك إذا كانت الدار في يد (البائع) وقضى القاضي بالدار للشفيع، فقبل أن يقبض الشفيع الدار من المشتري أقال مع البائع صحت الإقالة، وصارت الدار ملكاً للبائع في قول أبي حنيفة.
في «الأصل»أيضاً: إذا مات المشتري والشفيع حي، فللشفيع الشفعة، فإن كان على الميت دين لا تباع الدار في دينه وأخذها الشفيع بالشفعة، وإن تعلق بالدار حق الغريم والشفيع؛ لأن حق الشفيع آكد من حق الغريم، فإن حق الشفعة في الصورة والمعنى، وهو المالية وحق الغريم في المالية دون الصورة، فكان حق الشفيع مقدماً.
وفي «الأصل»أيضاً: إذا حط (180أ3) البائع عن المشتري بعض الثمن، فهذه المسألة على وجهين:
إما إن كان الحط قبل الثمن من المشتري أو بعده، فإن كان قبل قبض الثمن صح الحط في حق المشتري والشفيع حتى أن الشفيع يأخذ الدار بما وراء المحطوط؛ لأن حط البعض يلتحق بأصل العقد، فصار العقد القائم للحال عقداً بما وراء المحطوط، فيأخذه الشفيع بذلك.
وكذلك لو وهب بعض الثمن من المشتري أو أبرأه عن بعض الثمن؛ لأن الهبة والإبراء قبل القبض بمنزلة الحط.
وأما إذا حط الكل أو وهب الكل أو أبرأه عن الكل صح في حق المشتري؛ لأنه لاقى ديناً ولكن لا يظهر في حق الشفيع حتى يأخذ الشفيع الدار بجميع الثمن إن شاء؛ لأن هذا الحط لا يلتحق؛ لأنه لو التحق بطل من حيث صح؛ لأن العقد بغير ثمن باطلٌ فلا يكون المحطوط ثمناً، فلم يلتحق بأصل العقد، وبقي العقد في حق الشفيع بجميع الثمن كما كان قبل ذلك، وإن كانت هذه التصرفات بعد قبض البائع الثمن من المشتري.(7/599)
-----
فالجواب في الحط والهبة على ما ذكرنا قبل القبض إن حط البعض أو وهب البعض صح في حق المشتري والشفيع، ووجب على البائع رد مثل ذلك على المشتري وأخذه الشفيع بما وراء المحطوط والموهوب، وإن حط الكل أو وهب الكل يصح ذلك في حق المشتري، فلا يصح في حق الشفيع.
وأما الإبراء بعد القبض لا يصح لا في حق المشتري ولا في حق الشفيع، سواء كان الإبراء عن الكل أو عن البعض.
وفي المسألة نوع إشكال، فإن الثمن بعد القبض إن اعتبر قائماً في ذمة المشتري، فينبغي أن يصح الإبراء كما تصح الهبة والحط كما قبل القبض، وإن لم يعتبر قائماً ينبغي أن لا تصح الهبة والحط كما لا يصح الإبراء، والجواب: الثمن باق في ذمة المشتري بعد القبض؛ لأن البائع ما قبض عين حقه إلا أنه ليس للبائع ولاية المطالبة؛ لأن المشتري يطالبه بمثله، فلا يفيد فمطالبة المشتري مفيد؛ لأن البائع لا يطالبه بمثل ذلك؛ لأن المشتري قد يرى، فيجب على البائع رد مثل ما قبض بعد الحط والهبة، فأما الإبراء، فإنما لم يصح؛ لأن الثمن غير باق في ذمة المشتري ولكن؛ لأن الإبراء نوعان: إبراء لإسقاط الواجب، وإبراء بالاستيفاء.
ولهذا يقال: أبرأه براءة قبض واستيفاء، كما يقال: أبرأه براءة إسقاط، فإذا أطلق البراءة إطلاقاً انصرف ذلك إلى البراءة من حيث الاستيفاء؛ لأنه أقل وصار كأنه نص عليه، فقال: أبرأتك براءة قبض واستيفاء، وهناك لا يسقط الواجب عن ذمته ولا يلزم البائع رد شيء بخلاف الحط والهبة، فإنه نوع واحد وهو الحط والهبة، بطريق إسقاط الواجب.
ولهذا لا يقال: حططت ووهبت حط استيفاء، فكأنه نص عليه، ولو زاد المشتري في الثمن زيادة بعد العقد يأخذ الشفيع الدار بالثمن الأول، ولا تظهر الزيادة في حق الشفيع.
وفرق بين الزيادة وبين الحط، فإن الحط يظهر في حق الشفيع.(7/600)
-----
والفرق: أن الزيادة تتضمن إبطال حق الشفيع، فإنه يثبت للشفيع حق الأخذ بالثمن الأول؛ لأن لو صحت الزيادة في حق الشفيع لا يتمكن من الأخذ بالثمن الأول، فلم تصح الزيادة في حقه صيانة لحقه، أما الحط لا يتضمن إبطال حق على الشفيع بل فيه منفعة للشفيع؛ لأن بالحط يخرج بعض الثمن عن العقد، فلهذا افترقا.
في «فتاوى (أهل) سمرقند»: أن رجلاً اشترى من رجل أرضاً وقبضها، فجاء الشفيع وطلب شفعتها، فسلمها المشتري إليه، ثم نقد المشتري البائع الثمن فوهب البائع منه من ذلك خمسة دراهم، وقد قبض المشتري من الشفيع جميع الثمن، فعلم الشفيع بالهبة، فليس له أن يسترد شيئاً.
ولو وهب البائع خمسة دراهم من المشتري قبل قبض الثمن كان للشفيع أن يسترد؛ لأن في الوجه الأول الهبة ليست بحط؛ لأنها هبة العين بخلاف الوجه الثاني.
في «المنتقي»: جل اشترى داراً من رجل بألف درهم وتقابضا، ثم زاده في الثمن ألفاً من غير أن يتناقضا البيع، ثم علم الشفيع بالألفين ولم يعلم بالألف، فأخذها الشفيع بألفين بحكم أو بغير حكم، فإن أخذها بحكم أبطله القاضي، ثم قضى له أن يأخذها بشفعته بالألف؛ لأنه كان قضاء له بغير ما وجبت به الشفعة، وإن أخذها بغير حكم، فهذا شراء ولا ينتقض، ولو كان المشتري حين اشتراها بألف وقبضها ناقصة البيع، ثم اشتراها بألفين، ثم علم الشفيع بالبيع بألف وأخذها بالشفعة بألفين بحكم أو بغير حكم، ثم علم بالبيع بألف لم يكن له أن ينتقض أخذه؛ لأنه أخذ بما قد كان وجب له أخذها به.
إذا باع الرجل داره وعبده التاجر شفيعها، فإن لم يكن عليه دين لا يأخذها، وإن كان عليه دين أخذها، وكذلك إذا كان البائع هو العبد والمولى شفيعها.
إذا اشترى الرجل أرضاً وزرع فيها زرعاً، ثم جاء الشفيع فله أن يأخذها ويقلع الزرع قياساً.(7/601)
-----
وفي الاستحسان: لا يأخذها في الحال، وتترك في يد المشتري إلى أن يستحصد الزرع؛ لأن المشتري محق في الزراعة من وجه، فإنه زرع في ملك نفسه، وكونه محقاً في الزراعة يمنع غيره عن قلع زرعه، ويتعدى في الزراعة من وجه من حيث إنه زرع فيما هو حق الغير، وإنه مطلق القلع لصاحب الحق، الآن لو اعتبرنا كونه محقاً لا يبطل حق الشفيع أصلاً بل يتأخر؛ لأن لإدراك الزرع غاية معلومة.
ولو اعتبرنا جانب كونه متعدياً يبطل حق المشتري في الزرع أصلاً، ولا شك أن التأخير أولى من الإبطال حتى لو كان مكان الزرع بناء أو غرساً أو رطبة يؤمر المشتري بقلع هذه الأشياء؛ إذ ليس لهذه الأشياء نهاية معلومة، والتأخير لا إلى غاية معلومة إبطال، فاستوى الجانبان في معنى الإبطال، فراعينا جانب الشفيع؛ لأنه ليس بمتعد أصلاً، والمشتري متعد من وجه، ثم إذا ترك الأرض في يد المشتري تترك بغير أجر.
وروي عن أبي يوسف: أنه تترك بأجر المثل، وكان أبو يوسف رحمه الله قاس هذا على ما إذا انقضت مدة الإجارة وفي الأرض زرع لم يستحصد بعد حتى ترك في يد المستأجر يترك بأجر المثل.
وفي ظاهر الرواية فرق بينهما؛ لأن المشتري مالك للرقبة وإيجاب الآخر على مالك الرقبة لا يستقيم، وفي فصل الإجارة يجب الأجر على غير مالك الرقبة وإنه مستقيم، وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن حامد يحكي عن الشيخ الإمام الزاهد أبي حفص الكبير رحمه الله: أنه كان يقول: يسلم المشتري الأرض إلى الشفيع ثم يستأجر منه مدة معلومة يعلم أن الزرع يدرك في مثله نظراً للشفيع والمشتري، وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن حامد هذا يقول: ما قاله الشيخ لا يصح على قول محمد؛ لأن الأرض مشغولة بزرع رب الأرض فيمنع التسليم.(7/602)
-----
وإذا منع التسليم صار الشفيع مؤجراً الأرض قبل القبض، ومن مذهبه إن إجارة العقار قبل القبض لا تجوز، وإنما يصح هذا الجواب على قولهما؛ لأن عندهما إجارة العقار قبل القبض جائزة.
ومن هذا الجنس
في «فتاوى أبي الليث»وصورتها: رجلٌ أخذ أرضاً مزارعة وزرعها، فلما صار الزرع بقلاً اشترى المزارع الأرض مع نصيب رب الأرض من الزرع، ثم جاء الشفيع، فله الشفعة في الأرض وفي نصف الزرع، ولكن لا يأخذ حتى يدرك الزرع؛ لأن نصف الأرض مشغولة بنصيب (180ب3) المزارع ولم يجب فيها الشفعة، فكان المزارع أحق بها حتى يدرك.
في «المنتقى»: رجل اشترى داراً ولها شفيع، فقال الشفيع: أجزت البيع وأنا آخذ بالشفعة أو قال: سلمت المبيع، وأنا آخذ بالشفعة فهو على شفعته إذا وصل، وإذا فصل وسكت ثم قال: أنا آخذ بالشفعة، فلا شفعة له.
في «المنتقى»أيضاً عن محمد: رجل اشترى من آخر داراً وجاء شفيع الدار، وادعى أنه كان اشترى هذه الدار من البائع قبل شراء هذا المشتري، فأقر المشتري بذلك ودفع الدار إلى الشفيع ثم قدم شفيع آخر، وأنكر شراء الشفيع أخذ الدار كلها بالشفعة؛ لأن الأول لم يأخذها بالشفعة ولم يطلب شفعته، فبطلت شفعته لترك الطلب، ولو كان الشفيع حين أقر له المشتري بما أقر به كذبه في إقراره.
معنى المسألة: إذا قال المشتري للشفيع ابتداء: قد كنتَ اشتريت هذه الدار قبل شرائي فهي لك بشرائك قبلي، وقال الشفيع: ما اشتريتها وأنا آخذها بالشفعة، فأخذها الشفيع من المشتري ثم الشفيع الآخر فليس إلا نصفها.
في «الفتاوى»: سئل أبو بكر عمن له ضيعة عليها خراج كثير ومؤن لا يشتري بشيء، فباعها مع دار قيمتها ألف درهم بألف درهم، فجاء شفيع الدار بكم يأخذ الدار؟.(7/603)
-----
قال: سئل أبو نصر عن هذا، فلم يجب، قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: وعندي أن الضيعة إذا كانت بحال يشتريها أخذها من أصحاب السلطان بشيء يقسم الألف على ما يشتري به الضيعة وعلى قيمة الدار، وإن كانت الضيعة لا يشتريها أحد قسمت الألف على قيمة الأرض في آخر الوقت التي ذهبت عنها رغبات الناس وعلى قيمة الدار؛ لأنه لا بد للقسمة من القيمة، فإذا لم يكن لها قيمة للحال يعتبر قيمتها في آخر الوقت الذي عنها رغبات الناس، ويمكن أن يقال على قياس أبي حنيفة يجعل الألف بمقابله الدار إذا لم يكن للضيعة قيمة أصلاً.
أصله: إذا تزوج امرأتين على ألف درهم إحداهما تحل له والأخرى لا تحل له.
رجل ادعى قبل رجل شفعة بالجوار والمشتري لا يرى الشفعة بالجوار، فأنكر شفعته يحلف بالله ما لهذا قبلك شفعة يحلف فيفوت حق المدعي.
في «فتاوى أبي الليث»: وفي هذا الموضع أيضاً: رجل اشترى داراً ولم يقبضها حتى بيعت دار أخرى بجنبها، فللمشتري الشفعة؛ لأنه ملكها بنفس الشراء، فيثبت له الجوار.
وفي هذا الموضع أيضاً: رجل طلب الشفعة في دار، فقال له المشتري: دفعتها إليك فهذا على وجهين:
الأول: إن علم الشفيع بالثمن، وفي هذا الوجه التسليم صحيح وصارت الدار ملكاً للشفيع؛ لأن المشتري ملكها منه وصح التمليك.
الوجه الثاني: إذا لم يعلم الشفيع بالثمن، وفي هذا الوجه لا يصير الدار ملكاً للشفيع، فهو على شفعته؛ لأن التمليك لم يصح.
وفي هذا الموضع أيضاً: رجلٌ أسلم داراً في مائة قفيز حنطة وسلم، فجاء الشفيع فله الشفعة؛ لأنها ملكت بعقد المعاوضة، ولو لم يسلم الدار حتى افترقا بطل السلم لمكان الافتراق، ولا شفعة للشفيع؛ لأن هذا ليس بعقد، وإن لم يفترقا حتى تناقضا السلم ثم افترقا كان للشفيع الشفعة؛ لأن الإقالة عقد جديد في حق الثالث.(7/604)
-----
في «الجامع»: رجل في يديه دار جاء رجل وادعى شفيعها، وقال للذي في يديه الدار: اشتريتها من فلان وصدقه البائع في ذلك، وقال الذي في يديه الدار: ورثتها عن أبي، فأقام الشفيع البينة أنها كانت لأب البائع مات وترك ميراثاً للبائع، ولم يقم البينة على البيع، فالقاضي يقول للذي في يديه: إن شئت فصدق الشفيع وآخذ منه الثمن وتكون العهدة عليك وإن أبى ذلك أخذ الشفيع الدار ودفع الثمن ويرد البائع الثمن على المشتري والعهدة على البائع، وإنما قبلت بينة الشفيع على إثبات الملك للبائع؛ لأن الملك للبائع سبب ثبوت حقه في الشفعة.
ألا ترى أنه لو ادعى أن هذه الدار ملكه اشتراها من فلان، وفلان يملكه وقال ذو اليد: ورثتها عن أبي، فأقام المدعي بينة أن الدار كانت لأب البائع مات وتركها ميراثاً للبائع والبائع مقر بالبيع، وقبض الثمن من المدعي تقبل بينة المدعي، وإنما تقبل لما قلنا.
وإذا قبلت بينته صار الثابت بها كالثابت عياناً، ولو عاينا أن الدار ملك البائع والبائع يقول بعتها من فلان من ذي اليد بكذا وقبضت منه الثمن كان القول قوله.
وصارت مسألتنا دار مملوكة لإنسان في يد رجل أقر صاحب الدار بيعها من صاحب اليد وقبض الثمن منه، وأنكر صاحب اليد الشراء جاء شفيع الدار وطلب الشفعة وهناك يقال لصاحب اليد: إن شئت فصدق البائع في دعوى البيع حتى يأخذها الشفيع منك، وتكون العهدة عليك، وإن شئت فكذب البائع ورد الدار على البائع حتى يأخذها الشفيع منه وتكون العهدة عليه كذا ههنا، وكذلك لو قال الذي في يديه: وهبها لي فلان، وقال الشفيع: اشتريتها من فلان وصدق البائع الشفيع فهو على ما وصفت لك.Y
(7/605)
-----
وفيه أيضاً: رجل اشترى داراً بعبد فلم يتقابضا حتى اعور العبد ورضي المشتري بالقيمة أو اختار تركه كان للشفيع أن يأخذ الدار بالشفعة، أما إذا رضي به المشتري فظاهر، وأما إذا تركه؛ فلأن العقد، وإن انفسخ من كل وجه بالرد بالعيب قبل القبض إلا أن حق الشفيع لا يبطل بانفساخ البيع على ما مر، ويأخذها بقيمة العبد صحيحاً، وكان ينبغي أن يأخذها بقيمة العبد معيباً؛ لأن بائع الدار لما رضي بالعبد مع العيب، فقال: حط عن مشتري الدار بعض ثمنها وما يحط عن المشتري يحط عن الشفيع.
قلنا: هذا هكذا إذا كان ما حط على المشتري متبوعاً وأصلاً بنفسه؛ لأنه حينئذ يلتحق بأصل العقد ويجعل كالموجود لذا العقد، إما إذا كان بيعاً ووصفاً من أوصاف الثمن لا يحط عن الشفيع ما حط عن المشتري.
ألا ترى أن من اشترى داراً بألف درهم جياد ونقد ألف درهم زيوف وتجوز به البائع، ثم حضر الشفيع أخذ الدار بألف درهم جياد.
وطريقة ما قلنا: خيار الرؤية يثبت للشفيع بدون الشرط، وكذلك خيار العيب، وخيار الشرط لا يثبت له بدون الشرط حتى أن من اشترى داراً وشرط الخيار لنفسه، فأخذها الشفيع فلا خيار له؛ وهذا لأن الأخذ بالشفعة شراء حكماً، فيعتبر بالشراء حقيقة.
ولو اشتراها الشفيع حقيقة يثبت له خيار الرؤية، وخيار العيب من غير شرط، ولا يثبت خيار الشرط إلا بالشرط، فكذا إذا اشتراها حكماً رجل اشترى داراً لم يرها، فبيعت داراً بجنبها فأخذها بالشفعة لم يبطل خياره بخلاف خيار الشرط؛ وهذا لأنه لو بطل خياره إنما يبطل من حيث إن ما فعل دليل الرضا، إلا أن دليل الرضا لا يربوا على صريح الرضا، وبصريح الرضا قبل الرؤية لا يبطل خيار الرؤية، فبدليل الرضا أولى، هذا إذا كان الأخذ بالشفعة قبل رؤية الدار المشتراة، أما إذا كان بعدها يبطل خيار الرؤية؛ لأن هذا دليل الرضا وبصريح الرضا بعد الرؤية يبطل خيار الرؤية، فكذا بدليل الرضا.(7/606)
-----
في شرح الطحاوي في «الأصل»: اشترى داراً وهو شفيعها ولها شفيع غائب يصدق الشفيع يثبت منها، وطريقه على رجل، ثم باع ما بقي منها ثم قدم الشفيع الغائب، فأراد أن ينقض صدقة المشتري وبيعه، فهذا على وجهين:
الأول: إذا باع ما بقي من الدار من المتصدق عليه، وفي هذا الوجه ليس له أن ينقض صدقته في الكل إنما ينقض في النصف؛ لأن الدار مشترك بيت المشتري وبين الغائب بحق الشفعة فيعتبر بما لو كان مشتركاً بينهما بحقيقة الملك، ولو كانت مشتركة بينهما بحقيقة الملك باع أحدهما موضعاً منها بعينه، أو تصدق على رجل ثم باع الباقي منه، لم يكن للشريك (181أ3) الآخر أن ينقض تصرفه في الكل، وإنما ينقض في النصف كذا هنا.
الوجه الثاني: إذا باع باقي الدار من رجل آخر كان للغائب أن ينقض تصرفه في الكل، ألا ترى أنها لو كانت مشتركة بينهما شركة ملك، فيصير أحدهما على هذا الوجه كان للآخر أن ينقض تصرفه في الكل؛ لأنه يحتاج إلى أن يقسم مع اثنين، وربما يتفرق نصيبه، فيلحقه زيادة ضرر، ولا كذلك في الوجه الأول.
في «الأصل»أيضاً: تسليم الشفعة في البيع تسليم في الهبة، بشرط العوض حتى أن الشفيع إذا أخبر بالبيع، فسلم الشفعة، ثم تبين أنه لم يكن بيعاً، وكان هبة بالعوض، فلا شفعة له، وكذلك تسليم الشفعة في الهبة بشرط العوض تسليم في البيع، وهذا لما عرف أن الهبة بشرط العوض والبيع سواء، فكان التسليم في أحدهما تسليماً في الآخر.
في «فتاوى الفضلي»: رجل اشترى داراً وهو شفيعها بالجوار، وطلب جار آخر فيها الشفعة، فسلم المشتري الدار كلها إليه كان نصف الدار له بالشفعة والنصف بالشراء.
-----
في «فتاوى أهل سمرقند»: أجمة بين اثنين ورثا عن أبيهما، ولا يعلم أحدهما بعينه أن له فيه نصيباً، فبيعت أجمة أخرى بجوار هذه، فلم يطلب هو الشفعة، فلما أخبر أن له فيها نصيب طلب الشفعة، فلا شفعة له؛ لأنه لم يطلب طلب المواثبه عند العلم بالبيع، والجهل ليس بعذر.
في «فتاوى الفضلي»: إذا قال المشتري للشفيع: رد علي الثمن ولك الشفعة، فهذا لا يكون تسليماً للدار والشفيع على شفعته؛ لأن قوله: ولك الشفعة، إن كان اختار أن له الشفعة فهو صادق في هذا الخبر وإن كان تسليماً معلقاً بأداء الثمن، فالتسليم على هذا الوجه لا يصح يعني التمليك.
فيه أيضاً: رجل له خمس منازل في زقاق غير نافذة باع هذه المنازل، وطلب الشفيع الشفعة في واحد من المنازل، فهذا على وجهين:
الأول: أن يطلب بحق الشركة في الطريق، وفي هذا الوجه ليس له ذلك؛ لأنه تفريق من غير ضرورة؛ لأن السبب عم الكل.
الوجه الثاني: أن يطلب الشفعة بحق الجوار، وجواره في هذا المنزل لا غير، وفي هذا الوجه له ذلك؛ لأن السبب خص هذا الواحد والله أعلم.
وبه ختم كتاب الشفعة، تم الدفتر الخامس من المحيط (181ب3).
(7/607)
كتاب القسمة
هذا كتاب يشتمل على ثلاثة عشر فصلاً.
1 * في بيان ماهية القسمة.
2 * في بيان كيفية القسمة.
3 * في بيان ما يقسم وما لا يقسم وما يجوز من ذلك وما لا يجوز.
4 * فيما يدخل تحت القسمة من غير ذكره وما لا يدخل.
5 * في الرجوع عن القسمة واستعمال القرعة فيها.
6 * في الخيار في القسمة.
7 * في بيان من يلي القسمة على الغير ومن لا يلي.
8 * في قسمة التركة وعلى الميت أو له دين أو موصى له، وفي ظهور الدين بعد القسمة، وفي دعوى الوارث ديناً في التركة أو عيناً من أعيان التركة.
9 * في الغرور في القسمة.
10 * في القسمة يستحق منها شيء.
11 * في دعوى الغلط في القسمة.
12 * في المهايأة.
13 * في المتفرقات.
(7/608)
-----
الفصل الأول: في بيان ماهية القسمة
فنقول: القسمة نوعان: قسمة في ذوات الأمثال كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاومة.
وقسمة في غير ذوات الأمثال من العدديات المتقاومة كالنبات والأغنام.
فالقسمة في ذوات الأمثال إفراز وقبض لعين الحق حكماً، مبايعة من حيث الحقيقة من وجه؛ لأن ما قبضه كل واحد منهما نصف ملكه من الأصل حقيقة، ونصفه ملك صاحبه صار له من جهة صاحبه بالقسمة.
فهو معنى قولنا: إنها مبايعة من حيث الحقيقة من وجه، إلا أن ما أخذ كل واحد منهما من نصيب صاحبه مثل ما ترك عليه بيقين وأخذ مثل الحق بمنزلة أخذ عين الحق حكماً.
ألا ترى أن أخذ المثل في الرضى جعل كأخذ العين حكماً حتى لم تثبت المبادلة بين المستقرض وبين المأخوذ.
فهو معنى قولنا: إنها إفراز لعين الحق حكماً، ففي كل موضع لا يمكن العمل بشبه الإفراز والمبايعة يعمل بها، وفي كل موضع لا يمكن العمل بالشبهين يعمل بنسبة الإفراز؛ لأن شبه الإفراز راجح؛ لأنه ثابت حكماً من كل وجه، وحقيقة من وجه. ولهذا كان لكل واحد من الشريكين أن يأخذ نصيبه من غير رضى صاحبه.
وإذا اشترى رجلان مكيلاً أو موزوناً بدراهم وأقسماهما فيما بينهما، فلكل واحد منهما أن يبيع من الحسر بنصف الدرهم.
فإن قيل: أليس محمد رحمه الله ذكر في آخر كتاب القسمة: إذا كان وصي الذمي مسلماً، وفي التركة خمور وخنازير أنه يكره له قسمتها. ولو كان الرجحان في هذه القسمة لشبه الإفراز ينبغي أن يجوز من غير كراهة، فإن الذمي إذا وكل مسلماً أن يقبض خمراً له جاز للوكيل قبضها من غير كراهة.
قلنا: ذكر شمس الأئمة الحلواني: أنه إذا كان في التركة الخمور لا غير لا يكره للوصي المسلم قسمتها، لأن هذه القسمة إفراز محض، ليس فيها شبهة المبادلة، والمسلم يملك قبض خمر الذمّى، وإنما تكره القسمة إذا كان مع الخمور الخنازير؛ لأن القسمة تكون مبادلة.(7/609)
-----
وغيره من المشايخ قالوا: لا، بل تكره قسمة الخمور وحدها للمسلم؛ لأن العمل بالشبهين في قسمة الخمر ممكن بإثبات الكراهة، ومعنى الكراهة ههنا بين الحرام المطلق والحرام المحض؛ لأنها لو كانت إفرازاً من كل وجه كانت حلالاً، ولو كانت مبايعة من كل وجه كانت حراماً، فإذاً كانت مبايعة حقيقية من وجه إفرازاً حكماً بين الحلال المحض والحرام المحض.
وأما القسمة في غير ذوات الأمثال فشبه المبادلة فيها راجح؛ لأنها إفراز حكماً من وجه، ومن حيث الحقيقية هي مبادلة من كل وجه، وأما الحقيقة فظاهر.
وأما الحكم؛ فلأن نصف ما يأخذ كل واحد منهما مثل لما ترك على صاحبه باعتبار القيمة وأخذ المثل كأخذ العين حكماً، فكان إفرازاً إلا أن ما يأخذ كل واحد منهما، ليس بمثل لما ترك على صاحبه بيقين، لأن المقسوم ليس من ذوات الأمثال، فلا تثبت المعادلة بيقين، فالإفراز مع المبادلة استويا في الحكم، ثم ترجحت المبايعة بالحقيقة؛ وهذا لأن الحقيقة وإن كانت لا تصلح حلاً لمقابلة الحكم بنفسها، لكنها تصلح للترجيح، ولهذا كره بيع المرابحة لأن الرجحان للمبايعة في غير ذوات الأمثال، فيكون مشترياً نصف ما أخذ بثلث ما ترك على صاحبه من الثياب.
فإذا قال: اشتريت بالدراهم كان ذلك منه جناية، فإن قيل لو كان الرجحان في هذه القسمة للمبايعة لكان لا يجبر الآتي عليها، وبالإجماع يجبر، وكذلك لا يثبت حكم الغرور فيها، حتى إن الشريكين إذا اقتسما داراً أو أرضاً بينهما، وبنى أحدهما في نصيبه بناء، ثم جاء مستحق واستحق الطائفة التي بنى فيها ونقض بناءه لا يرجع على صاحبه بقيمة البناء.
ولو كان الرجحان لجانب المبايعة لثبت الغرور، كما لو اشترى.
قلنا: الجبر على هذه المبايعة لينقطع ارتفاق الآتي بملك صاحبه، ويجوز أن يجرى الجبر على المبايعة باعتبار حق مستحق للغير.(7/610)
-----
ألا ترى: أن المشتري يجبر على تسليم الدار إلى الشفيع، وإن كان التسليم إليه مبايعة إنما يجبر لحق الشفيع، وألا ترى أن المديون يحبس حتى يبيع ماله ويقضي الدين، فيجريان الجبر عليها لا تبقى كونها مبايعة، وأما الثاني، فقلنا: إنما لا يثبت الغرور؛ لأن كل واحد منهما مضطر في هذه المبايعة.
لأنه يحتاج إلى تخليص حقه ،يمنع صاحبه عن الارتفاق بملكه، ولا يمكنه ذلك إلا بهذه المبايعة لإحياء حقه، والجبر كما يثبت بالإكراه يثبت بالحاجة إلى إحياء الحق، كصاحب العلو إذا بنى السفل، وإذا كان مجبراً على هذه المبايعة لا يثبت فيها حكم الغرور، كالشفيع إذا أخذ الدار من المشتري بقضاء القاضي، والله أعلم.
الفصل الثاني: في بيان كيفية القسمة
في «المنتقى»: ابن سماعة عن أبي يوسف قال: كان أبو حنيفة رحمه الله لا يرى القسمة على ما كان يصنع ابن أبي ليلى، ولكنه يقوّم الزراع من الأرض دراهم، ويقوّم البناء دراهم، ويقوم الجذوع دراهم.
وكذلك في الأرض والشجر يقسمهما: يعطى كل إنسان ما أصابه، فإن كان في يده فضل أخذه، وإن نقص زاده حتى يوفيه. في «الأصل» كان أبو حنيفة رحمه الله يقول في العلو الذي لا سفل له، وفي السفل الذي لا علو له بأن كان علو مشترك بين رجلين، وسفل لرجل آخر، وسفل مشترك بين هذين الرجلين، وعلوه لآخر، تجب القسمة ذراع من السفل بذراعين من العلو.
وقال أبو يوسف: يحسب العلو بالنصف والسفل بالنصف. وقال محمد رحمه الله: يقسم على قيمة السفل والعلو، فإن كان قيمتهما على السواء يحسب ذراع بذراع، وإن كان قيمة إحداهما ضعف قيمة الآخر يحسب من الذي قيمته على الضعف ذراع بذراعين من الآخر حتى يستويا في القيمة.(7/611)
-----
قيل: إن أبا حنيفة أجاب بناء على ما شاهد من عادة أهل الكوفة في اختيار السفل على العلو في السكنى، وأبو يوسف أجاب بناء على ما شاهد من عادة أهل بغداد في التسوية بين العلو والسفل في منفعة السكنى، ومحمد رحمه الله شاهد اختلاف العادة في ذلك في البلدان، فقال: يقسم على القيمة.
وقيل: هذا بناء على أن عند أبي حنيفة لصاحب السفل منفعتان، منفعة بظاهره ومنفعة بباطنه بأن يحفر في السفل سرداباً، فإن له ذلك إذا لم يضر بالعلو، ولصاحب العلو منفعة واحدة، وهو أن يسكن فيه أما ليس له أن يبنى على علوه يقال ضرّ بصاحب السفل أو لم يضر، فكان ذراعاً من السفل بذراعين من العلو من هذا الوجه، أو نقول: العلو ينتفع في حالة واحدة وهي حالة قيام السفل، والسفل ينتفع في حالتين، حالة قيام العلو وحالة قوامه، فكان قوامه مكان منفعة العلو على نصف منفعة السفل فصار ذراع من السفل بذراعين من العلو لهذا.
وعندهما لصاحب العلو أن يتصرف في علوه تصرفاً لا يضر بصاحب السفل، كما أن لصاحب السفل أن يتصرف في سفله تصرفاً لا يضر بصاحب العلو فاستويا في المنفعة، قال أبو يوسف رحمه الله بعد هذا: إذا استويا في المنفعة يجعل ذراع من السفل بذراع من العلو، وقال محمد رحمه الله: مع أنهما استويا في المنفعة تعتبر القيمة في القسمة، لأن في بعض البلدان يكون السفل أكثر قيمة، وفي بعض البلدان يكون العلو أكثر قيمة. (2أ4)
وربما يختلف ذلك باختلاف الأوقات، فلا تتبين المعادلة إلا بالقيمة.
وقول محمد رحمه الله في «الكتاب»: أن على قول أبي يوسف يحسب العلو بالنصف والسفل بالنصف، فذلك في مسألة أخرى، فقد ذكرنا في هذه المسألة أن على قول أبي يوسف يجعل ذراع من السفل بذراع من العلو.
وصورة تلك المسألة: سفل مفرد لا علو له، وعلو مفرد لا سفل له،. وبيت كامل له سفل وعلو، وكل ذلك مشترك بين رجلين طلبا القسمة.(7/612)
-----
فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله: القاضي يحسب ذراعاً من البيت الكامل بثلاثة أذرع من العلو المفرد، ليكون ذراعان من العلو المفرد بإزاء ذراع من سفل البيت الكامل، والذراع الثالث من العلو المفرد بإزاء ذراع من علو البيت الكامل، ويحسب ذراع من البيت الكامل بذراع ونصف من السفل المفرد، ليكون ذراعاً من سفل البيت الكامل بإزاء ذراع من السفل المفرد، وذراعاً من علو البيت الكامل بإزاء نصف ذراع من السفل المفرد.
وعلى قول أبي يوسف: يذرع السفل المفرد والعلو المفرد والبيت الكامل، فإن كان البيت الكامل عشرين ذراعاً، والعلو المفرد كذلك، والسفل المفرد كذلك كان جملة ذرعان السفل المفرد والعلو المفرد أربعون، يجعل الأربعون من العلو المفرد والسفل المفرد عشرون.
فهو معنى قوله: يحسب العلو بالنصف والسفل بالنصف، وإنما فعل هكذا لتقع المعادلة بين البيت الكامل، وبين العلو المفرد والسفل المفرد، فإن العلو والسفل عنده سواء فعشرون ذراعاً من البيت الكامل بمنزلة أربعين ذراعاً، عشرون منها سفل وعشرون علو. وعلى قول محمد تعتبر القيمة في ذلك كله قال الكرخي: وعليه الفتوى.
فإن قيل: كيف يقسم العلو مع السفل، والبيت الكامل قسمه واحدة عند أبي حنيفة رحمه الله، ومن مذهبه أن البيوت المتفرقة لا تقسم قسمة واحدة على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله.
قلنا: تأويل المسألة وجهان: الأول: أن يكون الكل في دار واحدة والبنيان في دار واحدة يقسمان قسمة واحدة، متلازقين كانا أو متفرقين، فكذا السفل والعل.(7/613)
-----
الثاني: أن يكون الكل في دور مختلفة، ولكن تراضوا على ذلك إلا أنهم طلبوا المعادلة من القاضي فيما بينهم، وعند أبي حنيفة تجوز القسمة حالة التراضي من الشركاء. وإذا كانت الدور من قوم ميراث، فإن أراد أحدهم أن يجمع نصيبه منها في دار واحدة وأبى الآخر، قال أبو حنيفة رحمه الله: القاضي لا يجمع نصيب كل واحد منهم في دار على حدة، بل يقسم كل دار بينهم على حدة إلا أن يتراضوا على ذلك، سواء كانت الدار متلازقة أو متفرقة، وسواء كانت الدور في محلة واحدة أو محلتين، في مصر واحد أو في مصرين.
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا كانت الدور في مصر واحد، فالرأي في ذلك إلى القاضي، إن رأى الصلاح في أن يجمع نصيب كل واحد منهم في دار على حدة، بأن رأى ذلك أعدل للقسمة فعل ذلك، وإن رأى الصلاح في قسمة كل دار على حدة فعل ذلك.
وأما إذا كانا في مصرين، روى هلال الرازي عن أبي يوسف رحمه الله: أن القاضي يقسم كل دار على حدة، ولا رأي له في ذلك. قال القدوي رحمه الله: لو كانت إحدى الدارين بالرقة والأخرى بالبصرة، قسمت أحدهما في الأخرى، وبعض مشايخنا رحمهم الله ذكروا قول محمد مع أبي يوسف فيما إذا كانت الدور في مصرين متفرقين.
لأبي حنيفة أن الدور أجناس مختلفة باعتبار المعنى وهو المنفعة وإن كانت في مصر واحد؛ لأن بعضها يصلح للخزانة وبعضها لا يصلح، ولاختلاف المعاني أن في اختلاف المجانسة، كما في الهروي مع المروي.
ولهذا لو وكله بشراء دين في مصر بعينه ولم يبين الثمن لا يجوز، وذكر الحاكم في «المختصر» أنه وإن بين الثمن لا يجوز ما لم يبين المحلة، والأجناس المختلفة لا تقسم قسمه واحدة إلا باصطلاح الشركاء على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.(7/614)
-----
ولأبي يوسف ومحمد: أن الدور في مصر واحد جنس واحد باعتبار الاسم والمكان، فإن الاسم واحد والمكان كذلك، فصارت كالثياب الهروية والمروية، فإنها اعتبرت جنساً واحداً لاتحاد الاسم والمكان، أجناساً مختلفة باعتبار المعنى على ما قال أبو حنيفة رواية، فيفوض الأمر إلى رأي القاضي، فإن شاء مال إلى جنس واحد وقسمها قسمة واحدة، وإن شاء مال إلى الأجناس المختلفة وقسم كل واحدة قسمة على حدة، بخلاف ما إذا كانا في مصرين مختلفين لأنهما جنسان مختلفان لاختلاف المكان، ألا ترى أن المروي مع الهروي اعتبرا جنسين مختلفين لاختلاف المكان.
ومن المشايخ قال: معنى قول أبي حنيفة رحمه الله: العقار لا يقسمه القاضي قسمة جمع، أن الأولى أن لا يفعل القاضي ذلك، وإن لم يفعل الأولى جاز.
وأما المنازل فإن كانت في دور متفرقة أو في دار واحدة وهي متباينة، فالجواب فيها عندهم جميعاً كالجواب في الدور، وإن كانت في دار واحدة فهي متباينة، فعندهم جميعاً تقسم قسمة واحدة.
وأما البيوت فإن كانت في دار واحدة فإنها تقسم قسمة واحدة، سواء كانت متلازقة أو متفرقة، وإن كانت في دور مختلفة فعلى الاختلاف الذي ذكرنا في الدور، وفي كل ما ذكرنا من الدور والمنازل والبيوت لا تقسم قسمة جمع، فتأويله إذا لم يكن معها شيء هو محل القسمة الجمع، أما إذا كان معها شيء هو محل القسمة الجمع يقسم الكل قسمة جمع، ويجعل ذلك الشيء أصلاً في القسمة والدور والمنازل والبيوت تبعاً، وسيأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وإذا كان في التركة دار أو حانوت والورثة كلهم كبار وتراضوا أن تدفع الدار أو الحانوت إلى واحد منهم من جميع نصيبه من التركة جاز؛ لأن عند أبي حنيفة إنما لا يجمع نصيب واحد منهم من الورثة بطريق الحصر من القاضي، فأما عند التراضي فذلك جائز.(7/615)
-----
في قسمة «شرح القدوري»: ولو دفع أحد الورثة الدار إلى واحد من الورثة من غير رضا الباقين عن جميع نصيبه من التركة لم يجز، يعني: لا ينفذ على الباقين إلا بإجازتهم، ويكون لهم استرداد الدار، وأن يجعلوها في القسمة إن شاؤوا، وهذا ظاهر، وإنما الإشكال في أن الدافع هل يأخذ نصيبه من الدار بعد استرداد الباقين، وقيل إنه لا يأخذ.
في «المنتقى»: أراد اثنان من قرابته جمع نصيبهما في موضع واحد من الضياع، لم يكن لهما ذلك في قول أبي حنيفة وزفر رحمهما الله، وقال أبو يوسف: لهما ذلك؛ إذ ليس فيه ضرر على من مرّ حوله.
ولو اختلفوا في قيمة البناء، فقال بعضهم: يجعل قيمة البناء بالذرعان من الأرض، ومعنى المسألة: أن الدار والكرم إذا كان بين قوم، وأرادوا قسمتها في أحد الجانبين بناء، فأراد أحدهما أن يكون عوض البناء دراهم، وأراد الآخر أن يكون عوضه من الأرض، فإنما يجعل قيمة البناء بالذرعان من الأرض؛ لأن القسمة إقرار ما هو مشترك بين شركاء الأرض دون الدراهم فمتى جعلنا قيمة البناء بالذرعان من الأرض فقد أقررنا ما هو مشترك بينهما، ومتى جعلنا قيمته بالدراهم فما أقررنا ما هو مشترك بينهما بل حملناها على البيع وللقاضي ولاية القرار لا ولاية الحمل على البيع، ولأن تقويم البناء بالذرعان من الأرض أولى في القسمة؛ لأنه يتعجل حق كل واحد من الشركاء في الحال، ومتى قريناه بالدراهم يتعجل حق الذي يعطي الدراهم، ويتأخر حق الآخر إلى أن يحضر الدراهم ويسلمها، فكان التقويم بالذرعان من الأرض أولى، وإن تعذر اعتبار العادة بتقويم البناء بالذرعان من الأرض قومه بالدراهم.(7/616)
-----
وإن اتفقوا أن يجعلوا قيمة البناء في الدراهم فلهم ذلك؛ لأن الحق لهم، وإن اختلفوا في الطريق، فقال بعضهم: نرفع طريقاً بيننا، وقال بعضهم: لا نرفع، نظر فيه الحاكم، فإن كان يستقيم لكل واحد منهم طريق يفتحه في نصيبه قسمه بينهم بغير طريق يرفع لجماعتهم، وإن كان لا يستقيم ذلك رفع طريقاً بين جماعتهم؛ لأن (2ب4).
حاصل اختلافهم في قسمة قدر الطريق، فالمانع من رفع الطريق يطلب قسمته والآخر يأبى، وقسمته في الوجه الأول؛ إذ لا يفوّت بقسمة قدر الطريق ما كان لهم من المنفعة قبل القسمة.
وفي الوجه الثاني قسمته غير ممكن؛ لأن قسمته تتضمن تفويت منفعة كانت لهم قبل القسمة. ولو اختلفوا في سعة الطريق وضيقه، جعل الطريق بينهم على عرض باب الدار، وطوله على أدنى ما يكفيهم، يعني يجعل طوله من الأعلى بقدر طول الباب، لا إلى البناء، وفائدة قسمة ما وراء طول الباب أن أحد الشركاء إذا أراد أن يخرج جناحاً في نصيبه إن كان فوق طول الباب فله ذلك؛ لأن الهواء فيما زاد على طول الباب مقسوم بينهم، فيصير باباً على ما هو خالص حقه، وإن كان فيما دون طول الباب فإنه يمنع من ذلك؛ لأن قدر طول الباب من الهواء مشترك فيما بينهم، والبناء على الهواء المشترك لا يجوز إلا برضا الشركاء، وأما إذا كان أرضاً يرفع من الطريق مقدار ما يمر فيه ثور؛ لأنه يحتاج إليه للزراعة فلا بد منه، ولا يرفع مقدار ما يمر فيه ثوران، لأن منه بد.
ويقسم القاضي الأعداد من جنس واحد من كل وجه بأن كانت المجانسة مجانسة بين الأعداد اسماً ومعنى، كما في الغنم أو البقر أو المكيل أو الموزون أو النبات قسمة جمع عند طلب بعض الشركاء.(7/617)
-----
وفي الأجناس المختلفة من كل وجه لا يقسم الأعداد قسمة جمع عند طلب بعض الشركاء؛ وهذا لأن قسمة الجمع في الأجناس المختلفة يتضمن تفويت جنس المنفعة على الآبي، فإنه قبل هذه القسمة له منفعة البقر والغنم والثياب، وبعد قسمة الجمع يفوت عليه بعض هذه المنافع، أما منفعة الإبل والغنم والثياب.
والقسمة متى تضمنت تفويت جنس منفعة على الآبي، فالقاضي لا يقسم، أما قسمة الجمع في الجنس الواحد لا يتضمن تفويت جنس المنفعة على الآبي، فيقسم القاضي.
وإن كان جنساً واحداً من حيث الحقيقة، وأجناساً مختلفة من حيث المعنى كالرقيق، فإن كان معه شيء آخر هو محل لقسمة الجمع، فالقاضي يقسم لكل قسمة جمع بلا خلاف، ويجعل ذلك الشيء أصلاً في القسمة والرقيق تبعاً، ويجوز أن يثبت الشيء تبعاً لغيره، وإن كان لا يثبت بشهود أعرف ذلك في مواضع كثيرة، وإن لم يكن شيء آخر هو محل لقسمة الجمع.
قال أبو حنيفة: القاضي لا يقسمه قسمة جمع، وقالا: القاضي يقسم قسمة جمع هكذا ذكر في «الأصل»: وذكر أبو الحسن على قوله: الرأي في ذلك إلى القاضي، واختلف المشايخ فيه على قولهما بعضهم قالوا: يقسم الرقيق قسمة جمع على قولهما على كل حال، ولا يكون ذلك موكولاً إلى رأي القاضي، وبعضهم قالوا: هو موكول إلى رأي القاضي هما قولان أن الرقيق جنس واحد، إذا كان الكل ذكوراً أو إناثاً من وجه حقيقة وحكماً، أما حقيقة فلا إشكال.
وأما حكماً بدليل: أنه إذا تزوج امرأة على عبد صحت التسمية، كما لو تزوجها على ثوب هروي وأجناس مختلفة من وجه تتفاوت منهم في المعاني قرب يصلح للأمانة، ورب عبد لا يصلح لذلك، ويتفاوتون أيضاً في الذهن والذكاء والعقل والتمييز الذي هو المطلوب من الآدمي. وإذا كان جنساً واحداً من وجه وأجناساً مختلفة من وجه جعلنا الرأي فيه للقاضي، كما في الدور.(7/618)
-----
وأبو حنيفة رحمه الله يقول: العمل بالشبهين متعذر في حالة واحدة؛ لأن أحدهما يقتضي جواز قسمة الجمع، والآخر ينفي، فيعمل بهما في الحالين، فجعلناه جنساً واحداً إذا كان معه شئ آخر هو محل لقسمة الجمع، وجعلناه أجناساً مختلفة إذا لم يكن معه شئ آخر هو محل لقسمة الجمع، وإنما فعلنا هكذا لتمكننا العمل بالشبهين، لأنا متى جعلناه أجناساً مختلفة إذا كان معه شيء آخر هو محل لقسمه الجمع يلزمنا أن نجعله أجناساً مختلفة على الانفراد من الطريق الأولى؛ لأن من الأشياء ما لا يجوز قسمته على الانفراد، ويجوز قسمته تبعاً لغيره كالشرب والعيون والآبار، يتعطل العمل بالشبهين.
وكان الفقيه أبو بكر الرازي رحمه الله يقول: قول أبي حنيفة رحمه الله إذا كان بيع الرقيق شيء آخر هو محل لقسمة الجمع، قسم الكل قسمة جمع، تأويله إذا رضي الشركاء بقسمة الكل قسمة جمع.
أما إذا أبى البعض ذلك، فالقاضي لا يقسمه قسمة جمع عنده، قال: لأن الرقيق مع غيره جنسان مختلفان، فإن كان لا يقسم الرقيق عنده عند الانفراد لأن الجنس مختلف، فعند الاجتماع أولى.g
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأمة السرخسي: والأظهر عندي أن القاضي يقسم الكل قسمة جمع عند أبي حنيفة رحمه لله وإن بعض الشركاء ذلك، ويجعل ذلك الشيء الذي مع الرقيق أصلاً في القسمة، ويجعل الرقيق تبعاً، وأبو حنيفة إنما لا يرى قسمة الرقيق قسمة جمع مقصوداً لا تبعاً لغيره.
في «فتاوى أبي الليث»: إذا كانت الأراضي بين شركاء لأحد هم عشرة أسهم، ولآخر خمسة أسهم، ولآخر سهم، فأرادوا قسمتها، وأراد صاحب العشرة الأسهم أن تقع سهامه متصلة، ولا يرضى بذلك الذي له سهم واحد قسمة الأراضي متصلة كانت أو متفرقة بينهم على قدر سهامهم عشرة وخمسة وواحد.(7/619)
-----
وكيفية ذلك: أن تجعل الأراضي على عدد سهامهم بعد أن سويت وعدلت لم تجعل بنادق سهامهم على سهامهم ويقرع بينهم فأول بندقة تخرج ترفع على طرف من أطراف السهام فهو أول السهام، ثم ننظر إلى البندقة لمن هي، فإن كانت لصاحب العشرة أعطاه ذلك السهم وتسعة أسهم متصلة بالسهم الذي وضع البندق عليه، فيكون سهام صاحبها على الاتصال، ثم يقرع بين الستة كذلك، فأول بندقة تخرج توضع على طرف من أطراف الستة الباقية، ثم ينظر إلى البندقة لمن هي فإن كانت لصاحب الخمسة أعطاه ذلك السهم وأربعة أسهم متصلة بذلك السهم، يبقى السهم الواحد لصاحبه، وإن كانت هذه البندقة لصاحب السهم الواحد كان ذلك السهم له والباقي لصاحب الخمسة.
وفيه أيضاً: رجلان بينهما خمسة أرغفة، لأحدهما رغيفان، وللآخر ثلاثة أرغفة، فدعيا ثالثاً وأكلوا جميعاً مستويين، ثم إن الثالث أعطاهما خمسة دراهم، وقال لهما: إقسماها بينكما على قدر ما أكلت من رغيفكما، قال الفقيه أبو بكر الرازي: لصاحب الرغيفين درهم منها لأن كل واحد منهما أكل رغيفاً وثلثا رغيف، فصاحب الرغيفين أكل من رغيفيه رغيف وثلثي رغيف، فإنما أكل الثالث من رغيفيه رغيف وثلث رغيف، فيجعل بمقابلة كل ثلث رغيف درهم، فيصير لصاحب الرغيفين درهم منها، ويصير لصاحب الرغيف الثالث أربعة دراهم.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: فعندي أن لصاحب الرغيفين درهمان، وللآخر ثلاثة دراهم؛ لأن كل واحد منهم أكلوا الثلث رغيف ومن الرغيفين ثلثا رغيف، فيجعل كل ثلث سهماً فيصير أكلا من الرغيفين سهمان ومن الثلاث ثلاثة أسهم، فجملة ذلك خمسة أسهم، فيقسم البدل كذلك.
في «فتاوى أهل سمرقند»: رجل مات وترك ثلاثة بنين وترك خمسة عشر خابية، خمسة منها مملوءة خلاً، وخمسة منها إلى نصفها خل، وخمسة منها خالية، كلها مستوية، فأراد البنون أن يقسموا الخوابي على السواء من غير أن يزيلونها عن موضعها.(7/620)
-----
فالوجه في ذلك: أن يعطى أحد البنين خابيتين تعلو مملوءتين وخابيتين خاليتين وخابيه إلى نصفها خل، ويعطى الثاني كذلك من كل خمس خوابي أحدها مملوءة وأحدها خالية وثلاث خوابي إلى نصفها خل، يعطي الثالث ذلك؛ لأن المساواة بذلك تقع.
سئل الفقيه أبو جعفر رحمه الله: عن سلطان غرم أهل قرية، فأرادوا قسمة ذلك الغرامة، واختلفوا فيما بينهم، قال بعضهم: تقسم على قدر الأملاك، وقال بعضهم: تقسم ذلك على قدر الرؤوس، قال: إن كانت الغرامة لتحصين أملاكهم يقسم ذلك على قدر الأملاك؛ لأنها مؤنة الملك، فتقدر بقدر الملك وإن كانت الغرامة لتحصين الأبدان يقسم ذلك على عدد الرؤوس؛ لأنها مؤنة الرؤوس، ولا شيء على النسوان والصبيان في ذلك، لأنه لا يتعرض لهم.
سئل حمدان بن سهل عن قسمة العين، قال: يقسم بالكوارجات، قبل: فإن لم يكن، قال: فبالحبال. قال الفقيه أبو الليث: يجوز بالحبال لقلة التفاوت فيها استحساناً.
سئل شيخ الإسلام (3أ4) أبو الحسن عن رجلين بينهما أعناب كرم على الشركة يقسمان ذلك بينهما كيلاً بالسولجة، أو وزناً بالقبان أو الميزان، قال: كل ذلك واسع؛ لأن الناس تعارفوا العنب كيلاً أو وزناً، فثبت التساوي بالطريقين جميعاً، فيجوز والله أعلم.
(7/621)
الفصل الثالث: في بيان ما يقسم وما لا يقسم، وما يجوز من ذلك وما لا يجوز
-----
قال محمد رحمه الله في «الأصل»: بيت بين رجلين أراد أحد هما قسمته وأبى الآخر، وارتفعا إلى القاضي، فإن كان البيت كبيراً بحيث لو قسم أمكن لكل واحد منهما أن ينتفع بنصيبه انتفاع البيت كما قبل القسمة، فإن القاضي يقسم بينهما، وإن كان البيت صغيراً بحيث لو قسم لا يمكن لكل واحد منهما أن ينتفع به انتفاع البيت، فإنه لا يقسم إذا كان الآخر يأبى القسمة؛ لأن في هذا الوجه طالب القسمة متعنت في طلب القسمة قاصد للإضرار بنفسه وبشريكه بإتلاف منفعة كانت لهما قبل القسمة، والتعنت مردود، وفي الوجه الأول طالب القسمة قاصد تكميل منافع الكل على نفسه وعلى شريكه، وشريكه في الإباء متعنت.
وإن طلبا القسمة في الوجه الثاني من القاضي، فعنه روايتان: في رواية يقسم القاضي بينهما وإليه أشار محمد في «الأصل» في باب ما لا يقسم من العقار وغيره، وإليه مال الشيخ الإمام الأجل شيخ الإسلام، وفي رواية قال: لا يقسم القاضي بينهما، ولكن يتركهما وذاك، إن شاء اقتسما بأنفسهما وإن شاء تركا كذلك، وإليه مال كثير من المشايخ؛ لأن في هذه القسمة ضرر للشركاء بإتلاف المنفعة عليها، وليس للقاضي ولاية الإضرار بالغير، وإن رضي به ذلك الغير. وإن كان نصيب أحد هما في البيت شقصاً قليلاً لا ينتفع به إذا قسم البيت، ونصيب الآخر كثير، فطلب أحد هما القسمة، فهذا على وجهين:
أحدهما: أن يطلب صاحب الكثير القسمة، والحكم فيه أن القاضي يقسمها بينهم، هكذا ذكره محمد في «الأصل».(7/622)
-----
وقال في باب ما لا يقسم من العقار: وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا كان الطريق بين قوم إن اقتسموه لم يكن لبعضهم طريق ولا تنفذ، فأراد بعضهم قسمته، وأبى الآخر، قال: لا أقسمه بينهم. بعض مشايخنا رحمهم الله قالوا: المسألة محمولة على أن الطريق بينهم على السواء، وكان بحيث لو قسم بينهم لا يبقى لواحد منهم طريق ومنفذ، فأما إذا كان الطريق بينهم على التفاضل بحيث لو قسم لا يبقى لصاحب القليل طريق ولا ينفذ ويبقى لصاحب الكثير طريق ومنفذ، فالقاضي يقسم إذا طلب صاحب الكثير القسمة، كما في مسألة البيت إذا طلب صاحب الكثير القسمة.
ومنهم من قال: الطريق لا يقسم في الحالين بخلاف البيت، والفرق على قول هذا القائل: أن في قسمة الطريق تعطيل ملك صاحب القليل في داره، لأنه متى قسم الطريق ولا يمكنه التطرق فيما وقع في نصيبه لا يمكن التطرق به إلى داره، فلا يمكنه الانتفاع بداره بعد ذلك، وتعطيل الملك على الغير لا يجوز.
وأما ليس في قسمة البيت تعطيل ملك صاحب القليل في نصيبه، لأنه يمكنه أن يدخل في بنائه ذلك فيتوسع عليه منزله، ألا ترى أنه لا يجوز التهايؤ في الطريق بين الشريكين لما فيه من تعطيل الملك على كل واحد منهما في نوبة صاحبه، فكذا ألا تجوز قسمة رقبة الطريق إذا تضمنت تعطيل الملك على أحدهما ويجوز التهايؤ في مسألة البيت لأن ملك كل واحد منهما لا يتعطل في نوبة صاحبه، لأن صاحبه ينتفع به من جهته، فلو امتنعت القسمة في مسألة البيت إنما تمتنع لما فيها من قطع الارتفاق بنصيب صاحبه، إلا أن ذلك لا يصلح بأنهما. ألا ترى أنه جاز استرداد العارية وإن كان فيها قطع الارتفاف على المستعير بملك المعير.(7/623)
-----
الوجه الثاني: إذا طلب صاحب القليل القسمة، وأبى صاحب الكثير ذلك، ذكر الحاكم الشهيد في «المختصر»: أنها تقسم، وإليه ذهب شيخ الإسلام، وذكر الكرخي في «مختصره»: أنها لا تقسم، وهكذا ذكر الفقيه أبو الليث وجعل هذا قول أصحابنا رحمهم الله، وإليه مال الحاكم عبد الرحمن والقاضي الاسبيجاني والشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي، قال الصدر الشهيد رحمه الله: والفتوى على الأول؛ لأن الطالب رضي بالقسمة، وهذه القسمة لا تضمن فوات منفعة على الآبي منفعة كانت له قبل القسمة صاحب الكثير ينتفع بنصيبه فيكون هذا في حق الآبي قسمة لا إتلافاً، والقسمة مستحقه بطلب أحدهما، هكذا ذكر في «شرح كتاب القسمة» وذكر هو رحمه الله في «شرح أدب القاضي» للخصاف: أن الأصح أن القاضي لا يقسمها.
ووجه ذلك: أن الطالب وإن رضى بالضرر إلا أن رضاه بالضرر لا يلزم القاضي شيئاً إنما الملزم طلب الإنصاف من القاضي وإيصال الطالب إلى منفعة ملكه، وذلك لا يوجد عند طلب صاحب القليل.
قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا كان بين رجلين حائط طلب أحدهما القسمة من القاضي، وأبى الآخر، فالقاضي لا يقسمها؛ لأنه لو قسم بعد الهدم كان في الهدم إتلاف المنفعة، ولو قسم قبل الهدم بالمساحة كما تقسم الأرض كان ذلك تسبباً إلى إتلاف المنفعة؛ لأن للطالب أن ينقض نصيبه بعد القسمة لأنه يكون متصرفاً في نصيبه، وكما لا يجوز إتلاف المنفعة لا يجوز التسبب إليه، وكذلك الحمام لا يقسم بطلب بعض الشركاء؛ لأن هذه القسمة إتلاف منفعة الحمام؛ لأنه لا ينتفع به انتفاع الحمام إلا بجميعه، وإن قسموا ذلك فيما بينهم تركهم القاضي وذلك لأن الحق لهم، فيكون التدبير في ذلك إليهم.(7/624)
-----
في «المنتقى»: في أول الباب الأول من كتاب القسمة: حائط بين دارين سقط حتى بدى أسفله قال أحد الشريكين في الحائط: أقسم، وقال الآخر: لا بل ابني، قال محمد رحمه الله: لا أقسم بينهما؛ فلعله أن يقع نصيب كل واحد منهما إن قسم مما يلي الآخر رواه هشام.
وذكر في آخر هذا الباب ابن سماعه عن محمد رحمها الله: حائط بين رجلين، وأرضه كذلك بينهما انهدم الحائط، وأرض الحائط مما يستطاع قسمته، طلب أحدهما القسمة، فإن كان لهما عليه جذوع لا يقسم أرض الحائط، وإن لم يكن لأحدهما عليه جذوع قسمت أرض الحائط.
وإذا كان بناء بين رجلين في أرض رجل قد بناه فيها بإذنه، فأراد أحدهما قسمة البناء وهدمه، وأبى الآخر وصاحب الأرض غائب لا يكلفهما ذلك، فالقاضي لا يقسمها بينهما؛ لأنه ما لم يكلفهما صاحب الأرض الهدم فلهما حق القرار، فكان بمنزلة ما لو كان البناء في أرض هي ملكهما، ولو كان كذلك وطلب أحدهما من القاضي قسمة البناء وهدمه، وأبى الآخر، فالقاضي لا يقسمها بينهم كذا ههنا، ولو فعلا ذلك بأنفسهما تركهما القاضي، وذلك لما ذكرنا.
قال محمد رحمه الله في «الأصل» : في دكان في السوق بين رجلين يبيعان فيه بيعاً أو يعملان فيها بأيديهما، فأراد أحدهما قسمته وأبى الآخر، فإن القاضي ينظر في ذلك، إن كان لو قسم أمكن لكل واحد منهما أن يعمل في نصيبه العمل الذي كان يعمله قبل القسمة قسم، وإن كان لا يمكنه ذلك لا يقسم، وإنه يخرج على ما ذكرنا.
وإذا كان زرع بين رجلين، فأرادوا قسمة الزرع فيما بينهم دون الأرض، فالقاضي لا يقسمه، أما إذا بلغ الزرع وتسنبل، لأنه بعد ما بلغ وتسنبل صار مال الربا، وفي القسمة معنى المبادلة فلا يجوز مجازفةً.(7/625)
-----
فإن قيل: ينبغي أن يصرف حبّ هذا إلى بين ذلك، وبين ذلك إلى حب هذا احتيالاً للجواز، كما لو اشترى قفيز حنطة وقفيز شعير بقفيزي حنطة وقفيزي شعير، فإنه يصرف حنطة هذا الجانب إلى شعير ذلك الجانب، وشعير هذا الجانب إلى حنطة ذلك الجانب إحتيالاً للجواز، والجواب من وجهين:
أحدهما: أن موضوع هذه المسألة أنهما طلبا القسمة من القاضي، ومتى كانت القسمة من القاضي لا يمكن صرف الجنس فيها إلى خلاف الجنس، لأنها تكون مبايعة، وإلى القاضي القسمة عند طلب بعض الشركاء لا البيع. فعلى قول هذا التعليل لو حصلت القسمة بالتراضي يجوز؛ لأن لهما القسمة والمبايعة، فمتى تعذر وتجويزها مقاسمة تجوز مبايعة.
الوجه الثاني: أنه إنما يصرف الجنس إلى خلاف الجنس إذا كان الجنس الآخر محلاً للبيع يجوز إفراد العقد عليه بانفراده، كما في الحنطة مع الشعير أما (3ب4) إذا لم يكن الجنس الآخر محلاً للبيع فإنه لا يصرف الجنس إلى خلاف الجنس.
ألا ترى أنه لو باع قفيز تمر بقفيزي تمر لا يجوز، ولا يصرف جنس هذا إلى نوى ذلك؛ لأن النوى بانفراده ليس بمحل البيع لو باعه لا يجوز.
إذا ثبت هذا فنقول: الحنطة في سنبلها إن كانت محلاً للبيع فتبنها ليس بمحل للبيع، ألا ترى أنه لا يجوز بيعه، فلا يصرف الجنس إلى خلاف الجنس، فعلى قول هذا التعليل وإن اقتسما بتراضيهما لا يجوز.
وأما إذا كان الزرع بقلاً فإنما لا يقسم القاضي إذا كانت القسمة بشرط الترك؛ لأنه إذا قسم بشرط الترك فقد شرط في القسمة إعارة الأرض، وإنه شرط فاسد، والقسمة لا تصح مع الشرط الفاسد.(7/626)
-----
وأما إذا أراد القسمة بشرط القلع فله أن يقسم، إذ ليس في هذه القسمة شرط العارية لو لم يصح لهما لا يصح لمكان الضرر وقد رضيا به، وهذا الجواب على إحدى الروايتين، فأما على الرواية الأخرى ينبغي أن لا يقسم القاضي وإن رضيا به كما ذكرنا هذا إذا طلبا القسمة من القاضي، وإن طلب أحدهما وأبى الأخر فالقاضي لا يقسم على كل حال. ولو قسما الزرع بأنفسهما، فإن كان الزرع قد بلغ وتسنبل فالجواب فيه قد مر، وإن كان الزرع بقلاً إن قسما بشرط الترك لا يجوز، وإن قسما بشرط القلع جاز باتفاق الروايات.
وفي «المنتقى» زرع بين رجلين اقتسماه قبل أن يدرك، قال أبو حنيفة: لا يجوز، وقال أبو يوسف: إنه جائز، وقسمة الطلع بدون قسمة النخيل نظير قسمة الزرع قبل البلوغ بدون الأرض، إن اقتسما بشرط القلع جاز، وإن اقتسما بشرط الترك لا يجوز، وإن رفعا الأمر إلى القاضي، فالقاضي لا يقسمه بشرط الترك، وهل يقسمه بشرط القلع؟ فهو على الروايتين، وإن طلب أحدهما القسمة فالقاضي لا يقسم لا بشرط القلع ولا بشرط الترك.
ولا يقسم الساحة الواحدة واللؤلؤة وكل شيء يحتاج إلى كسر أو شق أو قلع بطلب البعض، إذا كان في قطعه أو شقه أو كسره ضرر، فأما إذا لم يكن في ذلك ضرر يقسم، واللآليء واليواقيت تقسم لأن الجنس واحد، ومنفعة هذا الجنس مما لا تتفاوت تفاوتاً لا يمكن استدراكه بخلاف العبيد على قول أبي حنيفة.
وإذا كان قناة أو نهراً أو عيناً، وليس معه أرض، فأراد بعض الشركاء القسمة، فالقاضي لا يقسم؛ لأن منفعة النهر لا تحصل إلا بالبعض، وكذلك منفعة القناة وأشباهها، وإن كان مع ذلك أرض للشرب لها الماء من ذلك قسمت الأرض وتركت النهر والبئر والقناة على الشركة، ولو كان أنهاراً أو أباراً في الأرضين متفرقة قسمت الآبار والعيون؛ والأراضي لأن الإفرازها هنا ممكن من غير ضرر.(7/627)
-----
قال محمد رحمه الله في «الأصل»: إذا كانت الدار بين ورثة فاقتسموها، وفصلوا بعضها على البعض بفصل قيمة البناء، أو ما أشبه ذلك فهذه القسمة وهذا التفصيل جائز.
وصورته: إذا كانت الدار بين وارثين وهي ثلاثون ذراعاً قيمة عشرة أذرع منها من جانب مثل قيمة العشرين من الجانب الآخر، إما لأجل البناء أو لمعنى من المعاني، فاقتسما أن يكون لأحدهما هذه العشرة وللآخر العشرون، فهذه القسمة جائزة واكتفي فيها بالمعادلة من حيث المعنى، وهو المالية عند تعذر اعتبار المعادلة من حيث الصورة بالذرعان.
وإن اقتسما العرصة بالسوية نصفين وشرطا أن من وقع البناء في نصيبه أعطى نصف قيمة البناء الآخر، فهذا على وجهين:
الأول: أن يقوموا البناء قيمة العدل، وشرطوا وقت القسمة أن من وقع البناء في نصيبه أعطى نصف ذلك لصاحبه، بأن قوموا البناء مثلاً مئة درهم، وشرطوا وقت القسمة أن من وقع البناء في نصيبه يعطي لصاحبه خمسين درهماً، وأنه جائز لأنهم قسموا الأرض بالسوية، وباع الذي لم يقع البناء في نصيبه نصيبه من البناء ببدل معلوم من صاحبه وكل ذلك جائز وتعين الكل قسمة.
أما على قول أبي حنيفة: لأن البيع مشروط في القسمة، فيكون تبعاً للقسمة فيكون له حكم القسمة بطريق التبعية، وصار كالبيع المشروط في النكاح له حكم النكاح عند أبي حنيفة رحمه الله بطريق التبعية.
وأما على قولهما: فلأن هذا البيع من ضرورات هذه القسمة، فيكون له حكم القسمة بخلاف البيع المشروط في النكاح على قولهما، لأنه ليس من ضرورات النكاح أما هنا بخلافه.
الوجه الثاني: إذا اقتسموا الأرض نصفين وشرطوا وقت القسمة أن من وقع البناء في نصيبه أعطي نصف قيمة البناء الآخر إلا أنه لم يعرف قيمة البناء وقت القسمة ولم يتبينوا ذلك، فهذه القسمة.(7/628)
-----
وهذا بخلاف ما لو باع داراً وأرضاً له وذكر الحقوق فإنه يدخل الطريق والشرب في البيع، وإن أمكن للمشتري فتح الطريق وتسييل الماء من موضع آخر من ملكه؛ لأن العمل باللفظين ممكن في البيع، لأن موجب البيع ملك اليمين، وبعدما دخل الحقوق ويبقى كذلك تمليكا للعين فلا ضرورة إلى إلغاء أحد اللفظين، أما عند عدم ذكر الحقوق في القسمة لم يوجد في القسمة ما يوجب دخول الحقوق.
أما إذا أمكنه فتح الطريق وتسييل الماء في نصيبه؛ فلأن في هذه الصورة لا يدخل الطريق وتسييل الماء مع ذكر الحقوق فبدون ذكر الحقوق أولى وأما إذا أمكنه فتح الطريق وتسييل الماء في نصيبه؛ فلأن الطريق وتسييل الماء لو دخلا في هذه القسمة دخلا بدلالة الحال؛ لأن الظاهر أنهما يباشران قسمة جائزة لا فاسدة، لا أن دلالة الحال إنما يعتبر إذا لم يوجد الصريح بخلافها وقد وجد الصريح هنا بخلافها، وهو التنصيص على لفظة القسمة، فإن القسمة للإفراز وخلوص الأنصباء.
وإذا اقتسم الرجلان داراً، فلما وقعت الحدود بينهما، فإذا أحدهما الطريق له، فإن كان يقدر على أن يفتح في حيزه طريقاً فالقسمة جائزة، وإن كان لا يقدر أن يفتح في حيزه طريق فالقسمة جائزة، وإن كان لا يقدر أن يفتح لنصيبه طريقاً، فإن لم يعلم وقت القسمة أن لا طريق له فالقسمة فاسدة؛ لأنها تضمنت تفويت منفعة على بعض الشركاء بغير رضاه.
وإن علم وقت القسمة أن الطريق له فالقسمة جائزة، وإن تضمنت تفويت منفعة على بعض الشركاء لرضاه بذلك، وكذلك لو اقتسما على أن الطريق لأحدهما جازت القسمة لما ذكرنا، وإن كان يقدر على أن يفتح في نصيبه طريقاً يمر فيه الرجل ولا يمر فيه الحمولة فالقسمة جائزة.
فالأصل في الطريق مرور الناس فيه، فأما مرور الحمولة فيه لا يكون إلا نادراً، وإن كان بحيث لا يمر فيه رجل فهذا ليس بطريق، ولا تجوز القسمة فيها من قطع منفعة الملك على أحدهما.(7/629)
-----
إذا كانت الدار بين رجلين، فاقتسما على أن يأخذ أحدهما الأرض كلها ويأخذ الآخر البناء، ولا شيء له من الأرض، فهذا على ثلاثة أوجه:
الأول: إذا شرطا في القسمة على المشروط له البناء قلع البناء وفي هذا الوجه القسمة جائزة؛ لأن القسمة في معنى البيع، ومن اشترى بناء بشرط القلع بأرض له كان جائزاً فكذا هاهنا، وصار المشروط البناء مشترياً نصيب صاحبه من النقص بما ترك على صاحبه من نصيبه من الأرض، وإن سكتا عن القلع ولم يشترطا ذلك جازت القسمة أيضاً؛ لأنه لما شرط لأحدهما البناء من غير الأرض، والإفراز للبناء إلا بالأرض، فكأنه شرط عليه القلع من حيث المعنى.
وإن شرطا ترك البناء فالقسمة فاسدة؛ لأن المشروط له البناء يصير مشترياً نصيب صاحبه من البناء، ومنفعة الأرض بقدر ما يكون عليه مراد البناء بنصيبه من الأرض، فما يقابل منفعة الأرض يكون إجارة.
وهذه إجارة فاسدة لجهالة المدة. فهذه قسمة شرط فيها إجارة فاسدة فتفسد كالبيع إذا شرط فيها إجارة، وإذا وقع الحائط أن يرفع الجذوع عن الحائط ليس له ذلك، إلا أن يكونا شرطا في القسمة رفع الجذوع سواء كان الجذوع لأحدهما على (4أ4) الخصوص قبل القسمة والحائط بينهما، أو كان السقف والجذوع مع الحائط مشتركاً بينهما ثم صار الحائط لأحدهما بالقسمة والسقف والجذوع للآخر.
ووجه ذلك: أن اشتراط الحائط لأحدهما بحكم القسمة إن كان يقتضي خلوص الحائط له عن شغل صاحبه، فاشتراط السقف للآخر يوجب أن يكون الحائط مشغولاً بحق صاحب السقف، ليسلم له ما شرط له من السقف، فأحد الاعتبارين إن كان يوجب رفع البناء فالاعتبار الآخر يمنع رفع البناء فلا يكون له الرفع بالشك، ثم جوز شرط رفع الجذوع في القسمة، وفيه نوع إشكال؛ لأن القسمة فيها معنى البيع.
(7/630)
-----
ولهذا كل شرط يفسد البيع يفسد القسمة، ثم بيع الجذوع في السقف بشرط الرفع لا يجوز، فكذا القسمة بهذا الشرط ينبغي أن لا تجوز، وإذا كان أصل الشركة الميراث فجرى فيها الشراء بأن باع واحد منهم نصيبه يقسم القاضي إذا حضر البعض، وإذا كان أصلها الشراء فجرى فيها الميراث بأن مات واحد من المشترين، فالقاضي لا يقسم حتى يحضر سائر المشتريين لأن في الوجه الأول المشترى قام مقام البائع في الشركة الأولى وكان أصلها وراثة، وفي الوجه الثاني الوارث قام مقام المورث في الشركة الأولى، وكان أصلها شراء، فينظر في هذا إلى الأول.5
في «فتاوى أبي الليث» : وفي هذا الموضع أيضاً: ضيعة بين خمسة من الورثة، واحد منهم صغير واثنان غائبان، واثنان حاضران، فاشترى رجل نصيب أحد الحاضرين، وطالب شريكه الحاضر بالقسمة عند القاضي وأخبراه بالقصة، فالقاضي يأمر شريكه بالقسمة ويجعل وكيلاً عن الغائب والصغير؛ لأن المشتري قام مقام البائع أن يطالب شريكه؛ لأن أصل الشركة كان ميراثاً، والعبرة في هذا الأصل على ما مر.
وفي «الرقيات» كتب ابن سماعه إلى محمد رحمهم الله في قوم ورثوا داراً وباع بعضهم نصيبه من أجنبي، وغاب الأجنبي المشترى، وطلبت الورثة القسمة وأقاموا البينة على الميراث، قال محمد رحمه الله: إذا حضر الوارثان قسمها القاضي حضر المشتري أو لم يحضر؛ لأن المشتري بمنزلة الوارث الذي باعه.
وفي «الأصل» : إذا كانت القرية وأرضها بين رجلين بالشراء فمات أحدهما وترك نصيبه ميراثاً، فأقام ورثته البينة على الميراث وعلى الأصل، وشريك أبيهم غائب لم يقسم القاضي حتى يحضر شريك أبيهم؛ لأن الوارث قائم مقام الميت، ولو كان الميت حياً وحضر يطلب القسمة، وشريكه غائب فالقاضي لا يقسم، ولو حضر شريك الأب وغاب بعض ورثة الميت قسمها القاضي بينهم؛ لأن حضور بعض الورثة كحضور الميت لو كان حياً، أو كحضور باقي الورثة.(7/631)
-----
وإن كان أصل الشركة بالميراث بأن كانا أخوين وورثا قرية من أبيهما، فقبل أن يقسما مات أحدهما وترك نصيبه ميراثاً لورثته، فحضر ورثة الميت الثاني وعمهم غائب، وأقاموا البينة على ميراثهم عن أبيهم وعلى ميراث أبيهم عن جدهم قسمها القاضي بينهم ويعزل نصيب عمهم، وكذلك لو حضر عمهم وغاب بعضهم قسمها القاضي بينهم؛ لأن الأصل ميراث، وفي الميراث غيبة بعض الشركاء لا يمنع القسمة.
في «المنتقى» عن أبي يوسف: إذا اشترى رجل من أحد الورثة بعض نصيبه، ثم حضر يعني الوارث البائع والمشتري وطلبا القسمة، فالقاضي لا يقسم بينهما حتى يحضر وارث آخر غير البائع؛ لأن المشتري بمنزلة الوارث الذي باعه.
ولو اشترى منه نصيبه ثم ورث البائع شيئاً بعد ذلك، أو اشترى لم يكن خصماً للمشتري في نصيبه الأول في الدار حتى يحضر وارث آخر غيره، ولو حضر المشتري من الوارث ووارث آخر وغاب الوارث البائع، وأقام المشتري بينة على شرائه وعلى الدار وعدد الورثة.
فإن هذا على وجهين: إن كانت الدار في يد الورثة ولم يقبض المشتري له، أقبل بينة المشتري على المشتري من الغائب، لأن الوارث الحاضر لا يجحد نصيب الغائب، ولو كان يجحده ويدعيه جعله خصماً، وقبلت بينة المشتري وقسمته.
وإن كان المشتري قبض وسكن الدار معهم ثم طلب القسمة هو ووارث آخر غير البائع، وأقام البينة على ما ذكرنا فالقاضي يقسم الدار، وكذلك إذا طلبت الورثة القسمة دون المشتري، فالقاضي يقسم الدار بينهم بطلبهم، وجعل نصيب الغائب في يد المشتري، ولا يقضي بالشراء، وإن لم يكن المشتري قبض الدار عزل نصيب الوارث الغائب، ولا يدفع إلى المشتري، وإن المشتري هو الذي طلب القسمة وأبى الورثة لم أقسم؛ لأني لا أعلم أنه مالك، ولا أقبل بينته على المشترى والبائع غائب.(7/632)
-----
وفيه أيضاً عن أبي يوسف: دار بين رجلين باع أحدهما نصيبه وهو مشاع من رجل، ثم إن المشتري أمر البائع أن يقسم صاحبه الدار ويقبض نصيبه، فقاسمه لم تجز القسمة؛ لأن البائع لا يكون قابض للمشتري من نفسه، ولو أخرت القسمة جعلت قابضاً للمشتري، وإذا كان بين رجلين دار ونصف دار اقتسما على أن يأخذ أحدهما الدار ويأخذ الآخر نصف الدار جاز، وإن كانت الدار أفضل قيمة من نصف الدار؛ لأن البيع على هذا الوجه جائز، وكذلك لو كانت سهاماً مسماة من هذه الدار، وسهاماً مسماة من تلك الدار، فاقتسما على أن لهذا ما في هذه الدار من السهام، ولهذا الآخر ما في هذه الدار الأخرى من السهام جاز؛ لأن البيع على هذا الوجه جائز.
ولو كانت مئة ذراع، وهذه الدار ومئة ذراع أو أكثر من الدار الأخرى فاقتسما على أن لهذا ما في هذه الدار من الذرعان، ولهذا ما في هذه الدار الأخرى لا يجوز عند أبي حنيفة؛ لأن البيع على هذا الوجه لا يجوز عند أبي حنيفة، عرف في كتاب البيوع أن بيع مئة ذراع من الدار لا يجوز، فكذا لا تجوز القسمة على هذا؛ لأنها في معنى البيع.
وإذا كانت الدار بين رجلين ميراثاً أو شراء فاقتسما على أن أحد كل واحد منهما طائفة على أن زاد أحدهما للآخر دارهم مسماة فهو جائز.
واعلم بأن ما يصلح ثمناً في باب البيع يصلح زيادة في القسمة، فالدارهم والدنانير تصلح عوض في باب البيع، حالّة كانت أو مؤجلة فتصلح زيادة في القسمة، والمكيل والموزون يصلح ثمناً في باب البيع، إن كان ثمناً وكان موصوفاً سواء كان حالاً أو مؤجلاً فتصلح زيادة في القسمة تكون على هذا الوجه.
(7/633)
-----
وإن كان عيناً ولم يشترط فيه الأجل يصلح ثمناً في باب البيع، وإن شرط فيه الأجل لا يصلح ثمناً في باب البيع، فالزيادة في القسمة تكون على هذا الوجه أيضاً، وبيان مكان الإيفاء شرط عند أبي حنيفة إذا كانت الزيادة شيئاً لها حمل ومؤنة عند أبي حنيفة، وعندهما بيان مكان الإيفاء ليس بشرط ويسلم عند الدار.
قال محمد رحمه الله في «الأصل»: عقيب هذه المسائل: وهذا والسلم في القياس سواء لكني استحسن في هذا، قال بعض مشايخنا رحمهم الله: القياس والاستحسان ينصرف إلى فصل الأجل.
يعني القياس: أن لا يجوز شرط المكيل والموزون زيادة في القسمة بغير أجل كما في السلم إلا أنه في الاستحسان يجوز، وهذا هو القياس والاستحسان الذي ذكرنا في كتاب البيوع، إذا اشترى شيئاً بمكيل أو موزون في الذمة حالاً فالقياس أن لا يجوز كما لو اشتراه بالثياب، وفي الاستحسان يجوز كما لو اشترى بالدراهم.
قال جماعة منهم: القياس والاستحسان على قول أبي حنيفة خاصة، يعني: القياس أن لا تجوز القسمة متى ترك بيان مكان الإيفاء فيما له حمل ومؤنة على قول أبي حنيفة رحمه الله القياس أن لا يجوز، وفي الاستحسان يجوز.
ووجه ذلك: أن مكان الإيفاء في القسمة مشروط دلالة، وهو عند الدار مقتضى وجوب القسمة؛ لأن موجب القسمة المعادلة بين الأنصباء ما أمكن، وقد وجب تسليم النصيبين في الدار فيجب تسليم البدل في الدار أيضاً، بخلاف فعل السلم والإجارة؛ لأن موضع العقد لم يتعين مكاناً للإيفاء ثمة لإيفاء، ولا مقتضى يوجب عقد السلم؛ إذ ليس بشيء (4ب4) عقد السلم على المعلق له ألا ترى أن أحد البدلين في السلم يسلم حالاً والآخر يسلم في الثاني.
وقال بعضهم: القياس والاستحسان على قولهما خاصة، القياس أن يجب تسليم ما شرط في موضع عقد القسمة كما في البيع والسلم، وفي الاستحسان يجب التسليم عند الدار.(7/634)
-----
ووجه ذلك: أن في السلم إنما وجب تسليم المسلم إليه في مكان العقد؛ لأن البدل الآخر وهو رأس المال وجب تسليمه في مكان العقد، فيجب تسليم هذا البدل في مكان العقد أيضاً، وها هنا تسليم أحد البدلين وجب في الدار، فكذا تسليم البدل الآخر فصارت الدار في مسألتنا كمكان العقد في مسألة السلم.
إذا كانت الدار بين رجلين اقتسماها فأخذ أحدهما قدر النصف، وأخذ الآخر قدر الثلث، ورفع طريقاً بينهما قدر السدس فذلك جائز؛ لأنهما قسما بعض الدار وبقيت شركتهما في البعض، ولو اقتسما الكل يجوز، ولو بقيا الكل على الشركة يجوز، فإذا قسما البعض وبقيا الشركة في البعض يجوز أيضاً، وكذلك إذا شرطا أن يكون الطريق لصاحب الأقل، وللآخر فيه حق المرور فهو جائز.
قال شيخ الإسلام: هذه المسألة دليل على جواز بيع حق المرور، والحاصل أن في جواز بيع حق المرور روايتان، واتفقت الروايات أن بيع الترب وبيع حق السبيل وبيع قرار العلو على السفل على الانفراد لا يجوز.
وذكر شمس الأئمة السرخسي في شرح هذا الكتاب من العلة ما يدل على جواز هذه القسمة على الروايات كلها، وإن كان في جواز بيع حق المرور روايتان كان بأن عين الطريق كان مملوكاً لهما، وكان لهما حق المرور، وقد جعل أحدهما نصيبه من رقبة الطريق ملكاً لصاحبه عوضاً عن بعض ما أخذ من نصيب صاحبه، وبقي لنفسه حق المرور هذا جائز بالشرط، كمن باع طريقاً مملوكاً من غيره على أن يكون له فيه حق المرور، وكمن باع السفل على أن له حق قرار العلو فإنه يجوز كذا ها هنا.
وإذا كانت الدار بين رجلين وبينهما شقص من دار أخرى اقتسماها على أن أخذ أحدهما الدار والآخر الشقص، فإن علما أن سهام الشقص كم هو فالقسمة جائزة، وإن لم يعلما فالقسمة مردودة، ولو علم أحدهما ولم يعلم الآخر فالقسمة مردودة.(7/635)
-----
وهكذا ذكر المسألة في «الأصل»: في هذا الكتاب ولم يفصل الجواب منها على التفصيل إن علم المشروط له الشقص جازت القسمة بلا خلاف، وإن جهل الشارط ذلك، وإن جهل المشروط له وعلم الشارط كانت المسألة على الخلاف.
على قول أبي حنيفة ومحمد تكون القسمة مردودة، وعلى قول أبي يوسف تكون جائزة وهذا القائل يقيس مسألة القسمة على مسألة البيع المذكور في كتاب الشفعة.
صورته: إذا باع الرجل نصيبه من دار من رجل، وقد علم أحدهما بمقدار النصيب ولم يعلم الآخر، إن علم المشتري ولم يعلم البائع جاز البيع بلا خلاف، وإن علم البائع ولم يعلم المشتري فالمسألة على الخلاف، فكان تأويل المذكور في كتاب القسمة: إذا جهل أحدهما؛ إذا جهل المشروط له، وقوله: القسمة مردودة، يعني: في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. ومنهم من قال: لا بل الجواب في مسألة القسمة على ما أطلق، والقسمة مردودة في قولهم جميعاً، واختلفوا فيما بينهم.
قال بعضهم: إنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع، موضوع مسألة الشفعة أنه أضاف البيع إلى نصيبه، فيدخل تحت البيع جميع نصيبه بحكم الإضافة فلا يبقى للبائع حق المنازعة بعد ذلك بأن يقول: عينت نصيبي نصيب كذا دون كذا، وموضوع مسألة كتاب القسمة أنهما ذكرا الشقص مطلقاً غير مضاف إليهما، وعند ذكر الشقص مطلقاً إنهما ما جهل يقع بينهما منازعة في مقدار الشقص، الشارط يقول: عينت بالشقص بعض نصيبي، والمشروط له يقول: عنيت جميع نصيبك؛ لأن اسم الشقص كما ينطلق على الكثير ينطلق على القليل، فيقع بينهما منازعة مانعة من التسليم والتسلم.
ووزان مسألة البيع في مسألة القسمة ما إذا قال البائع بعت نصيباً من الدار ولم يقل بعت نصيبي وهناك لا يجوز البيع إذا جهل أحدهما النصيب، ووزان مسألة القسمة من مسألة البيع ما إذا قالا: الشقص الذي لنا في الدار الأقوى، وهناك كان الجواب في القسمة كالجواب في البيع.(7/636)
-----
وإلى هذا مال شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده، وشمس الأئمة السرخسي رحمه الله، ومن المشايخ من فرق بين القسمة والبيع.
والفرق: أن مبنى القسمة على المعادلة في المنفعة والمالية، ولا يصير ذلك معلوماً لكل واحد منهما إلا إذا كان الشقص معلوماً لكل واحد منهما، فأما البيع عند المعاينة يقصد به الاسترباح والمشتري هو الذي يقبض المبيع، فيشترط أن يكون مقداره معلوماً له، فأما حق البائع في الثمن وهو معلوم فيتحقق هذا المعنى.
نظير الفرق: إذا اقتسم الشركاء فيما بينهم، وفيهم شريك غائب أو صغير ليس له وصي لا تصح القسمة، وإن فعلوا ذلك بأمر القاضي صحت القسمة لأن فعلهم بأمر القاضي كفعل القاضي بنفسه ولو قسم القاضي بنفسه وفيهم غائب أو صغير تصح القسمة؛ وينتصب الحاضر خصماً عن القاضي، كذا إذا فعلوا بأمر القاضي، وإن قدم الغائب وأجاز قسمتهم جاز، وكذلك إذا بلغ الصغير وأجاز قسمتهم، لأن هذا تصرف عقد وله مجبر حال وقوعه، فإن الغائب يجبر، وكذلك ابن الصغير أو وصيه بجبر وكل تصرف وله مجبر حال وقوعه يتوقف.
فإن قيل: في هذا توقيف الشراء، ومن مذهبنا أن الشراء لا يتوقف.
قلنا: الشراء إنما لا يتوقف إذا كان شراء محضاً بأن اشترى شيئاً لغيره بدارهم بغير أمره، فأما إذا كان شراء فيه بيع فإنه يقف، كما لو اشترى جارية لنفسه بعبد للصغير، فإن شراء الجارية يقف لأنه بيع في حق العبد، إذا ثبت هذا فنقول: هذه القسمة شراء فيها معنى البيع فجاز أن يقف، فإن مات الغائب أو الصبي فأجاز وارثه عمل بإجازة الوارث عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد تبطل القسمة.
فوجه قول محمد: أن موت من له الإجازة قبل الأداء تبطل العقد كالبيع المحض.(7/637)
-----
وجه قولنا: أنا لو أبطلنا القسمة بموت من له الإجازة احتجنا إلى إعادة مثلها ثانياً عند طلب بعض الشركاء، فلا يفيد الإبطال بخلاف البيع المحض؛ لأنا لو أبطلنا البيع بموت من له الإجازة لا نحتاج إلى إعادة مثله ثانياً، فكان في الإبطال فائدة، ثم إنما تعمل الإجازة من الغائب أو من وارث أو من الوصي أو من الصبي بعد البلوغ إذا كان ما وقع عليه القسمة قائماً وقت الإجازة، فأما إذا هلك فلا كالبيع المحض الموقوف على الإجازة إنما تعمل فيه الإجازة إذا كان المبيع قائماً وقت الإجازة، وكما تثبت الإجارة صريحاً بالقول تثبت الإجازة دلالة بالفعل كما في بيع المحض.
الفصل الرابع: فيما يدخل تحت القسمة من غير ذكر وما لا يدخل
وتدخل الشجرة في قسمة الأراضي، وإن لم يذكروا الحقوق والمرافق كما تدخل في بيع الأراضي، لا يدخل الزرع والثمار في قسمة الأراضي، وإن ذكروا الحقوق لأن الثمار والزرع ليست من حقوق الأرض فحقوق الأرض ما لا ينتفع بها بدون الأرض، فيكون من توابع الأرض، والزرع والثمار مما ينتفع بها دون الأرض فلا تكون من حقوق الأرض.
ولهذا لا يدخل في المبيع المحض بذكر الحقوق، وكذلك إن ذكر المرافق مكان الحقوق لا تدخل الثمار والزرع في ظاهر الرواية؛ لأن في العرف يروا المرافق الحقوق، فصار ذكر الحقوق سواء، ولو ذكروا في القسمة بكل قليل أو كثير فيها ومنها، إن قال بعد ذلك: من حقوقها لا تدخل الثمار والزرع، وإن لم يقل من حقوقها يدخل.(7/638)
-----
والأمتعة الموضوعة فيها لا تدخل على كل حال لأن الأمتعة إن كانت فيها فليست منها بوجه، ما وهو إنما شرط لصاحبه كل قليل وكثير هو فيها ومنها، فما يكون فيها ولا يكون منها لا يكون له بخلاف الزرع؛ لأن الزرع فيها من كل وجه ومنها من وجه، لأن الزرع متصل بالأرض إتصال تركيب بهذا الطريق دخل الزرع في بيع الأرض بذكر كل قليل وكثير فيها ومنها، وأما الشرب (5أ4) والطريق هل يدخلان من غير ذكر الحقوق في القسمة؟.
ذكر الحاكم الشهيد في «المختصر» :أنهما يدخلان، وهكذا ذكر محمد رحمه الله في «الأصل»: في موضع آخر من هذا الكتاب، فإنه قال: إذا كانت الأرض بين قوم ميراثاً اقتسموها بغير قضاء، فأصاب كل إنسان منهم فراح على حده، فله شربه وطريقه ومسيل مائه وكل حق لها.
والصحيح: أنهما لا يدخلان، ألا ترى أنهما لا يدخلان في البيع من غير ذكر الحقوق فكذا في القسمة؛ لأنها بمعنى البيع إلا أن فرق ما بين البيع والقسمة أن البيع جائز على كل حال، والقسمة جائزة إن أمكنه أن يجعل لأرضه شرباً وطريقاً من موضع آخر، وإن لم يمكنه إن علم وقت القسمة أن لا طريق ولا شرب له، فكذا القسمة جائزة، وإن لم يعلم فالقسمة باطلة؛ لأن البيع وضع لتمليك ما عقد عليه البيع، وقد حصل هذا المعنى على كل حال.
فأما القسمة فكما أن فيها معنى التملك، ففيها معنى الإقرار لما كان لهم من المنفعة والمالية قبل القسمة، وإنما يتحقق الإقرار إذا لم يتضمن لفوات منفعة على بعض الشركاء منفعة كانت لهم قبل القسمة، فبدون ذلك لا تكون قسمة على الحقيقة، فيتوقف على رضاهم إذا ذكر الحقوق والمرافق في القسمة، فلما استحق المشروط له الحقوق الطريق فيما أصاب صاحبه بالقسمة إذا لم يمكنه إيجاد طريق آخر، أما إذا أمكنه فلا، وقد ذكرنا جنس هذا فيما تقدم.
(7/639)
-----
ولو كان الطريق في أرض غيرهما استحق كل واحد منهما الطريق بذكر الحقوق أمكنه إيجاد طريق آخر، أو لم يمكن وإن لم يذكر الحقوق والمرافق في القسمة، وإنما ذكر كل قليل أو كثير هو فيها ومنها، قيل: يدخل الطريق والشرب.
ذكر شيخ الإسلام: أن في المسألة روايتين، في رواية لا يدخل لأن هذه الحقوق في البيع ولا منها، وفي رواية هذا الكتاب يدخل بحكم العرف، فإنه كما يراد بهذه الكلمة إدخال أما فيها ومنها يراد بها إدخال هذه الحقوق.
وإذا اقتسم نفر أرضاً على أن لفلان هذه القطعة وهذه النخلة، والنخلة في غير هذه القطعة، وعلى أن لفلان الآخر هذه القطعة الأخرى، ولم يقولوا لكل حق هو لها، وعلى أن للثالث التي فيها تلك النخلة، فالذي شرط له النخلة يستحق النخلة بأصلها من الأرض حتى لم يكن للذي شرط له القطعة التي فيها النخلة أن يقطع النخلة، فالنخلة تستحق بأصلها في القسمة.
وكذلك في الإقرار، إذا أقر لرجل بنخلة فإنه يستحق بأصلها، وإذا باع النخلة أو باع الشجرة مطلقاً، ذكر شيخ الإسلام أن في المسألة روايتين، وذكر شمس الأئمة السرخسي ذكر في «النوادر»: أن في البيع اختلافاً بين أبي يوسف ومحمد، على قول أبي يوسف يستحق النخلة بأصلها، وعلى قول محمد لا يستحق، فمحمد يحتاج إلى الفرق بين البيع وبين القسمة والإقرار.
والفرق: أن في القسمة بعض ما يصيب كل واحد منهما باعتبار أصل ملكه، وأصل ملكه فيها نخلة، وإنما يكون نخله قبل القطع فمن ضرورة استحقاق بعض النخلة بأصلها استحقاق جميع النخلة بأصلها وكذلك في الإقرار؛ لأن الإقرار اختيار تملك النخلة له، فأما البيع إيجاب مبتدأ فلا يستحق به إلا المسمى فيه، والنخلة اسم لما ارتفع من الأرض لا الأرض، فلا يجوز أن يثبت الملك ابتداء في شيء من الأرض بتسمية النخلة في البيع ما لم يسم النخلة بأصلها.(7/640)
-----
والحائط يستحق بأصله في الإقرار والقسمة والبيع باتفاق الروايات، هكذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في «شرحه» ، وذكر الخصاف في كتاب الشروط أن الحائط والنخلة والشجرة سواء.
ثم ذكر محمد في «الكتاب»: أن الشجرة تستحق بأصلها في القسمة، ولم يذكر مقدار ذلك.
بعض مشايخنا قالوا: يدخل في القسمة من الأرض ما كان بإزاء العروق يوم القسمة عروقاً لو قطعت تثبت الشجرة، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله، وبعضهم قالوا: يدخل في الأرض بمقدار غلظ الشجرة يوم القسمة، وإليه مال في «الكتاب» فإنه قال: إذا زادت النخلة غلظة كان لصاحب الأرض أن يبحث ما ازداد، فدل أنه قدر ما تحته من الأرض بمقدار غلظ الشجرة وقت القسمة.
فإن قطع النخلة أو الشجرة فله أن يغرس مكانها ما بدا له لأن صاحبها ملك من الأرض بقدر الغلظ الذي كان وقت القسمة، فكان له أن يتصرف فيها ما شاء، فإن أراد أن يمر إليها فمنعه صاحب الأرض عنه، إن ذكروا في القسمة بكل حق هو لها فليس لصاحب الأرض أن يمنعه وله الطريق إلى كله، وإن لم يذكروا ذلك، إن علم وقت القسمة أن لا طريق له فالقسمة جائزة، وإلا فالقسمة مردودة.
وإذا كانت قرية وأرض ورحى ما بين قوم بالميراث، فاقتسموها فأصاب رجلاً الرحى ونهرها وأصاب آخر التنور وأرضاً مسماة، وأصاب آخر أيضاً أرضاً مسماة فاقتسموها بكل حق لها، فأراد صاحب النهر أن يمر إلى نهره في أرض أصاب صاحبه بالقسمة فمنعه صاحبه، فليس له منعه إذا كان النهر في وسط أرض هذا ولا يصل إليه إلا بأرضه، لأن ذكر الحقوق والحالة هذه لاشتراط هذا الطريق، والطريق يستحق بالشرط.
وإن كان يصل إلى النهر بدون أرضه بأن كان النهر متفرجاً مع حد الأرض، لم يكن له أن يمر في أرض هذا، وإن كان الطريق إلى النهر في أرض الغير لا في نصيب صاحبه يدخل في القسمة بذكر الحقوق أمكنه الوصول إلى النهر بدون ذلك الأرض، أو لم يمكنه، وقد مر جنس هذا.(7/641)
-----
وإن لم يشترطوا في القسمة الحقوق والمرافق وما أشبهها، وكان الطريق في أرض الغير، فإن لم يمكن فتح الطريق في نصيبه فالقسمة فاسدة، إلا إذا علم بذلك وقت القسمة وإن أمكنه فتح الطريق في نصيبه فالقسمة جائزة، وكذلك إذا أمكنه المرور في بطن النهر بأن نضب الماء من موضع منه، وكان يمكن المرور في ذلك، فهو قادر على أن يمر في نصيبه فتكون القسمة جائزة، وإن لم يكن من النهر شيء مكشوف فالقسمة فاسدة؛ لأن المرور متعذر إن كان الماء كثيراً ومتعسر إن كان قليلاً فلا يلتفت إليه، والتحق هذا بما إذا لم يمكنه فتح الطريق في نصيبه.
لا يدخل العلو والكنيف والشارع في قسمة الدار، وإن لم يذكر الحقوق والمرافق، والظلة لا تدخل بدون ذكر الحقوق والمرافق عند أبي حنيفة، وعندهما تدخل إذا كان مفتحها من الدار، والجواب في القسمة نظير الجواب في البيع.
في «فتاوى أبي الليث» رحمه الله: دار بين قوم اقتسموا، فوقع في نصيب أحدهم بيت فيه حمامات، فإن لم يذكروا الحمامات في القسمة فهي بينهم كما كانت، وإن ذكروها فإن كانت لا توجد إلا لصيد فالقسمة فاسدة لما ذكرنا أن القسمة في معنى البيع، وبيع الحمامات إذا كانت لا توجد إلا لصيد فاسد فكذا القسمة، وإن كانت الحمامات توجد بغير صيد فالقسمة جائزة، لأن بيع الحمامات إذا كانت توجد بغير صيد جائزة، وهذا كله إذا اقتسموها بالليل حتى إذا اجتمعت كلها في البيت، فأما إذا اقتسموها بالنهار بعد ما خرجن من البيت فالقسمة فاسدة كالبيع.
في «مجموع النوازل» : شريكان اقتسما كرماً نصفين، وفيه أعناب وثمار، فإن قالا: على أن هذا النصف لفلان بكل قليله وكثيره، أو قالا: بما فيه الأعناب والثمار تصير الأعناب والثمار مقسومة، وإن لم يقولا ذلك تبقى مشتركة؛ لأن قسمة العقار بيع، وبيع الكرم لا يكون بيعاً للأعناب والثمار إلا بالتنصيص أو بذكر القليل والكثير.(7/642)
-----
في «فتاوى أبي الليث» : كرم بين اثنين اقتسماه فوقع النصف الأعلى في نصيب أحدهما مع الطريق القديم، ووقع النصف الأسفل في نصيب الآخر مع طريق رفعوه للنصف الأسفل، وفي الطريق الذي رفعوه للنصف الأسفل أشجار، قال الفقيه أبو القاسم: لمن جعل له الطريق، وقال الفقيه أبو الليث رحمه الله: إن جعل ملك الطريق له فالأشجار له: لأنها بمنزلة بيع الأرض، والشجرة تدخل في بيع الأرض تبعاً، وإن جعلا حق المرور له لا ملك الطريق، فالأشجار مشتركة بينهما كما كانت. فيه أيضاً، لو كان بين شريكين دار فرفعا باباً منها ووضعاه فيها، ثم قسما الدار، فالباب الموضوع لا يدخل في القسمة إلا بالذكر كما في البيع والله أعلم.
الفصل الخامس: في الرجوع عن القسمة (6ب4) واستعمال القرعة فيها
إذا كان الغنم أو ما أشبهه بين رجلين فأرادا قسمتها، وقسماها نصفين ولم يقصرا عن طلب المعادلة، ثم بدا لأحدهما الرجوع، فإن بدا له قبل تمام القسمة بأن كان ذلك قبل خروج القرعة فله الرجوع؛ لأن المقصود من القسمة وهو تعيين الأنصباء لم يحصل قبل الإقراع، فحال ما قبل الإقراع في القسمة والمقصود لم يحصل، كحال المساومة في باب البيع، وإن بدا له بعد تمام القسمة، بأن بدا له بعد ما خرج قرعتهما، أو بعد ما خرج قرعة أحدهما وتعين نصيب كل واحد منهما ليس له الرجوع؛ لأن القسمة في معنى البيع، والرجوع عن البيع بعد تمامه لا يعمل، فكذا الرجوع عن القسمة.
وإن كان الشركاء ثلاثة، فخرج قرعة أحدهم فلكل واحد منهم الرجوع؛ لأن القسمة لم تتم في كل واحد منهما، وأما في حق من خرج قرعته وإن تعين نصيبه؛ لأن ما يترك على صاحبيه من نصيبه لم يتعين بعد فكأنه وجد إحدى شطري القسمة، وإن خرج قرعة اثنين منهم، ثم أراد أحدهم أن يرجع ليس له ذلك؛ لأنه تعين نصيب كل واحد منهم وتمت القسمة في حقهم؛ لأن بخروج السهمين يتعين السهم الثالث.(7/643)
-----
ولو كان الشركاء أربعة ما لم تخرج قرعة ثلاث منهم كان لكل واحد منهم الرجوع، وهو بناء على ما قلنا.
وفي «نوادر ابن رستم» : لو كانت القسمة من القاضي أو من قسامه، فليس لأحد الشركاء الرجوع وإن لم تخرج السهام أصلاً؛ لأن القاضي يجبرهم على ذلك فلا يلتفت إلى رجوع واحد منهم لا بعد خروج القرعة ولا قبل خروجها.
وإذا كان غنم بين قوم تشاحوا عليها قبل أن يقسموها، فأيهم خرج سهمه أولاً عدوا له، كذا الأول فالأول فهذا لا يجوز؛ لأن ذلك مجهول؛ لأنه لا يدري ما نصيب كل واحد منهم بعد الإقراع، فإنه لا يدري أي عشرة تعد له الجيد أو الوسط أو الرديء، فهذه حياله مفضية إلى المنازعة، فيفيد القسمة كما يفيد البيع.
وإن كان في الميراث إبل وبقر وغنم، فجعلوا الإبل قسماً والبقر قسماً والغنم قسماً ثم تشاحوا عليها وأقرعوا، فهذا جائز لأن ما يصيب كل واحد منهم بعد القرعة معلوم بخلاف الفصل الأول، فإن ما يصيب كل واحد بعد القرعة ثمة ليس بمعلوم.
وإذا كانت الدار بين رجلين فاقتسما على أن أخذ أحدهما الثلث من مؤخرها بجميع حقه، وأخذ الآخر الثلثين من مقدمها بجميع حقه فلكل واحد منهما أن يرجع عن ذلك ما لم تقع الحدود بينهما، ولا يعتبر رضاهما بما قالا قبل وقع الحدود؛ وهذا لأن الرضا بالقسمة إنما يعتبر وقت وجود القسمة وتمامها، كالرضا بالبيع يعتبر وقت وجود البيع وتمامه، وتمام القسمة بوقع الحدود والتعيين، إما بالنص أو بالإقراع؛ لأن الإقرار به يتحقق.
ذكر في «الأجناس»: القرعة ثلاث: الأولى لإثبات حق وإبطال حق آخر وإنها باطلة، كمن أعتق أحد عبديه بغير عينه، ثم تعين بالقرعة، والأخرى لطيبة النفس، وإنها جائزة كما يقرع بين النساء ليسافر بها، والثالث لإثبات حق واحد وفي مقابلة مسألة ليقر بها كل حق كالقسمة وهو جائز والله أعلم.
(7/644)
الفصل السادس: في الخيار في القسمة
-----
الخيار نوعان: نوع يثبت بالشرط، ونوع يثبت بدون الشرط، والذي يثبت بدون الشرط نوعان: خيار الرؤية وخيار العيب، والقسمة نوعان: قسمة يوجبها الحكم، نعني بها: قسمة يجبر الآبي عليها، وقسمة لا يوجبها الحكم نعني: قسمة لا يجبر الآبي عليها.
وقد أورد محمد رحمه الله في «الأصل» لكل خيار باباً وبدأ بخيار الرؤية، فنحن نبدأ به أيضاً، فنقول: خيار الرؤية يثبت في القسمة التي لا يوجبها الحكم؛ لأن إثباته مفيد، وهل يثبت في القسمة التي يوجبها الحكم؟ ينظر إن وقعت هذه القسمة في ذوات الأمثال من المكيل أو الموزون أو العدديات المتقاربة من جنس واحد لا يثبت؛ لأن إثباته غير مفيد؛ لأنا متى أثبتناه ونقضنا القسمة به يجب إعادتها كما وقعت أول مرة، فلا يفيد الاشتغال به بخلاف القسمة التي لا يوجبها الحكم، لأنا لو نقضناها بخيار الرؤية لا يجب إعادة مثلها ثانياً، فكان الإثبات مفيداً.
وإن وقعت هذه القسمة في غير ذوات الأمثال كالغنم والبقر والإبل والثياب الهروية أو المروية ففيه روايتان، ذكر في رواية أبي سليمان أنه يثبت، وذكر في رواية أبي حفص أنه لا يثبت، والصحيح ما ذكر في رواية أبي سليمان.
ووجه ذلك: أن إثبات الخيار في هذه القسمة مفيد؛ لأن المعادلة في غير المكيل والموزون تعتبر من حيث القيمة، والقيمة تعرف بالحزر والظن فيتوهم جريان الغلط فيها فمتى نقضنا هذه القسمة بخيار الرؤية ربما تعاد على وجه يكون أعدل من الأول، فكان النقض مفيداً بخلاف المكيل والموزون؛ لأن المعادلة فيها تعتبر من حيث الإجراء لا من حيث القيمة، فمتى نقضناها احتجنا إلى إعادة مثلها، ثم ذكر محمد رحمه الله في «الكتاب» : الحنطة والشعير وكل ما يكال وكل ما يوزن، وأثبت في قسمتها خيار الرؤية.(7/645)
-----
قال مشايخنا رحمهم الله: أراد بما قال الحنطة والشعير جميعاً والمكيل والموزون جميعاً، لا أحدهما على الانفراد حتى يكون المقسوم أجناساً، فتكون قسماً لا يوجبها الحكم بتراضيهما، فيثبت فيها خيار الرؤية.
وإن أراد بذلك الحنطة على الانفراد أو الشعير على الانفراد، فهو محمول على ما إذا كان صفتهما مختلفة، بأن كان البعض علكة والبعض رخواً، والبعض حمراء والبعض بيضاء، واقتسما كذلك حتى تكون القسمة واقعة على وجه لا يوجبها الحكم.
أو كانت صفتها واحدة، إلا أنه أصاب أحدهما من أعلى الصبرة، وأصاب الآخر من أسفله، وهكذا الجواب في الذهب التبر والفضة التبر، وكذلك أواني الذهب والفضة والجواهر واللآليء، وكذلك العروض كلها، وكذلك السلاح والسيوف والسروج.
وإذا كانت ألفا درهم بين رجلين، كل ألف في كيس فاقتسما على أن لأحدهما كيساً وللآخر كيساً، وقد رأى أحدهما المال كله، ولم يره الآخر فإنه لا يثبت خيار الرؤية؛ لأنها قسمة وقعت على يوجبها الحكم؛ وهذا لأن الدراهم والدنانير، أثمان من كل وجه، ولا مقصود في عينها إنما المقصود الثمنية وبمعرفة المقدار يصير المقصود معلوماً على وجه لا تفاوت قسم الرضا به قبل الرؤية، بخلاف سائر وجه الأعيان، قال: إلا أن يكون قسم الذي لم ير المال سهماً، فيكون له الخيار إن شاء رد القسمة وإن شاء أمضاها.
واختلف المشايخ في تعليله، قال بعضهم: لأنه إذا كان قسمه سهماً بأن كان زيوفاً كان ذلك عيباً، فيرد بخيار العيب لا بخيار الرؤية، وخيار العيب يثبت في القسمات كلها.
وبعضهم قالوا: لأنه إنما رضي بقسمته على أن يكون في الصفة بمثل ما أخذ صاحبه، فإذا كان دون ذلك لا يتم به الرضا فيتخير في ذلك، كما لو رأى عند الشراء جزءاًمن المكيل أو الموزون، ثم كان ما بقى وإنما رأى، فإنه يثبت له الخيار، وهذا إشارة إلى أن الرد بخيار الرؤية.(7/646)
-----
وإذا اقتسم الرجلان بستاناً وكرماً فأصاب أحدهما البستان وأصاب الآخر الكرم ولم ير واحد منهما الذي أصابه ولا رأى جوفه ولا نخله، وإنما رأى الحائط من ظاهره سقط خيار الرؤية، ورؤية الظاهر كرؤية الباطن.
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في «شرحه» : وبهذه المسألة يتبين ضعف قول من يقول في مسألة الدار: إذا رأى المشترى ظاهر الدار ولم ير داخلها أن جواب محمد: أنه لا خيار للمشتري محمول على دور الكوفه؛ لأنهما لا تتفاوت في السعة والضيق.
ألا ترى أن محمداً رحمه الله في مسألة البستان والكرم اكتفى برؤية الظاهر، مع أن البستان المقصود والكرم المقصود يتفاوت بتفاوت الأشجار والنخيل، ولم يشترط رؤية شيء من ذلك، فعلم أن المعنى في تلك المسألة أن ما يتعذر الاستقصاء برؤية كل جزء منه تقام رؤية جزء منه مقام رؤية الجميع في إسقاط الخيار، وبعض مشايخنا قالوا: تأويل قوله: ولا رأى شجره ولا نخلة، كل الشجر وكل النخيل.
إنما رأى رؤوس الأشجار ورؤوس النخيل، أما لو لم ير رؤوس الأشجار أيضاً لا يسقط (7أ4) خيار الرؤية، وهذا القائل هذا يقول في بيع المحض، ثم إذا ثبت خيار الرؤية في القسمة في أي موضع ثبت يبطل بما يبطل به هذا الخيار في البيع المحض؛ لأن القسمة في معنى البيع، وقد عرف تفاصيل ذلك في كتاب البيوع.
جئنا إلى خيار العيب، فنقول: خيار العيب يثبت في نوعي القسمة جميعاً، لأن إثبات خيار العيب مقيد في النوعين جميعاً، فإن القسمة متى نقضت بسبب العيب لا يحتاج إلى إعادة مثلها على حسب ما وقعت أول مرة، بل تعاد على وجه يزول الضرر عمن وقع العيب في قسمه.(7/647)
-----
ومن وجد من الشراء عيباً في شيء من قسمه، فإن كان قبل القبض رد جميع نصيبه سواء كان المقسوم شيئاً واحداً، أو أشياء مختلفة كما في البيع، وإن كان بعد القبض، فإن كان المقسوم شيئاً واحداً حقيقة وحكماً كالدار الواحدة، أو حكماً لا حقيقة كالمكيل والموزون، يرد جميع نصيبه، وليس له أن يرد البعض دون البعض، كما في البيع المحض، وإن كان المقسوم أشياء مختلفة حقيقة وحكماً كالأغنام يرد المعيب خاصة كما في البيع المحض، وما يبطل خيار العيب في البيع المحض كذا يبطل به في القسمة؛ لأن في القسمة معنى البيع على ما مر.
وإذا استخدم الجارية بعد ما وجد بها عيباً ردها استحساناً، وإذا دام على سكنى الدار بعد ما علم بالعيب بالدار ردها بالعيب استحساناً أيضاً، وإذا دام على ركوب الدابة، أو دام على لبس الثوب بعد ما علم بالعيب لا يردهما بالعيب استحساناً وقياساً، وللاستحسان في مسألة السكنى طريقان.
أحدهما: أن الدوام على السكنى بعد ما علم بالعلم محتمل بين أن يكون لاختيار الملك فيسقط خياره، وبين أن يكون لعجزه عن الانتقال لأن الانتقال من دار إلى دار لا يمكن إلا بكلفة ومؤنة وربما لا يتهيأ له ذلك فلا يكون اختياراً للملك مع الشك فلا يسقط خياره بخلاف الدوام على الركوب واللبس؛ لأنه اختيار الملك؛ لأنه لا عجز عن النزع والنزول، فكان لاختيار الملك فعلى قول هذه الطريقة، يقول: إذا أنشأ السكنى بعدما علم بالعيب يسقط خياره؛ لأن إنشاء السكنى لا يكون إلا لاختيار الملك؛ لأنه لا يحتمل العجز عن الانتقال، ومحمد رحمه الله لم يذكر فصل إنشاء السكنى في بعض روايات كتاب القسمة، إنما ذكر فصل الدوام.(7/648)
-----
الطريق الثاني: أن الدوام على السكنى محتمل بين أن يكون بالملك الحادث المستفاد بالقسمة من جهة صاحبه، فيدل على اختيار الملك، وبين أن يكون بملكه القديم؛ لأن كل واحد منهما يملك ذلك بملكه القديم من غير رضا شريكه؛ لأن الناس لا يتفاوتون فيه وعلى هذا الاعتبار لا يكون اختياراً للملك فلا يثبت أنه الاختيار بالشك، بخلاف الدوام على اللبس والركوب؛ لأنه لا يحتمل أن يكون بالملك القديم؛ لأن أحد الشريكين لا يملك ذلك من غير رضا شريكه لما أن الناس يتفاوتون في الركوب واللبس فتعين أن يكون بالملك الحادث، فعلى قول هذه الطريقة نقول: إذا أنشأ السكنى بعد ما علم بالعيب لا يسقط خياره، وإلى هذا أشار في بعض روايات هذا الكتاب.
وأما في البيع المحض هل يسقط خيار العيب بالسكنى دواماً كان أو أنشاءً فلا ذكر لهذه المسألة في كتاب البيوع، وقد اختلف المشايخ فيه.
فمن سلك الطريق الأول في مسألة القسمة يقول: خيار العيب في القسمة والبيع المحض يبطل بإنشاء السكنى ولا يبطل بدوامه، ومن سلك الطريق الثاني يقول: خيار العيب في القسمة والبيع المحض لا يبطل بإنشاء السكنى ولا بدوامه.
ومن المشايخ من فرق بين البيع المحض، وبين القسمة فقال: في البيع يبطل خيار العيب بالسكنى إنشاء ودواماً، وفي القسمة لا يبطل خيار العيب بالسكنى لا إنشاء ولا دواماً.
والفرق: أن السكنى في فصل القسمة دواماً كان أو إنشاء يحتمل أن يكون بالملك القديم، فأما البيع لا يحتمل أن يكون بالملك القديم دواماً كان أو إنشاءً فيتعين أن يكون بالملك الحادث المستفاد بالبيع، فيكون اختياراً للملك، فلهذا افترقا.
وأما في خيار الشرط إذا سكن الدار في مدة الخيار، أو دام على السكنى.(7/649)
-----
ذكر محمد رحمه الله في كتاب البيوع: إذا سكن المشتري الدار في مدة الخيار سقط خياره، ولم يفصل بينما إذا أنشأ السكنى وبينما إذا دام على السكنى، فمن فرق من المشايخ بين إنشاء السكنى وبين الدوام عليه في مسألة القسمة يفرق بينهما أيضاً في خيار الشرط.
ويقول: خيار الشرط يبطل بإنشاء السكنى ولا يبطل بالدوام عليه إذ لا فرق بينهما، ومن قال: خيار العيب في القسمة لا يبطل لا بإنشاء السكنى ولا بدوامه، قال: بأن خيار الشرط يبطل بإنشاء السكنى وبدوامه.
والفرق بينهما: وهو أن السكنى في خيار العيب يحتمل أن يكون لإمكان الرد بالعيب؛ لأن مدة الرد بالعيب قد تطول؛ لأن الرد بالعيب لا يكون إلا بقضاء أو برضا، وعسى لا يرضى به خصمه، فيحتاج إلى القضاء، والقضاء يعتمد سابقه الخصومة، ومدة الخصومة عسى تطول فمتى لم يسكنها تخرب، لأن الدار تخرب إذا لم يسكن فيها أحد، فيعجز عن الرد فيحتاج إلى السكنى لإمكان الرد بالعيب، فلا يكون اختياراً للملك وعلى هذا الاحتمال؛ فلهذا لا يسقط به خيار العيب.
فأما في خيار الشرط لا يحتاج إلى السكنى لإمكان الرد؛ لأنه يتمكن من الرد بنفسه من غير أن يتوقف ذلك على قضاء أو رضا فلا تطول مدة الرد، فلا يحتاج إلى السكنى لإمكان الرد فكان الاختيار الملك فيوجب سقوط خياره، وإذا باع قسمه الذي أصابه من الدار، ولا يعلم بالعيب، فرده المشتري عليه، إن قبله بغير قضاء فليس له أن ينقض القسمة، وإن قبله بقضاء فله أن ينقض القسمة، كما في البيع المحض.
فإن كان المشتري قد قدم شيئاً من الدار قبل أن يعلم بالعيب لم يكن له أن يردها، ويرجع بنقصان العيب كما في البيع المحض، قال: وليس للبائع أن يرجع بنقصان ذلك على من قاسمه، ذكر المسألة مطلقة من غير ذكر خلاف.(7/650)
-----
فمن مشايخنا من قال: ما ذكر هنا قول أبي حنيفة رحمه الله وحده، أما على قول أبي يوسف ومحمد يرجع بنقصان العيب على قسمته، وقاس هذه المسألة بمسألة ذكرها في كتاب الصلح.
وصورتها: رجل اشترى من آخر جارية وقبضها وباعها من غيره، فهلكت عند المشتري، ثم اطلع المشتري الثاني على عيب بها، فإن له أن يرجع بنقصان العيب على بائعه وهو المشتري الأول، وهل للمشتري الأول أن يرجع على بائعه؟ ذكر أن على قول أبي حنيفة: لا يرجع.
وعلى قولهما: يرجع فها هنا يجب أن يكون على الخلاف أيضاً، ومن المشايخ من يقول: ما ذكر في كتاب القسمة قول الكل، وفرق هذا القائل بين مسألة كتاب القسمة وبين مسألة كتاب الصلح.
ووجه الفرق: أن في مسألة كتاب القسمة إلتزم ضمان النقصان باختياره، فإنه كان يمكنه أن يقبل المبيع ولا يؤدي النقصان، فهو بمعنى قولنا: التزم ضمان النقصان باختياره فلا يرجع بذلك على غيره.
أما في مسألة كتاب الصلح التزم ضمان النقصان عن اضطرار وجبر، فإن القبول بعد الهلاك غير ممكن، فجاز أن يرجع بذلك على بائعه، ولكن هذا الفرق لا يكاد يصح؛ لأن في مسألة كتاب القسمة لا يمكنه القبول إلا بزيادة عيب يلزمه، فكان مضطراً في التزام ضمان النقصان، فالصحيح أن المسألة على الاختلاف.
جئنا إلى خيار الشرط، فنقول: خيار الشرط يثبت في القسمة حيث يثبت خيار الرؤية، وما يبطل به خيار الشرط في البيع المحض يبطل في القسمة، وإنما يصحّ اشتراط الخيار في القسمة على نحو ما يصح اشتراط في البيع المحض حتى يجوز اشتراط ثلاثة أيام بلا خلاف، وما زاد على الثلاثة يكون على الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه، وإن ادعى المشروط له الخيار بعد مضي مدة الخيار الفسخ في مدة الخيار لا يصدق على ذلك، كما في البيع المحض.
(7/651)
الفصل السابع: في بيان من يلي القسمة على الغير ومن لا يلي
-----
الأصل أن من ملك بيع شيء ملك قسمته؛ لأن في القسمة بيعاً وإفرازاً، ومن ملك بيع شيء ملك إفرازه (7ب4) ضرورة، إذا عرفت هذا فنقول: الأب يقاسم مال ولده الصغير عقاراً كان أو منقولاً بغبن يسير، ولا يملك بغبن فاحش لأنه يملك بيع مال ولده الصغير عقاراً كان أو منقولاً بغبن يسير، ولا يملك بغبن فاحش فكذا القسمة، ووصي الأب في ذلك بمنزلة الأب، والجد أب الأب حال عدم الأب، ووصي الأب بمنزلة الأب، وأما وصي الأم يقاسم مال ولدها الصغير ما سوى الصغار من تركة الأم إذا لم يكن للصغير أحد ممن سمينا، ولا يقاسم ما له من غير تركة الأم، العقار والمنقول في ذلك على السواء؛ وهذا لأن وصي الأم قائم مقام الأم، والأم حال حياتها كانت تملك بيع منقولاتها التي يرثها هذا الصغير، تحصيناً على نفسها وعلى الصغير، فإنها ما لم تحصن ذلك وتحفظها لا يبقى لها ولا يصير موروثاً للصغير من جهتها، وكانت تملك بأن تحفظ ما ورثها الصغير من غيرها بعينها وما كانت تملك بيعها، العقار والمنقول في ذلك على السواء.
وما كانت تملك بيع عقار أب نفسها التي يرثها هذا الصغير تحصيناً لأنها محصنة بنفسها، وإنما كانت تملك بيعها لحاجتها إلى الثمن، إذا ثبت هذا في حق الأم ثبت في حق وصيها الذي هو قائم مقامها فيملك وصيها بيع المنقولات التي ورثها من الأم تحصيناً، ولا يملك بيع عقاراته التي ورثها من الأم تحصيناً، وإنما يملك بيعها لحاجته إلى ثمنها، بأن كان عليه دين لا وفاء له إلا من ثمنها.
ولا يملك بيع ما ورث الصغير من غير الأم، العقار والمنقول في ذلك سواء.(7/652)
-----
وإذا عرفت الجواب في البيع ظهر الجواب في القسمة، في كل موضع ملك هذا الوصي البيع يملك القسمة؛ لأن في القسمة تحصين، فإن الإنسان أقدر على تحصين المقسوم، وفي كل موضع لا يملك البيع لا يملك القسمة، وكل جواب عرفته في وصي الأم فهو الجواب في وصي الأخ والعم وابن العم يقاسم ما ورث الصغير من هؤلاء ما سوى العقار، ولا يقاسم العقار ولا يقام ما ورث الصغير من غيرهم، العقار والمنقول في ذلك سواء؛ لأنه لا ولاية لهؤلاء على الصغير كما لا ولاية للأم فكانوا بمنزلة الأم، فكان وصيهم بمنزلة وصي الأم.
ولا تجوز قسمة الأب الكافر على ابنه المسلم، وكذا لا تجوز قسمة الأب المملوك على ابنه الحر، ولا تجوز قسمة الملتقط على اللقيط كما لا يجوز بيعه، ولا تجوز قسمة الوصي بين الصغيرين كما لا يجوز بيعه مال أحدهما من الآخر.p
والوصي إذا قاسم مالاً مشتركاً بينه وبين الصغير لا يجوز، إلا إذا كان للصغير فيها منفعة ظاهرة عند أبي حنيفة رحمه الله، وعند محمد لا يجوز، وإن كان للصغير فيه منفعة ظاهرة، ويجوز للأب أن يقاسم مالاً مشتركاً بينه وبين الصغير، وإن لم يكن للصغير فيه منفعة ظاهرة.
وإن كان في الورثة صغار وكبار فقاسم الوصي الكبار وميز نصيب الصغار جاز، ولا تجوز قسمة الوصي على الكبار الغيب في العقار، وتجوز قسمته في العروض، زاد «البقالي» في كتابه العروض من تركة الأب، وإن كان فيهم صغير وكبير حاضر وكبير غائب فعزل الوصي نصيب الكبير الغائب مع نصيب الصغير، وقاسم الكبير الحاضر.
فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله: جاز قسمته في العقار والعروض، وعلى قولهما: تجوز في العقار ولا تجوز في العروض كما في البيع، ولا يقسم على الموصى له من غير أمر القاضي.(7/653)
-----
وروى الحسن عن أبي يوسف: أنه يجوز، وهو قول الحسن، وإذا جعل القاضي وصياً ليتيم في كل شيء فقاسم عليه في العقار والعروض جاز، ولو جعله وصياً في النفقة أو في حفظ شيء بعينه فقاسم لا يجوز.
وهذا بخلاف وصي الأب إذا جعل الأب وصياً في شيء خاص، فإنه يكون وصياً في الأشياء كلها فالوصاية من القاضي قابلة للتخصيص، ومن الأب لا تقبل التخصيص، ولا تجوز القسمة على المبرسم والمغمى عليه، والذي يجن ويفيق إلا برضاه، ووكالته في حالة صحته وإفاقته؛ وهذا لأن هذا العارض على شرف الزوال فكان لاحقاً بالعدم إلا أنه موجود حقيقة، فما ثبت للغير عليه من الولاية الثانية بالوكالة حالة الصحة لا يزول، وما لم يكن ثابتاً للغير عليه من الولاية لا يثبت.
الفصل الثامن: في قسمة التركة وعلى الميت أو له دين أو موصي له،وفي ظهور الدين بعد القسمة، وفي دعوى الوارثديناً في التركة أو عيناً من أعيان التركة
قال محمد رحمه الله: إذا اقتسم الورثة داراً للميت أو أرضاً الميت، وعلى الميت دين، فجاء الغريم يطلب الدين فالقسمة فاسدة قياساً جائزة استحساناً لوجهين:
أحدهما: أنهما شرطا في القسمة ما تقتضيه القسمة من غير شرط، فإنهما لو اقتسما الأرض وترك البناء على الشركة وجب على من وقع البناء في نصيبه نصف قيمة البناء لصاحبه، واشتراطها يقتضيه العقد من غير شرط لا يوجب فساد العقد.(7/654)
-----
فإن قيل: إذا لم يشترط القيمة وقت القسمة فالجهالة طارئة على القسمة، لأن القيمة تجب بعد ذلك حكماً فكانت طارئة، ومتى شرطا القيمة وقت القسمة كانت الجهالة متقارنة للقسمة، والجهالة الطارئة على العقد لا توجب فساد العقد، أما المقارنة تفسد العقد، عرف ذلك في كتاب البيوع، والجواب عن هذا أن يقال: لا بل الجهالة مقارنة للقسمة، وإن لم يشترطا القيمة؛ لأن القيمة واجبه لا محالة لا تنفك القسمة عنها فكانت الجهالة متقارنة، ثم لم يمنع ذلك جواز القسمة، فكذا إذا كانت مشروطة؛ لأنه لا يثبت بالشرط زيادة جهالة لم تكن ثابتة قبل ذلك.
الوجه الثاني: لبيان جواز هذه القسمة: أن العبرة لحال تمام العقد، والعقد تم في المعلوم فلا تضرهم الجهالة في الابتداء، كما لو اشترى أحد الأبواب الثلاثة على أنه بالخيار ويأخذ أيها شاء، وسمى لكل واحد ثمناً.
بيان هذا الكلام: أن حكم القسمة في الأرض لا يتم بالمساحة بل يتوقف تمام القسمة فيها على معرفة قيمة البناء وقسمتها بالقيمة، فلا تتم القسمة إلا بعد ظهور المعادلة في الكل ومعرفة كل واحد من الشركاء نصيبه.(7/655)
-----
فهو معنى قولنا: إن العقد يتم في المعلوم، ثم إذا اقتسما الأرض نصفين وترك البناء على الشركة ووقع البناء في نصيب أحدهما إنما وجب على من وقع البناء في نصيبه نصف قيمة البناء؛ لأنه لا وجه إلى إبقاء البناء مشتركاً كذلك؛ لأن ما تحت البناء من الأرض صار ملكاً لأحدهما، فمتى تركنا البناء كذلك يتضرر من وقعت ساحة الأرض في نصيبه، ولا وجه إلى أن يؤمر الذي لم يقع البناء في نصيبه نقض نصيبه، لأنه لا يمكن نقض نصيبه إلا بعد نقض نصيب صاحبه، وفي ذلك ضرر بصاحبه فلم يبق ههنا وجه سوى أن يتملك الذي لم يقع البناء في نصيبه من الأرض ونصيب صاحبه من البناء، أو يتملك صاحب الأرض من نصيب صاحبه من البناء، وتملك صاحب الأرض نصيب صاحبه من البناء أولى؛ لأن التملك فيه أقل؛ ولأن صاحب الأرض صاحب أصل وصاحب البناء صاحب تبع، وتملك التبع لحق صاحب الأصل أولى على ما عرف.
وإذا كانت الدار في يدي ورثة حضور كبار أقروا عند القاضي أنها ميراث في أيديهم وسألوه قسمتها.
قال أبو حنيفة رحمه الله: القاضي لا يقسم الدور وسائر العقار بإقرارهم حتى يقيموا بينة أن فلاناً مات وتركها ميراثاً بينهم.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: قسمها بإقرارهم بينهم، ويشهد على أنه إنما قسمها بينهم بإقرار منهم لا بالبينة، وعلى هذا الخلاف إذا أقروا أن معهم وارث آخر غائب أو صغير، والدار كلها في يد الذين حضروا عند القاضي، وسألوه القسمة، واجمعوا على أن الدار كلها أو شيء منها إذا كان في يدي غائب أو صغير سوى هؤلاء الذين حضروا عند القاضي وطلبوا من القاضي القسمة، فالقاضي لا يقسمها بينهم حتى يقيموا البينة على الميراث، واجمعوا في العروض إذا أقروا أنها ميراث بينهم، والعروض في أيديهم، وطلبوا من القاضي القسمة أن القاضي قسمها (8أ4) وإن لم يقيموا البينة على الميراث.(7/656)
-----
وأما إذا قالوا: اشترينا هذه الدار من فلان وطلبوا من القاضي القسمة، فالقاضي يقسمها بينهم بإقرارهم، وعن أبي حنيفة رحمه الله روايتان، في المشهور من الرواية: القاضي يقسمها بينهم بإقرارهم كما هو مذهبهما، وفي رواية قال: لا يقسمها حتى يقيموا البينة على الشراء من فلان.
وجه قولهما: في فصل الميراث أن إقرارهم أن الدار في أيديهم ميراث إقرار صحيح؛ لأن الدار في أيديهم لا ينازعهم أحد فيها، وقول صاحب اليد فيما في يده عند عدم المنازع مقبول صحيح شرعاً، فلا حاجة إلى إثبات ذلك بالبينة.
والدليل عليه في فصل الشراء وفصل العروض، وهذا بخلاف ما إذا كانت الدار كلها أو شيء منها في يد الغائب؛ لأن هناك إقرارهم غير صحيح؛ لأنه لا يد لهم فيما أقروا فلا بد من الإثبات بالبينة أما ها هنا بخلافه.
ولأبي حنيفة رحمه الله أن التركة قبل القسمة مبقاة على حكم ملك الميت، ألا ترى أن التركة إذا ازدادت قبل القسمة كانت الزيادة للميت؟ حتى تقضى منها ديونه وتنفذ وصاياه، وبالقسمة ينقطع قدر ما بقي من الملك له حتى يصير الزيادة لمن وقع في سهمه، وقولهم ليس بحجة على الميت بخلاف فصل الشراء على ظاهر الرواية؛ لأن القسمة هناك لا تتضمن بطلان شيء من ملك البائع؛ لأن المشترى بعد القبض ملك المشتري من كل وجه، ولم يبق للبائع فيه حق، ألا ترى أن ما يحدث من الزيادة يحدث على حكم ملك المشتري.
وأما العروض قلنا: القاضي لا يقسم العروض لقطع ما بقي من ملك الميت إنما يقسمها تحصيناً على الميت؛ لأن العروض تخشى التوى والتلف.
ألا ترى أن القاضي يبيع عروض الغائب، وإنما يبيعها تحصيناً عليه، أما العقار محصنة بنفسها فلم يقسمها بطريق التحصين بل كان لإزالة ملك الميت، فلا بد لذلك من حجة تقوم عند القاضي.(7/657)
-----
ثم على قولهما إذا قسم القاضي الدار بين الورثة بإقرارهم، يشهد أنه إنما قسم بإقرارهم؛ لأن حكم القسمة بالبينة يخالف حكم القسمة بالإقرار؛ لأن حكم القسمة بالبينة يتعدى إلى الغير.
حتى لو ادعى أم ولده هذا الميت أو مدبرة العتق فالقاضي يقضي لهما بالعتق، ولا يكلفهما إقامة البينة على الموت، وحكم القسمة بالإقرار لا يتعدى.
ألا ترى أنه لا يقضي بالعتق في هاتين الصورتين إلا ببينة تقوم على الموت، وإذا كان بعض الورثة حضوراً والبعض غيباً، والدار كلها أو بعضها في يد الغائب وطلب الحاضر القسمة من القاضي، وأقام البينة على الميراث، فإن كان الحاضر واحداً فالقاضي لا يقبل بينته ولا يقسم الدار، وعن أبي يوسف أن القاضي ينصب عن الغائب خصماً ويسمع البينة عليه ويقسم الدار.
وجه ظاهر الرواية: أن التركة قبل القسمة إن بقيت على حكم ملك الميت من وجه على ما مر صارت ملكاً للورثة من وجه، حتى لو أعتق واحد منهم عبداً من التركة قبل القسمة يعد العتق في نصيبه، وكل واحد من الورثة قبل القسمة يرتفق بنصيبه ونصيب شركائه، فالحاضر بدعوى القسمة كما يدعي إزالة ما بقي من ملك الميت يدعى على شركائه قطع الارتفاق بنصيبه ونصيب شركائه، فالحاضر ... جاز للقاضي نصب الوصي من حيث إنه دعوى على الميت لا يجوز له نصب الوصي من حيث إنه دعوى على شركائه الغائب، فلا يجوز نصب الوصي بالشك.
وليس كما لو ادعى أجنبي ديناً على الميت، وليس للميت وارث ولا وصي، فإن القاضي ينصب عنه وصيّاً عن الميت، أما هاهنا بخلافه، وإذا لم يكن للقاضي أن ينصب وصياً عن الميت، وهذا الواحد لا يصلح خصماً عن الميت وعن سائر الشركاء؛ لأنه مدعي فلا يصلح مدعياً عليه تعذر قبول البينة؛ لأن البينة من غير الخصم لا تقبل.
وإن حضر اثنان والباقي بحاله، فالقاضي يسمع البينة، ويقسم الدار ويجعل أحد الحاضرين مدعياً والآخر مدعى عليه، وأحد الورثة ينتصب خصماً عن الميت وعن باقي الورثة.(7/658)
-----
فإن قيل: كيف يجعل أحدهما مدعى عليه وكل واحد منهما مقر بما يدعيه صاحبه، والمقر بما يدعي المدعي لا يصلح خصماً للمدعي.
قلنا: كل واحد منهما إنما يقر على الغير والإقرار على الغير باطل، وجوده والعدم بمنزلة، ألا ترى أن من ادعى على ميت ديناً وأقر به وصيه، فإن المدعي يكلف إقامة البينة وينتصب الوصي خصماً له، وإن كان الوصي مقراً، وإذا حضر أحد الورثة ومعه صغير وطلب القسمة من القاضي، وأراد ن يقسم بينه على الميراث، فالقاضي ينصب وصياً عن الصغير ويسمع البينة عليه ويقسم الدار؛ لأن للقاضي ولاية نصب الوصي، ووصيه يقوم مقام الصبي، وكأن الحاضر اثنان بالغان.
وإن كانت الدار بين ثلاثة نفر بالشراء، وأحدهم غائب، فأقام اثنان منهم البينة على الشراء وطلبا من القاضي القسمة فالقاضي لا يسمع بينته ولا يقسم الدار بينهم؛ وهذا لأن الحاضر من المشترين لا ينتصب خصماً عن الغائب منهم؛ لأن الثابت بالشراء كل واحد منهم ملك جديد بسبب يأمره في نصيبه، فأما في الميراث لا يثبت للورثة ملك متجدد لسبب حادث، وإنما ينتقل إليهم ما كان من الملك للمورث بطريق الخلافة عنه، فيستقيم أن يجعل البعض خصماً عن البعض في ذلك؛ لاتحاد السبب في حقهم وهو الخلافة عن الميت، وسيأتي جنس هذه المسائل بعد هذا في هذا الفصل إن شاء الله تعالى.
وإذا كانت الدار بين رجلين فيها صفّة، وفي الصفّة بيت وطريق البيت في الصفة، ومسيل ماء ظهر البيت على ظهر الصفة، فاقتسما فأصاب أحدهما الصفة وقطعة من ساحة الدار، وأصاب الآخر البيت وقطعه من ساحة الدار، ولم يذكروا في القسمة الطريق ومسيل الماء، فأراد صاحب البيت أن يمر في الصفة على حاله ومسيل الماء على ظهر الصفة، فالمسألة على وجهين:(7/659)
-----
أحدهما: أن يكون لصاحب البيت إمكان فتح الطريق ومسيل الماء في نصيبه في موضع آخر، وفي هذا الوجه القسمة جائزة، وليس لصاحب البيت حق المرور في الصفة، ولا حق تسييل الماء على ظهرها سواء ذكر في القسمة أن لكل واحد منهما نصيبه بحقوقه أو لم يذكرا ذلك.
الوجه الثاني: إذا لم يكن لصاحب البيت إمكان فتح الطريق وتسييل الماء في نصيبه من موضع آخر، وفي هذا الوجه إن ذكروا أن لكل واحد منهما نصيبه بحقوقه دخل الطريق ومسيل الماء في القسمة وتجوز القسمة، وإن لم يذكرا ذلك لا يدخل الطريق ومسيل الماء في القسمة، وفسدت القسمة.
والوجه في ذلك: أن عند ذكر الحقوق اجتمع في القسمة ما يوجب دخول الطريق ومسيل الماء في القسمة، وهو اشتراط الحقوق كما في البيع، وما يمنع دخولهما وهو لفظة القسمة، لأن القسمة للإقرار ولقطع كل واحد منهما عن نصيب صاحبه، وإنما ينقطع حق صاحب البيت عن الصفة من كل وجه إذا لم يكن لصاحب البيت حق المرور في الصفة وحق تسييل الماء على ظهر الصفة.
والعمل بهما جميعاً في كل حال متعذر، فعملنا بلفظة القسمة إذا أمكنه فتح الطريق وتسييل الماء في نصيبه، وألغينا شرط الحقوق؛ لأن العمل بمقتضى القسمة في هذه الصورة لا يفسد القسمة والقسمة أصل والشروط أتباع، وعملنا شروط الحقوق؛ إذ لا يمكنه فتح الطريق وتسييل الماء في نصيبه، وإن كان الشروط أتباعاً لأنا لو نعمل بشرط الحقوق هاهنا تفسد القسمة؛ لأنها قسمة ضرر، ومتى فسدت القسمة فسد ما شرط فيها، ففي العمل بحقيقة القسمة في هذه الصورة إلغاء القسمة والشرط جميعاً، وفي العمل بالشرط اعتبار الشرط من كل وجه واعتبار القسمة من وجه، فكان هذا أولى، فإن لهم أن ينقضوا القسمة سواء كان الدين قليلاً أو كثيراً.
(7/660)
-----
يجب أن يعلم أن الورثة إذا طلبوا قسمة التركة من القاضي، وعلى الميت دين، والقاضي يعلم به،(8ب4) وصاحب الدين غائب، فإن كان الدين مستغرقاً للتركة، فإن القاضي لا يقسمها بينهم؛ لأنه لا ملك لهم في التركة فلا يكون في القسمة فائدة فلا يقسمها، وإن كان الدين غير مستغرق للتركة فالقياس أن لا يقسمها أيضاً بل يوقف الكل.
وفي الاستحسان يوقف مقدار الدين ويقسم الباقي، ولا يأخذ كفيلاً منهم بشيء من ذلك عند أبي حنيفة خلافاً لهما.
وإن لم يعلم القاضي بالدين سألهم هل عليه دين؟ فإذا قالوا: نعم سألهم عن مقدار الدين؛ لأن الحكم يختلف، فإن فسروه بمقدار لا يستغرق التركة وقف بمقدار الدين وقسم الباقي، وإن قالوا: لا دين فالقول قولهم؛ لأن الورثة قائمون مقام الميت، والميت حال حياته لو قال: ليس علي دين كان القول قوله، فكذا إذا قال ورثته ذلك.
ثم يسألهم هل فيها وصية؟ فإن قالوا: نعم سألهم إنها حصلت بالعين أو من ماله؛ لأن الحكم يختلف، فإن قالوا: لا وصية فيها قسمها القاضي بينهم، فإن ظهر بعد ذلك دين نقض القاضي القسمة؛ لأنه ظهر أنها حصلت في غير أوانها؛ لأن أوان قسمة الميراث ما بعد الدين.
يوضحه: أن حق الغريم متعلق بالتركة، فكانت القسمة مصادفة حقهم فكان لهم النقض إذا كان النقض مفيداً، وفي النقض فائدة فإنه يباع شيء من التركة في دينه ولا يحتاج إلى أن يبيع كل واحد من الورثة بما يخصه، وكذلك لو أن القاضي لم يسأل الورثة عن الدين وقسم التركة بينهم حتى جازت القسمة ظاهراً ثم ظهر الدين فالقاضي ينقض القسمة إلا أن يقضوا الدين من مالهم يعني الورثة فالقاضي لا ينقض القسمة في الفصلين جميعاً، وكذلك لو أبرأ وظهر وارث الغريم الميت عن الدين لا تنقض القسمة لأن الموجب للنقض الغريم وقد زال حقه قبل النقض فيمتنع النقض، وهذا كله إذا لم يعزل الورثة نصيب الغريم ولم يكن للميت مال آخر سوى ما اقتسموا فالقاضي لا ينقض القسمة.(7/661)
-----
وكذلك الجواب فيما إذا اقتسم الورثة التركة بأنفسهم ثم ظهر الغريم وكذلك آخر ولم يعرفه الشهود، أو ظهر موصى له بالثلث أو الربع وقد قسم الورثة التركة بأنفسهم، فإن القاضي ينقض القسمة ثم يستأنفها بعد ذلك؛ لأنه تبين أنها وقعت بغير محضر من بعض الشركاء.
فإن قيل: أي فائدة في نقض القسمة واستئنافها من ساعته.
قلنا: إذا لم ينقض القسمة يحتاج هذا الوارث أو الموصي له إلى أن يستوفي فما وصل إلى كل واحد منهم مقدار نصيبه فيتفرق نصيبه في مواضع، وإذا استؤنفت القسمة لا يتفرق نصيبه، وهذه فائدة ظاهرة.
فإن قالت الورثة: نحن نقضي حق هذا الوارث والموصى له من مالنا ولا ننقض القسمة لا يلتفت إلى قولهم إلا أن يرضى هذا الوارث أو الموصى له.
فرق بين هذا وبينما إذا ظهر غريم أو موصى له بألف من ماله فقالت الورثة: نحن نقضي حقه من مالنا، ولا ننقص القسمة إن لهم ذلك.
والفرق: أن حق الوارث والموصى له بالثلث أو الربع في عين التركة، فإذا أرادوا أن يعطوا حقه من مالهم فقد قصدوا شراء نصيبه من التركة فلا يصح إلا برضاه، ألا ترى أن في الابتداء لو أرادت الورثة أن يقتسموا جميع التركة فيما بينهم، ويقضوا حق وارث آخر وحق الموصى له بالثلث والربع من مالهم ليس لهم ذلك وطريقه ما قلنا، أما حق الغريم والموصى له بألف من ماله ليس في عين التركة بل في معنى التركة من حيث الاستيفاء من مال التركة، وأيضاً حقهم من التركة ومن مال الوارث سواء.
ألا ترى أن في الابتداء لو أردوا أن يقسموا جميع التركة بينهم ويقضوا حقهما من مالهم كان لهم ذلك كذا ها هنا.(7/662)
-----
قال: وكذلك لو قضى واحد من الورثة حق الغريم من ماله على أن لا يرجع في التركة، فالقاضي لا ينقض القسمة بل يمضيها؛ لأن حق الغريم قد سقط ولم يثبت للوارث دين آخر لما شرط أن لا يرجع، فأما إذا شرط الرجوع أو سكت فالقسمة مردودة إلا أن يقضوا حق القاضي من مالهم؛ لأن دين القاضي في التركة بمنزلة دين الغريم وهذا الجواب ظاهر فيما إذا شرط الرجوع مشكل فيما إذا سكت، وينبغي أن يجعل متطوعاً إذا سكت.
والجواب إنما يجعل متطوعاً لأنه مضطر في القضاء، ألا ترى أن الغريم لو قدمه إلى القاضي قضى القاضي عليه بجميع الدين؛ لأنه لا ميراث إلا بعد الدين.
ثم ما ذكر أن الورثة إذا قسموا التركة وظهر وارث آخر، أو موصى له بالثلث أو الربع فالقاضي ينقض القسمة فذلك إذا كانت القسمة بغير قضاء قاضي، فأما إذا كانت القسمة بقضاء القاضي، ثم ظهر وارث آخر أو موصى له بالثلث فالوارث لا ينقض القسمة إذا عزل القاضي نصيبه، وأما الموصى له فقد اختلف فيه المشايخ.
قال بعضهم: لا ينقض وإليه أشار محمد في «الكتاب» فإنه قال في فصل الموصى له: له أن ينقض القسمة إذا كانت القسمة بغير أمر القاضي فهذا إشارة إلى أنها إذا كانت بقضاء فالقاضي لا ينقض القسمة، وهذا لأن الموصى له بالثلث شريك الورثة بمنزلة أحدهم، والوارث لا ينقض القسمة إذا كانت القسمة بقضاء، فكذا الموصى له. وبعضهم قالوا: ينقض، وفرقوا بين الموصى له وبين الوارث والأول أصحّ.
(7/663)
-----
ولو كان للميت وصي يقسم التركة، وعزل نصيب الوارث أو عزل نصيب الموصى له بالثلث صح قسمته على الوارث، ولم يصح على الموصى له، وإذا كان بعض التركة ديناً فاقتسموها، وشرطوا الدين في قسم بعضهم فالقسمة فاسدة؛ لأنهم باعوا الدين من غير من عليه الدين، وكذلك إذا اقتسموا الدين فيما بينهم فالقسمة فاسدة؛ لأن القسمة للإقرار وذلك لا يتحقق في الدين قبل القبض؛ لأن قبل القبض الدين مجتمع في مكان واحد، وإن كان الدين على الميت فاقتسموا على أن ضمن كل واحد منهم أو أحدهم الدين الذي على الميت، فهذا على وجهين:
الأول: أن يكون الضمان مشروطاً في القسمة، والحكم فيه أن القسمة فاسدة؛ لأن هذه قسمة شرط فيها كفالة بدين لم تجب القسمة.
الثاني: إذا لم يكن الضمان مشروطاً في القسمة، إنما شرطوا بعد ذلك، والحكم فيه أنه إن ضمن بشرط أن يرجع في التركة لم تكن القسمة نافذة على معنى أن له أن ينقضها؛ لأنه قام مقام الغريم، وإن ضمن على أن لا يرجع في التركة بشيء، وعلى أن يبرأ الغرماء الميت، فهذا جائز إن رضي الغرماء بضمانه وإن أبوا أن يقبلوا ضمانه فلهم نقض القسمة؛ وهذا لأنه لما شرط في الضمان أن يبرئ الغريم الميت صارت الكفالة حوالة تخلف التركة عن الدين، والمانع من لزوم القسمة قيام التركة في الدين وإن لم يشرط، وعلى أن يبرئ الغريم الميت لا تنفذ القسمة وإن رضي الغرماء؛ لأنه يبقى كفالة فلا تخلوا التركة عن الدين.(7/664)
-----
وإذا ادعى بعض الورثة دينا في التركة بعد تمام القسمة صح دعواه وله أن ينقض القسمة، أما صحة دعواه لأنه لو لم تصح أنها لا تصح لكونه متناقضاً بإقراره بصحة القسمة، ويكون المقسوم ملكاً للميت يقتضي الإقرار على القسمة ولا تناقض؛ لأن الدين لا يمنع صحة القسمة، ولكن يثبت للغريم حق النقض، وكذلك لا ينافي ملك الميت لأن ملك الميت باق بعد الدين، وأما له أن ينقص القسمة؛ لأن المانع من نفاذ القسمة ولزومها الدين، والدين بالقسمة لا يتحول إلى محل آخر، فكان المانع قائماً فيبقى المنع.
ألا ترى أنه لو أجاز القسمة ثم أراد أن ينقصها فله ذلك، وهذا بخلاف لو بيع بالدين فأجاز فإنه تعمل إجازته؛ لأن المانع من اللزوم يزول؛ لأن حقه يتحول من العين إلى الثمن، ولو كان ادعى عيناً من أعيان التركة أنه له اشتراها من الميت أو وهبه الميت له وسلمه إليه، وكان ذلك بعد تمام القسمة لا تسمع دعواه لمكان التناقض؛ لأنه بالإقدام على القسمة أقر بصحة القسمة في هذا العين، ويكون هذا العين متروك الميت ميراثاً لهم، وبدعواه بعد ذلك لنفسه يدعى فساد القسمة في هذا العين، ويدعى أنه ليس بميراث لهم وهذا تناقض ظاهر.
ولو ادعى أحد (9أ4) الورثة بعد تمام القسمة أن الميت أوصى لابنه الصغير بثلث ما له لا تسمع دعواه؛ لأنه صار متناقضاً بدعوى فساد القسمة بعد ما أقر بصحتها، ولو كبر الابن، وادعى الوصي بالثلث لنفسه، وأقام البينة سمعت بينته؛ لأنه لا تناقض منه.
وإذا ادعى أحد الورثة بعد تمام القسمة على قدر ميراثهم عن أبيهم أن أخاً له من أبيه وأمه ورث أباهم معهم، وأنه مات بعد أبيهم فورثه هو، وأراد ميراثه لا تسمع دعواه لمكان التناقض؛ لأنه بالإقدام على القسمة على مقدار ميراثهم عن أبيهم صار مقراً بأن حقه في مقدار معين، وبدعواه الثاني بعد ذلك ادعى أن حقه أكثر من ذلك القدر فهذا تناقض ظاهر.(7/665)
-----
إذا كانت الأراضي ميراثاً بين ثلاثة نفر عن أبيهم، مات أحدهم وترك ابناً كبيراً، فاقتسم هو وعماه الأراضي على ميراث الجد، ثم إن ابن الابن أقام بينة أن جده أوصى له بالثلث وأراد إبطال القسمة لم تسمع دعواه لمكان التناقض.
ولو لم يدع وصية من الجد ولكن ادعى ديناً على أبيه صحت دعواه؛ لأنه لا تناقض في دعوى الدين، فصحت دعواه الدين وثبت الدين بإقامته البينة، وصار الثابت بالبينة كالثابت عياناً، ولو كان الدين ثابتاً معاينة كان له أن ينقض القسمة، وليس لعمه أن يقول: إن دينك على أبيك ليس على الجد، وقد أعطينا نصيب أبيك، فإن شئت بعه بالدين، وإن شئت فأمسكه، وليس لك أن تنقض القسمة؛ لأنه لا فائدة لك في النقض؛ لأن بعد النقض نقض دينك من نصيب أبيك لا من ميراث الجد؛ لأن له أن يقول: لا بل لي في النقض فائدة؛ لأن الثلث مشاعاً ربما يشترى بأكثر مما يشترى به مفرزاً فكان في النقض فائدة؛ لأنه يزداد به مال الميت.
وهذا كرجل مات وأوصى إلى رجل، وفي التركة دين غير مستغرق، وطلب الورثة من الوصي أن يفرز من التركة قدر الدين ويقسم الباقي بينهم كان له أن لا يقسم ذلك بينهم، ويبيع ذلك القدر مشاعاً، لأنه ربما يشترى بأكثر مما يشترى به المفرز؛ فيكون ذلك نظراً للميت كذا هاهنا.
ولو ادعى الوارث أنه كان اشترى نصيب أبيه منه في حياته بثمن مسمّى، ونقد الثمن وأقام البينة على ذلك فهو جائز؛ لأنه غير متناقض في هذه الدعوى؛ لأن شراه نصيب أبيه لا يوجب فساد القسمة، ولا ينافي ملك الجديد يقرره، وتكون القسمة جائزة؛ لأن ما ادعى من الشراء لو ثبت معاينة بقيت القسمة على الصحة كذا إذا ثبت بالبينة.(7/666)
-----
وإذا أقر الرجل أن فلاناً مات وترك هذه الدار وهذه الدار ميراثاً، ولم يقل لهم، ثم ادعى بعد ذلك أن الميت أوصى له بثلثه أو ادعى ديناً قبلت بينته؛ لأنه لم يصر متناقضاً في الدعوى؛ لأنه لم يسبق قبل هذا الدعوى سوى الإقرار الأول، أن هذه الدار متروك الميت؛ لأن ميراث الميت ما تركه الميت، والدين الوصية لا ينافي كونه متروك الميت؛ لأنهما إنما يقضيان من متروك الميت.
الفصل التاسع: في الغرور في القسمة
يجب أن يعلم أن كل قسمة يوجبها الحكم بأن كانت قسمة يجبر الآبي عليها كالقسمة في جنس واحد لا يثبت فيها حكم الغرور، وإن حصلت بتراضيهما، وكل قسمة لا يوجبها الحكم بأن كانت قسمة لا يجبر الآبي عليها يثبت فيها حكم الغرور كالقسمة في جنسين، أما في كل قسمة يوجبها الحكم، فإنما لا يثبت فيها حكم الغرور؛ إما لأن الحكم إذا كان يوجبها صار من حيث الحكم كالقاضي ألزمها؛ أو لأن كل واحد منهما مضطر في هذه القسمة وإن حصلت بتراضيهما على ما مرّ في مسألة «الكتاب»، وبالاضطرار ينتفي معنى الغرور إنما يتحقق من المختار.
ألا ترى أن الشفيع عند استحقاق الدار المشفوعة لا يرجع بقيمة ما بنى على المشتري؛ لأن المشتري لم يكن مختاراً في الدفع إليه.
وكذلك الأب إذا وطئ جارية ابنه، وعلقت منه واستحقها لم يرجع بقيمة الولد على الابن وطريقه ما قلنا؛ ولأن القسمة فيما عدا المكيل والموزون إذا كانت قسمة يوجبها الحكم إفراز لعين الحق من وجه، ومبايعة من وجه على ما مر في صدر الكتاب.(7/667)
فباعتبار أنها مبايعة إن كانت ثبت فيها حكم الغرور فباعتبار أنها إقرار لا يثبت فيها حكم الغرور فلا يثبت فيها حكم الغرور بالشك بخلاف البيع المحض، أما على المعنى الأول؛ لأن البائع مختار في البيع وليس بمضطر فيه، وإما على المعنى الثاني؛ فلأنه ليس فيه إقرار الحق بوجه من الوجوه إذا لم يكن للمشتري فيه عن قبل البيع بوجه من الوجوه، أما القسمة بخلافه.(7/668)
-----
وأما كل قسمة لا يوجبها الحكم فإنما يثبت فيها حكم الغرور؛ لأن كل واحد منهما غير مضطر في هذه القسمة؛ لأن واحد متمكن من تمييز ملكه بقسمة كل جنس على حده؛ ولأن كل واحد منهما غير متوف لعين الحق حقيقة، فلا إشكال، ولا حكماً؛ لأن ما وصل إليه ليس بمثل لما كان له؛ لأن الدار ليست بمثل الأرض، والأرض ليست بمثل الدار حتى يجعل وصول المثل إليه كوصول عين الحق.
وإذا اقتسم الرجلان داراً بينهما بشراء أو ميراث، وبنى أحدهما في قسمه الذي أخذها، ثم استحق من نصيب الثاني الموضع الذي فيه البناء، ورد القسمة وأبطلها لا يرجع على شريكه بشيء من قيمة البناء؛ لأن هذه قسمة يوجبها الحكم.
وإن كان دارين بينهما فاقتسماها هذا واحد هذا داراً أو هذا داراً و بنى أحدهما في داره التي أخذها واستحقت تلك الدار رجع على شريكه بنصف قيمة البناء، ذكر المسالة في «الكتاب» مطلقاً من غير ذكر خلاف.
من مشايخنا من قال: المذكور في «الكتاب» قول أبي حنيفة؛ لأن هذه قسمة لا يوجبها الحكم على قوله: أما على قولهما هذه قسمة يوجبها الحكم؛ ولهذا يجبر الآبي عليها فيثبت فيها حكم الغرور.
ومنهم من قال: هذا قولهم جميعاً؛ لأن هذه القسمة لا يوجبها الحكم لا محالة عندهما إنما يوجبها الحكم إذا رأى القاضي الصلاح في أن يلقحها بالجنس الواحد، أما قبل رؤية القاضي ذلك فلا، والجواب في الأرضين كالجواب في الدارين.
ولو كانا خادمين فاصطلحا على أن يأخذ هذا خادماً، وذلك خادماً فعلقت إحدى الخادمين من الذي أصابها، ثم استحقها رجل رجع على شريكه بنصف قيمة الولد، وهذا الجواب ظاهر على قول أبي حنيفة؛ لأن هذه قسمة لا يوجبها الحكم على قول من يقول من المشايخ: إن قسمة الرقيق قسمة جمع على قولهما موكول إلى رأي القاضي.
وأما على قول من يقول من المشايخ: إن الرقيق عندهما يقسم قسمة جمع على كل حال لا يثبت حكم الغرور؛ لأن هذه قسمة يوجبها الحكم لا محالة.(7/669)
-----
وإذا كانت دار واحدة وأرض بيضاء بين ورثة، فاقتسموا بغير قضاء وبنى أحدهما في قسمه بناءً ثم استحق قسمه ونقض بناؤه ورد القسمة، لا يرجع على شريكه بقيمة البناء، ذكر في بعض نسخ كتاب القسمة وهو محمول على ما إذا اقتسما الدار على حده والأرض على حدة، فتكون هذه قسمة يوجبها الحكم، وذكر في بعض النسخ أنه يرجع على شريكه بنصف قيمة البناء، وهو محمول على ما إذا اقتسما فأخذ أحدهما الدار، وأخذ الآخر الأرض فتكون هذه قسمة لا يوجبها الحكم.
وإذا كانت الدار بين قوم فقسمها القاضي بينهم وجمع نصيب كل واحد منهم في دار على حده، وأجبرهم على ذلك، وبنى أحدهم في الدار الذي أصابه بناءً ثم استحقت هذه الدار وهدم بناؤه، لا يرجع على شركائه بالقيمة.
أما عندهما؛ فلأن هذه قسمة يوجبها الحكم عندهما متى رأى القاضي الصلاح فيها، وأما عند أبي حنيفة فلأن القاضي لما قسمها قسمة جمع فقد حصل قضاؤه في فصل محتمل فيه فالتحقت الدور بالدار الواحدة عندهم جميعاً.
وفي «المنتقى»: هشام عن محمد: دار بين رجلين جاء رجل إلى أحدهما، وقال: وكلني شريكك أن أقاسمك فلم يصدقه ولم يكذبه فقاسمه ثم بنى فيها (9ب4) صار له بناء يعني الشريك الحاضر، ثم جاء الشريك الغائب، وأنكر أن يكون وكله بذلك، قال: يرجع صاحب البناء على الوكيل بقيمة البناء إن شاء؛ لأنه غره والله أعلم.
الفصل العاشر: في القسمة يستحق منها شيء
في «الأصل»: وإذا وقعت القسمة بين الشركاء في دار وأرض، ثم استحق شيء منها، فالمسألة على ثلاثة أوجه:
الأول: أن يستحق جزء شائع من الكل بأن استحق نصف كل الدار أو ثلث كل الدار أو ما أشبه ذلك، وفي هذا الوجه القسمة فاسدة، واختلفت عبارة المشايخ في تعليل المسألة، بعضهم قالوا: إنما فسدت لحق المستحق؛ لأنها لو لم تفسد يحتاج المستحق إلى قسمة ما في يد كل واحد منهما، فيفرق عليه نصيبه في الموضعين.(7/670)
-----
وبعضهم قالوا: إنما فسدت القسمة؛ لأنها لا يفيد فائدتها؛ لأن فائدة القسمة إقرار الأنصباء، ولما ظهر لهما شريك ثالث في النصيبين ظهر أن الإقرار لم يجعل؛ لأن نصيب الثالث شائع في النصيبين جميعاً.
الوجه الثاني: إذا استحق جزء بعينه فيما أصاب واحد منهم، وفي هذا الوجه القسمة صحيحة فيما بقي بعد الاستحقاق، وكان للمستحق عليه الخيار إن شاء نقض القسمة وعاد الأمر إلى ما كان قبل القسمة، وإن شاء أمضى القسمة ورجع على صاحبه بعوض المستحق، وإن بقيت القسمة على الصحة؛ لأن ما هو المقصود من القسمة وهو الإقرار حاصل هنا، فيما وراء المستحق، لأن ما وراء المستحق لهما ليس لثالث فيه بعيب.
ألا ترى أن هذا المستحق لو كان حاضراً وقت القسمة، واقتسما الثاني صح إلا أن المستحق عليه بالخيار؛ لأنه تعيب نصيبه؛ لأن الباقي لا يشترى بمثل ما كان يشترى مع المستحق، فإن نقض القسمة عاد الأمر إلى ما كان قبل القسمة ويستأنفان القسمة فيما وراء المستحق.
وإن أجاز القسمة رجع على صاحبه بعوض المستحق وذلك ربع ما في يد صاحبه مثلاً، إن كان المستحق نصف نصيب المستحق عليه؛ لأنا نعتبر استحقاق البعض باستحقاق الكل، ولو استحق كل نصيب أحدهما رجع على صاحبه بنصف ما في يده؛ لأن الذي أصاب المستحق عليه بالقسمة، نصفه كان له، ونصفه اشتراه من صاحبه بما ترك على صاحبه بما أصابه، فما كان ملكاً له لا يرجع به على أحد، وما اشتراه رجع على صاحبه بحصته، وذلك نصف ما في يد صاحبه، فإذا كان عند استحقاق الكل يرجع بنصف ما في يد صاحبه فعند استحقاق النصف يرجع بربع ما في يد صاحبه وعلى هذا القياس فافهم.(7/671)
-----
الوجه الثالث: إذا استحق جزء شائع، فيما أصاب واحداً منهم وفي هذا الوجه القسمة لا تفسد عند أبي حنيفة رحمه الله، والمستحق عليه بالخيار على نحو ما بينا، فإن أجاز القسمة وكان المستحق نصف نصيبه مثلاً رجع على صاحبه بربع ما في يده، وقال أبو يوسف: تفسد القسمة ويستأنفان القسمة، وقول محمد رحمه الله مضطرب في نسخ أبي حفص مع أبي حنيفة، وفي نسخ أبي سليمان مع قول أبي يوسف، وهكذا أثبته الحاكم في «المختصر» والأول أصح، فقد روى ابن سماعة وابن رستم قول محمد مع قول أبي حنيفة.
فوجه قول أبي يوسف رحمه الله: أن المقصود من القسمة الإقرار، وبهذه القسمة إن حصل إقرار نصيب غير المستحق عليه لم يحصل إقرار نصيب المستحق عليه فتفسد القسمة كما لو استحق جزء شائع من جملة الدار.
وجه قولهما: أن هذه قسمة أفادت مقصودها، لأن المقصود من هذه القسمة امتياز نصيب كل واحد من المتقاسمين، وانقطاع الشركة بينهما وبهذه القسمة أمتاز نصيب كل واحد منهما عن نصيب صاحبه إلا أنه ظهر لأحدهما شريك في نصيبه.
ومثل هذه الشركة لو ضرب بعد القسمة لا يوجب زوال الإقرار الحاصل بالقسمة الأولى، فإن كرّي حنطة بين اثنين اقتسماها وأخذ كل واحد كراً فجاء آخر وخلط بكر أحدهما كر حنطة، فإن القسمة الأولى تبقى على حالها، فإذا قارب الإقرار لم يمنع ثبوته، ولو كان باع أحدهما نصف ما أصابه بالقسمة ثم استحق ما بقي له، فإنه يرجع على صاحبه بربع ما في يده، عند أبي حنيفة ومحمد ولا يجيّر بخلاف ما قبل البيع حيث يجيّر؛ لأن قبل البيع قادر على رد ما بقي بعد الاستحقاق، وبعد البيع عجز عن رد ما وراء المستحق؛ فلهذا سقط خياره.(7/672)
-----
وأما على قول أبي يوسف: فالقسمة فاسدة لو كان ما وراء المستحق في يد المستحق عليه، كان عليه رد نصفه بحكم الفساد، وقد عجز بالبيع عن رده؛ لأن البيع قد صح؛ لأن المقبوض بحكم العقد الفاسد مملوك للقابض، فيرد قيمة نصف ما باع، وذلك قيمة ربع نصيبه على صاحبه، وكان نصيب صاحبه بينهما، وسلم لصاحبه ربع نصيب المستحق عليه لما أخذ منه قيمة ربع نصيبه، وسلم للمستحق عليه أيضاً ربع نصيبه.
وفي كتاب «الشروط»: جعل المسألة على ثلاثة أوجه أيضاً، لكن لم يذكر ثمة ما إذا استحق جزء شائع من كل الدار، وذكر مكانه ما إذا استحق جميع نصيب أحدهما، وذكر أن القسمة باطلة، ويقسم الباقي وهو الذي لم يستحق بينهما إن كان قائماً في يد الآخر لم يبعه، وإن كان باعه فالبيع باقي؛ لأن نصف ما باع قد تم ملكه، ونصفه عوض عما ترك لصاحبه، وتبين أن ذلك كان مستحقاً وبدل المستحق مملوك فبالبيع صارت ملكه، وعليه أن يرد على المستحق عليه نصف قيمة ما باع، وذكر ما إذا باع استحق جزء بعينه من نصيب أحدهما.
وأجاب أن القسمة باطلة في الكل بخلاف ما كتبها في المتن، وذكر ما إذا استحق جزء شائع من نصيب أحدهما، وذكر المسألة خلافاً على ما كتبها في المتن على قول أبي حنيفة لا تنتقض القسمة، ولكن يخير المستحق عليه إن شاء نقض القسمة وضم ما بقي في يده إلى ما في يده إلى ما في يد الآخر، إن كان الآخر لم يبع ما أصابه، ويقسمان ذلك بينهما، وإن كان الآخر باع نصيبه يضم المستحق عليه ما بقى في يده إلى قيمة ما كان في يد الآخر فيقسمانه نصفين.
وفي «المنتقى» إبراهيم عن محمد رحمه الله: ثلاثة إخوة ورثوا دوراً ثلاثة أخذ كل واحد منهم داراً، ثم استحق نصف دار أحدهم، قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله، وهو قولنا: المستحق عليه بالخيار إن شاء نقض القسمة كلها واستقبلوها، وإن شاء أمسك النصف ورجع عليهما بقدر ما استحق من يده.(7/673)
-----
وإن كانت داراً واحدة اقتسموها أثلاثاً، ثم استحق نصف نصيب أحدهم، قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: هذا والأول سواء، وقال أبو يوسف: تنتقض القسمة ولا خيار للمستحق عليه وتستوي فيه القسمة بحكم وبغير حكم.
وإذا كانت مئة شاة بين رجلين نصفين فاقتسما، فأخذ أحدهما أربعين منها تساوي خمسمائة درهم، وأخذ الآخر ستين تساوي خمسمائة درهم، فاستحق شاة من الأربعين تساوي عشرة، فإنه يرجع على صاحبه بخمسة دارهم في الستين شاة في قولهم، وتكون القسمة جائزة عندهم، ولا يخير المستحق عليه، أما القسمة جائزة فلأن المستحق شيء بعينه وأما لا يخير المستحق عليه لأن الباقي لم يصر معيناً باستحقاق ما استحق ،وأما الرجوع بخمسة دراهم لأن المستحق شاة تساوي عشرة دارهم نصفها كان ملكاً له فلا رجوع به على أحد، ونصفها قد اشتراه من صاحبه بما ترك لصاحبه من نصيبه، فإذا استحق ذلك من يده كان له أن يرجع بقدر ذلك مما في يد صاحبه، وذلك خمسة دراهم.
الفصل الحادي عشر: في دعوى الغلط في القسمة
يجب أن يعلم بأن دعوى الغلط في القسمة نوعان: دعوى الغلط في التقويم، ودعوى الغلط في مقدار الواجب بالقسمة، فأما دعوى الغلط في القسمة فهو نوعان أيضاً: نوع يصح، ونوع لا يصح، والذي لا يصح أن يدعي أحد المتقاسمين الغلط في التقويم بغبن يسير بأن (10أ4) كان ما يدعي من الغلط يدخل تحت تقويم المتقومين، فهذه الدعوى لا تصح، ولو أقام البينة عليه لا تسمع بينته، حصلت القسمة بقضاء القاضي أو بتراضيهم لوجهين:
أحدهما: أن الاحتراز عن مثل هذا الغلط غير ممكن.(7/674)
-----
والثاني: أنه يؤدي إلى مالا يتناهى؛ لأنه يمكنه أن يدعي مثل ذلك في القسمة الثانية والثالثة، والذي يصح أن يدعي أحد المتقاسمين الغلط في التقويم بغبن فاحش، بأن كان ما يدعى من مقدار الغلط لا يدخل تحت تقويم المقومين، وإنه صحيح إن حصلت القسمة بقضاء القاضي؛ لأنا لو سمعنا هذه الدعوى ونقصنا هذه القسمة لا يؤدي إلى ما لا يتناهى؛ لأنه لا يقع مثل هذا الغبن في القسمة الثانية؛ لأنه يتصور التقويم في المرة الثانية على وجه لا يتحقق فيها الغبن الفاحش، وإن حصلت القسمة بالتراضي لم يذكر محمد رحمه الله هذا الفصل في «الكتاب».
وحكي عن الفقيه أبي جعفر الهندواني رحمه الله: أنه كان يقول: لقائل أن يقول: لا تسمع هذه الدعوى؛ لأن القسمة في معنى البيع ودعوى الغبن في البيع من المالك لا يصح؛ لأنه لا فائدة فيه، فإن البيع من المالك لا ينقض بالغبن الفاحش.
أما البيع من غير المالك ينقض بالغبن الفاحش كبيع الأب والوصي، ولقائل أن يقول: تسمع هذه الدعوى؛ لأن المعادلة شرط في القسمة، والتعديل في الأشياء المتقاربة يكون من حيث القيمة، فإذا ظهر في القيمة غبن فاحش فما هو شرط جواز القسمة، فاسد فيجب نقضها فكان الدعوى مفيداً من هذا الوجه فيصح.
والصدر الشهيد حسام الدين رحمه الله، كان يأخذ بالقول الأول، وبعض مشايخ عصره كانوا يأخذون بالقول الثاني، وذكر القاضي الإمام الإسبيجابي في «شرح أدب القاضي» : أن دعوى الغبن بعد القسمة غير صحيح إذا كانت القسمة بالتراضي، قال: وبعض المشايخ قالوا: تسمع كما لو كانت القسمة بقضاء القاضي، وذكر في شرح الإسبيجابي دقيقة في هذا الفصل، فقال: وهذا كله إذا لم يقر كل واحد منهما بالاستيفاء، فأما إذا أقر بذلك لا تسمع دعوى الغلط والغبن من واحد منهما بعد ذلك، إنما تسمع دعوى الغصب.
وأما دعوى الغلط في مقدار الواجب بالقسمة فنوعان أيضاً: نوع يوجب التحالف، ونوع لا يوجب التحالف.
(7/675)
-----
فالذي يوجب التحالف: أن يدعي أحد المتقاسمين غلطاً في مقدار الواجب بالقسمة على وجه لا يكون مدعياً الغصب بدعوى الغلط.
كمئة شاة بين رجلين اقتسما، ثم قال أحدهما لصاحبه: قبضت خمسة وخمسين غلطاً، وأنا ما قبضت إلا خمسة وأربعين، وقال الآخر: ما قبضت شيئاً غلطاً، وإنما اقتسمنا على أن يكون لي خمسة وخمسين ولك خمسة وأربعين، ولم يقم لواحد منهما بينة، فهذا هو صورة دعوى الغلط في القسمة من غير دعوى الغصب؛ وهذا لأن غصب أحد العاقدين المعقود عليه من العاقد الآخر لا يتصور قبل قبض العاقد الآخر إياه منه، فإن البائع إذا منع المبيع من المشتري بعد نقد الثمن لا يصير غاصباً حتى لو هلك قائماً يهلك بالثمن كما قبل البيع، وإنما وجب التحالف؛ لأن القسمة بمعنى البيع، وفي البيع إذا وقع الاختلاف في مقدار المعقود عليه يتحالفان إذا كان المعقود عليه قائماً، فكذا في القسمة يتحالفان إذا كان المقسوم قائماً بعينه. وهذا كله إذا لم يسبق منهما إقرار باستيفاء الحق، فأما إذا سبق لا تسمع دعوى الغلط إلا من حيث الغصب.
والذي لا يوجب التحالف: أن يدعي الغلط في مقدار الواجب بالقسمة على وجه يكون مدعياً الغصب بدعوى الغلط، بأن قال في المسألة: الشياة قسمتا بالسوية وأخذنا، ثم أخذت خمسة من نصيبي غلطاً، وقال الآخر: ما أخذت شيئاً من نصيبك غلطاً ولكن اقتسمنا على أن يكون لي خمسة وخمسين، ولك خمسة وأربعين، ولا بينة لواحد منهما، فإنهما لا يتحالفان، ويجعل القول قول المدعى عليه الغلط.
وإن اختلفا في الحاصل في مقدار الواجب بالقسمة كما في المسألة الأولى وإنه يوجب التحالف؛ وذلك لأن بهذا الاعتبار إن كان يجب التحالف فباعتبار دعوى الغصب لا يجب التحالف كما في سائر المواضع، والتحالف أمر عرف بخلاف القياس، فإذا وجب من وجه دون وجه لا يجب؛ ولأنهما تصادقا على تمام القسمة وصحتها، وأحد الاعتبارين يوجب الفسخ بالتحالف، والآخر يمنع فلا يفسخ بالشك.(7/676)
-----
قال محمد رحمه الله: إذا اقتسم القوم أرضاً أو داراً بينهم، وقبض كل واحد منهم حقه من ذلك، ثم ادعى أحدهما غلطاً، فإن أبا حنيفة رحمه الله قال في ذلك: لا تعاد القسمة حتى يقيم البينة عل ما ادعى، فإذا أقام البينة اعيدت القسمة فيما بينهم حتى يستوفي كل ذي حق حقه، وكان لا يجب أن لا تعاد القسمة؛ لأن وضع المسألة أن كل واحد قبض حقه، ودعوى الغلط بعد القبض دعوى الغصب.
وفي دعوى الغصب يقضى للمدعي بما قامت البينة عليه، ولا تعاد القسمة، والجواب عن هذا أن يقال: إن محمداً رحمه الله ذكر إعادة القسمة عند إقامة المدعي البينة على دعوى الغلط، ولم يبين كيفية الدعوى، فيحمل دعواه على وجه يجب إعادة القسمة عند إقامة البينة.l
وبيان ذلك الوجه: أن يقول مدعي الغلط لصاحبه: قسمت الدار بيننا بالسوية على أن يكون لي ألف ذراع ولك ألف ذراع من نصيبين من مكان بعينه غلطاً، ويقول الآخر: لا بل كانت القسمة على أن يكون لي ألف ومئة ذراع ولك تسعمئة ذراع، فشهد الشهود أن القسمة كانت بالسوية، ولم يشهدوا أن هذا أخذ مئة ذراع من مكان بعينه في نصيب المدعي، فيثبت بهذه البينة أن القسمة كانت بالسوية، وفي يد أحدهما زيادة، ولا يدري أن حق المدعي في أي جانب، فتجب الإعادة ليستويا، وتكون هذه الشهادة مسموعة وإن لم يشهدوا بالغصب؛ لأن مدعي الغلط في هذا الوجه يدعي بشيئين القسمة بالسوية وغصب مئة ذراع، والشهود شهدوا بأحدهما، وهو القسمة بالسوية.
وإن لم يكن للمدعي بينة على ما ادعى يحلف المدعى عليه الغلط ولا يتحالفان؛ لأن المدعي بدعوى الغلط هاهنا ادعى الغصب، والتحالف لا يجري في مثل هذا، فإن حلف المدعي قبل الغلط لم يثبت الغلط، والقسمة ماضية على حالها، وإن نكل ثبت الغلط فيها والقسمة كما في فصل البينة.(7/677)
-----
قال: وكذلك كل قسمة في غنم أو إبل أو بقر أو ثياب أو شيء من المكيل والموزون ادعى فيه أحدهم غلطاً بعد القسمة والقبض فهو على مثل ذلك، ولم يرد بهذه التسوية بين جميع هذه المسائل وبين المسألة الأولى في حق جميع الأحكام، وإنما أراد بها التسوية في حق بعض الأحكام، وهو أن لا تعاد القسمة بمجرد الدعوى.
ألا ترى أن في المكيل والموزون إذا أقام مدعي الغلط البينة على ما ادعى لا تعال القسمة بل يقسم الباقي على قدر حقهما، وفي الغنم والبقر والثياب والأشياء التي تتفاوت يجب إعادة القسمة كما في مسألة الدار، وهذا لأن قسمة الباقي على قدر حقهما في الغنم وأشباهه توجب زيادة ضرر بالمدعي عسى لجواز أن يكون ما أخذ من نصيبه غلطاً كله خياراً، وفي قسمة الثاني لا يصل إليه الجياد فيها، والقسمة نفياً للضرر عن المدعي كما في مسألة الدار.
فإن في مسألة الدار إنما لم يجب قسمة الباقي على قدر حقهما نفياً للضرر عن المدعي؛ لأنا لو قسمنا الباقي على قدر حصتهما ربما يقع له بالقسمة الثانية مئة ذراع في جانب لا يتصل بنصيبه، وكان في أصل القسمة متصلاً بنصيبه فيجب إعادة القسمة نفياً للضرر عن المدعي.
أما في المكيل والموزون متى قسمنا الباقي على مقدار حقهما لا يتضرر به المدعي، فوجب قسمة الباقي عل قدر حقوقهما، ولم يجب إعادة القسمة ثانياً لهذا.
وإذا اقتسم رجلان دارين، فأخذ أحدهما داراً والآخر داراً، ثم أدعى أحدهما لنفسه كذا وكذا ذراعاً من الدار التي في يد صاحبه فضلاً في قسمته، فإن أبا يوسف ومحمد رحمهما الله قالا: يقضى له بذلك (10ب4) ولا تعاد القسمة، وليست كالدار الواحدة في قول أبي يوسف ومحمد، يريد به أن في الدار الواحدة متى ادعى أحدهما أذرعاً مسماة في نصيب صاحبه، فإنه تعاد القسمة.
(7/678)
-----
وأما على قياس قول أبي حنيفة فالدعوى فاسدة سواء كان الدعوى في دار واحدة، أو في دارين، ومعنى هذه المسألة: أن أحد المتقاسمين ادعى على صاحبه أنه شرط له كذا كذا ذراعاً من نصيبه في القسمة، وإنما كانت القسمة فاسدة عند أبي حنيفة؛ لأن الذي شرط زيادة أذرع من نصيبه لصاحبه صار بائعاً لذلك القدر من صاحبه.
وبيع كذا أذرع من الدار لا يجوز عند أبي حنيفة، عرف ذلك في كتاب البيوع فلا تجوز القسمة، وإذا ثبت فساد الدعوى عند أبي حنيفة رحمه الله يجب إعادة القسمة دفعاً للفساد.
وعندها بيع كذا أذرع من الدار جائز فتجوز القسمة، ثم إنهما فرقا بين الدارين، وبين الدار الواحدة، فقالا: في الدارين لا تعاد القسمة، وقالا: في الدار الواحدة تعاد القسمة، وكان يجب أن لا تعاد القسمة في الدار الواحدة أيضاً، ويقضى للمدعي بذلك القدر من نصيب المدعى عليه كما في الدارين؛ لأن الإعادة لنفي الضرر عن المدعي كيلا يتفرق نصيبه ولا وجه إليه؛ لأنه إن ادعى عشرة أذرع بعينه فلا ضرر عليه، فمتى قضى له بذلك؛ لأنه هكذا استحق بأصل القسمة، وإن ادعى عشرة أذرع شائعاً فكذلك؛ لأنه لما شرط لنفسه عشرة أذرع في نصيب صاحبه شائعاً علمه أنه ربما يتفرق نصيبه متى قسم نصيب صاحبه مرة أخرى صار راضياً بالتفرق، وإنما وجب الإعادة في الدار الواحدة؛ لأن المسألة محمولة على أنه ادعى أن صاحبه شرط له عشرة أذرع من نصيبه، قال: ولا أدري كيف شرط لي عشرة بعينها متصل نصفين أو شائع في جميع نصيب صاحبه؟ وشهد الشهود له بعشرة مطلقة ومتى كانت الحالة نفذه لا يثبت الرضا من المدعي بالتفرق؛ لأنه على تقدير أن يكون المشروط عشرة بعينها متصلة بنصيبه لا يكون راضياً بالتفرق.(7/679)
-----
فإذا لم يعلم القاضي كيف كان الشرط سمي القضاء على ما هو المستحق لكل واحد منهما في الدار الواحدة بالقسمة، وهو أن يكون نصيب كل واحد منهما مجتمعاً في مكان واحد بخلاف الدارين، فإن في الدارين وإن حملنا المسألة على أن المدعي قال: لا أدري كيف شرط لي العشرة لا تعاد القسمة؛ لأن بإعادة القسمة في الدارين لا يزول ما كان يلحقه من زيادة ضرر بأن كان شرط لنفسه عشرة أذرع من مكان بعينه متصل بداره؛ لأنه ربما لا يقع له في القسمة الثانية عشرة أذرع متصلاً بداره، فلا يفيد إعادة القسمة، فيقضى له بعشرة أذرع شائع كما شهد به الشهود.
وإذا اقتسم رجلان عشرة أثواب فأخذ أحدهما أربعة، وأخذ الآخر ستة، فادعى آخذ الأربعة ثوباً بعينه من الستة أنه أصابه في قسمه، وأقام على ذلك بينة فإنه يقضى له بذلك، سواء أقر بقبض ما ادعى من الزيادة أو لم يقر له، وإن لم يقم له بينة ذكر في «الكتاب» أن صاحبه يستحلف، ولم يوجب التحالف.
وهذا محمول على ما إذا أقر بقبض ما ادعى، ثم ادعى أن صاحبه أخذ ذلك منه غلطاً، فيكون مدعياً الغصب على صاحبه، وفي مثل هذا لا يوجب التحالف، فإن ادعى آخذ الأربعة ثوباً بعينه من الستة إن أصابه في قسمته وأقام الآخر بينة أنه أصابه في قسمته قضي ببينة صاحب الأربعة؛ لأنه خارج فيه.
قال: والإشهاد على القسمة لا يمنع دعوى الزيادة على صاحبه بخلاف الأشهاد على الاستيفاء، والفرق: أن الإشهاد على القسمة لا يتضمن إقرار القبض جميع الحق، فيصير متناقضاً بعد ذلك أنه لم يقبض بعض حقه.
في «المنتقى»: ابن سماعة عن أبي يوسف رحمه الله: دار بين رجلين قسمها القاضي بينهما، فقال أحدهما لصاحبه: الذي في يدي هو الذي أصابك، والذي في يدك لي، وقال الآخر: لا بل الذي في يدي هو الذي أصابني، قال: لكل واحد منهما ما في يده، ولا يصدق على صاحبه.(7/680)
-----
وفيه أيضاً إبراهيم عن محمد: رجلان بينهما دارين ميراثاً من أبيهما، قال كل واحد منهما لصاحبه: لك هذه الدار، ولي الأخرى على أن كل واحد منهما مئة أذرع، فإذا أحدهما مئة ذراع فلهما أن يبطلا القسمة، ولو قال كل واحد منهما لصاحبه: بعتك نصيبي من هذه الدار بنصيبك من الدار الأخرى على أن كل واحد منهما مئة ذراع أو أكثر جاز؛ لأن هذا بيع والأول قسمه، والله أعلم.
الفصل الثاني عشر: في المهايأة
يجب أن يعلم بأن المهايأة قسمة المنافع، وإنها جائزة في الأعيان المشتركة التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، واجبة إذا طلبها بعض الشركاء، ولم يطلب الشريك الآخر قسمة الأصل، وإنها قد تكون بالزمان وقد تكون بالمكان.
وتكلم العلماء في كيفية جوازها بعضهم قالوا: إن جرت المهايأة في الجنس الواحد، والمنفعة متفاوتة تفاوتاً يسيراً كما في الثياب والأراضي، يعتبر إقراراً من وجه، مبادلة من وجه، حتى لا ينفرد أحدهما بهذه المهايأة، وإذا طلبها أحدهما ولم يطلب الآخر قسمة الأصل أجبر الآخر عليها.
وإن جرت في الجنس المختلف كالدور والعبيد يعتبر مبادلة من كل وجه، حتى لا يجوز من غير رضاهما، وهذا لما ذكرنا أن المهايأة قسمة المنافع، فيعتبر بقسمة الأعيان وقسمة العين اعتبر مبادلة من كل وجه في الجنس المختلف، واعتبرت مبادلة من وجه، إقراراً من وجه في الجنس الواحد من الأعيان المتفاوتة تفاوتاً يسيراً كالثياب حتى لا ينفرد أحدهما بهذه القسمة؛ لأنها ليست من ذوات الأمثال، ولكن إذا طلب أحدهما أجبر الآخر عليه؛ لأن التفاوت يسير، فكذا في قسمة المنافع.(7/681)
-----
وبعضهم قالوا: بأن المهايأة في الجنس الواحد من الأعيان المتفاوتة تفاوتاً يسيراً يعتبر إقراراً من وجه، عارية من وجه، كأن ما يستوفيه كل واحد منهما من المنافع بعضه نصيبه، وبعضه نصيب صاحبه عارية له من صاحبه، ولا تعتبر مبادلة بوجه ما حجّة هذا القائل: أن المهايأة جائزة في الجنس الواحد، ولو كانت مبادلة من وجه لما جازت في الجنس الواحد؛ لأنه يكون مبادلة المنفعة بجنسها، وإنه يحرم ربا النساء؛ لأن لكل واحد منهما نقض المهايأة بعذر وبغير عذر، ولو كانت مبادلة من وجه لما جازت من غير ذكر بيان المدة، والأول أصحّ؛ لأن العارية ما يكون بغير عوض، وهذا بعوض؛ لأن كل واحد منهما ما يترك من المنفعة من نصيبه على صاحبه في ثوبه صاحبه إنما يترك بشرط أن يترك صاحبه نصيبه عليه في ثوبه، وإنما لم يحرم النساء؛ لأن القياس لا يحرم بأحد وصفي علة ربا النقد؛ لأن الدين مع العين يستويان في العدد إلا أن للعين فضلاً من حيث الجودة؛ لأن العين أفضل من الدين وأجود منه إلا أن الفضل من حيث الجودة لا يحرم عند وجود وصفي علة الربا، وهو القدر مع الجنس، فلأن لا يحرم عند وجود أحد وصفي علة ربا أولى، إلا أننا أثبتنا هذه الحرمة عند أحد وصفي علة ربا النقد، وهو القدر أو الجنس بالنص بخلاف القياس، والنص ورد فيما هو مبادلة من كل وجه، وهو البيع والمهايأة إقرار من وجه مبادلة من وجه فيعمل فيها بقضية القياس.
وقوله: بأن لكل واحد منهما بعض المهايأة بعذر وبغير عذر سنبين الوجه فيه بعد ذلك إن شاء الله تعالى.
وقوله: بأن المهايأة تجوز من غير بيان المدة، قلنا: إنما جازت لأنها قسمة المنافع، فتكون معتبرة بقسمة العين، ثم قسمة العين جائزة من غير بيان المدة فكذا قسمة المنفعة.(7/682)
-----
قال أبو حنيفة رحمه الله: دار بين رجلين تهايأ على أن يسكن هذا منزلاً معلوماً، وهذا منزلاً معلوماً، وعلى أن يؤاجر (11أ4) كل واحد منهما منزله، ونأكل عليه فهو جائز كذا ذكر في بعض الروايات، وذكر في بعضها أو على أن يواجه كل واحد منهما منزله فعلى الرواية الأولى هذه مهايأة في السكنى والاستغلال جميعاً من حيث المكان.
وبيان أنهما إذا تهايأ في السكنى، ولم يشترطا الإجارة أن كل واحد منهما لا يملك إجارة منزله؛ إذ لو ملك كل واحد منهما ذلك لم يكن لاشتراط الإجارة بيع السكنى معنى، وإلى هذا ذهب أبو علي الشاسي، وكان الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي يقول: ظاهر المذهب أن كل واحد منهما يملك إجارة منزله، وإن لم يشرطا الإجارة وقت المهايأة.
وعلى الرواية الثانية تكون هذه مهايأة، إما في السكنى أو في الاستغلال من حيث المكان، وبيان أن المهايأة في الاستغلال تجوز حالة الانفراد مقصوداً كما تجوز تبعاً لمهايأة في السكنى، وإنما ملك كل واحد منهما إجارة منزله من غير الشرط في ظاهر المذهب على ما ذكره شمس الأئمة رحمه الله؛ لأن المهايأة قسمة المنفعة فما يصيب كل واحد منهما من المنفعة يجعل مستحقاً له باعتبار قديم ملكه؛ لأن المنفعة جنس واحد لا يتفاوت بمنزلة قسمة المكيل والموزون، وهو يملك الاعتياض عن المنفعة المملوكة لا من جهة غير، شرط ذلك أو لم يشترط.
وله أن يقسم العين ويبطل المهايأة إذا بدا لهما أو لأحدهما؛ لأن الأصل فيما هو المقصود وهو تمييز الملك قسمة العين والمهايأة خلف عنه، ألا ترى أن في الابتداء لو طلب أحدهما قسمة العين، وطلب الآخر من القاضي المهايأة، فالقاضي لا يهايئ بينهما فكذا في الانتهاء إذا طلب أحدهما قسمة العين لاستدام المهايأة.
وذكر محمد رحمه الله في باب المهايأة في الحيوان: ولكل واحد منهما نقض المهايأة بعذر وبغير عذر، قال شيخ الإسلام: هذا هو ظاهر الرواية.(7/683)
-----
وقال شمس الأئمة الحلواني: إنما يكون لأحدهما نقض المهايأة إذا قال: أريد بيع نصيبي من الدار، أو قال: أريد أن نقسم العين حتى يتميز نصيب كل واحد منا، فأما إذا قال: أفسخ المهايأة لتعود المنافع مشتركة بيننا كما كانت فالقاضي لا يجيبه إلى ذلك، .
وروى ابن سماعة عن محمد: أنه ليس لكل واحد منهما نقض المهايأة من غير رضا صاحبه إلا عند إرادة القسمة، وكان شمس الأئمة الحلواني مال إلى هذه الرواية.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: وإنما يكون لأحدهما النقض بعذر وبغير عذر على ظاهر الرواية إن حصلت المهايأة بتراضيهما، أما إذا حصلت بحكم الحاكم ليس لأحدهما أن ينقض ما لم يصطلحا على النقص؛ لأنها إذا حصلت بحكم الحاكم لو نقضناها بنقض أحدهما احتجنا إلى إعادة مثلها ثانياً، فأما إذا حصلت بتراضيهما لو نقضناها لا نحتاج إلى إعادة مثلها ثانياً، وإنما يحتاج إلى ما هو أعدل من هذه القسمة، وهي القسمة بقضاء القاضي، وليس لواحد منهما أن يحدث في منزله بناء أو منقضة أو يفتح باباً؛ لأن العين بعد المهايأة باقي على التركة.
وكذلك لو تهايئا على أن يكون السفل في يد أحدهما، والعلو في يد الآخر فهو جائز على ما بينا، هذا إذا تهايئا في دار واحدة من حيث المكان، وأما إذا تهايئا فيها من حيث الزمان، ذكر محمد رحمه الله في كتاب الصلح أنه يجوز سواء تهايئا في السكنى، أو في الاستغلال أو فيهما.
وذكر محمد رحمه الله في «الرقيات»: أنه لا يجوز زماناً، ويجوز مكاناً، بعض مشايخنا رحمهم الله قالوا: إنما اختلف الجواب اختلاف الموضوع، وضع المسألة في كتاب الصلح أنهما فعلا ذلك بتراضيهما، وموضوع ما ذكر في «كتاب الرقيات» إن أحدهما طلب المهايأة من القاضي زماناً، وأبى الآخر، فالقاضي لا يجبره عليها، ومن المشايخ من قال: على رواية الرقيات: وإن فعلا ذلك بأنفسهما وتراضيهما لا يجوز فصار في المسألة روايتان.(7/684)
-----
وأما في الدارين إذا تهايئا على أن يسكن أحدهما هذه الدار، والآخر الدار الأخرى، ويؤاجر كل واحد منهما ما في يده، فهذه القسمة جائزة سواء كانا في مصر واحد أو في مصرين، لأن قسمة العين على هذا الوجه بالتراضي جائزة فكذا قسمة المنفعة، ولو طلب أحدهما المهايأة من القاضي بهذه الصفة وأبى الآخر فالقاضي لا يجبر الآبى عليها عند أبي حنيفة.
هكذا ذكره الكرخي في «كتابه» وإليه مال شيخ الإسلام؛ لأن قسمة الجبر لا تجري في غير الدور بهذه الصفة عند أبي حنيفة، فكذا المهايأة.
وذكر شمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي رحمهما الله: أن القاضي يجبر الآبي على هذه القسمة عند أبي حنيفة أيضاً، بخلاف قسمة العين على قوله.
والفرق: أن القسمة في المهايأة تلافي المنفعة دون العين، ومنفعة السكنى تتفاوت، ولا تتفاوت إلا يسيراً فكانت المهايأة إقراراً لا مبادلة فجاز أن يجري الجبر عليها، بخلاف قسمة العين، فالقسمة هناك ملاقي العين والمالية والدور في المالية تختلف، فكانت القسمة مبادلة فلا يجري الجبر عليها.
(7/685)
-----
فإن غلت إحدى الدارين ولم تفل الدار الأخرى، فليس للذي لم تفل داره أن يشارك الآخر في نحلة داره؛ لأن الذي غلت داره إنما آجر داره لنفسه بإذن شريكه، ولو أجرها لنفسه بغير أذن شريكه كانت الغلة له، فكذا إذا أجرها بإذن شريكه، وتكون الغلة طيباً له؛ لأن الإجارة حصلت بإذن الشريك، وفي الدار الواحدة إذا تهايئا على الاستغلال زماناً، فأغلت في نوبة أحدهما أكثر، فالزيادة والفضل بينهما؛ لأن معنى الإقرار والقسمة في الدارين أرجح على معنى أن كل واحد منهما وصل إلى المنفعة والغلة في الوقت الذي يصل إليها صاحبه، فما يستوفيه كل واحد منهما عوض عن قديم ملكه استوجبه بعقده فيسلم له، وفي الدار الواحدة إذا تهايئا في الاستغلال زماناً، فأحدهما يصل إلى الغلة قبل وصول الآخر إليها، وذلك لا يكون قصة للقسمة فيجعل كل واحد منهما وكيلاً عن صاحبه في إجارة نصيب صاحبه، وما يقبضه كل واحد منهما يجعل عوضاً عما يقبض صاحبه من عوض نصيبه، والمعاوضة تقتضي التساوي، فعند التفاضل يثبت التراجح فيما بينهما فيستويا.
وإذا آجر كل واحد منهما الدار التي في يديه، وأراد أحدهما أن ينقص المهايأة ويقسم رقبة الدار فله ذلك، وهذا إذا مضى مدة الإجارة، فأما إذا لم تمض فليس للآخر نقض المهايأة؛ صيانة لحق المستأجر.
والمهايأة في النخل والشجر على أكل الغلة باطلة؛ لأن غلة النخل والشجرة عين تبقى بعد الحدوث، وإنما جوزنا المهايأة فيما لا تتأتى فيها القسمة بعد الوجود، أو ما يكون عوضاً عنه كغلة الدار ونحوه؛ ولهذا لا تجوز المهايأة في الغنم على الأولاد والألبان والأصواف؛ لأنه يتأتى فيها القسمة بعد الوجود حقيقة.(7/686)
-----
وإذا تهايئا في استخدام عبد واحد على أن يستخدم العبد هذا شهراً ويستخدمه هذا شهراً فالتهايئ جائز، وكذلك إذا تهابئا في استخدام العبدين تهايئا على أن يستخدم هذا هذا العبد شهراً، ويستخدم هذا هذا العبد الآخر شهراً فهو جائز، أما في العبد الواحد؛ فلأن هذه قسمة يوجبها الحكم، ألا ترى لو طلب أحدهما المهايأة على هذا الوجه، وأبى الآخر يجبر الآبي عليها، ويجوز بتراضيهما ما لا يوجبها الحكم، فلأن يجوز ما يوجبه الحكم أولى؛ ولأن التفاوت من النصيبين إنما يتمكن من وجه واحد من حيث إن نصيب أحدهما بعد ونصيب الآخر بسنة أنها لم يتمكن التفاوت في مقدار الخدمة؛ لأن البادئ منهما إنما يستخدم العبد في نوبته بحكم الملك فلا مانع (11ب4).
في الاستخدام على نصفه لأنه لا يضر بالعبد المشترك، فالخدمة في الشهر الأول لا يضعفه عن الخدمة في الشهر الثاني، وإذا كان التفاوت من وجه واحد كان يسيراً فلا يمنع اعتبار معنى الإقرار، فكان إقراراً من وجه مبادلة من وجه، فلا يحرم النساء بسبب الجنس.
وهذا بخلاف ما لو وقع التهايؤ في العبد الواحد على الاستغلال تهايئاً على أن يؤاجره هذا شهراً ويأكل غلته حيث لا يجوز بلا خلاف؛ لأن التفاوت بين النصيبين مثال يكن من وجهين من حيث النقد والنسيئة، ومن حيث مقدار الغلة؛ لأن البادئ من المستأجرين يستخدم العبد بحكم الإجارة، فبالغ في الاستخدام فيضعف فلا يستأجر المستأجر الثاني، وقد ضعف بمثل ما استأجره الأول وإذا وقع التفاوت من وجهين كان فاحشاً، ومتى فحش التفاوت لا تعتبر القسمة إقراراً بل تعتبر مبادلة من كل وجه كما في قسمة العين في الجنس المختلف إذا فحش، وإذا اعتبر مبادلة من كل وجه كان هذا مبادلة منفعة بمنفعة من جنسها واحدهما نسيئة فيكون رباً فلا يجوز، وإن تراضيا عليه.(7/687)
-----
وأما في العينين فإنما جاز التهايؤ على الاستخدام؛ لأن قسمة العين على هذا الوجه بتراضيهما جائزة عند الكل، وإن كانت لا تجوز من غير تراض عند أبي حنيفة، فكذا قسمة المنفعة على هذا الوجه؛ ولأن العينيين إذا استويا في النظر والمنظر لا يتفاوتان في الخدمة إلا يسيراً فلا يمنع ذلك اعتبار معنى الإقرار، فتكون المهايأة في خدمتهما إقراراً من وجه، فلا يحرم النساء بسبب الجنس لما بينا أن حرمة النساء بسبب الجنس تختص بالمبادلات من كل وجه، ولو تهايئا في العينين على الاستغلال تهايئا على أن يؤاجر هذا هذا العبد شهراً فيأكل غلته، ويؤاجر هذا هذا العبد الآخر شهر فيأكل غلته لم يجز في قول أبي حنيفة رحمه الله، وجاز في قول أبي يوسف ومحمد، هما يقولان: العبدان إذا استويا في النظر والمنظر والحرفة لا يتفاوتان في الغلة إلا يسيراً، فلا يمنع ذلك وقوع الإقرار، والتقريب ما ذكرنا في فصل الاستخدام.
ولأبي حنيفة: أن التفاوت في العينين في الاستغلال تفاوت فاحش فإنا نرى عبدين يستويان في النظر والمنظر، ويستأجر أحدهما بأكثر مما يستأجر به الآخر لزيادة حذاقة في أحدهما، فتعتبر المهايأة فيها مبادلة من كل وجه، فيحرم النساء بسبب الجنس وإن تراضيا عليه.
بخلاف ما لو تراضيا على قسمة العين على هذا الوجه حيث يجوز التهايؤ على استغلالهما مع فحش التفاوت عند أبي حنيفة؛ لأن التفاوت ثمة باعتبار معنى الدارية، فأما باعتبار الأرض فالتفاوت يسير بين الأرض والأرض، ولهذا كان قسمة الأراضين إقراراً من وجه مبادلة من وجه، فيمكن اعتبار معنى الإقرار في هذه المهايأة باعتبار معنى الأرض، ومهما أمكن اعتبار معنى الإقرار لا تثبت حرمة النساء بسبب الجنس، فأما ليس في العبد سنان يكون التفاوت باعتبار أحدهما فاحشاً وباعتبار الآخر يسيراً إنما هو شيء واحد خلق في الأصل على التفاوت تفاوتاً فاحشاً، فتعتبر المهايأة فيه مبادلة من كل وجه.g
(7/688)
-----
في «المنتقى»: جاريتان بين رجلين لهما ابن تهايئا على أن ترضع هذه ابن هذا سنتين وترضع هذه ابن هذا سنتين كان جائزاً، قال: ولا يشبه هذا لبن البقر والإبل والغنم علل فقال: لأن ألبان بني آدم لا قيمة لها، وألبان هذه الأشياء لها قيمة.
وإذا تهايئا في الدابتين ركوباً واستغلالاً على أن يركب هذا هذه الدابة شهراً، وهذا هذه الدابة الأخرى، وتهايئا على أن يؤاجر هذا هذه الدابة شهراً، وهذا هذه الدابة الأخرى شهراً، فهذا جائز في قول أبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، والكلام في التهايؤ في استغلال الدابتين نظير الكلام في التهاني في استغلال العبدين، وقد مرّ هذا في الكلام في التهايىء في الركوب، فوجه قول أبو حنيفة أن التفاوت في الركوب تفاوت فاحش.
ولهذا لو استأجر دابة للركوب، ولم يبين الراكب لا يجوز، فتعتبر المهايأة مبادلة من كل وجه فيتمكن الربا؛ لأنه مقابلة منفعة بمنفعة من جنسها، ولهما أن التفاوت من وجه واحد وهو الراكب لا من حيث النقد والنسيئة، فكان يسيراً فتعتبر المهايأة إقراراً من وجه، فلا يتمكن الربا، وأما في الدابة الواحدة لا يجوز التهايؤ استغلالاً بلا خلاف، وهل يجوز التهايؤ ركوباً للشك أن على قول أبي حنيفة لا يجوز، وأما على قولهما ذكر شيخ الإسلام: أنه لا يجوز لأن التفاوت يمكن من وجهين، فتعتبر المهايأة مبادلة من كل وجه.(7/689)
-----
وذكر شمس الأئمة السرخسي أنه يجوز، وإذا تهايئا في مملوكين استخداماً فمات أحدهما، أو أبق انتقضت المهايأة؛ لأن كل واحد منهما إنما رضي بسلامة الخدمة للآخر بشرط أن يسلم له خدمة الذي في يديه، ولم يسلم، ولو استخدمه الشهر كله إلا ثلاثة أيام نقص الآخر من شهره ثلاثة أيام؛ لأنا لو زدناها زدناها بحكم الإتلاف لا بحكم العقد؛ لأن المهايأة لم تتناول ما زاد على الشهر، والمنافع لا تضمن بالإتلاف من غير عقد، فأما إذا نقضت ثلاثة أيام فلو نقضناها، نقضناها بحكم العقد؛ لأنه فات بعض المعقود عليه قبل القبض في مدة العقد فلا سلم الآخر ما بإزائه من البدل بحكم العقد، ولو أبق أحدهما الشهر كله، واستخدم الآخر الآخر الشهر كله فلا ضمان ولا أجر، وكان يجب أن يضمن أجر المثل؛ لأن المهايأة مبادلة من وجه والمبادلة من كل وجه لا تنفسخ بهلاك أحد العوضين قبل القبض بل تفسد.
ولهذا قالوا: من استأجر داراً بعبد وقبض الدار ولم يسلم العبد حتى هلك العبد ثم سكن الدار كان عليه أجر المثل؛ لأن بهلاك العبد فسد العقد، ولم ينفسخ، فصار مستوفياً سكنى الدار بحكم عقد فاسد.
والجواب: المهايأة مبادلة من وجه إقرار من وجه، فباعتبار المبادلة أن يتقوم المنافع، وباعتبار الإقرار لا يتقوم، فلا يتقوم بالشك، ولو عطب أحد الخادمين في خدمة من شرط له هذا الخادم فلا ضمان عليه؛ لأنه عطب من عمل مأذون فيه.
وكذلك المنزل لو انهدم من سكنى من شرط له فلا ضمان لما قلنا، وكذلك لو احترق المنزل من نار أوقدها فيه فلا ضمان؛ لأن هذا من جملة السكنى، ألا ترى أن المستأجر والمستعير يملكان ذلك والسكنى مأذون فيه.
وكذلك لو توضأ فيها فزلق رجل بوضوئه، أو وضع فيه شيء فعثر به إنسان فلا ضمان، ولو بنى فيها بناء أو احتفر بئراً فيها ضمن بقدر ما كان يملك صاحبه، حتى أنه إن كان ملك صاحبه الثلث ضمن الثلث.(7/690)
-----
وعندهما يضمن النصف على كل حال فقد جعله جانياً بالحفر، والثاني نصيب صاحبه وإن كان مأذوناً بالسكنى فيه، ومن أصحابنا من قال: هذا الجواب غلط في البناء، لأن البناء ليس إلا وضع الآجر والطين واللبن على بعض، ولو وضع جميع ذلك في الدار لا على وجه البناء لم يضمن كذا ها هنا.
قال شمس الأئمة الحلواني: فإن كان ما قال هؤلاء حقاً يجب أن يكون الجواب في المستأجر هكذا إذا بنى فيها بناء فعطب بها إنسان لا يضمن كما لو وضع فيه شيء.
قال رحمه الله: والرواية هاهنا بخلاف قولهم، والرواية هاهنا تكون رواية في فصل الإجارة إنه يكون مضموناً عليه.
أمة بين رجلين فخاف كل واحد منهما صاحبه عليها، فقال أحدهما: تكون عندك يوماً وعندي يوماً، وقال الآخر: بل نضعها على يدي عدل، فإني أجعلها عند كل واحد منهما يوماً ولا أضعها على يدي عدل.
قال مشايخنا رحمهم الله: ويحتاط في باب الروح في جميع المواضع نحو العتق في الجواري والطلاق في النساء في فصول الشهادة وغير ذلك، إلا في هذا الموضع فإنه لا يحتاط لحسن ملكه وهو نظير ما لو أخبر القاضي أن فلاناً يأتي جواريه في غير المأتي، أو يستعملهن في البغاء ويطأ زوجته في حالة الحيض وأمته من غير استبراء لا يكون (12أ4) للقاضي عليه سبيل لحسن ملكه هكذا، فإن تشاحا في البداية فالقاضي يبدأ بأيهما شاء وإن شاء أقرع، قال شمس الأئمة السرخسي: والأولى أن يقرع بينهما تطييباً لقلوبهما، وإليه مال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله.
عبد وأمة بين رجلين فتهايئا فيهما على أن تخدم الأمة أحد هما ويخدم العبد الآخر على أن كل واحد منهما طعام الخادم الذي شرط له في المهايأة، فاعلم بأن ها هنا ثلاث مسائل في كل مسألة قياس واستحسان.
(7/691)
-----
أحدهما: إنهما إذا سكتا عن ذكر الطعام، في القياس يجب طعام العبد والأمة عليهما نصفان، وفي الاستحسان يجب على كل واحد طعام الخادم الذي شرط له في المهايأة، وفي الكسوة إن سكتا عن ذكرها يجب كسوة العبد والأمة عليهما نصفان، قياسا واستحساناً.
والثانية: إذا شرطا في المهايأة أن يكون على كل واحد منهما طعام الخادم الذي شرط له في المهايأة ولم يقدر الطعام، القياس أن لا يجوز، وفي الاستحسان يجوز، وفي الكسوة إذا لم يبينا المقدار لم يجز قياساً واستحساناً.
والثالثة: إذا بينا مقدار الطعام فالقياس أن لا يجوز، وفي الاستحسان يجوز، وكذلك في الكسوة إذا شرطا شيئاً معلوماً لا يجوز قياساً ويجوز استحساناً.
والمهايأة في رعي الدواب جائزة عندنا، وكذلك لو تهايئا على أن يستأجرا لهما أجيراً جاز، والمهايأة في دار وأرض على أن يسكن هذا الدار ويزرع هذا الأرض جائزة.
وكذلك المهايأة في دار وحمام والمهايأة في دار ومملوك على أن يسكن هذه الدار سنة ويخدم هذا المملوك سنة جائزة، وعلى الغلة باطلة عند أبي حنيفة خلافاً لهما.
الفصل الثالث عشر: في المتفرقات
يجوز للقاضي أن يأخذ على القسمة أجراً ولكن المستحب له أن لا يأخذ، وهذا لأن القسمة ليست بقضاء على الحقيقة حتى لا يفترض على القاضي مباشرتها، وإنما الذي يفترض عليه جبر الآبي على القسمة إلا أن لها شبهاً بالقضاء من حيث إنها تستفاد بولاية القضاء حتى ملك جبر الآبي ولم يملك الأجنبي ذلك، فمن حيث إنها ليست بقضاء جاز أخذ الأجر عليها، ومن حيث إنها تشبه القضاء يتسحب أن لا يأخذ الأجر عليها.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: أجر قاسم الدور والأرضين على عدد الرقمين، وقالا: على قدر الأنصباء.
وصورته: دار بين ثلاثة نفر، لأحدهم نصفها وللأخر ثلثها وللآخر سدسها.(7/692)
-----
وجه قول أبي حنيفة: أن عمل القيام واقع لهم بالسوية، لأن عمل القيام تعيين نصيب كل واحد منهم ولا يمكنه ذلك إلا بمساحة الكل، فهو معنى قولنا: عمل القيام واقع لهم بالسوية، فيكون الأجر عليهم بالسوية، وهما يقولان: عمل القيام في نصيب صاحب الكثير أكثر لأن عمله المساحة والذرع، وأنه يكثر بكثرة المحل.
قالوا: وهذا إذا طلبوا من القاضي القسمة بينهم فقسم بينهم قاسم القاضي، فأما إذا استأجروا رجلاً بأنفسهم فإن الأجرة عليهم بالسوية وهل يرجع صاحب القليل على صاحب الكثير بالزيادة، قال أبو حنيفة: لا يرجع، وقالا: يرجع، وكذلك إذا وكلوا رجلاً ليستأجر رجلاً يقسم بينهم فاستأجر الوكيل فإن الأجرة على الوكيل، واختلفوا في الرجوع قال أبو حنيفة يرجع عليهم بالأجرة على السواء، وقالا: يرجع على كل واحد منهما بقدر الملك، وإذا استأجروا ليبني حائطاً مشتركاً أو يطبق سطحاً مشتركاً أو يكري نهراً أو يصلح قناة فالأجر بينهما على قدر الأنصباء بالإجماع.
وإذا استأجروا رجلاً لكيل طعام مشترك، أو لذرع ثوب مشترك إن كان الاستئجار للقسمة فهو على الخلاف الذي بينا، وإن كان الاستئجار على نفس الكيل والذرع ليصير الكل معلوم القدر فالأجر على قدر الانصباء.
وفي «المنتقى»: إبراهيم عن محمد في أكرار حنط بين رجلين، فأجر الكيال على الانصباء وأجر الحساب على الرؤوس، قال: ما كان من عمل فهو على الأنصباء، وما كان من حساب فهو على الرؤوس في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله وفي قولهما على الأنصباء، وإذا طلب أحد الشريكين القسمة وأبى الآخر فأمر القاضي قاسمه ليقسم بينهما، روى الحسن عن أبي حنيفة أن الأجرة على الطالب لأن القسمة واقعة للطالب، وعلى الآبي لأن الطالب إنما يطلب القسمة عادة لمنفعة له فيها، والممتنع إنما يمتنع عنها عادة لضرر يخافه، وقال أبو يوسف: الأجر عليهما.
(7/693)
-----
في «المنتقى»: إبراهيم عن محمد رحمه الله: قاسم قسم داراً بين اثنين، وأعطى أحدهما أكثر من الآخر غلطاً، وبنى بعضهم في نصيبه قال: يستقبلون القسمة فمن وقع بناءه في قسم غيره رفع بناءه ولا يرجعون على القاسم بقيمة البناء، ولكن يرجعون عليه بالأجر الذي أخذ.
وفيه أيضاً هشام عن محمد: أرض بين رجلين بناها أحدهما فقال الآخر للباني: ارفع بناءك عنها، قال: يقسم الأرض بينهما فما وقع من البناء في نصيب غيره يرفع.
وذكر شيخ الإسلام في شرح كتاب القسمة في أجرة أحد الشريكين إذا بنى في أرض مشتركة بغير إذن شريكه فلشريكه أن ينقص بناءه لأن له ولاية النقض في نصيبه والتمييز غير ممكن.
وفيه أيضاً: عبدان بين رجلين غاب أحد الرجلين فجاء أجنبي إلى الشريك الحاضر، وقال: قاسمني هذين العبدين على فلان الغائب فإنه سيجيز قسمتي فقاسمه الحاضر وأخذ الحاضر عبداً وأخذ الأجنبي عبداً، ثم قدم الغائب وأجاز القسمة ثم مات العبد في يد الأجنبي فالقسمة جائزة، وقبض الأجنبي له جائز ولا ضمان عليه فيه، وإن مات قبل الإجازة بطلت القسمة وللغائب نصف العبد الباقي، فهو بالخيار في تضمين حقه من العبد الميت، إن شاء ضمن الذي مات في يده وإن شاء ضمن شريكه، وإنما ضمن لا يرجع على الآخر بما ضمن.
قال في «نوادر ابن رستم» في المتقاسمين: إذا ميز نصيب أحدهما بالقسمة وفيه شجر أغصانها مطلة على قسم الآخر فله أن يطالبه بقطع الأغصان، رواه عن محمد، وروى ابن سماعة عنه أنه ليس له ذلك لأن الذي أصابه الشجر استحق الشجرة بجميع أغصانها.(7/694)
-----
قال في «الأصل»: وإذا أصاب الرجل في القسمة ساحة لا بناء فيها وأصاب الآخر البناء فأراد صاحب الساحة أن يبني ساحته ويرفع بناءه فقال صاحب البناء: إنك تسد علي الريح والشمس فلا أدعك ترفع بناءك فلصاحب الساحة أن يرفع بناءه ما بدا له، وليس لصاحب البناء أن يمنعه من ذلك، وقال نصر بن يحيى وأبو القاسم الصفار: لصاحب البناء أن يمنعه من ذلك، والوجه بظاهر الرواية أن صاحب البناء كان ينتفع بهواء ملك صاحب الساحة قبل البناء فصاحب الحائط إذا سد الهواء بالبناء فإنما حقه من الانتفاع يملكه ولم يتلف عليه ملكاً ولا منفعة ملك، ولا يمنع من ذلك.
فصار كما لو كان لرجل شجرة يستظل بها جاره أراد قلعها لا يمنع منه، وإن كان فيه ضرر للجار؛ لأن صاحب الشجرة بالقلع يمنعه عن الانتفاع بملك نفسه، وتصير هذه المسألة رواية في فصل لا رواية لها في الكتب.
وصورتها: دوخانة است حريكي يك سنية يكي راروزن نيست طاخمها است به روى بام خانه ويكن خدا وندد يكرسهدا مدتا خان حوشي رادو سنية كندا بن خدا وند طافحها بازمي داروش سيكريد طافحها من ستة ميشود هل له أن يمنعه؟ ينبغي أن لا يكون له المنع على قياس هذه المسألة، لأن صاحب البيت الآخر يجعل بيته ذي سقفين يمنع صاحب الطافحات عن الانتفاع بهواء ملك نفسه كما في هذه المسألة.
وقد ذكر الصدر الشهيد في «فتاويه الصغرى»: إن كان البنيان في القديم لسقف واحد، فلصاحب الطافحات أن يمنعه من ذلك، وإن كانا في القديم بسقفين فليس له أن يمنعه.
قال رحمه الله: وحد القديم أن لا يحفظ أقرانه وراء هذا الوقت كيف كان، فجعل أقصى الوقت الذي يحفظه الناس حد القديم، ويبنى عليه الأمر فعلى ما ذكره الصدر الشهيد يحتاج إلى الفرق بين المسألتين.(7/695)
-----
والفرق: أن في مسألة البيتين الذي يريد البناء يمنع صاحبه عن الضوء والضوء من الحوائج الأصلية، وفي مسألتنا يمنعه عن الشمس والريح وذلك من الحوائج الزائدة، وكذلك لصاحب الساحة أن (12ب4) يتخذ فيها حماماً أو تنوراً أو بالوعة أو بئر ماء، لأنه يتصرف في خالص ملكه وينتفع به انتفاع مثله، وإن نزّمن بئره حائط جاره لا يجبر على تحويله ولا يضمن ما سقط من حائط جاره، وكذلك لو أراد أن يجعل فيها رحاً أو حداداً أو قصاراً فليس لصاحبه منعه.
وحكي عن بعض مشايخنا: أن الدار إذا كانت مجاورة لدور، فأراد صاحب الدار أن يبني فيها تنوراً للخبز الدائم، أو رحاً للطحن، أو مدقاة للقصارين لم يجز لأنه يضر بجيرانه ضرراً فاحشاً، وإن أراد أن يعمل في داره تنوراً صغيراً على ما جرت به العادة جاز.
وكان أبو عبيد الضميري إذا استفتي عمن أراد أن يبني في ملكة تنوراً للخبز في وسط البزازين تارة كان يفتي بأن له ذلك وتارة كان يفتي بأنه ليس له ذلك، والحاصل في هذه المسائل في أجناسها أن القياس أن من تصرف في خالص ملكه لا يمنع منه في، وإن كان يؤدي إلى إلحاق الضرر بالغير، لكن ترك القياس في موضع يتعدى ضرر يعود إلى غيره ضرراً بيناً.
وقيل: بالمنع، وبه أخذ كثير من مشايخنا رحمهم الله وعليه الفتوى.(7/696)
-----
إذا كانت الدار في سكة غير نافذة مات صاحب الدار وتركها ميراثاً بين ورثه فاقتسم ورثته فيما بينهم على أن يفتح كل واحد منهم في نصيبه باباً إلى السكة كان لهم ذلك، وإن أبى أهل السكة ذلك لأن الورثة قائمون مقام الميت، والميت لو كان حياً كان له أن يفتح باباً آخر إلى السكة وأن يكبر جميع الحائط الذي يلي السكة، لأنه يكبر جدار هو خالص ملكه ويمر في طريق هو طريق هذه الدار فكذا ورثته، وإذا كانت مقصورة بين ورثته بابها في دار مشتركة ليس لأهل المقصورة فيها إلا طريقهم فاقتسموا المقصورة على أن يفتح كل واحد منهم باباً في نصيبه في هذه الدار، فإنه ينظر إن كان الطريق المرفوع للمقصورة ملازقاً لحائط المقصورة طولاً حتى يجعل فتح كل واحد منهم باباً في نصيبه إلى طريق المقصورة في الدار كان لهم ذلك.
وإن لم يكن طريق المقصورة ملازقاً لحائط المقصورة طولاً بل كان بحذاء باب المقصورة طولاً إلى الباب العظمى من الدار لا يكون لهم ذلك؛ لأنهم بفتح الباب إلى الطريق لا يأخذون أكبر من حقهم من الدار التي فيها طريق المقصورة، أما بفتح الباب إلى ناحية أخرى من الدار سوى طريق المقصورة يأخذون أكثر من حقهم.
يوضحه: أن لهم طريقاً واحداً في موضع معلوم من عرصة الدار، وهم يريدون أن يجعلوا جميع العرصة ممراً فيمنعون من ذلك.
بعض مشايخنا رحمهم الله قالوا: معنى قوله في «الكتاب» في هذه الصورة أنهم يمنعون من ذلك أنهم يمنعون من التطرق في غير الموضع المعروف طريقاً لهم في صحن الدار ما لا يمنعون عن نفس فتح الباب، لأنهم يتصرفون في خلاص ملكهم.(7/697)
-----
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة؟: بل يمنعون عن فتح الباب؛ لأنهم لو فتحوا فإذا تقادم العهد لا بما يدعون أن لهم طرقاً في صحن الدار ويبدلونها على ذلك بالباب المركب، فلهذا يمنعون عن فتح الباب، فإن كان لصاحب المقصورة دار أخرى إلى جنب هذه المقصورة بابها إلى سكة أخرى فصارت المقصورة والدار ميراثاً بين ورثة فوقعت المقصورة في قسم أحدهم والدار في قسم آخر، وحائط الدار لزيق طريق المقصورة فأراد صاحب الدار أن يفتح طريقاً إلى طريق المقصورة حتى يمر ويتطرق فيه إلى الدار منع منه.
فإما إذا كان المالك للمقصورة والدار واحداً بأن كان الذي أصابه المقصورة اشترى الدار، أو كان الوارث للمقصورة والدار واحد، فأراد أن يفتح باباً لهذه الدار إلى طريق المقصورة ليس له ذلك نص عليه في كتاب الشرب، وهذا لأن متى فتح باباً إلى طريق المقصورة صار طريق المقصورة صار طريق المقصورة طريقاً للدار، وفي ذلك ضرر في الثاني على الشركاء في طريق المقصورة فإنه إذا بيع هذه الدار بحقوقها يدخل هذا الطريق في بيع الدار فيزداد شريك آخر في هذا الطريق بعد ما لم يكن، وفيه ضرر على أصحاب الطريق.
فأما إذا كان المالك للمقصورة والدار واحداً، وأراد أن يفتح باباً من الدار إلى هذه المقصورة حتى يتطرق في الدار من طريق المقصورة، فإنه لا يمنع من ذلك إذا كان هو الساكن في الدار غير الساكن في المقصورة بأن أجر الدار من غيره وترك المقصورة لنفسه، فأراد أن يفتح للدار باباً في المقصورة حتى يمرّ المستأجر في طريق المقصورة إلى المقصورة ثم يمر إلى الدار يمنع عنه، لأنه يريد أن يزيد في طريق المقصورة شريكاً في الحال.
وإن كان أجر الدار والمقصورة جميعاً من رجل، ثم أراد أن يفتح للدار باباً في المقصورة لا يمنع؛ لأن الساكن في هذه الصورة واحد وهو المستأجر لأنه لا يبقى للآخر حق المرور فلا يزداد الشريك في طريق المقصورة.
(7/698)
-----
دار بين رجلين اقتسماها بينهما وفيها طريق لغيرهما، فأراد صاحب الطريق أن يمنعهما عن القسمة ليس له ذلك لأن الطريق إن كان محدوداً فهما إنما يقسمان ما وراء ذلك، وذلك حقهما على الخصوص، وإن لم يكن مقداره معلوماً يترك للطريق قدر عرض باب العظمى إلى باب منزل صاحب الطريق، ويقسمان ما وراء ذلك ولاحقّ لصاحب الطريق فيما وراء ذلك.
ولو أراد بعضهم قسمة هذا الطريق وأبى البعض لا يقسم، لأن هذه القسمة تتضمن تفويت منفعة الطريق، وهو التطرق وإن باعوا هذه الدار وهذا الطريق برضاهم فالثمن يقسم بينهم أثلاثاً، ثلثاه لصاحبي الطريق وثلثه لصاحب الممر يريد به حصة الطريق من الثمن؛ لأن الثمن بدل الطريق، والطريق بينهم أثلاثاً إذا لم يعلم مقدار الأنصباء فيه فيكون ثمنه بينهم أثلاثاً أيضاً هكذا ذكر في «الأصل».
وهذا الجواب ظاهر فيما إذا كان رقبة الطريق مشتركة بينهم، فأما إذا كان رقبة الطريق مشتركاً بين الشريكين، ولصاحب الطريق حق المرور لا غير، كان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول: الثمن لهما وقد سقط حق صاحب الاختيار، لأنه حق لا يجوز الاعتياض عنه ولهذا لا يجوز بيعه، فلما أذن في البيع أسقط حقه، وهذا إشارة إلى الرواية التي لا يجوز فيها بيع حق المرور على الانفراد.
وذكر شيخ الإسلام رحمه الله في شرح هذا الكتاب: أن الثمن بينهما أثلاثاً وإن كان لصاحب الطريق حق المرور، قال: لأن حق المرور وإن كان منفعة حقيقة فقد أعطي له حكم العين ولذلك جاز بيعه، ولو كان عيناً على الحقيقة كان الثمن بينهما أثلاثاً كذا هاهنا، وهذا إشارة إلى الرواية التي يجوز بيع حق المرور فيها بانفراده.
وروي عن محمد في هذه الصورة: أن كل واحد من شريكي الطريق بحصته والبقعة وصاحب الطريق مضرب بحق الاستطراق.(7/699)
-----
وطريق معرفة ذلك: أن ينظر إلى قيمة البقعة والطريق فيها وينظر إلى قيمتها وفيها طريق فيضرب صاحب الطريق بفضل القيمة فيما بين ذلك، ويضرب واحد من شريكي الطريق بنصف قيمة البقعة إذا كان فيها طريق. وإذا كانت الدار فيها طريق لرجل وطريق لآخر من ناحية أخرى، أراد أهل الدار قسمتها ومنعهم أهل الطريق، فإنه يترك لهما طريق واحد كما لو كان الحق لواحد، لأن الطريق إنما يرفع للمرور، والطريق الواحد يكفي لهما للمرور وصار هذا وما لو كان حق المرور للواحد سواء. والله تعالى أعلم بالصواب.
كتاب الإجارات
هذا الكتاب يشتمل على أربعة وثلاثين فصلاً:
1 * في بيان الألفاظ التي تنعقد بها الإجارة، وفي بيان نوعها وشرائطها وحكمها وما يصلح أجرة وما لا يصلح.
2 * في بيان أنه متى تجب الأجرة.
3 * في الأوقات التي يقع عليها عقد الإجارة.
4 * في تصرف المؤجر في الأجرة.
5 * في الخيار في الإجارة والشرط فيها.d
6 * في الإجارة على أحد الشرطين أو على الشرطين أو أكثر.
7 * في إجارة المستأجر.
8 * في انعقاد (13أ4) الإجارة بغير لفظ وفي الحكم ببقاء الإجارة أو انعقادها مع وجود ماينافيها.
9 * فيما يكون الأجير مسلماً مع الفراغ منه، وما لا يكون.
10 * في إجارة الظئر.
11 * في الاستئجار للخدمة ويتصل به إجارة الصبي والاستئجار له.
12 * في صفة تسليم الإجارة.
13 * في المسائل التي تتعلق برد المستأجر على المالك.
14 * في تجديد الإجارة بعد صحتها والزيادة فيها.
15 * في بيان ما يجوز من الإجارة وما لا يجوز وإنه يشتمل على أنواع نوع يفسد العقد فيه لمكان الجهالة، ونوع يفسد العقد فيه لمكان الشرط، ونوع في قفيز الطحان وما هو في معناه، ونوع في فساد الإجارة إذا كان المستأجر مشغولاً بغيره، ويتصل به مسائل الشيوع في الإجارة، ونوع في الاستئجار على الطاعات، ونوع في الاستئجار على المعاصي، ونوع في المتفرقات.(7/700)
-----
16 * فيما يجب على المستأجر، وفيما يجب على الأجير، ويتصل به فصل التوابع.
17 * في الرجل يستأجر فيما هو شريك فيه.
18 * في فسخ الإجارة بالعذر وبيان ما يصلح عذراً وما يصلح.
19 * فيما يكون فسخاً وفي الأحكام المتعلقة بالفسخ وما لا يكون فسخاً.
20 * في إجارة النبات والأمتعة، والحلي والفسطاط وأشباهها.
21 * في إجارة لا يوجد فيها تسليم المعقود عليه إلى المستأجر.
22 * في بيان التصرفات التي يمنع المستأجر عنها والتي لا يمنع وفي تصرفات الآجر.
23 * في استئجار الحمام والرحى.
24 * في الكفالة بالأجر وبالمعقود عليه.
25 * في الاختلافات الواقع بين الآجر والمستأجر وفي الدعاوى في الخصومات وإقامة البينات وإنه يشتمل على أنواع: نوع منه في الاختلاف الواقع بين الشاهدين في الأجر، وفي اختلاف الواقع بين الآجر والمستأجر في المبدل أو في البدل.
26 * في استئجار الدواب.
27 * في مسائل الضمان بالخلاف والاستعمال والصياع والتلف وغير ذلك.
28 * في بيان حكم الأجير الخاص والمشترك، وإنه أنواع: نوع في الحد الفاصل بين الأجير المشترك والخاص، نوع في الحمال ومكاري الدابة والسفينة، نوع في النساج والخياط، نوع في المسائل العائدة إلى الحمام، نوع في البقار والراعي والحارس، نوع في القصار وتلميذه، نوع في المتفرقات.
29 * في التوكيل في الإجارة.
30 * في الإجارة الطويلة المرسومة ببخارى.
31 * في النصيف.
32 * يقرب من المسائل التي هي بمعنى قفيز الطحان.
33 * في الاستصناع.
34 * في المتفرقات.
(7/701)
الفصل الأول: في بيان الألفاظ التي تنعقد بها الإجارةوفي بيان نوعها وشرائطها وحكمها
-----
فأما بيان لفظها فنقول الإجارة إنما تنعقد بلفظين يعبر بهما عن الماضي نحو أن يقول أحدهما أجرت، ويقول الآخر: قبلت استأجرت، ولا تنعقد بلفظين أحدهما يعبر به عن المستقبل نحو: أجرتني، فيقول: أجرت، وهذا لأن الإجارة بيع المنفعة فتعتبر العين وفي بيع العين إنما ينعقد العقد بلفظين يعبر بهما عن الماضي، ولا تنعقد بلفظين يعبر بأحدهما عن المستقبل كذا هاهنا، وتنعقد بلفظ العارية أيضاً حتى أن من قال لغيره: أعرتك هذه الدار شهراً بكذا، أو قال: كل شهر بكذا، وقبل المخاطب كان ذلك إجارة صحيحة.
ذكر شيخ الإسلام في كتاب الهبة في باب العطية: فأما العارية لا تنعقد بلفظ الإجارة حتى أن من قال لغيره: أجرتك داري هذه بغير شيء كان إجارة فاسدة لا عارية.
وفي باب العوض في الهبة من شرح الصدر الشهيد رحمه الله: إذا وهب منفعة الدار من آجر شهراً بعشرة دراهم أو أعاره عيناً شهراً بعشرة دراهم حكى أبو طاهر الدباس رحمه الله عن أبي حنيفة رضى الله عنه أنه لا يلزم قبل استيفاء المنفعة، وبعد استيفاء المنفعة يعتبر إجارة.
وذكر شمس الأئمة الحلواني في شرح كتاب الصلح: أن الإجارة تنعقد بلفظ الهبة والصلح، وذكر شيخ الإسلام في شرح كتاب الهبة أيضاً، والإجارة بلفظ الهبة
وفي العطية من هبة «الأصل» إذا قال: داري هذه لك هبة إجارة كل شهر بدرهم، أو قال: إجارة هبة فهي إجارة في الوجهين، ولم يذكر في الكتاب أن هذه الإجارة هل تكون لازمة، وذكر الجصاص رحمه الله أنها لا تكون لازمة حتى كان لكل واحد منهما أن يرجع قبل القبض، ويكون لكل واحد منهما أن يفسخ قبل القبض، وإذا سكنها يجب عليه أجر المثل وإذا قال لغيره بعت منك منافع هذه الدار كل شهر بكذا، أو قال: شهراً بكذا ذكر في «العيون»: أن الإجارة فاسدة.(7/702)
-----
وذكر شمس الأئمة الحلواني في شرح كتاب الصلح أن فيه اختلاف المشايخ، وهذا لأن القياس يأبى جواز الإجارة لأن محل حكم الإجارة المنفعة، وإنها معدومة والمعدومة لا تصلح محلاً لحكم العقد ولإضافة العقد إليه إلا أن الشرع ورد بجوازها إذا باشر العقد على العين بلفظي الإجارة، أو باشر على المنفعة بلفظ الإجارة، ولفظ الإجارة لا يختص بتمليك الأعيان ولا يلحق بلفظ الإجارة.
والبيع يختص بتمليك الأعيان فلا يلحق به العارية والهبة، والتمليك يختص بملك الأعيان فيلحق بها، وعن هذا قلنا: إذا قال أجرتك منافع هذه الدار شهراً بكذا، وهبت لك منافع هذه الدار شهراً بكذا، ملكتك منافع هذه الدار شهراً يجوز فيبقى لفظ البيع على القياس، وذكر شيخ الإسلام في شرح كتاب الصلح في آخر باب الصلح في العقار: إذا ادعى رجل شقصاً من دار في رجل وصالحه المدعى عليه على سكنى بيت معلوم من هذه الدار عشر سنين جاز، فلو آجره يعني هذا البيت المصالح عليه من الذي صالحه جاز عند أبي يوسف خلافا لمحمد.
وهذا بناء على أن محمداً رحمه الله يعتبر هذا العقد إجارة، وليس للمستأجر أن يؤاجر من الآجر وأبو يوسف يقول: إن المدعي مالك منفعة هذا البيت بعقد بل ترك بعض حقه وقنع بالبعض، فإنما بقيت المنفعة على أصل ملكه فيملك أن يؤاجر من كل أحد، ولو باع المدعي هذا السكنى بيعاً من رجل لم يجز.
بعض مشايخنا قالوا: إنما لم يجز بيع السكنى لترك التوقيت لا؛ لأن الإجارة لا تنعقد بلفظ البيع، وقال بعضهم: لا يجوز بيع السكنى وإن كان موقتاً، لأن الإجارة لا تنعقد بلفظ البيع. قال شيخ الإسلام: فصل بيع السكنى يشكل عندي، لأن لفظ البيع تمليك الرقبة وملك الرقبة سبب لملك المنفعة فكان ينبغي أن يجوز استعارة لفظ البيع لتمليك المنفعة به مجازاً.(7/703)
-----
قال رحمه الله: والوجه في ذلك أن المنفعة معدومة في الحال واتخاذها ليس في وسع البشر، والمعدوم لا يصلح محلاً لإضافة العقد إليه إلا أن الشرع أقام العين الموجود وهو الدار المنتفع بها مقام المنفعة في جواز إضافة الإجارة إليها.
إذا ثبت هذا فنقول: لفظ البيع إن أضيف إلى الدار فهو صالح لتمليك عينها فلا يجعل مجازاً عن غيره، وإن أضيف إلى المنفعة فالمنفعة معدومة والمعدوم لا يصلح لإضافة العقد إليه حتى لو قال لغيره: بعتك نفسي شهراً بكذا بعمل كذا فهو إجارة، لأنه لا يصلح لتمليك عين الحر فيجعل مجازاً عن تمليك المنفعة، هكذا ذكر رحمه الله وجه التخريج وإنه مشكل عندي، لأن علة عدم جواز البيع ها هنا لو كانت هي العدم ينبغي أن لا تنعقد الإجارة بلفظ الهبة والتمليك وبالإجماع تنعقد.
وذكر شمس الأئمة الحلواني في شرح الحل: أن الإجارة لا تنعقد بلفظ البيع، وذكر ثمة عن الكرخي أنه كان يقول: الإجارة لا تنعقد بلفظ البيع، ثم رجع وقال: تنعقد.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: إذا قال الرجل لغيره: أعطيتك هذا العبد لخدمتك منه بكذا جاز. وفيه أيضاً عن أبي يوسف رجل دفع إلى رجل ثوباً ليبيعه على أن ما زاد على كذا فهو له، قال: هذا على جهة الإجارة، وهذه إجارة فاسدة لو ضاع الثوب من يده ضمن.
وتنعقد الإجارة بالتعاطي فيما ذكر محمد في إجارات الأصل في باب إجارة النبات إذا استأجر (13ب4) قدوراً بغير أعيانها لا يجوز للتفاوت بين القدور من حيث الصغر والكبر، فإن جاء بقدور وقبلها منه على الكراء الأول جاز، ويكون هذه إجارة مبتدأة بالتعاطي.
وأما بيان وقوعها فنقول: إنهما نوعان نوع يرد على منافع الأعيان كاستئجار الدور والأراضي والدواب والنبات وما أشبه ذلك، ونوع يرد على العمل كاستئجار المحترفين للأعمال نحو القصارة والخياطة وما أشبه ذلك.
(7/704)
-----
وأما بيان شرائطها فنقول يجب أن تكون الأجرة معلومة، والعمل إن وردت الإجارة على العمل، والمنفعة إن وردت الإجارة على المنفعة، وهذا لأن الأجرة معقود به والعمل أو المنفعة معقود عليه، وإعلام المعقود به وإعلام المعقود عليه شرط تحرزاً عن المنازعة كما في باب البيع، وإعلام المنفعة ببيان الوقت، وهو الأجل أو بيان المسافة.
وإعلام العمل ببيان محل العمل، وإعلام الأجرة إن كانت الأجرة دراهم أو دنانير ببيان القدر، وببيان الصفة أنه جيد أو رديء وتقع على نقد البلد إن كان في البلد نقد واحد، وتقع على نقد البلد الذي وقع فيه الإجارة.
حتى أن من استأجر دابة بالكوفة إلى الري بدراهم فعلى المستأجر نقد الكوفة، وإن كان في البلد نقود مختلفة، فإن كانت النقود في الرواج على السواء أولا فضل للبعض على البعض، أي: لا صرف للبعض على البعض فالعقد جائز، ويعطى المستأجر أي النقود شاء.
وإن كانت الأجرة مجهولة، لأن هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة، وإن كانت النقود في الرواج على السواء وللبعض صرف على البعض فالعقد فاسد، لأن هذه الجهالة تفضي إلى المنازعة وإن كان أحدهما أروج فالعقد جائز وينصرف إلى الأروج، وإن كان الآخر فضلاً عليه بحكم العرف.
وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف: إذا كانت الأجرة فلساً فغلى أو رخص قبل القبض فلأجر الفلس لا غير، وإن كسد فعليه قيمة المعقود عليه، وكذلك كل شيء مما يكال أو يوزن فما ينقطع إذا كان استأجر بشيء منه وجعل أجله قبل انقطاعه فهل مثل الفلس، وإن كانت الأجرة مكيلاً أو موزوناً أو عددياً متقارباً فإعلامها ببيان القدر والصفة، ويحتاج إلى بيان مكان الإيفاء إذا كان له حمل ومؤنة وإن لم يكن له حمل ومؤنة لا يحتاج إليه، وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: لا يحتاج إلى ذلك في الأحوال كلها.(7/705)
-----
والاختلاف في هذا نظير الاختلاف في السلم لأن الأجرة دين لا يجب تسليمها عقيب العقد فصار نظير المسلم إليه غير أن عندهما في باب السلم يتعين موضع العقد للتسليم، وهاهنا لا يتعين في إجارة الأرض والدار سلم عند الأرض والدار المستأجرة، وفي العمل بيده حيث تم فيه العمل.
وفي «نوادر هشام» عن أبي يوسف: رجل استأجر أرضاً بطعام إلى أجل ولم يسم أين يقبض الطعام، قال: هو جائز في قولي وقول أبي حنيفة، وقال محمد: هذا بخلاف السلم في قول أبي حنيفة.
وإذا كانت الأجرة عروضاً أو ثياباً يشترط فيه جميع شرائط السلم لأن الأجرة نظير المسلم فيه على ما مر، فيشترط فيه جميع شرائط السلم.
يوضحه: أن وجوب الثياب ديناً في الذمة عرف بالشرع بخلاف القياس، وإنما جاء الشرع به بطريق السلم فيشترط فيه جميع شرائط السلم، وفي هذا كله إذا كانت الأجرة عيناً فإعلامه بالإشارة، لأن الإشارة أبلغ أسباب التعريف.
وإذا كانت الأجرة حيواناً لا يجوز إلا إذا كان عيناً، لأن الحيوان لا يجب ديناً في الذمة بدلاً عما هو مال، وإذا كانت الأجرة منفعة إن كانت من جنس المعقود عليه لا يجوز عندنا خلافاً للشافعي، وإن كان من خلاف جنس المعقود عليه جاز بلا خلاف.
بيان الأول: إذا استأجر سكنى دار بركوب دابة، والمسألة بيننا وبين الشافعي فرع مسألة أخرى عرفت في كتاب البيوع أن الجنس في المثمنين يحرم النساء عندنا خلافاً للشافعي، حتى لو أسلم فرهياً في مرمي لا يجوز عندنا خلافاً للشافعي، وبيع المنفعة بمنفعة من جنسها بمنزلة بيع العين بجنسه نساء، لأن النساء من البدل ما لا يكون عيناً والمنفعة ليست بمعين، لأنها معدومة فكان نساء، والجنسية في المثمنين تحرم النساء بخلاف ما إذا اختلف الجنس لأن النساء في الجنس المختلف ليس بحرام كما في بيع العين، حتى إنه لو أسلم فرهياً في مروي جاز، فهاهنا كذلك.(7/706)
-----
فإن قيل: إذا اختلف الجنس إن كان لا يفسد من العقد من هذا العقد يفسد من وجه آخر، لأن المنفعة دين من الجانبين والدينية من الجانبين توجب الفساد، وإن اختلف البدل.
قلنا: كلا البدلين من حيث الحقيقة إن لم يكن عيناً، لأنها معدومة إلا أن التي لم يصحبها حرف الباء تعتبر عيناً حكماً لأنها معقود عليه، ولا بد لانعقاد عقد المعاوضة من قيام المعقود عليه حالة العقد إذا لم يكن سلماً، وإذا كان كذلك أقيم محل المنفعة فيما لم يصحبه حرف الباء مقام المنفعة فيكون عيناً ولا ضرورة فيما صحبه حرف الباء، لأن ما صحبه حرف الباء يجوز أن يكون غير عين، ولا ضرورة بنا أن نعتبره عيناً ففي غير عين حقيقة وحكماً، والآخر اعتبر عيناً حكماً فكان بمنزلة بيع العين نساء بخلاف جنسه.
وفي «فتاوى أبي الليث»: لا حتى في معاوضة الشران بالشران للأكداس لأنها استبدال منفعة بمنفعة من جنسها، ثم إذا قوبلت المنفعة بمنفعة من جنسها حتى فسد العقد واستوفى الآخر المنفعة كان عليه أجر المثل في ظاهر الرواية، وعن أبو يوسف أنه لا شيء عليه لأن المنفعة إنما تتقوم إذا قوبلت بالمتقوم.
وجه ظاهر الرواية: أن لفظة الإجارة لفظة معاوضة، فصار كما لو استأجر داراً ولم يسم الأجر، ويسكنها هناك بحسب أجر المثل فهاهنا كذلك.
ولو كان عبد واحد بين اثنين فتهايئا فخدم أحدهما يوماً ولم يخدم الآخر فلا أجر له، وقال أبو الحسن في «جامعه»: إذا كان عبد واحد بين اثنين آجر أحدهما نصيبه من صاحبه ليخيط معه شهراً على أن يصوغ نصيبه مع هذا شهراً، فإن هذا لا يجوز في العبد الواحد، ولا يجوز في العملين المختلفين إذا كان في عبدين.(7/707)
-----
وأما بيان حكم الإجارة فنقول: حكم الإجارة وقوع الملك في البدلين كما في بيع العين يقع معاً كما فرعا من العقد إلا لمانع، وفي الإجارة يقع الملك في البدلين ساعة فساعة عندنا، لأن المعاوضة تقتضي التساوي لأن الظاهر من حال العاقدين أن لا يرضيان بالتفاوت، والملك في المنفعة يقع ساعة فساعة على حسب حدوثها فكذا في بدلها وهو الأجرة، وهذا لأن حكم العقد مبني على انعقادها والعقد ينعقد على المنفعة شيئاً فشيئاً على حسب حدوثها، لأن المنافع فيما يستقبل معدومة حالة العقد.
وشرط انعقاد العقد في حق الحكم إضافته إلى محل موجود، والأصل أن الشروط إذا تعذر اعتبارها إما أن يسقط اعتبارها، أو يقام غيرها مقامها كما في حق النائي عن الكعبة أقيمت جهة الكعبة مقام عين الكعبة وكما في حق عادم الماء أقيم التيمم مقام الماء، فكذا هاهنا محل المنفعة وهو الدار مقام المنافع في حق إضافة العقد إليها، ثم العقد في المنافع ينعقد ساعة فساعة على حسب حدوثها وهذا كله مذهبنا، وينبني جواز الإجارة على مذهبنا انعقاد العقد فيما بين المتعاقدين، وهو الدرجة الأولى وانعقاده في حق الحكم وهو الدرجة الثانية.
ألا ترى أن البيع بشرط الخيار ينعقد فيما بين المتعاقدين ولا يعد الحكم في الحال، وتفسير انعقاد العقد في حق المتعاقدين أن يصير كلاهما .... وبعد الحكم في الثاني وكونه سبباً صفة للكلام والكلام مفتقر إلى وجود المتعاقدين لا إلى المحل.
وتفسير انعقاد العقد في حق الحكم في المحل لا بد له من المحل ومحل الحكم وهو المنافع معدومة في الحال فلأجل ذلك قلنا: لأن الإجارة في الحال غير منعقدة في حق الحكم بل هي تنعقد في حق المتعاقدين (14أ4) كالمضاف إلى وقت وجود المنفعة والمنعقد غير والمضاف غير.(7/708)
-----
ألا ترى أن من نذر وقال: لله علي أن أتصدق بدرهم يكون ناذراً في الحال ويلزمه ذلك، ولو قال: لله علي أن أتصدق يوم الخميس بدرهم لا يكون ناذراً في الحال بل يكون مضيفاً النذر إلى يوم الخميس كذا هاهنا العقد في حق الحكم مضاف إلى وقت وجود المنفعة، وليس بمنعقد في الحال أكثر ما فيه أن الصيغة مرسلة، إلا أنها مرسلة صورة أما مضافة معنى، وهذا لأن الأجر بعقد الإجارة تملك المنفعة لأن الإجارة لتمليك المنفعة وصار تقدير هذا العقد: ملكتك منافع هذه الدار والمنافع معدومة للحال فكان العقد مضافاً إلى وقت وجود المنفعة.
إذا ثبت هذا فنقول: إضافة العقد إلى زمان يستدعي وجود المحل في ذلك الزمان، أما لا يستدعي وجوده في الحال إذا ثبت أن الملك في المنافع يقع ساعة فساعة على حسب حدوثها فكذا في بدلها وهو الأجرة تحقيقاً للتساوي بين المتعاقدين على ما مر.
ومما يتصل بهذا الفصل بيان ما يصلح أجرة وما لا يصلح.
والأصل فيه: أن ما يصلح أن يكون ثمناً في البياعات يصلح أن يكون أجرة في الإجارات، وما لا يصلح أن يكون ثمناً في البياعات لا يصلح أجرة في الإجارات إلا المنفعة فإنها تصلح أجرة إذا اختلف الجنس ولا تصلح ثمناً، وإنما اعتبرنا الإجارة بالبيع لأن الإجارة بيع كسائر البياعات إلا أن سائر البياعات ترد على العين والإجارة ترد على المنفعة.
وإنما وقع الفرق بينهما في المنفعة، لأن الثمن يجب أن يكون مملوكاً بنفس البيع إذا لم يكن فيه خيار، والمنفعة لا تصير مملوكة بنفس العقد، لأنها معدومة أما الأجرة فليس من شرطها أن تملك بنفس العقد وكانت الإجارة كالنكاح فإن المنفعة تصلح مهراً في النكاح؛ إذ ليس من شرط المهر أن يملك بنفس العقد، فإن تسمية عبد الغير مهراً صحيح.
ومما يتصل بهذا الفصل(7/709)
-----
بيان ما يصلح أجرة وما لا يصلح، إذا أضاف العقد إلى وقت في المستقبل بأن قال: أجرتك داري هذه غداً وما أشبهه، وأنه جائز بناء على الأصل الذي ذكرنا أن الإجارة تنعقد ساعة فساعة على حسب حدوث المنفعة، فالعقد في حق الحكم كالمضاف إلى وجود المنفعة فمبنى الإجارة في حق الحكم على الإضافة كيف تكون الإضافة مانعة صحة الإجارة، فلو أراد نقضها قبل مجيء ذلك الوقت، وعن محمد روايتان في رواية قال: لا يصح النقض، وفي رواية قال: يصح.
وجه هذه الرواية: أنه لم يثبت للمستأجر حق في هذا العقد إليه غير منعقد أصلاً، ولهذا لا يملك الأجرة بالتعجيل في هذه الإجارة.
وجه الرواية الأولى: أن العقد قد انعقد فيما بين المتعاقدين، وإن لم ينعقد في حق الحكم فالآجر بالنقص يريد إبطال العقد المنعقد حقاً للمستأجر فلا يقدر على ذلك، وعلى هذه الرواية يملك الأجرة بالتعجيل في هذه الإجارة، وكذلك إذا أراد الآجر بيع الدار قبل مجيء ذلك الوقت فيه روايتان، في رواية تنفذ إجارته ويبطل المضاف، وفي رواية قال: لا تنفذ كما في البيع كذا ذكره الطحاوي.
وفي «فتاوى أبي الليث»: رحمه الله إذا قال لغيره: إذا جاء رأس الشهر فقد أجرتك هذه الدار، إذا جاء غد فقد أجرتك هذه الدار يجوز وإن كان فيه تعليقاً، وإذا قال: إذا جاء رأس الشهر فقد فاسختك هذه الإجارة لا يجوز.
الفصل الثاني: في بيان أنه متى يجب الأجر
قال محمد رحمه الله في «الجامع الصغير»: في رجل استأجر بيتاً شهراً بدرهم، قال: كلما سكن يوماً أخذ من الأجر بحساب ذلك، وكذلك الكراة إلى مكة، وكذلك في إجارة الأرض. يجب أن يعلم بأن الأجرة لا تملك بنفس العقد ولا يجب إيفاؤه إلا بعد استيفاء المنفعة إذا لم يشترط التعجيل، والأجرة سواء كانت الأجرة عيناً أو ديناً.(7/710)
-----
هكذا ذكر محمد رحمه الله في «الجامع» وفي كتاب «التحري»، وذكر في الإجارات أن الأجرة إذا كانت عيناً لا تملك بنفس العقد، وإن كانت ديناً تملك بنفس العقد وتكون بمنزلة الدين المؤجل، عامة المشايخ على أن الصحيح ما ذكر في «الجامع»، وفي كتاب «التحري»، وبعضهم قالوا: ما ذكر في الإجارات قول محمد أولاً، وما ذكر في «الجامع» «والتحري» قوله آخراً، وهذا لما ذكرنا أن الإجارة عقد معاوضة فتوجب المساواة بين المتعاقدين ما أمكن ما لم يغير بالشرط، كما في بيع العين.
ومتى قلنا إنه يجب إيفاء الأجر قبل استيفاء المنفعة تزول المساواة، ويفضل المؤاجر على المستأجر؛ لأن المؤجر يملك الأجرة بالقبض رقبة وتصرفاً، والمستأجر إن ملك المنفعة بقبض المستأجر تصرفاً لم يملك رقبة لما ذكرنا أن وقوع الملك في المنفعة يتأخر حال وجودها.p
فلهذا قلنا: إن إيفاء الأجر يتأخر إلى ما بعد استيفاء المنفعة، وإذا ثبت أن إيفاء الأجر إنما يجب بعد استيفاء المنافع عندنا فنقول: كان أبو حنيفة أولاً يقول: لا يجب إيفاء شيء من الأجر إلا بعد استيفاء جميع المنفعة سواء كانت الإجارة معقودة على المدة كما في إجارة الدار والعبد، أو على قطع المسافة كما في كراء الدابة إلى مكان، أو على العمل كما في القصار والخياط والصباغ، فهو قول زفر ثم رجع.
وقال: إن وقعت الإجارة على المدة كما في إجارة الأرض والدواب والعبد، أو على قطع المسافة كاستئجار الحمال والدابة، فإنه يجب إيفاء الأجر بحصة ما استوفى إذا كان لما استوفى حصة معلومة من الأجر ففي الدار يوفي أجر يوم فيوم، وفي قطع المسافة إذا سار من حلة من حلة يجب عليه حصة ما استوفى.(7/711)
-----
قال القدوري: وهو قول أبي يوسف ومحمد وفي الإجارة التي تنعقد على العمل ويبقى له أثر في العين، فإنه لا يجب عليه إلغاء الأجر إلا بعد إيفاء العمل كله وإن كان حصة ما استوفى معلومة إلا أن يكون يعمل الخياط والصباغ في بيت صاحب المال يكون الجواب فيه كالجواب في الحمال على قوله الأجر، يجب على المؤجر إيفاء الأجر بقدر ما استوفى من المنفعة إذا كان له حصة معلومة من الأجر كما في الحمال.
فوجه قوله الأول: أنه ثبت من أصلنا أن إيفاء الأجر لا يجب إلا بعد استيفاء المنفعة، والأصل أن إيفاء أحد البدلين في العقد إذا كان لا يجب إلا بعد استيفاء البدل الآخر، فإنه لا يجب إيفاء شيء منه إلا بعد وجود استيفاء جميع البدل، كما في باب البيع فإنه لما وجب تسليم البيع بناء على إيفاء الثمن لا يجب تسليم شيء من المبيع قبل إيفاء جميع الثمن كذا هاهنا.
وجه قوله الآخر: أن القياس في باب البيع أن يجب على البائع تسليم المبيع بقدر ما استوفى من الثمن، حتى يستويا في ملك التصرف لأن المعاوضة تقتضي التساوي في المسألتين جميعاً وقد استويا في ملك الرقبة فيجب أن يستويا في ملك التصرف، لا أنا تركنا هذا القياس في بيع العين لما فيه من معنى الرهن وهو حبس المبيع بالثمن، وحكم الرهن حبس الرهن بالدين، ومن حكم الرهن أن لا يجب على المرتهن تسليم شيء من الرهن ما لم يوجد إيفاء جميع الدين فتركنا هذا القياس في البيع لما فيه من معنى الرهن.
وهذا المعنى لا يتأتى في كل إجارة ليس للمؤاجر حق الحبس بعد الفراغ من العمل وبعد إيفاء المنفعة لأن معنى الرهن إنما يثبت بثبوت حق الحبس للمؤاجر فكل إجارة ليس للمؤاجر فيها حق الحبس، كانت العبرة الحقيقة القياس.(7/712)
-----
وحقيقة القياس أن يستويا في ملك الرقبة وإنما يستويا في ملك الرقبة إذا وجب إيفاء الأجر بقدر ما يستوفي من المنفعة كان القياس أن يجب إيفاء الأجر بقدر ما استوفى من المنفعة، وأن قل ذلك حتى يستويا لكن تركنا القياس في القليل لأنه لا يعرف حصته من الأجر، وفيما لا يعرف حصته من الأجر أخذنا بالقياس وفي كل إجارة للمؤاجر حق الحبس حتى يثبت فيه منفعة الرهن كان بمعنى البيع.
وفي باب البيع إذا وجب (14ب4) تسليم المبيع بناء على إيفاء الثمن يعين وجوب التسليم بإيفاء جميع الثمن، ولا يجب تسليم شيء منه بإيفاء بعض الثمن فكذا في إجارة البيت للأجير حق الحبس وإيفاء الأجر في الإجارة بناء على إيفاء العمل، فيعلق إيفاء الأجر بإيفاء جميع العمل ولم يجب بإيفاء البعض.
وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف: فيمن استأجر داراً يسكنها شهراً قال: لا يلزمه شيء من الأجر حتى يستكمل سكنى الشهر، وهو قياس ما لو استأجر حمالاً ليحمل له شيئاً من السوق إلى منزله فإنه لا يلزمه شيء من الأجر حتى تبلغ الحمولة إلى منزله، وكان القياس فيما إذا تكارى دابة إلى مكة بكذا، ولكن استحسن وقال: إذا سار نصف الطريق أو ثلثه لزمه التسليم بحساب ذلك.
قال القدوري: وهو قوله الآخر، وإذا شرط في عقد الإجارة تعجيل البدل وجب تعجيله، لأنه بدون الشرط إنما لا يجب تحقيقاً للتساوي، فإذا شرط التعجيل فقد أبطل التساوي، وإنه مما يقبل البطلان فيبطل.(7/713)
-----
ألا ترى أن في باب البيع وجب نقد الثمن قبل تسليم المبيع تحقيقاً للتساوي، ثم لو باع بثمن مؤجل يجب تسليم المبيع، لأنه أبطل التساوي، قال: وللمؤاجر حق حبس المنافع إلى أن يستوفي الأجر، لأن المنافع بمنزلة المبيع فكان له حبسها بما يقابلها من البدل كما في البيع، وله حق فسخ العقد إن لم يعجل، وكذا إذا عجل الأجرة من غير شرط ملكها؛ لأنه إذا عجل فقد أبطل ما يقتضيه مطلق العقد وذلك يحتمل البطلان، لأنه أثبت حقاً له وكما يجب الأجر باستيفاء المنافع يجب بالتمكن من استيفاء المنافع إذا كانت الإجارة صحيحة، حتى إن من استأجر داراً أو حانوتاً مدة معلومة ولم يسكن فيها في ذلك المدة مع تمكنه من ذلك يجب الأجر ولو لم يتمكن من السكنى بأن منعه المالك أو أجنبي لا تجب الإجارة.
وكذلك إذا أجر داراً وسلمها إليه فارغاً إلا بيتاً كان مشغولاً بمتاع الآجر أو سلم إليه جميع الدار ثم انتزع بيتاً منها من يده رفع عن الأجر حصة البيت ولكن يشترط التمكن من الاستيفاء في المدة التي ورد عليها العقد في المكان الذي أضيف إليه العقد، فأما إذا لم يتمكن من الاستيفاء أصلاً أو تمكن من الاستيفاء في المدة في غير المكان الذي أضيف إليه العقد، أو تمكن من الاستيفاء في المكان الذي أضيف العقد خارج المدة لا يجب الأجر.
حتى أن من استأجر دابة يوماً لأجل الركوب فحبسها المستأجر في منزله ولم يركبها حتى مضى اليوم، فإن استأجرها للركوب في المصر يجب عليه الأجر لتمكنه من الاستيفاء في المكان الذي أضيف إليه العقد لأن المكان الذي أضيف إليه العقد من المصر.(7/714)
-----
وإن استأجرها للركوب خارج المصر إلى مكان معلوم لا يجب الأجر إذا حبسها في المصر لعدم تمكنه من استيفاء المنافع في المكان الذي أضيف إليه العقد، لأن المكان الذي أضيف إليه العقد خارج المصر، ولا يتحقق التمكن خارج المصر من الركوب والدابة في بيته، فإن ذهب بالدابة إلى ذلك المكان في اليوم ولم يركب لا يجب الأجر لتمكنه من الاستيفاء في المكان الذي أضيف إليه العقد في المدة، وإن ذهب إلى ذلك المكان خارج المصر بعد مضي اليوم بالدابة ولم يركب لا يجب الأجر، وإن تمكن من الاستيفاء في المكان الذي أضيف إليه العقد لهذا إنه تمكن بعد مضي المدة.
في «النوازل»: إذا استأجر دابة إلى مكة فلم يركبها بل مشى راجلاً، فإن كان بغير عذر في الدابة فعليه الأجر، لأن المعقود عليه ممكن الاستيفاء، وإن لم يركبها لعلة في الدابة أو لمرض بها بحيث لم يقدر على الركوب لا أجر عليه.
وهكذا ذكر في «العيون» عن أبي يوسف، وفي «نوادر» هشام قال: سألت محمداً عمن اكترى محملاً ليركبه إلى مكة فخلفه في أهله من غير عذر ولم يركبه فلا أجر لعدم التمكن من استيفاء المنفعة في مكان الاستيفاء وهو ضامن للمحمل أن أصابة شيء، لأن صاحب المحمل لم يرض بإمساكه على وجه لا يجب به الأجر فيصير بإمساك المحمل في منزله مخالفاً عاصياً، وكذلك لو استأجر المحمل شهراً ليركبة إلى مكة فقد جمع في المسألة التالية بين الوقت وبين العمل وهو الركوب، ومع هذا بنى الحكم على العمل إذ لو بنى الحكم على الوقت لوجب الأجر هاهنا.
كما لو استأجر حلياً يزين به عروسه فأمسك الحلي ولم يزينها يجب الأجر، إنما فعل كذلك لأن الغالب في هذه الصورة أن يراد بهذا العمل وهو الركوب إلى مكة، هذا كله في الإجارة الصحيحة.(7/715)
-----
أما في الإجارة الفاسدة يشترط حقيقة استيفاء المنفعة لوجوب الأجر وبعدما وجد الاستيفاء حقيقة إنما يجب الأجر إذا وجد التسليم إلى المستأجر من جهة المؤاجر، أما إذا لم يوجد التسليم لا يجب الأجر.
بيانه فيما ذكر في «الجامع»: رجل اشترى من آخر عبداً فلم يقبضه حتى أجره من البائع شهراً كانت الإجارة باطلة، لأن الإجارة لتمليك المنفعة والمنفعة تابعة للعين، وتمليك العين قبل القبض من البائع باطل فكذا قليل المنافع التي هي مبيع، فإن استعمله البائع بحكم الإجارة لا يلزمه الأجر لأن في الإجارة الفاسدة إنما يجب الأجر باستيفاء المنافع إذا وجد التسليم إلى المستأجر، ولم يوجد ها هنا إذ ليس للمشتري آلة التسليم وهو اليد، إنما اليد للبائع والبائع لا يصلح نائباً عن المشتري في القبض لأن التسليم يستحق على البائع والشخص الواحد لا يصلح أن يكون مسلماً ومتسلماً، ولأن التسليم والقبض بمنزلة البيع إذا ملك التصرف يثبت به والواحد لا يصلح بائعاً ومشترياً، فكذلك لا يصلح قابضاً ومسلماً.
وفي «الفتاوى»: استأجر ثوباً ليلبسه كل يوم بدانق، فوضعه في بيته ولم يلبسه حتى مضى عليه سنون فعليه لكل يوم دانق ما دام في الوقت الذي يعلم أنه لو لبسه لكان لا خرق، لأنه أمكن أن يجعل منتفعاً بالثوب في ذلك الوقت، فإذا مضى وقت يعلم أنه لو كان لبسه لتخرق سقط عنه الأجر؛ لأن بعد مضي ذلك الوقت تعذر جعله منتفعاً به.
وروي عن محمد نحو هذا، وهو نظير المرأة إذا لم تستعمل الكسوة إنه إذا مضى من الوقت مقدار ما لو استعملتها استعمالاً معتاداً تخرقت الكسوة كان لها ولاية المطالبة بكسوة أخرى، وما لا فلا.
ومما يتصل بهذا الفصلحبس العين بالأجر(7/716)
-----
قال محمد رحمه الله: رجل دفع ثوباً ليصبغه بدرهم أو إلى قصار ليقصره فقصره أو صبغه، وقال: لا أعطيك حتى تعطيني الأجر فله ذلك، وقال: زفر ليس له ذلك. يجب أن يعلم أن كل صانع ليس بصنعه الوقاء ثم في العين كالحمال والملاح والغسال لا يكون له أن يحبس العبن بالأجر بالإجماع، وكل صانع لعلمه الرقائم في العين كالصباغ وما أشبهه إذا فرع من العمل فله أن يحبس العين بالأجر عند علمائنا الثلاثة رحمهم الله خلافاً لزفر.
من حجته في ذلك أن البيع وقع في يد المشتري برضا البائع فيبطل حقه في الحبس قياساً على ما لو عمل في بيت صاحب الثوب وقياساً على الملاح والمكاري، وإنما قلنا: أن المبيع وقع في يد المشتري لأن المبيع هنا إما أثر عمله في العين كما في الخياط، أو مال قائم الغسل بالثوب، لأن يد العامل على الثوب يد صاحب الثوب لأن العامل أمين في حق الثوب ويد الأمين يد صاحب المال كما في يد المودع.
وإنما قلنا: برضاه لأنه لما عمل مع علمه يقع في يد المشتري صار راضياً بوقوعه في يد المشتري، حجتنا أن المبيع وقع في يد المشتري بغير رضا البائع فلا يبطل حق البائع في الحبس كما في بيع إذا قبض المشتري المبيع بغير رضا البائع، فإنه لا يبطل حق البائع في الحبس وإن جعل في يد المشتري، لأنه حصل بغير رضاه.(7/717)
-----
بيانه إنه لا يمكنه الاحتراز عن وقوع عمله في يد الحافظ لأنه لا بد له من الحفظ حالة العمل، ويد الحافظ يد صاحب المال، وإذا لم يمكنه الاحتراز عن وقوع العمل في يد الحفظ كان مضطراً في ذلك، والرضا لا يثبت مع الاضطرار كصاحب العلو إذا بنى السفل، وليس كما لو عمل في بيت صاحب الثوب (15أ4) وذلك لأن المبيع هناك وقع في يد المشتري برضا البائع، وذلك لأن الثوب في يد صاحب الثوب حكماً لقيام يده على الدار، ويمكن للعامل أن يعمل على وجه لا يقع عمله في هذه اليد بأن يعمل في بيت نفسه، وإذا أمكنه الاحتراز عن إيقاع المبيع في هذه اليد فإن لم يحترز صار راضياً بذلك فيبطل حقه في الحبس، فأما ها هنا لا يمكنه الاحتراز على ما بينا فيكون مضطراً في إيقاع العمل في يد الحافظ، والاضطرار ينافي الرضا.
والاختلاف في هذه المسألة نظير الاختلاف في الوكيل إذا نقد الثمن من ماله وقبض المشترى كان له أن يحبس عن الموكل حتى يستوفي الثمن، وبنفس القبض وقع المبيع في يد الموكل، لأن يده يد الموكل قبل أحد أن الحبس ولم يبطل حقه في الحبس عندنا، لأنه مضطر في وقوع المشتري في هذا اليد لأنه لا يمكنه القبض على وجه لا يقع في يده فلم يبطله حقه في الحبس عندهم.
وبطل عند زفر كذلك هاهنا وليس كالحمال والمكاري، لأن المبيع هاهنا ليس بقائم لا من حيث الحقيقة ولا من حيث الاعتبار، من حيث الحقيقة فلا إشكال لأن المبيع حركات انقضت ومضت، ولا من حيث الاعتبار لأنه لم يبق لعمله أثر في العين حتى يقيم الأثر مقام العمل، وحق الحبس إنما يثبت في المبيع فلا بد من قيامه أما ها هنا بخلافه، وأما القصار إن كان يقصر بالنساسج أو كان ببياض البيض كان له حق الحبس لأنه اتصل بالثوب مال قائم كما في الصبغ.(7/718)
-----
فأما إذا كان يبيض الثوب لا غير اختلف المشايخ فيه منهم من قال: له حق الحبس لأن البياض الذي حدث في الثوب أثر عمله فيقوم مقام المبيع فيكون له حق الحبس كما في الخياطة، ومنهم من يقول: لا يكون له حق الحبس لأن البياض الذي حدث في الثوب غير مضاف إلى عمله، لأنه غير حادث بعمله بل البياض كان حاصلاً لكن كان استترا بالوزن فزال ذلك بعمله وظهر البياض الذي كان في الأصل، وإذ ثبت له حق الحبس بالأجرة عندنا لم يصر بالحبس متعدياً.
ففي العين عند أبي حنيفة أمانة في يده كما كان، فإذا هلك بغير صنعة لا يضمن شيئاً إلا أنه يسقط الأجر لأنه ملك العمل قبل التسليم، وهلاك المبيع قبل التسليم يوجب سقوط البدل كالمبيع العين إذا هلك في يد البائع.
وأما عند أبي يوسف ومحمد فالعين كان مضموناً على القصار والصباغ بسبب القصر إذا حصل الهلاك بأمر يمكن التحرز عنه فيبقى بعد الحبس مضموناً كما كان، فإذا هلك فلصاحبه الخيار إن شاء ضمنه غير معمول لأنه لم يصر مسلماً العمل فلا يستحق الأجر، وإن شاء ضمنه معمولاً لأن العين مضمون عندهما بالقيمة والعمل بيع للعين والبيع يوافق الأصل ولا يخالفه، فإذا كان الأصل مضموناً بالقيمة صار المبيع مضموناَ بالقيمة أيضاً.
فإن قيل: العمل بيع هلك في يد البائع بغير منعة والمبيع لا يتصور أن يكون مضموناً على البائع بالقيمة بحال ما لا عند الهلاك ولا عند الاستهلاك كما في العين، المبيع إذا هلك عند البائع أو استهلك البائع لا يضمن القيمة فلم جعلتم العمل المبيع هنا مضموناً بالقيمة؟.(7/719)
-----
قلنا: نحن ما جعلنا العمل مضموناً بالقيمة أصلاً ومقصوداً بل ضرورة وتبعاً للعين، ويجوز أن يثبت الحكم تبعاً لغيره ولا يثبت قصداً، وفي باب البيع لا ضرورة إلى جعله مضموناً بالقيمة، أما هاهنا بخلافه وإذا ضمنه قيمته معمولاً أعطاه الأجر لأن المبيع صار مسلماً تقديراً واعتباراً لوصول اليد إليه، ولو صار مسلماً حقيقة يعطيه الأجر كذلك هاهنا وهكذا الجواب أو أتلفه الأجر يخير صاحب الثوب، إن شاء ضمنه قيمته غير معمول ولا يعطيه الأجر، وإن شاء ضمنه قيمته معمولاً وأعطاه الأجر.
وفي «شرح القدوري»: وقال أبو يوسف في الحمال: إذا طلب الأجرة بعدما بلغ المنزل قبل أن يضعه ليس له ذلك، لأن حق المطالبة إنما يثبت بعد تمام العمل والوضع من تمام العمل فلا يثبت له حق المطالبة قبل الوضع.
ومما يتصل بمسائل الحبس
إذا استأجر الرجل من آجر داراً بدين كان للمستأجر على الأجر يجوز، وكذا لو استأجر عبداً بدين كان للمستأجر على الآجر يجوز، فإن فسخا الإجارة فأراد المستأجر أن يحبس المستأجر بالدين السابق كان له ذلك، ولو كانت الإجارة فاسدة وفسخا الإجارة بحكم فساد السبب فأراد المستأجر أن يحبس المستأجر بالدين السابق ليس له ذلك.(7/720)
والفرق بينهما: أن العقد لا يتعلق بالدين وإنما يتعلق بمثله، ولا تصير الأجرة مثل الدين إلا بشرط التعجيل فيضمن ذلك شرط التعجيل لتصير الأجرة مثل الدين، ووقعت المقاصة بينهما وصار الآجر قابضاً الأجر بطريق المقاصة فيعتبر بما لو استوفاه حقيقة، فأما في الإجارة الفاسدة مثل الدين لا يجب بنفس العقد لأن أكثر ما في الباب أن يجعل الأجرة مشروطة التعجيل، ولكن الأجرة لا تملك ولا تصير ديناً باشتراط التعجيل في الإجارة الفاسدة ما لم يوجد استيفاء المنفعة حقيقة، ومتى لم تصر ديناً لا تقع المقاصة فلا يصر الأجير مستوفياً الأجرة أصلاً بمقابلة تسليم العبد فلا يملك العبد به.(7/721)
-----
فإن مات الآجر والأجر دين عليه كان قبل العقد فهي الإجارة الجائزة لما ملك المستأجر حبس العبد كان أحق به من الأجر حال حياته فيكون أحق به من غرمائه بعد موته.
وفي الإجارة الفاسدة كما لم يملك الحبس لم يكن المستأجر أحق به من الأجر حال حياته فلا يكون أحق به من غرمائه بعد الموت، ولكن يكون أسوة لغرمائه.
ولو هلكت العين في يد الأجير من غير صنعة ومن غير أن يحبسه بالأجر، فإن كان لعمله أثر في العين كالحمال والمكاري لا يسقط الأجر، والفرق أن العمل الذي له أثر في العين بمنزلة العين المعقود عليه والبدل في مقابلته فصار كالمبيع يهلك قبل التسليم، أماما لا أثر له في العين ليس هناك عين معقود عليه، وإنما يصير الحمال يوماً المعقود عليه حالاً فحالاً فإذا انتهى إلى المكان المشروط فقد أوفى العمل بتمامه فلا يسقط أجره بهلاك العين بعد ذلك.
في «فتاوى أبي الليث»: نساج نسج ثوب رجل فذهب به إليه وطلب منه أن يقبض منه الثوب ويعطيه الأجر، فقال له صاحب الثوب: اذهب إلى منزلك حتى إذا رجعنا من الجمعة ضرب إلى منزلي ووفرت عليك الأجر فاختلس الثوب من يد النساج في الرجعة، قال: إن كان الحائك دفع الثوب إلى صاحب الثوب ولو ذهب به لم يكن الحائك يمنعه من ذلك، فإن دفع إلى الحائك على وجه الرهن هلك الثوب بالأجر كما هو حكم الرهن.
وإن دفع إليه على وجه الوديعة هلك على الأمانة والأجر على حاله، لأنه سلم العمل إلى صاحب الثوب فتقرر عليه الأجر، وإن كان في الابتداء أو أراد صاحب الثوب أن يذهب بالثوب لم يكن يدعه النساج ولذلك تركه صاحب الثوب عنده فقد اختلف العلماء فيه، قال بعضهم: يضمن، وقال بعضهم: لا وهي مسألة الأجير المشترك إذا هلكت العين في يده من غير صنعة.(7/722)
-----
وفي «المنتقى» : حائك عمل ثوباً لرجل فتعلق الآخر ليأخذه فأبى الحائك أن يدفعه حتى أخذ الأجر فتخرق من يد صاحبه لا ضمان على الحائك، وإن تخرق من يدهما فعلى الحائك نصف ضمان الخرق.
وفي (15ب4) القدوري: استأجر حمالاً ليحمل له حملاً إلى بلد فحمله، فقال له صاحبه: أمسكه عندك فامسكه فهلك لا ضمان عليه بلا خلاف لأنه ليس له حق الحبس، فإذا قال: امسكه كان أمانة في يده وهلاك الأمانة في يد الأمين لا يوجب الضمان عليه، ولو كان هذا قصاراً فأمره بإمساكه يعني ليوفر الأجر فهلك فهو على الاختلاف، وعلى قياس مسألة النساج يجب أن تكون هذه المسألة على التفصيل أيضاً.
الفصل الثالث: في الأوقات التي يقع عليها عقد الإجارة
إذا استأجر داراً شهراً بأجر معلوم أو استأجرها منه أو كل شهر، فابتداء المدة من حين العقد وهذا الجواب لا يشكل فيما إذا استأجرها كل شهر، لأن الإجارة تناول الأبد فلا بد وأن يدخل الشهر من حين وقع عقد الإجارة، وإنما يشكل ما إذا استأجرها شهراً واحداً فإنه عين الإجارة الشهر الذي يلي العقد، وهما سميا شهراً منكراً لا شهراً معيناً، فالجواب الشهر الذي يلي العقد يعين بدلالة الحال أو بمقتضى مطلق العقد.
أما بدلالة الحال فإن الظاهر من حال العاقل الذي أن يقصد بتصرفه الصحة، ولن تصح الإجارة أو لم يعين الشهر الذي يليها لأنه تكون الإجارة عل شهر لا بعينه.
وأما بمقتضى مطلق العقد يوجب حكمه للحال كبيع العين المطلق، وحكم الإجارة وقوع الملك للمستأجر في المنفعة، وإنما يقع الملك في منفعة الدار للحال إذا تعين الشهر الذي يلي الإجارة، وإذا تعين الذي يلي الإجارة ينظر إن وجدت الإجارة في الوقت الذي يهل فيه الهلال يعتبر الشهر بالهلال، لأن الهلال أصل في الشهر والأيام كالبدل، وقد أمكن اعتبار الأصل فلا يصار إلى البدل.(7/723)
-----
وإن وجدت الإجارة في وسط الشهر يعتبر الشهر بالأيام لأنه تعذر اعتبار الأصل فيعتبر البدل هذا إذا وقعت الإجارة على شهر واحد، وإن وقعت الإجارة على كل شهر وكان ذلك في وسط الشهر يعتبر الشهر الذي يلي العقد بالأيام، وكذلك كل شهر بعد ذلك بلا خلاف.
أما عند أبي حنيفة فلأن عنده العبرة بالأيام إذا أوقعت الإجارة في وسط الشهر، وإن كان أجر المدة وأولها معلومة بأن استأجرها أشهراً مسماة عشرة أو ما أشبه ذلك أو استأجرها سنة، فإذا لم يكن أجر المدة معلوماً أولى.h
وأما عند أبي يوسف ومحمد إنما يعتبر الشهر الأول بالأيام ويكمل من آخر المدة وما بعد ذلك بالهلال إذا كان آخر المدة معلوماً حتى أمكن إكمال الأول بأجره وهاهنا آخر المدة مجهولة فلا يمكن إكمال الأول بالآخر فيجب إكماله من الشهر الثاني.
وإن وقعت الإجارة على اثني عشر شهراً أو ما أشبه ذلك من الأشهر المسماة وكانت الإجارة في وسط الشهر، فعلى قول أبي حنيفة تعتبر جميع الأشهر بالأيام، وعلى قول أبي يوسف ومحمد يعتبر الشهر الأول بالأيام ويكمل من الشهر الأخير وباقي الشهور بالأهلّة.
فوجه قولهما أن في الشهر الأول والآخر اعتبار ما هو الأصل، وهو الهلال غير ممكن فلا يعتبر، وفيما عدا ذلك أمكن اعتبار الأصل فيعتبر.
وأبو حنيفة قال: كالعذر اعتبار الهلال في الشهر الأول تعذر اعتباره في الشهر الثاني والثالث، لأن الشهر الأول يجب إكماله من الشهر الثاني لأنه متصل به، وإذا وجب إكمال الشهر الأول من الشهر الثاني انتقص الشهر الثاني فيجب إكماله من الشهر الثالث، لأنه متصل به وثم وثم إلى آخر المدة، فقد تعذر اعتبار الهلال في جميع المدة فيعتبر بالأيام.
روى الحسن بن زياد عن أبي يوسف: في رجل استأجر منزلاً كل شهر بثلاثة دراهم مثلاً، قال: في قياس قولي الإجارة فاسدة لكني استحسن إن أجرها في أول شهر، فأما فيما عداه فلكل واحد منهما أن يفسخه.(7/724)
-----
قال الحاكم أبو الفضل: أراد بقوله: في قياس قولي القياس على ما إذا اشترى كل قفيز من هذا الطعام بدرهم، فإنه على جميع الطعام عندهما وعمل كلمة كل في الشمول والإحاطة.
فالقياس: أن يعمل كلمة كل منهما في الشمول والإحاطة ويتناول جميع الشهور، إلا أنها لو تناولت جميع الشهور فسد العقد، لأن جميع الشهور محمولة ولكن استحسن، وقال: يجوز العقد في الشهر الأول نصف اللزوم، لأنه لا جهالة فيه ولا مزاحم له، وفيما عدا ذلك يثبت العقد بطريق الإضافة، وفي العقد المضاف لكل واحد من المتعاقدين فسخ العقد، فإذا لم يفسخ حتى دخل الشهر الثاني لزم العقد فيه.
وفي «الأصل»: إذا استأجر الرجل من آخر داراً كل شهرة بعشرة دراهم، فإن أبا حنيفة قال: هذا جائز ولكل واحد منهما أن ينقض الإجارة في رأس الشهر فإن سكن يوماً أو يومين لزمه الإجارة في الشهر الثاني: واختلفت عبارة المشايخ في تخريج المسألة بعضهم قالوا: أراد بقوله جائز أن الإجارة في الشهر الأول جائزة فأما فيما عدا ذلك من الشهور فالإجارة فاسدة لجهالة المدة، إلا أنه إذا جاء الشهر الثاني ولم يفسخ كل واحد منهما الإجارة في رأس الشهر جازت الإجارة في الشهر الثاني، لأن الشهر الثاني صار كالشهر الأول.
وبعضهم قالوا: لا بل الإجارة جائزة في الشهر الثاني والثالث كما جازت في الشهر الأول، وإطلاق محمد رحمه الله في «الكتاب»: يدل عليه، وإنما جازت الإجارة فيما وراء الشهر الأول، وإن كانت المدة مجهولة لتعامل الناس من غير نكير منكر، وإنما يثبت الخيار لكل واحد منهما رأس الشهر كل شهر، وإن كانت الإجارة جائزة فيما زاد على الشهر الأول لنوع ضرورة.
وبيانها: أن موضوع الإجارة أن لا يزيل الرقبة عن ملك المؤجر ولا يجعلها ملكاً للمستأجر، ومتى لم يثبت الخيار لكل واحد منهما رأس الشهر لزوال رقبة المستأجر عن ملك المؤجر، يعني لأنه لا يملك سكناها ولا بيعها ولا هبتها أبد الدهر لأنه لا نهاية لحد الشهور.(7/725)
-----
وهذا لا يجوز فلهذه الضرورة يثبت لكل واحد منهما الخيار بين الفسخ والمضي في رأس كل شهر، وإن كانت الإجارة جائزة في الشهر فيما زاد على الشهر وكان ينبغي أن يثبت هذا الخيار في كل ساعة ليزول المعنى الذي ذكرنا إلا أنا لو أثبتنا ذلك لا تفيد الإجارة فائدتها لأن كل واحد من المتعاقدين يمتنع عن الإجارة مخافة الفسخ فلهذه الضرورة تأخر الفسخ إلى رأس الشهر، لأنه بهذا القدر تصير الإجارة منعقدة وليس ما وراء الشهر من الأوقات بعد ذلك بعضها بأولى من البعض فيثبت الخيار رأس كل شهر لهذه الضرورة.
والثابت ضرورة والثابت شرطاً سواء، ولو شرطا الخيار رأس كل شهر تأخر الفسخ إلى رأس كل شهر كذا هنا إلا أن المشايخ بعد هذا اختلفوا في كيفية إمكان الفسخ لكل واحد منهما رأس كل شهر.
وإنما اختلفوا لأن رأس الشهر في الحقيقة عبارة عن الساعة التي يهل فيها الهلال فكما أهل الهلال مضى رأس الشهر فلا يمكن الفسخ بعد ذلك لمضي وقت الخيار، وقبل ذلك لا يمكنه الفسخ لأنه لم يجيء وقته.
والصحيح في هذا أحد الطرق الثلاثة إما أن يقول: الذي يريد الفسخ قبل مضي المدة فسخت الإجارة فيتوقف هذا الفسخ إلى انقضاء الشهر فإذا انقضى الشهر وأهل الهلال عمل الفسخ عمله ونفذ، لأنه لم يجد نفاذاً في وقته يتوقف إلى وقت نفاذه، وبه كان يقول أبو نصر محمد بن محمد بن سلام البلخي.
ونظير هذا ما قال (16أ4) محمد رحمه الله في البيوع: اشترى عبداً على أنه بالخيار فحم العبد وفسخ المشتري العقد بحكم الخيار لم ينفذ هذا الفسخ بل يتوقف إلى أن تزول الحمى في مدة الخيار.(7/726)
-----
وقال في المضاربة: رب المال إذا فسخ المضاربة وقد صار مال المضاربة عروضاً لم ينفد الفسخ للحال بل يتوقف إلى أن يصير مال المضاربة دراهم أو دنانير فينفذ الفسخ كذا هنا، أو يقول الذي يريد الفسخ في خلال الشهر فسخت العقد رأس الشهر فينفسخ العقد إذا أهل الهلال، ويكون هذا فسخاً مضافاً إلى رأس الشهر وعقد الإجارة يصح مضافاً، فكذا فسخه يصح مضافاً، أو يفسخ الذي يريد الفسخ في الليلة التي يهل فيها الهلال ويومها.
وهذا القائل يقول: لم يرد محمد رحمه الله بقوله لكل واحد منهما أن ينقض الإجارة رأس الشهر من حيث الحقيقة، وهو الساعة التي يهل فيها الهلال فإنما أراد به رأس الشهر من حيث العرف والعادة وهي الليلة التي يهل فيها الهلال ويومها.
وهذا كما قال محمد رحمه الله في كتاب الإيمان: إذا حلف الرجل ليقضين حق فلان رأس الشهر فقضاه في الليلة التي يهل فيها الهلال أو في يومها لم يحنث استحساناً.
وفي القدوري يقول: غرة الشهر ورأس الشهر أول ليلة ويومها، ثم إذا كان لكل واحد منهما أن يفسخ الإجارة رأس الشهر إذا فسخ أحدهما الإجارة من غير محضر من صاحبه هل يصح.
من مشايخنا من قال: إنه على الخلاف على قول أبي حنيفة ومحمد لا يصح، وعلى قول أبي يوسف يصح، وهذا لأن الخيار ثبت لكل واحد منهما رأس الشهر لنوع ضرورة والثابت ضرورة والثابت شرطاً سواء ولو كان الخيار مشروطاً لكل واحد منهما كانت المسألة على الخلاف كذا هاهنا.(7/727)
-----
ومنهم من قال: لا يصح الفسخ ها هنا إلا بمحضر من صاحبه بلا خلاف، والفرق لأبي يوسف أن المشروط له الخيار إنما ملك الفسخ بغير محضر من صاحبه، لأنه مسلط على الفسخ من جهة لأن الخيار مشروط للفسخ والمسلط على التصرف يملك التصرف من غير محضر من المسلط كالوكيل بالبيع، فأما في مسألتنا كل واحد منهما غير مسلط على الفسخ من جهة صاحبه، وإنما هو مسلط على الانتفاع وإنما يثبت الخيار لنوع عذر فكان بمنزلة ما لو ثبث الخيار بسائر الأعذار، وفي ذلك لا يصح الفسخ إلا بمحضر من صاحبه كذا فهنا.
وفي «شروط الحاكم أحمد السمرقندي» رحمه الله: أن أحد المتعاقدين في باب الإجارة إذا فسخ العقد في مدة الخيار يصح فسخه سواء كان بحضرة صاحبه أو بغيبة صاحبه، ولم يذكر فيه خلافاً.
وإذا استأجر داراً سنة كل شهر بكذا فليس لواحد منهما فسخ الإجارة قبل إكمال السنة بغير عذر، لأن الإجارة ها هنا وقعت على جميع السنة وذكر كل شهر لتقسيم الأجر على الشهور لا لتجدد انعقاد العقد رأس كل شهر.
وفي «شروط الحاكم أحمد السمر قندي»: إذا استأجر داراً كل شهر بكذا، فعجل أجرة شهرين أو ثلاثة وقبض الآجر ذلك لا يكون لأحدهما ولاية الفسخ بقدر ما عجل، وكان التعجيل منهما دلالة العقد في الشهر الثاني والثالث.
قال في «الأصل» : وإذا استأجر عبداً ليخدمه كل شهر بكذا كان له أن يستخدمه من السحر إلى ما بعد عشاء الآخرة، والقياس أن يستخدمه آناء الليل والنهار لأن الشهر اسم للكل إلا أن ما بعد العشاء الآخرة إلى السحر صار مبيتاً بحكم العرف، فإن العرف فيما بين الناس أنهم لا يستخدمون المماليك بعد العشاء الآخرة إلى السحر والمعروف كالمشروط.
وقال أيضاً: رجل تكارى رجلاً يوماً إلى الليل بعمل معلوم فإن على الأجير أن يعمل بعد صلاة الغداة إلى غروب الشمس، والقياس أن يعمل من وقت طلوع الفجر الثاني إلى ما بعد صلاة الغداة صار منهياً عن الإجارة عرفاً والمعروف كالمشروط.(7/728)
-----
قال محمد رحمه الله: والعمال بالكوفة إنما يعملون إلى العصر وليس لهم ذلك لأن اسم اليوم ينطلق على هذا الزمان من حين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، إلا أن ما بعد طلوع الفجر إلى ما بعد صلاة الغداة صار مثبتاً عن الإجارة يعرف غالباً، لأن الأجراء لا يعملون قبل صلاة الغداة، وليس فيما بعد العصر عرف غالب، فإن بعض الأجراء يعملون إلى العصر وبعضهم إلى غروب الشمس وليس أحد الوجهين بأغلب من الآخر، وتخصيص الاسم إنما يجوز بعرف غالب.
قال أيضاً: وإذا تكارى دابة من الغدوة إلى العشي يردها بعد زوال الشمس ينتهي الإجارة بهما، لأنه كما زالت الشمس فقد دخل أول وقت العشاء عرفاً وشرعاً، أما شرعاً فلما روى أبو هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بنا إحدى صلاتي العشاء أما الظهر وأما العصر.
وأما عرفاً فإن مخاطبات الناس تعتبر بعد زوال الشمس يقولون قبل الزوال: كيف أصبحت، ويقولون بعد الزوال: كيف أمسيت فثبت أن بعد زوال الشمس يدخل أول وقت العشاء والإجارة تنتهي بدخول أول جزء من الغاية.
قالوا: وهذا في عرفهم أما في عرفنا الإجارة لا تنتهي بزوال الشمس وإنما تنتهي بغروب الشمس؛ لأن اسم العشاء في عرفنا إنما ينطلق على ما بعد غروب الشمس، وكذلك إذا قال بالفارسية: ابن خر نمر ذكر فتم بإشباعها فهذا إلى غروب الشمس في عرفنا.
قال: إذا تكارى دابة يوماً ليركبها، فإنه يركبها من حين طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس عملاً بحقيقة اسم اليوم، وإنما تركنا العمل بحقيقة هذا الاسم فيما إذا استأجر رجلاً يوماً ليعمل له عمل كذا.(7/729)
-----
وقلنا: إن على الأجير أن يعمل بعد صلاة الفجر بحكم العرف الغالب على ما مر، والعرف في الدابة بخلاف ذلك فإن الناس يركبون الدواب في عاداتهم بغلس ليصلوا إلى مقصدهم قبل الليل فيعمل فيها بحقيقة الاسم. وإن استأجر دابة ليلاً فإنه يركبها عند غروب الشمس إلى أن يطلع الفجر، لأن الليل في عرف لسان الشرع واللغة اسم لما بعد غروب الشمس إلى أن يطلع الفجر، فكأنه نص على ذلك ولو نص على ذلك كان الجواب كما قلنا فهاهنا كذلك.
وفي «فتاوى أبي الليث» : أعطى رجلاً درهمين ليعمل له يومين فعمل له يوماً واحداً وامتنع عن العمل في اليوم الثاني، فإن كان سمى له عملاً فالإجارة جائزة ويجبر على العمل، وإن لم يعمل حتى مضى اليوم الثاني لا يطالب بالعمل، وإن كان سمى له العمل إلا أنه قال: يومين من الأيام فالإجارة فاسدة لجهالة الوقت وله أجر مثله إن عمل.
وفي «فتاوى الفضل»: إذا استأجر رجلاً يوماً لعمل كذا فعليه أن يعمل ذلك العمل إلى تمام المدة، ولا يشتغل بشيء آخر سوى المكتوبة.
وفي «فتاوي أهل سمرقند»: وقد قال بعض مشايخنا: إن له أن يؤدي السنة أيضاً، واتفقوا أنه لا يبتد نفلاً وعليه الفتوى، وفي غريب الرواية قال أبو علي الدقاق رحمه الله: المستأجر لا يمنع الأجير في المصر من إتيان الجمعة ويسقط من الأجر بقدر اشتغاله بذلك إن كان بعيداً، وإن كان قريباً لم يحط عنه شيء من الأجر، فإن كان بعيداً فاشتغل قدر ربع النهار حط عنه ربع الأجر، وإن قال الأجير حط من الربع مقدار اشتعاله بالصلاة لم يكن له ذلك، ثم قال: تحتمل أن يتحمل من الربع مقدار اشتغاله بالصلاة.
(7/730)
الفصل الرابع: في تصرف المؤجر في الأجرة
-----
إذا أبرأ المؤاجر المستأجر من الأجرة أو وهبها منه أو تصدق بها عليه، وكان ذلك قبل استيفاء المنفعة ولم يشترط تعجيل الأجرة في العقد لم يجز في قول أبي يوسف، عيناً كانت الأجرة أو ديناً والإجارة على حالها لا تنفسخ.
وقال محمد رحمه الله: إن كانت الأجرة ديناً جاز ذلك قبل المستأجر أو لم (16ب4) يقبل ولا تنتقض الإجارة، وإن كانت عيناً فوهبها منه، فإن قبل الهبة تبطل الإجارة، وإن رد لم تبطل الإجارة، وعادت الأجرة على حالها.
فأبو يوسف رحمه الله يقول: الابراء إسقاط الواجب، فيعتمد سابقة الوجوب، والهبة تمليك، فيعتمد سابقة الملك، ولا وجوب ولا ملك بدون استيفاء المنفعة واشتراط التعجيل، وإذا لم يصح تصرفه بقيت الأجرة على حالها فلا تنتقض الإجارة، بخلاف المشتري إذا وهب المبيع من البائع قبل القبض وقبله البائع حيث يبطل البيع؛ لأن هناك الهبة قد صحت لصدورها من المالك ويده من جنس القبض المستحق بالهبة فثبت الملك، وإذا ثبت الملك فإن القبض المستحق بالعقد فيبطل العقد.
ومحمد رحمه الله يقول: سبب الوجوب ثابت فأقيم مقام الوجوب في حق صحة التصرف، ثم إن محمداً رحمه الله لم يشترط القبول في الإبراء والهبة إذا كانت الأجرة ديناً، ويشترط القبول في الهبة إذا كانت الأجرة عيناً.
والفرق: أن الإبراء والهبة في الدين إسقاط فيه معنى التمليك، فمن حيث إنه إسقاط لم يتوقف على القبول، ومن حيث إنه تمليك يريد به الرد والهبة في العين تمليك محض والتمليك المحض لا يعمل بدون القبول، ثم إذا قبل الهبة وكانت الأجرة عيناً بطلت الإجارة عند محمد؛ لأن عقد الإجارة ينعقد موقوفاً في حق المحل على حسب حدوث المنفعة، فمتى كانت الأجرة عيناً، ووهبها من المستأجر، وقبل المستأجر لا يمكن القول ببقاء التوقف في حق المحل فصار ذلك مناقضة، فبطلت الإجارة ضرورة.(7/731)
-----
وإذا كانت الأجرة ديناً ووهبها له أو أبرأه منها وقبل المستأجر ذلك أو لم يقبل لا تبطل الإجارة، لأن الحكم ببقاء الإجارة ممكن هناك؛ لأن محل الأجرة إذا كانت ديناً في الذمة، وذمته باقية فيقام قيام محل الأجرة مقام قيام الأجرة إبقاء للعقد بقدر الممكن، ولو وهبت بعض الأجرة أو أبرأ عن بعض الأجرة جاز بلا خلاف، أما على قول محمد فظاهر، وأما على قول أبي يوسف فلأنه يعتبر هذا خطأ، ويجعل كأن العقد من الابتداء ورد على ما بقي خاصة، ولا كذلك هبة الكل.
وإن كانت هذه التصرفات من المؤاجر بعد استيفاء المنفعة أو بعد اشتراط التعجيل جازت بلا خلاف، لأن بعد استيفاء المنفعة، أو بعد اشتراط التعجيل ثبت الوجوب وثبت الملك، فيصح الإسقاط والتمليك على قول أبي يوسف رحمه الله.
ذكر الحاكم الشهيد في «المنتقى»: رجل أجر أرضه من رجل بدراهم معلومة وقبض الأجرة، فلم يزرع المستأجر حتى وهب الآجر الأجر للمستأجر ودفعه إليه، ثم انتقضت الإجارة بوجه من الوجوه، فإن للمستأجر أن يرجع على الآجر بما أعطاه الأجر إلا حصة ما مضى من السنة والأرض في يد المستأجر، ولو كان وهب له قبل القبض لم يرجع بشيء، وإذا تصارف الآجر والمستأجر بالأجرة فأخد بالدراهم دنانير، فإن كان ذلك بعد استيفاء المنفعة أو كانا شرطا التعجيل في الأجرة حتى وجبت الأجرة جازت المصارفة إجماعاً، وإن كان قبل استيفاء المنفعة ولم يشترطا التعجيل فالمسألة على الخلاف، على قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد يجوز، وعلى قول أبي يوسف الآخر لا يجوز، وهذا إذا كانت الأجرة ديناً.
فأما إذا كانت الأجرة عيناً فإن كانت بقرة بعينها فأعطاه المستأجر مكانها دنانير لا يجوز سواء كان قبل استيفاء المنفعة أو بعدها، وسواء كان قبل اشتراط التعجيل أو بعده.(7/732)
وجه قوله الأول وهو قول محمد: أن هذه مصارفة بدين واجب حالة المصارفة، وإنه ما يجوز الاستبدال به فيجوز كما بعد استيفاء المنفعة.(7/733)
-----
بيانه: أن المقصود من إضافه الشراء إلى الأجرة وقوع المقاصة من الأجرة وبدل الصرف لا الاستحقاق بعينه، ولن تثبت هذه المقاصة من الأجرة وبدل الصرف إلا بعد اشتراط التعجيل في الأجرة قبل الصرف؛ لأن المقاصة بدل الصرف بدين وجب حكماً بعد عقد الصرف لا يجوز.
ألا ترى أن من اشترى ديناراً بعشرة دراهم، ثم إن مشتري الدينار باع من بائع الدينار ثوباً بعشرة دراهم لا تقع المقاصة بين ثمن الثوب وبين بدل الدينار تقاصا أو لم يتقاصا، لأنه دين وجب بعد عقد الصرف، وإذا كان هكذا اقتضت هذه الإضافة اشتراط التعجيل قبل عقد الصرف، فكأنهما اشتراطا التعجيل قبل الصرف ثم تصارفا بخلاف ما إذا كانت الأجرة عيناً؛ لأن أكثر ما في أن يثبت اشتراط التعجيل هناك مقتضى عقد الصرف مع هذا لا تجوز المصارفة؛ لأن الأجرة إذا كانت عيناً كانت مبيعاً، فيصير المستأجر بهذه المقاصة مستبدلاً بالبيع قبل القبض، وإنه لا يجوز، أما إذا كانت الأجرة دنياً في الذمة فالاستبدال به قبل القبض جائز.
وجه قول أبي يوسف الآخر: أن هذه مصارفة بدين غير واجب حالة المصارفة؛ لأن الأجرة غير واجبة قبل استيفاء المنفعة وقبل اشتراط التعجيل، وأما ما قال محمد: بأن هذه الإضافة تضمنت اشتراط التعجيل، قلنا: غير المنصوص إنما يجعل منصوصاً لتصحيح أصل لا لإبقاء التصرف على الصحة وهذا لأن لا لإيفاء التصرف على الصحة؛ وهذا لأن جعل غير المنصوص منصوصاً خلاف الحقيقة، وخلاف الحقيقة لا يصار إليه إلا في وضع ورود الاستعمال، والاستعمال ورد في تصحيح أصل التصرف لا في إيفاء التصرف على الصحة.
(7/734)
-----
والفقه في ذلك: أن البقاء بيع الأصل والمقتضي يثبت بيعاً فلو أثبت المقتضى لإبقاء العقد على الصحة فقد جعلنا البيع وهو البقاء أصلاً وإنه لا يجوز، إذا قلت هذا فقول المصارفة بالإجارة صحيحة من غير اشتراط التعجيل، وإن لم تكن الأجرة واجبة إذا نفذ ما شرط من الأجرة، وإذا لم ينفذ يبطل العقد بعد الصحة، فلو أثبتنا اشتراط التعجيل، فإنما نثبته بمقتضى بقاء التصرف على الصحة لا يقتضي تصحيح أصل الصرف، وإنه لا يجوز.
فرّع محمد في «الأصل» على مسألة المصارفة فقال إذا وقعت المصارفة بالأجر على نحو ما ذكرنا وقد عقد عقد الإجارة على حمل شيء بعينه بعشرة دراهم، فمات قبل أن يكمل شيئاً أو بعد ما سار نصف الطريق وأجاب بأنه ترد الأجرة كلها على المستأجر إن لم يكن حمل شيئاً وإن سار نصف الطريق رد عليه بنصف الأجر، وذلك جملة دراهم، وهذا التفريع إنما يتأتى على قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد؛ لأنه على هذا القول صح الصرف ووقعت المصارفة بين الأجرة وبدل الصرف، وصار المستأجر موقناً الأجر بالمقاصة فيعتبر بما لو أوفاه باليد ثم انتقضت الإجارة، وهناك يرد الأجر كله على المستأجر إن كان الحمال لم يحمل شيئاً ونصف الأجر إن حمل نصف الطريق كذا هاهنا.
أما على قوله الآخر الصرف لم يصح ولم تقع المقاصة، ولم يصر الأجر موقعاً الأجر، فإن مات الحمال قبل أن يحمل شيئاً كان على ورثة الحمال رد الدينار على المستأجر، لأن الحمال قبضه بحكم صرف فاسد، ولا شيء لورثة الحمال من الأجر، وإن مات في نصف الطريق فإن ورثة الحمال قد أوفاه نصف العمل.
وفي «نوادر أبي سليمان» عن محمد: رجل أجر أرضه من رجل بألف درهم (17أ4) وقبضها وزرعها أو لم يزرعها فلم تمض السنة حتى أخذ رب الأرض من المستأجر خمسين ديناراً من الأجرة فهو جائز.(7/735)
-----
علل فقال: لأن الإجارة كان أصلها صحيحاً فإن انتقضت الإجارة في شيء من السنة ردت الأرض على المستأجر من الدراهم التي أجرتها الأرض بقدر ما بقي من السنة، ولم يرد من الدينار شيئاً.
علل فقال: لأن أصل الصرف كان صحيحاً ووجه ذلك: أن بسبب هذه المصارفة وقعت المقاصة بين الأجر وبين ثمن الدنانير، وصار المستأجر موقتاً الدراهم التي هي أجرة بالدراهم التي هي بدل الدنانير فيعتبر بما لو أوفاها حقيقة، وهناك إذا انقضت الإجارة في شيء من السنة يلزم الآجر رد بعض الدراهم فهاهنا كذلك، وهذا التفريع إنما يتأتى على قول محمد وأبي يوسف الأول، أما لا يتأتى على قوله الأخر هذه المصارفة لم تصح ولا حكم لها أصلاً.
وإذا باع بالأجر ثوباً أو طعاماً كان ذلك قبل استيفاء المنفعة وقبل اشتراط التعجيل جاز البيع، لأن البيع بدين ليس بواجب في الحال ولا يجب في الثاني جائز، بأن باع بدين مظنون شيئاً ثم تصادقا على أنه لا دين فإنه يصح البيع، فلأن يصح البيع بالأجرة وإنها تجب في الثاني إن لم تجب في الحال أولى؛ وهذا لأنه ليس المقصود من إضافة البيع إلى الدين وإلى الأجرة استحقاق عينها وإنما المقصود المقاصة من الأجر ومن الثمن متعلق القدر بمثل الأجرة ديناً في الذمة.d
وتقع المقاصة بين الأجر والثمن بعد هذا اختلف المشايخ في كيفية وقوع المقاصة، قال بعضهم: يقع الشراء بثمن مؤجل بسبب تأجيل الأجر، فإذا وجب الأجر وحل الإتيان تقاصا.
وقال بعضهم: يقع الشراء بثمن حال ويثبت اشتراط تعجيل الأجر من جانب المستأجر للحال فتقع المقاصة بينهما للحال لا في الثاني.
وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا انتقضت الإجارة وبقي الشراء فمن يقول: الشراء يقع بثمن مؤجل لا يكون للمستأجر مطالبة الأجير بالثمن للحال، ومن يقول الشراء يقع بثمن حال يقول: للمستأجر حق مطالبة الأجير بالثمن للحال.(7/736)
-----
وجه القول الأول: أن إضافة الشراء إلى الدين إذا كان دراهم إن لم تكن معتبرة لاستحقاق المضاف إليه بعينه فهو معتبر لتقدير الثمن به قدراً وصفاً، ألا ترى أنه لو أضاف الشراء إلى دراهم عين تعتبر الإضافة لتقدير الثمن به قدراً وصفة، فكذا هاهنا.
قلنا: والمضاف إليه الشراء فهو الأجرة في معنى المؤجل فثبت صفة التأجيل في الثمن ثم تقع المقاصة إذا حل الدينار.
وجه القول الأخر: أنا لو اعتبرنا هذه في إثبات صفة الأجل يفسد الشراء؛ لأنه يصير مشترياً بثمن يجب في الثاني لا في الحال؛ لأن الأجرة لا تحب في الحال، إنما تجب في الثاني، والشراء بمثل هذا الثمن لا يجوز فتركنا العمل بحقيقة هذه الإضافة، واعتبرنا الإضافة لوقوع المقاصة بينهما للحال بأن يقع الشراء بثمن حال، وثبت اشتراط تعجيل الأجر حتى يجب الأجر للحال، فإن الأجر يجب باشتراط التعجيل بعد الحكم.
وإذا أمكننا تصحيح الإضافة على هذا الوجه وفيه جواز العقد اعتبرنا هكذا.
قال: فإن أوفاه الحمل والشرط يسلم له ذلك، وإن لم يوفه ذلك لموت حدث أو غير ذلك من عذر فإن المستأجر يرجع على المؤاجر بالدراهم، ولا يرجع بالقرض لأن القرض صار ملكاً للمؤاجر بالشراء والشراء لم ينفسخ بانفساخ الإجارة؛ لأن الشراء ما كان متعلقاً بعين الأجر حتى ينفسخ بسقوط الأجر.
وإذا بقى الشراء صحيحاً بعد انفساخ الإجارة لا يكون للمستأجر على المقرض سبيل كما قبل انفساخ الإجارة، ويرجع المستأجر على ورثته بالدراهم لأن المستأجر أوفاه الأجر حكماً للمقاصة فيعتبر بما أوفاه حقيقة هناك لو انتقضت الإجارة قبل إيفاء العمل كان للمستأجر حق الرجوع بالأجر كذا هاهنا.
ولو أخذ بالأجرة رهناً أو كفيلاً جاز في قولهم جميعاً، أما على قول محمد: فظاهر، وأما على قول أبي يوسف: فلأن الرهن والكفالة وثيقتان وملائم هذا الدين كما لو رهن بالثمن في البيع المشروط فيها الخيار.(7/737)
-----
قال محمد رحمه الله: وإذا استأجر الرجل داراً بثوب بعينه وسكنها فليس لرب الدار أن يبيع الثوب قبل أن يقبضه، لا من المستأجر ولا من غيره لأنه بمنزلة المبيع، ألا ترى أنه لو هلك قبل أن يدفعا إلى رب الدار انتقضت الإجارة وكان على المستأجر أجر مثلها، وبيع المبيع المنقول قبل القبض لا يجوز.
وكذلك كل شيء يتعين بالتعيين، كالعروض والحيوان وغيره، وإن كانت الأجرة شيئاً من المكيل أو الموزون بغير عينه موصوفاً فلا بأس بأن يبيعه قبل أن يقبضه، لأنه ثمن وهذا إذا وجب بالاستيفاء أو باشتراط التعجيل، وإن اشترى به منه شيئاً بعينه جاز، قبض ذلك في ذلك المجلس أو لم يقبض، وإن اشترى به منه شيئاً بغير عينه لا بد وإن قبض ذلك الشيء في المجلس حتى لا يقع الافتراق عن دين بدين.
وإذا استأجر الرجل داراً بعبد بعينه منه وأعتق رب الدار العبد قبل أن يقبض العبد من المستأجر، وقبل أن يسلم الدار إلى المستأجر فعتقه باطلاً؛ لأنه لا ملك له في العبد لا ملكاً تاماً ولا ملكاً موقوفاً بناءً على ما قلنا: أن الأجرة لا تملك إلا باستيفاء المنافع أو بالتعجيل أو باشتراط التعجيل، ولم يوجد شيء من ذلك هاهنا وإن كان رب الدار قد قبض العبد إلا أنه لم يسلم الدار إلى المستأجر بعد حتى اعتق العبد جاز إعتاقه، لأنه ملك العبد بالتعجيل، فالأجرة تملك بالتعجيل فقد أعتق ملك نفسه فينفذ، فإن انهدمت قبل أن يقبضها المستأجر أو عرفت أو استحقت فعلى المعتق قيمة العبد كله؛ لأن المنزل لم يسلم للمستأجر، فيجب على رب الدار رد البدل وهو العبد، وتعذر رده صورة لسبب العتق فيجب رده معنى برد القيمة، وهذا وبيع العين في هذا الحكم على السواء.
ومن باع عبداً بثوب وأعتق مشتري العبد العبد وملك الثوب قبل التسليم يجب على معتق العبد رد قيمة العبد وطريقه ما قلنا، ولو سكن المستأجر الدار شهراً وهلك العبد بعد ذلك في يد المستأجر قبل التسليم إلى رب الدار.(7/738)
(7/739)
-----
قال: على المستأجر أجر مثل الدار يعني بحصة الشهر؛ لأن أحد البدلين هلك قبل القبض وهو عين، والبدل الأجر، وهو القيمة قائمة؛ لأنه يجب قيمته على المستأجر رد ما قبض من المنافع بحكم فساد العقد، وتعذر رد عينها فيجب رد قيمتها وقيمة المنافع أجر المثل إلا أنه يجب أجر المثل هاهنا بالغاً ما بلغ حتى إذا كان أجر المثل أكثر مما يخص الشهر من قيمة العبد يجب ذلك كله بخلاف ما إذا كانت الإجارة فاسدة من الابتداء، فإنه لا يراد أجر المثل على ما يخص الشهر من قيمة العبد.
والفرق: أن المنافع إنما تتقوم بالعقد، وفي مسألتنا الاستيفاء في الشهر حصل بحكم عقد جائز من كل نوع؛ لأن العقد كان جائزاً حالة الاستيفاء في الشهر، وإنما فسد من بعد، فصار المستوفى متقوماً من كل وجه، فصار ملحقاً بالعين، ومتى وجب رد العين بسبب الفساد وتعذر رد عينه يجب رد قيمته بالغة ما بلغت، فأما إذا كان العقد فاسداً (17ب4) من الابتداء فالعقد وجد من وجه دون وجه، فإنه وجد بأصله لا بوصفه فيثبت التقوم للمنافع من وجه دون وجه فيثبت التقوم بقدر المسمى، ولا يثبت فيما زاد على المسمى، ففيما زاد على المسمى الاستيفاء يكون نص عقد فلا يجب بمقابلة شيء، ثم أوجب قيمة المنافع ولم يوجب قيمة العبد.
فرق بين الإجارة وبين النكاح، فإن من تزوج امرأة على عبد وهلك العبد قبل التسليم أو استحق ترجع المرأة على الزوج بقيمة البدل وهو العبد لا بقيمة المبدل وهو منافع بضعها.
وفي باب الإجارة قال: متى هلك العبد قبل التسليم فرب الدار يرجع بقيمة المبدل وهو المنافع لا بقيمة البدل وهو العبد.(7/740)
-----
والفرق: أن النكاح مما لا يحتمل الفسخ بسبب من الأسباب فلا ينفسخ بهلاك العبد قبل التسليم أو استحقاقه، ففي السبب الموجب لتسليم العبد وهو عاجز عن تسليمه فيجب تسليم قيمته، أما الإجارة تحتمل الفسخ بسائر أسباب الفسخ فتنفسخ بهلاك العبد قبل التسليم واستحقاقه أو يفسد، وإذا انفسخ أو فسد وجب رد المنافع وتعذر ردها صورة فيجب ردها معنى برد قيمتها.
الفصل الخامس: في الخيار في الإجارة والشرط فيها
ذكر الصدر الشهيد رحمه الله في «الفتاوى الصغرى»: إذا استأجر الرجل رجلاً ما نسيت ديك روبين تشايد ببدل معلوم ففعل ذلك بالعشرة وامتنع عن الباقي، قال: إن كان قد أراه القدور وقت الاستئجار تجبر على الباقي، وإن لم يره لا يجبر؛ لأن في الوجه الأول الإجارة قد صحت، وفي الوجه الثاني لم تصح لجهالة المعقود عليه.
وعلى هذا إذا استأجر رجلاً ما مست ريد سحي قالوا ففعل ذلك بالعشرة وامتنع عن الباقي، فهو على الوجهين اللذين ذكرنا.
وأصل هذه المسائل ما ذكر محمد في الإجارات: أن من شارط قصاراً على أن يقصر له عشرة أثواب ببدل معلوم ولم يره الثياب، ولم يكن عنده كان فاسداً، وإذا أراه الثياب كان جائزاً، وإذا سمى له جنساً من الثياب.
ذكر الشيخ الإمام شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده رحمه الله في «شرحه»: أن هذا نظير ما لم يرها يعني يكون فاسداً، وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في «شرحه»: أنه إن بالغ في بيان الصفة على وجه يصير مقدار عمله معلوماً فهو وإن أراه الثياب سواء فيجوز أن يكون ذلك شمس الأئمة في مسألة القدر والرند تنحى، كقوله في القصار فيتأمل عند الفتوى.
وفي «نوادر ابن سماعه»: عن أبي يوسف رحمه الله: قصار شارطه رجل على أن يقصر له ثوباً مروياً بينهم ورضي به القصار، فلما رأى القصار الثوب قال: لا أرضى به فله ذلك قال: وكذلك الخياط.(7/741)
-----
والأصل فيه أن كل عمل يختلف في نفسه باختلاف المحل يثبت فيه خيار الرؤية عند رؤية المحل وكل عمل لا يختلف باختلاف المحل لا يثبت فيه خيار الرؤية عند رؤية المحل والقصارة تختلف باختلاف المحل، وكذلك الخياطة فلأجل ذلك أثبتنا خيار الرؤية فيهما.
قال: ثمةولو استأجر رجلاً ليكتل له حنطة، فلما رأى الحنطة قال لا أرضى به فليس له ذلك، وكذلك إذا استأجر رجلاً ليحتجم له بدانق، ورضي به فلما كشف عن ظهره قال لا أرضى به فليس له ذلك لأن العمل هاهنا لا يختلف.
ذكر الحاكم الشهيد في «المنتقى»: رجل استأجر رجلاً بدرهم على أن يحلج له قطناً معلوماً وسماه فهو جائز إذا كان القطن عنده، وكذلك إذا قال قصر لي مائة ثوب مروي جاز إذا كانت الثياب عنده، فالأصل أن الاستئجار على عمل في محل هو عنده جائز والإستئجار على عمل في محل ليس عنده لا يجوز، كما لا يجوز بيع ما ليس عنده قال: وهو بالخيار إذا رأى الثياب ولا خيار له في مسألة القطن، وهو بناء على الأصل الذي قلنا.
وفي «نوادر هشام» عن محمد: رجل استأجر غلاماً سنة بدار له فاستعمل الغلام ومضت السنة ونظر آجر الغلام إلى الدار ولم يكن رآها فقال لا حاجة لي فيها، قال: له ذلك وله أجر مثل غلامه وفي المسألة نوع إشكال.
ووجهه: أن بالرد بخيار الروية ينفسخ العقد من الأصل وتصير المنافع مستوفاة بلا عقد، فكيف يتقوم والجواب أن الانفساخ لا يظهر في حق المستوفى أو نقول المنافع كما تقوم بالعقد تقوم بالشرط وبالرد بخيار الرؤية لا يتبين أن الشرط لم يكن ويثبت خيار العيب في الإجارة، كما في البيع إلا أن في الإجارة ينفرد المستأجر بالرد قبل القبض وبعد القبض وفي البيع ينفرد المشترى بالرد قبل القبض وبعد القبض يحتاج إلى القضاء أو الرضا.(7/742)
-----
وروى إبراهيم عن محمد رجل آجر من آخر داراً أشهراً مسماة ببدل معلوم على أنه بالخيار فيها شهر ودفعها إلى المستأجر فسكنها المستأجر قبل إجازة رب الدار الإجارة فلا أجر عليه فيما سكن، وإنما يجب عليه الأجر فيما يسكن بعد إجازة المالك، وجعل الخيار للإجارة كالمعدوم في حق الحكم، كما في باب البيع.
وعن إبراهيم عن محمد أيضاً رجل قال لغيره: استأجرتك اليوم على أن تنقل هذا الليل إلى موضع كذا، وذلك لا ينقل إلا في أيام كثيرة، قال: هذا على اليوم ولا يكون على العمل.
والأصل: أن المستأجر متى جمع بين العمل وبين الإضافة إلى الزمان في العقد، ومثل ذلك العمل بما لا يقدر الأجير على تحصيله في ذلك الزمان، كان العقد على الزمان، وكان استحقاق الأجر معلقاً بتسليم النفس في ذلك الزمان؛ لأن الإجارة نوع بيع فيراعى له كون المبيع مقدوراً عليه.
وفي «النوازل»: إذا قال لآخر: أجرتك هذه الدار كل شهر بدرهم على أن أهب لك أجر شهر رمضان، أو قال على أن لا أجر عليك في شهر رمضان، فهذه إجارة فاسدة.
وفيه أيضاً: أجّر حمّاماً سنة ببدل معلوم على أن يحط عنه أجر شهرين للتعطيل، فالإجارة فاسدة؛ لأن هذا شرط بغير مقتضى العقد؛ لأن مقتضاه لا يلزمه أجرة أيام التعطيل شهراً كان أو أكثر أو أقل فتحكمه بحط أجرة شهرين يخالف مقتضى العقد، حتى لو قال: على أن مقدار ما كان معطلاً فلا أجر عليه فيه يجوز لك هذا، يوافق مقتضى العقد ويقرره. وهو نظير ما قال في «الجامع الصغير» إذا اشترى زيتاً على أن يحط عنه لأجل الرق خمسون رطلاً لا يجوز، ولو قال على أن يحط مقدار وزن الرق جاز.
وفيه أيضاً استأجر حماماً على أنه إن نابته نائبة فلا أجر له، فالإجارة فاسدة قال: لأن النائبة إن عرض أو يعرض له شغل فهذا شرط فاسد هكذا ذكر.
(7/743)
-----
ولم يذكر أن الهاء في قوله أن نائبة ضمير الأجير أو ضمير المستأجر فإن كان ضمير المستأجر، فإنما فسدت هذه الإجارة؛ لأنه شرط يخالف موجب العقد؛ لأن موجب العقد وجوب الأجر إذا سلم الأجير نفسه للعمل مرض المستأجر أو لم يمرض؛ لأن ذلك ليس بعذر هاهنا وإن كان ضمير الأجير فإنما فسدت هذه الإجارة؛ لأنه شرط انتفاء الأجر بمطلق المرض أو اعتراض الشغل، وذلك قد لا يعجزه عن العمل، وإن أعجزه فموجبه حق الفسخ لا انتفاء الأجر ابتداء أو إن كان موجبه انتفاء الأجر، ولكن مقصود أمده المرض أو الشغل وهو قد يفي الأجرة مطلقاً بالكلية، فلأجل ذلك فسد العقد.
وفيه أيضاً: حانوت احترق، فاستأجره رجل كل شهر بخمسة دراهم، على أن يعمره على أن يحسب صفقة فعمره فهذه الإجارة فاسدة، وإنما فسدت هذه الإجارة؛ لأن هذا في معنى استئجار والمستأجر بالقيام على (18أ4) العمارة فكان إدخال صفقة في صفقة أخرى؛ ولأن شرط العمارة على المستأجر شرط يخالف قضية الشرع؛ لأن إصلاح الملك على المالك فيوجب فساد العقد، فإن سكن المستأجر الحانوت فعليه أجر المثل بالغاً ما بلغ؛ لأن الآجر لم يرض بالمسمى وحده، وللمستأجر النفقة التي أنفقها في العمارة وأجر مثله في قيامه على العمارة لما ذكرنا أن اشتراط العمارة على المستأجر في معنى استئجار المستأجر للقيام عليها أكثر ما فيه أن هذا عقد فاسد، إلا أن المنافع تتقوم بالعقد الفاسد.
وفيه أيضاً: خانٌ بعضه خراب وفيه حوانيت عامرة استأجر رجلاً العامرة كل شهر بخمسة عشر، والخراب كل سنة بخمسة على أن يعمر الخراب بما له، ويحسب نفقته من جملة الأجر، فاعلم بأن استئجار الخراب ليعمره وينتفع به بعد ذلك فاسداً، إذا شرط أن تكون العمارة للآجر لما مر وللمستأجر على المؤاجر نفقته، وأجر مثله فيما عمل وللمؤاجر أن يسترد الحوانيت الذي عمرها المستأجر منه لمّا فسدت الإجارة.
وأما الحوانيت العامرة فالإجارة فيها جائزة لعدم المفسد.(7/744)
-----
وفيه أيضاً: أجر من آخر مرجلاً شهراً ليطبخ فيه العصير، واشترط على المستأجر أن يحمله إلى منزل المؤاجر عند الفراغ، فالإجارة فاسدة؛ لأن هذا شرط يخالف مقتضى العقد والشرع؛ لأن موجب العقد أن يكون رد المستأجر على الآجر، وهذا الحكم لا يختص بالرجل؛ لأن رد المستأجر على المؤاجر في المواضع كلها على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
فاشتراطه على المستأجر في أي موضع شرط موجب فساد الإجارة، قال: وإن لم يشترط ذلك على المستأجر لا تفسد الإجارة، وإذا فرغ من عمله قبل مضي الشهر فعليه الأجر إلى تمام الشهر، وإن كان استأجر كل يوم بكذا فإذا فرغ من عمله سقط الأجر عنه ردها إلى صاحبها أو لم يردّها؛ لأن العمل على صاحبها عند الفراغ.
وفيه أيضاً: رجل استأجر حياتاً وكيزاناً وقال له المؤاجر: ما لم تردها علي صحيحة، فلي عليك كل يوم درهم فقبضها قال: الإجارة في الحيات فاسدة وفي الكيزان جائزة، يريد به إذا سمى للحيات أجراً معلوماً، وسمي للكيزان أجراً معلوماً فيجب للكيزان المسمى وفي الحيات أجر المثل، وإنما فسدت الإجارة في الحيات؛ لأن لها حمل ومؤنة وما له حمل ومؤنة فاشتراط رده على المستأجر يوجب فساد الإجارة.
وأما الكيزان فليس لها حمل ومؤنة فاشتراط ردها على المستأجر لا يوجب فساد الإجارة؛ لأن اشتراط ردها يقع لغواً؛ لأنه لا يجري فيه المماكسة إذا لم يكن له حمل ومؤنة.
وقيل: بفساد الإجارة في الكيزان أيضاً لأن رد المستأجر على الأجير على كل حال فاشتراطه على المستأجر اشتراط ما لا يقتضيه العقد ولأحد المتعاقدين فيه منفعة لأنه تجري المماكسة في حمل الكيزان وردها خصوصاً إذا كثرت، وقيل: لا تفسد الإجارة في الكيزان إلا إذا علم أن لها حمل ومؤنة تجري المماكسة في حملها ونقلها.(7/745)
-----
وفي «الأصل» رجل يكاري من رجل داراً منه على أنه بالخيار فيها ثلاثة أيام، فإن رضيها أخذها بمئة درهم وإن لم يرضها أخذها بخمسين درهماً، فذلك فاسد لوجهين: أحدهما أنهما صفقتان في صفقة أو شرطان في عقد واحد، وكل ذلك لا يجوز والثاني أن الأجر مجهول، فإنه مئة إن رضيها وخمسون إن لم يرضها ولا يدري أيرضاها أو لا يرضاها.
فرق أبو حنيفة رحمه الله بين هذه المسألة وبينما إذا استأجر منزلاً على أنه إن قعد فيه خياطاً فأجره كل شهر عشرة، وإن قعد فيه حداداً أو قصاراً أو طحاناً فأجر كل شهر عشرون فإن الإجارة جائزة على قول الآجر، وهنا قال: لا يجوز.
والفرق: أن هناك الإجارة وقعت على منفعتين مختلفتين، وسمي لكل واحدة بدلاً معلوماً وشرط لنفسه الخيار وهذا جائز في بيع العين، فإنه لو اشترى عبدين على أنه بالخيار، إن اختار هذا أخذه بألفين وإن اختار هذا أخذه بألف فهو جائز، وكذلك في الإجارة فإنه إذا دفع إلى خياط ثوباً على أنه إن خاطه رومياً فله درهم، وإن خاطه فارسياً فله نصف درهم، فذلك جائز فكذا هاهنا.
أما في هذه المسألة أوقع العقدين على صفقة واحدة ببدلين مختلفين على أنه بالخيار.(7/746)
-----
ومثل هذا لا يجوز في بيع العين فإنه لو اشترى عبداً على أنه بالخيار إن رضيه أخذه بألف درهم وإن لم يرضه أخذه بخمسمئة كان العقد فاسداً، فكذا في بيع المنفعة فإن سكنها وجب عليه أجر المثل في ثلاثة أيام، وبعد ثلاثة أيام أما بعد ثلاثة أيام فلأنه سكنها بحكم العقد، وأما في ثلاثة أيام؛ فلأن الفاسد من المعقود معتبر لتصبح الإجارة صحيحة، وللمستأجر فيه خيار إذا سكنها في الأيام الثلاثة وجب عليه الأجر وكانت السكنى منه دليل الاختيار كذا إذا كان فاسداً ولا يضمن ما انهدم من سكناه لا في مدة الخيار، ولا بعد مضي مدة الخيار وليس لأحدهما فيه خيار الشرط فكان معتبراً بالصحيح من الإجارة التي ليس لأحد فيها خيار ولا يضمن ما انهدم من سكناه في مدة الخيار لأن الفاسد من المعقود معتبر بالصحيح.
ولو كانت الإجارة جائزة والخيار فيها للمستأجر إذا سكن في مدة الخيار وانهدم الدار من سكناه لم يضمن؛ لأن بالسكنى سقط خياره وملكا عندهم جميعاً فصار مستوفياً بحكم الإجارة فلم يضمن ما انهدم من سكناه فكذلك هذا.
كما في بيع العين إذا كان المشتري بالخيار وقبض ما اشترى وهلك شيء مما في يده لزمه البيع، وكان عليه الثمن كذا هاهنا وهذا بخلاف ما لو كان الخيار مشروطاً لصاحب الدار، فإنه يضمن المستأجر قيمة ما انهدم من سكناه في مدة الخيار، كما في بيع العين إذا هلك شيء في يد المشتري وكان الخيار للبائع، فإنه يضمن قيمة ذلك كما لو كان غاصباً فكذلك هذا.
وإن قال: لنا بالخيار ثلاثة أيام فإن رضيتها أخذتها بمئة درهم كانت الإجارة جائزة، لأن البدل معلوم إلا أنه شرط فيها خيار وصار الشرط مما لا يفسد عقد الإجارة عندنا.(7/747)
-----
وقال الشافعي: بأنه يفسدها وذهب في ذلك إلى أن خيار الشرط في الإجارة يجعل الإجارة بمعنى المضاف؛ لأن الخيار متى سقط لا يقع الملك من وقت العقد؛ لأن ما وجد من المنافع في مدة الخيار بثلاث، وإنما يقع من حين سقوط الخيار فيصير بمعنى المضاف ومن مذهبه أن إضافة الإجارة إلى وقت أبي لا يجوز بخلاف البيع؛ لأن البيع قائم وقت سقوط الخيار، فلا يصير بمعنى المضاف.
وعلماؤنا رحمهم الله ذهبوا في ذلك إلى أنه من كأنه يصير بمنزلة المضاف إلى وقت سقوط الخيار إلا أن إضافة الإجارة إلى وقت أبي جائز عندنا؛ لأن الإجارة مما يتحدد انعقادها على حسب حدوث المنافع في نفسها فيصير مضافاً من حيث الاعتبار فتصير المسألة على هذا فرعاً لتلك المسألة، فإن سكنها في ثلاثة أيام فقد لزمته الإجارة وكان عليه أجر ما سكن ولا ضمان عليه فيما انهدم قالوا: أورد هذه المسألة عقيب الأولى ليثبت حكم إجارة صحيحة شرط فيها الخيار للمستأجر حتى يعتبر الفاسد به رجل استأجر ثوراً من رجل ليطحن عليه كل يوم عشرين قفيراً فوجده المستأجر لا يطحن إلا عشرة أقفرة كان المستأجر بالخيار، وإن شاء رضي به كذلك وإن شاء رد؛ لأنه لم يسلم له شرط منتفع به فيتخير.
كما لو اشترى عبداً على أنه كاتب أو خباز فوجده غير كاتب وغير خباز فإن (18ب4) رضي به لزمه أجر كل يوم بتمامه كما في بيع العين إذا رضى بالعبد كذلك غير كاتب وغير خباز لزمه جميع الثمن، وإن كان عليه أجر اليوم الذي استعمله بتمامه ولا يحط عنه شيء بسبب النقصان عن العمل؛ لأن الإجارة وقعت على الوقت، ولهذا يستحق الأجر وإن لم يطحن عليها شيئاً وكان ذكر المقدار لبيان قوة الدابة ومبلغ عمله لا لتعليق به، وإذا كان العقد واقعاً على الوقت لا على العمل يوزع الأجر على الأيام لا على العمل فلزمه أجر اليوم الذي استعمله بتمامه.h
(7/748)
الفصل السادس: في الإجارة على أحد الشرطين أو على الشرطين أو أكثر
-----
الأصل إن الإجارة إذا وقعت على أحد شيئين وسمى لكل واحد أجراً معلوماً بأن قال: أجرتك هذه الدار بخمسة أو هذه الأخرى بعشرة أو كان هذا القول في حانوتين أو عبدين أو بستانين مختلفتين نحو أن يقول: إلى واسط بكذا أو إلى الكوفة بكذا، فذلك كله جائز عند علمائنا.
وكذلك إذا خيره بين ثلاثة أشياء وإن ذكر أربعة أشياء لم يجز، وكذلك هذا في أنواع الصبغ والخياطة إذا ذكر ثلاثة جاز، فإن زاد عليها لم يجز استدلالاً بالبيع؛ وهذا لأن عقد الإجارة تسامح فيها من يحمل الجهالة والخطر ما لا يتحمل في البيع، فإذا جاز في البيع إلى ثلاثة فلأن يجوز في الإجارة أولى.
إلا أن فرق ما بين الإجارة والبيع أن الإجارة تصح من غير شرط الخيار والبيع لا يصح من غير شرط الخيار، حتى إن من باع أحد العينين لا يجوز إلا بشرط الخيار وإجارة أحد الشيئين يجوز من غير شرط الخيار.
والفرق: أن الأجرة لا تجب بنفس العقد وإنما تجب بالعمل فإذا أخذ في أحد العملين صار البدل معلوماً عند وجوبه بخلاف البيع؛ لأن الثمن يجب بنفس العقد وإنه مجهول أو نقول عقد الإجارة في حق المعقود عليه كالمضاف، وإنما ينعقد عند إقامة العمل وعند ذلك لا جهالة بخلاف البيع؛ لأن عقد البيع لازم في الحال وفي الحال الجهالة مستحقة ولو قال للخياط إن خطته فارسياً فلك درهم وإن خطته رومياً فلك درهمان، أو قال للصباغ: إن صبغته بعصفر فلك درهمان وإن صبغته بزعفران فلك درهم فهذا جائز، لما ذكرنا أن الأجرة حال وجوبها تصير معلومة.
ولو قال: أجرتك هذه الدار على أنك إن قعدت فيها حداداً فالأجر عشرة، وإن قعدت فيها خياطاً فالأجر خمسة جاز في قول أبي حنيفة الآجر، وقال أبو يوسف ومحمد الإجارة فاسدة لأن الأجر هاهنا لا يجب بالسكنى بل بالتخلية.(7/749)
-----
ألا ترى أنه لو لم يسكن الدار بعدما خل الآجر بينه وبين الدار يجب الأجر بالتخلية كان الأجر مجهولاً وقت الوجوب؛ لأنه لا يدري أن التخلية وقعت للحدادة فيجب عشرة أو للخياطة فيجب خمسة بخلاف الرومي والفارسي؛ لأن هناك الأجر لا يجب إلا بالعمل والعمل بعد وجوده معلوم في نفسه فكان الأجر معلوماً حالة الوجوب.
وأبو حنيفة رحمه الله يقول: على قوله الآخر الأجرة لا تملك بنفس العقد عندنا، وإنما تملك بالعمل وحالة العمل الأجرة معلومة.
وعلى هذا إذا أجر دابة من إنسان إلى مكان معلوم على أنه إن حمل عليها حنطة فالأجر عشرة وإن حمل عليها شعيراً فالأجر خمسة جاز في قول أبي حنيفة الآخر خلافاً لهما.
وعلى هذا إذا استأجر دابة إلى مكان معلوم على أنه إن حمل عليها هذه الحمولة فالأجر عشرة وإن ركبها فالأجر خمسة فالعقد جائز في قول أبي حنيفة خلافاً لهما مما قالا، بأن الأجر قد يجب بدون الركوب.
ألا ترى أنه لو ساقها ولم يركبها وقد شرط في العقد الركوب يجب الأجر، وكذلك إذا ساقها ولم يحمل عليها وقد شرط في العقد الحمل يجب الأجر، فإذا ساقها وقد شرط في العقد ما وضعت لك من الركوب أو الحمل لا يدري ما يعطيه من الأجر، ولأبي حنيفة رحمه الله ما ذكرنا أن الأجر لا يجب بنفس العقد وإنما يجب بالعمل وحال وجوده الأجر معلوم.
واختلفت عبارة المشايخ على قول أبي حنيفة في تخريج مسألة الدابة والدار إذا سلم الدار ولم يسكن وإذا سلم الدابة ولم يحمل عليها شيئاً ولم يركبها.
بعضهم قالوا: يجب أقل المسميين؛ لأن التسليم لا يكون لهما وإنما يكون لأحدهما فمتى جعلناه للخياطة أو للشعير أو للركوب فالخمسة واجبة، ومتى جعلناه للحدادة أو للحنطة أو للحمل، فالعشرة واجبة والخمسة منتفية، وما زاد عليها مشكوك والمال لا يجب بالشك.(7/750)
-----
وإذا كان كذلك كان موجب هذا العقد خمسة متى وجب الأجر بالتسليم بدون العمل، والمسمى بمقابلة كل منفعة إن وجد استيفاء المنفعة وكل ذلك معلوم حالة الوجوب.
وبعضهم قالوا: إذا وجد التسليم ولم يوجد استيفاء المنفعة يجعل التسليم لهما إذ ليس أحدهما بأن يجعل التسليم له بأولى من الآخر فيجعل النصف لهذا والنصف للآخر فيجب نصف أجر الحدادة ونصف أجر القصارة ونصف أجر الحمل ونصف أجر الركوب، إذا وجب هكذا صار موجب هذه الإجارة سبعة ونصف متى وجب الأجر بالتسليم بدون استيفاء المنفعة، وإن وجد استيفاء المنفعة يجب المسمى بمقابلة تلك المنفعة وكل ذلك معلوم حالة الوجوب.
قال في «الجامع الصغير»: إذا استأجر من آخر دابة إلى الحيرة بنصف درهم، فإن جاوزتها إلى القادسية فدرهم فهو جائز، ذكر المسألة مطلقة من غير ذكر خلاف، فيحتمل أن يكون هذا قول الكل ويحتمل أن يكون قول أبي حنيفة خاصة كما في المسائل المتقدمة.
وذكر الكرخي مثل هذه المسألة وفصّل الجواب فيها تفصيلاً.
وصورة ما ذكر الكرخي: إذا استأجر دابة من بغداد إلى القصر بخمسة وإلى الكوفة بعشرة، فإن كانت المسافة إلى القصر نصف المسافة إلى الكوفة فالعقد جائز وإن كان قأل أو أكثر فالعقد فاسد، وهذا لأن المسافة إلى القصر إذا كانت نصف المسافة إلى الكوفة فحال ما يسير فالأجر معلوم، وهو خمسة إلى القصر جاوز القصر أو لم يجاوز، فأما إذا كانت المسافة إلى القصر أقل من النصف أو أكثر فحال ما يسير الأجر مجهولاً؛ لأنه إذا لم يجاوز القصر فالأجر خمسة وإن جاوز فالأجر إلى القصر بقدر حصته وذلك دون الخمسة أو فوقها فكان الأجر مجهولاً حال سبب الوجوب، وهذا على «أصل» محمد؛ لأن عنده جهالة الأجر عند وجود سبب الوجوب يفسد العقد، فأما على أصل أبي حنيفة رحمه الله فالعقد جائز والوجه ما ذكرنا.
(7/751)
-----
وذكر الحاكم الشهيد في «المنتقى»: أن من أجر دابة على أنه إن أتى عليها الكوفة فبعشرة وإن أتى القصر وهو المنتصف فبخمسة فهو جائز قال: وإن قال: وإن القصر وهو المنتصف فبستة لا يجوز قال: لأنه إذا أتى القصر لا يدري ما عليه ست أو خمسة.
كتب ابن سماعة إلى محمد رحمه الله: في رجل استأجر رجلاً على عدل قطن وعدل هروي وقال احمل أي هذين العدلين شئت إلى منزلي على أنك إن حملت القطن فلك أجر درهم، وإن حملت الهروي فلك أجر درهمين، فحمل الهروي والقطن جميعاً إلى منزله فالإجارة جائزة، وأيهما حمل أول مرة فهو الذي ألقاه الإجارة وهو متطوع في حمل الآخر ضامن له إن ضاع في قولهم جميعاً؛ وهذا لأن الإجارة وقعت في أحدهما لا بعينه فإذا حمل أحدهما بعين هو معقوداً عليه وانتهت الإجارة بحمله فيكون متطوعاً في حمل الآخر ضرورة، وهو ضامن للآخر إن ضاع في يده؛ لأن حمل الآخر حصل بغير إذن وإن حملهما جملة فعليه نصف أجر كل واحد منهما وعليه ضمان نصف كل واحد منهما عند أبي حنيفة إن ضاعا واشترك كل واحد منهما عند أبي حنيفة إن ضاعا واعتبر كل واحد منهما معقوداً عليه من وجه دون وجه ونصف الحملان عنده.
ألا ترى كيف ينصف الأجر بلا خلاف. وعلى قولهما خمنهما إن ضاعا؛ لأنه انعقد سبب الضمان على حق كل واحد منهما وهو القبض في أوانه. (19أ4)
وفي «نوادر هشام» عن محمد رحمه الله: إذا قال لغيره: إن حملت هذه الخشبة إلى موضع كذا فلك درهم، وإن حملت هذه الخشبة الأخرى إلى ذلك الموضع فلك درهمان، فحملهما حملة إلى ذلك الموضع، فله درهمان أوجب أكثر الأجرين بكماله وإنه يخالف رواية ابن سماعة في العدلين.
ولو قال للخياط: إن خطته اليوم فلك درهم وإن خطته غداً فلك نصف درهم، فالشرط الأول صحيح في قول أبي حنيفة رحمه الله، حتى إنه لو خاطه في اليوم الأول وجب له درهم والشرط الثاني فاسد حتى لو خاطه في اليوم الثاني يجب أجر المثل.(7/752)
-----
وقال أبو يوسف ومحمد: الشرطان جائزان حتى لو خاطه في اليوم الأول فله درهم ولو خاطه في اليوم الثاني فله نصف درهم.
وقال زفر رحمه الله: الشرطان باطلان هكذا ذكر المسألة في «الجامع الصغير».
وذكر في إجازات «الأصل»: إذا دفع الرجل إلى رجل ثوباً ليخيطه له قميصاً وقال له: إن خطته اليوم فلك درهم وإن لم تفرغ منه اليوم فلك نصف درهم، وذكر الخلاف على نحو ما ذكر في «الجامع الصغير» حكي عن الفقيه أبي القاسم الصفار أنه قال: الصحيح موضوع ما ذكر في «الجامع الصغير» أما على ما هو موضوع كتاب الإجارات ينبغي أن تفسد الإجارة في اليوم والغد جميعاً بلا خلاف.
ووجه ذلك، لأن هذا عقد واحد شرط فيه شرط فاسد ومثل هذا الشرط لا يوجب فساد الإجارة.
بيانه: أن قوله وإن لم تفرغ منه اليوم ليس بإجارة على حدة لأنه مما لا تبتدأ به الإجارة فتكون شرطاً مشروطاً في الإجارة المضافة إلى اليوم، وإنه شرط فاسد؛ لأنه يوجب تغير الأجر الواجب في اليوم إلى النقصان؛ لأنه متى خاط نصف الثوب في اليوم مثلاً يجب نصف الأجر قضية للعقد المضاف إلى اليوم، وإذا لم يخط الباقي اليوم يصير أجر ذلك النصف ربعاً بعد أن كان نصفاً.
فهو معنى قولنا هذا عقد واحد فيه شرط فاسد بخلاف قوله: إن خطته اليوم فلك درهم، وإن خطته غداً فلك نصف درهم؛ لأنهما إجارتان؛ لأن قوله وإن خطته غدا مما تبتدأ به الإجارة لم يشترط في أحدهما شرط فاسد فعلم أن الصحيح موضوع ما ذكر في «الجامع الصغير» فرق أبو حنيفة بين هذه المسألة.
وبينما إذا قال له: إن خطته تركية أو رومية فلك درهم وإن خطته فارسية فلك نصف درهم، فإن هناك يجوز الشرطان بلا خلاف.(7/753)
-----
والفرق: أن في مسألة اليوم والغد علقا استحقاق نصف درهم بفوات العمل في اليوم وموجود العمل في الغد؛ لأن كلمة إن للشرط وتعليق الأجرة بالعمل في الغد إن كان يصح؛ لأنه تعليق البدل بإيفاء المعقود عليه فتعليقها بفوات العمل لا يصح كتعليقها بشرط آخر، فأما في اليوم استحقاق الأجرة معلق بإيفاء المعقود عليه، وهذا لا يوجب فساد العقد وفي التركية والفارسية ما علق الأجر بفوات شيءولا بوجوده فإنه يقدر أن يشتغل للحال بأي عمل شاء فيصير الأجر معلوماً.
أما في المسألة اليوم والغد لا يقدر أن يشتغل بالعمل في الغد، إلا بفوت اليوم وفوات العمل في اليوم فيتعلق استحقاق نصف درهم بالشرط فيفسد العقد، فيجب أجر المثل في اليوم الثاني فإن خاطه في الغد فله أجر مثله لا يزاد على درهم ولا ينقص من نصف درهم فهذا يشير إلى أنه يجوز أن يراد على نصف درهم، وهو رواية الأصل «والجامع الصغير».
وروى ابن سماعه عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أن له أجر مثله لا يزاد على نصف درهم، فصار عن أبي حنيفة في المسألة روايتان وصحح القدوري رواية ابن سماعه، ولو خاطه في اليوم الثالث فله أجر مثله في قولهم، واختلفت الروايات عن أبي حنيفة رحمه الله في ذلك روي عنه أنه لا يزاد على درهم ولا ينقص من نصف درهم وروي عنه رواية أخرى أنه لا يجاوز به نصف درهم وينقص عن نصف درهم إن كان أجر مثله أقل من نصف درهم.
واختلفت الروايات في ذلك عنهما أيضاً قال القدوري: في «شرحه» والصحيح عندهما أنه ينقص عن نصف درهم ولا يزاد عليه، ولو قال إن خطته اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلا أجر لك.
(7/754)
-----
قال محمد في «الأصل»: إن خاطه في اليوم الأول فله درهم وإن خاطه في اليوم الثاني فله أجر مثله لا يزاد على درهم في قولهم جميعاً؛ لأن إسقاط الأجر في اليوم الثاني لا ينفي وجوبه في اليوم الأول ونقي التسمية في اليوم الثاني لا ينفي أصل العقد، فكان في اليوم الثاني عقد لا تسمية فيه فيجب أجر المثل هذا الذي ذكرنا إذا جمع بين الأمرين، فأما إذا أفرد العقد على اليوم بأن قال: أن خطته اليوم فلك درهم ولم يزد على هذا فخاطه في الغد، هل يستحق الأجر لم يذكر محمد رحمه الله هذا الفصل في شيء من الكتب.
وكان الفقيه أبو بكر البلخي رحمه الله يقول: إن على قولهما يستحق أجر المثل متى خاطه في الغد بلا شبهة وبمثل؛ لأن ذكر اليوم عندهما حالة الانفراد للاستعجال لا للتوقيت، ولهذا صحت هذه الإجارة عندهما حالة الانفراد عل ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وإذا كان ذكر الوقت حالة الانفراد عندهما للاستعجال لا للتوقيت، كان العقد ثابتاً في الغد على قولهما بلا بمثل فيكون عاملاً بحكم الإجارة فيستحق الأجر إلا أنه يستحق أجر المثل دون المسمى؛ لأن المستأجر إنما شرط له الدرهم بأداء خياطة معجلة في اليوم، وقد أتى بخياطة مؤجلة والخياطة المؤجلة أنقص عن الخياطة المعجلة من حيث المعنى، فكأنه أتى بما لقرنه في الغد ولكن خالفه في صفة من أوصاف ما لقرن ولو كان كذلك كان لصاحب الثوب أن يعطيه أجر المثل دون المسمى حتى يدفع ضرر النقصان عن نفسه كذا هاهنا.
وأما على قول أبي حنيفة: فلقائل أن يقول: بأنه لا أجر له متى عمل في الغد؛ لأن أبا حنيفة رضى الله عنه يجعل ذكر العمل اليوم للتوقيت حالة الانفراد حتى قال بفساد هذه الإجارة لأنه باعتبار التوقيت تكون الإجارة منعقدة على تسليم النفس في المدة وباعتبار ذكر العمل تكون الإجارة منعقدة على العمل، فيصير المعقود عليه مجهولاً.(7/755)
-----
وإذا ثبت هذا من مذهبه حالة الانفراد فيقول بأحد الاعتبارين وهو اعتبار العقد على العمل يجب الأجر إذا عمل في الغد، وباعتبار الأجر وهو التأقيت لا يجب الأجر؛ لأنه لم يبق العقد وأنه لم يكن واجباً فلا يجب بالشك والاحتمال ولقائل أن يقول: بأن عليه الأجر؛ لأن العقد منعقد في اليوم أي الأمرين ما اعتبرنا إلا أن بأحد الاعتبارين يبقى في الغد، وباعتبار الآخر لا يبقى والعقد كان ثابتاً فلا يرتفع بالشك وإذا نفي العقد كان قابلاً في الغد بحكم العقد، إلا أنه يجب أجر المثل؛ لأن العقد في الغد يبقى بوصف الفساد؛ لأنه يبقى من وجه دون وجه، ومثل هذا يوجب فساد العقد كما في بيع المقايضة إذا هلك أحد البدلين فإنه يبقى العقد ولكن وصف الفساد كذا هاهنا فكأن المنافع في الغد مستوفاة بحكم عقد فاسد، فيجب أجر المثل.
ومما يتصل بهذا الفصل
إذا جمع في عقد الإجارة بين الوقت والعمل.
قال محمد رحمه الله: في «الجامع الصغير»: رجل استأجر خبازاً ليخبز له هذه المحاسم دقيق هذا اليوم بدرهم فهو فاسد.
وفي إجارات «الأصل» عن أبي يوسف ومحمد أنه جائز هما يقولان تصحيح العقود واجب ما أمكن وقد أمكن بأن يجعل العقد واقعاً على العمل وهو الخبز فيكون أجير مشترك، وهذا لأنه أوقع العقد على العمل ابتداء وقوله اليوم وإن كان ذكر الوقت إلا أنه يحتمل أنه أراد به إيقاع العقد على المنفعة فيكون أخر وحل فيفسد العقد لجهالة المعقود عليه، وتحمل أنه قصد بذكر الوقت الاستعجال لا إيقاع العقد على المنفعة فيبقى أجير مشترك فيصح العقد (19ب4) فيحمل ذكر اليوم على سبيل الاستعجال تصحيحاً للعقد بقدر الممكن.
وأبو حنيفه رحمة الله عليه يقول: المعقود عليه مجهول وجهالة المعقود عليه تمنع جواز العقد.(7/756)
-----
بيانه: إن ذكر الوقت يدل على أن المعقود عليه المنافع إذ الوقت يختص بتقدير المنافع، وذكر العمل في الابتداء يدل على أن المعقود عليه العمل والجمع بينهما غير ممكن؛ لأن العمل متى جاز معقوداً عليه لا يجب إلا بالعمل ومتى صار المعقود عليه المنفعة يجب الأجر بتسليم النفس وأغراض الناس مختلفة فيجهل المعقود عليه وإنه يوجب فساد العقد.
وقولهما: بأن ذكر الوقت للتعجيل فيه نظر؛ لأن أغراض الناس ورغباتهم مختلفة قد يكون الغرض إيقاع العقد على المنفعة فلا يترجح أحدهما مع المماثلة في النوعية من غير دليل.
وفي إجارات «الأصل»: إذا استأجر الرجل من آخر ثوراً يطحن عليه كل يوم عشرين قفيزاً فهذه الإجارة جائزة، ولم يذكر فيها خلافاً فمن مشايخنا، من قال: هذا الجواب يجب أن يكون قولهما، أما على قول أبي حنيفة ينبغي أن تفسد الإجارة على قياس مسألة الخبز؛ لأنه جمع بين الوقت والفعل في المسألتين جميعاً فكان المعقود عليه محهولاً.
ومنهم من قال: لا بل هذه الإجارة جائزة على قول الكل فهذا القائل يحتاج إلى الفرق لأبي حنيفة رحمه الله بين هذه المسألة وبين مسألة الخبز.(7/757)
-----
والفرق هو: أن ذكر مقدار العمل في باب الطحن في العرف والعادة لا يكون لتعليق العقد بالعمل حتى يصير العمل معقوداً عليه مع الوقت، فيوجب فساد الإجارة للجهالة، وإنما يكون لبيان قوة الدابة ومبلغ عمله، وإذا كان لهذا يذكر في العرف والعادة بقيت الإجارة على الوقت، فجاز عندهم جميعاً، فأما في الخباز مقدار العمل لا يذكر عرفاً وعادة لبيان قوة الخباز ومبلغ عمله، وإنما يذكر لتعليق العقد بالعمل وصيرورته معقوداً عليه، فيصير جامعاً بين الوقت والعمل، فيصير المعقود عليه مجهولاً فأوجب فساده حتى أن في مسألة الخباز لو كان يذكر مقدار العمل لبيان قوة الخباز ومبلغ عمله، تقول بجواز الإجارة على قول أبي حنيفة وفي مسألة الطحن لو كان يذكر مقدار العمل لتعليق العقد به نقول بأنه لا تجوز الإجارة على قول أبي حنيفة.
وفي «الأصل» أيضاً: لو شرط على الخباز أن يخبز له هذه العشرة المحاسم دقيق، وشرط عليه أن يفرغ منه اليوم تجوز هذه الإجارة عندهم جميعاً.
وإن ذكر الوقت والعمل فأبو حنيفة رحمه الله يحتاج إلى الفرق بين هذه المسألة وبين المسألة الأولى.
والفرق: أن في مسألة الفراغ اليوم ما ذكر مقصوداً وإنما ذكر الإثبات صفة في العمل وهو الفراغ منه في اليوم وصفة العمل تبع للعمل لا يصلح معقوداً عليه مقصوداً فكذا ما ذكر لأجله من اليوم لا يصلح معقوداً عليه مقصوداً فيعين العمل معقوداً عليه فجاز.
بمنزلة ما لو اشترى عبداً على أنه كاتب أو خباز فإن الكتابة والخبازة لا تجعل معقوداً عليه مقصوداً حتى لا يكون بإزائها ثمن؛ لأنها ذكرت صفة للعبد فكانت تبعاً فكذا هاهنا فأما في تلك المسألة اليوم لم يذكر لإثبات صفة في العمل فكان مذكوراً مقصوداً كالعمل، وقد أضيف العقد إليهما إضافة على السواء ليس أحدهما بأن يجعل معقوداً عليه بأولى من الآخر فيصير المعقود عليه مجهولاً.(7/758)
-----
قال في «الأصل» أيضاً: وإذا دفع الرجل عبده إلى حائك يعلمه النسيج وشرط عليه أن يحدقه في ثلاثة أشهر بكذا وكذا، فهذا لا يجوز؛ لأن التحديق ليس في وسعه وكان ينبغي أن يجوز هذا العقد على قولهما، وإن لم يكن التحديق في وسعه؛ لأن العقد وقع على المدة كما لو استأجره يوماً ليبيع ويشتري، فإنه يجوز وإن لم يكن ذلك في وسعه؛ لأن العقد وقع على المدة.
والجواب وهو الأصل من جنس هذه المسائل عندهما أن العقد على المدة، إنما يصح عندهما إذا ذكر مع المدة نوعاً من العمل معلوماً في نفسه كما في البيع والشراء، فإنه معلوم في نفسه إلا أنه من غير ذكر المدة لا يجوز العقد؛ لأن من غير ذكر المدة العقد يقع على العمل، والعمل ليس في وسعه، وإذا ذكر المدة فالعقد يقع على تسليم النفس في المدة لهذا العمل، وذلك في وسعه.
قلنا: والتحديق ليس بمعلوم في نفسه؛ إذ ليس له حد يعرف به لا للأقصى ولا للأدنى وإذا لم يكن معلوماً في نفسه صار ذكره والعدم بمنزلة، ولو انعدم ذكر العمل أليس أنه لا تجوز الإجارة.
والأصل عند أبي حنيفة: أنه إذا جمع بين الوقت والعمل في عقد الإجارة إنما يفسد العقد إذا ذكر كل واحد منهما على وجه يصلح معقوداً عليه حالة الانفراد الوقت والعمل، أما إذا ذكر العمل على وجه لا يجوز إفراد العقد عليه لا يفسد العقد.
بيانه فيما ذكر في آخر باب إجارة البناء: إذا تكارى رجل رجلاً يوماً إلى الليل ليبني له بالجص والآجر جاز بلا خلاف، وإن جمع بين الوقت والعمل؛ لأنه ما ذكر العمل على وجه يجوز إفراد العقد عليه، فالعقد انعقد على المدة وكان ذكر البناء لبيان نوع العمل حتى لو ذكر العمل على وجه يجوز إفراد العقد عليه، بأن بين مقدار البناء لا تجوز الإجارة عند أبي حنيفة.
(7/759)
-----
وفي آخر إجارات «الأصل» إذا استأجر الرجل رجلاً كل شهر بدرهم على أن يطحن له كل يوم قفيزاً إلى الليل فهو فاسد، ذكر المسألة من غير ذكر خلاف وهذا الجواب مستقيم على قول أبي حنيفة؛ لأنه جمع بين الوقت وبين العمل وكل واحد منهما يصلح معقوداً عليه حالة الانفراد مشكل على قولهما، فقد ذكرنا قبل هذا في جنس هذه المسألة أن على قولهما العقد جائز.m
فمن مشايخنا من قال بهذه المسألة ثبت رجوعهما إلى قول أبي حنيفة إذ لا يتضح الفرق بين هذه المسألة وبين تلك المسائل، ومنهم من قال: ما ذكر في هذه المسألة قياس قولهما، وما ذكر فيما تقدم استحسان على قولهما، إذ لا فرق بين هذه المسألة وبين تلك المسائل والله أعلم.
قال محمد رحمه الله في «إملائه»: قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا اكترى إبلاً إلى مكة على أن يدخله إلى عشرين ليلة كل بعير بعشرة دنانير، ولم يزد على هذا فالإجارة جائزة فإن وفى بالشرط أخذ الأجر الذي شرط وإن لم يفي بالشرط فله أجر مثله لا يزاد على ما شرط له، وهو قول أبي يوسف ومحمد.
وروى بشر عن أبي يوسف: في الرجل يستأجر الدابة إلى الكوفة أياماً مسماة أو قال استأجرتك اليوم لتخيط هذا القميص، فالعقد فاسد في رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة تخالف رواية محمد عنه.
قال الكرخي: وليس في المسألتين اختلاف الرواية، وإنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع موضوع رواية محمد أنه ابتدأ بذكر العمل والمسير فيكون المقصود هو العمل وذكر المدة بعد ذلك للاستعجال، فكان المعقود عليه معلوماً وهو العمل فيجوز على قول أبي حنيفة رحمه الله فبعد ذلك إذا عجل فقد وفى بالشرط فاستحق المسمى، وإذا لم يعجل فلم يف بالشرط فيجب أجر المثل وموضوع رواية محمد أنه ذكر المدة أولاً فعلم أن المدة مقصودة بالعقد، وذكر العمل وأنه يصلح مقصوداً أيضاً فكان المعقود عليه مجهولاً عند أبي حنيفة فلم يجز.(7/760)
-----
وقد ذكرنا في أول هذا الفصل مسألة «الجامع الصغير»: وهي ما إذا استأجر خبازاً ليخبز له هذه العشرة المحاسيم دقيق هذا اليوم أنه فاسد على قوله، وإن ابتدأ بذكر العمل، فعلم أن ما ذكره الكرخي ليس بصحيح، وأن في المسألة روايتين على قول أبي حنيفة.
وقد قيل: الفتوى على قول أبي حنيفة على الفساد سواء ابتدأ بذكر المدة أو بذكر العمل إذا لم يتم العقد على المذكور أولاً، بأن لم يذكر الأجر معه، فأما إذا تم العقد على المذكور أولاً بأن ذكر الأجر معه، ثم ذكر الثاني لا يفسد العقد عند أبي حنيفة سواء ابتدأ بذكر العمل أو بذكر المدة، (20أ4).
وصورة ذلك إذا قال للخباز: استأجرتك اليوم بدرهم على أن تخبز لي كذا، أو قال: استأجرتك على أن تخبز لي كذا بدرهم اليوم، فهذه الإجارة جائزة عند أبي حنيفة في الوجهين جميعاً، ولو قال: استأجرتك اليوم على أن تخبز لي كذا بدرهم، أو قال: استأجرتك على أن تخبز اليوم كذا بدرهم فهذه الإجارة عند أبي حنيفة لا تجوز في الوجهين جميعاً؛ وهذا لأنه إذا لم يذكر الأجر مع الأول وإنما ذكر الأجر بعد ذكرهما فقد قابل الأجرتين كل واحد منهما يصلح معقوداً عليه وليس أحدهما بأولى من الآخر، فكان المعقود عليه مجهولاً يفسد العقد عنده، وأما إذا ذكر الأجر مع الأول، فقد تم العقد وتعين الأول مراداً من العقد بتمام العقد فالثاني لا يصلح من إجماله، ويكون ذكر الثاني إما لتعيين العمل أو للتعجيل فلا يفسد العقد عنده.
وروى محمد عن أبي حنيفة: أنه إذا قال: في اليوم تجوز كيف ما كان بخلاف ما إذا قال: اليوم، وهذا لأن بقوله في اليوم يظهر أن مراده من ذكر المدة للاستعجال؛ لأن في الظرف والمظروف قد يستعمل جزءاً من الظرف لا جميعه، فلم يصلح ذكر اليوم مع حرف في تقدير العمل به.(7/761)
-----
وفي «فتاوى أبي الليث» رحمه الله: إذا تقبل الرجل من رجل طعاماً على أن يحمله من موضع إلى موضع إلى اثنى عشر يوماً بكذا، فلم يحمله في اثنى عشر يوماً بل حمله في أكثر من ذلك قال: لا يلزمه الأجر، كمن استأجر رجلاً على أن يخيط ثوبه في يومه بدرهم فخاطه في الغد، وهذا الجواب مستقيم على قول أبي حنيفة غير مستقيم على قولهما؛ لأن من أصلهما: أن العقد في مثل هذا يقع على العمل دون الوقت.
الفصل السابع: في إجارة المستأجر
قال محمد رحمه الله: وللمستأجر أن يؤاجر البيت المستأجر من غيره، فالأصل عندنا: أن المستأجر يملك الإجارة فيما لا يتفاوت الناس في الانتفاع به؛ وهذا لأن الإجارة لتمليك المنفعة والمستأجر في حق المنفعة قام مقام الآجر، وكما صحت الإجارة من الآجر تصح من المستأجر أيضاً فإن أجره بأكثر مما استأجره به من جنس ذلك ولم يزد في الدار شيء ولا أجر معه شيئاً آخر من ماله مما يجوز عند الإجارة عليه، لا تطيب له الزيادة عند علمائنا رحمهم الله وعند الشافعي تطيب له الزيادة.
حجته في ذلك: أن هذا ربح بما قد ضمن فيطيب له كما في بيع العين.
فإنه إذا اشترى شيئاً فباعه بأكثر مما اشترى بعد القبض فإنه يطيب له الربح لأنه ربح؛ بما قد ضمن فكذلك هاهنا.
بيانه: أن الضمان من حكم القبض، وقبض المستأجر الثاني بمنزلة قبض المستأجر الأول، ولهذا وجب الأجر على الأول كما لو حدثت المنافع في قبضه، وإذا ناب قبض الثاني عن قبض الأول كانت المنافع حادثة في ضمان الأول فيكون ربح ما قد ضمن من وجه وربح ما لم يضمن من وجه فتحل من وجه ولا تحل من وجه فيرجح جانب الحرمة احتياطاً.
بيانه: أن قبض الثاني قبض الأول حكماً فإن الأجرة تجب عليه وليس يقبض الأول حقيقة فإن المنافع لم تحدث في يد الأول حقيقة فالقبض وجد من وجه ولم يوجد من وجه والضمان حكم القبض فيكون ثابتاً من وجه غير ثابت من وجه.(7/762)
-----
ونظير هذا ما قالوا: فيمن اشترى عبداً قيمته ألف درهم بألف درهم؛ فقتل قبل القبض خطأ، فاختار المشتري اتباع القاتل، وأخذ منه ألفي درهم فإنه يتصدق بألف درهم لأنه ربح ما لم يضمن من وجه وربح ما قد ضمن من وجه لأن القبض وجد من حيث الحكم لما اختار اتباع القاتل ولهذا تأكد عليه الثمن كما لو قتل نفسه ولكن من حيث الحقيقة لم يوجد القبض فلما وجد القبض من وجه دون وجه كان الضمان الذي هو حكم القبض ثابتاً من وجه دون وجه فيحل من وجه دون وجه فلا يحل احتياطاً، وأما (إذا) زاد في الدار شيئاً بأن جصّصها أو طينها أو ما أشبه ذلك أو أجر مع ما استأجر شيئاً من ماله يجوز أن يعقد عليه عقد الإجارة وتطيب له الزيادة، لأن زيادة الأجر تجعل بإزاء منفعة الزيادة وإذا ما أجر من ماله احتيالاً للطيبة، وإن كان لا يقتضيه ذلك بمطلق الانقسام.
كما لو باع درهماً وديناراً بدرهمين ودينارين نصرف الجنس إلى خلاف الجنس احتيالاً للصحة، وإن كان مطلق الانقسام لا يقتضي ذلك فكذلك هاهنا، وإذا صرفنا إلى ذلك لا تبقى زيادة الأجر ربحاً حتى يكون ربح ما لم يضمن من وجه، وكذا إذا أجره بجنس آخر تطيب له الزيادة؛ لأن الربح لا يظهر عند اختلاف الجنس.
وذكر الخصّاف في كتاب «الحيل»: أنه إذا كان المستأجر داراً فكنسها من التراب ثم أجرها بأكثر مما استأجر لا تطيب له الزيادة، وإن أجرها بأكثر مما استأجر، وقال به عند الإجارة على أن أكنس الدار يطيب لي الفضل ذكره شيخ الإسلام في «شرح كتاب الحيل».
وإن كان المستأجر أرضا فعمل لها مسقاة فذاك زيادة ويطيب له الفضل قال: وكذلك كل ما عمل فيها عملاً يكون قائماً فذاك زيادة ويطيب له الفضل وإن كرى أنهارها، ذكر الخصاف أنها زيادة توجب طيبة الفضل.(7/763)
-----(7/764)
المحيط البرهانى
قال القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمه الله: أصحابنا في هذا مترددون بعضهم يعدون هذه زيادة، وقالوا: تيسر على المستأجر إجراء الماء إليها ويسهل العمل فيها فكان ذلك زيادة، وبعضهم لا يعدون هذه زيادة؛ لأنه لم يوجد إلا رفع التراب، وذلك نقصان وليس بزيادة ولو جاز أن تطيب الزيادة بهذا لجاز أن يقال: إذا استأجر دابة وأعطاها شعيراً أنه تطيب له الزيادة؛ لأن ذلك مما يزيد في قوتها ويتيسر على المستأجر العمل بها ومع هذا لا تطيب الزيادة بذلك بالاتفاق.
وهو نظير ما لو استأجر أرضاً لا يمكن زراعتها لما فيها من التراب فرفع التراب ثم أجر بأكثر مما استأجر فإنه لا يطيب له الفضل وإن تيسر بسبب هذا الفعل الزراعة، لكن لما يزد من عنده شيئاً بل نقص لم يوجب ذلك طيبة الزيادة كذا هاهنا.
وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف: إذا استأجر الرجل بيتين صفقة واحدة، وزاد في أحدهما شيئاً وفي بعض النسخ وأصلح من أحدهما شيئاً له أن يؤاجرهما بأكثر مما استأجرهما، ولو كانت الصفقة متفرقة ليس له أن يؤاجرهما بأكثر مما استأجرهما وإذا أجر المستأجر الدار من آجره لا يجوز، لأنه لو جاز يصير الشخص الواحد مملكاً ومتملكاً في شيء واحد.
بيانه: أن المنافع إنما تصير مملوكة للمستأجر على حسب حدوثها والعقد في حق الملك يتجدد انعقاده على حسب حدوث المنافع فيصير المستأجر من الآجر متملكاً ومملكاً لكل منفعة حدثت في تلك وهذا مما لا وجه له ولا سبيل إليه، وهل تنفسخ الإجارة الأولى بهذه الإجارة الثانية مع أن الثانية لم تصح، اختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: تنفسخ.(8/1)
-----
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: هذا غلط؛ لأن الثاني فاسد والأول صحيح والفاسد لا يقدر على رفع الصحيح، وعامتهم على أنه لا تنفسخ الأولى بالثانية، ولكن إذا قبض الأجر الأول المستأجر من المستأجر الأول حتى انتهت الإجارة الأولى تنتهي الإجارة الأولى؛ (20ب4) لأن الثانية فاسخة لهما ولكن؛ لأن المنافع تحدث ساعة فساعة وعلى حسب الحدوث يقع التسليم إلى المستأجر، فإذا استأجرها الآجر من المستأجر ثانياً واستردها منه فذاك يمنعه عن تسليم ما يحدث إلى المستأجر، فإذا داما على ذلك حتى انتهت المدة فقد انتهت المدة من غير تمكن المستأجر من استيفاء المعقود عليه، فتنفسخ الإجارة الأولى ضرورة حتى أن بعد مضي بعض المدة لو استرد المستأجر الأول المستأجر من الآجر الأول داراً، وأن يسكنه بقية الشهر فله ذلك؛ لأن العقد الأول إنما انفسخ في قدر ما تلف من المنفعة وقدر ما بقي من المنفعة هو على حاله وكذلك على هذا حكم الأجرة إذا أخذ الآجر الأول المستأجر من المستأجر الأول بحكم هذه الإجارة، ودام على ذلك حتى انتهت المدة، فالأجر على المستأجر الأول وإن لم يقبضه منه فعلى المستأجر الأول الأجر.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: ذكر في كتاب المزارعة إذا دفع أرضه مزارعة ثم إن رب الأرض أخذها مزارعة من المزارع فالمزارعة الثانية باطلة والأولى على حالها كذا في الإجارة، ولو أن المستأجر أعاد المستأجر من المالك لا يسقط عنه الأجر بلا خلاف بين المشايخ.
وفي «المنتقى»: إبراهيم عن محمد رحمهما الله: رجل استأجر داراً من رجل ثم إن المستأجر أجرها من صاحبها أو أعارها منه فذلك نقض للإجارة الأولى.
ولو استأجر أرضاً ثم دفعها إلى صاحبها مزارعة إن كان البذر من قبل رب الأرض لم يجز وهذه مناقضة، وإن كان البذر من قبل المستأجر جاز.(8/2)
-----
أما الكلام في فصل الإجارة والإعارة بناء على أنه لا جواز للإجارة الثانية والعارية إلا بعد فسخ الإجارة الأولى فيتضمن إقدامها على العقد الثاني فسخاً للأول، وأما الكلام في المزارعة؛ فلأن البذر إذا كان من قبل رب الأرض فهو مستأجر الأرض فيتضمن إقدامه عليه فسخاً للإجارة الأولى.
وذكر ابن رستم في «نوادره» عن محمد: أنه لا يجوز دفع الأرض المستأجرة مزارعة إلى رب الأرض سواء كان البذر من جهه رب الأرض أو من جهة المستأجر، ولو استأجر رب الأرض بالدراهم ليعمل في الأرض جاز.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: رجل استأجر من آخر داراً أو أرضاً وزاد المستأجر فيها بناء ثم أجرها من الآخر أو أعارها منه كان هذا نقصاً للإجارة الأولى.
قال في فصل الإجارة: في «نوادر ابن سماعة» وعلى رب الدار حصة بناء المستأجر من الأجر. قال الحاكم الشهيد رحمه الله وهذه المسألة دليل على جواز إجارة البناء وحده.
وفي «فتاوى الفضل» استأجر من رجل داراً إجارة طويلة، ثم أجرها من الآخر مشاهرة لا تصح الإجارة الثانية وما أخذه المستأجر الأول من الآخر الأول فهو محسوب من رأس المال، والإجارة الأولى تنتقض في الشهر الأول من الإجارة الثانية، فأما فيما بعد الشهر الأول شك الفضل رحمه الله في انتقاضها؛ لأن الإجارة الثانية وقعت على شهر واحد، ثم قال: كلما دخل شهر بعد شهر يجب أن تنتقض الأولى؛ لأنه كلما دخل شهر انعقدت الإجارة الثانية.
وهكذا قال القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي رحمه الله، وجعله نظير ما باع ثم باع فإن الثاني يفسخ الأول كذا هاهنا، فقيل لركن الإسلام: هذا ليس نظير ما لو باع ثم باع؛ لأن هناك كل واحد من البيعين صحيح فجاز أن ينفسخ الأول بالثاني، وهاهنا الإجارة الثانية فاسدة فكيف تنفسخ الأولى بالثانية فأشار وركن الإسلام إلى أنه يجوز أن يقع العقد فاسداً ويوجب انتقاض عقد وقع صحيحاً.
(8/3)
-----
فقال: ألا ترى أن المشتري إذا باع المشترى قبل القبض من بائعه فهذا العقد لا يصح ويوجب انتقاض العقد الأول على ما رواه خالد بن صبيح عن أبي يوسف رحمه الله، ورواية خالد بن صبيح مخالفة لظاهر الرواية، قال في ظاهر الرواية: لا ينتقص البيع الأول بهذا البيع.
وذكر في كتاب الصلح مسألة تدل على أن المستأجر يملك الإجارة من المالك.
وصورتها: الموصى له بغلة عبد بعينه إذا آجر العبد من أجنبي أو وارث الوصي إنه يجوز ووجه الدلالة: أن الوارث قائم مقام المورث وحال الموصى له بالغلة كحال المستأجر وإذا أجر المستأجر المستأجر من رجل ثم إن المستأجر الثاني أجره من المالك كان القاضي أبو علي النسفي رحمه الله يحكي عن أستاذه أنه يجوز.
وهكذا ذكر الحاكم الشهيد رحمه الله في «المنتقى»: عن محمد، قال شمس الأئمة الحلواني: ذكر ابن سماعة في «نوادره» عن محمد أن الإجارة من المالك لا تجوز سواء كان المستأجر الأول آجر بنفسه أو آجر مستأجره.
قال رحمه الله: وعليه عامة المشايخ. الغاصب إذا أجر المغصوب من غيره ثم إن المستأجر من الغاصب آجره من الغاصب وأخذ منه الأجر كان للغاصب أن يسترد منه ما دفع إليه من الأجر لوجهين:
أحدهما: أن إجارة المستأجر من الغاصب رد للمغصوب، كما جعل بيع المشتري شراءً فاسداً من بائعه رداً للمشتري الثاني أن إجازة الغاصب العقد فيصير المستأجر من الغاصب أجر من أجره، وأنه لا يجوز للفقه الذي روينا وعلى هذا المستأجر من المالك إذا آجر من غيره ثم إن المستأجر الثاني آجره من المستأجر الأول لا يصح وطريقه ما قلنا: إذا استأجر كرماً ثم إن المستأجر دفع الكرم إلى المؤاجر معاملة فهذا على وجهين: إن كان المالك في الإجارة باع الأشجار كما هو أحد الطريقين جاز وإن كان دفع الأشجار معاملة كما هو الطريق الآخر لا يجوز وإذا استأجر إجارة فاسدة فآجر المستأجر من غيره إجارة صحيحة جاز إليه أشار في إجارات الفقيه أبي الليث رحمه الله.(8/4)
-----
ومن المشايخ من قال: لا يجوز واستخرج الرواية من مسألة ذكرنا في كتاب الإجارات في باب إجارة الدور رجل دفع داره إلى رجل على أن يسكنها ويردها ولا أجر لها فأجرها هذا المستأجر من رجل وانهدم من سكنى الثاني ضمن الثاني بالاتفاق؛ لأنه صار غاصباً فهذا إشارة إلى أن الإجارة الثانية لم تصح.
ألا ترى أنه أوجب الضمان على الثاني، وألا ترى أنه سماه غاصباً، وعامة المشايخ على أنه يملك قالوا: وما ذكر في كتاب الإجارات ليس برواية في هذه المسألة؛ لأن ذلك ليس بإجارة بل هو عارية؛ وهذا لأنه لم يذكر الحرمة على سبيل الشرط؛ لأنه لم يذكر كلمة الشرط إنما ذلك على سبيل المشورة إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل فكان الأول مستعيراً لا مستأجراً والمستعير يملك أن يؤاجر.
وزان مسألتنا في تلك المستأجر، أن لو ذكر الحرمة على سبيل الشرط ولو كان هكذا حتى كان العقد الأول إجارة فاسدة لا يجب الضمان على الثاني، وتصح الإجارة من الثاني؛ وهذا لأن المستأجر إجارة فاسدة ملك المنفعة بقبض المستأجر فيملك تمليكها من غيره ملكاً صحيحاً كالمشتري شراءً فاسداً ملك التمليك من غيره صحيحاً، ثم على قول من يقول بأن المستأجر إجارة فاسدة يملك أن يؤاجر من غيره إجارة صحيحة إذا أجر كان الأول أن ينقض الثاني.
كما إذا اشترى شيئاً شراءً فاسداً وأجره من غيره إجارة جائزة بخلاف ما إذا اشترى شراء فاسداً وباعه من غيره بيعاً صحيحاً.(8/5)
-----
والفرق أن الإجارة تنفسخ بالأعذار والنَّساء عذراً يرفع، أما البيع مما لا ينفسخ (21أ4) بالأعذار المستأجر إذا أجر من غيره أو دفع إلى غيره مزارعة، ثم إن المستأجر الأول فسخ العقد الأول هل ينفسخ العقد الثاني؟ اختلف المشايخ فيه والصحيح أنه ينفسخ اتحدت المدة أو اختلفت، أما إذا اتحدت فظاهر، وأما إذا اختلفت فلأنه لما فسخ الإجارة الأولى تبين أن المستأجر فضولي في الإجارة من الثاني في هذه المدة وهو المدة بعد فسخ الأول، والفضولي في المعاوضات المالية يملك الفسخ قبل الإجازة.
وفي «فتاوى الفضلي»: استأجر الرجل من غيره موضعاً إجارة طويلة ثم إن المستأجر أجره من عبد الآخر، فإن كان بغير إذن مولى العبد لم يحسب على المستأجر ما أخذ من العبد من رأس ماله؛ لأنه ليس للعبد أن يفسخ الإجارة بغير إذن المولى، وأما إذا كان العبد استأجره بإذن المولى، فقد توقف الشيخ الإمام فيه، والصحيح أن يقال: استئجار العبد بإذن المولى كاستئجار المولى بنفسه، وقد مرّ الكلام فيه من قبل.
وفي «فتاوى أبي الليث»: رجل أجر داره من رجل كل شهر بدرهم ثم باعها من آخر، فكان المشتري يأخذ أجرة الدار من هذا المستأجر وأتى على ذلك زمان، وقد كان وعد المشتري البائع أنه إن رد الثمن عليه رد عليه داره ويحتسب عليه ما قبض من المستأجر، ثم جاء البائع بالدرهم وأراد أن يحسب الأجر من ذلك.(8/6)
-----
قال: لما طلب المشتري الأجر من المستأجر كان ذلك إجارة منه وصار بمنزلة إجارة مستقلة وجميع ما أخذ من الأجر للمشتري، وليس للبائع من الأجر لا قليل ولا كثير؛ لأن الأجر وجب بعقد المشتري على ما ذكرنا، ومواضعة المشتري على رد الدار وعد منه فإن أنجز فحسن وإلا فلا شيء عليه، وإن كان الشرط في البيع فالبيع فاسد؛ لأنه شرط يخالف مقتضى العقد، الأجر المستأجر من رجل آخر لا تنعقد الإجارة الثانية في حق الآجر حتى لو سقط حق المستأجر الأول لا يلزمه التسليم إلى المستأجر الثاني، لأن الإجارة تصادف المنفعة والمنفعة صادفت حقاً للأول، فالإجارة الثانية صادفت حق الغير فلم تنعقد، والإجارة تخالف البيع فإن بيع الآجر المستأجر ينعقد نافذاً في حق البائع حتى لو سقط حق المستأجر يلزمه التسليم إلى المشتري، إنما لا ينفذ في حق المستأجر حتى لا يكون للمشتري حق الأخذ من المستأجر؛ لأن البيع يصادف الرقبة والرقبة لم تصر حقاً للمستأجر، فالبيع ما صادف حق المستأجر إنما صادف حق البائع فانعقد صحيحاً لكن لا يؤمر المستأجر بتسليمه إلى المشتري صيانة لحق المستأجر، فإذا سقط حق المستأجر زال المانع فعمل ذلك البيع علمه.
ثم المشتري في هذه المسألة بالخيار إن شاء تربص حتى انقضت مدة المستأجر، وإن شاء رفع الأمر إلى القاضي ويطلب التسليم هكذا ذكر في «الزيادات» ولم يفصل بينهما إذا علم المشتري بكونه مستأجراً أو لم يعلم وهذا قول محمد.
وعلى قول أبي يوسف: إذا علم المشتري بكونه مستأجراً لا يجوز وقد ذكرنا المسألة في كتاب البيوع.(8/7)
-----
ولو أراد المستأجر فسخ هذا البيع ذكر الصدر الشهيد رحمه الله في «الفتاوي» أن في ظاهر الرواية له ذلك، وفي رواية الطحاوي ليس له ذلك وأحال إلى رهن الجامع لشمس الأئمة الحلواني في شرح «الإسبيجابي» إنه ليس للمستأجر حق الفسخ، وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي، وهكذا ذكر في شرح القدوري، وفي شرح الساقي في رهن الجامع للسيد الإمام أبي شجاع، وذكر شيخ الإسلام أن في المسألة روايتين: في رواية للمستأجر حق الفسخ وهو القياس، وفي رواية ليس له حق الفسخ وهو الاستحسان وعليه الفتوى.
الفصل الثامن: في انعقاد الإجارة بغير لفظ، وفي الحكمببقاء الإجارة أو انعقادها مع وجود ما ينافيها
وإذا استأجر الرجل من آخر داراً شهراً فسكنها شهرين فعليه أجر الشهر الأول، وليس عليه في الشهر الثاني أجر؛ لأنه سكن في الشهر الثاني من غير إجارة من المالك فكان غاصباً هكذا ذكر في عامة روايات كتاب الإجارة.s
وذكر في بعض الروايات: أنه يجب عليه الأجر في الشهر الثاني أيضاً، قال مشايخنا: ما ذكر في عامة الروايات محمول على ما إذا لم تكن الدار معدة للاستغلال، لأنها إذا لم تكن معدة للاستغلال لا تثبت الإجارة في الشهر الثاني لا نصاً ولا عرفاً وما ذكر في بعض الروايات محمول على ما إذا كانت الدار معدة للاستغلال؛ لأنها إذا كانت معدة للاستغلال في العقد في الشهر الثاني، إن لم يثبت نصاً فقد ثبت عرفاً والثابت عرفاً كالثابت نصاً.(8/8)
-----
وعن هذا قلنا: إذا سكن الرجل في دار رجل ابتداء من غير عقد، فإن كانت الدار معدة للاستغلال يجب الأجر، وإن لم تكن معدة للاستغلال لا يجب الأجر إلا إذا تقاصا صاحب الدار بالأجر وسكن بعد ما تقاصاه؛ لأن سكناه تكون رضا بالأجر، قالوا: وفي المعدة للاستغلال إنما يجب الأجر على الساكن، إذا سكن على وجه الإجارة عرف ذلك عنه بطريق الدلالة أما إذا سكن بتأويل عقد أو تأويل ملك كبيت أو حانوت بين رجلين سكن أحدهما فيه لا يجب الأجر على الساكن، وإن كان ذلك معداً للاستغلال.
وذكر محمد رحمه الله: في باب إجارة الحمام إذا استأجر حماماً ليعمل فيه شهراً فعمل فيه شهرين فلا أجر عليه في الشهر الثاني؛ لأنه لا عقد في الشهر الثاني، قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: هذه المسألة دليل عل أن في مسألة الدار لا يجب الأجر بدون العقد، وإن كانت الدار معدة للاستغلال.
ألا ترى أنه لم يوجب في الحمام أجر الشهر الثاني، وإن كان الحمام معداً للاستغلال والكراء قال شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده رحمه الله: الجواب في الحمام كالجواب في الدار وما ذكر في الحمام محمول على ما إذا لم يكن الحمام معداً للكراء والإنسان قد يبني الحمام للكراء، وقد يبني لحاجة نفسه ثم يؤاجره شهراً معارض أمر، وعلى هذا الاعتبار لا تكون مسألة الحمام مخالفة لمسألة الدار.
وفي «الفتاوى»: خانٌ فيه نزل رجل يكون نزوله بأجر، ولا يصدق أنه سكن بغير أجر وهذا بناء على أن الخان غالباً يكون معداً للكراء فسكناه يكون رضا بالأجر وبه كان يفتي محمد بن سلمه وأبو نصر بن سلام والفقيه أبو بكر والفقيه أبو الليث.
وكان نصر رحمه الله يقول: لا يجب الأجر بنزوله إلا أن يتقاصا عليه صاحب الخان فإذا تقاصاه وأجابه ولم يخرج الآن يجب الأجر ولكن من حين نزل؛ لأن إجابته بعد التقاصي دليل على أن سكناه كان بأجر.(8/9)
-----
وبعض مشايخ زماننا قالوا: الفتوى على لزوم الأجر؛ لأن الظاهر السكنى بأجر فيجب اعتبار هذا الظاهر إلا إذا عرف بخلافه بأن صرح بأن نزل بطريق الغصب أو كان الساكن معروفاً بالظلم والغصب مشهوراً بالنزول في مساكن الناس لا بطريق الإجارة فلا يجب الأجر وذكر بعد هذا ما يخالف هذا القول فقال: رجل له حوانيت مشعلة، جاء إنسان وسكن في واحد منها يلزمه أجر المثل ولو قال: كنت غاصباً لا يصدق؛ لأنه ادعى بخلاف الظاهر فهو كمن دخل الحمام من غير أن يصرح له صاحب الحمام بالأذن، وقال: دخلت على وجه الغصب لا يصدق.
وفي «الفتاوى» أيضاً: مقصرة يعمل فيها القصارون ولرجل فيها أحجار يؤاجرها منهم جاء قصار وعمل فيها ولم يشارط صاحب الأحجار بشيء، فإن لم يكن المعروف عندهم أن من شاغل عليها وأدى الأجر فلا أجر عليه إذا (21ب4) عمل بغير إذن رب الأحجار؛ لأنه لم يوجد العقد لا صربحاً ولا دلالة، وإن كان المعروف عندهم أن من شاء عمل عليها وأدى الأجر فعليه الأجر؛ لأن المعروف كالمشروط، ثم إن كان لهذا الحجر أجرة معروفة فيما بينهم يجب ذلك، وإلا يجب أجر المثل.
وفي «المنتقى»: عن محمد صاحب الدار إذا قال للغاصب هذا داري فاخرج منها فإن نزلتها فهي عليك بكذا فجحدها الغاصب، ثم أقام المالك عليه البينة بعد أشهر فلا أجر؛ لأن النازل لم يزل جاحداً ومع الجحود لا يمكن القول بانعقاد الإجارة ولو كان مقراً بالدار للمدعي، والباقي بحاله كأن سكناه رضا بالإجارة ويجب الأجر؛ لأن المالك أجر منه إجارة مضافة وهو قد قبلها دلالة.
وفيه أيضاً: اكترى داراً منه بألف درهم، فلما انقضت: السنة قال رب الدار: إن فرغتها اليوم وإلا فهي عليك كل شهر بألف درهم، فإنما يجعل في قدر ما ينقل متاعه منها بأجر المثل، فإن فرغها إلى ذلك الوقت وإلا جعلناها بعد ذلك بما قال المالك لأنه قبل ذلك دلالة.(8/10)
-----
وفي «إجارات النوازل»: رجل استأجر حانوتاً كل شهر بثلاثة دراهم مثلاً، فلما مضى شهران قال له صاحب الحانوت: إن رضيت كل شهر بخمسة دراهم وإلا فأفرغ الحانوت فلم يفرغ بل سكن فيه فعليه لكل شهر خمسة وسكناه رضا بما قال صاحب الحانوت، ولو قال المستأجر: لا أرضى بخمسة وسكنها لا يجب عليه إلا الأجر الأول.
وفي «فتاوى أهل سمرقند»: إذا قال لغيره: بكم تؤاجر هذه الغرارة شهراً فقال بدرهمين فقال المستأجر: لا بل بدرهم، وقبضها ومضى الشهر يجب أجر المثل لا يزاد على درهمين ولا ينقص من درهم والصحيح أنه يجب درهم لما ذكرنا.
وفي «فتاوي أبي الليث»: ومن رعى غنم إنسان إذا قال الراعي لصاحب الغنم: لا أرعى غنمك بعد هذا إلا أن تعطيني كل يوم درهماً فلم يقل صاحب الغنم شيئاً، وترك غنمه معه لزمه كل يوم درهم وترك صاحب الغنم غنمه معه رضاً منه بما قال الراعي.
وفيه أيضاً: رجل استأجر أجيراً ليحفظ شهره كل شهر بكذا ثم مات المستأجر فقال الوصي للأجير: اعمل عملك على ما كنت تعمل، فإنا لا نحبس عنك الأجر فأتى على ذلك أيام ثم باع الوصي الضيعة فقال المشتري للأجير: اعمل عملك فإنا لا نحبس عنك الأجر فمقدار ما عمل الأجير في حياة الأول يجب الأجر في تركته ومن حين قال له الوصي: اعمل عملك يجب على الوصي ومن حين قال له المشتري: اعمل عملك يجب على المشتري، إلا أن الواجب في تركة الميت المسمى لوجود التسمية منه والواجب على الوصي وعلى المشتري أجر المثل إذا لم يعلما مقدار المشروط من الميت أما إذا علما ذلك وأمراه أن يعمل على ذلك الشرط فعليهما المسمى.
وفيه أيضاً: رجل استأجر من رجل حماراً بعشرة بعضها جياد وبعضها زيوف فقال المكاري في الطريق: أنا أطلب الكل جياداً فقال المستأجر بالفارسية: حنان كتم له ترخوا مني، فهذا وعد منه ولا يلزمه بذلك شيء وكذلك لو استزاده في الأجر فأجابه بذلك شيء.(8/11)
-----
قال في «الأصل»: وإذا استأجر دابة إلى مكان مسمى، فمات صاحب الدابة في وسط الطريق كان للمستكري أن يركب الدابة إلى المكان المسمى بالأجر، فإذا وصل إلى ذلك المكان يرفع الأمر إلى القاضي، وفي هذا الفصل إشكال؛ لأن المكاري يؤاجر وموت المؤاجر لا يوجب انتقاض الإجارة وإنما لا تنتقض الإجارة؛ لأن الحال حالة العذر، والإجارة تنعقد ابتداء بالعذر فإن من استأجر سفينة شهراً فمضت المدة، والمستأجر في وسط البحر، فإنه تنعقد بينهما إجارة مبتدأة فلأن تبقى حالة العذر كان أولى.
وبيان العذر أنه يخاف على نفسه وماله؛ لأنه لا يجد دابة أخرى في وسط المفازة، ولا يكون ثمة قاضى حتى يرفع الأمر إليه فيؤاجر الدابة منه ثانياً حتى قال مشايخنا: لو وجد ثمة دابة أخرى يحمل عليه متاعه تنتقض الإجارة، وكذلك لو كان الموت في موضع ثمة قاض تنتقض الإجارة؛ لأنه لا ضرورة إلى إبقاء الإجارة مع وجود ما ينافي البقاء وهو موت الآجر، لأنه يمكنه المرافقة إلى القاضي حتى يؤاجر الدابة منه.
نص على هذا في الشروط وإليه أشار في «الأصل»، فإنه قال في عين هذه المسألة فإذا وصل ذلك المكان يرفع الأمر إلى القاضي فقد أخر الأمر بالمرافعة إلى أن يصل إلى ذلك المكان، ولو كان الموت في موضع فيه قاض لم يكن لتأخير الأمر بالمرافعة معنى وفائدة، ثم إذا ركب المستكري الدابة إلى ذلك المكان وأنفق عليها في الطريق كان متبرعاً حتى لا يرجع على ورثة المكاري بذلك.(8/12)
-----
وكذلك إذا استأجر المستكري رجلاً يقوم على الدابة كان أجره على المستكري ولا يرجع بذلك على ورثة المكاري؛ لأن الإنفاق والاستئجار حصل بغير إذن الورثة وبغير إذن من يلي على الورثة ثم إذا وصل إلى ذلك المكان رفع الأمر إلى الحاكم لأن الإجارة قد انفسخت لما وصل إلى ذلك المكان لأنه زال العذر لما وصل إلى ذلك المكان، وإذا انتقضت الإجارة بقيت دابة الغير في يده بغير إجارة ويرفع الأمر إلى القاضي ليقضي القاضي بها هو الأصلح لورثة الميت.
فإن رأى القاضي الصلاح في أن يؤاجر منه ثانياً بأن عرف المستأجر ثقة أميناً ورأى الدابة قوية حتى عرف أن الورثة يصلون إلى عين ما لهم متى آجر منه وإن رأى الصلاح في بيع الدابة بأن أتهم المستأجر أو رأى الدابة ضعيفة ظاهراً يعلم أن الورثة لا يصلون إلى عين ما لهم وإن وصلوا يلحقهم ضرر عظيم ببيع الدابة ويكون بيعه حفظاً للمال على الغائب لا قضاء على الغائب.
وإن كان المستأجر قد عجل الأجر إلى رب الدابة وفسخ القاضي الإجارة وباع الدابة، فادعى المستأجر ذلك، فالقاضي يأمره بإقامة البينة على دعواه؛ لأنه يدعى ديناً على الميت ومجرد الدعوى بدون البينة لا تكون معتبرة شرعاً وينصب القاضي وصياً عن الميت حتى يسمع البينة لأن البينة لا تسمع إلا على الخصم وللقاضي ولاية نصيب الوصي عن الميت.(8/13)
-----
ذكر محمد رحمه الله في «السير الكبير»: مسألة السفينة إذا انقضت مدة الإجارة في المفازة ولا يجد المستأجر سفينة أخرى، أو رأى أخر وأبى الآجر أن يؤاجر منه وقد حضرهم الإمام، إن الإمام يجعل ذلك للمستأجر كل يوم بكذا بشرط، أن تكون هذه الإجارة من الإمام. وقد ذكر ابن سماعة في «نوادره» هذه المسألة عن محمد ولم يشترط أن يكون المؤاجر هل الإمام بل شرط أن يقول المستأجر استأجرت هذه السفينة كل يوم بكذا أو يؤاجره واحد من أصحابه ورفقائه، فإن أبى الأجر بعد ذلك أن يعطيه السفينة أو الرق استعان المستأجر بأعوانه ورفقائه حتى يترك السفينة والرق عليه، إلى أن يجد سفينة أخرى ورقاً أخرى وإنما احتيج إلى إنشاء العقد في هذه الصورة؛ لأن وضع المسألة أن صاحب السفينة أو صاحب الرق أبى الإجارة صريحاً، ومع إبانة ذلك صريحاً لا يمكن إثبات العقد دلالة فلا بد من إنشائه صريحاً، وبهذه المسألة تبين أن من سكن دار غيره لا يجب الأجر إذا كان صاحب الدار يأبى ذلك، وإن كانت الدار معدة للاستغلال إلا استأجر الساكن بنفسه فيقول: استأجرت كل شهر بكذا، ثم قال: ليس في مسألة السفينة والرق اختلاف الروايتين ما ذكر في السير محمول على ما إذا احضر الإمام.
وما ذكر في (22أ4) «نوادر ابن سماعه»: محمول على ما إذا لم يحضر الإمام، وفي «الأصل» إذا انقضت مدة الإجارة وفي الأرض رطبة قلعت لو انقضت مدة الإجارة، وفي الأرض زرع لم يدرك يترك في يده إلى أن يستحصل بأجر المثل، ولو مات الآجر أو المستأجر في وسط المدة وفي الأرض زرع تترك الأرض في يد المستأجر أو ورثته بالأجر المسمى.(8/14)
-----
وفي «المنتقى»: إذا انقضت الإجارة وفي الأرض رطاب تركت فيها بأجر مثلها حتى يحر وهو على أول جره يدرك انقضاء الإجارة، وقال في الموت إذا مات المؤاجر وفي الأرض رطاب تركت بالمسمى حتى يجر؛ لأن للجرة الأولى غاية معلومة، فصارت الرطبة نظير الزرع، وإنما اعتبرنا الجرة الأولى؛ لأن طريق الترك إما إبقاء ذلك العقد في الفصلين كما ذهب إليه بعض المشايخ؛ لأن القول بالانفساخ والتجديد من ساعته في صورة العيب وحاشا الشرع عن ذلك، وأما تجديد العقد فيهما؛ لأن حكم البقاء في هذا الباب يخالف حكم الابتداء؛ لأن العقد الأول إذا بقى يبقى المسمى، وإذا تجدد العقد يجب أجر المثل، وإذا اختلف الحكم لا يكون عيباً أو بقاء العقد في الفصل الثاني وتجديده في الفصل الأول؛ لأن الحاجة في الفصل الأول إلى الابتداء، وإلى الفصل الثاني إلى البقاء وأياً ما كان فهو ضروري، والثابت بالضرورة لا يراعى فيه النهاية فيقع على الجرية الأولى لهذا ومن هذا الجنس إذا استأجر من آخر زقاقاً، وجعل فيها خلاً ثم انقضت الإجارة في صحراء جعل عليه بأجر مثله إلى موضع يحد فيه زقاقاً، ولو مات المؤاجر قبل مضي المدة لا يجعل عليه بأجر مثلها لكنها تترك على الإجارة الأولى.
وروى إبراهيم عن محمد: في رجل استأجر أرضاً سنة، وزرعها ثم اشتراها المستأجر ورجل آخر حتى انقضت الإجارة نترك الزرع في الأرض حتى يستحصد ويكون للشريك على صاحب الزرع أجر مثل نصف الأرض.
وفي «الأمالي»: عن أبي يوسف إذا انقضت مدة الإجارة والزرع بقل فلم يختصموا فيه حتى استحصد فله من الأجر بحساب ذلك، ولا يتصدق رب الزرع بالفضل وإن انقضت مدة الإجارة، ولم يخرج الزرع فسخت الإجارة ورددت الأرض على صاحبها فإن خرج بعد ذلك رددت إلى صاحب البذر، فيكون له الزرع وعليه أجر مثل الأرض وكذلك لو لم يختصموا حتى يستحصد.(8/15)
-----
وفي «فتاوى أهل سمرقند»: إذا استأجر أرضاً وغرس فيها أشجاراً ثم انقضى وفيها فعلى المؤجر قيمة الأشجار مقلوعة؛ لأن حق المستأجر أشجار مقلوعة؛ لأن لرب الأرض قلع أشجاره، إلا أنه يمنع عن ذلك دفعاً للضرر عن الغارس كذا ذكر هاهنا، والصحيح أنه إذا انقضت المدة فلرب للأرض أن يطالب المستأجر بتفريغ أرضه إذا كان فيها غرس بخلاف ما إذا كان فيها زرع حيث يترك لإدراك الزرع نهاية، ولا كذلك الغرس وليس لرب الأرض أن يتملك الأشجار على الغارس إذا لم يكن في قلعها ضرر فاحش بالأرض.
وفيه أيضاً: استأجر من آخر بيتاً ووضع فيه حبات خل فانقضت مدة الإجارة والمستأجر يأبى تفريغ الحانوت فإن كان الخل بلغ مبلغاً لا يفسد بالتحويل يؤمر بالتحويل، وإن كان يفسد لا يؤمر بالتحويل، ويقال للمستأجر: إن شئت فرّغ الحانوت، وإن شئت فاستأجر منه إلى وقت إدراكه والمراد من قوله استأجر منه الحكم بأجر المثل عليه لا الاستئجار ابتداء ببدل مسمى؛ لأن هذا بمنزلة مدة نقل المتاع وتفريغ الدار، والواجب هناك أجر المثل دون الإجارة ابتداء ولو مات المؤاجر أو المستأجر قبل انقضاء المدة، ولم يتيسر التفريغ يجب المسمى استحساناً والقياس أن يجب أجر المثل كما بعد انقضاء المدة.
وفي «فتاوى أهل سمرقند»: إذا انقضت مدة الإجارة ورب الدار غائب فلم يرد المستأجر الدار بل سكن فيها سنة ثم حضر رب الدار لا يلزمه الأجر لما بعد انقضاء المدة؛ لأنه سكنها بلا عقد ولو مات المؤاجر فسكنه المستأجر اختلف المشايخ فيه منهم من قال: يجب الأجر؛ لأنه مات على الإجارة وليس بغاصب، ومنهم من قال: هو غاصب في الشهر الأول بعد الموت؛ لأن الإجارة تثبت صريحاً أو دلالة وقد عدم الأمران ويلزمه الأجر في الشهر الثاني إذا طلب صاحب الدار الأجر.(8/16)
-----
وقيل: إذا سكن بعد الموت أو بعد انقضاء المدة فلا أجر عليه قبل الطلب، وإذا سكن بعد الطلب فعليه الأجر لما سكن بعد الطلب سواء كان في الشهر الأول أو في الشهر الثاني وهذا القائل يقول: لا فرق في هذا بين الدار المعدة للإجارة وغير المعدة للإجارة إنما ذلك في ابتداء السكنى على ما مر، والأصح أنه يلزمه الأجر إذا كانت الدار معدة للاستغلال على كل حال.
وفي «الأمالي» عن محمد: رجل استأجر أرضاً بدراهم معلومة سنة، وزرعها ثم مات المؤاجر قبل أن يستحصد الزرع، واختار المستأجر المضي على الإجارة حتى يستحصد الزرع وبالأجر كفيل قال: لا يبرأ الكفيل من أجر ما بقي إلى أن يستحصد الزرع، وكذلك لو لم يمت الآجر ولكن مات المستأجر واختار ورثته ترك الزرع في الأرض حتى يستحصد لم يبرأ الكفيل من الكفالة، فإن قال المؤاجر: لا أرضى إلا أن يكون الأجر على ورثة الميت؛ لأن مال الميت لا يفي بالأجر ليس له ذلك؛ لأنها تركت على الإجارة الأولى والأجر في الإجارة الأولى في مال الميت وفى بالأجر أو لم يفِ ولو انقضت السنة، ثم مات المستأجر والزرع بقل واختار ورثته ترك الزرع بأجر المثل فالأجر عليهم في مالهم دون مال الميت والله أعلم بالصواب.
(8/17)
الفصل التاسع: فيما يكون الأجير مسلماً مع الفراغ منه وما لا يكون
-----
قال محمد رحمه الله: في «الجامع الصغير» عن أبي حنيفة: رجل استأجر رجلاً ليخبز له فخبز فلما أخرج الخبز من التنور احترق من غير عمله فلا ضمان عليه وله الأجر، وهذا إذا كان الخباز يخبز في بيت المستأجر؛ وهذا لأنه لما أخرج الخبز من التنور فقد أتم العمل؛ لأن عمله جعل الدقيق خبزاً ومتى أخرجه من التنور صار منتفعاً به انتفاع الخبز فيتم عمله، وصار مسلماً لقيام يد المستأجر على الخبز؛ لأن الخبز في بيته، والبيت في يده فتثبت يده على الخبز ضرورة ثبوت يده على البيت وإذا صار مسلماً إليه وجب الأجر، فإذا هلك بعد ذلك فقد هلك بعد ما صار مسلماً إلى المستأجر، فلهذا قال: فله الأجر ولا ضمان عليه.
أما عند أبي حنيفة رحمه الله؛ فلأنه لم يهلك من عمله وأما على قولهما: فلأن هلك بعد التسليم.
وذكر القدوري في «شرحه» في هذه المسألة: أن عليه الضمان على قولهما لأن العين مضمون على الأجير بمنزلة المغصوب في يد الغاصب، فلا يبرأ عن الضمان إلا بالتسليم دون الوضع في بيته ثم على ما ذكره القدوري إذا وجب الضمان عندهما، كان لصاحب الدقيق الخيار إن شاء ضمنه دقيقاً مثل دقيقه، ولا أجر له وإن شاء ضمنه قيمة الخبز مخبوزاً وأعطاه الأجر.
قال القدوري في «شرحه»: ولا ضمان عليه في الحطب والملح عندهما؛ لأن ذلك صار مستهلكاً قبل وجوب الضمان عليه وحال ما وجب الضمان فهو رماد لا قيمة له، وإن لم يخرج الخبز من التنور حتى احترق فلا أجر له؛ لأنه لم يتم عمله فإن ما عمل غير منتفع به فصار كأنه لم يوجد أصلاً فلهذا ما وجب الأجر.(8/18)
-----
وفي القدوري: إذا استأجر (22ب4) رجلاً ليبني له بناء في داره أو فيما هو في يده أو يحفر له بئراً أو قناة في داره أو نهراً، فعمله ولم يفرغ منه حتى انهدم البناء، وانهارت البئر فله من الأجر بحصة ما عمل؛ لأن العمل بقدر ما عمل وقع مسلماً؛ لأن محل العمل في يد المستأجر فيستحق الأجر، وإن كان ذلك في غير ملكه ولا هو في يده فلا أجر له حتى يفرغ منه ويسلمه إليه؛ لأن التسليم لم يوجد، فإن العمل في المحل إنما يعتبر مسلماً إلى المستأجر على تقدير كون المحل في يده.
وقال الحسن بن زياد: إذا أراه موضعاً من الصحراء ليحفر فيه بئراً فهو بمنزلة ما لو كان في ملكه ويده قال: وهو قياس قول أبي حنيفة فإنه تثبت يده عليه بالتعيين، لأنه يثبت له ضرب خصوصية فيجعل بمنزلة الملك فيما بينهما، وعن محمد أنه لا يصير قابضاً إلا بالتخلية وهو الصحيح؛ لأنه وإن عين لم تثبت يده على المحل.
وفي «الأصل» يقول: إذا استأجر ليحفر له بئراً في الجبانة فحفرها فلا أجر له حتى يسلمها إلى صاحبه قال مشايخنا رحمهم الله: إن محمداً رحمه الله سلم هذه الإجارة ولم يشترط بيان موضع الحفر قالوا: وهذه إشارة إلى أن بيان الموضع في غير ملكه ليس بشرط.
قال في «الأصل»: وإذا استأجر الرجل رجلاً ليضرب له لبناً في داره وعين اللبن أو سمى ملبناً معلوماً فالإجارة جائزة؛ لأنه استأجره لعمل معلوم، وإن لم يعين الملبن ولا سمى ملبناً معلوماً، فإن كانت بلدة ملابينهم مختلفة، وكل الملابن في الاستعمال على السواء فالإجارة فاسدة وإن كانت بلدة لأهلها ملبن واحد أو ملابن مختلفة، إلا أنه غلب استعمالهم لواحد تجوز الإجارة؛ لأن الملبن معلوم في هذه الحالة عرفاً إن لم يكن معلوماً شرطاً، فإن لبنه وأصاب المطر اللبن فأفسده قبل أن يدفعه فلا أجر له، وإن كان يعمل في داره.(8/19)
-----
فرق بين هذا وبينما إذا استأجر خياطاً ليخيط له ثوباً في داره فخاط بعض الثوب فسرق يستحق الأجر بقدره.
وكذلك إذا استأجر حفاراً يحفر بئراً في داره فحفر بعضه فانهار استحق الأجر بقدر ما حفر، وكذلك إذا استأجر بنَّاء ليبني له بناء في أرضه فبنى البعض فانهدم، فإنه يستحق من الأجر بقدره.
والفرق بين هذه المسائل وبين مسألة اللبن: أن في مسألة اللبن قدر ما وجد من العمل أن وقع مسلماً إلى المستأجر من الوجه الذي صار مسلماً في تلك المسائل، إلا أن هذا القدر من العمل في مسألة اللبن غير مقابل بالأجر؛ لأن الأجر مقابل بعمل الثلثين وليس بثلثين؛ لأن الثلثين لم يتم بعد.
ألا ترى أنه يحتاج إلى إحداث عمل آخر فيما عمل، وهو النصب والتسوية فيكون ما يجد به من العمل فيما عمل إتماماً للعمل الأول؛ لأنه يجعل في محل عمل الأول فيكون إتماما لذلك العمل وإذا لم يتم الثلثين قبل النصب والإقامة والأجر مقابل بالثلثين لم يستحق شيئاً.u
وإن كان يعمل في داره كما لو استأجر خياطاً ليخيط له ثوباً في داره فقطع الثوب، وقبل الخيط وسرق الثوب لا يستحق بإزاء ما عمل شيئاً وإن وقع ذلك القدر مسلماً، لأنه يعمل في داره إنما كان كذلك؛ لأن الأجر مشروط مقابل بالخياطة، وما صنع ليس بخياطة إنما هو عمل من أعمال الخياطة.
وكذلك إذا استأجر رجلاً ليخبز له دقيقاً معلوماً في داره فنخل الدقيق وعجن ثم سرق قبل أن يخبزه لا يستحق أجراً وكذلك لو احترق الخبز في التنور قبل إخراجه من التنور لا أجر له، وإن كان يخبز في بيت المستأجر؛ لأن الأجر مقابل بالخبز ولم يوجد الخبز إنما وجد عمل من أعماله فكذا في مسألتنا.
بخلاف ما إذا خاط بعض الثوب؛ لأن القدر الذي أتى به خياطة ألا ترى أنه لا يحتاج إلى فعل آخر فيما خاط، فإنما يحتاج إلى إحداث فعل آخر في محل آخر مثل الأول وما يوجد من الفعل في محل لا يكون إتماماً لما وجد من الفعل في محل آخر.(8/20)
-----
وكذلك قدر ما حفر حفر تام، ألا ترى أنه لا يحتاج إلى إحداث فعل آخر فيما حفر وفي البناء كذلك، فإذا تم الفعل الذي صار الأجر به مقابلاً وقد وقع مسلماً إذا كان يعمل في داره استحق الأجر بقدره، وإن هلك بعد ذلك قياس مسألة اللبن من هذه المسائل أن لو أصابه المطر بعد ما نصبه وسواه عند أبي حنيفة وشرح وجمع على قولهما، ولو كان كذلك يستحق الأجر بقدر ما عمل إذا كان يعمل في داره كذا هاهنا، فأما إذا نصبه وسواه بعد الجفاف ولم يشرحه فأصابه المطر فأفسده، وعلى قول أبي حنيفة له الأجر إذا كان يعمل في داره، وعلى قولهما لا أجر له ما لم يشرحه، وأجمعوا على أنه إذا كان يعمل في دار نفسه لا يستحق الأجر وإن وجدت هذه الأعمال ما لم يسلمه إلى المستأجر منصوباً عند أبي حنيفة ومشروحاً عندهما، وحاصل الخلاف بينهم أن الثلثين بماذا يتم.
قال أبو حنيفة رحمه الله: بالنصب والتسوية بعد الجفاف، وقالا: بهذه الأشياء وبالتشريح أيضاً.
وفي «القدوري» الخياط إذا أخاط في بيت المستأجر، فإن خاط بعضه لم يكن له أجر؛ لأنه لا ينتفع به وإن هلك فلا ضمان عليه فلم يوجب الأجر بخياطة بعض الثوب، وإنه يخالف ما ذكر في «الأصل» قال في «القدوري» وإن فرغ منه فله الأجر، لأنه صار مسلماً للعمل، وعلى قولهما: إذا هلك قبل الفراغ من العمل أو بعده قبل التسليم إلى المالك فهو ضامن، فالمحل مضمون في يد الأجير عندهما فلا يخرج عن الضمان إلا بالتسليم إلى المالك، فإذا هلك كان صاحب الثوب بالخيار إن شاء ضمنه قيمة ثوب ولا أجر له، وإن شاء ضمنه قيمته مخيطاً وأعطاه الأجر.(8/21)
-----
وفي «الأصل»: إذا استأجر رجلاً يضرب له لبناً بملبن معلوم، ويطبخ له في أتون المستأجر ببدل معلوم فهو بمنزلة الخيار وإخراجه من الأتون من تمام عمله، حتى لو هلك قبل الإخراج بعدما نضج وكف عنه النار فإنه لا أجر له؛ لأن غير اللبن لا يحسن إخراج ذلك من الأتون فكان كإخراج الخبز من التنور، ولو هلك بعد ما أخرج من التنور فله الأجر كما في مسألة الخبز وهذا إذا كان يعمل في دار المستأجر، وأما إذا كان يعمل في دار نفسه فلا أجر له حتى يسلمه إلى المالك كما في مسألة الخبز.
الفصل العاشر: في إجارة الظئر
القياس يأبى جواز إجارة الظئر: لأنها ترد على استهلاك العين مقصوداً وهو اللبن، فهو بمنزلة ما لو استأجر شاة أو بقرة مدة معلومة بأجرة معلومة ليشرب لبنها لكن جوزناها استحساناً بقوله تعالى: {فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن} (الطلاق: 6) ، وهذا العقد لا يرد على العين وهو اللبن مقصوداً، وإنما يرد على فعل التربية والحضانة وخدمة الصبي، واللبن يدخل فيه تبعاً لهذه الأشياء، هذا جائز.
كما لو استأجر صباغاً يصبغ له الثوب فإنها جائزة، وطريق الجواز: أن يجعل العقد وارداً على فعل الصبّاغ، والصبغ يدخل فيها تبعاً فلم تكن الإجارة واردة على استهلاك العين مقصوداً خرج على هذا فصل البقرة والشاة، لأن هناك عقد الإجارة يرد على استهلاك العين مقصوداً، وإذا جازت هذه الإجارة نظر بعد هذا إن لم يشترط في عقد الإجارة أنها ترضع الصبي في منزل الأب، ولم يكن العرف فيما بين الناس أنها ترضع الصبي في منزل الأب وإن شاءت أرضعته في منزلها، لأنه إنما يستحق على الأجير ما شرط عليه ولم يشترط عليها الإرضاع في منزل الأب لا نصاً ولا عرفاً، فلا يلزمها ذلك وإن شرط عليها الإرضاع في منزل الأب أرضعته في بيت الأب، وكان ينبغي أن لا يصح هذا الشرط؛ لأن هذا شرط لا يقتضيه مطلق العقد، ولأحد المتعاقدين فيه منفعة.(8/22)
-----
والجواب: أن الثابت بهذا الشرط زيادة جودة في المعقود عليه، لأن الإرضاع في منزل الأب أجود للصبي من الإرضاع في منزل الظئر؛ لأن الظئر تخشى من الأب في منزله، فتحسن في الإرضاع ما لا تحسن في منزلها واشتراط زيادة الجودة في المعقود (23أ4) عليه الذي لا يقتضيه مطلق العقد لا يفسد العقد.
كما لو اشترى عبداً على أنه كاتب أو اشترى بدراهم جياد، وكذلك إذا لم يشترط ذلك عليها صريحاً لكن كان العرف الظاهر فيما بين الناس أن الظئر ترضع الصبي في منزل أبيه لزمها ذلك، لأن المعروف فيما بين الناس كالمشروط ولو ضاع الصبي من يدها أو وقع فمات أو سرق شيء من حلي الصبي، أو ثيابه فلا ضمان على الظئر أما ضمان الصبي فلأنه ضمان آدمي، وضمان الآدمي لا يجب بالعقد.
ألا ترى أن ضمان الآدمي تتحمله العاقلة، وضمان المعقود لا تتحمله العاقلة كالثمن والأجر وهذا ضمان عقد فإنه لولا عقد الإجارة لما ضمن الظئر، وأما ضمان ما على الصغير من الثياب والحلي؛ لأن ما عليه تبع له فإذا لم يجب الضمان للأصل.
فكيف يجب ضمان البيع وطعام الظئر وكسوتها على الظئر إذا لم يشترط ذلك في عقد الإجارة على المستأجر، لأن الأجير بعقد الإجارة إنما يستحق على المستأجر ما شرط له.
فإن قيل: الطعام إن لم يكن مشروطاً لها نصاً فهو مشروط لها عرفاً والمعروف كالمشروط.
قلنا: إنما يجعل المعروف كالمشروط في العقد إذا كان فيه تجويز العقد وفي جعل الطعام مشروطاً لها في العقد فساد العقد عندهما قياساً واستحساناً، وعند أبي حنيفة رحمه الله قياساً فلا يجعل ذلك مشروطاً في العقد.(8/23)
-----
ثم إذ استأجر بالدراهم فلا بد من بيان قدرها وصفتها، وإن استأجرها بمكيل أو موزون فلابد من بيان قدره وصفته وإن استأجرها بثياب يشترط فيه جميع شرائط السلم، وقد مر ذلك في صدر الكتاب وإن استأجرها بطعامها وكسوتها ووصف ذلك جاز بالاتفاق، وإن لم يصف فالقياس أن لا يجوز وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله.
وفي الاستحسان يجوز وهو قول أبي حنيفة رحمه الله وجه القياس في ذلك: أن الأجرة مجهولة وجهالة الأجرة يوجب فساد العقد، كما في سائر الإجارات وجه الاستحسان قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن} إلى قوله: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} (البقرة: 223) والمراد من قوله: {رزقهن وكسوتهن} أجرة الرضاع، لا نفقه النكاح لأن الله تعالى ذكر الإرضاع أولاً، ثم أوجب الرزق والكسوة ولم يذكر النكاح والحكم إذا نقل عقيب سبب قائماً يحال بالحكم على السبب المنقول، والسبب المنقول الإرضاع فعلم أن المراد من الآية الأجرة للرضاع.(8/24)
فوجه الاستدلال بالآية: أن الله تعالى أوجب الأجرة للرضاع مع الجهالة فإنه قال: {بالمعروف}، وإنما يقال: هذا فيما كان مجهول الصفة والنوع كما في قوله عليه السلام لهند امرأة أبي سفيان: خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف» فأما ما يكون معلوم القدر والصفة من كل وجه لا يقال له ذلك بالمعروف، فهذا دليل على أن الطعام والكسوة يصلح أجرة الرضاع مع الجهالة، ولأن هذا يجري مجرى نفقة الولد لأن الواجب في الحاصل والحقيقة نفقة الولد، إلا أن إيصال النفقة إلى الولد بواسطة الظئر وإذا كان هذا يجري مجرى النفقة صح مع الجهالة، ولأن الجهالة لا توجب فساد العقد بعينها بل للإفضاء إلى المنازعة والجهالة هاهنا لا تفضي إلى المنازعة لأن العادة فيما بين الناس، في كل البلدان التوسعة على الظئر وترك المنازعة في طعامهن وكسوتهن، لأن البخس في ذلك يؤدي إلى الضرر بالولد ومثل هذه العادة معدومة في سائر الإجارات.(8/25)
-----
وإذا صحت هذه الإجارة كان لها الوسط من الطعام والكسوة كما في نفقة الولد، والذي يجب على الظئر بعد الاستئجار الإرضاع والقيام بأمر الصبي فيما يصلحه من رضاعه وغسل ثيابه أما الإرضاع فظاهر، وأما القيام بأمر الصبي؛ فلأن القيام بأمر الصبي، وإن لم يكن من الارضاع إلا أن العادة فيما بين الناس أن الظئر هي التي تتولى ذلك فصار ذلك كالمشروط، وما يعالج به الصبيان من الريحان والدهن فهو على الظئر، وكان ذلك عرف ديارهم أما في عرفنا ما يصالح به الصبيان على أهله وطعام الصبي على أهله إن كان الصبي يأكل الطعام، والظئر أن يهبه والمرجع في جميع ذلك العرف وهذا لأن هذه الأشياء من توابع الإرضاع.
والأصل: أن الإجارة إذا وقعت على عمل فكل ما كان من توابع ذلك العمل ولم يشترط ذلك على الأجير في الإجارة فالمرجع فيه العرف وسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وليس للظئر ولا للمسترضع أن تفسخ هذه الإجارة إلا بعذر كما في سائر الإجارات، وكان ينبغي أن تكون للظئر ولاية الفسخ من غير عذر، لأن المعقود عليه في جانبها اللبن وإنه عين واستهلاك العين عذر في فسخ العقد كما في باب المزارعة، فإن لمن كان البذر من جهته حق فسخ المزارعة لأنه يحتاج إلى استهلاك العين.
وكما إذا استأجر جزاراً ليجزر له حقاً من هذا الأديم، ثم بدا له أن لا يقطع الأديم كان له فسخ العقد، لأنه يحتاج إلى استهلاك العين كذا هاهنا.
والجواب هذا هكذا إذا كانت العين متقوماً يضمن بالاستهلاك، وما يستهلك من اللبن ليس بمال متقوم يضمن بالاستهلاك، فكان اللبن والمنفعة سواء فلا يعتبر استهلاكه عذراً في الفسخ والعذر لأجل الصبي أن لا يأخذ لبنها أو معناً، لأن المقصود لا يحصل متى كانت الحالة هذه وكذلك إذا حبلت لأن الحبل يفسد اللبن، وكذلك إذا مرضت لأن اللبن يفسد بسائر أنواع المرض.(8/26)
-----
وكذلك إذا كانت سارقة لأنه يلحقهم زيادة ضرر، وكذلك إذا كانت فاجرة بينة الفجور لأنها ربما تحبل بما تدخل بيتهم فاجراً إن كانت ترضع في بيتهم، وفي ذلك ضرر على أهل الصبي ولأنها تتشاغل عن حفظ الصبي، وكذلك إذا أرادوا سفراً وأبت هي الخروج معهم وهذا لأنه لا يجب على الظئر بعقد الإجارة أن تسافر معهم، لا يجب على أهل الصغير ترك المسافرة وفي ترك الصغير عند الظئر ضرر لأهله، فيتعين الفسخ عند انتفاء هذه الوجوه.
وكذلك إذا كانت سيئة الخلق بذيئة اللسان لأنه لا يمكنهم تسليم المعقود عليه إلا بتحمل الأذى، وفيه ضرر زائد والعذر من جانب الظئر أن تمرض مرضاً لا تستطيع معه الإرضاع إلا بمشقة تلحقها، لأنه لا يمكنها إيفاء المعقود عليه إلا بزيادة ضرر.
وكذلك إذا حبلت وكذلك إذا آذوها بألسنتهم ولم يكفوا عنها لأنه لا يمكنها تسليم المعقود عليه إلا بضرر زائد، وهو ضرر تحمل الأذى.
وكذلك إذا لم تكن معروفة بالظئورة وهي ممن يعاب عليها، فلها الفسخ بخلاف ما إذا كانت تعرف بذلك ومعنى قوله لا تعرف بذلك أن تكون هذه أول إجارة منها، وإن كان الصبي قد ألفها ولا يأخذ لبن غيرها وهي لا تعرف بالظئورة كان لها الفسخ أيضاً في ظاهر الرواية.
وروي عن أبي يوسف: أنها ليس لها الفسخ إذا كان يخاف على الصبي من ذلك، قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: والاعتماد على رواية أبي يوسف، وتأويل قول محمد إذا كان الصبي يعالج بالغذاء من الفانيد والسمن ونحو ذلك مما يعالج به الصبيان أو يأخذ لبن الغير بنوع حيلة، أما إذا كان لا يعالج بالغذاء، ولا يأخذ لبن غيره فجواب محمد رحمه الله كجواب أبي يوسف وعليه الفتوى.
(8/27)
-----
وفي «العيون»: إذا استأجر ظئراً لصبي شهراً، فلما انقضى الشهر أبت أن ترضعه والصبي لا يقبل ثدي غيرها، قال محمد رحمه الله: أخبرها على أن ترضعه بأجر مثلها، قال الحاكم: يحتمل أن يكون هذا الجواب في المعروفة بهذا الغدر وإذا كان لها زوج معروف فأجرت نفسها للظئورة بغير إذن الزوج.
ذكر في «الأصل» مطلقاً أن للزوج حق الفسخ قيل: هذا إذا كان الزوج يشينه ذلك لشرفه، أما إذا كان ممن لا يشينه ذلك فليس له الفسخ، وقيل: له حق الفسخ في الحالين، وهو الصحيح أما إذا كان الزوج من الأشراف فلعلتين:
أحدهما: أنه يعير بذلك، لأن الإجارة على الرضاع تعد دناءة (23ب4) والنكاح يفسخ لدفع ضرر العار حتى كان للأولياء حق الفسخ إذا زوجت نفسها من غير كفؤ مع أن النكاح لا يفسخ بسائر أسباب الفسخ أولى.
ألا ترى أن الغلام المأذون أو البالغ إذا أجر نفسه من رجل ليخدمه ويكون معه كان للأولياء حق الفسخ، وإنما كان لهم حق الفسخ لدفع العار عن أنفسهم كذا هاهنا.
ألا ترى أن المرأة إذا كانت من الأشراف، وأهل البيوتات فأجرت نفسها للظئورة، كان للأولياء حق الفسخ، وإنما كان لهم حق الفسخ لدفع العار عن أنفسهم.
والثاني: أن هذه الإجارة مما يوجب خللاً بحق الزوج؛ لأنها حال ما تنتقل لخدمة الصبي لا يمكنها خدمة الزوج، وللزوج أن يمنع المرأة عما يوجب خللاً في حقه وأما إذا لم يكن الزوج من الأشراف فللعلة الثانية، وإن كان زوجها مجهولاً لا تعرف أنها امرأته إلا بقولها فليس له أن ينقض الإجارة وإذا كان لها زوج معروف وقد استؤجرت شهراً، فانقضى الشهر والصبي لا يأخذ لبن غيرها إن كانت أجرت نفسها بغير إذن الزوج، فللزوج أن يأباه وإن خيف أن يموت الصبي وإن كانت أجرت نفسها بإذن الزوج فليس للزوج أن يمنعها إذا كان الصبي ممن لا يأخذ لبن غيرها.(8/28)
-----
في «العيون»: وإن كان الزوج قد سلم الإجارة فأراد أهل الصبي أن يمنعوه من غشائها مخافة الحبل وأن يضر ذلك تصبيهم فلهم أن يمنعوه عن ذلك في منزلهم، لا؛ لأن لهم ولاية منعه عن غشائها ولكن لأن غشيانها في منزلهم لا يكون إلا بعد الدخول في منزلهم ولهم ولاية منع الزوج عن الدخول في منزلهم وإن تغشها في منزله فله أن يغشها لأن الغشيان صار مستحقاً له بعقد النكاح لو سقط هذا الحق إنما سقط دفعاً للضرر عن الصبي والحبل أمر موهوم قد يكون وقد لا يكون ولا يجوز إسقاط الحق الثابت بيقين للأمر الموهوم ولا يسع للظئر أن تمنعه عن ذلك، لأن هذا الحق لم يسقط بسبب هذه الإجارة فلا يكون للمرأة منعه عن ذلك وكل ما يضر بالصبي نحو الخروج عن منزل الصبي زماناً كثيراً، وما أشبهه فلهم أن يمنعوها عنه وما لا يضر فليس لهم منعها عنه لحاجتها إلى ذلك، ويصير ذلك مستثناً من الإجارة كأوقات الصلاة ونحوها، ومعنى قوله: وكل ما يضر بالصبي لا محالة، أما ما كان فيه فهم الضرر فليس لهم منعها عنه ألا ترى أنها لا تمنع عن تمكين الزوج في منزله مع أن فيه وهم الضرر.
وفي «الأصل»: إذا استأجر الرجل ظئراً لولده الصغير، ثم مات الرجل لا تنتقض إجارة الظئر لأن إجارة الظئر وقعت للصغير؛ لأن الأب فيما يتصرف للصغير وكيل عن الصغير شرعاً، فيعتبر بالوكيل الحقيقي، والوكيل الحقيقي في باب الإجارة إذا مات لا تبطل الإجارة، فكذا الوكيل الشرعي.
فكان الفقيه أبو بكر البلخي يقول: إنما لا تبطل إجارة الظئر بموت الأب وهذا لأنه إذا كان للصغير مال، فالإجارة وقعت للصغير باعتبار المنفعة والأجر جميعاً فإن أجر الإرضاع يجب في مال الصبي، فكانت الإجارة واقعة للصبي من كل وجه فبقي بقاء الصبي فأما إذا لم يكن للصبي مال فالأجر يجب على الأب؛ لأن مؤنة الإرضاع على الأب إذا لم يكن للصغير مال فتكون الإجارة واقعة للأب، فتبطل بموت الأب.(8/29)
-----
ومنهم من قال: لا بل في الحالين جميعاً لا تبطل الإجارة بموت الأب وإطلاق محمد رحمه الله في «الكتاب» يدل عليه.
ووجه ذلك: أن الإجارة وقعت للصبي من كل وجه، باعتبار المنفعة والأجر جميعاً فإن الأجر يجب في ذمة الصبي، والأب يقضي ما وجب على الصغير من ماله ألا ترى أنه لو ظهر للصغير مال كان للأب أن يقضي ذلك من ماله فعلم أن الإجارة وقعت للصغير من كل وجه فلا تبطل بموت الأب، أو نقول: إن وقعت الإجارة للأب باعتبار الأجر وقعت للصغير باعتبار المنفعة فمن حيث أنها وقعت للأب إن كانت تبطل بموت الأب، فمن حيث أنها وقعت للصغير لا تبطل فلا تبطل بالشك أو نقول: لا فائدة في نقض الإجارة بموت الأب؛ لأنه يحتاج إلى إعادة مثلها في الحال.
ثم قال محمد رحمه الله: وأجر الظئر في ميراث الصبي قيل: أراد به أجر ما يستقبل من المدة بعد موت الأب أما ما وجب من الأجر حال حياة الأب يستوفى من جميع التركة وقيل: الكل يستوفى من نصيب الصغير، وهو الصحيح.
وفي «النوازل»: استأجر الرجل ظئراً ليرضع ابنه الصغير، فلما أرضعته شهوراً مات أب الصغير فقالت عمة الصغير للظئر: أرضعيه حتى يعطيك الأجر فأرضعته شهوراً، قال: إن لم يكن للصبي مال حتى استأجرها الأب فمن يوم مات الأب الأجر على العمة ثم ينظر إن كانت وصية الصغير رجعت بذلك في مال الصغير وما لا فلا، وإن كان للصبي مال يوم استأجرها فالأجر كله في مال الصبي وأشار إلى المعنى فقال: لأن في الفصل الأول الإجارة قد انقضت بموت الأب فإذا قالت العمة: أرضعيه ووافقته على ذلك، انعقد بينهما إجارة مبتدأة فيكون الأجر على العمة من هذا الوجه وفي الفصل الثاني الإجارة لم تنتقض بموت الأب، بل بقيت على حالها لأن العقد وقع للصغير من كل وجه فيكون الأجر في مال الصبي.
(8/30)
-----
وإن ماتت الظئر انتقضت الإجارة كما في سائر الإجارات إذا مات الآجر وكذا إذا مات الصبي؛ لأن العقد وقع له فيبقى ببقائه ويبطل بموته، ولأنها عجزت عن إيفاء المعقود عليه عجزاً لا يرجى زواله، فهو بمنزلة العبد المستأجر إذا مات وذلك يوجب انفساخ العقد كذا هاهنا.
وإذا استأجر الرجل ظئراً ترضع صبيين له فمات أحدهما فإنه يرفع عنه نصف الأجر؛ لأنها بقدر النصف عجزت عن إيفاء المعقود عليه.
بيانه: أنه لا يمكن إيفاء المعقود عليه بدون الصبي، وليس لأب الصبي إقامة صبي آخر مقام الصبي لما يقع بين الصبيين من التفاوت في الإرضاع، فهو معنى قولنا: عجزت عن إيفاء المعقود عليه بقدر النصف فتنفسخ الإجارة في النصف، فلهذا قال: يرفع عنه نصف الأجر.
ولو استأجرت ظئرين يرضعان صبياً واحداً فماتت إحداهما، فالأخرى بنصف الأجر إن كان متفاوتاً فبحساب ذلك.
والحاصل: أن الأجر يتوزع على لبنهما، وإن أجرت الظئر نفسها من قوم آخرين ترضع صبياً لهم ولا يعلم بذلك أهلها الأولون حتى يفسخوا هذه الإجارة، فأرضعت كل واحد منهما وفرغت فتداعت وهذه خيانة منها ولها الأجر كاملاً على الفريقين، ولا تتصدق بشيء، وهذا الجواب لا يشكل إذا قال أب الصغير للظئر: استأجرتك لترضعي ولدي هذا سنة بكذا؛ لأن الظئر في هذه الصورة تعتبر أجيرة مشترك؛ لأن الأب أوقع العقد أولاً على العمل إنما يشكل فيما إذا قال لها: استأجرتك سنة لترضعي ولدي هذا بكذا؛ لأنها أجيرة وجدت في هذه الصورة لأنه أوقع العقد على المدة أولاً، وسيأتي بيان ذلك في باب الراعي إن شاء الله تعالى.
وليس للأجير الواحد أن يؤاجر نفسه من آخر، وإذا أجر لا يستحق تمام الأجر على المستأجر الأول ويأثم.(8/31)
-----
والوجه في ذلك: أن أجير الواحد في الرضاع يشبه أجير المشترك من حيث إنه يمكنه إبقاء العمل إلى كل واحد منهما بتمامه كما في الخياط والقصار، وإن كانت أجير وعد من حيث إنه أوقع بالعقد في حقها على المدة ولو كانت أجيرة وعد من كل .... بل أوقع العقد في حقها على المدة والعمل عمل لا يمكنها إبقاؤها لكل واحد منهما على الكمال في تلك المدة، بأن أجرت نفسها يوماً للحصاد أو للخدمة فخدم في بعض اليوم الأول، وخدم في بعض اليوم (24أ4) الوحد، وقلنا بأنها تستحق الأجر كاملاً لشبهها بالأجير المشترك، وإذا دفعت الظئر الصبي إلى خادمتها حتى أرضعته فلها الأجر كاملاً استحساناً، لأنه لم يشترط عليها الإرضاع بلبنها.
فهو نظير من استأجر قصاراً ليقصر له ثوباً أو خياطاً ليخيط له ثوباً ولم يشترط عليه العمل بنفسه فعمل بغيره فإن يستحق الأجر كذا هاهنا، والمعنى فيه أن قوله: ليخيط ليقصر لترضع كما تذكر ويراد به المباشر تذكر ويراد به النسب فلا تتعين المباشرة مراداً له إلا بالتنصيص عليه، فأما إذا شرط عليها الإرضاع بنفسه فدفعته إلى خادمتها حتى أرضعته، هل تستحق الأجر؟ فقد اختلف المشايخ فيه، والصحيح أنها لا تستحق.r
وإن أرضعته بلبن شاة أو غذته بطعام حتى انقضت المدة فلا أجر لها؛ لأن هذا لا يسمى إرضاعاً فلا يتحقق إيفاء المعقود عليه وبدونه لا تستحق الأجر وإن جحدت الظئر ذلك، وقالت: ما أرضعته بلبن البهائم وإنما أرضعته بلبني فالقول قولها مع يمينها استحساناً وإن قامت لأهل الصبي بينة على ما ادعوا فلا أجر لها.(8/32)
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: تأويل المسألة أنهم شهدوا أنها أرضعته بلبن الشاة، وما أرضعته بلبن نفسها أما لو اكتفوا بقولهم: ما أرضعته بلبن نفسها لا تقبل شهادتهم؛ لأن هذه شهادة قامت على النفي مقصوداً بخلاف الفصل الأول؛ لأن هناك النفي دخل في ضمن الإثبات وإن أقاما البينة أخذت ببينة الظئر.(8/33)
-----
وإذا استأجر الأب أم الصغير لإرضاعه فهو على وجهين: إما أن يستأجرها بمال نفسه أو بمال الصغير، فإن استأجرها حال قيام النكاح بمال نفسه لا يجوز، واختلفت عبارة المشايخ في تخريج المسألة بعضهم قالوا: إرضاع الصبي حال قيام النكاح واجب عليها ديانة إن لم يكن واجباً حكماً؛ وهذا لأنه اجتمع ما يوجب أن يكون الرضاع واجباً عليها وما يمنع أن يكون الإرضاع واجباً عليها من حيث إن النكاح وضع لاستحقاق الوطئ على المرأة ولاستحقاق المهر على الزوج، لا الإرضاع يوجب أن لا يكون الإرضاع واجباً عليها ومن حيث إن الامتناع عن إرضاع الصغير حال قيام النكاح سبب النفرة والنفرة سبب فوات مصالح النكاح يوجب أن يكون الإرضاع واجباً عليها فجعلناه واجباً ديانة لا حكماً.
إذا أثبت هذا فنقول: اعتبار الحكم إن كان يوجب جواز هذه الإجارة فاعتبار الديانة يمنع الجواز؛ لأن الإجارة بالاستحقاق قائماً بجوز إيرادها على ما ليس بمستحق، فلا يثبت الجواز بالشك وبعضهم قالوا: إنما لا يجوز هذا العقد؛ لأنه مهجور بين الناس.
فإنك لا ترى امرأة في نكاح رجل تأخذ الأجر على إرضاع ولده منها ولعرف الناس أثراً في جواز العقد وفساده، ألا ترى لو استأجر الرجل مرآة ليسوي عمامته جاز، ولو استأجر حباً لذلك لا يجوز وما افترقا إلا من حيث إن الأول عمل الناس، والثاني ليس عمل الناس، وبعضهم قالوا: إنما لا يجوز هذا العقد؛ لأنه استأجرها هي فيه شريكة؛ لأنهما يشتركان في الولد والإجارة لمثل هذا العمل لا يجوز وكما لا يجوز استئجار خادمتها؛ لأن خادمتها مملوكة لها وما يجب من الأجر فهو لها فيكون استئجار خادمتها كاستئجارها، وكذا لا يجوز استئجار مدبرتها، ولو استأجر مكاتبة لها جاز.
(8/34)
-----
وإن استأجرها بمال الصغير روى ابن سماعة عن محمد: أنه يجوز وهو مشكل على العبادات كلها هذا استأجرها حال قيام النكاح وإذا استأجرها بعد الطلاق، فإن كان الطلاق رجعياً لا يجوز لأن الطلاق الرجعي لا يقطع ملك النكاح، فصار الحال بعد الطلاق الرجعي كالحال قبل الطلاق، وإن كان بائناً ففي ظاهر الرواية يجوز؛ وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يجوز؛ لأن هذا منع ثبت بالنكاح فبقي ما بقيت العدة كمنع نكاح الأخت وأربع سواها ومنعها عن زوج آخر.
وجواب ظاهر الرواية يخرج على العبارة الأولى والثانية أما على العبارة الأولى؛ فلأنا إنما أوجبنا الإرضاع عليها ديانة؛ لأن الامتناع عنه سبب لوقوع الخلل في مصالح النكاح بواسطة النفرة وهذا المعنى لا ينافي بعد الطلاق البائن؛ لأن مصالح النكاح لا حصول لها بعد البينونة، وأما على العبارة الثانية فلأن هذا العقد غير مهجور فيما بين الناس ولا يخرج على العبارة الثالثة، وإنه ظاهر هذا إذا استأجر زوجته لإرضاع ولده منها ولو استأجرها لإرضاع ولده من غيرها يجوز، وإنه يخرج على العبارات كلها.
ولو استأجر الرجل أمته أو ابنته أو أخته ترضع صبياً له جاز، وكذلك كل ذات رحم محرم منه.
وفي «فتاوى أهل سمرقند»: إذا استأجر ظئراً لترضع ولده سنة بمئة درهم على أنه إن مات الصبي قبل ذلك فالدراهم كلها للظئر فهذا شرط فاسد يفسد الإجارة؛ لأنه يخالف حكم الشرع؛ لأن حكم الشرع انفساخ الإجارة عند موت الصبي قبل المدة وعود الأجرة إلى المستأجر بقدر ما بقي من المدة، فإذا شرط خلافه فسد به العقد، فإن مات الصبي قبل ذلك فلها بقدر ما أرضعت أجر مثلها وترد البقية إلى المستأجر.(8/35)
-----
وفي «فتاوى الفضلي»: استأجر ظئراً ترضع ولده سنة على أن أجرتها ليلة ويوماً خمسون درهماً، وباقي السنة ترضع مجاناً فأرضعت شهرين ونصف ثم مات الولد يحسب لها من ذلك أجر مثلها على رضاع شهرين ونصف وترد الباقي؛ لأن هذه إجارة فاسدة؛ لأن قضية العقد انقسام الأجرة على منافع المدة، وقد شرط خلافها أو لأنهما شرطا عقد التبرع في الإجارة.
وفي «فتاوى أبي الليث» رحمه الله: مسلمة ترضع ولده الكافر بالأجر فلا بأس به فقد صح أن علياً رضي الله عنه أجر نفسه من كافر، ليسقى له الماء والله أعلم.
الفصل الحادي عشر: في الاستئجار للخدمة
قال محمد رحمه الله في «الأصل»: ويكره للرجل أن يستأجر امرأة حرة يستخدمها بخلوتها؛ لأن الخلوة بالأجنبية قبل الإجارة مكروه كيلاً تصير سبباً للوقوع في الفتنة، وهذا المعنى موجود بعد الإجارة لكن الإجارة جائزة؛ لأنها عقدت على الاستخدام وأنه مباح في الخلوة بها وقد يخلو بها وقد لا يخلو بها وكان بمنزلة الاستئجار على كتابة النوح والغناء، فإنها جائزة؛ لأن المعصية في القراءة وعسى تقرأ وعسى لا تقرأ كذا هاهنا، إلا أنه لم يذكر الكراهة ثمة وذكر هاهنا لأنه قد يخلو بها والخلوة بالأجنبية في الحمل على المعصية أبلغ من الكتابة في حمله على القراءة، فلهذا ذكر الكراهة هاهنا ولم يذكر ثمة.
وفي «النوازل»: حرة أجرت نفسها من رجل ذي عيال فلا بأس به ولكن يكره أن يخلو بها؛ لأنه من احتمال الوقوع في الفساد، وهو تفسير ما ذكر في «الأصل».(8/36)
-----
وقال أبو حنيفة: إذا استأجر الرجل امرأته لتخدمه كل شهر بأجر مسمى لا يجوز؛ لأن خدمة الزوج مستحقة على المرأة ديانة لما فيه من حسن المعاشرة، أن لم يكن مستحقاً عليها حكماً، والإجارة على ما كان مستحقاً على الأجير ديانة لا حكماً لا تجوز، كما لو استأجرها لتخدمه فيما ليس من جنس خدمة البيت كرعي دوابه، وما أشبه ذلك يجوز؛ لأن غير ذلك غير مستحق عليها لا حكماً ولا ديانةً.
ولو استأجرت زوجها ليخدمها قال هو جائز هكذا ذكر (24ب4) في ظاهر الرواية وروى أبو عصمة سعد بن معاد المروري عن أبي حنيفة، أنه باطل وذكر في كتاب جعل الآبق أن المرأة متى استأجرت زوجها، فله أن لا يخدمها ومتى رفع إلى القاضي فإن القاضي يفسخ العقد وينقضه.
فمن مشايخنا من قال: ليس في المسألة اختلاف الروايتين لكن تأويل ما روى أبو عصمة أنه باطل أنه سيبطل، ومنهم من قال: لا بل في المسألة روايتان على ظاهر الرواية يجوز وله حق الفسخ بالمرافعة إلى القاضي، وعلى رواية أبي عصمة لا يجوز، واتفقت الروايات أن الأب إذا أجر نفسه للخدمة من ابنه لا يجوز حتى كان له أن يفسخ من غير قضاء ولا رضا.
واتفقت الروايات في الزوج والأب إذا أخدمهما أنهما يستحقان المسمى، نص على هذا في كتاب المزارعة، فإنه قال في المزارعة: كل من لا يجوز أن يستأجر للخدمة فله أجر المثل إلا الوالد والزوج فوجه أبو عصمة الاستخدام على سبيل القهر من غير عوض يجعل للخادم ذل ويقتضيه بالخادم.
ولهذا قالوا: الكافر إذا اشترى عبداً مسلماً فإنه يجبر على بيعه حتى لا يستخدمه قهراً من غير عوض يحصل للعبد فيكون في ذلك إخلالاً بالمسلم وليس للكافر استذلال المسلم فدل أن الاستخدام على سبيل القهر من غير عوض يحصل للخادم ذل.
(8/37)
-----
وليس للمسلم أن يذل نفسه إذا ثبت هذا فنقول: بأن إجارة المرأة زوجها للخدمة لو صحت كان في ذلك استخدام الزوج على سبيل القهر من غير عوض يحصل له من وجه؛ لأنه إن حصل له عوض باعتبار ملك الرقبة فإن الأملاك من حيث الرقبة متباينة لم يحصل له العوض باعتبار المنافع متصلة ما للزوج كما للمرأة، وما للمرأة كأنه للزوج ولهذا لم يجز لواحد منهما أن يضع زكاة ما له في يد صاحبه فباعتبار المنفعة لا يحصل العوض فلا ينتفي الذل، وكان كالأب إذا أجر نفسه من ابنه للخدمة فإنه لا يجوز؛ لأنه من وجه كالحاصل بغير عوض من حيث إن للأب شبه ملك في مال ابنه، وهذا بخلاف المسلم إذا آجر نفسه من كافر للخدمة حيث يجوز باتفاق الروايات؛ لأنه وإن كان يستخدمه قهراً بعد الإجارة إلا أنه يستوجب عليه عوضاً من كل وجه على سبيل القهر، فينتفي الذل أما هاهنا بخلافه وجه ظاهر الرواية.
وهو الفرق بين الزوج وبين الأب أن مال الزوج في مال امرأته دون ما للأب في مال ولده؛ لأن للأب في مال ولده شبهة ملك حتى لو وطئ جارية ابنه، وقال: علمت أنها علي حرام لا يحد وليس للزوج في مال امرأته شبهة ملك ولهذا لو وطئ في جارية زوجته، وقال: علمت أنها علي حرام يحد ولو كان للزوج في مال زوجته مثل ما للأب في مال ولده لكان لا تجوز الإجارة أصلاً ولو لم يكن للزوج في مال زوجته شيء أصلاً لكانت تجوز الإجارة، كما لو أجر نفسه لخدمة أجنبية فإذا كان له في مال المرأة شيء، ولكن دون ما للأب في مال ابنه حكمنا بجواز الإجارة وأثبتنا له حق الفسخ بالمرافعة إلى القاضي توقيراً على الأمرين حطهما بقدر الممكن.(8/38)
-----
وفي «الفتاوى»: امرأة قالت لزوجها اغمز رجلي على أن لك علي ألف درهم فغمز الزوج رجلها، إلى أن قالت: لا أريد الزيادة فالإجارة باطلة؛ لأن استئجار المرأة زوجها للخدمة باطلة، وهذا الجواب يوافق رواية أبي عصمة ويخالف ظاهر الرواية ثم الزوج أو الأب إذا خدم كان له المسمى اتفقت الروايات في ذلك، وهذا الحكم لا يشكل في الزوج على ظاهر الرواية؛ لأن على ظاهر الرواية هذه الإجارة جائزة أما يشكل على رواية أبي عصمة لأن على هذه الرواية الإجارة فاسدة، وكذلك يشكل في الأب على ظاهر الرواية لأن على ظاهر الرواية استئجار الابن أباه للخدمة فاسدة.
وفي الإجارة الفاسدة يجب أجر المثل، والجواب أنا إنما حكمنا بفساد هذه الإجارة في الزوج على رواية أبي عصمة، وفي الأب على ظاهر الرواية نظراً للأب والزوج حتى لا يلحقه ذل بسبب الخدمة، والنظر في إيجاب المسمى متى خدم لا في إيجاب أجر المثل لا يزاد على المسمى، إن كان المسمى شيئاً معلوماً فلا يستحق الزيادة إن كان أجر مثله يريد على المسمى، وينقص عن المسمى إذا نقص أجر المثل عن المسمى، وإذا حكمنا بوجوب المسمى لا ينقص عنه شيء بعد ذلك فكان النظر في إيجاب المسمى من هذا الوجه، فلهذا أوجبنا المسمى.
هذا كما قلنا في العبد المحجور إذا أجر نفسه أنه لا تجوز الإجارة، ولكن إذا عمل وسلم من العمل يستحق المسمى؛ لأنا إنما حكمنا بالفساد نظراً للمولى، وانظر متى عمل وسلم في التجويز حتى لا تزول منافع عبده مجاناً كذا هنا.
وإن استأجرت المرأة زوجها ليرعى غنمها، أو يقوم على عمل لها جاز أما على ظاهر الرواية فظاهر، وأما على رواية أبي عصمة فلأنه لا ذل فيه.(8/39)
-----
ولو استأجر الرجل ابنه للخدمة أو استأجرت المرأة ابنها للخدمة لم يجز، وإذا خدم فلا أجر له؛ لأن خدمة الأب واجبة على الابن فالإجارة وردت على ما هو المستحق فلا تعمل، قال: إلا إذا كان الابن عبداً للغير أو مكاتباً للغير فاستأجره أحدهما من المولى للخدمة، لأن خدمة الأب لا تلزم الابن إذا كان عبداً لغيره أو مكاتباً لغيره، وإن كان الابن حراً فاستأجره أحدهما ليرعى غنماً له أو استأجره لعمل آخر وراء الخدمة، فإنه يجوز.
وإن استأجر الابن أمه، أو جدته، أو جده للخدمة لا يجوز ولو خدمت فلها المسمى، ويستوي ذلك أن يكون الابن حراً، أو عبداً مسلماً، أو كافراً؛ لأن خدمة الأب واجبة على الابن مع اختلاف الدين، ويجوز الاستئجار للخدمة فيما بين الأخوة وسائر القرابات. ومن مشايخنا من قال: إذا استأجر عمه للخدمة والعم أكبر أو استأجر أخاه الأكبر للخدمة لا يجوز.
ويكره للمسلم أن يؤاجر نفسه من الكافر للخدمة، ويجوز إذا فعل، أما الجواز فلما مرّ وأما الكراهة؛ لأنه استذلال صورة فإن لم يكن استذلالاً معنى، وليس للكافر استذلال المسلم صورة.
«وفي فتاوي الفضلي»: لا تجوز إجارة المسلم نفسه من النصراني للخدمة، وفيما سوى الخدمة يجوز والأجير في سعة من ذلك ما لم يكن في ذلك إذلال.
وإذا استأجر الرجل عبداً ليخدمه كل شهر بأجر مسمى فله أن يستخدمه من السحر إلى ما بعد العشاء الآخرة، والقياس أن يكون له استخدامه بالليل والنهار الشهر كله؛ لأن الشهر اسم لثلاثين يوماً وليلة إلا أن ما بعد العشاء الآخرة إلى السحر صار مستثنى عن الإجارة عرفاً، فإن العرف فيما بين الناس أنهم لا يستخدمون المماليك بعد العشاء الآخرة إلى السحر؛ لأنهم ينامون والمستثنى عرفاً كالمستثنى شرطاً.(8/40)
-----
وإذا استأجر الرجل عبداً شهرين شهراً بخمسة وشهراً بستة، كان الشهر الأول بخمسة، والشهر الثاني بستة؛ لأن قوله: آجرتك شهراً بخمسة بمنزلة قوله: أجرتك هذا الشهر؛ لأن الإجارة شهراً تنصرف إلى الشهر الذي يلي العقد فصار كأنه قال: آجرتك هذا العبد في هذا الشهر بخمسة، وفي الشهر الثاني بستة.
وإذا استأجر عبداً بالكوفة يستخدمه ولم يعين مكاناً للخدمة، كان له أن يستخدمه بالكوفة وليس له أن يستخدمه خارج الكوفة؛ لأن الاستخدام بالكوفة ثابت بدلالة الحال فيعتبر بما لو ثبت نصاً.
بيانه: أن المستأجر له حمل ومؤنة فالظاهر من حال صاحب العبد، أنه يريد الاستخدام في مكان العقد حتى لا يلزمه مؤنة الردود بما يرى ذلك على الأجر فيتعين موضع العقد مكاناً للاستيفاء بدلالة الحال من هذا الوجه، فإن سافر بها ضمن (25أ4) لأن كونه تعين مكاناً للاستيفاء بدلالة الحال فيعتبر بما لو تعين بالنص وهناك لو سافر بالعبد يضمن كذا هاهنا، هكذا ذكر محمد رحمه الله في إجارات «الأصل» وذكر في صلح «الأصل» أن من ادعى داراً وصالحه المدعى عليه على خدمة عبده سنة إن له أن يخرج بالعبد إلى أهله؛ لأن الإذن بالاستخدام حصل مطلقاً واعتبره بالعبد الموصى له بالخدمة.
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني في «شرح كتاب الصلح»: لم يرد بقوله يخرج بالعبد إلى أهله أن يسافر به، وإنما أراد به أن يخرج به إلى أهله في القرى، وأقرّ البلد قال رحمه الله: وهذا كما قلنا في باب الإجارة من استأجر عبداً للخدمة ليس له أن يسافر به، وله أن يخرج إلى أهله في القرى وما فيه البلدة.
وكان الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمه الله يفرق بين مسألة الصلح وبين مسألة الإجارة وكان يقول في مسألة الصلح: لصاحب الخدمة أن يسافر بالعبد، وليس للمستأجر أن يسافر بالعبد المستأجر للخدمة.(8/41)
-----
وحكي عن الفقير أبي إسحاق الحافظ أنه كان يقول: لا رواية عن محمد في فصل الإجارة فلقائل أن يقول: للمستأجر أن يخرج بالعبد عن المصر كما في الصلح ولقائل: أن يفرق بينهما وقد عرنا على الرواية في «إجارات الأصل» على نحو ما كتبنا قال محمد رحمه الله: وليس للمستأجر أن يضرب الغلام لأن صاحب الغلام لم يأذن له بالضرب، إنما أذن له بالاستخدام والضرب ليس من الاستخدام في شيء، ولا ضرورة إليه أيضاً؛ لأنه يمكن استخراج الخدمة من العبد بدون الضرب بالملائمة فلا يصير الضرب مأذوناً فيه وخرج على هذا فصل الدابة فإن المستأجر الدابة للركوب أن يضرب الدابة لأنه لا يمكن استخراج السير من الدابة بدون الضرب فصار الضرب ثمة مأذوناً فيه أما هاهنا بخلافه.
ولو دفع المستأجر الأجر إلى العبد فإن كان العبد هو العاقد فقد برأ عن الأجر، لأنه دفع الأجر إلى العاقد وإن لم يكن عاقداً لا يبرأ وإن حصل الرد إلى من يره يد المولى من حيث الحكم، فرق بين هذا وبين المودع إذا دفع الوديعة إلى عبد المودع حيث لا يضمن.
والفرق: أن يد العبد يد المولى من حيث الحكم لا من حيث الحقيقة والأمر كان واجباً على المستأجر، فباعتبار الحكم إن كان يحصل له البراءة عنه فباعتبار الحقيقة لا تحصل فلا تحصل البراءة بالشك، أما الوديعة فلم تكن في ضمان المودع فباعتبار الحقيقة إن كان يجب الضمان، فباعتبار الحكم لا يجب فلا يجب الضمان بالشك.
وإذا استأجر الرجل عبداً للخدمة فله أن يكلفه ما هو من أنواع الخدمة؛ لأن الخدمة اسم جنس فتتناول جميع أنواعه فله أن يكلفه أن يخيط له يوماً، وأن يخبز له هكذا ذكر في «الكتاب» قالوا: وهذا إذا كان خياطة وخبزاً لا بدّ للمستأجر منه، وأما إذا أراد أن يقعده خياطاً يخيط ثياب الناس أو يقعده خبازاً يخبز للناس ليس له ذلك؛ لأن هذا تجارة واكتساب المال فلا يدخل تحت اسم الخدمة.(8/42)
-----
قال: وطعام العبد على صاحبه وليس على المستأجر من ذلك شيء؛ لأن المستحق على المستأجر المشروط عليه في العقد والطعام غير مشروط على المستأجر في العقد لا نصاً ولا عرفاً.
قال: وإذا نزل بالمستأجر ضيفان ففي العبد المستأجر أن يخدمهم؛ لأن خدمة ضيفان المستأجر من جملة خدمة المستأجر ألا ترى أنه لولا هذا العبد كان على المستأجر أن يخدمهم ديانة ومروءة قال عليه السلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه أو فليخدم ضيفه» وإذا كان على المستأجر خدمة ضيفه، وإذا كان على المستأجر خدمة نفسه صار خدمة ضيفانه كخدمته.
وإن تزوج المستأجر امرأة بعد ما استأجر العبد، فعلى العبد أن يخدم المستأجر ويخدم المرأة أيضاً؛ لأن حال المرأة لا يكون أقل من حال الضيف، وعلى العبد خدمة الضيف فكان عليه خدمة المرأة من الطريق الأولى.
وفي رواية إبراهيم عن محمد: رجل أجر عبداً له سنة ثم إن العبد أقام البينة أن المولى كان أعتقه قبل الإجارة، فالأجرة للعبد؛ لأنه تبين أن المولى كان أجنبياً في هذه الإجارة فتوقف على إجارة العبد، ونفذ بإجارته والمبدل وهو المنافع بعد العتق للعبد فكان البدل له أيضاً ولو قال العبد: إني حر، وقد فسخت الإجارة ولم يكن له بينة ودفعه القاضي إلى مولاه وأجبره المولى على العمل ثم أقام بينة أنه حر، وأن المولى أعتقه قبل الإجارة فلا أجر للعبد ولا للمولى ولو لم يقل فسخت كان الأجر للعبد، ولو كان غير بالغ فادعى العتق وقد أجره المولى وقال: قد فسخت ثم عمل، وباقي المسألة بحاله فالأجر للغلام.
قال في «الكتاب»: وهو بمنزلة لقيط في حجر رجل أجره، وفي المسألة نوع إشكال؛ لأنه تبين أن المولى كان أجنبياً عنه، وأن عقده يوقف على إجارته فينبغي أن يعمل فسخه حتى لا يكون له الأجر ثم أشار إلى الجواب، وقال: هذا بمنزلة لقيط في حجر رجل أجره.
(8/43)
-----
وبيان ذلك: أن الملتقط إنما ملك إجارة اللقيط لأنه بالإجارة يجعل ما ليس بمتقوم في حقه متقوماً، وإنه نظر في حق الصغير وهذا المعنى يقتضي أن يملك المولى إجارة معتقة، إذا كان صغيراً في حجره فينفذ عقد المولى الإجارة عليه بصفة اللزوم فلا يملك فسخها بعد ذلك.
قال في «القدوري» :وإذا أجر الرجل عبده سنة فلما مضت ستة أشهر أعتقه فعتقه جائز، لأنه اعتق ملك نفسه والرقبة بعد الإجارة باقية على ملك المولى فينفذ عتقه، وكان العبد بالخيار إن شاء مضى على الإجارة وإن شاء فسخ، وهذا بناء على ما قلنا: أن عقد الإجارة ينعقد ساعة فساعة على حسب حدوثها، والمنافع بعد العتق حدث على ملك العبد، فيصير العقد في حق المنافع الحادثة بعد العتق كأنه صدر من الفضولي فتوقف على الإجازة، وإذا أجاز لم يكن له أن ينقض بعد ذلك وأجر ما مضى للسيد وما بقي للعبد لأن الأجر بدل المنافع والمنافع بعد العتق ملك العبد، ونفذ العقد عليها بإجارة العبد فكان بدلها للعبد، وليس للعبد أن يقبض الأجرة إلا بوكالة من المولى؛ لأن قبض البدل من حقوق العقد، فثبت للعاقد والعاقد هو المولى، وإن كان المولى حين أجر العبد استعجل الأجرة ثم أجاز العبد بعد العتق، فالأجرة كلها للسيد؛ لأن الأجرة تملك بالتعجيل وفي تلك الحالة المبدل على حكم ملك المولى، فصارت الأجرة مملوكة للمولى، وبالإجارة عن العبد تقرر حكم ذلك الملك فلا يتغير بالعتق.
ولو كان العبد هو الذي آجر نفسه بإذن المولى، ثم عتق بعد ما مضى مدة فله حق الفسخ، والعبد هو الذي يلي قبض الأجرة؛ لأن العقد كان منه ولو آجر المكاتب عبده، ثم عجز ورد في الرق، فالإجارة باقية في قول أبي يوسف وقال محمد: تنقض الإجارة.f(8/44)
-----
ولو استأجر عبداً ثم عجز بطلت الإجارة في القولين، ولو أجر الرجل عبداً له ثم استحق وأجاز المستحق الإجارة، فإن كانت الإجارة قبل استيفاء المنفعة جاز وكانت الأجرة للمالك لأن الإجارة في الانتهاء كالأذن في الابتداء، وإن أجاز بعد استيفاء المنفعة لم تعتبر الإجارة والأجرة للعاقد؛ لأن المنافع قد مضت وتلاشت (25ب4).
وابتداء العقد عليها لا يجوز فلا تلحقها الإجازة؛ لأن الإجازة في معنى ابتداء العقد وإن أجاز في بعض المدة، فالأجر في الماضي والباقي للمالك في قول أبي يوسف.
وقال محمد: أجر ما مضى للغاصب وما بقي فهو للمالك.
فوجه قول أبي يوسف: أن العقد قائم فتلحقه الإجازة، ووجه قول محمد: أن العقد ينعقد ساعة فساعة، ففي حق ما مضى من منفعة العقد قد انعدم فلا تلحقه الإجازة.
وفي «فتاوى أبي الليث»: إذا أجرت المرأة دارها من زوجها وسكناها جميعاً فلا أجر لها، قال وهو بمنزلة استئجارها لتطبخ، أو تخبز، هكذا ذكر.
وقيل: في المعنى أن التسليم شرط لصحة الإجارة، ولوجوب الأجر وسكناها معه يمنع التسليم والحكم ممنوع والعلة مردودة، والقياس على استئجارها للطبخ والخبز غير صحيح؛ لأن الطبخ والخبز واستحق عليها ديانة إن لم يكن مستحقاً عليها حكماً.
أما إسكان الزوج في منزلها غير مستحق عليها إلا ديانة ولا حكماً وقوله: بأن سكناها مع الزوج يمنع التسليم.
قلنا: لا يمنع لأنها تابعة للزوج في السكنى ولو استأجر الرجل غلاماً ليخدمه فرفع الغلام شيئاً من متاع البيت، ووقع من يده على شيء آخر من متاع البيت فكسره فلا ضمان على الغلام، ولو وقع على وديعة كانت عند المستأجر وكسرها فالغلام ضامن.
ومما يتصل بهذا الفصل إجارة الصبي والاستئجار له(8/45)
-----
إذا أجر الأب أو الجد أو الوصي الصبي في عمل من الأعمال، فهو جائز؛ لأن لهؤلاء ولاية استعمال الصغير من غير عوض بطريق التهذيب والرياضة، فمع العوض أولى، ولا يجوز إجارة غيرهم إذا كان له واحد منهم؛ لأنه لا ولاية لغيرهم على الصغير حال قيام واحد منهم وإن لم يكن له واحد منهم فأجره ذو رحم محرم منه، وهو في حجره جاز بطريق التهذيب والرياضة فإن لصاحب الحجر ولاية تهذيب من في حجره، فإن كان في حجره ذو رحم محرم فأجره آخر هو أقرب كالصبي إذا كان في حجر عمه وله أم فأجرته الأم جاز في قول أبي يوسف وقال محمد: لا يجوز.
فوجه قول محمد: أن هذه الولاية في حق غير الأب والجد ووصيهما بطريق التهذيب والرياضة، وإنما تثبت ولاية التهذيب والرياضة لمن كان الصبي في حجره، ولأبي يوسف أن القرابة مؤثرة في إثبات الولاية فإذا ملكه الأبعد ملكه الأقرب من الطريق الأولى، والذي ولي الإجارة على الصغير أن يقبض الأجرة؛ لأنه من حقوق العقد فيتعلق بالعاقد وليس له أن ينفقها عليه؛ لأنها مال الصغير وليس لغير الأب والجد ووصيهما؛ ولأنه التصرف في مال الصغير، وكذلك إذا وهب للصغير شيء فللذي الصغير في حجره أن يقبضه، ولكن لا ينفق عليه لما قلنا وللأب والجد ووصيهما إجارة عبد الصبي وسائر أمواله، فأما غير ممن هؤلاء ممن الصغير في حجره لا يمكن إجارة مال الصغير؛ لأنه ليس لغير هؤلاء ولاية التصرف في مال الصغير.
وعن محمد رحمه الله أنه قال: استحسن أن يؤاجروا عبده، لأنه ظهر ولا يتهم في نفس الصغير نظراً له فكذا تظهر ولايتهم في مال الصغير نظراً له قال: وكذلك استحسن أن ينفقوا عليه ما لا بد منه؛ لأن في تأخير ذلك ضرر بالصغير، ولو أجر الأب أو الجد أووصيهما الصغير ثم بلغ الصغير فهو بالخيار إن شاء مضى على الإجارة وإن شاء فسخ.
فرق بين هذا وبينما إذا أجروا عبداً للصغير، ثم بلغ الصغير حيث لا يكون له ولاية الفسخ.(8/46)
-----
والفرق: أن إجارة مال الصغير محض منفعة في حق الصغير إذ بها يحصل للصغير ما هو متقوم وهو الأجر بمقابلة ما ليس بمتقوم وهو المنافع فينوب الجد والوصي فيها مناب الصغير، وصار كأنه آجر بنفسه وهو بالغ، فأما إجارة الصغير لم يتمحض نفعاً في حق الصغير؛ لأنه أتعب بدنه فكان ينبغي أن لا يملكها هؤلاء لكن ملكوها من حيث التهذيب والرياضة، فلهؤلاء ولاية تهذيب الصبي ورياضته قلنا: وولاية التهذيب قد انقطعت بالبلوغ.
وإذا أجر الوصي نفسه للصغير لا يجوز.
أما على قول محمد؛ فلأن الوصي لا يملك بيع مال نفسه مع أنه مقابلة العين بالعين فلأن لا يملك إجارة نفسه منه وإنه مقابلة المنفعة بالعين أولى.
وأما على قول أبي حنيفة: فلأنه إنما يملك بيع مال نفسه من الصغير إذا كان النفع ظاهراً للصغير ولا نفع في بيع المنفعة للصغير، وإن كان بأقل من قيمته بحيث لا يتغابن الناس في مثله؛ لأن ما يحصل للوصي غبن وما يحصل للصغير منفعة والعين خير من المنفعة.
ولو استأجر الوصي الصغير لنفسه فينبغي أن يجوز في قول أبي حنيفة إذا كان بأجرة لا يتغابن الناس في مثلها؛ لأن في هذا التصرف نفع للصغير؛ لأنه يحصل له العين وهو الأجر بمقابلة المنفعة، وأما الأب إذا استأجر الصغير لنفسه لا شك في جواز هذه الإجارة، وأما إذا أجر نفسه للصغير بمثل القيمة ذكر في عامة الروايات أنه يجوز عندهم جميعاً؛ لأنه باع منفعة له من الصغير بمثل القيمة فيعتبر بما لو باع عيناً له من الصغير بمثل القيمة، وذلك جائز فكذا هذا.
وذكر في بعض الروايات أنه لا يجوز، هكذا ذكر شيخ الإسلام في «شرحه».
ووجه ذلك: أن العمل للصغير واجب على الأب ديانة، إن لم يكن واجباً من حيث الحكم، فالوجوب ديانة مانع جواز الإجارة لما هو قبل هذا.(8/47)
-----
الوصي إذا استأجر من نفسه عبد اليتيم ليعمل ليتيم آخر هو في حجره، وهو وصيهما لا يجوز؛ لأنه باع منفعة أحد اليتيمين من الآخر فيعتبر بما لو باع عيناً من أعيان مال أحدهما من الآخر وذلك لا يجوز، فهذا كذلك الصبي المحجور إذا أجر نفسه لم يجز.
وكذلك العبد المحجور إذا أجر نفسه لم يجز، وهذا؛ لأن الإجارة عقد المعاوضة كالبيع فلا يملكها المحجور عليه كما لا يملك البيع، فإن عمل فهذا على وجهين: إما إن سلم من العمل وفي هذا الوجه القياس أن لا يجب الأجر؛ لأن وجوب الأجر باعتبار العقد والعقد باطل.
وفي الاستحسان يجب الأجر المسمى؛ لأن بعدما سلم من العمل فتجويز العقد يتمحض نفعاً في حق المولى وفي حق الصبي؛ لأنا إذا جوزنا الإجارة يحصل للمولى وللصبي الأجر من غير ضرر يلزمهما، ولو لم تجوز لا يجب الأجر وتضيع على المولى منافع العبد وعلى الصبي منافع نفسه ولا يتقوم أصلاً، وعلم أن الجواز بعدما سلم من العمل تمحض نفعاً وامتناع الجواز من الابتداء لكون الإجارة مترددة بين الضرر والنفع لجواز أن يهلك العبد أو الصبي من العمل فيبطل ضمان العين إن حصل به الأجر، فكانت الإجارة نفعاً شائباً بالضرر فلم يجز من الابتداء؛ لهذا وبعد ما سلم من العمل بمحض الجواز نفعاً، والمحجور غير ممنوع عن استجلاب النفع كقبول الهبة وغير ذلك؛ فلهذا جازت الإجارة.
(8/48)
-----
وإما إن هلك المحجور من العمل، وفي هذا الوجه إن كان المحجور صبياً وعلى عاقلة المستأجر ديته وعليه الأجر فيما عمل قبل الهلاك. وإن كان المحجور عبداً فعلى المستأجر قيمته ولا أجر عليه فيما عمل له العبد، وهذا لأن المستأجر صار غاصباً للعبد كما استعمله، فإذا ضمن ملكه من ذلك الوقت وصار منتفعاً بملكه فلا يجب عليه أجر، فأما الصغير لا يضمن بالغصب، وإنما يضمن بالخيانة، وقد صار باستعماله، إلا أن ضمان الخيانة، لا يعيد الملك في المضمون إذا كان المضمون عبداً، فإذا كان حراً أولى، فلم يملكه المستأجر بهذا الضمان ولم يصر منتفعاً بملك نفسه، فكان عليه الأجر فيما عمل قبل الهلاك من هذا الوجه.
قال في «القدودي»: وأحد الوصيين يملك أن يؤاجر الصبي في قول أبي حنيفة، ولا يؤاجر عبده. وقال محمد: يؤاجر عبده.
وفي «المنتقى» إذا لم يكن أب الصبي حائكاً فليس لمن كان الصغير في حجره (26أ4) أن يسلمه إلى حائك؛ لأن التصرف في الصغير مفيد بشرط النظر، وفي هذا ضرر بالصغير لأن الحياكة من خبائس الحرف.
الوصي إذا أجر منزل اليتيم بدون أجر المثل، أيلزم المستأجر أجر المثل أم يصير غاصباً بالسكنى ولا يلزمه الأجر. ذكر «الفضلي في فتاويه»: أنه يجب أن يصير غاصباً على أصول علمائنا، ولا يلزمه الأجر. فقد قال في كتاب المزارعة: الوكيل يدفع الأرض مزارعة إذا دفعها وشرط للزارع من الزرع ما لا يتغابن الناس في مثله، إن الوكيل يصير مخالفاً غاصباً، ويصير الزارع غاصباً، ولم نقل: هذه مزارعة فاسدة، ولم نحكم فيها بأحكام المزارعة الفاسدة.(8/49)
-----
قال: وذكر الخصاف في «كتابه» أن المستأجر لا يكون غاصباً بل يلزمه أجر المثل، وهذا لأن الإجارة لو كانت من المالك ولم يسم بدلاً يجب أجر المثل بالغاً ما بلغ، ولو كان سمى فيه الأجر وجب المسمى، ولا يزاد عليه فالزيادة على المسمى إنما لم تجب على المستأجر؛ لأن المؤاجر أبطلها بالتسمية، فالوصي أيضاً لو لم يسم الأجر أصلاً يجب أجر المثل بالغاً ما بلغ، وإذا سمى الأجر لم تجب الزيادة على المسمى إنما لا تجب لإبطال الوصي الزيادة بالتسمية وليس له إلى إبطالها سبيل، ويجعل في حق الزيادة كأن التسمية لم توجد أصلاً.
والقاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي كان يفتي بقول الخصاف حتى حكى عنه أنه قال: لو غصب إنسان دار صبي يجب عليه أجر المثل، فما ظنك في هذا، والفتوى على أنه يجب أجر المثل في هذه الصورة بالغاً ما بلغ، لا إذا انتقص المنزل بسبب سكنى المستأجر، وكان ضمان النقصان أنفع لليتيم من أجر المثل فيجب ضمان النقصان، أما بدون ذلك يجب أجر المثل وهكذا يقول فيمن سكن دار صغير أو حانوت صغير، وإنه معد للاستغلال أنه يجب أجر المثل إلا إذا انتقص بسبب سكناه وضمان النقصان أنفع في حق الصغير فيجب ضمان النقصان.
وفي «قضايا الفتاوى»: رجل أقعد صبياً مع رجل يعمل معه، فاتخذ له هذا الرجل كسوة ثم بدا للصبي أن لا يعمل معه قال: إن كان أعطاه كرباساً والصبي هو الذي تكلف خياطته لم يكن للرجل على الكسوة سبيل؛ لأن الصبي ملكه بخياطته فانقطع عنه حق الدافع والله أعلم.
(8/50)
الفصل الثاني عشر: في صفة تسليم الإجارة
-----
إذا وقع عقد الإجارة صحيحاً على مدة أو مسافة، وجب تسليم ما وقع عليه العقد، وإنما مدة الإجارة لا مانع من الانتفاع لأن تسليم المعقود عليه واجب وذلك بالتمكين من الانتفاع، لأن تسليم عين المنفعة لا يتصور فيقام التمكين من الانتفاع مقامه، وذلك تسليم المحل إليه بحيث لا مانع من الانتفاع، فإن عرض في بعض المدة، أو المسافة ما يمنع الانتفاع سقط الأجر بقدر مدة المنع.
وذلك بأن يغصبه غاصب أو يحدث فيه مرض، أو إباق، أو تغرق الأرض، أو يقطع عنها الشرب، لأنا أقمنا تسليم المحل قائم مقام تسليم المنفعة المستحقة بالعقد بسبب التمكين من الانتفاع، فإذا فات التمكين فإن التسليم ينفسخ العقد بقدره، فإن اختلفا بعد انقضاء المدة في تسليم ما استأجر في مدة الإجارة، فالقول قول المستأجر مع يمينه لأن الأجر للمدعى عليه تسليم المعقود عليه وتأكد الأجر، وهو ينكر، والبينة بينة الآجر تثبت التسليم وتقرر الأجر له على المستأجر، وبينة المستأجر تنفي ذلك.
ولو اتفقا أنه سلم في أول المدة أو المسافة، واختلفا في حدوث العارض فقال المستأجر: عرض لي ما منعني عن الانتفاع به من مرض، أو غصب، أو إباق، وجحد المؤاجر ذلك، فإن كان ذلك العارض قائماً عند الخصومة فالقول قول المستأجر مع يمينه البتة، وإن لم يكن قائماً فالقول قول المؤاجر مع يمينه على علمه؛ لأن في الفصل الأول الظاهر شاهد للمستأجر، وفي الفصل الثاني الظاهر شاهد للمؤاجر وإنما يحلف المستأجر البتة؛ لأنه يحلف على فعل نفسه وهو التسليم، وإنما يحلف المؤاجر على العلم لا يحلف على فعل نفسه.
وإن اتفقا على حدوث المانع واختلفا في مدة بقاء المانع، فالقول قول المستأجر؛ لأن القبض الأول قد انقطع بحدوث العارض فكان هذا خلافاً في ابتداء القبض، فيكون القول فيه قول المستأجر.(8/51)
-----
قال في «المنتقى» عن أبي يوسف: المستأجر إذا جاء بالعبد المستأجر مريضاً، أو قال: قد أبق، وأقام رب العبد البينة أنه عمل كذا وكذا، وأقام المستأجر بينة أنه كان أبق يومئذ، أو كان مريضاً، فالبينة بينة رب العبد؛ لأنها هي المبينة.
وفي «الأصل»: رجل يكاري من رجل منزلاً فقال: دونك المنزل فانزله معناه بالفارسية أينك خان وجا فردد أيدن فردد أي ونيشين، إلا أنه لم يفتح الباب فجاء رأس الشهر وطلب صاحب المنزل الأجر، وقال المستأجر: لم يفتحه لي وأنزله، فإن كان يقدر على فتحه فالكراء واجب، وإن كان لا يقدر على فتحه لا يجب الكراء وذلك؛ لأنه متى كان قادراً على فتحه، وقد خلى الآجر بينه وبين الدار فقد أتى بالتسليم المستحق عليه؛ لأن التسليم المستحق بحكم العقد تسليم يتمكن المستأجر من تسلمه وقد تمكن المستأجر من تسلمه بهذه التخلية التي وجدت من الآجر، وكان إثباتاً لتسليم المستحق عليه فيتأكد عليه البدل، كالمنكوحة إذا خلى بها زوجها وهو ممن يقدر على الجماع، فإنه يجب المهر، وإن لم يوجد الجماع، وكالبائع إذا خلى بين المبيع وبين المشتري يصير قابضاً له، وإن لم يقبضه حقيقة؛ لأنه تمكن من قبضه بهذه التخلية كذا هاهنا.
وإن كان لا يقدر على فتحة فلا أجر عليه لأنه لم يأت بالتسليم المستحق عليه بالعقد؛ لأن المستأجر لم يتمكن من التسليم بهذه التخلية إذا كان لا يقدر على فتحه، وبدون التسليم لا يستحق الأجر، وكان كالمنكوحة إذا خلى بها زوجها وهي بحال لا يتمكن الزوج من جماعها، بأن كانت رتقاء، أو حائضاً، أو نفساء، فإن المهر لا يتكرر بهذه التخلية؛ لأن التسليم لم يوجد كذا هاهنا ومعنى القدرة المذكورة في الكتاب القدرة على الفتح من غير مؤنة تلزمه، حتى لو لم يقدر على الفتح لا بمؤنة يلزمه لا تعتبر القدرة.(8/52)
-----
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: وكسر الغلق ليس بشيء حتى لا يكون للآجر أن يحتج على المستأجر، فيقول: هلا كسرت الغلق ودخلت الباب.
وإذا استأجر داراً سنة فلم يسلمها إليه حتى مضى شهر، وقد طلب التسليم ثم تحاكما فليس للآجر أن يمنع المستأجر من القبض، وليس للمستأجر أن يمنع من القبض في باقي المدة؛ لأن الإجارة عندنا في حكم العقود المتفرقة يتجدد انعقادها بحسب حدوث المنافع ففوات المعقود عليه في عقد لا يؤثر في إثبات الخيار في عقد أجر، قالوا: هذا إذا لم يكن في مدة الإجارة وقت يرغب الإجارة لأجله يتخير في قبض الباقي، ولو سلم الدار إلا بيتاً كان مشغولاً بمتاع الآجر يرفع عنه الأخر بحساب ذلك بخلاف ما إذا انهدم بيت منها، أو حائط منها، وسكن المستأجر في الباقي حيث لا يسقط شيء من الأجر.
الفصل الثالث عشر: في المسائل التي تتعلق برد المستأجر على المالك
قال رحمه الله: وليس على المستأجر رد ما استأجر على المالك، وعلى الذي آجر أن (26ب4) يقبض منزل المستأجر وليس هذا كالعارية، فإن رد العارية على المستعير.
والفرق: أن الرد بعد القبض فكل من كان منفعة القبض عائدة إليه كان الرد عليه. قال عليه السلام: «الخراج بالضمان»، وقال عليه السلام: «الغنم بالمغرم» ومنفعة قبض المستعار عائدة إلى المستعير؛ لأن المنفعة سلمت له مجاناً فكان مؤنة الرد عليه، ولهذا كان نفقة المستعار على المستعير، ومنفعة قبض المستأجر عائدة إلى المؤاجر، فإن حقه يتأكد في الأجرة فكان مؤنة الرد عليه.
فإن قيل: منفعة قبض المستأجر عائدة إلى المستأجر أيضاً، فإن بالقبض يتمكن من الانتفاع.(8/53)
-----
قلنا: الترجيح لجانب الآجر لأن منفعته فوق منفعة قبض المستأجر لأن الحاصل للأجر عين وإنها تبقى والحاصل للمستأجر مجرد منفعته وإنها لا تبقى وما بقي خير مما لا يبقى فكان الرجحان لجانب الآجر فكان هو أولى بإيجاد الرد عليه، الثاني أن يساوي الجانبان فلا جرم يقع التعارض بينما يوجب الرد على الآجر، وبينما يوجب الرد على المستأجر، فنقول: إيجابه على الآجر أولى؛ لأن المستأجر يملكه ومؤنة الملك على المالك يقتضيه الأصل.
قال محمد رحمه الله في «الأصل»: وإذا استأجر الرجل رحاً يطحن عليه شهراً بأجر مسمى، فحمله إلى منزله فمؤنة الرد على رب الرحى، وأراد بالرحى رحى اليد ويقال بالفارسية: دست آس، ثم قال: والمصر وفي غير المصر في ذلك سواء في القياس في الإجارة، والعارية في الإجارة تجب على رب المال، وفي العارية تجب على المستعير.
قال مشايخنا: وتأويل هذا إذا كان الإخراج بإذن رب المال في الإجارة والعارية، ففي الإجارة تجب مؤنة الرد على رب المال، وفي العارية تجب مؤنة الرد على المستعير، فإن حصل الإخراج بغير إذن رب المال فمؤنة الرد على الذي أخرجه مستعيراً كان أو مستأجراً؛ لأنه صار غاصباً بالإخراج ومؤنة الرد على الغاصب.
قال ابن سماعة في «نوادره عن محمد»: رجل استأجر من آخر دابة أياماً معلومة يركبها في المصر فانقضت الأيام، فأمسكها في منزله ولم يجيء صاحبها يأخذها ففقدت الدابة فلا ضمان عليه، لأنه غير متعدي في هذا الإمساك، فإن على رب الدابة أن يجيء فيقبضها، فلو أن المستأجر ساق الدابة ليردها على المؤاجر في منزله مع أنه ليس عليه الرد، وهلكت في الطريق فلا ضمان عليه، ولو ذهب المالك إلى بلد آخر، وذهب هذا الرجل بالدابة ليردها على المالك فهلكت في الطريق كان عليه الضمان ويصير بالإخراج عن البلدة غاصباً.
(8/54)
-----
ولو استأجرها من موضع مسمى إلى موضع مسمى يذهب عليها ويجيء، فإن على المستأجر أن يرده إلى الموضع الذي استأجرها فيه، وهذا الشرط معتبر وهو بمنزلة بيان مكان الإيفاء في السلم، فإن ذهب بها إلى منزله وأمسكها ضمن إذا هلكت؛ لأنه متعدي في الذهاب بها إلى منزله.
ولو قال: اركبها إلى موضع كذا، وارجع إلى منزلي فليس على المستأجر أن يردها إلى المكان الذي استأجرها فيه، وعلى الآجر أن يأتي منزل المستأجر ويقبضها منه.
وفي «المنتقى»: استأجر دابة وردها إلى المنزل المستأجر وأدخلها مربطها فربطها أو أغلق عليها فلا ضمان عليه، يعني إذا هلكت أو ضاعت، كل شيء يفعل بها صاحبها إذا ردت عليه، فإذا فعل المستأجر يبرأ ولو أدخلها دار صاحبها أو أدخلها مربطها ولم يربطها، ولم يغلق عليها فهو ضامن يعني إذا هلكت أو ضاعت وستأتي بعض هذه المسائل في فصل إجارة الدواب.
الفصل الرابع عشر: في تجديد الإجارة بعد صحتها والزيادة فيها
وإذا زاد الآجر والمستأجر في المعقود عليه أو المعقود به، فهذا على وجهين: إن كانت الزيادة مجهولة لا تجوز الزيادة سواء كانت الزيادة من الآجر أو من المستأجر، وإن كانت الزيادة من جنس ما أجر أو من خلاف جنس ما أجر، وإن كانت الزيادة من جانب المستأجر إن كانت من جنس ما استأجر لا يجوز؛ لأنه تمليك منفعة بمنفعة من جنسها وإنه باطل عندنا، وإن كانت من خلاف جنس ما استأجر يجوز؛ لأنه تمليك منفعة بمنفعة بخلاف جنسها وإنه جائز.
ذكر شيخ الإسلام هذه الجملة في «شرح كتاب الصلح» إبراهيم عن محمد استأجر من آخر أرضاً بأكرار حنطة فزاد رجل المؤاجر كراً فأخذه المؤاجر منه فذهب المستأجر الأول فزاده كراً أيضاً، وجدده الإجارة فالإجارة هي الثانية وانفسخت الأولى مقتضى تجديد الثانية، وذكر هذه المسألة عن أبي يوسف.(8/55)
-----
ووضعها فيما إذا زاد المستأجر الأول على المستأجر الثاني في الأجر وسلمها رب الدار الأول بهذه الزيادة، وبالأجر الأول، وذكر أن الإجارة الأولى لا تنتقض وهذه زيادة زادها في الأجر، وحاصل الجواب أن صاحب الدار إذا جدد الإجارة تنتقض الأولى، وإذا لم يجدد لا تنتقض الأولى، وتكون الثانية زيادة.
عن محمد: استأجر رجلاً شهراً؛ ليعمل له عملاً مسمى بأجر معلوم، ثم أمره في خلال الشهر بعمل آخر مسمى بدرهم مثلاً، فالإجارة الثانية فاسخة للإجارة الأولى بالقدر الذي دخل في الإجارة الثانية، حتى لا يكون له أجرين، بل رفعه بحصة ذلك القدر، فإذا فرغ من العمل الثاني لزمه أجره، وذلك درهم، وتعود الإجارة الأولى.
الفصل الخامس عشر: في بيان ما يجوز من الإجارات، وما لا يجوز
هذا الفصل مشتمل على أنواع: نوع يفسد العقد فيه لمكان الجهالة.
قال محمد في «الأصل»: إذا استأجر الرجل قِدراً بعينه ليطبخ فيه اللحم، فإن بين الوقت بأن قال: يوماً، أو بين مقدار اللحم يجوز، وإن لم يبين واحداً منهما لا يجوز لمكان الجهالة، وكذا في إجارة الموازين والمكاييل ينبغي أن يبين المدة، أو مقدار ما يكتله أو يزينه به، وإن لم يبين واحداً منهما لا يجوز لمكان الجهالة.
قال في «الأصل»: إذا استأجر الرجل نصيباً من دار غير مسمى، بأن قال لغيره: استأجر منك نصيبك من هذه الدار أو من هذا العبد أو من هذه الدابة، ولم يبين نصيبه، على قول أبي حنيفة: لا يجوز وعلى قول أبي يوسف: يجوز إذا علم بالنصيب بعد ذلك، وهو قول محمد أما على قول أبي حنيفة لا يشكل أنه لا يجوز، لأن المستأجر مشاع مجهول لا يدري أنه ثلث أو ربع أو نصف.
ولهذا قال: لو باع نصيباً من دار والمشتري لا يعلم لا يجوز البيع لجهالة المبيع فدل أن المستأجر مشاع مجهول، ولو كان مشاعاً معلوماً بأن أجر النصف أو الثلث لم يجز عنده، فإذا كان مشاعاً مجهولاً أولى أن لا يجوز.(8/56)
-----
وعلى قول أبي يوسف لا يشكل أنه يجوز؛ لأن جهالة النصيب عند المشتري لا تمنع جواز البيع عنده، حتى قال: إذا اشترى نصيباً من دار ولم يعلم مقداره جاز وله الخيار إذا علم بالنصيب بعد ذلك فلا يمنع جواز الإجارة أيضاً، فإذا لم يجز أن يمنع الجواز؛ لأجل هذه الجهالة على مذهبه بقي بعد ذلك مجرد الشيوع والشيوع غير مانع من الإجارة، وإنما الأشكال على قول محمد، وذلك لأن جهالة النصيب عنده يمنع جواز البيع فيجب أن يمنع جواز الإجارة أيضاً، وإن كان الشيوع لا يمنع الجواز على مذهبه ولكن من مشايخنا من قال: بأن قول محمد ها هنا يلحق بقول أبي حنيفة لا بقول أبي يوسف؛ لأنه كما ذكر قول محمد عقيب قول أبي يوسف، فقد ذكر قول أبي حنيفة فيلحق قوله بقول أبي حنيفة، أن لا تجوز هذه الإجارة على قول أبي حنيفة وهو قول محمد، فعلى هذا لا يثبت الرجوع عن محمد في البيع.
ومنهم (27أ4)» من قال: قول محمد يلحق بقول أبي يوسف، يعني تجوز الإجارة على قوله، واختلفوا فيما بينهم منهم من أثبت رجوع محمد عما ذكر في البيع؛ لأن جهالة النصيب إذا لم يمنع جواز الإجارة لا يمنع جواز البيع، ومنهم من لم يثبت رجوع محمد عن فصل البيع وفرق على قوله بين الإجارة والبيع.
والفرق: وهو أن الإجارة تنعقد ساعة فساعة في حق المنافع، والأجرة تجب عند استيفاء المنافع، وعند الاستيفاء النصيب معلوم، فأما البيع ينعقد حال وجوده والمبيع حال وجود البيع مجهول، فلا يجوز.
قال: رجل استأجر أرضاً، ولم يذكر أنه يزرعها، أو ذكر أنه يزرعها ولكن لم يذكر أي شيء يزرعها، فالإجارة فاسدة، أما إذا لم يذكر أنه يزرعها فالإجارة فاسدة لجهالة المعقود عليه؛ لأن الأرض تستأجر تارة للزراعة، وتارة للبناء والغرس، ذكرهما ولا رجحان للبعض على البعض مما لم يبين لا يصير المعقود عليه معلوماً.(8/57)
-----
وكذلك إذا ذكر أنه يزرعها إلا أنه لم يبين أي شيء يزرعها فالإجارة فاسدة لجهالة المعقود عليه؛ لأن الأرض تستأجر لزراعة الحنطة وتستأجر لزراعة الشعير وتستأجر لزراعة الذرة والأرز وتفاوت ذلك في حق الأرض تفاوتاً فاحشاً مما لم يبين شيئاً من ذلك لا يصير المعقود عليه معلوماً، فإن زرعها نوعاً من هذه الأنواع ومضت المدة فالقياس أن يجب أجر المثل؛ لأنه استوفى المعقود عليه بحكم عقد فاسد.
وفي الاستحسان يجب المسمى، وينقلب العقد جائزاً؛ لأن المعقود عليه صار معلوماً بالاستعمال والإجارة بعد في الانعقاد، فصار ارتفاع الجهالة في هذه الحالة وارتفاعها لدى العقد سواء، فيجوز العقد.
وعلى هذا إذا استأجر دابة إلى بغداد ليحمل عليها، ولم يذكر أي شيء يحمل عليها فالإجارة فاسدة؛ لأن الأحمال متفاوتة، فإن اختصما قبل أن يحمل عليها شيئاً أبطل القاضي الإجارة؛ لأن العقد الفاسد يجب نقضه وإبطاله، وإن حمل عليها ما يحمل الناس على مثلها، وهلكت في الطريق فلا ضمان؛ لأنه حمل عليها بإذن، وإن بلغ ذلك المكان المسمى فعليه أجر المثل قياساً، والمسمى استحساناً، وقد مر وجه القياس والاستحسان في المسألة المتقدمة.
قال: وإذا استأجر الرجل إبلاً إلى مكة ليحمل عليها محملاً فيه رجلان وما يصلحهما من الغطاء والدثر، وقد رأى المكاري الرجلين، ولم ير الغطاء والدثر فهو فاسد قياساً لجهالة المحمول وفي الاستحسان يجوز وينصرف ذلك إلى ما يحتاج إليه مثلها في طريق مكة من الغطاء والدثر، وذلك معلوم عرفاً فيما بينهم، والمعلوم عرفاً كالمعلوم شرطاً.
وكذلك إذا استأجر راحلة يحمل عليها كذا كذا من الدقيق والسويق وما يصلحهما من الخل والزيت، ويعلق بها من المعاليق من المطهرة وما أشبهها، ولم يبين شيئاً من ذلك فهو على القياس والاستحسان الذي ذكرنا.(8/58)
-----
وإذا استأجر إبلاً أو حماراً ليحمل عليها الحنطة ولم يبين مقدار الحنطة، ولا أشار إليها ذكر شيخ الإسلام في «شرحه» من كتاب الإجارات أنه لا يجوز، وذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله في «شرحه» أنه يجوز، وينصرف إلى المعتاد، وهذا القول أشبه بمسألة المحمل والراحلة.
وقال محمد رحمه الله في كتاب الإجارات: إذا استأجر دابة يطحن عليها كل شهر بعشرة دراهم، ولم يسم كم يطحن عليها كل يوم جاز؛ لأنه بين جنس العمل إلا أنه لم يبين مقداره، وبيان جنس العمل يكفي لجواز الإجارة، وله أن يطحن عليها مقدار ما تحمل الدابة وتطيق وما يطحن مثلها قدراً في العرف.
قال: وهو نظير ما لو استأجرها ليحمل عليها جاز، وله أن يحمل عليها قدر ما تحتمل، قال: رجل استأجر داراً أو بيتاً ولم يسم الذي يريدها له القياس أن تفسد الإجارة، وفي الاستحسان لا تفسد.
وجه القياس: أن المقصود من الدار والبيت الانتفاع، ووجوه الانتفاعات مختلفة متفاوتة وقد يكون من حيث السكنى ووضع الأمتعة، وقد يكون من حيث الحدادة والقصارة، فإنه ما لم يبين شيئاً من ذلك، كما لو استأجر دابة للحمل، ولم يبين ما يحمل عليها، أو استأجر للركوب، ولم يبين من يركب.
وجه الاستحسان: أن المعقود عليه معلوم عرفاً وهو السكنى؛ لأن البيت عرفاً يبنى ويؤاجر للسكنى فانصرف مطلق العقد إليه لما عرف أن المعلوم عرفاً كالمعلوم شرطاً، فكأنه استأجر داراً أو بيتاً للسكنى، ولو صرح بذلك أليس أنه يجوز وإن لم يبين من يسكن؛ لأن السكنى مما لا يقع فيه التفاوت بين ساكن وساكن.
بخلاف ما إذا استأجر دابة للحمل أو الركوب، ولم يبين ماذا يحمل، ومن يركب؛ لأن حمل بعض الأشياء، وركوب بعض الأشخاص غير معلوم عرفاً لينصرف مطلق العقد إليه، بل الكل متعارف والحمل والركوب ما يقع فيه التفاوت، فما لم يبين لا يصير المعقود عليه معلوماً، فلا يحكم بجواز الإجارة.(8/59)
-----
وإذا دفع الرجل الحر إلى سمسار درهماً وأمره أن يشتري له كذا وكذا على أن يكون الدرهم المدفوع إليه، أو دفع إليه ثوباً، وأمره أن يبيعه ويكون هذا الدرهم له أو استأجر الرجل ليبيع له أو يشتري فهذا فاسد؛ لأن البيع والشراء قد يتمان بكلمة واحدة، وقد يتمان بكلمات، فكان المعقود عليه مجهولاً، والجملة في ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يستأجره يوماً إلى الليل بأجر معلوم ليبيع له ويشتري؛ لأن المعقود عليه في هذه الصورة المنفعة، ولهذا يستحق الأجر متى سلم نفسه، وقد صارت المنفعة معلومة ببيان الوقت.
الثانية: أن يأمره أن يبيع ويشتري ولا يشترط شيئاً، فيكون معيناً له ثم يعوضه بعد الفراغ من العمل بمثل ذلك الأجر؛ لأن هذا استعانة ابتداء إجارة انتهاء؛ ولهذا قال مشايخنا: يجبر على إعطاء العوض إذا امتنع، ثم في السمسار وجميع ما كان فاسداً من ذلك إذا باع واشترى فله أجر المثل لا يجاوز به المسمى، كما في سائر الإجارات الفاسدة، ويطيب له ذلك؛ لأنه بدل عمله فيطيب له كما تطيب قيمة المبيع للبائع في البيع الفاسد عند عجز المشتري عن رد العين؛ لأنه بدل ملكه، لكن يأثم بمباشرته هذا العقد؛ لأنه معصية.
وإذا استأجر نهراً يابساً ليجري فيه الماء إلى أرض له أو إلى رحاً ما له أو ليستأجر مسيل ماء ليسيل فيه ماء ميزابه، أو استأجر ميزاباً ليسيل فيه غسالته أو بالوعته ليصيب فيها بوله والنجاسات لا يجوز؛ لأن المعقود عليه مجهول، أما في الفصل الأول؛ فلأنه لا يمكنه إجراء الماء في كل النهر؛ لأن النهر لا يستمسك ذلك، فلا بد من أن ينقص شيئاً وقدر ما ينقص مجهول فيصير الباقي مجهولاً، وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد، إذا لم يكن للناس فيه تعامل، خرج على هذا الدخول في الحمام بأجر حيث يجوز مع جهالة المعقود عليه؛ لأن للناس فيه تعاملز(8/60)
-----
وأما فيما عدا ذلك من الفصول؛ فلأن ما يسيل فيه من الماء والبول قد يقل وقد يكثر، قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني: الحرف المعتمد في جنس هذه المسائل أن الإجارات جوزت بخلاف القياس لحاجة الناس، وهذه ليست من إجارات الناس فيعمل فيها بالقياس وروي عن محمد إذا استأجر موضع أرض معروف ليسيل ماؤه فهو جائز، كأنه ذهب إلى أن المانع من جواز العقد الجهالة؛ لأنه لا يدري كم يأخذ الماء من النهر ومن السطح، فإذا عين الموضع جاز.
ولو استأجر ميزاباً ليركبه في داره جاز، ولو استأجره وهو في الحائط ليسيل الماء فيه لم يجز لما قلنا.
وإذا استأجر (27ب4) موضعاً من حائط ليضع عليه جذعاً، أو استأجر موضع كوة من الحائط بنقبها ليدخل عليه منها الضوء والريح، أو استأجر حائطاً ليبني عليه ستره، أو استأجر موضع وتد في الحائط ليعلق به الأشياء أو استأجر موضع ميزاب في حائط لا يجوز.
بعض مشايخنا قالوا: إنما لا يجوز إذا لم يبين موضع البناء والجذع والكوة والوتد حتى يكون المعقود عليه مجهولاً، أما إذا بين ذلك يجوز، ومنهم من قال: إنما لا يجوز إذا لم يبين مقدار الجذع والكوة والوتد حتى لا يجوز لمكان الجهالة، أما إذا بين جاز، ومنهم من قال: لا يجوز على كل حال، وإطلاق لفظ الكتاب يدل عليه، والمعنى ما ذكرنا أنه ليس من إجارات الناس.
وإذا استأجر موضعاً معلوماً من الأرض لينبذ فيها الأوتاد يصلح بها الغزل كي ينسج جاز؛ لأنه من إجارات الناس، ولو استأجر حائطاً ليدق فيها الأوتاد ليصلح عليها الإبريسم به شعراً أو ديباجاً لا يجوز، كذا ذكره بعض مشايخنا؛ لأن هذا من إجارات الناس، وفي عرف ديارنا ينبغي أن يجوز؛ لأن الناس تعاملوا ذلك في الفصلين جميعاً.
وإذا تكارى دابة إلى بغداد على أنه إن بلّغه إليها فله رضاه يعني ما يرضى من الأجر، فالإجارة فاسدة لجهالة البدل، وكذلك إذا استأجرها بحكمة أو بحكم صاحب الدابة.
(8/61)
-----
فإن قيل: جهالة البدل إنما يوجب فساد الإجارة إذا لم يكن الخيار مشروطاً لصاحب البدل، فأما إذا كان مشروطاً له فلا، ألا ترى أن من قال لغيره: أجرت منك هذه الدابة إلى بغداد بهذين العبدين، على أنك بالخيار تأخذ أيهما تشاء وترد الأخر جاز، والآخر مجهول ولكن للشرط الخيار لصاحب البدل لم يمنع ذلك جواز الإجارة.
قلنا: هذا هكذا إذا كان جنس البدل معلوماً، وها هنا جنس البدل مجهول، فإن قال: رضائي عشرون لا يزاد على العشرين؛ لأن المانع لا يتقوم بدون التسمية، وقد سمى عشرون فإنما قومها بهذا القدر فلا يزاد عليه ولأنه أبرأه عن الزيادة لما قال: رضائي عشرين ونقص عن العشرين لأنه لم يشترط لصاحب البدل مع العشرين منفعة أخرى، وفي مثل هذه الإجارة تنقص عن المسمى لما بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وكذلك إذا تكارى دابة بمثل ما يتكارى أصحابه مثل هذه الدابة معلوماً بل كان مختلفاً، بأن كان بعض أصحابه يكري مثل هذه الدابة بعشرة وبعضهم يكري بأقل من ذلك وبعضهم بأكثر من ذلك فأما إذا كان ذلك معلوماً بأن كان أصحابه يتكارون مثل هذه الدابة بعشرة لا يزيدون ولا ينقصون وقد عرف ذلك كان العقد جائزاً كما لو باع بمثل ما باع فلان، وكان ذلك معلوماً وقت العقد، أو علم في مجلس العقد وهناك البيع جائز هكذا هاهنا، وإن كان ذلك مختلفاً فعليه وسط من ذلك، يريد به أن أجر مثل هذه الدابة يختلف باختلاف الأحوال قد تكون عشرة، وقد تكون بأكثر من عشرة، وقد تكون أقل من عشرة فعليه الوسط من ذلك نظراً من الجانبين ومراعاة كلا الطرفين.
نوع آخر
يفسد العقد فيه لمكان الشرط:
قال محمد رحمه الله في «الأصل» :رجل استأجر من آخر عبداً شهراً بأجر مسمى على أنه إن مرض فعليه أن يعمل بقدر الأيام التي مرض من الشهر الداخل لا تجوز هذه الإجارة؛ لأن ما شرط له من الشهر الداخل مجهول لجهالة مدة المرض في الشهر القائم.(8/62)
-----
رجل تكارى من رجل بيتاً شهراً بعشرة دراهم على أنه إن سكنه يوماً ثم خرج فعليه عشرة دراهم، كانت الإجارة فاسدة؛ لأنه شرط في العقد ما لا يقتضيه العقد، ولأحد المتعاقدين فيه منفعة.
بيانه: أنه شرط جميع بدل المعقود عليه بإزاء بعضه حال فوات الباقي قبل القبض، والعقد لا يقتضي ذلك وكان بمنزلة ما لو اشترى حنطة على أنه إن هلك شيء منها قبل القبض فعليه الثمن كله كان البيع فاسداً، وإنما كان فاسداً للمعنى الذي ذكرنا.
وإذا تكارى دابة على أن كلما ركب الأمير ركب هو معه، فهذا فاسد أيضاً لجهالة المعقود عليه؛ لأن المعقود عليه في الدابة لا يصير معلوماً، إلا بذكر المدة أو بذكر المكان، ولم يوجد أحد هذين، فكان المعقود عليه مجهولاً فلا يجوز.
وإذا تكارى دابة بالكوفة إلى بغداد بخمسة دراهم إن بلغه، وإلا فلا شيء له فالإجارة فاسدة، لأنه شرط فيها ما لا يقتضيه العقد، ولأحدهما فيه منفعة.
بيانه: أنه شرط أن لا يكون له أجر متى لم يبلغه، والعقد يقتضي وجوب الأجر بقدر ما سار، وإن لم يبلغه إلى بغداد.
وفي «الأصل» :إذا استأجر أرضاً بدراهم مسماة وشرط خراجها على المستأجر، فإن هذا لا يجوز.
واعلم بأن هذه المسألة على وجهين: إما إن كان الخراج خراج مقاسمة كلها، بأن كان الخراج نصف ما تخرجه الأرض، أو ما أشبهه، أو بعضها بأن كان وظيفة كل جريب درهم، وسدس ما يخرج منها أو ما أشبهه، أو كان الخراج خراجَ وظيفة كلها، بأن كانت وظيفة كل جريب درهماً فإن كان الخراج خراج مقاسمة كلها أو بعضها فعلى قول أبي حنيفة: لا يجوز؛ لأن خراج المقاسمة على المؤاجر عنده، فإذا شرطه على المستأجر فقد جعله أجراً وإنه مجهول كله أو بعضه؛ لأن مقدار ما تخرج الأرض مجهولاً.(8/63)
-----
ونقول: شرطا شرطاً لا يقتضيه العقد، ولأحد المتعاقدين وهو الآجر فيه نفع فإن أداء الخراج لا ينفك عن ذل وهوان ومثل هذا الشرط يوجب فساد العقد وعندهما يجوز العقد لأن عندهما خراج المقاسمة على المستأجر فقد شرطا شرطاً يقتضيه العقد فلا يفسد العقد وإن كان الخراج خراج وظيفة كلها فالعقد جائز بلا خلاف بين العلماء لأن خراج الوظيفة معلوم فتكون الأجرة معلومة ومن مشايخنا قال: ينبغي أن لا يجوز وإن كان الخراج خراج وظيفة لأن النقصان من وظيفة عمر رضي الله عنه جائز إن كانت الأرض لا تطيق ذلك بالإجماع، فإذا شرطا ذلك على المستأجر فقد شرطا شرطاً لا يقتضيه العقد ولأحد المتعاقدين وهو الآجر فيه منفعة فيفسد به العقد ولو كانت أرضاً عشرية فأجرها، وشرط العشر على المستأجر جاز في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله؛ لأن العشر عندهما على المستأجر فقد شرطا شرطاً يقتضيه العقد، فلا يوجب فساد العقد.
وعلى قول أبي حنيفة رحمه الله: لا يجوز؛ لأن العشر عنده على المؤاجر، فإذا شرط ذلك على المستأجر فقد جعله أجراً وإنه مجهول وشرط شرطاً لا يقتضيه العقد فيوجب فساد العقد.
قال محمد رحمه الله في «الجامع الصغير» : رجل استأجر أرضاً بدراهم على أن يكريها ويزرعها، أو يسقيها ويزرعها فهذا جائز؛ لأن هذا شرط يقتضيه العقد، فإن العقد يقتضي السقي والكراب، لأن العقد عقد المزارعة ولا ينتفع بالأرض من حيث الزراعة غالباً إلا بالسقي والكراب، وإن شرط عليه أن يثنيها ويكري أنهارها أو يسرقيها فهو فاسد.(8/64)
-----
واختلفوا في تفسير التثنية قال بعضهم: أن يردها مكروبة، فإن كان تفسيره هذا، فهو شرط مخالف للعقد؛ لأنه شرط يعود منفعته إلى رب الأرض بعد انتهاء العقد، وقال بعضهم: تفسير التثنية أن يكربها مرتين ثم يزرعها، فإن كان تفسيره هكذا، فالفساد يختص بديارهم؛ لأن في ديارهم تخرج الأرض ريعاً تاماً بالكراب مرة وكذا في ديار سيف، فيكون هذا الشرط في مثل هذا الموضع شرطاً لا يقتضيه العقد، ولأحدهما فيه منفعة وهو رب الأرض؛ لأن منفعة الكراب بقي بعد مدة الإجارة فيوجب فساد العقد حتى لو كانت لا تبقى لا يفسد العقد.
وأما إذا كان الأرض في بلدة تحتاج إلى تكرار الكراب فاشتراط التثنية لا يفسد العقد؛ لأنه يكون من مقتضيات العقد، وكذلك إذا شرط عليه (28أ4) إن يسرقيها فإن كان السرقين من عند المستأجر، فقد شرط عليه عيناً هو مال، فإن كان تبقى منفعته إلى العام الثاني يفسد العقد؛ لأنه شرط شرطاً لا يقتضيه العقد، ولأحد المتعاقدين فيه منفعة وهو الآجر، وإن كان لا تبقى منفعته إلى العام القابل لا يفسد العقد.
وذكر شيخ الإسلام في «شرح الإجارات»: إذا شرط على المستأجر أن يردها مكروبة، فإن كان شرط أن يردها مكروبة بكراب في مدة الإجارة، فالعقد فاسد؛ لأن وقت الكراب مجهول قد يكون يوماً وقد يكون يومين أو ثلاثة، وذلك الوقت مستثنى عن الإجارة؛ لأن المستأجر فيه عامل لرب الأرض فيوجب جهالة مدة الإجارة، فتفسد الإجارة، وإن شرط أن يردها مكروبة بكراب يكون بعد الإجارة فالمسألة على وجهين.
إما إن قال صاحب الأرض: أجرّتك هذه الأرض بكذا وبأن تكربها بعد مضي المدة وفي هذا الوجه العقد جائز.(8/65)
-----
وأما إذا قال: أجرتك بكذا على أن تكربها بعد انقضاء مدة الإجارة وفي هذا الوجه العقد فاسد، وإن أطلق الكراب إطلاقاً ينصرف إلى الكراب بعد العقد، ويصح العقد ولكن جواب هذا الفصل يخالف ظاهر ما ذكرنا ها هنا، ولا يظن به رحمه الله أنه قال ذلك جزافاً، فالظاهر أنه عثر على رواية أخرى بخلاف ما ذكر ها هنا.
وكذلك إذا شرط كري الأنهار على المستأجر يفسد العقد؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد على المستأجر، بل قضية العقد أن يكون على المؤاجر؛ لأنه من جملة التمكين من الانتفاع، فيكون على الآجر فاشتراطه على المستأجر يخالف مقتضى العقد.
ومن مشايخنا من فرق بين الجداول والأنهار، فقال: اشتراط كري الجداول صحيح؛ لأنه لا يبقى أثره بعد مضي السنة أما أثر كري الأنهار يبقى بعد مضي السنة، فيصير الآجر شارطاً عليه عملاً يختص هو بمنفعته، والأول أصح.
وإذا تكارى داراً من رجل سنة بمئة درهم على أن لا يسكنها فالإجارة فاسدة؛ لأنه شرط في الإجارة ما لا يقتضيه العقد، وللمؤاجر فيه منفعة، فإن المستأجر إذا لم يسكن الدار لم يمتلئ بئر الوضوء والمخرج، وإذا سكن بمثل ذلك، والتفريغ على رب الأرض فيتضرر فكان في هذا الشرط منفعة لرب الأرض من هذا الوجه.
وقال: فيمن استأجر داراً وشرط على المستأجر أن يسكن هو بنفسه، ولا يسكن معه غيره أن الإجارة جائزة، وللمؤاجر في هذا الشرط فائدة؛ لأنه متى يسكن معه غيره يمتلئ هو المخرج والوضوء أسرع مما يمتلئ لو سكن هو وحده، ومع هذا جوز العقد في هذه الصورة، ولم يجوزه في الصورة الأولى.(8/66)
-----
قال شيخ الإسلام رحمه الله في «شرحه»: لا بد من التأويل إذ لا يجئ بينهما فرق، نقول: تأويل الصورة الثانية أنه لم يكن في الدار بئر بالوعة، ولا بئر وضوء، ومتى لم يكن فيها البئر فلا منفعة للمؤاجر في هذا الشرط، لأنه لا يتضرر بإسكان غيره إذا كانت الحالة هذه؛ لأن ما يجتمع على ظاهر الدار فإخراج ذلك على المستأجر، وكثرة السكان لا يوهن البناء ولا يفسده.
وتأويل الصورة الأولى، أنه كان في الدار بئر وضوء وبئر بالوعة، وإذا كان كذلك كان لرب الدار في هذا الشرط نوع منفعة، وإنه شرط لا يقتضيه العقد، فأوجب فسادها ثم إذا فسدت الإجارة في هذه الصورة الأولى فسكن فيها المستأجر، فعليه أجر المثل بالغاً ما بلغ.f
رجل تكارى من رجل داراً كل شهر بعشرة، على أن ينزلها هو بنفسه وأهله، على أن يعمر الدار ويرمم ما كان فيها من خراب، ويعطي أجر حارسها، وما يأتيها من يأتيه من جهة سلطان أو غيره فالإجارة فاسدة؛ لأنه جعل بعض الأجر مجهولاً جهالة توقعهما في المنازعة المانعة من التسليم والتسلم؛ لأنه متى لم توجد الثانية ولم يخرب شيء من الدار حتى لم يحتج إلى المرمة لا يدري بأي قدر يعطيه وجهالة الأجر وإن قلت توجب فساد الإجارة، قالوا: وهذا الجواب صحيح في العمارة والثوابت؛ لأن العمارة والثوابت على رب الدار، وإنها مجهولة في نفسها فصار هو بهذا الشرط شارطاً لنفسه شيئاً مجهولاً.
فأما أجر الحارس فهو على الساكن فلا يكون بهذا الشرط شارطاً لنفسه شيئاً مجهولاً، فلا يفسد العقد، فإن لم يسكنها فلا أجر عليه؛ لأن الإجارة فاسدة، والأجر في الفاسد من الإجارات لا يستحق إلا باستيفاء المنفعة، وإن سكنها فله أجر مثلها بالغاً ما بلغ يجاوز بها المسمى المعلوم.(8/67)
-----
والأصل: أن العقد إذا فسد مع كون المسمى كله معلوماً بمعنى أجر المثل، ولا يزاد على المسمى حتى أن المسمى إذا كان خمسة وأجر المثل عشرة يجب خمسة لا غير؛ وهذا لأن المنافع عندنا غير متقومة بنفسها، وإنما ثبت لها حكم المتقوم بالعقد، وقد قوماها بالعقد بقدر التسمية، وأمكن اعتبار التسمية إذا كان المسمى معلوماً كله، فما زاد عليها تبقى غير متقومة على ما كانت الأصل.
وإذا فسد العقد لجهالة المسمى أو لعدم المسمى يجب أجر المثل بالغاً ما بلغ، حتى أن المسمى، إذا كان خمسة وأجر المثل عشرة يجب عشرة؛ لأنه لا يمكن تقويم المنافع في هذه الصورة بالمسمى فأوجبنا قيمتها بالعقد بالغاً ما بلغت، وكذلك إذا كان المسمى بعضه مجهولاً وبعضه معلوماً كما في مسألة المرمة، والثانية يجب أجر المثل بالغاً ما بلغ؛ لأنه لا يمكن تقدير القيمة بجميع المسمى؛ لأن بعضه مجهول ولا يمكن تقدير القيمة بقدر المعلوم؛ لأنهما ما قوماها به فحسب، إنما قوماها به وبالزيادة.
وإذا تعذر تقويمها بجميع المسمى وبالقدر المعلوم أوجبنا قيمتها بالغة ما بلغت، هذا هو الكلام في طرف الزيادة على المسمى.(8/68)
-----
وأما الكلام في طرف النقصان عن المسمى، نقول: إذا كان المسمى كله معلوم القدر وفسد العقد بسبب آخر من الأسباب ينقص عن المسمى حتى أنه إذا كان أجر المثل خمسة والمسمى عشرة يجب خمسة وإذا كان المسمى بعضه مجهولاً وبعضه معلوماً لا ينقص عن الأجر المعلوم حتى إن في المسألة الثانية والمرمة إذا كان أجر المثل خمسة يجب عشرة، وهو القدر المعلوم من المسمى؛ وهذا لأن قضية القياس فيما إذا كان المسمى كله معلوم القدر أن لا ينقص عن المسمى، لأن قيمة المنافع تثبت بسبب التسمية، فيجب التقدير بها ما أمكن كما في الجائز، والتقدير بها ممكن إذا كان المسمى كله معلوماً، فيجب التقدير بها، إلا أنا تركنا القياس لضرورة، وهو أن لا تقع التسوية بين الجائز والفاسد، ولا تجوز التسوية بينهما، وهذه الصورة معدومة فيما إذا كان المسمى بعضه معلوماً وبعضه مجهولاً؛ لأنا إذا أوجبنا مقدار المعلوم من المسمى، ولم ينقص عنه لا يؤدي إلى التسوية بين الجائز والفاسد، لأن حكم الجائز أن يجب جميع المسمى، وإن كان بعض المسمى معلوماً وبعضه مجهولاً يجب بعض المسمى وهو القدر المعلوم، ولا يجب شيء من المجهول فلا يؤدي إلى التسوية بين الجائز والفاسد.
وعن هذا قلنا: إن من استأجر داراً سنة بمئة على أن لا يسكنها حتى فسدت الإجارة لو سكنها يجب أجر المثل، فإن كان أجر المثل أقل من مئة يجب مئة لأنا لو أوجبنا قدر المئة لا يؤدي إلى (28ب4) التسوية بين الجائز والفاسد؛ لأن فيه إيجاب بعض المسمى لا الكل؛ لأن المستأجر سكن الدار فعلى هذا الأصل يخرج جنس هذه المسائل.
نوع آخر
في قفيز الطحان، وما هو بمعناه(8/69)
-----
صورة قفيز الطحان أن يستأجر الرجل من آخر ثوراً ليطحن بها الحنطة على أن يكون لصاحبها قفيز من دقيقها، أو يستأجر إنساناً ليطحن له الحنطة بنصف دقيقها أو ثلثه أو ربعه أو ما أشبه ذلك، وذلك فاسد؛ لأنه منهي عنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، «أنه نهى عن قفيز الطحان» وقال عليه السلام لرافع بن خديج في آخر حديث معروف: لا يستأجره بشيء منه.
والمعنى فيه: أنه جعل الأجر شيئاً معدوماً؛ لأنه جعل الأجر بعض الدقيق الذي يخرج من علمه، وإنه معدوم في الحال حقيقة، وليس له حكم الوجود؛ لأنه غير واجب في الذمة؛ لأنه إنما يجب في الذمة ما له وجود في العالم، والبدل في المعاملات يجب أن يكون موجوداً حقيقة كالعين أو حكماً كالثمن.
والجملة في ذلك لمن أراد الجواز أن يشترط صاحب الحنطة قفيزاً من الدقيق الجيد؛ لأن الدقيق إذا لم يكن مضافاً إلى حنطة بعينها يجب في الذمة، والأجر كما يجوز أن يكون عيناً مشاراً إليه يجوز أن يكون فيها في الذمة، ثم إذا جاز يعطب ربع دقيق هذه الحنطة إن شاء وإنما شرط أن يقال: ربع هذه الحنطة من الدقيق الجيد؛ ليكون الأجر معلوم القدر.
ولو استأجر حانوتاً بنصف ما يربح فيه فالإجارة فاسدة، وكان على المستأجر أجر مثل الحانوت، وإنما فسدت الإجارة أما؛ لأن ما يربح مجهول؛ أو لأنه جعل الأجر بعض ما يحدث من علمه، فيكون في معنى قفيز الطحان.(8/70)
-----
وإذا دفع الرجل إلى حائك غزلاً لينسجه بالنصف أو ما أشبه ذلك فالإجارة فاسدة، أما لأنه في معنى قفيز الطحان لأنه جعل الأجر بعض ما يحدث من عمله؛ أو لأن هذه الإجارة في الابتداء إن صادفت محلاً غير مشترك بينه وبين المستأجر ففي الانتهاء صادفت محلاً مشتركاً، وهذا لأنه لا شركة في ابتداء العمل في المحل ولكن تم العمل والمحل مشترك، لأنه يجب بعض الأجر بابتداء العمل ولو كان صادفت محلاً مشتركاً ابتداء وانتهاء لم تنعقد الإجارة ولم يجوز الأجر لما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى، فإذا صادفت محلاً غير مشترك في الابتداء ومحلاً مشتركاً في الانتهاء لم يمنع انعقاد العقد ومنع الجواز.
ومشايخ بلخ كنصيربن يحيى ومحمد بن سلمة وغيرهما كانوا يفتون بجواز هذه الإجارة في الثياب لتعامل أهل بلدهم في الثياب والتعامل حجة يترك به القياس ويخص به الأثر وتجويز هذه الإجارة في الثياب للتعامل بمعنى تخصيص النص الذي ورد في قفيز الطحان، لأن النص ورد في قفيز الطحان؛ لا في الحائك إلا أن الحائك نظيره فيكون وارداً فيه دلالة، فمتى تركنا العمل بدلالة هذا النص في الحائك وعملنا بالنص في قفيز الطحان كان تخصيصاً، لا تركاً أصلاً وتخصيص النص بالتعامل جائز.
ألا ترى أنا جوزنا الاستصناع للتعامل والاستصناع بيع ما ليس عنده وإنه منهي عنه ولكن قيل: تجويز الاستصناع بالتعامل تخصيص منا للنص الذي ورد في النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان لا تركاً للنص أصلاً، لأنا عملنا بالنص في غير الاستصناع.(8/71)
-----
قالوا: وهذا بخلاف ما لو تعامل أهل بلدة قفيز الطحان، فإنه لا يجوز ولا تكون لتعاملهم عبرة لأنا لو اعتبرنا تعاملهم كان تركاً للنص أصلاً لأنه متى انفسخ النص مما ورد فيه لا يجوز العمل بدلالته في غير ما ورد فيه فيكون تركاً للنص أصلاً وبالتعامل لا يجوز ترك النص أصلاً وإنما يجوز تخصيصه، ولكن مشايخنا لم يجوزوا هذا التخصيص لأن ذلك تعامل أهل بلدة إن كان يجوز التخصيص فترك التعامل من أهل بلدة أخرى يمنع التخصيص؛ فلا يثبت التخصيص بالشك، بخلاف الاستصناع، فإنه وجد التعامل فيه في البلاد كلها، وإذا فسدت الإجارة كان للحائك أجر مثل عمله والثوب لصاحب الغزل.
قال: وكذلك الطعام يحمله الرجل في سفينة أو على دابة بالنصف، لا يجوز ولا تجيء هاهنا العلة الأولى، التي ذكرناها في الحائك أن الأجر معدوم، لأن الأجر هاهنا موجود مشار إليه، وإنما تجيء العلة الثانية أن العمل في الانتهاء يقع في شيء مشترك، لأنه بابتداء العمل يصير بعض الطعام ملكاً للعامل فيقع العمل في محل مشترك وهذا يوجب الفساد إن كان لا يمنع الانعقاد.(8/72)
-----
قال: وإذا دفع الرجل إلى رجل أرضاً ليغرسها أشجاراً أو كرماً من عند نفسه على أن الأرض والأشجار بينهما نصفان فالعقد فاسد، لأنه جعل نصف الأرض بمقابلة نصف الغرس بشرط أن يعمل في النصف الباقي فيكون البيع مشروطاً في الإجارة، والإجارة مشروطة في البيع، فيكون صفقتين في صفقة وإنه منهي والأشجار لصاحب الأرض، وعليه للغارس قيمة الأغراس وأجره مثل عمله، وإنما كان الأشجار لصاحب الأرض؛ لأن صاحب الأرض اشترى نصف الأغراس شراء فاسداً، لأن الأغراس مجهولة وصار قابضاً لما اشترى حكماً لاتصاله بأرضه فصار ذلك النصف ملكاً له والنصف الآخر بقي على ملك الغارس وقد غرسه في ملك الغير، إلا أنه تعذر عليه القلع لأن نصيبه غير ممتاز عن نصيب صاحب الأرض فلو قلع يتضرر صاحب الأرض وصاحب الأرض صاحب أصل، والغارس صاحب بيع، فيملك عليه نصيبه بالقيمة نفياً للضرر.
فإن قيل: ينبغي أن يصير نصف الأرض ملكاً للغارس؛ لأنه اشترى نصف الأرض بنصف الأغراس شراء فاسداً وقبضه حقيقة، فيصير مملوكاً له، وإذا صار نصف الأرض مملوكاً للغارس كان نصف الأغراس الذي هو على ملكه مغروسة في ملكه فلا يكون لصاحب الأرض عليه سبيل.
قلنا: صاحب الأرض ما دفع الأرض إلى الغارس بحكم عقد فاسد إنما دفع إليه الأرض ليغرسها، ثم جعل نصف الأرض له مغروساً عوضاً عن الغرس فلم تكن الأرض مقبوضة بحكم عقد فاسد قبل الغرس، فلهذا لا يملك نصف الأرض فكان الكل مغروساً على ملك رب الأرض وقد غرس بإذنه، إلا أنه ما غرسه مجاناً فيجب للغارس قيمة الغرس وأجر مثل عمله.
وفي «شرح القدوري»: وإذا دفع الرجل إلى رجل دابة ليعمل عليها بالنصف فإن تقبل الطعام ثم حمل عليها كان الأجر كله للمتقبل، ولصاحب الدابة أجر مثل الدابة وإن أجر الدابة ليحمل عليها فهو لرب الدابة، ولهذا أجر مثل عمله وفي مضاربة الأصل.(8/73)
-----
وإذا دفع الرجل إلى رجل دابة ليعمل عليها، ويؤاجرها على أن ما رزق الله من شيء فهو بينهما، فأجرها واحد عليها، فإن جميع غلة الدابة يكون لصاحب الدابة وللعامل أجر مثل عمله؛ فيما عمل لأن تصحيح هذا العقد مضاربة متعذر؛ لأنه جعل رأس مال المضاربة منافع الدابة ومنافع الدابة مما يتعين في العقود فلا يصلح رأس مال المضاربة، وإذا تعذر جعلها مضاربة جعلناها إجارة وإنها إجارة فاسدة لوجهين:
أحدهما: أنه استأجر العامل ليؤاجر دابته بنصف أجر الدابة، وإنه معلوم فيه واجب في الذمة ولا عين مشار إليه فصار في معنى قفيز (29أ4) الطحان.
والثاني: أنه استأجره ليؤاجر دابته ولم يبين لذلك مدة، وفي مثل هذا لا تجوز الإجارة وإن كان البدل معلوماً فلأن لا يجوز هاهنا والبدل مجهول أولى بعد هذا ننظر أن أجر العامل الدابة من الناس وأخد الأجر كان الأجر كله لرب الدابة، لأنه بدل منافع دابته، ألا ترى أنها لو هلكت قبل التسليم بطلت الإجارة.
وألا ترى أنه لو حمل ذلك على دابة أخرى أو على ظهره لا يستحق الأجر دل أن ما أخذ بدل منافع دابته، وقد أجرها بإذنه فيكون له وكان بمنزلة ما لو أمره ليبيع دابته على أن يكون نصف الثمن له فباعها كان كل الثمن لصاحب الدابة، لأنه ثمن دابته كذا ها هنا وللعامل أجر مثل عمله؛ لأنه ابتغى لعمله عوضاً لما شرط لنفسه نصف أجر الدابة فيكون له أجر مثل عمله لما فسدت الإجارة.
وهذا بخلاف ما إذا كان العامل لا يؤاجر الدابة من الناس وإنما يقبل الأعمال من الناس ثم يستعمل الدابة في ذلك فإن الأجر يكون للعامل وعلى العامل أجر مثل الدابة؛ لأنه إذا كان يتقبل الأعمال من الناس فما يأخذ من الأجر يكون بدل عمله لا بدل منافع دابته.(8/74)
-----
ألا ترى لو هلكت الدابة في هذه الصورة قبل التسليم لا تبطل الإجارة، وألا ترى أن له أن يحمل على دابة أخرى أو على ظهره فدل أن ما أخذ من الأجر بدل عمل العامل، فيكون له وعليه أجر مثل الدابة؛ لأنه استعمل دابة الغير بإذنه ببدل مجهول.
قال: وإذا دفع الرجل إلى الرجل بعيراً ليسقي الماء ويبيع على أن ما رزق الله في ذلك من شيء فهو بينهما نصفان فهذا فاسد، لأنه تعذر تصحيح هذا العقد مضاربة؛ لأنه جعل رأس مال المضاربة ما يتعين بالتعيين، وهو منافع الدابة، ولكن هذه الإجارة فاسدة؛ لأنه جعل الأجر نصف ثمن ما يبيع من الماء، وثمن ما يبيع من الماء مجهول، فكان الأجر مجهولاً؛ ولأنه جعل الأجر بعض ما يحصل من عمله، فكان في معنى قفيز الطحان.
بعد هذا نقول: إذا استعمل البعير، والراوية وباع الماء كان الثمن كله للعامل؛ لأنه بدل الماء لا بدل منافع الدابة ألا ترى لو هلكت الدابة قبل التسليم لا يبطل البيع ولو هلك الماء قبل التسليم يبطل البيع دل أنه بدل الماء، والماء كان مملوكاً للعامل ملكه بالإحراز بالراوية فكان الثمن بدل ملك العامل، فيكون للعامل، وعلى العامل أجر مثل البعير والراوية بخلاف المسألة الأولى؛ لأن في المسألة الأولى ما أخذ العامل فهو بدل منافع الدابة فيكون لصاحب الدابة، وللعامل أجر مثل عمله على صاحب الدابة.
وهكذا الجواب: إذا أعطاه شبكة ليصيد بها على أن ما صاد بها من شيء فهو بينهما، فما اصطاد يكون للصائد؛ لأن الصيد مباح كالماء يملكه الصائد بالإحراز وعليه أجر مثل الشبكة؛ لأنه استعمل الشبكة بحكم إجارة فاسدة؛ لأنه جعل الأجر نصف ما يحصل من عمله.
وإذا تكارى الرجل بعيراً ليحمل عليها أمتعة نفسه ويبيعها من الناس على أن يكون أجر البعير نصف ما يحصل بتجارته، فهذا فاسد وجميع ما اكتسب المستكري هو له، وعليه لصاحب البعير أجر مثل بعيره لاستيفائه منفعة البعير بحكم إجارة فاسدة.(8/75)
-----
وإذا دفع الرجل إلى الرجل بيتاً ليبيع فيه البر، على أن ما رزق الله في ذلك من شيء فهو بينهما نصفان، فقبض البيت، وباع فيه البر، فأصاب مالاً، فإن جميع ذلك لصاحب البر، ولصاحب البيت عليه أجر مثل البيت.
واعلم بأن هذه الإجارة فاسدة؛ لأنه لم يذكر فيها مدة؛ ولأن الأجر فهو نصف ما يربح مجهول، وإذا فسدت الإجارة كان على العامل أجر مثل البيت، وكان ما أصاب العامل من المال له؛ لأنه بدل بره، ولو كان صاحب البيت دفع البيت إليه ليؤاجر ويباع فيه البر على ما رزق الله من شيء فهو بينهما فهذا فاسد؛ لأن المدة مجهولة والأجر مجهول، فإذا أجر البيت وأخذ أجره، كان الأجر كله لصاحب البيت؛ لأنه بدل منافع بيته وقد أجره بإذنه؛ لأنه استأجره ليؤاجره بيته إجارة فاسدة، فإذا استوفى عمله؛ لأن على رب البيت أجر مثل عمله بخلاف المسألة الأولى، فإن ثمة ما أصاب العامل من المال يكون كله له؛ لأنه بدل بره أما ها هنا بخلافه.
وفي «فتاوى الفضلي»: استأجر رجلاً ليحصل له القصب في الأجمة على أن يعطي أجره خمس حزمات من قصب هذه الأجمة لا يجوز؛ لأنه في معنى قفيز الطحان؛ ولأن الحزمات مجهولة، وإن عين خمس حزمات، وقال: استأجرتك بهذه الحزمات الخمس يجوز، ولو لم يضف الأجر إلى قصب الأجمة، بل قال: استأجرتك على أن تحصد هذه الأجمة بخمس حزمات من القصب لا يجوز لجهالة الحزمات.
بخلاف بذرته الكدس واجتناء القطن بحيث يجوز إذا ذكر في الأجر حنطة أو قطناً من غير أن يضاف إلى حنطة الكدس أو القطن المجتنى، وإن كان لا يجوز إذا أضيف إليهما.
والفرق: أن هناك المفسد عند الإضابة ليس هو الجهالة؛ لأن الحنطة والقطن لا يتفاوت الوسط منهما بل المفسد كون ذلك في معنى قفيز الطحان، وإذا لم يضف لم يكن في معنى قفيز الطحان، وها هنا المفسد عند الإضافة كونه في معنى قفيز الطحان، والجهالة وبعدم الإضافة لا يخرج عن حد الجهالة، فلم يجز.(8/76)
-----
نوع آخر
في فساد الإجارة إذا كان المستأجر مشغولاً بغيره.
قال محمد رحمه الله: إذا استأجر الرجل أرضاً فيها زرع أو رطبة أو قصب أو شجر أو كرم مما يمنع الزراعة، فهذا فاسد؛ لأنه أجر ما لا يمكن تسليمه إلا بضرر يلحقه؛ لأنه لا يمكن تسليم الأرض إلا بقلع الأشجار والزرع وفي قلع الأشجار والزرع ضرر بالآجر؛ لأن الأشجار على ملك الآجر، ومثل هذا يوجب فساد العقد كما في بيع العين.
ألا ترى أنه لا يجوز بيع الجذع في السقف؟ وإنما لا يجوز؛ لأنه باع ما لا يمكنه تسليمه إلا بضرر يلزمه في غير ما دخل تحت العقد كذا ها هنا.
والمراد من الزرع المذكور في هذه المسألة، الزرع الذي لم يدرك بحيث يضره الحصاد، أما إذا أدرك الزرع بحيث لا يضره الحصار.
ذكر شيخ الإسلام في «شرحه» في كتاب الإجارات: أنه يجوز ويؤمر الآجر بقلع الزرع، وهكذا ذكر الصدر الشهيد رحمه الله في «شرح كتاب الإجارات»، وهو نظير ما لو أجر داراً فيها متاع الآجر، فإن الإجارات جائزة ويجبر الآجر على التفريغ، كذا ها هنا، ثم إن محمداً رحمه الله نص على فساد هذه الإجارة، وهكذا حكي عن الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني أن هذا العقد فاسد، وبعض مشايخنا قالوا: إنه موقوف إلى تفريغ الأرض، وقاسوا هذه المسألة على مسألة بيع الجذع في السقف.
والحاكم الشهيد رحمه الله: مال إلى ظاهر ما ذكر محمد رحمه الله، وفرق بين هذه المسألة وبين مسألة بيع الجذع في السقف.(8/77)
وفي «القدوري»: إذا استأجر أرضاً سنة فيها رطبة، فالإجارة فاسدة، فإن قلع رب الأرض وسلمها أرضاً بيضاء فهو جائز، وقاسه على ما إذا باع الجذع في السقف ثم نزع الجذع وسلمه إلى المشتري، وإن اختصما قبل ذلك فأبطل الحاكم الإجارة ثم قلع الرطبة، فالمستأجر بالخيار، إن شاء قبضها على تلك الإجارة وطرح عنه أجر ما لم يقبض، وإن شاء ترك، هذا جملة ما ذكره في «القدوري»، ثم الزرع إذا لم يدرك، وأراد جواز الإجارة في الأرض.(8/78)
-----
فالحيلة في ذلك: أن يدفع الزرع إليه معاملة، إن كان الزرع لرب الأرض على أن يعمل المدفوع إليه في ذلك بنفسه، وأجرائه وأعوانه على أن ما يرزق الله تعالى من الغلة، فهو بينهما على مئة سهم، سهم من ذلك للدافع، وتسعة وتسعون سهماً للمدفوع إليه، ثم يأذن له الدافع أن يصرف السهم الذي له إلى مؤنة هذه الضيعة أو شيء أراد، ثم يؤاجر الأرض منه، وإن كان الزرع لغير رب الأرض ينبغي أن يؤاجر الأرض منه بعد مضي السنة التي فيها الزرع (29ب4) فيجوز، وتصير الإجارة مضافة إلى وقت في المستقبل.
وحيلة أخرى إذا كان الزرع لرب الأرض أن يبيع الزرع منه بثمن معلوم ويتقابضان ثم يؤاجر الأرض منه، وكذلك الحيلة في الشجر والكرم، يدفع الأشجار والكرم معاملة أو يبيع الأشجار والكرم منه، ثم يؤاجر الأرض منه، ثم إن بعض مشايخنا زينوا حيلة بيع الأشجار والكروم، وكانوا لا يجوزون إجارة الأراضي فيها أشجار وكروم بهذه الحيلة، وكانوا يقولون: بيع الأشجار هاهنا بيع تلجئة لا بيع رغبة بدليل أن المستأجر يمنع عن قلع الأشجار، وإذا كان بيع تلجئه لا يزيل الأشجار عن ملك صاحبها، فحين يؤاجر الأرض كانت الأرض مشغولة بحق المؤاجر، فلا يجوز.
ومن المشايخ من يقول: يحكم الثمن إن كان الثمن الذي قوبل بالأشجار مثل قيمة الأشجار أو أكثر يستدل به على أن بيع الأشجار بيع رغبة، فتجوز الإجارة بعد ذلك، ومالا فلا، وكان الحاكم الإمام عبد الرحمن الكاتب والشيخ الإمام إسماعيل الزاهد وغيرهما من المشايخ يقولون: إن الإجارة صحيحة، وبيع الأشجار بيع رغبة إلا أن المستأجر يمنع عن قلع الأشجار لمكان العرف والعادة، وقد يمنع الإنسان عن التصرف في ملكه كما يمنع عن بيع السلاح في أيام القسمة من أهل القسمة.(8/79)
-----
وكان الطحاوى رحمه الله: يقول بصحة بيع الأشجار، وبصحة هذه الإجارة بشرط أن يبيع الأشجار بطريقها، ويبين طريقاً معلوماً لهما من جانب من جوانب الأرض، أما بدون ذلك لا يجوز البيع ولا الإجارة بعده.
ومن المشايخ من زين حيلة بيع الأشجار من وجه آخر، فقال: في بيع الأشجار مطلقاً يدخل موضعها من الأرض في البيع على أصح الروايتين، فإذا دخل لا يمكن تجويز إجارة ذلك الموضع؛ إما لأن المستأجر يصير مستأجراً ملك نفسه؛ أو لأن استئجار الأرض لتنقية الأشجار وقد وقع الاستغناء عن استئجار موضع الأشجار لتنقية الأشجار لدخول ذلك الموضع في بيع الشجر، وإذا صار موضع الاستئجار ملك مشتري الأشجار، فإذا استأجر الأرض بعد ذلك صار مستأجراً ملك نفسه، وملك رب الأرض بصفقة واحدة، وإنه لا يجوز، ثم إذا فسخت الإجارة وكان فيها بيع الأشجار لا يشترط فسخ بيع الأشجار نصاً بعد فسخ الإجارة، بل ينفسخ البيع في الأشجار بطريق الدلالة، والفسخ مما يثبت بطريق الدلالة.u
وإذا اشترى ثمرة في نخل، ثم استأجر النخل مدة لتنقيتها فيها لم يجز؛ لأنها ليست من إجارات الناس.
وكذلك لو استأجر الأرض بدون النخلة لم يجز؛ لأن النخل حائل بينة وبين الثمرة، وإنه ملك المؤاجر، والمستأجر مشغول بملك المؤاجر.
وكذلك إذا اشترى أطراف الرطبة دون أصلها، ثم استأجر الأرض لإبقاء الرطبة لا يجوز؛ لأن أصل الرطبة على ملك الآجر، فقد حال بينه وبين المستأجر ملك الآجر.
ولو اشترى نخلة فيها، ثم ليقلعها، ثم استأجر الأرض لتنقينها جاز، وكذلك إذا اشترى الرطبة بأصلها ليقلعها، ثم استأجر الأرض لتنقيتها جاز؛ لأن الأرض مشغولة بملك المستأجر، وذلك لا يمنع جواز العقد.
ولو استعار الأرض في ذلك كله جاز؛ لأن العارية تبرع لا يتعلق به اللزوم، فيجوز بيع الشيوع، وما هو في معنى الشيوع.
ومما يتصل بهذا النوع مسائل الشيوع في الإجارة(8/80)
-----
قال محمد رحمه الله: في رجل أجر نصف داره مشاعاً من أجنبي لم يجز، وإذا سكن المستأجر فيها يجب أجر المثل، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله: يجوز بلا خلاف في ظاهر الرواية.
وروي في «النوادر» عن أبي حنيفة أنه لا يجوز ولو أجر داره من رجل ثم تقايلا العقد في النصف لا يبطل العقد في النصف الباقي بلا خلاف في ظاهر الرواية وفي «النوادر» عن أبي حنيفة أنه تبطل الإجارة في النصف الباقي، وإذا أجره داره من رجلين يجوز بلا خلاف، وإذا مات أحدهما تبطل الإجارة في نصيبه، وتبقى في نصيب الحي صحيحة.
وكذلك إذا أجر الرجلان داراً من رجل، فمات أحد المؤاجرين، بطلت الإجارة في نصيبه، وفي نصيب الحي صحيحة، وكذا إذا مات أحد المتكاريين بطل الكراء في نصيبه، ويبقى في نصيب الآجر، وإذا كانت الدار بين الرجلين آجر أحدهما نصيبه من أجنبي، فقد اختلف المشايخ فيه على قول أبي حنيفة.
بعضهم قالوا: لا يجوز، وهكذا روى الحسن في «جامعه» عن أبي حنيفة وعندهما يجوز، ولو استأجر علو منزل ليمر فيه إلى حجرته لا يجوز عند أبي حنيفة، وعندهما يجوز.
وكذلك إذا استأجر السفل ليمر فيه إلى سكنه لم يجز في قول أبي حنيفة، وعندهما يجوز، لأن المستأجر مشاع، وإجارة المشاع على الخلاف الذي قلنا.
قال الشيخ الإمام الزاهد أحمد الطواويسي رحمه الله: ينبغي أن لا تجوز هذه الإجارة إجماعاً؛ لأن المعقود عليه مجهول؛ لأن موضوع المسألة أن الطريق غير معين، وجهالة المعقود عليه تمنع جواز الإجارة إجماعاً، ولا يجوز إجارة البناء دون الأرض هكذا ذكر في «الأصل» وذكر محمد في «النوادر» في مواضع أنه يجوز، قال القاضي الإمام أبو علي النسفي: وبه كان يفتي شيخنا وقاسه بإجارة الفسطاط والخيمة.
نوع آخر في الاستئجار على الطاعات(8/81)
-----
وإذا استأجر الرجل رجلاً ليعلمه القرآن، أو ليعلم ولده القرآن لا يجوز، ومعناه أنه لا ينعقد العقد أصلاً حتى لا يجب للأجير شيء بحال من الأحوال، هذا جواب «الكتاب»، وإنما لم يجز؛ لأن الإجارة وقعت على عمل ليس في وسع الأجير إبقاؤه؛ لأن التعليم إنما يتم بالتعلم كالكسر بالانكسار، والتعلم ليس في وسع المعلم، ومثل هذا الاستئجار لا يجوز.
ومشايخ بلخ جوزوا الاستئجار على تعليم القرآن، إذا ضرب لذلك مدة أفتوا بوجوب أجر المثل قالوا: وإنما كره تعليم القرآن بالأجر في الصدر الأول؛ لأن حملة القرآن كانوا قليلاً فكان التعليم واجباً حتى لا يذهب القرآن، فأما في زماننا كثر حملة القرآن ولم يبق التعليم واجباً، فجاز الاستئجار عليه.
وذكر الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري كان المتأخرون من أصحابنا يجوزون ذلك، ويقولون إنما كان المتقدمون يكرهون ذلك لأنه كان للمعلمين عطيات من بيت المال وكانوا مستغنين عما لا بد لهم من أمر معاشهم، وقد كان في الناس رغبة في التعليم بطريق الحسبة، وللمتعلمين مروءة في المجازاة بالإحسان من غير شرط أما اليوم ليس لهم عطيات من بيت المال والتعليم يشغلهم عن اكتساب ما لا بد لهم من أمر المعاش وانقطع رغبة المعلمين في الاحتساب ومجازاة المتعلمين من غير شرط، فتجوز الإجارة ويجبر المستأجر على دفع الأجرة ويحبس بها وبه يفتى.
وكذلك يجبر المستأجر على الحَلْوَة المرسومة وهذا استحسان أيضاً استحسن المشايخ على ذلك.
وكذلك يفتى بجواز الاستئجار على تعليم الفقه في زماننا والاستئجار على الإمامة والأذان لا يجوز لأنه استئجار على عمل للأجير فيه شركة لأن المقصود من الأذان والإمامة أداء الصلاة بجماعة وبأذان وإقامة وهذا النوع كما يحصل للمستأجر يحصل للأجير.
وكذا الاستئجار على الحج والغزو وسائر الطاعات لا يجوز، لأنه لو جاز يوجب على القاضي جبر الأجير عليها ولا وجه إليه، لأن أخذها لا يجبر على الطاعات.(8/82)
-----
وكان الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني والقاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي لا يفتيان بجواز الاستئجار على تعليم القرآن، وهكذا حكي عن الشيخ الإمام ركن الدين أبي الفضل رحمه الله وفي روضة الزندويس، كان شيخنا أبو محمد عبد الله الحرافري يقول: في زماننا يجوز للإمام والمؤذن والمعلم أخذ الأجر.
وسيأتي بيان الحيلة للجواز على قول الكل في فصل الاستئجار على (30أ4) التعليم، وفي روضة الزندويس أن المستأجر إذا استأجر رجلاً ليعلم ولده الكتابة.
وفي «النوازل»: إذا استأجر مؤدباً مرة كل شهر بسبعة دراهم يعلم صبيين أحدهما العربية، والآخر القرآن، فقال المؤدَب: أنا لست من يأته تعليم القرآن فاستأجر معلَماً وضم الصبي إليه .... الناس، وأعطى منه أخرى فسلم الصبي إلى معلمه، فلما جاء رأس الشهر حبس عن المؤدب ثلاثة دراهم، فقال المؤدب: أنا لا أرضى بما حبست؛ لأن أجر المعلم يكون كل شهر نصف درهم، أو درهم.
قال: خطاب المؤدب الذي خاطب به المستأجر قريب من توكيله إياه بذلك، فيحط من أجره قدر ما يستحقه المعلم الذي ضم إليه الصبي، وإذا استأجر المسلم من المسلم بيتاً يصلي فيه لم يجز؛ لأنه عيَن جهة القربة لصرف المنفعة إليها، ولا يحل المنع عن الانتفاع لأجل تلك الجهة، فلا يجوز أخذ الأجر عليه.
متولي المسجد إذا تعذر عليه الحساب بسبب أنه أمي لا يكتب ولا يقرأ، فاستأجر رجلاً يكتب له ذلك لا يحَل له أن يعطي أجر الكاتب من مال المسجد؛ لأن الحفظ عليه ونفع الكتابة راجع إليه.
ولو استأجر رجلاً ليكنَس المسجد، ويغلق الباب ويفتحه بمال المسجد جاز؛ لأنه ليس على المتولي ذلك، أما حفظ الرجل والخرج عليه.
نوع آخر في الاستئجار على المعاصي
إذا استأجر الرجل حمالاً ليحمل له خمراً، فله الأجر في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا أجر له.(8/83)
-----
فوجه قولهما: أن حمل الخمر معصية؛ لأن الخمر يحمل للشرب والشرب معصية، وقد «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل الخمر والمحمول إليه»، وذلك يدل على كون الحمل معصية، وأبو حنيفة رحمه الله يقول يحمل للإراقة وللتخليل كما يحمل للشرب، فلم يكن متعيناً للمعصية، فيجوز الاستئجار عليه.
قال القدوري في «كتابه»: قال محمد رحمه الله: ابتلينا بمسألة ميت مات من المشركين، فاستأجروا له من يحمله إلى بلدة أخرى، قال أبو يوسف: لا أجر له، وقلت أنا: إن كان الحمال يعرف أنه جيفة فلا أجر له وإن لم يعلم فله الأجر، قال أبو يوسف: وهذا بخلاف ما لو استأجر لنقله إلى مقبرة البلدة حيث يجوز؛ لأن ذلك لدفع أذيته عنهم فصار كاستئجار الكناس واستئجار المسلم ليخرج له حماراً ميتاً من داره.
وفي «فتاوى أبي الليث»: إذا أجر نفسه من المجوسي ليوقد له ناراً فلا بأس به، فأبو حنيفة سوّى بين هذا وبينما إذا أجر نفسه من ذمّي ليحمل له خمراً، وهما فرقا بين المسألتين.
ووجه الفرق: أن التصرف في النار والانتفاع بها جائز في الجملة، ولا كذلك التصرف في الخمر والانتفاع بها.
وفي «العيون»: لو استأجر رجلاً ينحت له أصناماً أو يزخرف له بيتاً بتماثيل والأصباغ من رب البيت فلا أجر؛ لأن فعله معصية، وكذلك لو استأجر نائحة أو مغنية فلا أجر لها؛ لأن فعلها معصية.
وفي «فتاوى أهل سمرقند»: إذا استأجر رجلاً ينحت له طنبوراً أو بربطا ففعل يطيب له الأجر إلا أنه يأثم في الإعانة على المعصية، وإنما وجب الأجر في هذه المسألة ولم يجب في نحت الصنم؛ لأن جهة المعصية ثمة مستغنية؛ لأن الصنم لا ينحت إلا للمعصية أما في نحت الطبل والطنبور جهة المعصية ليست بمتعينة؛ لأنها كما للمعصية تصلح لغير المعصية بأن يجعل وعاء للأشياء.
ولو استأجر الذمي مسلماً ليبني له بيعة أو كنيسة جاز، ويطيب له الأجر.(8/84)
-----
وكذلك لو أن امرأة استكتبته كتاباً، إلى حبها جاز ويطيب له الأجر؛ لأنه بدل عمله، وقال أبو حنيفة: لا تجوز الإجارة على شيء من اللهو والمزامير والطبل وغيره؛ لأنها معصية والإجارة على المعصية باطلة؛ ولأن الأجير مع المستأجر يشتركان في منفعة ذلك فتكون هذه الإجارة واقعة على عمل هو فيه شريك، قال: وإن أعطي المستأجر شيئاً من اللهو ليلهو به فضاع أو انكسر فلا ضمان عليه؛ لأن الإجارة لما لم تنعقد بقي مجرد الإذن، كما في استئجار النخيل وإذا بقي الأخذ بإذن المالك فمتى ضاع أو انكسر لا يكون عليه شيء، كما لو أذن ولم يؤاجر.
قال: وإذا استأجر الذمي من المسلم بيعة يصلَي فيها فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه استأجرها ليصلي فيها وصلاة الذميّ معصية عندنا وطاعة في زعمه، وأي ذلك ما اعتبرنا كانت الإجارة باطلة؛ لأن الإجارة على ما هو طاعة ومعصية لا يجوز، وكذلك المسلم إذا استأجر من المسلم بيتاً ليجعلها مسجداً يصلي فيها المكتوبة أو النافلة، فإن الإجارة لا تجوز في قول علمائنا، وعند الشافعي تجوز وهذا لأنها وقعت على ما هو طاعة، فإن تسليم الدار ليصلي فيها طاعة ومن مذهبنا أن الإجارة على ما هو طاعة لا تجوز، وعنده تجوز.
وكان هذا بمنزلة ما لو استأجر رجلاً للآذان أو الإمامة لا يجوز عندنا؛ لأنه طاعة، وعند الشافعي يجوز فكذلك هذا وكذلك الذمي إذا استأجر رجلاً من أهل الذمة ليصلي بهم فإن ذلك لا يجوز لأن هذه معصية عندنا وطاعة في دينهم وأيّ ذلك ما اعتبرنا لا تجوز هذه الإجارة.
قال: وإذا استأجر رجل من أهل الذمة مسلماً يضرب لهم الناقوس فإنه لا يجوز لما ذكرنا، وإذا استأجر مسلماً ليحمل له خمراً ولم يقل ليشرب، أو قال ليشرب جازت الإجارة في قول أبي حنيفة خلافاً لهما، وكذلك إذا استأجر الذمي بيتاً من مسلم ليبيع فيه الخمر، جازت الإجارة في قول أبي حنيفة خلافاً لهما.(8/85)
-----
والوجه لأبي حنيفة فيما إذا نص على الشرب، إن هذه إجارة وقعت لأمر مباح؛ لأنها وقعت على حمل الخمر ليشربها الذمي، أو وقعت على الدار ليبيع الذميّ وشرب الخمر مباح؛ لأن خطاب التحريم كان غير نازل في حقه.
وهذا بخلاف ما إذا استأجر الذمي من المسلم بيتاً يصلي فيه حيث لا يجوز؛ لأن ثمة صفة المعصية، إذا أمنت في حقه لديانته تبقى صفة الطاعة و الاستئجار على الطاعة لا يجوز ومعنى صفة المعصية متى انتفت عن الشرب لديانته بقي فعلاً مباحاً في نفسه ليس بطاعة فتجوز الإجارة، وفيما إذا لم ينص على الشرب، فالوجه له أن الخمر كما يكون للشرب وإنه معصية في حق المسلم يكون للتخليل، وإنه مباح للكل فإذا لم ينص على الشرب يجب أن يجعل التنقل للتخليل حملاً لهذا العقد على الصحة.
وهو نظير ما لو استأجر الذميّ من المسلم بيتاً ولم يقل ليصلى فيه، فإنه يجوز، وإن كان له أن يصلي فيه ويتخذه بيعة وكنيسة.
وإذا استأجر الذميّ مسلماً ليحمل له ميتة، أو دماً يجوز عندهم لأن نقل الميتة والدم؛ لإماطة الأذى عن الناس مباح فتكون الإجارة واقعة على أمر مباح فتجوز، وقد تكون للأكل فتكون الإجارة واقعة على فعل حرام فلا تجوز، فإذا أطلق تحمل الإجارة على الحمل لإماطة الأذى تجويزاً للإجارة.
وإذا استأجر الذمي لنقل الخمر أو استأجر منه بيتاً ليبيع فيه الخمر جاز عندهم جميعاً؛ لأن الخمر عندهم كالخل عندنا وهذا بخلاف ما لو استأجر ذميّ من ذميّ بيتاً يصلّي فيه حيث لا يجوز؛ لأن صلاتهم طاعة عندهم معصية عندنا وأي ذلك كان لم تجز الإجارة، فأما في الخمر متى انتفت صفة المعصية بقي بعد ذلك صفة الإباحة، والاستئجار على فعل مباح جائز.(8/86)
-----
ولو استأجر مسلماً ليرعى له خنازير يجب أن تكون على الخلاف كما في الخمر ولو استأجره ليبيع له ميتة لم يجز؛ لأن بيع الميتة لا تجوز في دين من الأديان لأنه لا ثمن لها، وإذا لم يجز بيعه فقد استأجر على فعل ليس في وسعه تحصيله بحال (30ب4) وإذا استأجر الذميّ من المسلم داراً ليسكنها فلا بأس بذلك؛ لأن الإجارة وقعت على أمر مباح فجازت وإن شرب فيها الخمر أو عبد فيها الصليب أو أدخل فيها الخنازير، لم يلحق المسلم في ذلك شيء لأن المسلم لم يؤاجر لها إنما يؤاجر للسكنى، وكان بمنزلة ما لو أجر داراً من فاسق كان مباحاً، وإن كان يعصي فيها، ولو اتخذ فيها بيعة أو كنيسة أو بيت نار يمكن من ذلك إن كان في السواد.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: وأراد بهذا إذا استأجرها الذمي ليسكنها، ثم أراد بعد ذلك أن يتخذ كنيسة أو بيعة فيها، فأما إذا استأجرها في الابتداء ليتخذها بيعة أو كنيسة لا يجوز إلا إلى ما ذكر قبل هذا أن الذمي، إذا استأجر من المسلم بيعة يصلي فيها لم يجز بعض مشايخنا قالوا: وما ذكر في سواد الكوفة؛ لأن عامة سكانها أهل الذمة والروافض أما في سوادنا عامة سكانها المسلمون فيمنعون عن إحداث الكنائس كما يمنعون عنها في الأمصار، وكثير من المشايخ قالوا: لا يمتنعون عن إحداث الكنائس في سوادنا أيضاً.
قال: وإذا استأجر كتاباً يقرأ فيه لا يجوز شعراً كان أو فقهاً أو غيره.
وكذلك إذا استأجر مصحفاً وإنما لا يجوز، لأن الإجارة عقدت على القراءة والنظر، والإجارة على النظر والقراءة لا تنعقد؛ لأن القراءة فلا تخلو إما أن تكون طاعة أو معصية أو مباحاً.
فإن كانت القراءة طاعة كقراءة القرآن والأحاديث، كان هذا إجارة على الطاعة، والإجارة على الطاعة لا تنعقد.
وإن كانت معصية كالنياحة والغناء فهو إجارة على المعصية، والإجارة على المعاصي باطلة.(8/87)
-----
وإن كان مباحاً كقراءة كتب الأدب، فلأن القراءة والنظر مباح له بغير إجارة، إنما لا يباح حمله وتقلب الأوراق والإجارة لا تنعقد على ما كان يملكه المستأجر قبل الإجارة من غير إجارة، ولا تنعقد على حمله وتقليب الأوراق وإن كان لا يملكه المستأجر من غير إجارة؛ لأنه لا فائدة للمستأجر في ذلك، ألا ترى أنه لو نصّ فقال: استأجرت منك هذا الكتاب لأحمله وأقلب أوراقه، بأن الإجارة لا تصح فكذلك ها هنا.
وكذلك إذا استأجر قارئاً ليقرأ عليه شيئاً لا يجوز؛ لأن القراءة التي وقعت الإجارة عليها إن كانت طاعة أو معصية لا تجوز الإجارة عليها، إما لأن الاستئجار على الطاعات والمعاصي باطلة وإما لأن القارىء مع السّامع يشتركان في منفعة القراءة؛ لأنه كما ينتفع السامع بالقراءة من حيث العظة والتلذّذ ينتفع بها القارىء لعمل فقد استأجره لعمل هو شريك فيه، ومثل هذا لا يجوز على ما مرّ، وإن كانت القراءة التي وقع عليها الإجارة مباحاً كقراءة كتب الأدب وما أشبه ذلك، لا تجوز الإجارة عليها للوجه الثاني.
نوع منه في الاستئجار على الأفعال المباحة
نحو تعليم الصناعة والتجارة والهدم والبناء والحفر وأشباه ذلك.(8/88)
-----
وإذا دفع عبده إلى رجل يقوم عليه أشهراً مسماة في تعليم النسخ على إن أعطاه المولى كل شهر شيئاً مسمّى فهو جائز، أما على قول من قال: بأن الإجارة على تعليم القرآن لم تجز؛ لأن تعليم القرآن طاعة فظاهر؛ لأن تعليم النسخ مباح وليس بطاعة، وأما على قول من قال: بأن الإجارة على تعليم القرآن إنما لا تجوز؛ لأن التعليم ليس من عمل الأجير بل من فهم المتعلم، فلأن الإجارة هاهنا وقعت على أن يقوم عليه ويحفظه، ولكن ذكر الشيخ لرعب المولى فيما يحصل له في أثناء العقد عن عمل الحياكة، فإن الصبيّ ربما يأخذ ذلك لفهمه وذكائه، فهذا جاري مجرى البيع والمقصود هو القيام عليه وفي وسع الأستاذ الوقاية حتى لو شرط عليه تعليم الحياكة، ولم يقل ليقوم عليه في عمل كذا يجب أن لا يجوز كما في تعليم القرآن.
ولو شرط على المعلم أن يقوم على ولده شهراً في تعليم القرآن يجب أن يجوز، وإن كان الأستاذ هو الذي شرط للمولى أن يعطيه ذلك ويقوم على غلامه في تعليم ذلك فهو جائز، وإن لم يشترط كل واحد منهما على صاحبه الأجر يعني الأستاذ مع الولي ودفعه على وجه الإجارة، فلما فرغ الأستاذ من التعليم، قال الأستاذ: لي الأجر على رب العبد وقال ربّ العبد: لا بل لي الأجر على الأستاذ، فإني أنظر في ذلك العمل إلى ما يصنع أهل تلك الصنعة في تلك البلدة فإن كان المولى هو الذي يعطي الأجر جعلت على الأستاذ أجر مثله للمولى.
قال الشيخ الإمام الزاهد أحمد الطواويسي رحمه الله: معنى قوله دفعه على وجه الإجارة أن ذلك العمل مما لا يعمل بغير بدل، إذا استأجر الرجل سمساراً ليشتري له الكرابيس أو استأجر دلالاً ليبيع له ويشتري فإن لم يبيّن لذلك أجلاً لا يجوز، وقد ذكرنا المسألة مع ما فيها من الحيلة للجواز من قبل.(8/89)
-----
وفي «واقعات الناطقي»: إذا قال الرجل: بع هذا المتاع ولك درهماً أو قال: أشتر لي هذا المتاع ولك درهم، ففعل فله أجر مثله لا يجاوز به الدرهم؛ لأن هذا الاستئجار وقع فاسداً فكان عاملاً له بإجارة فاسدة فيجب له أجر المثل، وفي الدلال والسمسار يجب أجر المثل وما تواضعوا عليه أن من كل عشرة دنانير كذا، فذلك حرام عليهم.
وفي «العيون»: رجل دفع إلى أخر ثوباً فقال له: بعه بعشرة فما زاذ فهو بيني وبينك، قال أبو يوسف: إن باعه بعشرة أو لم يبعه فلا أجر له، وإن بعت في ذلك؛ لأنه نفى الأجر إذا باعه بعشرة لما علقه بأكثر من عشرة ولو باعه باثني عشر، أو أكثر أو أقل فله أجر مثل عمله.
وقال محمد رحمه الله: له أجر مثل عمله، وإن لم يبع فإذا بعت في ذلك؛ لأنه عمل بحكم إجارة فاسدة، والفتوى على قول أبي يوسف؛ لأن الأجر مقابل بالبيع دون مقدماته، فلا يستحق الأجر بدون البيع وإن بعت في عمله بحكم إجارة فاسدة.
وفي «فتاوى أبي الليث»: إذا قال لدلال: إعرض صنعتي وبعها على أنك إذا بعتها فلك من الأجر كذا، فلم يقدر الدلال على إتمام الأمر فباعها دلال آخر.
قال الفقيه أبو القاسم رحمه الله: إن كان الأول قد عرضها وذهب له في ذلك دور جار يعتد به فأجر المثل له واجب بقدر عنائه وعمله.
وعن أبي نصر مثل ما قاله الفقيه أبو القاسم فإنه سئل عمّن دفع ثوباً إلى منادي ليبيعه بأجر فنادى، ولم يبع صاحبه قال: له أجر مثله؛ لأنه عمل بإجارة فاسدة.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: هذا هو القياس أمّا في الاستحسان لا يجب له الأجر؛ لأن العرف والعادة جرت أنهم لا يأخذون الأجر إلا بالبيع وهذا موافق لقول أبي يوسف في المسألة المتقدمة، وعليه الفتوى.
وفي «فتاوى أبي الليث» رحمه الله: رجل يبيع ثياباً بالمزايدة، أجر منادياً ينادي ببيع ذلك، فإن بيّن له وقتاً أو قال ينادي كذا صوتاً فذلك جائز ومالا فلا.(8/90)
-----
وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: رجل ضلّ شيئاً، فقال: من دلني عليه فله درهم فدلّه إنسان فلا شيء له؛ لأن الدلالة والإشارة ليست بعمل يستحق به الأجر، ولو قال لإنسان بعينه: إن دللتني عليه فلك درهم، فإن دلّه من غير شيء معه فكذلك الجواب لا يستحق به الأجر وإن مشى معه ودلّه فله أجر مثله، لأن هذا عمل يقابل الأجر عرفاً وعادة إلا أنه غير مقدر ففسد العقد ووجب به أجر المثل.
وفي «فتاوى أهل سمرقند»: استأجر رجلاً ليصيد له أو يحتطب له فإن كان وقّت لذلك وقتاً جاز، وإن لم يوقت ولكن عين الحطب، فالإجارة فاسدة وما اصطاد فهو للمستأجر (31أ4) وإن كان الحطب الذي عينه ملك المستأجر، فالإجارة جائزة.
وفي «القدودي» وعن محمد فيمن قال لغيره: اقتل هذا الذئب أو هذا الأسد ولك درهم، وهما صيد ليس للمستأجر فله أجر مثله لا يجاوز به درهماً، لأنه يحتاج في الصّيد إلى المعالجة، فيصير العمل مجهولاً باعتباره فيجب أجر المثل، قال: ويكون الصيد للمستأجر قال: لأن القتل سبب التملك وعمل الأجير يقع للمستأجر.
وفي «فتاوى الفضلي»: إذا استأجر الرجل رجلاً ليهدم جداره، أو يبني حيطانه كل ذراع بكذا أو قال: بك تاجره بكذا، أو ليكسر حطبه جازت الإجارة، فإن لم يذكر الأجل.
والأصل في جنس هذه المسائل: أن العمل إذا كان معلوماً، ولو أراد المستأجر أن يشرع في ذلك العمل في الحال يمكنه الشروع فيه ويقدر عليه، فإنه تجوز الإجارة من غير ذكر الأجل، وكذلك لو ذكر الأجل إلا أنه لم يبين مقدار العمل وهو يقدر على الشروع في الحال يجوز أيضاً.
بيان الأول: ما ذكرنا من مسألة الهدم، وبناء الحائط، وكسر الحطب، وكذلك لو استأجر رجلاً ليخبز له عشرين طناً من الخبز بدرهم يجوز، وإن لم يذكر الأجل؛ لأن العمل معلوم.
بيان الثاني: لو استأجره ليخبز له اليوم إلى المثل جاز، وإن لم يبيّن مقدار العمل؛ لأن العمل صار معلوماً بذكر الأجل.(8/91)
-----
ولو استأجر رجلاً ليذري كدسه، أو قال: له بالفارسية باين يك خرمن من رابا وكن لا يجوز ولو قال يا ين يك درهم أين ويوار بابازكن جاز درهم أين لأن في الجدار وجنسها لو أراد الأجير أن يشرع في العمل في الحال يقدر أما يذريه الريح لا تتم به وحده وإنما يتم به، وبالريح فلم يكن قادراً على العمل المستأجر عليه فلا يصح.
وفي «الأصل»: استأجره ليبني له حائطاً بالآجر والجص وسمى كذا كذا أجرة من هذه الأجرار وكذا كذا كراً والجص، ولم يسم الطول والعرض كانت الإجارة فاسدة قياساً، صحيحة استحساناً.
وجه القياس: أن مقدار الطول والعرض مجهول، وهذه جهالة توقعهما في المنازعة.
وجه الاستحسان: أن مقدار الطول والعرض معلوم عرفاً؛ لأن بعد بيان الآجر عدداً والجص كيلاً يعرف أهل هذه الصنعة مقدار طوله وعرضه ولو سمى كذا كذا عدداً من الآجرة أو اللبّنة ولم يسم الملبن ولم يره إياه إن كان ملبن أهل تلك البلدة واحداً أو كان لهم ملابن مختلفة إلا أن غالب عملهم على ملبن واحد جازت الإجارة استحساناً؛ لأن ملبنهم إذا كان واحداً ينصرف مطلق الاسم إليه.
وكذلك إذا كانت لهم ملابن مختلفة، إلا أن غلبة أعمالهم على ملبن واحد ينصرف مطلق الاسم إليه عرفاً وعادة، وإن كان ملابنهم مختلفة ولم يغلب استعمال واحدة منها، كانت الإجارة فاسدة؛ لأن في هذه الصورة الملبن لا يصير معلوماً لا شرطاً ولا عرفاً وجهالة الملبن توجب فساد الإجارة؛ لأن العمل مما يتفاوت الملبن صغراً وكبراً.
وإذا استأجره ليبني له حائطاً بالمرمص وشرط عليه الطول والعرض وبدون بيان الطول والعرض لا يجوز؛ لأن العمل لا يصير معلوماً.(8/92)
-----
وإذا استأجره ليعمر له في هذه الساحة بيتين ذي سقفين أو ذي سقف واحد، وبيّن طوله وعرضه السرد وغير ذلك، ويقال بالفارسية: شكروداون لا يجوز، هكذا ذكر في «فتاوى أبي الليث»، والصواب أنه يجوز إذا كان بآلات المستأجر لتعامل الناس، ومسألة الاستئجار لبناء الحائط بالآجر والجصّ التي تقدم ذكرها يشهد لهذا القول.
ولو استأجره ليحفر له بئراً في داره وسمى عمقها وسعتها، حتى جازت الإجارة، فلما حفر بعضها وجد حبلاً أشد عملاً وأشد مؤنة، فإن كان يقدر على حفرها بالآلة التي تحفر بها الآبار إلا أنه يلحقه زيادة مشقة وتعب، فإنه يجبر على العمل؛ لأنه ضمن بعقد الإجارة حفر هذا الموضع بالآلة التي تحفر بها الآبار، وقد أمكنه ذلك فقد قدر على الوفاء بما ضمن بعقد الإجارة فيجبر عليه، وإن كان لا يقدر على حفرها بالآلة التي تحفر بها الآبار لا يجبر عليه؛ لأنه ما قدر على الوفاء بما ضمن بعقد الإجارة، لأنه إنما ضمن الحفر بالآلة التي تحفر بها الآبار لا بآلة أخرى، وهل يستحق الأجر بقدر ما عمل؟ لم يذكر محمد رحمه الله هذه المسألة في «الكتاب».
وحكى فتوى شمس الإسلام الأوزجندي رحمه الله: أنه يستحق إذا كان يعمل في ملك المستأجر، بخلاف ما إذا كان يعمل في غير ملكه وقاس هذه المسألة على ما إذا استأجر خياطاً ليخيط له ثوباً في بيت المستأجر فخاط بعضه فسرق الثوب، أو حفاراً ليحفر له بئراً في دار المستأجر فحفر البعض فانهار يستحق من الأجر بقدره وإن كان يعمل ذلك في غير ملكه فله أجر له كذا هاهنا.(8/93)
-----
وعلى قياس ما ذكرنا قبل هذا عن القدوديّ أن الخياط إذا خاطه في بيت المستأجر فخاط بعض الثوب أن لا أجر له؛ لأنه لا ينتفع به يجب أن يقال هاهنا: إنه لا ينتفع به وسيأتي بخلاف هذا عن أبي يوسف في فصل فسخ الإجارة بالعذر، وإن شرط عليه أن كل ذراع في لبن أو سهله بدرهم، وكل ذراع في جبل بدرهمين وكل ذراع في الماء بثلاثة وبينّ مقدار الطول والعرض فهو جائز، لأنه الأجر معلوم حال وجوبه؛ لأن الأجر إنما يجب بعد العمل وبالعمل يصير جميع الأجر معلوماً؛ لأنا نعلم بأي قدر حفر في السهلة وبأي قدر حفر في الجبل.
ولو استأجره ليحفر له بئراً في داره وظهر الماء قبل أن يبلغ المسمى الذي شرط عليه، فإن أمكنه الحفر في الماء بالآلة التي تحفر بها الآبار أجبر على الحفر، وإن احتيج إلى اتخاذ آلة أخرى لا يجبر عليه على نحو ما ذكرنا في المسألة المتقدمة.
وكذلك لو استأجره ليحفر له في حجارة مروة، فلما حفر البعض استقبله حجارة صفا أصم، فإن أمكنه حفر الصفا بالآلة التي يحفر بها المروّة أجبر على الحفر، ومالا فلا.
وإن استأجر رجلاً ليحفر له حوضاً عشرة في عشرة وسمى عمقها وعرضها ببدل معلوم فحفر خمسة في خمسة يجب ربع المسمى؛ لأنه أوفى ربع العمل؛ لأن عشرة في عشرة مائة، وخمسة في خمسة، خمسة وعشرون.
وإذا استأجر الرجل رجلاً ليحفر له قبراً فحفر فانهار أو دفن فيها إنسان قبل أن يأتي المستأجر بجنازته فهو على التفصيل الذي ذكرنا في حفر بئر قبل هذا إن كان ذلك في ملك المستأجر فله الأجر، وإن كان في غير ملكه فلا أجر له، ولو استأجره ليحفر له قبراً ولم يسمّ في أيّ مقابر جاز استحساناً وينصرف إلى المكان الذي يدفن فيه أهل تلك المحلة موتاهم.(8/94)
-----
قال مشايخنا رحمهم الله هذا الجواب بناءً على عرف أهل الكوفة، فإن لكل محلّة مقبرة خاصّة يدفنون موتاهم فيها، ولا ينقلون موتاهم إلى مدافن محلة أخرى، أما في ديارنا تنقل الموتى من محلة إلى مقابر محلة أخرى فلا بد من تسمية المكان حتى لو كان موضعاً لهم مقبرة واحدة تجوز الإجارة من غير تسمية المكان، وإذا عيّن المستأجر للأجير مكاناً يحفر فيها القبر فحفر في مكان آخر، فالمستأجر بالخيار إن شاء رضي بذلك وأعطاه الأجر، وإن شاء رد ذلك عليه ولا أجر له لأن الأجير موافق من وجه من حيث إنه أمر بحفر القبر وقد حفر، مخالف من وجه من حيث إنه لم يحفر في المكان الذي أمر بالحفر فيه، فإن شاء مال إلى جهة الوفاق وجعله عاملاً بعقد وأعطاه الأجر، وإن شاء مال إلى جهة الخلاف، وجعله عاملاً بغير عقد ولم يعطه الأجر، وإذا لم يصفوا له طول القبر وعمقه جاز الاستئجار استحساناً، ويوجد بأوسط ما يعمل الناس
نوع منه في المتفرقات
وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجوز أن يستأجر من عقار مائة أذرع أو من أرض جريباً أو جريبين إذا كان أكثر من ذلك، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يجوز، لأن من أصل أبي حنيفة أن بيع الذراع من الأرض لا يجوز وعندهما يجوز، لأنه عبارة عن النّصيب وإجارة المشاع جائزة عندهما (31ب4).(8/95)
ولا يجوز استئجار القناة والبئر والنهر ليسقى منهما غنمه أو أرضه، لأن المقصود هو الماء وأنه عين والأعيان لا تستحق بعقد الإجارة، وكذلك إذا كان لرجل شرب في النهر فاستأجره ليسقي منه غنمه أو أرضه لم يجز لما قلنا، ولا تجوز إجارة الآحام والأنهار للسمك وغيره، أما للسمك فلأن هذه الإجارة لا تفيد إلا ما كان ثابتاً له من قبل؛ لأن المشروط في هذه اصطياد السمك والمستأجر كان يملك اصطياد السمك من غير إجارة، ولأن هذه الإجارة عقدت على استحقاق العين، وأما لغير السمك، فلأن غير السمك في الآحام والأنهار القصب والماء، وإنها عين.(8/96)
-----
ولا تجوز. إجارة المراعي لم يرد به إجارة الأراضي، فإن إجارة الأرض جائزة وإنما أراد به إجارة الأراضي فإن إجارة الأرض جائزة، وإنما أراد إجارة الكلأ، وإنما لم يجز؛ لأنها وردت على العين.
والحيلة في جوازها: أن يستأجر موضعاً من الأرض ليضرب فسطاطاً أو ليجعل حظيرة لغنمه فتصح الإجارة، ويبيح صاحب المرعى الانتفاع بالمرعى.
وإذا استأجر الرجل دراهم أو دنانير أو حنطة أو شعيراً أو ما أشبه ذلك من الوزنيات أو الكيلات ليعمل منها كل شهر بدرهم لا تجوز، لأن الإجارة جوزت بخلاف القياس لمنفعة مقصودة من الأعيان، والمنفعة المقصودة من الكيلات والموزونات لا يمكن استيفاؤها إلا باستهلاكها فتكون هذه الإجارة معقودة على استهلاك العين، والإجارة لا تنعقد على استهلاك العين.
ولو استأجر الدراهم أو الدنانير شهراً ليتزين بهما أو استأجر الحنطة أو الشعير ليعير بها مكياله ذكر في «الأصل» أنه يجوز، قال أبو الحسن رحمه الله: وعندي أنه لا يجوز، بعض مشايخنا قالوا: ما ذكر في «الأصل» محمول على ما إذا استأجر ليعبر بهما مكيالاً بعينه، وما ذكر أبو الحسن محمول على ما إذا استأجرها ليعبر بهما مكيالاً بعينه.
وبعضهم قالوا: في المسألة روايتان وجه الجواز أن هذه منفعة مطلوبة وجه عدم الجواز أن هذه المنفعة ليست بمقصودة من هذه الأعيان فلا تصح الإجارة عليها، ولو استأجر الدراهم أو الحنطة يوماً مطلقاً ولم يبّين لماذا يستأجرها لم يذكر هذه المسألة في «الأصل».
قال شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده: ولقائل أن يقول: لا يجوز ويحمل على الانتفاع بهما وزناً احتيالاً لجواز العقد، ولقائل أن يقول: يجوز وإليه مال الكرخيّ لأنا وإن حملناه على الانتفاع بهما وزناً لا يجوز العقد على قول الكرخيّ على ما مرّ.(8/97)
-----
وإذا استأجر الرّجل نخلاً أو شجراً على أن يكون ما أثمر للمستأجر لا يجوز؛ لأن هذه إجارة عقدت على استحقاق العين ومحل الإجارة المنفعة دون العين على ما مرّ، ولا يمكن العمل بحقيقة الإجارة ولا يمكن أن تجعل مجازاً عن البيع، لأن الإجارة لا تصير سبباً لملك الرقبة قط فكيف يمكن أن تجعل كناية عن البيع، وإذا أطلق الإجارة على النخيل إطلاقاً ولم يشترط سبباً، لم يذكر محمّد هذه المسألة في «الأصل».
قال شيخ الإسلام: ولقائل أن يقول: يجوز وتصرف الإجارة إلى منفعة محضة تتحقق من الأشجار مع بقاء العين كبسط الثياب على أغصانها أو شد الدابة بها، والإجارة على مثل هذه المنفعة جائزة.
وقد ذكر الكرخيّ في «مختصره»: أن من استأجر نخلاً أو شجراً ليبسط عليه ثيابه لا يجوز؛ لأن هذه ليست بمنفعة مقصودة من الأشجار والإجارة، إنما يجوز إيرادها على منافع مقصودة، ولأن هذه ليست من الإجارات فإنا لا نجد أحداً يستأجر أشجاراً ليبسط عليها ثيابه.
وفي «المنتقى»: إذا استأجر الرجل سطحاً ليجفف ثيابه عليه جاز قال: ولا يشبه هذا إذا استأجر نخلاً ليجفف ثيابه عليه، وإذا استأجر الرجل علو منزل ليبني عليها لم يجز في قول أبي حنيفة، ويجوز في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، فمن مشايخنا من قال: موضع المسألة إذا كان العلو لرجل والسفل لرجل آخر، أجر صاحب العلو من رجل ليبني عليه وتكون هذه المسألة فرع مسألة أخرى، أن صاحب العلو إذا أراد أن يحدث في العلو بناء.
قال أبو حنيفة: ليس له ذلك أضر بالسفل أو لم يضرّ، فإذا لم يملك صاحب العلو إحداث البناء لم يملك التمليك من غيره بالإجارة.(8/98)
-----
وعندهما: له أن يحدث البناء إذا لم يضّر بالسفل فلما ملك صاحب العلو هذا بنفسه ملك التمليك من غيره بالإجارة حتى لو كان العلو والسفل لواحد، فإنه تجوز هذه الإجارة عندهم جميعاً؛ لأن الأجير يملك إحداث هذا البناء بنفسه فيملك التمليك من غيره بالإجارة، ومنهم من قال: لا بل المسألة على الخلاف وإن كان العلو والسفل لواحد فعلى هذا لا تكون المسألة بل تكون مسألة مبتدأة فلا بد أن يتكلم لكل واحد منهما بكلام مبتدأ، وإطلاق محمد رحمه الله يدلّ على هذا فكان الحجة لهما أن أرض العلو وهو سقف السفل في إجارة العلوّ للسكنى من غير ذكر، كأرض السفل ولما ألحق بالأرض في حق الإجارة للسكنى فكذا في حق الإجارة للبناء يلحق بالأرض.
ومن استأجر أرضاً ليبني جازت الإجارة، وإن كان قدر البناء مجهولاً فكذا هذا بهذا تدائنا وأبو حنيفة يقول: إذا استأجر الأرض للبناء إنما جاز مع الجهالة؛ لأن جهالة قدر البناء مما لا يلحق بصاحب الأرض زيادة ضرر، فإن قل البناء أو كثر لا يتضرر به ربّ الأرض، فأما جهالة قدر البناء مما يضر بأرض العلو وهو سقف السفل فكانت جهالة قدر البناء هاهنا مانعاً جواز الإجارة من هذا الوجه.
ولو استأجر سطحاً ليبيت عليه شهراً ذكر في كتاب الصلح وفي بعض روايات كتاب الإجارات أنه يجوز، وذكر في بعض المواضع أنه لا يجوز فمن مشايخنا من وفق فقال: ما ذكر في كتاب الصلح وفي بعض روايات كتاب الإجارات محمول على ما إذا كان العلو مسقفاً أو إن لم يكن مسقفاً يكون مجهولاً، بأن دور عليه الحائط؛ لأنه إذا كانت هذه الصفة فهو موضع السكنى عادة فجاز الاستئجار للبيتوتة عليه.(8/99)
-----
وما ذكر في بعض المواضع محمول على ما إذا لم يكن مسقفاً ولا محجراً، لأنه إذا لم يكن بهذه الصفة فهو ليس موضع السكنى عادة فلا يجوز الاستئجار للبيتوتة عليه، ومن المشايخ من قال: في المسألة روايتان ومن المشايخ من زيف ما ذكر في بعض المواضع، وقال: يجوز استئجار الشرط للبيتوتة على كل حال وإطلاق لفظ كتاب الصلح، وفي بعض روايات كتاب الإجارات يدل عليه ووجه ذلك أن السّطح مسكن يمكن السكنى فيه بنصب خيمة أو ما أشبهه، فتجوز الإجارة عليه.
وإذا استأجر القاضي رجلاً ليقوم عليه في مجلس القضاء شهراً بأجر مسمى فهو جائز؛ لأنه استأجره مدّة معلومة بأجر معلوم لعمل مباح وهو قيامه في مجلسه فيصبح كما لو استأجره شهراً للخدمة ويدخل في ذلك الحدود والقصاص؛ لأنه مجرد القيام في مجلس لا يفيد للقاضي فائدة والإجارة لا تنعقد على مالا فائدة للمستأجر فيه وإنما يفيده القيام في مجلسه إذا قام لبعض ما يعرض للقاضي من هذه الأسباب فصار القيام إقامة هذه الأسباب مستحقاً للقاضي ثمرة من ثمرات ما وقعت عليه الإجارة وهو القيام في مجلسه لا أن يكون هذا معقوداً عليه حتى لا تجوز الإجارة عليه.
ولو استأجره القاضي لإقامة الحدود خاصّة أو لاستيفاء القصاص خاصة إن لم يذكر لذلك مدّة لا شك أنه لا يجوز، وإن ذكر لذلك مدّة لم يذكر محمّد رحمه الله في «الكتاب» هذا الفصل، وذكر الشيخ أبو الحسن الكرخي في كتابه أنه يجوز، وإليه مال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني، والشيخ الإمام الزاهد أحمد الطواويسي في «شرح كتاب الإجارات».
(8/100)
-----
وذكر الشيخ الإمام الأجل شيخ الإسلام المعروف بخواهرزاده في «شرح كتاب الإجارات» أنه لا يجوز، وإنما اختلفوا لاختلافهم في علة عدم الجواز إذا لم يذكر لذلك مّدة فالكرخي ومن تابعه قالوا: إذا لم يذكر لذلك من مدّة إنما لا يجوز؛ لأن المعقود عليه العمل وإنه مجهول لا يدري كم يوجد ومع الجهالة (32أ4) فيه خطر لا يدري أيوجد أو لا يوجد، وهذا المعنى لا يتأتى فيما إذا ذكر لذلك مّدة؛ لأن عند ذكر المّدة المعقود عليه تسليم النفس لا العمل، والشيخ الإمام الأجل شيخ الإسلام قال: إذا لم يذكر لذلك مدة إنما لا يجوز إما لإقامة الحدود، فلأنها طاعة والاستئجار على الطاعة لا يجوز وإن ذكر لذلك مّدة.
كما لو استأجر رجلاً سنة ليعلم ولده القرآن، وإما لاستيفاء القصاص إنما لا يجوز كيلا يصير الأجير كالمستوفي لنفسه من وجه متى استحق ما رآه أمراً، وسيقرر هذا إن شاء الله تعالى هذا المعنى موجود فيما إذا ذكر لذلك مّدة وإذا قضى القاضي لرجل على يد رجل بالقصاص في النفس، فاستأجر المقضي له رجلاً ليستوفي ذلك على قول أبي حنيفة وأبي يوسف لا يجوز وعلى قول محمد يجوز وفيما دون النفس تجوز الإجارة بالإجماع.
محمد رحمه الله يقول: استأجره لعمل معلوم وهو حز الرقبة، فوجب أن يجوز قياساً على ما لو استأجر لذبح شاة له أو استأجره لاستيفاء القصاص فيما دون النفس.(8/101)
-----
وأبو حنيفة وأبو يوسف ذهبا في ذلك إلى أن القصاص فيما لا يجري فيه التمليك، فإنه لو وهب من غير القاتل أو باع لم يجز ومتى انعقدت الإجارة على القتل ووجب البدل له، إما المسمى، أو أجر المثل يثبت التمليك من حيث المعنى؛ لأن الأجير فيما يعمل كالعامل لنفسه من حيث إنه يأخذ لذلك أجراً فيصير من وجه كالمستوفي لنفسه، فيحصل له نوع ملك والقتل لا يقبل ذلك، فلم يجب البدل حتى يصير معيناً له في القتل من كل وجه فلا يثبت له معنى التمليك، وهذا معنى ما يقول في «الكتاب»: إن القتل ليس بعمل أي: ليس بعمل يجوز فيه أخذ الأجر عليه، فأما لا شك أنه عمل في نفسه بخلاف الذبح؛ لأنه متى استحق به أجر ثبت الملك من حيث المعنى أكثر ما في الباب أنه يصير كالذابح لنفسه من وجه، ولكن الذبح لنفسه من كل وجه من جهته جائز بأن ملك الشاة منه فكذا يجوز من وجه، بأن استأجره للذبح بخلاف القصاص فيما دون النفس؛ لأن له حكم المال حتى جاز للوصي استيفاؤه وجاز القضاء بالنكول عند أبي حنيفة رحمه الله واعتبر فيه التساوي والتكافؤ ولو كان مالاً من كل وجه جاز التمليك من كل وجه.
(8/102)
-----
فإذا كان له حكم المال من وجه جاز التمليك من وجه بخلاف القصاص في النفس؛ لأنه ليس حكم المال بوجه ما، فإذا لم يكن له حكم المال لا يكون قابلاً للتمليك بوجه ما، ومتى صحت الإجارة يثبت للآجر نوع ملك من حيث المعنى على ما بينا فامتنع جواز الإجارة، ولأن المستحق في القصاص في النفس لزهاق الروح مقصوداً وتخريب البنية طريق إليه، وإزهاق الروح من صنع الله تعالى لا صنع للعبد فيه وتخريب البنية، وإن كان من صنعه فهو ليس بمستحق مقصود الرد عليه عقد الإجارة، فهو ليس من صنع العبد وما هو صنع العبد ما ورد عليه عقد الإجارة بخلاف القصاص فيما دون النفس؛ لأن المستحق هناك إبانة الجزء فيرد عليه العقد وإنه من صنيع العباد وبخلاف الذبح؛ لأنه عبارة عن قطع الحلقوم والعروق، فيرد عليه العقد، وإنه من صنيع العباد.
إذا استأجر سنوراً لأخذ الفأرة لا يجوز، ولو استأجر كلباً أو بازياً ليصيد به ذكر في أضاحي الزعفراني أنه يجوز؛ لأن الأول ليس من إجارات الناس والثاني من إجاراتهم وذكر في القدوريّ مسألة الكلب والبازي، وقال: لا يجوز؛ لأنه لا يقدر على تسليم المعقود عليه فإنه لا يمكن إجبار الكلب والبازي على الصّيد.
قال في «المنتقى» : وكذلك إذا استأجر ديكاً ليصيح لا يجوز، وذكر ثمة أصلاً فقال: كل شيء، من هذا يكون فيه من غير فعل أحد لا يستطيع الإنسان أن يضربه حتى يفعل فلا يجوز البيع فيه والإجارة.(8/103)
-----
ولو استأجر فحلاً للإنزاء فهو باطل، لقوله عليه السلام «وإن من السحت ثمن الكلب ومهر البغي وعسب التيس» والمراد به أخذ الأجرة؛ ولأن نفس الإنزاء ليس بمقصود إنما المقصود الإعلاق وليس في وسعه إبقاؤه، وعن أبي يوسف فيمن استأجر ثياباً ليبسطها في بيت ولا يجلس عليها أن الإجارة فاسدة، لأن هذه ليست بمنفعة مقصودة والإجارة جوزت بخلاف القياس لتحصيل منفعة مقصودة وكذا روي عن محمد رحمه الله فيمن استأجر دابة ليُجنيها مترين فلا أجر لها؛ لأن قود الدابة ليست بمنفعة مقصودة.
وفي «المنتقى»: إذا استأجر تيساً أو كبشاً للدلالة ليسوق لها الغنم لا يجوز وفي «القدوديّ» لو استأجر شاة ليرضع منها جدياً أو صبياً لم يجز وليس هذا كالآدمي، وإذا استأجر من آخر عبداً أو دابة وشرط على المستأجر طعام العبد أو علف الدابة لم يجز؛ لأن ما شرط يصير أجره وإنه مجهول وجهالة الأجر توجب فساد الإجارة وعلى هذا إذا استأجر عبداً كل شهر بأجر معلوم وعلفها لا تجوز؛ لأن بعض الأجر مجهول ومعنى آخر في هذه المسائل أنه شرط شرطاً لا يقتضيه العقد؛ لأن طعام عبد المستأجر وعلف الدابة المستأجرة على الآجر على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى، وفيه منفعة لأحد المتعاقدين ومثل هذا الشرط يوجب فساد الإجارة.
وفي «المنتقى»: استأجر سيفاً شهراً ليتقلده أو استأجر قوساً شهراً ليرمي به يجوز وإذا استأجر وتداً يوتد به ذكر هذه المسألة في «المنتقى» بهذه العبارة في موضع وذكر أنه يجوز وذكر في موضع آخر إذا استأجر وتداً، ليعلق به بعض الأمتعة لا تجوز هذه الإجارة.t
ولو استأجر قوماً يحملون الجنازة أو يغسلون ميتاً، فإن كان في موضع لا يجد من يغسله غير هؤلاء فلا أجر لهم وإن كان ثمة أناساً غيرهم فلهم الأجر لأن في الوجه الأول قاموا وهم متعينون له ولا كذلك الوجه الثاني.
(8/104)
-----
الفصل السادس عشر: فيما يجبُ على المستأجر وفيما يجب على الأجير
نفقة المستأجر على الآجر سواء كانت الأجرة عيناً أو كانت منفعة، حتى أن من استأجر دابة إلى بغداد بسكنى بيت شهراً أو بخدمة عبد شهراً، أو استأجر عبداً بسكنى بيت شهراً، كان علف الدابة ونفقة العبد على الآجر، وهذا الحكم ظاهر فيما إذا كانت الأجرة منفعة؛ لأن الأجرة إذا كانت عيناً إنما تجب النفقة على الآجر مع أن المستأجر في قبض المستأجر عامل لنفسه، وللآجر من حيث إنه يستوفي المنفعة والآجر من حيث إنه يحصل له الآجر إلا أن ما يحصل للآجر غير ما يحصل للمستأجر؛ لأن الحاصل للآجر عين وللمستأجر منفعة، والعين خير من المنفعة؛ لأن العين تبقى زمانين والمنفعة لا تبقى زمانين والباقي خير من الفاني فيرجح جانب الآجر على المستأجر، وجعل المستأجر في القبض عاملاً للآجر من كل وجه وصار المستأجر بمنزلة المودع فلهذا كانت النفقة على الآجر.
فأما إذا كان الآجر منفعة فلا رجحان لأحد الجانبين على الآخر فيجب أن لا تكون النفقة على الآجر الجواب بلى إذا كانت الأجرةُ منفعة فلا رجحان لأحد الجانبين على الآخر في قبض المستأجر فلا حرم بقي ما كان، على ما كان والنفقة في الأصل كانت على المالك.
فإذا لم يثبت الرجحان لأحد الجانبين في هذا القبض تبقى المنفعة على المالك، كما كان في الأصل وصارت نفقة المستأجر في هذه الصورة نظير نفقة المرهون، فإن نفقة المرهون تجب على الراهن، وإن كانت منفعة قبض المرهون مشتركة بين الراهن والمرتهن، فإن الراهن بقبض المرتهن يصير موفياً دينه والمرتهن بقبضه يصل إلى استيفاء الدين فإن قبض المرتهن بغير الراهن فيحمله ذلك على قضاء الدين، ولا رجحان لأحد الجانبين على الآخر فيبقى ما كان على ما كان كذا ها هنا.(8/105)
-----
قال: وتطيين الدار وإصلاح ساريها وما وهي من ثيابها على رب الدار من المستأجر؛ لأن إصلاح الملك على المالك ولا أجر على ذلك (32ب4) ولكن للمستأجر أن يخرج إذا لم يعمل؛ لأنه عيب حصل في المعقود عليه ولا يجب على المالك إزالة العيب و للمستأجر أن لا يرضى بذلك، وإن كان استأجرها وهي كذلك ورآها فلا خيار له؛ لأنه عقد مع العلم بالعيب فيلزم، قال: وإصلاح بئر الماء وبئر البالوعة والمخرج على ربّ الدار، وإن كان أصلاً من فعل المستأجر ولا يجبر على ذلك لما بينا.
قال: ولو انقضت الإجارة وفي الدار تراب من كسبه فعليه أن يرقعه؛ لأنه اجتمع بفعله فصار بمنزلة متاع وضعه قال: وإن كان امتلأ جلاها ومجاريها من فعله، فالقياس أن يلزمه نقلها؛ لأنه حدث بفعله كالرماد والتراب وإنما استحسنوا فيما كان معنياً في الأرض فالانتفاع به لا يحصل، إلا من هذا الوجه فإن الانتفاع بالمجاري من حيث الأجراء، وبالجلاء من حيث التجلي فيه وإن كانت المنفعة من هذا الوجه تحصل كان مستحقاً بالعقد، فلم يجب عليه نقله، قال: فإن أصلح المستأجر شيئاً وذلك لم يحتسب له ما أنفق؛ لأنه فعل بغير أمر مالكه فكان متبرعاً والله أعلم.
ومما يتصل بهذا الفصل فصل التوابع
والأصل فيه: أن الإجارة إذا وقعت على عمل فكل ما كان من توابع ذلك العمل ولم يشترط ذلك في الإجارة على الأجير، فالمرجع فيه العرف.
حتى قال في «الكتاب»: من استأجر رجلاً ليضرب له لبناً فالزنبيل والملبن على اللبان إن جرت العادة، وكذلك في الدقيق الذي يصلح الحائك الثوب يعتبر العرف والسلك الذي يخاط به الثوب والإبرة على الخياط، باعتبار العرف وإخراج الخبز من التنور على الخباز بحكم العرف وكذلك الطباخ إذا استؤجر في عرس، فإخراج المرقة من القدور إلى القصاع على الطباخ، وإن استؤجر لطبخ قدر خاص فإخراج المرقة من القدر ليس عليه.(8/106)
-----
وإذا تكارى دابّة للحمل ففي الإكاف والحبال والجوالق يعتبر العرف، وكذلك إذا تكاراها للركوب ففي اللجام والسرج يعتبر العرف أيضاً، وإذا تكارى دابة لحمل الحنطة إلى منزله فإنزال الحمل عن ظهر الدابّة على المكاري وفي الإدخال في المنزل يعتبر العرف، وكذلك الحمال على ظهره، ففي الإدخال في المنزل يعتبر العرف، وليس على المكاري أن يصعد بها على السطح إلا أن يكون اشترط ذلك وبين له وفي سلك الخياط، إذا لم تكن عادة معروفة فهو على صاحب الثوب لأن الإجارة ما وضعت لاستيفاء العين، وهو كالصبغ إذا لم تكن فيه عادة معروفة يكون على صاحب الثوب لما ذكرنا وإذا استأجر وراقاً وشرط عليه الجر والبياض فاشتراط الجر صحيح واشتراط البياض باطل؛ لأنه لو صح يكون عاملاً في ملك نفسه فلا يكون أجيراً.
وإذا استأجر قصاراً ليقصر له ألف ثوب فحملها على القصار، إلا أن يشترط القصار حملها على رب الثياب.
حمال حمل أحمالاً بكذا فلما بلغ الموضع نزل في دار ووضع الحمال في موضع منها ثم وزنها على صاحبها ويسلمها إليه فلم يرفعها أياماً ثم اختصموا في كراء ذلك الموضع، ورب الدار بأحد الحمال بالكراء فإن كانت الأحمال في موضع مستأجر بالعقد، فالكراء على من استأجر، وإن كانت الأحمال في موضع يستعمل بأجر غير معقود عليه فبعد الوزن والتسليم يحب الكراء على المسلم إليه وقبل ذلك يجب على الحمال؛ لأن ما يجب في هذه الصورة يجب بحكم الاستعمال لا بالعقد، والمستعمل بعد التسليم المسَلم إليه وقبل ذلك المستعمل هو الحمال.
الفصل السابع عشر: الرَجل يستأجر فيما هو شريك فيه
وإذا استأجر أحد الشريكين نصف دابة صاحبه أو نصف عبد صاحبه على أن يحمل نصيبه من الطعام المشترك إلى موضع كذا والطعام غير مقسوم فلا أجر له، وعلى هذا الإجارة على عمل في محل مشترك.(8/107)
-----
ووجه ذلك: أن المقصود من هذه الإجارة ليس نفس العمل، بل المقصود وصف يحصل للمتحمل وهو ضرورة المحمل محيطاً ومحمولاً، وهذا الوصف لا يتصور تحصيله للبائع، فقد أضاف العقد إلى محل لا يمكن تحصيل المعقود عليه فيه فلغى العقد.
قال محمد رحمه الله: لو استأجر أحدهما نصف سفينة صاحبه ليجعل الطعام المشترك، ولأحدهما رحى فاستأجر أحدهما نصف رحى شريكه ليطحن به الطعام المشترك، وكذلك لو استأجر منه نصف الجوالق على أن يحملا فيه هذا الطعام إلى موضع كذا.
والفرق هو: أن الإجارة إذا وقعت على العمل فوجوب الأجرة يقف على العمل في محل شائع لا يتصور فلا ينعقد العقد، أما إذا وقعت على المنفعة فوجوب الأجر لا يقف على إيقاع النفع في ذلك المحلّ، ألا ترى أنه يجب الأجر بتسليم العين قبل الانتفاع، فيصبح العقد في قول من يجوز إجارة المشاع.
ذكر هذه المسائل في «المنتقى» وفي «عيون المسائل»، قال محمد رحمه الله في «العيون» عقيب ذكر هذه المسائل: كل شيء استأجره أحدهما من صاحبه مما يكون منه عمل، فإنه لا يجوز وإن عمل فلا أجر له وكل شيء استأجره أحدهما من صاحبه لا يكون منه العمل فهو جائز، وذلك نحو الجوالق وأشباهه، قال الفقيه رحمه الله: هذا خلاف رواية الأصل، فإنه ذكر محمد رحمه الله في كتاب المضاربة لو استأجر من صاحبه بيتاً أو حانوتاً لا يجب الأجر.
وفي «نوادر ابن سماعة»: رجل استأجر رجلين يحملان له هذه الخشبة إلى منزله بدرهم، فحملها أحدهما فله نصف درهم وهو متطوع إذا لم يكونا شريكين قبل ذلك في الحمل والعمل.
وكذلك لو استأجر لبناء حائط وحفر بئر، و لو كانا شريكين قبل ذلك في العمل يجب الأجر كله، ويكون بين الشريكين ويصير عمل أحدهما بحكم الشركة كعملهما.(8/108)
-----
وفي «الأصل»: إذا استأجر الرجل قوماً يحفرون له سرداباً إجارة جائزة، فعملوا إلا أن بعضهم عمل أكثر مما عمل الآخر كان الأجر مقسوماً بينهم على عدد الرؤوس، فرق بين هذا وبينما إذا استأجر دابتين ليحمل عليهما عشرون محتوماً من الحنطة بكذا، حتى لم يكن له أن يحمل على واحد منهما أكثر من العشرة؛ لأن العشرين أضيفت إليهما على السواء فلو حمل عليهما عشرون محتوماً إلا أنه حمل على أحدهما أكثر من العشرة، فإنه يقسم الأجر عليهما على قدر أجر مثلهما، وهاهنا قال: يقسم الأجر على عدد الرؤوس.
والفرق: أن التفاوت بين الرواة تفاوت فاحش يختلف الأجر بمثله، اعتبار التفاوت وقسمة الأجر على قيمة عملهما وأما التفاوت بين الأجراء في عمل واحد تفاوت بيسير لا يعتبره الناس فيما بينهم فسقط اعتبار التفاوت وقسم الأجر بينهم على عدد رؤوسهم إذا اشتركوا في العمل.
قال بعض مشايخنا: هذا إذا لم يكن التفاوت بين الأجراء في العمل في هذه الصورة تفاوتاً فاحشاً، أما إذا فحش التفاوت لا يقسم الأجر على عدد الرؤوس في مسألة الدابتين، وإن لم يعمل أحدهما لمرض أو عذر آخر إن لم يكن بينهم شركة، بأن لم يشتركوا في تقبل هذا العمل سقط حصة أجر المريض؛ لأنه لم يوف عمله لا بنفسه ولا نيابة؛ لأنه لم يسبق منه استعانة من أصحابه حتى يجعل ما زاد على نصيبهم من العمل بحكم الاستعانة وأفعاله، بل تجعل الزيادة واقعة لصاحب السرداب ويكون عملهم في الزيادة على نصيبه تطوعاً.
فهو نظير رجل دفع أرضه إلى آخر مزارعة فما أجر وزرع ذلك الأرض متبرعاً كان الزرع لصاحب الأرض؛ لأنه لا يمكن أن يجعل عمله للمزارع؛ لأنه لم توجد منه الاستعانة به ولم يعمل في ملكه فجعلناه واقعاً لصاحب الأرض.(8/109)
-----
وإن اشتركوا في تقبل هذا العمل يجب كل الأجر وتكون حصة المريض له؛ لأن المريض في هذه الصورة مُستعين بهم دلالة؛ لأن العادة فيما بين الناس أنهم إنما يعقدون عقد الشركة في تقبل الأعمال حتى إذا عجز واحد منهم يعينه الآخر، ولو وجدت الاستعانة صريحاً كان الجواب كما قلنا فهاهنا كذلك (33أ4).
وفي «فتاوى أبي الليث»: صباغان أجر أحدهما آلة عمله من الآخر ثم اشتركا، فإن كانت الإجارة وقعت على كل شهر يجب الأجر في الشهر الأول ولا يجب بعد ذلك؛ لأن في الشهر الأول الشركة جرت على إجارة صحيحة معدة فلا يبطلهما، وفي الشهر الثاني الشركة سبقت الإجارة فمنعت انعقادها فلا يجب الأجر بعد ذلك، لهذا وإن أجرها عشر سنين مثلاً، فالأجر واجب عليه في ذلك كله؛ لأن الإجارة قد صحت في كل المدّة المسمّى فلا يبطلها لجريان الشركة عليها.
وعن محمد بن سلمة: أن الشركة توهن الإجارة وصورة ما نقل عنه رجل استأجر من آخر حانوتاً، ثم اشتركا في عمل يعملا في ذلك الحانوت، ويقول محمّد بن سلمة: ويسقط الأجر إذا عملا فيه بحكم الشركة، لأنه لم يسلم المعقود عليه، وفي آخر باب إجارة الدور من إجارت الأصل إذا تكارى داراً شهراً، فأقام معه ربّ الدار فيها إلى آخر الشهر فقال المستأجر: لا أعطيك الأجر؛ لأنك لم تحل بيني وبين الدار، فعليه من الأجر بحساب ما كان في يده اعتباراً للبعض بالكل.
الفصل الثامن عشر: في فسخ الإجارة بالعذر وبيان ما يصلح عذراً وما لا يصلح
الإجارة تنفسخ بالأعذار عندنا؛ لأن الفسخ في باب الإجارة امتناع عن القبول من وجه وفسخ لعقد منعقد من وجه؛ لأن في حق المعقود عليه وهو المنافع يتجدد انعقادها ساعة فساعة على حسب حدوث المنافع، وفي حق الأجرة يعتبر منعقداً في الحال؛ لأنه لا ضرورة في حق الأجرة، وإنما تأخر وقوع الملك في الأجر لا لعدم انعقاد العقد في حقه للحال بل ضرورة بأمر الملك في المنفعة تحقيقاً للتساوي.(8/110)
-----
ولهذا قلنا: إن الأجرة تملك بالتعجيل أو باشتراط التعجيل ولو لم يكن العقد منعقداً في طرف الأجرة، لما ملكت بالتعجيل أو اشتراط التعجيل كما إذا أضيفت إلى وقت آتي، وإذا اعتبرت الإجارة منعقدة في الحال في حق الأجرة وفي حق المنافع تعتبر متجدداً انعقادها ساعة فساعة، كان الفسخ امتناعاً عن القبول من وجه فسخاً لعقد منعقد من وجه ضمن بهما في حالين، فاعتبرناه امتناعاً عن القبول حال عذر يتمكن في العاقد فجوزناه من غير قضاء، ولا رضا صاحبه على ما عليه إشارات «الأصل» و «الجامع الصغير»، واعتبرناه فسخاً لعقد منعقد حال عدم العذر فلم يجوزه بغير رضا صاحبه توقراً على الشبهين حظهما بقدر الإمكان، وإنما أظهرنا نسبة الامتناع عن القبول حالة عدم العذر؛ لأنا لو أظهرنا نسبة الامتناع عن القبول حالة عدم العذر، يلزمنا إظهاره حالة العذر من الطريق الأولى فحين يتعطل العمل بالشبهين فعملنا على الوجه الذي قلنا، لتمكننا العمل بالشبهين.
واستفتح محمد رحمه الله قول من يقول: بأن الإجارة لا تنفسخ بالأعذار.
فقال: أرأيت لو أن رجلاً استأجر رجلاً ليقلع سنّه لوجع أصابه، أو استأجر رجلاً ليقطع يده لآكلة وقعت فيها فسكن الوجع وبرأت اليد، أيجبر المستأجر على المضي في الإجارة، والتمكين من قلع السنّ وقطع اليد؟.
أرأيت لو استأجر رجلاً ليتخذ له وليمة لعرس فماتت المرأة، أيجبر المستأجر على المضي؟ لا شك أنه لا يجبر لما في المضي من الضرر، وإنه قبيح ثم العذر إذا تحقق تنفسخ الإجارة بنفس العذر أو تحتاج فيه إلى الفسخ، لم يذكر محمد رحمه الله هذا نصاً في شيء من الكتب وإشارات الكتب متعارضة في بعضها يشير إلى أنها تنفسخ بنفس العذر، وبه أخذ بعض المشايخ وفي عامتها يشير إلى أنه يحتاج فيه إلى الفسخ، وعليه عامة المشايخ وهو الصحيح.(8/111)
-----
ومن المشايخ من قال: كل عذر يمنع المضي في موجب العقد شرعاً، تنتقض الإجارة بنفسه ولا تحتاج فيه إلى الفسخ كما في مسألة الآكلة وقلع السنّ، فإن بعد ما برأت اليد وسكن الوجع لا يجوز قلع السنّ وقطع اليد فلا فائدة في إبقاء العقد، فتنتقض ضرورة وكل عذر لا يمنع المضي في موجب العقد شرعاً ولكن يلحقه نوع ضرر يحتاج فيه إلى الفسخ، ثم إذا احتيج إلى الفسخ على ما عليه إشارات عامة الكتب مقر وصاحب العذر بالفسخ أو يحتاج فيه إلى قضاء القاضي أو رضا العاقد الآخر.
ذكر في «الزيادات»: أنه يشترط القضاء أو الرضا وإليه أشار في «الجامع الصغير» وفي «الأصل» إلى أنه لا يشترط القضاء، أو الرضا ومن شرط النقض من المشايخ اختلفوا فيما بينهم، بعضهم قالوا: ما ذكر في «الزيادات»: محمول على عذر يحتمل الاشتباه كما إذا لحق الآخر دين وهو يدعي أنه لا وفاء له، إلا من ثمن الدار؛ إذ يحتمل أن له وفاء بعين الدار المستأجرة فيحتاج فيه إلى القضاء ليزول الاشتباه بالقضاء، وما ذكر في «الأصل» وفي «الجامع الصغير» محمول على ما إذا كان العذر أمراً واضحاً لا اشتباه فيه، فلا يحتاج فيه إلى القضاء.
ومنهم من قال: في المسألة روايتان وجه رواية «الجامع الصغير»، و «الأصل» أن هذا في معنى العيب قبل القبض، فإن المنافع لا تصير مقبوضة لقبض الدار حقيقة والعيب قبل القبض يوجب الفسخ من غير قضاء ولا رضا كما في بيع العين.
وجه ما ذكر في «الزيادات»: أن هذا إن كان في معنى العيب قبل القبض حقيقة على الوجه الذي قلتم فهو في معنى العيب بعد القبض حكماً، فإنه أقيم قبض الدار مقام قبض المنافع في حق تمام العقد فيشترط فيه القضاء أو الرضا.(8/112)
-----
إذا حدث في العين المستأجر عيب لا يوجب خللاً في المنافع، لم يكن للمستأجر أن يفسخ العقد وذلك نحو العبد المستأجر للخدمة إذا ذهبت إحدى عينيه، وذلك لا يضر بالخدمة أو سقط شعره أو سقط حائط من الدار لا ينتفع به في سكناها؛ وهذا لأن المعقود عليه في الإجارة المنفعة فإذا لم يتمكن الخلل في المنافع كان المعقود عليه قائماً من كل وجه فلا معنى لإيراد الخيار.
وإن كان العيب يوجب خللاً في المنافع كالعبد إذا مرض والدابة إذا دبرت والدار إذا انهدمت بعض بنائها حتى أوجب نقصاناً في سكنى الباقي، كان للمستأجر أن يفسخ العقد؛ لأنه تعذر عليه استيفاء المعقود عليه على الوجه المستحق بالعقد لتمكن الخلل فيه، فإن شاء رضي بالخلل واستوفاه كذلك وإن شاء فسخ العقد، وإن شاء المؤاجر أسقط من الدار قبل فسخ المستأجر فلا خيار للمستأجر؛ لأن الخلل قد ارتفع والعقد يتجدد انتقاؤه على حسب المنافع فلم يتمكن الخلل في المعقود عليه في العقد الآتي فلا يكون له حق الفسخ.
ولو كان المؤاجر غائباً فليس للمستأجر أن يفسخ؛ لأن حضور العاقدين شرط صحة الفسخ عرف ذلك في كتاب البيوع ولو سقطت الدار كلها فله أن يخرج، سواء كان صاحب الدار شاهداً أو غائباً فهذا إشارة إلى أن عقد الإجارة ينفسخ بانهدام الدار، فإنه قال: فللمستأجر أن يخرج سواء كان صاحب الدار شاهداً أو غائباً ولو لم ينفسخ العقد واحتيج إلى الفسخ اشترط حضرة صاحبه، كما في المسألة المتقدمة.
وهذا فصل اختلف أصحابنا فيه، بعضهم قال: ينفسخ العقد، بانهدام الدار وانقطاع الماء عن الرحى وانقطاع الشرب عن الأرض إذا كان لا يمكنه أن يزرع، واستدل هذا القائل باللفظ الذي ذكرنا، ومنهم من قال: لا ينفسخ العقد بانهدام الدار، واستدل هذا القائل بما ذكر محمد في كتاب الصّلح، أنه إذا صالح على سكنى دار فانهدمت لم ينفسخ الصّلح.(8/113)
-----
واستدلوا أيضاً ما روى هشام عن محمّد فيمن استأجر بيتاً فانهدم ثم بناه الآخر فليس للمستأجر (33ب4) أن يمتنع ولا الآجر فهذا إشارة إلى أن العقد لا ينفسخ بانهدام الدار؛ وهذا لأن المنفعة ما فاتت من كل وجه فإن الانتفاع بالعرصة ممكن من وجه بأن ينصب خيمة فيها أو إن فاتت المنفعة من كل وجه، إلا أنها ما فاتت على سبيل التأبيد إنها فاتت على وجه يحتمل العود فأشبه إباق العبد المستأجر، وذلك لا يوجب انفساخ العقد.
ونصّ في إجارات «الأصل» في باب الرحى أن الإجارة في الرحى لا تنفسخ بانقطاع الماء عنها.
وفي «فتاوى الفضلي»: المؤاجر إذا نقض الدار المستأجرة برضا المستأجر أو بغير رضاه لا تنتقض الإجارة، لأن الأصل باق قال: وهذا بمنزلة ما لو غصب الدار المستأجرة من المستأجر، وهناك لا تنتقض الإجارة بل سقط الأجر على المستأجر مادامت الدار في يد الغاصب ومن المشايخ من قال: ينفسخ العقد بانهدام الدار ثم يعود بالبناء ومثل هذا جائز.
ألا ترى أن الشاة المبيعة إذا ماتت في يد البائع ينفسخ العقد، ثم إذا دبغ جلدها يعود العقد بعذره كذا ها هنا، فإن بنى المؤاجر الدار كلها قبل الفسخ فللمستأجر أن يفسخ العقد إن شاء هكذا ذكر في «النوادر»، وإنه يخالف راوية هشام عن محمد في مسألة البيت.
ووجه هذه الرواية: أن التغير قائم فيها؛ لأن الدار إذا كانت جديدة تكون أبرد في بعض الأوقات وأحر في بعضها وعلى قياس هذه الرواية ينبغي أن يكون للمستأجر حق الفسخ إذا سقط بعض البناء وبناه الآخر قبل الفسخ، ويجوز أن يكون بينهما فرق فيتأمّل.
وقال محمد رحمه الله: في السفينة المستأجرة إذا أنقضت وصارت ألواحاً، ثم ركبت واعتدّت سفينة لم يجبر على تسليمها إلى المستأجر، قال محمد: ولا يشبه هذا الدار؛ لأن السفينة بعد النقض إذا اعتدت صارت سفينة أخرى، ألا ترى أن من غصب من آخر ألواحاً وجعلها سفينة ينقطع حق المالك فأما عرصة الدار لا تتغير بالبناء عليها.(8/114)
-----
وفي «نوادر ابن سماعة»: عن أبي يوسف رحمه الله: رجل استأجر داراً وقبضها فانهدم بيت منها فرفع عنه من الأجر بحصته ولا يؤخذ منهما.
بيانه: وإذا استأجر غلاماً ليخدمه في المصر ثم أراد المستأجر أن يسافر فهذا عذر له في فسخ الإجارة؛ لأنه لا يمكنه استيفاء المعقود عليه إلا بحبس نفسه في المصر؛ إذ لا يمكنه أن يخرج بالعبد؛ لأن خدمة السفر أشق من خدمة الحضر وحبس نفسه في مكان يعينه عقوبة فيصير عذراً له في فسخ الإجارة، وأما إذا استأجره ليخدمه مطلقاً ولم يقيده بالمصر ثم أراد المستأجر المسافر هل يكون له عذر في فسخ الإجارة فهذه المسألة تبنى على مسألة أخرى أن من استأجر عبداً في المصر للخدمة هل له أن يسافر؟ إن لم يكن له أن يسافر به كان عذراً له، وإن كان له أن يسافر لم يكن عذراً وقد مرت المسألة في فصل الاستئجار للخدمة.(8/115)
-----
فإن قال المؤاجر للقاضي: إنه لا يريد السفر ولكنه يريد فسخ الإجارة، وقال المستأجر: أنا أريد السفر فالقاضي يقول: للمستأجر مع من يخرج فإن قال: مع فلان وفلان، فالقاضي يسألهم أن فلاناً هل يخرج معكم؟ وهل استعد للخروج؟ فإن قالوا: نعم ثبت العذر ومالا فلا، وهذا لأن الخروج لابد له من الاستعداد قال الله تعالى: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له العدة} (التوبة: 46) وبعض مشايخنا قالوا: القاضي يحكم زيه وسامه فإن كانت يداه شاق السفر يجعله مسافراً وهذا؛ لأن الزي والسيما حجة يجب العمل بها عند اشتباه الحال على ما عرف في موضعه، وبعضهم قالوا: إذا أنكر الآجر السفر فالقول قوله وبعضهم قالوا: القاضي يحلف المستأجر بالله إنك عزمت على السفر، وإليه مال الكرخي والقدوري وكذلك لو خرج من المصر ثم عاد يحلّف بالله إنك قد خرجت قاصداً إلى الموضع الذي ذكرت، ولو أراد ربّ العبد أن يسافر لا يكون ذلك عذراً في فسخ الإجارة؛ لأنه لا يمكنه إيفاء المعقود عليه من غير أن يحبس نفسه في مكان معين بأن يخرج إلى السفر، ويخلي بين المستأجر وبين العبد.d(8/116)
-----
ونظير هذه المسألة إذا استأجر من آخر داراً ليسكنها ثم عزم على السفر لا يكون ذلك عذراً له في فسخ الإجارة، وإذا استأجر حانوتاً في سوق ليعمل فيه عملاً مثلاً بزازي فلحقه دين أو أفلس وقام عن السوق فهذا عذر في فسخ الإجارة؛ لأنه فات ما هو المقصود من هذه الإجارة؛ لأن المقصود منها أن يتجر في هذا الحانوت، ولا يمكنه ذلك بعد الإفلاس وبعد ما لحقه الديون لأن الغرماء يأخذون المال منه ويمنعونه عن التصرف فيه، ولم يكن شيء من ذلك ولكن أراد المستأجر أن يتحول إلى حانوت آخر هو أوسع إذا رخص ويعمل ذلك العمل لم يكن ذلك عذراً؛ لأن ما هو المقصود من هذه الإجارة لم يفت واستيفاء ما وقع عليه العقد ممكن من غير أن يلحق المستأجر ضرر لكن يفوته نفع طمعه، إلا أنّ تحصيل النفع ليس بواجب إنما الواجب دفع الضرر ولو أراد أن يقوم من هذا العمل ويعمل عملاً آخر.
ذكر في «الفتاوى الصغرى»: أن هذا عذر وفرق بين هذا وبينما إذا استأجر غلاماً ليعمل له عمل الخياطة، ثم بدا له أن يأخذ في عمل آخر فإن ذلك ليس بعذر؛ لأنه لا يمكنه أن يحمل الغلام في ناحية الدكان يعمل له عمل الخياطة وهو في ناحية أخرى يعمل عملاً آخر بخلاف ما إذا كان هو يعمل بنفسه.
وذكر في فتاوى «الأصل»: هذه المسألة على التفصيل فقال: إن تهيأ له العمل الثاني على ذلك الدكان ليس له النقض، لأنه لم يتحقق القدر وإن لم يتهيأ فله النقض؛ لأنه تحقق العذر، وذكر في «الجامع الصغير» مطلقاً أنه ليس بعذر، كما ذكر في «الفتاوى الصغير» ومسألة «الجامع الصغير» تأتي بعد هذا والمؤاجر إذا وجد زيادة على الأجرة لا يكون ذلك عذراً له في فسخ الإجارة؛ لأنه لا يمكنه إنما المعقود عليه من غير ضرر يلزمه إنما يفوته نوع نفع طمعه غير أنه لا عبرة لفوات المنفعة على ما مرً.(8/117)
-----
وفي «فتاوي أبي الليث»: رحمه الله رجل ساكن في قرية استأجر أرضاً في قرية أخرى ثم بدا له أن يترك هذه الأرض، ويزرع أرضاً أخرى في قرية أخرى قال: إن كان بينهما مسيرة سفر كان عذراً له في فسخ الإجارة، وما لا فلا وهذا؛ لأن المسافة إذا كانت بعيدة يلحقه الضرر وإذا كانت قريبة لا يلحقه الضرر، وقدرت البعيدة بمسيرة السفر وإذا لحق الآجر دين لا وفاء له إلا من ثمن الدار المستأجرة أو ثمن العبد المستأجر، فهذا عذر في فسخ الإجارة؛ لأنه لا يمكنه إيفاء المعقود عليه إلا بضرر يلحقه، وهو الحبس، فإنه يحبس فيصير ذلك عذراً له في فسخ الإجارة.
فإن قيل: ينبغي أن لا يحبسه القاضي إذا تعلق بماله حق المستأجر بل يتأخر الحبس إلى أن تنقضي الإجارة.
قلنا: القاضي لا يصدقه في أنه لا وفاء له إلا من ثمن المستأجر فيحبسه لهذا، وينبغي للآجر أن يرفع الأمر إلى القاضي ليفسخ العقد وليس للآجر أن يفسخ بنفسه، وقد مرّ هذا، ثم إذا رفع الأمر إلى القاضي إن طلب من القاضي أن ينقض الإجارة فالقاضي لا ينقضها؛ لأنه لاحق للآجر في نقض الإجارة إنما حقه في البيع قضاء لدينه وتخليصاً لرقبته فلو نقض القاضي الإجارة بطلبه ربما لا يتفق البيع بعد ذلك أو يكون احتيالاً فيصير النقض مقصوداً، أو يبطل حق المستأجر وإنه لا يجوز وإن طلب من القاضي أن يبيع المستأجر بنفسه أو بأمر الآجر أو غيره بالبيع، أجابه القاضي إلى ذلك وهذا الجواب إنما يتأتى على ظاهر الرواية؛ لأن على ظاهر الرواية حق المستأجر لا يمنع البيع ولكن يمنع التسليم.
وللمشتري الخيار بين أن يتربص إلى أن تمضي هذه الإجارة، وبين أن يرفع الأمر إلى القاضي ويطلب التسليم أو الفسخ، فإذا رفع إلى القاضي (34أ4) وأثبت البائع الدين بالبيّنة، فالقاضي يمضي البيع ويتضمن ذلك نقض الإجارة فيأخذ الثمن من المشتري ويسلمه إلى الغريم.(8/118)
-----
قال: وإلى أن يمضي القاضي البيع فالأجرة واجبة على المستأجر؛ لأن المستأجر في يده وهو متمكن من الانتفاع به فيجب عليه الأجر، وكان الأجر للآجر؛ لأنه بدل ملكه ويكون طيباً له؛ لأنه وجب بحكم عقد صحيح وكذلك لو أن الآجر باع الدار بنفسه قبل أن يتقدموا إلى القاضي، ثم تقدموا إلى القاضي، فعلى المستأجر أجر الدار حتى ينقض القاضي الإجارة بإمضاء البيع وتنفيذه لما ذكرنا من المعنى.
هذا إذا كان الدّين على الآجر ظاهراً معلوماً للقاضي، وأما إذا لم يكن ظاهراً معروفاً وإنما عرف بإقرار الآجر وصدقه المقر له في إقراره وكذبه المستأجر فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله بيعت الأرض، ونقضت الإجارة وعلى قولهما لا تباع الأرض ولا تنقض الإجارة فهما لا يقولان بصحة إقراره في حق المستأجر؛ لأنه يضمن احترازاً بالمستأجر بإبطال حقّه عن عين المستأجر؛ لأن حقّه تعلق بعين المستأجر لغيره فيكون إقراراً على المستأجر وإقرار الإنسان على غيره لا يصح.
وأبو حنيفة يقول بصحة إقراره؛ لأنه يعرف في ذمّته؛ لأن محل الدين الذمّة ولاحق لأحد في ذمّته فكان إقراراً على نفسه، فيصح الإقرار ويثبت الدين مطلقاً، وما يقول بأن فيه ضرر المستأجر.
قلنا: لا ضرر للمستأجر في نفس الإقرار وإنما ضرره في البيع والاستيفاء، وإنه فعل اختياري لا يضاف إلى الإقرار فلا يصير به مقراً على الغير، كإقرار العبد على نفسه بالقصاص ثم عند أبي حنيفة رحمه الله إذا ثبت الدّين مطلقاً بإقرار الآجر صار الآجر قادراً على قضاء الدين بواسطة البيع فيجب عليه البيع كما في المسألة الأولى، ويحبس إذا امتنع عنه وعندهما لما لم يثبت الدّين بإقراره في حق المستأجر لم يصر قادراً الآجر على قضاء الدين بواسطة البيع، فلا يجب عليه البيع ولا يحبس إذا امتنع عنه ولكن المقر له يلازم الآجر، ويدور معه حيث دار فإذا انقضت مدة الإجارة الآن يحبسه؛ لأنه صار قادراً على قضاء الدين بواسطة البيع.(8/119)
-----
إذا أجر داره ثم أراد أن ينقص الإجارة ويبيع الدار؛ لأنه لا نفقة له ولعياله فله ذلك هكذا ذكر في «فتاوى أبي اللّيث»؛ لأن هذا أشد من الحاجة إلى قضاء الدين وذلك عذر فهذا أولى.
وفي «الأصل»: إذا انهدم منزل الآجر ولم يكن له منزل آخر، فأراد أن يسكن هذا المنزل لم يكن له ذلك.
وفي «فتاوى أبي اللّيث» رحمه الله: إذا تكارى إبلاً من الكوفة إلى بغداد، ثم بدا له أن يتكارى بغلام فهذا ليس بعذر بل هذا تمني أما لو اشترى بعيراً أو دابة فهو عذر، لأنه استغنى عن الإجارة فصار كما لو ترك السفر.
وفي «الأصل»: إذا استأجر من آجر منزلاً، ثم إن المستأجر اشترى منزلاً وأراد أن يتحول إليه ويفسخ الإجارة فليس له ذلك، وهذا ليس بعذر؛ لأنه يمكنه استيفاء المعقود عليه من غير ضرر يلحق نفسه فإنه يؤاجر منزله الذي اشترى، ويصرف كراه إلى الذي استأجر فلما أمكنه استيفاء المعقود عليه من غير ضرر يلحقه، وماله لم يصلح عذراً في فسخ الإجارة، فعلى قياس ما ذكر في «الأصل» ينبغي أن يقال في مسألة «الفتاوى»، إنه إذا اشترى بعيراً أو دابّة لا يكون عذراً.
قال في «الجامع الصغير» :الخياط إذا استأجر غلاماً ليخيط معه، فأفلس الخياط وقام عن السوق فهذا عذر؛ لأن تجارته تنقطع بالإفلاس فتبقى التجارة غرامة عليه فيثبت له حق الفسخ دفعاً للغرامة عن نفسه.
فإن قيل: الخياط يتوصل إلى الخياطة بمال قليل فكيف يتحقق إفلاسه.
قلنا: الخياط إنما يتوصل إلى الخياطة بمال قليل إذا كان يعمل لغيره أما إذا كان يعمل لنفسه لا يتوصل إليها إلا بمال كثير، وكان محمد رحمه الله يقول هذا في خياط يعمل لنفسه على أن الخياط الذي يعمل لغيره، قد يتحقق إفلاسه بأن تظهر خيانته عند الناس فيمتنعون عن تسليم الثياب إليه أو يلحقه ديون كثيرة، ويصير بحال الناس لا يأتمنوه على أمتعتهم، وأما إذا أراد أن يترك الخياط ويعمل في الصرف، فهذا ليس بعذر تفسخ به الإجارة.(8/120)
-----
وقال في كتاب الإجارات: إذا استأجر من آجر حانوتاً ليبيع فيه الطعام، ثم بدا له أن يقعد في سوق الصيارفة فهذا عذر.
والفرق إن في مسألة كتاب الإجارات لا يمكنه استيفاء المعقود عليه، إلا أن يحبس نفسه في هذا السوق المعين؛ إذ لا يمكنه الجمع بين تجاريين في سوق واحد، وحبس نفسه في مكان معيّن عقوبة وعذاب فجعل ذلك عذراً دفعاً للعقوبة عن نفسه، أما في مسألة «الجامع الصغير» يمكنه استيفاء المعقود عليه من غير أن يحبس نفسه في هذا السوق المعيّن، بأن يقعد بنفسه في سوق الصيارفة ويستعمل الغلام في عمل الخياطة في ذلك السوق، فلم يجعل ذلك عذراً.
وإذا استأجر إنساناً ليقصر ثياباً له أو ليخيط أو ليقطع قميصاً له أو ليبني له بناء أو ليزرع أرضاً له، ببذره ثم بدا له أن لا يفعل كان ذلك عذراً له؛ لأنه لا يمكنه المضي على الإجارة إلا باستهلاك المال في بعض الصور، وهو الزراعة والقطع والبناء أما الزراعة والقطع فظاهر وأما البناء؛ فلأن فيه إتلاف المالية، وكذلك إذا استأجر لحفر البئر؛ لأن في الحفر إتلاف جزء من الأرض وكذلك إذا استأجر للحجامة والفصد؛ لأن في الحجامة إيلام وإتلاف جزء من البدن، ولو امتنع الأجير عن العمل في هذه الصورة يجبر عليه، ولا تفسخ الإجارة؛ لأنه يمكنه المضي على الإجارة من غير ضرر يلزمه.
(8/121)
-----
وإذا استأجر أرضاً ليزرعها فغرقت الأرض أو نزّت كان ذلك عذراً له في فسخ الإجارة؛ لأن المعقود عليه قد فات قبل التسليم وإنه يثبت للعاقد حق الفسخ في بيع العبد إذا أبق العبد قبل القبض، فإنه يكون للمشتري حق الفسخ، وطريقه ما قلنا: فإن مرض المستأجر وعجز عن الزراعة، فإن كان ممّن يعمل بنفسه فهذا عذر؛ لأنه عجز عن الانتفاع بالأرض لمرضه، إذا كان يعمل بنفسه فهو بمنزلة ما لو عجز عن الانتفاع بالأرض بأن غرقت أو نزّت، وذلك عذر فهذا كذلك وإن كان إنما يعمل بأجرائه، فهذا ليس بعذر؛ لأن مرضه لا يمنع أجراه عن العمل في الأرض.
وإذا أبق العبد المستأجر فللمستأجر أن يفسخ الإجارة فهو عذر؛ لأن المعقود عليه فات قبل التسليم فهو بمنزلة الأرض إذا غرقت أو نزّت، وإذا وجد العبد المستأجر للخدمة سارقاً فهذا عذر؛ لأن هذا بمنزلة العيب في المعقود عليه؛ لأنّ السرقة توجب نقصاناً في الخدمة؛ لأنه متى كان سارقاً لا يأتمنه المستأجر على ماله إذا خلى بينه وبين أعمال الخدمة في الدار خوفاً من سرقته على ماله، ويتعسر عليه ملازمته كل ساعة وأوان.
فهو معنى قولنا هذا عيب في المعقود عليه، فيثبت للعاقد الخيار، كما إذا وجد العبد المشتري سارقاً، وإن كان العبد غير حاذق للعمل الذي استأجره عليه، فهذا لا يكون عذراً للمستأجر في فسخ الإجارة؛ لأنه لا عيب في المعقود عليه ولا نقصان إنما فات صفة الحذاقة وإنها بمنزلة الجودة فلا تصير مُستحقة بمطلق العقد بل يراعي في استحقاقها الشرط.(8/122)
ألا ترى أن من اشترى حنطة ولم يشترط جودتها فوجدها وسطاً، لا يكون له حق الفسخ كذا هاهنا، وإن كان عمله فاسداً كان له الخيار، لأن هذا عيب في المعقود عليه فهو بمنزلة ما لو وجد الحنطة عفنة وإذا وقعت الإجارة على دواب بعينها لحمل المتاع، فماتت انفسخت الإجارة بخلاف ما إذا وقعت على دواب لا بعينها. (34ب4) وسلم الآجر إليه دواباً فماتت لا ينفسخ العقد، وعلى الآجر أن يأتي بغير ذلك.(8/123)
-----
والفرق: أن عند تعيين الدواب المعقود عليه منافع الدواب المعيّنة، فإذا هلكت فقد هلك المعقود عليه فيبطل أما عند انعدام التعيين المعقود فعمل الحمل في ذمّة الآجر والإبل آلة الحمل، وكما أن التي عينها الآجر بعد العقد آلة الحمل فغيرها آلة الحمل فلا معنى لانفساخ العقد، فإن وقعت الإجارة على دواب بعينها ومرضت فللمستأجر حق الفسخ؛ لأن منفعة الحمل تنتقض بالمرض فكان ذلك عيباً في المعقود عليه وعن أبي يوسف أن للمؤاجر حق الفسخ أيضاً؛ لأن الركوب والحمل مع المرض يوجب زيادة ضرر في ملكه وذلك غير مستحق بالعقد، وإن مرض الآجر في هذه الصورة.
ذكر القدوريّ في «شرحه»: أن له حق الفسخ، وهذا خلاف رواية «الأصل» فعلى ما ذكره القدوري يحتاج إلى الفرق، بينما إذا مرض المؤاجر، وبينما إذا أراد أن يقعد ولا يخرج فإن ذلك لا يكون عذراً له في فسخ الإجارة.
والفرق: أنه إذا مرض فقد عجز عن الخروج، وغيره لا يقوم مقامه في الخروج إلا بموته وضرر يلحقه فيكون ذلك عذراً له، أما إذا أراد أن يقعد ولا يخرج فما عجز عن الخروج بل هو قادر عليه، وإنما تركه باختياره فكان عليه أن يقيم غيره مقامه.
وعن أبي يوسف: في امرأة ولدت يوم النحر قبل أن تطوف طواف الزيارة، وأبى الحمال أن يقيم معها مدة النّفاس فهذا عذر للحمال في فسخ الإجارة، ولو ولدت قبل يوم النحر فجاء يوم النحر وقد بقي من مدة نفاسها مدة الحيض عشرة أو أقل خيرّ الحمال على المقام معها، وهذا؛ لأنه لا يمكن جبر الحمال على المقام في الفصل الأول؛ لأنه ما جرت العادة بالمقام بمكة بعد الفراغ من الحج مثل مدّة النفاس، فيتضرر الحمال بذلك فيفسخ العقد دفعاً للضرر عنهما، أما في الفصل الثاني جبر الحمال على المقام ممكن؛ لأن العادة جرت بالمقام بمكة بعد الفراغ من الحج مثل هذه المدة فلا يتضرر الحمال بذلك.(8/124)
-----
ولو اشترى شيئاً وأجره من غيره ثم اطلع على عيب به فلا يرده بالعيب وتفسخ الإجارة؛ لأن لو نفينا عقد الإجارة يتضرّر الآجر من حيث إن يلزمه المبيع معيباً، وإذا أجر الرجل نفسه في عمل من الأعمال ثم بدا له أن يترك ذلك العمل وينتقل إلى غيره بأن كان حجاماً مثلاً أجر نفسه للحجامة ثم قال: أنفت من هذا العمل وأريد أن أتركه ليّس له ذلك؛ لأنه التزم العمل وصح الالتزام؛ ولا عار فيه وقت الالتزام لأنه من أهله إنما أراد أن يترفع الآن فيقال له: أوف ما التزمت.
ثم تترفع وإن كان ذلك العمل ليس من عمله وهو مما يعاب بذلك فله أن يمتنع عن العمل، وأن يفسخ الإجارة؛ لأنه إذا لم يكن ذلك العمل من عمله يلحقه العار في المضي عليه، فيصير ذلك عذراً له في فسخ الإجارة، وكذلك المرأة إذا أجرت نفسها ظئراً ممن يعاب بذلك، فلأهلها أن يخرجوها وكذا إن انتهى لم يجبر عليه لما ذكرنا.
وعن محمد رحمه الله، فيمن استأجر أرضاً ليزرع شيئاً سماه فزرعها وأصاب الزرع آفة وقد ذهب وقت زراعة ذلك النوع، فإن أراد أن يزرع ما هو أقل ضرراً من الأول أو مثله فله ذلك وإلا فسخت الإجارة، وألزمته ما مضى من الأجر وهذا؛ لأن في إيفاء العقد مع فوات المقصود اضرار بالمستأجر ولا ضرر للآجر في زراعة ما هو دون الأوّل أو مثله.
وإذا انتقص الماء عن الرّحى، فإن كان النقصان فاحشاً فللمستأجر حق الفسخ وإن كان غير فاحش فليس له حق الفسخ؛ لأن مدة الإجارة لا تخلو عن نقصان غير فاحش غالباً وهذا لأن الماء يجري على سنن واحد وإنما بل ينتقص مرة ويزداد بأخرى غير أن النقصان الفاحش في مدة قليلة ليس بغالب وغير الفاحش غالب، فإذا أقدم على استئجار الرحى مع علمه بما قلنا يصير راضيااً بالغير الفاحش، ولا يصير راضياً بالفاحش فلا يثبت حق الفسخ في غير الفاحش لمكان الرضا، ويثبت في الفاحش لعدم الرضا.(8/125)
-----
قال القدوري في «شرحه»: إذا صار يطحن أقل من نصف طحنه، فهو نقصان فاحش.
وفي «واقعات الناطفي»: إذا قل الماء ويدور الرحى ويطحن على نصف ما كان يطحن، فللمستأجر ردّه أيضاً ولو لم يرده حتى طحن كان هذا رضاً منه، وليس له أن يرد الرحى بعد ذلك وهذه الرواية تخالف رواية القدوريّ هذا إذا انتقص الماء عن الرحى في بعض المدّة، نحو أن يستأجر رحاً ما كل شهر بأجر مسمّى فانقطع الماء عنها في بعض الشهر، فلم يعمل فللمستأجر الخيار هكذا ذكر في «الأصل»، وهذا نص على أن الإجارة لا تنفسخ بانقطاع الماء عن الرحى؛ لأن المعقود عليه وهو منفعة الطّحن وإن فاتته قبل القبض إلا أن العود موهوم، ومثله لا يوجب انفساخ العقد بل يثبت الخيار للعاقد كالعبد المستأجر إذا أبق في مدة الإجارة، فإن لم يفسخ حتى عاد الماء لزمته الإجارة فيما بقي من الشهر لزوال الموجب للفسخ، ويرفع عنه الأجر بحساب ذلك هكذا ذكر محمد رحمه الله في «الأصل».
واختلف المشايخ في تفسير قوله: بحساب ذلك، بعضهم قالوا: معناه بحساب ما انقطع من الماء في الشهر حتى إذا انقطع الماء عشرة أيام يسقط بحصة عشرة أيام من الشهر، وذلك ثلث المسمى فيسقط عنه ثلث المسمى وهذا؛ لأن المعقود عليه في إجارة الرحى منفعة الطحن لا غير؛ لأن الرحى مستأجر للطحن لا غير فيجعل المعقود عليه منفعة الطحن وقد فاتت منفعة الطحن في مدة عشرة أيام، فيسقط الأجر بقدره.
كما لو استأجر عبداً ليخدمه شهراً فأبق عشرة أيام، فإنه يسقط الأجر بقدره وذلك ثلث المسمّى فكذلك هذا وقال بعضهم: أراد بقوله بحساب ذلك أي بحصّة ما انقطع من الماء.(8/126)
-----
وبيان ذلك: أن ينظر إلى بيت رحى عشرة أيام وهو يطحن بكم يستأجر؟ فإن كان يطحن يستأجر عشرة أيام بعشرة ولا يطحن يستأجر بخمسة يسقط خمسة دراهم، وهو حصة ما انقطع من الماء ولا يسقط ثلث المسمّى كما قاله الأولون، وذلك لأن منفعة الطحن إن فاتت بقيت منفعة السكنى وربط الدواب، فإن للمستأجر أن يسكن فيها ويربط فيها دوابه كما له أن يطحن فمنفعة الرحى إن فاتت بقيت منفعة السكنى وربط الدواب فيسقط الأجر بقدر ما فات، ويبقى بقدر ما بقي.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: وما قاله الأولون أصح، لأن ظاهر الرواية يشهد لهذا فإنه قال في «الأصل»: الماء إذا انقطع الشهر كله ولم يفسخها المستأجر حتى مضى الشهر، فلا أجر عليه في ذلك فقد نفى الأجر عنه أصلاً، ولو كانت منفعة السُكنى معقوداً عليه مع منفعة الطحن لأوجب بقدر ما يخصّ منفعة السُكنى؛ وهذا لأن الرحى لا تستأجر لمنفعة السُكنى وإنما تستأجر لمنفعة الطحن فيجعل منفعة الطحن هو المعقود مقصوداً، وغيره يدخل تبعاً والبدل لا يقابل الاتباع فيكون الأجر كله بإزاء منفعة الطحن.
وذكر القدوري في «شرحه»: أن من استأجر رحى ماء سنة، فانقطع الماء بعد ستة أشهر، فأمسك الرحى حتى مضت السنة فعليه الأجر لستة أشهر ولاشيء عليه لما بقي، وإن كان البيت ينتفع به لغير الطحن فعليه من الأجر بحصته لأنه بقي شيء من المعقود عليه فيبقى الأجر بحصته، وهذا يدلك على أن ما سوى منفعة الطحن داخل في هذا العقد أصلاً لاتبعاً فيكون دليلاً على ما قاله الآخرون فيه. (35أ4).(8/127)
-----
وفي «نوادر ابن سماعه» عن محمد رحمه الله رجل استأجر رحى ماء بأداتها وبيتها والماء جار ثم انقطع الماء عنها، فهذا عذر وقد مرّ هذا قال: ولو استأجرها والماء منقطع عنها وقال أنا أصرف ماء نهري إليها، وكان ذلك بلا حفر ولا مؤنه لزمه الأجر صرف الماء إليه أو لم يصرف، وإن كان ينبغي لذلك حفر نهر من نهره إلى نهر الرحى ومؤنته فقال: بدا لي في حفر ها كان له أن يترك الإجارة، فإن حفر وأجرى الماء ثم بدا له أن يصرف الماء إلى زرعه ويترك الإجارة لم يكن له ذلك ويلزمه الأجر، فإن جاء من ذلك أمر فيه ضرر عظيم يذهب فيه زرعه ويضر بماله إضراراً عظيماً إن قطع الماء عنه جعلت هذا عذراً له أن يترك الإجارة.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: إذا استأجر أرضاً وانقطع عنها شربها وقد بقي من الإجارة شيء، قال: إن كانت مما يصلح أن يزرع عرفاً فلم يخاصم في الإجارة ولم ينقضها حتى مضت المدة لزمه الأجر تاماً، وإن خاصم فيها كان له أن يردها ويعطيه من الأجر بحسابه، وإن كانت مما لا يزرع عرفاً لم يلزمه أجر ما بقي من السنة، وإن لم يخاصم في ردّها.
وكذلك رجل استأجر عبداً من رجل كل شهر بدرهم مثلاً، فمرض العبد ولم يقدر على مثل ما كان يعمل إلا أنه قد يعمل عملاً دون العمل الذي كان يعمله في الصحة، فله أن ينقض الإجارة وإن لم ينقضها حتى مضى شهراً لزم الأجر، وإن مرض مرضاً لا يقدر على شيء من العمل فلا أجر عليه.
وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف: رجل استأجر رجلاً ليحفر له بئراً فلقي جبلاً قال: له الأجر بحساب ما حفر، فإن كانت بلدة يكون فيها ذلك فبلغ إلى ما هو أصلب مما رأى، فإن كان يعلم أن ذلك سيلقاه كان عليه أن يحفره، وإن قال: لم أعلم حلف بالله لم يعلم وكان له من الأجر بحساب ما حفر، قال الحاكم أبو الفضل رحمه الله: هذا الجواب خلاف جواب «الأصل» وقد مرّ جنس هذه المسألة قبل هذا.l(8/128)
-----
وعنه أيضاً: في رجل استأجر رجلاً ليحفر له بئراً في موضع أراه إياه وأراه قدر استدارتها، وشرط عليه أن يحفرها عشرة أذرع كل ذراع بكذا، فحفر منها أذرعاً ثم مات، فإنه يقوم ما حفر ويقوم ما بقي ثم يقسم الأجر على قيمتين فيعطى حصة ما حفر.
علل فقال: لأن كل ذراع منها سابغ في أسفلها وأعلاها ومعنى هذا أنه ينظر إلى قيمة ذراع من الأعلى وإلى قيمة ذراع من الأسفل؛ لأن في الأعلى الحفر يكون أرخص وفي الأسفل الحفر يكون أغلى فلا بد من الجمع بين القيمتين لتحقيق معنى العدل، ثم إذا ظهر قيمة الأعلى وقيمة الأسفل يجعل كل ذراع منهما، فيكون كل ذراع من الذراعين وتكون حصته من القيمتين.
وإذا تكارى دابة فوجدها لا تبصر بالليلّ أو وجدها جموحاً أو عضوضاً، فله أن يردها؛ لأنه وجد المعقود عليه معيبّاً فكان له الرد كما في بيع العين، فإن ردها فليس له أن يطالب المكاري بدابة أخرى إن وقعت الإجارة على هذه الدابة بعينها؛ لأن الإجارة انفسخت بردها وإن وقعت الإجارة على الدابة لا بعينها، فله أن يطالبه بدابة أخرى.
وفي «مزارعة العيون»: إذا استأجر من آخر أرضاً وزرعها فلم يجد ماء ليسقيها، فيبس الزرع قال: إن كان استأجرها بغير شرب ولم ينقطع ماء النهر الذي يرجى منه السقي فعليه الأجر، وإن انقطع كان له الخيار، وإن كان استأجرها لشربها، فانقطع الشرب عنها فمن يوم فسد الزرع من انقطاع الشرب فالأجر عنه ساقط كما لو انقطع الماء عن الرحى المستأجرة.
وفي موضع آخر: إذا استأجر أرضاً وماء ليزرعها فجدب النهر الأعظم، فلم يستطع سقياً فهو بالخيار إن شاء ردها وإن شاء أمسكها، فإن لم يرد حتى مضت المدة فعليه الأجر إذا كان بحال يمكنه أن يحتال بحيلة ليزرع فيها شيئاً، أما إذا كان بحال لا يمكنه أن يزرع فيها شيئاً بعدما بوجه من الوجوه ولا حيلة له في ذلك، فلا أجر عليه.(8/129)
-----
وفي «فتاوى الفضلي»: استأجر أرضاً فانقطع الماء إن كانت الأرض تسقى بماء الأرض، أو كانت تسقى بماء المطر لكن انقطع المطر أيضاً فلا أجر عليه؛ لأنه لم يتمكن من الانتفاع بها.
وفي «الواقعات»: لو استأجر أرضاً فغرقت الأرض قبل أن يزرعها فلا أجر عليه كما لو غصبها من المستأجر رجل وزرعها، ولو زرعها المستأجر فأصاب الزرع آفة فهلك أو غرق ولم ينبت فعليه الأجر كاملاً؛ لأنه قد زرع رواه ابن رستم عن محمد رجل استأجر أرضاً فزرعها وقل ماؤها فانقطع فله أن يخاصم الآجر حتى يفسخ القاضي العقد بينهما، وبعدما فسخ القاضي العقد ترك الأرض في يد المستأجر بأجر المثل حتى يدرك زرعه، فإن سقى زرعه لا يكون له حق الفسخ بعد ذلك وكان ذلك منه رضاً والفتوى في مسألة هلاك الزرع أنه لا أجر على المستأجر فيما بقي من المدّة بعد هلاك الزرع، إلا إذا تمكن من إعادة زرع مثله أو دونه في الضرر بالأرض، وإذا اختّل الزرع بأن قل ماؤه وانقطع فالجواب فيه على نحو ما ذكره هشام وعليه الأجر إذا لم يرفعه إلى الحاكم وإن لم يسقه.
وفي مزارعة «فتاوى أهل سمرقند»: رجل استأجر أرضاً من أراضي الجبل، فزرعها فلم يمطر عليه ولم ينبت حتى مضت السنة ثم مطر، ونبت فالزرع كله للمستأجر وليس عليه كراء الأرض ولا نقصانها، وأحاله إلى «نوادر ابن سماعة» أما لاكراء عليه فلتقرر العذر في كل المدّة وأما عدم النقصان، فلأن الزراعة حصلت بإذن المالك، قوله: لاكراء عليه قبل النبات فأما بعدما نبت يجب أن يترك الأرض في يد المستأجر بأجر المثل، كما لو انقضت المدة وفي الأرض زرع لم يستحصد بعد، فإن هناك تترك الأرض في يد المستأجر بأجر المثل كذا هاهنا.(8/130)
-----
وفي «فتاوي أبي الليث»: رجل استأجر طاحونتين بالماء في موضع يكون الحفر على المؤاجر عادة فاجتاح النهر إلى الكراء وصار بحال لا يعمل إلا إحدى الرحاتين، فإن كان بحالٍ لو صرف الماء إليها جميعاً عملا عملاً ناقصاً، فله الخيار لاختلاف ما هو المقصود بالعقد وعليه أجرهما إن لم يفسخ لتمكنه من الانتفاع بهما، وإن كان بحال لو صرف الماء إليهما لم يعملا فعليه أجر إحداهما إن لم يفسخ؛ لأنه لا يتمكن من الانتفاع بالثانية فإن تفاوت أجرهما، فعليه أجر أكثرهما إذا كان كل الماء يكفيها؛ لأن الشك وقع في سقوط الزيادة وإن كان ذلك في موضع يكون الحفر على المستأجر، فعليه الأجر كملاً، لأنه هو المعطل لما لم يحفر مع أن الحفر عليه.
ولو استأجر خيمة وانكسر أوتادها فالأجر واجب وليس للمستأجر حق الفسخ لأجله ولو انقطع الأطناب فلا أجر؛ لأن الأطناب على الآجر والأوتاد على المستأجر، وإذا قلع الآجر شجرة من أشجار الضياع المستأجر، فللمستأجر حق الفسخ إن كانت الشجرة مقصودة.
وإذا استأجر الرّجل رجلاً ليذهب بحمولته إلى موضع كذا، فلما ذهب نصف الطريق بدا للمستأجر أن لا يذهب إلى ذلك الموضع ويترك الإجارة، وطلب من الآجر نصف الأجر قال: إن كان النصف الباقي من الطريق مثل الأوّل في الصعوبة والسهولة، فله ذلك وإلا يسترد بقدره والله أعلم.
(8/131)
الفصل التاسع عشر: فيما يكون فسخاً وفي الأحكام المتعلقة بالفسخ وما لا يكون فسخا
-----
كل من وقع له عقد الإجارة، إذا مات تنفسخ الإجارة بموته. (35ب4) ومن لم يقع له العقد لا ينفسخ العقد بموته وإن كان عاقداً يريد به الوكيل والأب والوصي، وهذا لأن موت من وقع له العقد إنما يوجب انفساخ العقد؛ لأن ابتداء العقد انعقد موجباً للاستحقاق عليه، فإذا مات وثبت الملك للوارث سمّي يقيناً العقد يكون الاستحقاق واقعاً على الوارث فيكون خلاف ما وقع عليه العقد ابتداء، فأما إذا لم يقع له العقد لو يقيناً أو العقد بعد موته يكون الاستحقاق على وفاق ما وجد العقد؛ لأن المستحق عليه قائم وكذا المستحق وكذلك المتولي في الوقف إذا عقد ثم مات؛ لأن حكم العقد لم يقع له فموته لا يغير حكمه.
وذكر شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده في آخر شرح كتاب «التحري»: إن من أجر ملك الغير ومات الآجر قبل إجارة المالك أنه تنفسخ الإجارة كما في بيع العين، فإن وقعت الإجارة على شيء بعينه فهلك ذلك الشيء بطلت الإجارة بهلاكه؛ لأن المعقود عليه قد هلك وهلاك المعقود عليه يوجب بطلان العقد.
وإن وقعت الإجارة على دابة بغير عينها بأن استأجر رجلاً حتى يحمل هذا المتاع على إبل فهو جائز؛ لأن المعقود عليه الحمل، وإنه معلوم والإبل آلة الحمل وتعيين آلة الحمل ليس بشرط ثم إذا جاز هذا العقد، وجاء الآجر بإبل ودفعه إلى المستأجر، فمات في يده فعلى الأجير أن يأتي بغير ذلك ليحمل المتاع، وليس له أن يفسخ الإجارة بموت ما سلم؛ لأن المعقود عليه هاهنا إذا لم يعيّن الدابّة فعل الحمل وفعل الحمل كان واجباً عليه في الذمّة، والإبل آلة إيفاء ذلك فإذا هلكت بقي الإيفاء مستحقاً عليه في ذمته كما في الابتداء، فأما إذا عيّن الإبل فالمعقود عليه منفعة دابة بعينها، فإذا هلكت بطل العقد ضرورة.(8/132)
-----
وإذا قال الآجر للمستأجر بع المستأجر فقال: .... لا تنفسخ الإجارة ما لم يبع؛ لأن قوله: بع ليس بصريح في الفسخ بل هو وكيل بالبيع والفسخ من ضرورات البيع فما لم يبع لا يثبت ما هو من ضروراته، وحكي عن بعض المشايخ أن الآجر إذا قال للمستأجر: بع المستأجر من فلان فباعه من غيره جاز.
ولو كان مكان الإجارة رهناً فقال الراهن للمرتهن: بع الرهن من فلان فباع من غيره لا يجوز.
والفرق: إن ثمن الرهن رهن والناس يتفاوتون في اليسار والعسار ولا كذلك ثمن المستأجر، وفي الإجارة الطويلة إذا قال المستأجر للآجر: ما لا حازت يده فقال: بدرهم ينفسخ العقد، وإن لم يدفع وكذلك في باب البيع إذا قال المشتري للبائع: بعها، فقال البائع: هلا بدرهم ينفسخ العقد، إليه أشار محمد رحمه الله في الباب الرابع من «الزيادات»، وعلى هذا قالوا: إذا قال المستأجر: للآجر في الإجارة الطويلة فإن أجازت يده فقال: روايا شد تنفسخ الإجارة، وفي الإجارة الطويلة إذا أخذ مال الإجارة من غير سابقة الطلب إن أخذ الكل تنفسخ الإجارة، وإن أخذ البعض دون البعض.
قال بعض مشايخنا: إن أخذ الأكثر ينفسخ العقد، وإن أخذ الأقل لا ينفسخ وبه كان يفتي الصدر الشهيد رحمه الله وقال بعضهم: لا ينفسخ العقد بأخذ البعض من غير تفصيل، وقال بعضهم: ينفسخ العقد بقدر ما أخذ.
وقال بعضهم: إن أخذ البعض بطريق الفسخ أي: بدلالة تدل على الفسخ ينفسخ العقد في الكل، وإن كان المأخوذ أقلّ وإن أخذ من غير دلالة تدل على الفسخ لا ينفسخ ما لم يأخذ الكل وبه كان يفتي الصدر الامام ظهير الدين المرغيناني.(8/133)
-----
وإذا بعت المستأجر إلى الآجر سيتم نفد شده است تابيالي ويكبري، فلما جاء المستأجر قال الآجر: قد أنفقت الدراهم على نفسي لا تنفسخ الإجارة وإذا قال المستأجر للآجر عند الفسخ: فسخت الإجارة في المحدود الذي استأجرته منك صح الفسخ وإن لم يذكر حدود المستأجر ولا أضاف المستأجر إلى القبالة، وكذلك إذا قال الآجر للمستأجر: فسخت الإجارة في المحدود الذي آجرته منك صح الفسخ.
وفي «فتاوى شمس الإسلام الأوزجندي»: رجل استأجر من رجلين داراً مشتركاً بينهما ثم دفع المفتاح إلى أحدهما وقبل هو انفسخت الإجارة في حصته؛ لأن دفع المستأجر المفتاح وقبول الآجر ذلك دلالة الفسخ والإجارة كما تنفسخ بصريح الفسخ تنفسخ بدلالة الفسخ.
ألا ترى أن المستأجر والآجر لو كانا واحداً ودفع المستأجر المفتاح إلى الآجر، وقبل الآجر ذلك تنفسخ الإجارة بينهما وطريقه ما قلنا.
وإذا باع الآجر المستأجر بغير إذن المستأجر نفذ البيع في حق البائع والمشتري، ولا ينفذ في حق المستأجر حتى لو سقط حق المستأجر يعمل ذلك البيع ولا يحتاج إلى تجديده.
وذكر الصدر الشهيد في الباب الأوّل من رهن «الجامع» في هذا الفصل روايتان، قال: والصحيح أنه لا يحتاج إلى تجديد البيع وإنما أجاز المستأجر البيع نفد البيع في حق الكلّ، ولكن لا تنزع العين من يد المستأجر إلى أن يصل إليه ماله، وإن رضي بالبيع واعتبر رضاه بالبيع تفسخ الإجارة لا للانتزاع من يده، وعن بعض مشايخنا أن الآجر إذا باع المستأجر بغير رضا المستأجر، وسلم ثم أجاز المستأجر البيع والتسليم بطل حقه في الحبس، وإذا باع الآجر بغير رضا المستأجر وأراد المستأجر فسخه فقد ذكرنا في كتاب البيوع أنه ليس له ذلك.(8/134)
-----
وذكر الصدر الشهيد في «الفتاوى الصغرى»: أن له ذلك في ظاهر الرواية، وفي رواية الطحاوي ليس له ذلك، وأحاله إلى رهن الجامع لشمس الأئمة الحلواني رحمه الله، وكان القاضي الامام الإسبيجابي يقول: ليس للمستأجر حق الفسخ وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي رحمه الله، وهكذا ذكره نجم الدين النسفي رحمه الله في شرح «الشافي» والسيد الإمام أبو شجاع في رهن الجامع.
وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده رحمه الله في «شرح الجامع»: إن في المسألة روايتان في رواية ليس له ذلك، وإنه استحسان وعليه الفتوى وقد ذكرنا هذه المسألة في الفصل السابع، وإذا باع الآجر المستأجر برضا المستأجر حتى انفسخت الإجارة أو تفاسخا العقد، أو انتهت المدّة والزرع بقل وقد صار بحال يجوز بيعه بلا خلاف أو كان بحال في جواز بيعه اختلاف المشايخ، فهو للمستأجر، فلو أبرأ المستأجر الآجر عن جميع الخصومات والدعاوي، ثم أدرك الزرع ورفع الآجر الغلة فجاء المستأجر وادعى الغلة لنفسه وخاصم الآجر فيها هل تصح دعواه، وهل تسمع خصومته؟.
فقد قيل: ينبغي أن تسمع؛ لأن الغلة إنما حدثت بعد الإبراء فلا تدخل تحت الإبراء، ولو كان الآجر قد رفع الغلة ثم إن المستأجر أبرأه عن الخصومات والدعاوي، ثم ادعى الغلة بعد ذلك لا تسمع دعواه؛ لأن الغلة كانت موجودة وقت الإبراء فدخلت تحت الإبراء أكثر ما في الباب أن الغلة عين إلا أن الإبراء عن الأعيان، إنما لا تصح بمعنى أنه لا تصير العين ملكاً لمن وقع البراءة أما لا يصح دعوى المشتري العين بعد ذلك، وسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى .
الفصل العشرون: في إجارة النباتِ والأمتعة والحلي (36أ4) والفسطاط وأشباهها
إذا استأجر الرجل ثوباً ليلبسه إلى الليل بأجر معلوم فهو جائز، وكذلك إذا استأجر دابة ليركبها إلى مكان معلوم فهو جائز، ولو لم يبين من يلبس أو من يركب لا يجوز.(8/135)
-----
وفرق بين هذا وبينما إذا استأجر عبداً للخدمة ولم يبين من يخدمه، أو استأجر داراً للسكنى ولم يبين من يسكن حيث يجوز.
والفرق: وهو الناس لا يتفاوتون في اللبس والركوب تفاوتاً فاحشاً فإنّ ربّ إنسان يفسد الثوب إذا ألبسه يوماً كالجزار وآخر لا يفسده، وإن لبسه أياماً كالبزاز وربّ راكب يفسد الدابة إذا ركب عليها يوماً، وآخر لا يفسد إذا ركب عليها شهراً بل يصلحها، ولهذا يبذل الإنسان الأجر للرابض ولا يرضى ركوب غيره دابته، وإذا كان التفاوت فاحشاً كان جهالة الراكب واللابس مفضية إلى المنازعة المانعة من التسليم والتسلم؛ لأن صاحب الدابة يقول للمستأجر: استأجرته ليلبسه ويركبه المستأجر يقول: استأجرته لألبس وأركب غيري فإن ألبسه غيره فهو ضامن إن أصابه شيء، وإن لم يصبه فلا أجر عليه، أما الضمان إذا أصابه شيء، فلأن إلباس غيره لم يدخل تحت العقد؛ لأنه شرط لبسه وفقد هذا الشرط لما ذكرنا أن الناس يتفاوتون في اللبس، وأما عدم الأجر إذا لم يصبه شيء؛ لأنه استوفى فيما ليس بداخل تحت العقد أصلاً والمنافع لا تتقوم بدون العقد.
بيانه: أن التفاوت بين الملابس واللابس باختلاف الجنسين، فهو معنى قولنا: استوفى ما ليس بمعقود عليه، وإنه لا يوجب الأجر فرق بين هذا وبينما إذا استأجر قميصاً ليلبسه فأتزر به ولم يصب الثوب شيء فإنه يجب عليه الأجر استحساناً وقد صار مخالفاً حتى أنه إذا أصاب الثوب شيء، فإنه يضمن، وهاهنا قال: لا يجب الأجر.
والفرق: أن التفاوت الذي بين لبسه وبين إتزاره تفاوت يسير، فلم يلتحقا بجنسين مختلفين فكان موافقاً في أصل المعقود عليه مخالفاً في صفته، فلمكان الوفاق أوجبنا الأجر إذا لم يصبه شيء؛ لأنه استوفاه بحكم العقد ولمكان الخلاف أوجبنا الضمان متى هلك عملاً بهما، فأما التفاوت بين لبسه ولبس غيره تفاوت فاحش فالتحقا بالجنسين المختلفين، فما استوفاه إنما استوفاه بغير عقد؛ فلهذا لم يجب الأجر.(8/136)
-----
وفرق أيضاً: بين هذه المسألة وبينما إذا استأجر حانوتاً ليقعد فيه فاسياً فقعد فيه قصاراً وسلم الحانوت، فإنه يجب الأجر والتفاوت بين سكنى الفاسي وبين سكنى الحداد تفاوت فاحش ثم لم يجعل ما استوفى باعتبار التفاوت الفاحش جنساً آخر غير ما تناوله العقد.
والفرق: وهو أن في تلك العقد انعقد على شيئين على السكنى وعلى العمل، ولا تفاوت في السكنى إنما التفاوت في حق العمل، والعقد انعقد على السكنى، فصار مستوفياً ما تناوله العقد وزيادة واستيفاء الزيادة لا تمنع وجوب الأجر، فأما هاهنا العقد انعقد على شيء واحد وهو اللبس ولبس غيره من يلبسه جنس آخر على ما ذكرنا، فلم يستوف المعقود عليه أصلاً فلهذا لا يجب الأجر.
فإن قيل: يجب كأنه استوفى ما ليس بمعقود عليه إلا أنه كان متمكناً من استيفاء المعقود عليه بأن يلبس بنفسه والتمكن من استيفاء المعقود عليه، لا يمنع وجوب الأجر.
قلنا: التمكن من استيفاء المعقود عليه إن أوجب الأجر إذا لم تزل يد الإجارة، وكما ألبس غيره فقد زالت يد الإجارة، ألا ترى أنه يضمن وإن هلك الثوب لا من لبس الغير، ولما زالت يد الإجارة فلم يوجد التمكن من الاستيفاء حال قيام الإجارة، فلهذا لم يجب الأجر.
ولو استأجر يوماً إلى الليل للبس ولم يبين اللابس أو استأجر دابّة يوماً إلى الليل للركوب ولم يبيّن الراكب حتى فسدت الإجارة، فاختصما إلى القاضي قبل أن يلبس هو أو يلبس غيره، فإن القاضي يفسخ الإجارة بينهما دفعاً للفساد ودفعاً للمعصية وإن لم يختصما حتى لبس هو يوماً إلى الليل، أو لبس غيره فالقياس أن لا تعود الإجارة جائزة ويجب عليه أجر المثل، وفي الاستحسان تعود جائزة ويجب المسمى؛ لأن المعقود عليه متعين حالة العقد من حيث الحكم، إن كان مجهولاً من حيث الحقيقة.(8/137)
-----
بيانه: وهو أن الإجارة يتجدد انعقادها ساعة فساعة على حسب حدوث المنافع، فحال ما يستوفي المنفعة يتجدد العقد والمعقود عليه متعين في تلك الحالة، فهو معنى قولنا: أن المعقود عليه متعين حالة العقد من حيث الحكم ولو كان متعيناً من حيث الحقيقة أليس، إنه يجوز العقد فكذا إذا كان متعيناً من حيث الحكم إذ المقصود، من العقد الحكم لا عينه ولا يصير المستأجر غاصباً الثوب بإلباسه غيره.
والفرق: أن الحاصل يجب العقد هاهنا إما بلبسه أو لبس غيره؛ لأنه استأجره للبس مطلقاً والجمع بين الأجرين في حالة واحدة متعذر، فيكون العقد متناولاً أحدهما، فإنهما مانعين كان هو الداخل تحت العقد، أما في المسألة الأولى الداخل تحت العقد لبسه، فأما لبس غيره فليس بداخل تحت العقد أصلاً فلهذا افترقا.
وإذا استأجر الرجل قميصاً ليلبسه يوماً إلى الليل بدرهم فلم يلبسه ووضعه في منزله حتى مضى اليوم فعليه الأجر.
كما لا فرق بين هذا وبينما إذا استأجر دابة ليركبها إلى مكان معلوم خارج المصر، فأمسكها في منزله في المصر حيث لا يجب الأجر، وقد تمكن من استيفاء المعقود عليه في الفصلين جميعاً، والفرق بناء على الأصل الذي تقدم ذكره في صدر الكتاب أن التمكن من استيفاء المعقود عليه، إنما يوجب الأجر إذا ثبت التمكن في المدّة التي ورد عليها العقد في المكان الذي أضيف إليه العقد.
وفي مسألة الثوب وجد التمكن بهذه الصّفة، أما في مسألة الدابة لم يوجد التمكن في المكان الذي أضيف إليها العقد خارج المصر ولا يثبت التمكن من استيفاء المنفعة خارج المصر، والدابة في المصر حتى لو وجد التمكن بهذه الصفة في مسألة الدابة، بأن ساق الدابة إلى ذلك المكان ولم يركبها نقول بوجوب الأجر.(8/138)
-----
قياس مسألة الدابة من مسألة الثوب، أن لو استأجرها ليركبها يوماً إلى الليل فحبسها في منزله ولم يركبها، وهناك يجب الأجر أيضاً ثم ذكر الضمان، وفرق فيه بين مسألة الثوب وبين مسألة الدابة، فقال: لو أمسك الثوب في منزله ولم يلبسه حتى هلك لا يصير ضامناً، وفي مسألة الدابة قال: يصير ضامناً.
والفرق في أن مسألة الدابة الإمساك حصل بإذن صاحب الدابة لأن صاحب الدابة إنما أذن له بإمساك يجب به الأجر، وفي مسألة الدابة لا يجب بهذا الإمساك على ما ذكرنا، أما في مسألة الثوب هذا الإمساك حصل بإذن المالك؛ لأن الأجر يجب به فيكون حاصلاً بإذن المالك حتى أن في مسألة الدابة لو وجب الأجر بالإمساك في منزله، بأن استأجرها ليركبها يوماً إلى الليل نقول: لا يجب الضمان، إذا هلكت الدابة ولو لم يفعل ذلك ولكن ارتد لي به يوماً إلى الليل فعليه الأجر كاملاً ولا ضمان؛ لأن اللبس على سبيل الإرتداء في إفساد الثوب ليس فوق لبسه قميصاً بل هو مثله (36ب4) أو دونه، فإن كان مثله فقد استوفى المعقود عليه بكماله، وإن كان دونه فقد استوفى بعض المعقود عليه ويمكن من استيفاء الباقي، وفي مثل هذه الصورة يجب الأجر كاملاً ولا يجب الضمان، وإن لم يفعل ذلك ولكنه إئتزر يوماً إلى الليل فهو ضامن إن هلك الثوب في يده ولا أجر؛ لأنه ملكه بالضمان من حين إئتزر به وإن لم يهلك فالقياس أن لا يجب الأجر، وفي الاستحسان يجب.(8/139)
-----
وإذا استأجرت المرأة ذرعاً لتلبسه أياماً معلومة ببدل معلوم فهو جائز، ولها أن تلبسه النهار كله ومن الليل أوله وآخره تلبسه في طرفي الليل، ولا تلبس فيها بين ذلك إذا كان الثوب ثوب ضيافة وتجمل فقد جعل ما بين طرفي في الليل مستثنى مع أن اللفظ تناوله ظاهراً؛ لأن الأيام ذكرت باسم الجمع، فيتناول ما بإزائها من الليالي، إنما فعل هكذا بناء على الفرق، فإن العرف فيما بين الناس أنهم لا يلبسون ثوب الضيافة فيما بين طرفي الليل، والمعروف كالمشروط صريحاً، وإن لم يكن الثوب ثوب ضيافة وتجمل بأن كان ثوب بذلة ومهنة كان لها أن تلبس الليالي كلها لأن اللفظ تناول الليالي كما تناول الأيام ولا عرف بخلاف إذا كان الثوب ثوب بذلة ومهنة، فيعمل فيه لقبضه اللفظ.
فرع على ثوب الضيافة فقال: إذا لبسته الليل كله فتخرق وإن تخرق في الليل فهو ضامن، وإن تخرق في غير الليل بأن تخرق في الغد فلا ضمان، وإن صارت مخالفة باللبس في كل الليل؛ لأن الخلاف ارتفع إذا جاء الغد وعقد الإجارة باق فيعود أميناً كالمودع إذا خالف في الوديعة، ثم عاد إلى الوفاق فقد سوى في حكم البراءة عن الضمان بالعود إلى الوفاق بين المستأجر وبين المودع، وسيأتي الكلام فيه بعد هذا مع ما فيه من اختلاف المشايخ إن شاء الله تعالى.r(8/140)
-----
قال: وليس له أن ينام فيه، يعني في ثوب الضيافة والمراد به النوم في النهار؛ لأنه ليس لها اللبس حالة اليقظة فيما بين طرفي الليل إذا كان الثوب ثوب ضيافة فحالة النوم أولى، فعلمنا أن المراد به النوم في النهار وإنما لم يكن لها ذلك؛ لأن اللبس حالة النوم في ثوب الضيافة صار مستثنى عرفاً؛ لأن اللبس حالة النوم أعنف بالثوب من اللبس حالة اليقظة؛ فإن فعلت ذلك يعني نامت فيه فتخرق الثوب من ذلك، فهي ضامنة وليس عليها أجر في تلك الساعة التي تخرق فيها؛ لأنها كانت غاصبة حال لبسها نائمة ولا أجر على الغاصب وعليها أجر ما قبله وما بعده، أما أجر ما قبله فلأنها استوفته بحكم العقد، وأما أجر ما بعده فلأنها لما انتهت فقد تركت الخلاف، وعقد الإجارة باقي فيعود أميناً وتكون مستوفية بحكم الإجارة.
وطريق معرفة أجر تلك الساعة الرجوع إلى من يعرف الساعات حتى يقسم الأجر على الساعات فيعرف حق تلك الساعة من الأجر، هذا إذا كان الثوب ثوب ضيافة، فأما إذا كان ثوب بذلة كان لها اللبس حالة النوم، لأن ثوب البذلة يلبس حالة النوم عرفاً فلم يصير ذلك مستثنى عن الإجارة لا عرفاً ولا شرطاً.(8/141)
-----
ولو كانت استأجرته لمخرج يخرج به يوماً بدرهم فلبسته في بيتها فعليها الأجر، لأن اللبس وجد فيما قدر به المعقود عليه؛ لأن المعقود عليه مقدر باليوم لا بالمكان؛ لأنه لم يسم المكان الذي يخرج إليه فلم يصح لتقدير المعقود عليه فكان المعقود عليه مقدراً باليوم، وصار ذكر الخروج في حق التقدير هو العدم بمنزلة كأنها استأجرته لتلبسه يوماً إلى الليل، ولم تقل لمخرج تخرج به وهناك إذا لبسته في بيتها كان عليها الأجر بخلاف ما إذا استأجر دابة ليركبها إلى مكان معلوم خارج المصر فركبها في منزله حيث لا يجب الأجر؛ لأن هناك ذكر مكاناً معلوماً ولم يذكر المدة والمكان المعلوم يصلح لتقدير المعقود عليه، فصار المعقود عليه مقدراً بالمكان ولم يوجد الاستيفاء فيه، أما هاهنا بخلافه حتى أنه لو استأجر الدابة ليركبها يوماً إلى الليل، ولم يسم المكان إذا ركبها في منزله يجب الأجر كاملاً كما في مسألتنا، ولو ضاع الثوب منها في اليوم فلا أجر عليها؛ لأن الضياع حال بينها وبين الانتفاع بالثوب فيعتبر بما لو حال بينها وبين الانتفاع به غصب غاصب.
وإن اختلفا في الضياع فقال رب الثوب: لم يضع في اليوم، وقالت هي بل ضاع في اليوم، فإنه يحكم الحال إن كان في يدها وقت المنازعة، فالقول: قول رب الثوب مع يمينه، وإن لم يكن في يدها وقت المنازعة فالقول: قولها هذا إذا ضاع ثم وجد، وإن لم يوجد لم يذكر محمد رحمه الله هذا الفصل في «الكتاب» وينبغي أن يكون القول قولها أيضاً؛ لأنها تنكر وجوب الأجر وإن سرق الثوب منها فلا ضمان بخلاف الأجير المشترك إذا سرق العين من يده، فإنه يضمن على قولهما.(8/142)
-----
والفرق: أن مستأجر الثوب فلم يقبض عامل لرب المال؛ لأن ما يستفيد رب الثوب من المنفعة بقبض المستأجر الثوب أكثر مما يستفيده المستأجر؛ لأن صاحب الثوب يستفيد العين وهو الأجرة والمستأجر يستفيد المنفعة والعين خير من المنفعة فجعل المستأجر في القبض عاملاً لنفسه فأشبه المودع والوديعة إذا سرقت من يد المودع لاضمان عليه، أما أجير المشترك في القبض عامل لنفسه؛ لأن ما يستفيد من المنفعة بسبب هذا القبض أكثر مما يستفيده صاحب المال لأن الأجير يستفيد به عيناً، وصاحب الثوب يستفيد به المنفعة فجعل قابضاً لنفسه، فأشبه الغاصب ولو تخرق الثوب من لبسها فلا ضمان عليها وإن حصل الهلاك بجناية يدها بخلاف الأجير المشترك إذا هلك المال من جناية يده حيث يضمن.
والفرق: أن في مسألتنا الهلاك حصل من عمل ليس بإزائه أجر؛ لأن الفساد حصل من اللبس والأجر ليس بإزاء اللبس بل بإزاء تسليم الثوب للبس، ألا ترى أنه إذا سلم الثوب يستحق الأجر لبست أو لم تلبس والهلاك متى حصل من عمل ليس بإزاء أجر لا يجب الضمان على العامل متى عمل كالعين وأجير الوحد إذا رق وتخرق، أما في الأجير المشترك الهلاك حصل من عمل بإزائه أجر، لأن الهلاك حصل من عمل بإزائه أجر؛ لأن الهلاك حصل من عمل الرق والأجير المشترك لا يستحق الأجر إلا بالرق، فصار الأجير المشترك معارضاً ومطلق المعارضة تقتضي السلامة عن العيب كما في بيع العين.(8/143)
-----
وإذا استأجر الرجل قبة لينصبها في بيته ويبيت فيها شهراً بخمسة دراهم فهو جائز، وإن لم يسم مكان النصب لأن جهالة مكان النصب؛ لا يوقعها في المنازعة، لأن الأمكنة لا تتفاوت في حق الضرر بالغير تفاوتاً معتبراً أو إن نصبها في الشمس والمطر، وكان على القبة في ذلك ضرر فهو ضامن لأن النصب في الشمس والمطر مستثنى من الإجارة عرفاً، لأن الشمّس والمطر يضران بالقبة، ولو شرط أن ينصبها في دار فنصبها في دار أخرى من قبيلة أخرى، ولكن في ذلك المصر فلا ضمان، فرق بين هذا وبينما إذا أودع عند إنسان شيئاً وشرط عليه أن يحفظه في دار فحفظه في دار أخرى من ذلك المصر فإنه يضمن.
والفرق: أن المقصود من الإيداع الحفظ والتحصين والداران متفاوتان في الحرز والتحصين، أما المقصود من الإجارة الانتفاع دون الإحراز والتحصين وفي حق الانتفاع. (37أ4) بالأمكنة على السواء، فإن أخرجها إلى مصر، أو إلى السواد فلا أجر عليه سلمت القبة أو هلكت؛ لأنه استوفى ما لم يتناوله العقد؛ لأن الانتفاع به خارج المصر مما يلحق بالمالك ضرراً كثيراً وهو مؤنة الرد فبحكم كثرة الضرر التحق الانتفاع خارج المصر بجنس آخر.(8/144)
-----
فهو معنى قولنا: استوفى ما لم يتناوله العقد والمنافع لا تتقوم بدون العقد، ولو استأجر فسطاطاً يخرج به إلى مكة يستظل به بنفسه وبغيره لعدم تفاوت الناس فيه، وإن أسرج في الخيمة أو في الفسطاط أو القبة أو علق به فإنه يجوز وله أن يستظل به بنفسه قنديلاً فأفسد فلا ضمان عليه؛ لأنه صنع ما يصنع الناس فكان داخلاً تحت العقد فإن جاوز المعروف المعتاد فهو ضامن، وإن اتخذ فيه مطبخاً فهو ضامن؛ لأنه صنع ما لا يصنع الناس عادة إلا أن يكون معداً لذلك العمل، ولو استأجر فسطاطاً لما يخرج به إلى مكة ذاهباً وجائياً ويحج به ويخرج في يوم كذا فهو جائز، وإن لم يبّين متى يخرج فإن لم يكن لخروج الحاج وقت معلوم بحيث لا يتقدم خروجهم عليه، ولا يتأخر عنه فالإجارة فاسدة قياساً واستحساناً، وإن كان لخروجهم وقت معلوم بحيث لا يتقدم ولا يتأخر، فالإجارة جائرة استحساناً؛ لأن المعلوم عرفاً كالمعلوم شرطاً.
وإن تخرق الفسطاط من غير عنف، ولا خلاف فلا ضمان وإن لم يتخرق ولكن قال المستأجر: لم أستظل تحته ولم أضربه وقد ذهب به إلى مكة فعليه الأجر؛ لأنه تمكن من استيفاء المعقود عليه في المكان الذي أضيف إليه العقد، ولو انقطع أطنابه أو انكسر عوده فلم يستطيع نصبه فلا أجر عليه، ولو اختلفا فيه فهذا على وجهين، إما أن يختلفا في مقدار الانقطاع مع اتفاقهما على أصل الانقطاع، وفي هذا الوجه القول قول المستأجر وإن اختلفا في أصل الانقطاع.(8/145)
-----
ذكر شيخ الإسلام في «شرحه»: أنه يحكم الحال كما لو وقع هذا الاختلاف في انقطاع الماء في إجارة الرحى، وسيأتي الكلام فيه بعد هذا إن شاء الله تعالى هكذا ذكر وهذا الجواب مشكل في مسألة الفسطاط ظاهر في مسألة الرحى؛ لأن الماء قد ينقطع ثم يعود فيمكن تحكيم الحال أما الإطناب إذا انقطع أو العود إذا انكسر يبقى إلى وقت الخصومة كذلك، فكيف يستقيم تحكيم الحال، فإن كان المستأجر اتخذ أطناباً من عند نفسه أو عموداً من عند نفسه ونصبه حتى رجع فعليه الأجر كله؛ لأنه استوفى المعقود؛ لأن المعقود عليه في إجارة الفسطاط السكنى، وقد سكن فيه ولو انكسر الأوتاد فلم يقدر على نصبه حتى رجع فعليه الأجر كله، فرق بين الأوتاد وبين الأطناب والعمود.
والفرق: أن الأوتاد على المستأجر فلم يعجز عن الانتفاع بالفسطاط، أما العمود والأطناب على الآجر، فقد عجز المستأجر عن الانتفاع بالفسطاط، وإذا أوقد ناراً في الفسطاط كان كالسراج، إن أوقد مثل ما يوقد الناس عرفاً وعادة في الفسطاط وأفسد الفسطاط أو أحرق الفسطاط فلا ضمان، وإن جاوز المتعارف فهو ضامن فبعد ذلك ينظر إن أفسد كله بحيث لا ينتفع به ضمن قيمة الكل ولا أجر عليه، وإن أفسد بعضه لزمه ضمان النقصان وعليه الأجر كملاً، إذا كان قد انتفع بالباقي، لأن فساد البعض أوجب نقصاناً في الباقي، فإذا استوفاه مع النقصان صار راضياً بالعيب فيجب عليه جميع الأجر كما لو استأجر داراً فانهدم حائط منها، وأوجب نقصاناً في الباقي فسكن كذلك كان عليه جميع الأجر كذا هاهنا وإن لم يفسد شيء منه وسلم، وكان جاوز المعتاد فالمسألة على القياس والاستحسان، القياس أن لا يجب الأجر.(8/146)
-----
وفي الاستحسان يجب وقد مر جنس هذه المسألة، وإن شرط رب الفسطاط على المستأجر أن لا يوقد فيه ولا يسرج فيه ففعل فهو ضامن وعليه الأجر كملاً إذا سلم الفسطاط؛ لأنه استوفى المعقود عليه وزيادة وإن كان المستأجر لم يخرج بنفسه، فأراد أن يؤاجر الفسطاط من رجل يخرج إلى مكة أو أراد أن يغير ذلك فله ذلك في قول محمد وعلى قولهما ليس له ذلك، وإذا فعل فهو ضامن ولا أجر عليه.
محمد رحمه الله قال: الناس لا يتفاوتون في السكنى في الفسطاط فهو بمنزلة ما لو استأجر داراً أو منزلاً كان له أن يؤاجر من غيره؛ لأن الناس لا يتفاوتون في السكنى والدليل عليه أن من استأجر عبداً للخدمة في طريق مكة فأجره من غيره ليخدمه في طريق مكة أو أعاره منه، فإنه يجوز، إنما جاز لأن الناس لا يتفاوتون في الخدمة.
وهما قالا: إن الفسطاط والخيمة مما ينقل ويحول وينصب ويرفع والناس يتفاوتون في ذلك تفاوتاً فاحشاً ربّ إنسان ينقل الفسطاط شهراً ولا يفسده لمعرفته بنصبه وآخر ينقله أسبوعاً ويفسده لهيبة وقلة مرانه في نصبه ورفعه، وإذا كان فاحشاً منع الإجارة والإعارة من غيره.
كما لو كان المستأجر ملبوساً أو مركوباً بخلاف الدار؛ لأنها مما لا ينقل ولا يحول ولا يرفع ولا ينصب وإنما يسكن فيها لا غير والناس لا يتفاوتون في ذلك تفاوتاً فاحشاً، إلا أن ما يلحقه من زيادة المشقة من جهة التالي يمكنه؛ لأنه حافظ نفسه، ولو أن المستأجر خلّف الفسطاط بالكوفة في بيته أو بيت غيره وخرج بنفسه فلا كراء عليه؛ لأنه لم يتمكن من استيفاء المعقود عليه في المكان الذي أضيف إليه العقد وهو ضامن لها بهذا الإمساك؛ لأن المالك لم يرض بإمساك لا يجب به الأجر والقول قول المستأجر مع يمينه في أنه لم يخرج الفسطاط؛ لأن حاصل اختلافهما في وجود التسليم في المكان الذي أضيف إليه العقد.
(8/147)
-----
قال: ولو كان المستأجر دفع الفسطاط إلى رجل أجنبي ليدفعه إلى صاحب الفسطاط فدفعه ذلك الرجل إلى صاحبه فقد برئا جميعاً، وإن أبى صاحب الفسطاط أن يقبله فليس له ذلك؛ لأن لمستأجر الفسطاط أن يترك الفسطاط ولا يخرجه من الكوفة، كما أن له أن يترك إجارة البيت إذا أراد سفراً، فإن هلك الفسطاط عند هذا الرجل قبل أن يحمله إلى صاحبه.
ذكر أن على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: صاحب الفسطاط بالخيار إن شاء ضمن المستأجر، وإن شاء ضمن ذلك الرجل، ولم يذكر قول أبي حنيفة قالوا: وينبغي على قوله أن يقال: إن كان المستأجر دفع الفسطاط إلى ذلك الرجل قبل أن يصير المستأجر غاصباً، فإن أمسك الفسطاط قدر ما يمسكه الناس إلى أن يرتحل ويسوي أشبابه، إذا كانت الحالة هذه لاضمان على الثاني، لأنه مودع المودع بل أحسن حالاً من مودع المودع؛ لأن مودع المودع إنما أخذها ليحفظ للمودع وهذا إنما أخذ ليحفظ للمودع ويردها على المالك.
ومن مذهب أبي حنيفة رحمه الله: أن المودع الثاني لا يضمن إنما يضمن المودع الأول، فأما إذا أمسك المستأجر الفسطاط زيادة على ما يمسكه الناس حتى يصير غاصباً ضامناً له ثم دفع إلى الثاني يجبر المالك، إن شاء ضمن الأول وإن شاء ضمن الثاني؛ لأن الثاني يكون مودع الغاصب لا مودع المودع ومودع الغاصب (37ب4) ضامن عندهم جميعاً، فإن ضمن المستأجر فالمستأجر لا يرجع بذلك على ذلك الرجل، وإن ضمن ذلك الرجل يرجع على المستأجر.
قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا استأجر الرجلان أحدهما بصري والآخر كوفي فسطاطاً من الكوفة إلى مكة ذاهباً وجائياً بأجر معلوم وذهبا به إلى مكة واختلفا، فقال البصري: إني أريد أن آتي البصرة، وقال الكوفي: إني أريد أن أرجع إلى الكوفة وأراد كل واحد أن يذهب بالفسطاط إلى حيث قصد.(8/148)
-----
فهذا على وجهين: إما أن يذهب البصري بالفسطاط إلى البصرة أو يذهب الكوفي إلى الكوفة، وكل وجه من ذلك على وجهين، إما إن ذهب به بأمر صاحبه أو بغير أمره، فإن ذهب البصري بالفسطاط إلى البصرة إن ذهب به بغير أمر صاحبه فالبصري ضامن للفسطاط كله ولا ضمان على الكوفي وليس عليهما أجر الرجعة، أما البصري فيضمن جميع الفسطاط أما نصيبه؛ لأنه أمسكها في موضع لا يجب عليه الأجر بإمساكه؛ لأن الإجارة عقدت على أن ينتفع بها في طريق الكوفة فإذا انتفع بها في طريق البصرة صار غاضباً.
وأما نصيب الكوفة؛ فلأنه صار غاضباً نصيب الكوفي لأنه ذهب بنصيبه بغير أمره فصار غاصباً نصيب الكوفي ولا أجر عليهما على الكوفي، لأنه غصب منه نصيبه وعلى البصري فلأنه أمسكها في موضع لم يأذن له صاحب الفسطاط بالإمساك فيه في طريق البصرة، فيصير ضامناً كما لو أمسكها بالكوفة هذا إذا ذهب به البصري إلى البصرة بغير أمر الكوفي فأما إذا ذهب به بأمر الكوفي، فالبصري يصير ضامناً لجميع الفسطاط، والكوفي يضمن نصيبه وهو النصف ولا أجر عليهما.
(8/149)
-----
أما البصري يضمن جميع الفسطاط نصيبه؛ لأنه أمسكها في موضع لم يأذن له المالك بالإمساك فيه ونصيب الكوفي؛ لأنه مودع الكوفي إن لم يأذن له بالانتفاع بنصيبه والكوفي غاصب ومودع الغاصب ومستعيره ضامن، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الكوفي لما دفع نصيبه إلى البصري حتى يمسكها في طريق البصرة صار غاصباً، بهذا التسليم؛ لأنه ليس له أن يسلم نصيبه إلى أحد حتى يمسكه في طريق البصرة أو ينتفع به، وإذا صار الكوفي غاصباً بهذا التسليم صار البصري مودع الغاصب أو مستعيره، وإنه ضامن في حق المالك، فصار البصري ضامناً جميع الفسطاط من هذا الوجه، ويضمن الكوفي النصف؛ لأنه لم يوجد منه سبب ضمان في نصيب البصري، إنما وجد منه سبب الضمان في نصيبه ولا أجر عليهما في الرجعة؛ لأنهما أمسكا الفسطاط في موضع لم يأذن لهما المالك بالإمساك فيه فلا يكون عليهما أجر هذا الذي ذكرنا إذا ذهب البصري بالفسطاط إلى البصرة، فأما إذا ذهب الكوفي إلى الكوفة بغير أمر البصري يضمن نصف الفسطاط وهو نصيب البصري فلا يضمن نصيبه وعليه نصف الكراء في الرجعة، ولا يجب على البصري شيء في الرجعة أما يضمن نصيب البصري، لأنه غصب من البصري نصيبه فيصير ضامناً نصيب البصري ولا يضمن نصيب نفسه؛ لأنه لم يمسكها في موضع لم يؤذن له بالإمساك فيه وعليه نصف الكراء؛ لأنه انتفع بنصيبه في طريق الكوفة ولا أجر على البصري في نصيبه في الرجعة؛ لأنه غصب من المستأجر هذا إذا ذهب الكوفي به إلى الكوفة بغير أمر البصري، فأما إذا ذهب به إلى الكوفة بأمر البصري فلا ضمان على البصري في نصيبه على قول محمد رحمه الله سواء أعار منه نصيبه أو أودعه بأن قال: انتفع به يوماً في نوبتك واحفظها يوماً في نوبتي، لأن من مذهب محمد رحمه الله أن لمستأجر الفسطاط أن يعيره من غيره، وأن يودع في المكان الذي أضيف إليه العقد ولا يصير ضامناً بذلك؛ لأنه يجب عليه الأجر بذلك.(8/150)
-----
وأما في قول أبي يوسف رحمه الله: فكذلك الجواب إن أودعها من الكوفي، لأن الفسطاط كان أمانة عندهما وكانا بمنزلة المودعين.
ومن مذهب أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: أن من أودع عند رجلين وديعة لما يقسم أو لا يقسم فأودع أحدهما نصيبه من صاحبه أنه لا يضمن عندهما، فهذا على ذلك.
فإن قيل: يجب أن يضمن البصري؛ لأن المستأجر شيء أودع ما استأجر من غيره يصير ضامناً فيجب أن يضمن البصري حصّته لمن دفع حصته إلى الكوفي وديعة.
قلنا: إنما يضمن بالإيداع إذا كان إيداعاً لا يجب الأجر بإمساك المودع كإمساكه الأجر لا يصير ضامناً، ويكون إمساك المودع كإمساكه والإيداع هاهنا حصل على وجه لا يجب الأجر بإمساك المودع؛ لأنه يمسكها في طريق الكوفة فإمساكه كإمساكه، وإن كان أعار نصيبه من الكوفي أو آخر يجب أن يضمن البصريّ نصيبه على قول أبي يوسف؛ لأنه ليس لمستأجر الفسطاط عند أبي يوسف أن يعير وأن يؤاجر من غيره، والكلام في وجوب الضمان على الكوفي نظير الكلام في وجوب الضمان على البصريّ وعليهما الأجر كملاً.
إن أودع البصريّ نصيبه؛ لأن إمساك الكوفي كإمساكه وإن كان أعار منه لا أجر على البصري؛ لأنه صار مخالفاً وإن ارتفعا إلى القاضي وقصّا عليه القصّة واختصما في ذلك، فإن القاضي إن شاء لم يلتفت إلى ما قالا ما لم يقيما بّينة على ذلك؛ لأنهما يريدان إيجاب حفظ على القاضي في مال الغائب، فكان للقاضي أن لا يلزم ذلك بمجرد قولهما لكن جاء بداية إلى القاضي وقال: وجدتها لقطة من هي بالإنفاق عليهما كان للقاضي أن لا يصدقه فيما قال ما لم يقم البينة، وإن شاء القاضي صدقهما فيما قالا، ثم هو بالخيار إن شاء ترك ذلك في أيديهما، وإن شاء فسخ الإجارة؛ لأن القاضي نصب ناظراً في مال الغائب فإن رأى القاضي النظر للغائب في فسخ الإجارة فسخ؛ لأنه لا يستحق على البصريّ الرجوع إلى الكوفة بسبب إجارته الفسطاط.(8/151)
-----
ألا ترى أنه في أول الأمر حين استأجر الفسطاط لو قال: أقعد بالكوفة ولا أخرج إلى مكة كان له ذلك، فكذلك إذا بلغ مكة إذا قال: لا أخرج إلى الكوفة كان ذلك عذراً له في فسخ الإجارة فكان له أن يفسخ الإجارة، فإن فسخ الإجارة وبعد هذا يؤاجر نصيب البصري من الكوفي إن رغب في إجارة نصيب البصري، حتى يصل إلى الغائب عين الفسطاط مع الأجر ويكون هذا أولى من الإجارة من غيره؛ لأن الرد على صاحب الفسطاط مع الأجر يحصل مع مختار صاحب الفسطاط، فكان أولى من الإجارة من غيره وتجوز هذه الإجارة عندهم جميعاً وإن أجر المشاع؛ لأن إجارة المشاع ممن يملك الانتفاع بالكل جائز عندهم جميعاً.
كما لو أجر من شريكه، وإن لم يرغب الكوفي في إجارة ذلك يؤاجر من غيره إن وجد، لأنه أنفع للغائب من أن يودعه، ولا يؤاجر وتجوز هذه الإجارة وإن أجر المشاع ممن لا يملك الانتفاع؛ لأنه قضى في موضع مختلف فيه فيفنذ قضاؤه بالكل، وإن لم يجد أحداً يؤاجر نصيبه يودع نصيب البصريّ من الكوفي إن رآه ثقة حتى يصل إلى المالك، وإن شاء ترك ذلك في أيديهما؛ لأن في الترك في أيديهما نظر للغائب؛ لأنه إن ذهب البصريّ بالفسطاط كان مضموناً على البصري لو هلك في يده ولو فسخت الإجارة، وبعث بها إلى صاحبه ربما يهلك في الطريق فلا يصل إلى صاحبه لا عينه ولا بدله، فإن مال إلى هذا وفيه نظر للغائب من وجه كان له ذلك.
وإذا تكارى الرجل فسطاطاً من الكوفة إلى مكة ذاهباً وجايئاً. (38أ4) ثم خرج به إلى مكة ثم خلفه بمكة ورجع فعليه الكراء ذاهباً، وهو ضامن لقيمة الفسطاط؛ لأنه أمسك الفسطاط في موضع لم يؤذن له بالإمساك فيه فيصير ضامناً فلو لم يضمنه صاحب الفسطاط ولم يختصما حتى حج من قابل فرجع بالفسطاط فلا أجر عليه في الرجعة؛ لأن العام الثاني غير داخل تحت الإجارة فلا يكون عليه أجر برجوعه في العام الثاني.
(8/152)
-----
وروي عن الحسن البصري أنه قال: لا بأس بأن يستأجر حلي الذهب بالذهب وحلي الفضة بالفضة؛ لأن ما يبدل من الأجر ليس ببدل عن العين ليقال: بيع ذهب بذهب على وجه يعود ذهب إليه فيكون ربا بل الأجر بإزاء منفعة العين والمنفعة مع العين جنسان مختلفان، والربا لا تجري في مختلفين.
وهذا كما لو استأجر داراً فيها صفائح ذهب بذهب، فإنه يجوز وإنما جاز بالطريق الذي قلنا.
وإذا استأجرت المرأة حلياً معلوماً لتلبسه يوماً إلى الليل ببدل معلوم فحبسته أكثر من يوم صارت غاصبة، قالوا: وهذا إذا حبسته بعد الطلب أو حبسته مستعملة، فأما إذا حبسته للحفظ لا تصير ضامنة قبل وجود الطلب من صاحبها وذلك لأن العين تقع أمانة في يدها فلا يصير مضموناً إلا بالاستعمال أو بالمنع بعد وجود الطلب كالوديعة.
بخلاف المستعير، إذا أمسك العين بعد مضي المدة حيث يضمن؛ لأن هناك وجد الطلب من حيث الحكم، لأن من حكم الطلب وجوب الرد وقد وجب الرد عليه بعد مضي المدة، أما في الإجارة لم يوجد الطلب لا من حيث الحقيقة ولا من حيث الحكم ولم يوجد الاستعمال، فلهذا لا يجب الضمان.m(8/153)
-----
والحد الفاصل بين الإمساك للحفظ وبين الإمساك للاستعمال أنه إذا أمسك العين في موضع لا يمسك للاستعمال في ذلك الموضع فهو حفظ فعلى هذا قالوا: إذا تسورت بالخلخال أو تخلخلت بالسوار أو تعمم بالقميص أو وضع العمامة على العاتق، فهذا كله حفظ وليس باستعمال؛ لأن الإمساك وجد في موضع لا يمسك للاستعمال فكان حفظاً وليس باستعمال فلا تضمن، وإن ألبست غيرها في ذلك اليوم فهي ضامنة ولا أجر عليها؛ لأن الناس يتفاوتون في لبس الحلي، وإن استأجره كل يوم بأجر مسمى فحبسته شهراً ثم جاءت به فعليها أجر كل يوم حبسته لأن الإمساك في كل يوم حصل بحكم الإجارة، وإن استأجرته يوماً إلى الليل فإن بدا لها حبسته كل يوم بذلك الأجر فلم ترده عشرة أيام، فالإجارة على هذا الشرط فيما عدا اليوم فاسدة قياساً؛ لأن الإجارة فيما عدا اليوم معلقة بالشرط وهو أن يبدو لها ذلك، وفي الاستحسان يجوز؛ لأن هذا شرط متعارف محتاج إليه، فإنها إذا أخرجت إلى العرض أو إلى وليمة لا يدري كم يبقى فيحتاج إلى مثل هذا الشرط لدفع الضرر والضمان وتعليق الإجارة بمثل هذا الشرط جائز أو نقول: الإجارة فيما عدا اليوم معلق بالمشيئة فكان تفسيراً للقبول، كأنه قال: أجرت فيما عدا اليوم الأول إن قلت: ألا ترى أن من قال لغيره: بعت مثل هذا العبد بألف درهم إن شئت جاز وكان تفسيراً للقبول؛ لأن القبول لا يكون إلا عن مشيئة وصار كأنه قال: بعت منك هذا العبد بألف درهم إن قبلت وذلك جائز كذا هذا والله أعلم.
(8/154)
الفصل الحادي والعشرون: في إجارة لا يوجد فيها تسليم المعقود عليه إلى المستأجر
-----
وفي كتاب «الواقعات» رجل دفع ثوباً إلى خياط ليخيطه فقطعه ومات قبل أن يخيطه؛ قال عيسى بن أبان: لا أجر له؛ لأن الأجر مقابل بالخياطة والقطع ليس من الخياطة ولهذا لو أراد المشتري أن يرجع بنقصان العيب بعد القطع قبل الخياطة، فقال البائع: أنا أقبله كذلك فله ذلك ولو كان القطع بين الخياطة لم يكن له ذلك كما لو خاطه، وقال أبو سليمان: له أجر القطع؛ لأن الأجر مقابل باتخاذ الثوب والقطع من جملته.
وعن أبي يوسف: فيمن استأجر دابة يذهب بها إلى منزله ويركبها إلى موضع قد سماه فدفعها إليه وذهب بها إلى منزله ثم بداله ذلك فردها فعليه من الأجر بحساب ذلك يعني بحساب ما ذهب إلى منزله.
وفي «نوادر ابن سماعة»: عن محمد في خياط خاط ثوب رجل بأجر قبل أن يقبض رب الثوب فلا أجر للخياط؛ لأنه لم يسلم العمل إلى رب الثوب ولا يجبر الخياط على أن يعيد العمل؛ لأنه أجير بحكم العقد الذي جرى بينهما، وذلك العقد قد انتهى بتمام العمل وإن كان الخياط هو الذي فتق، فعليه أن يعيد العمل وهذا؛ لأن الخياط لما فتق الثوب وقد نقض عمله وصار كأن لم يكن بخلاف ما إذا فتقه أجنبي؛ لأنها بفتق الأجنبي لا يمكن أن يجعل كأن الخياط لم يعمل أصلاً وكذلك الإسكاف على هذا.(8/155)
-----
وكذلك المكاري إذا حمل في بعض الطريق فخوفوه فرجع وأعاد الحمل إلى الموضع الأول لا أجر له هكذا ذكر في «الفتاوي» ولم يذكر الجبر على الإعادة وينبغي أن يجبر كما في المسائل المتقدمة ومسألة السفينة التي بعد هذا وكذلك الملاح إذا حمل الطعام إلى موضع سمي في العقد فصرف الريح السفينة وردها إلى مكان العقد فلا أجر للملاح إن لم يكن الذي اكتراها معه؛ لأن العمل لم يقع مسلماً إليه وإن كان معه فعليه الكراء؛ لأن العمل صار مسلماً إليه وإن لم يكن الذي اكترى معه حتى لم يجب الأجر لا يجبر الملاح على أن يعيد الحمل وإن كان الملاح هو الذي رد السفينة أجبر على الإعادة إلى الموضع المشروط لما قلنا: وإن كان الموضع الذي رجعت إليه السفينة لا يقدر رب الطعام على قبضه فيه، فعلى الملاح أن يسلمه في موضع يقدر رب الطعام على قبضه ويكون له أجر مثله فما سار من هذا المسير؛ لأنا لو صححنا التسليم وأجبرنا رب المال على القبض لتلف المال عليه وقد أمكن صون ماله مراعاة حق صاحب السفينة بإيجاب أجر المثل له، فإن قال الذي أكترى السفينة بعدما ردتها الريح: لا حاجة لي في سفينتك، أنا أكتري غيرها فله ذلك رواه هشام عن محمد.
ولو اكترى بغلاً إلى موضع معلوم فركبه فلما سار بعض الطريق جمح به فرده إلى موضعه، فعليه الأجر بقدر ما سار؛ لأن بذلك القدر صار مستوفياً المنفعة بنفسه فإن قال المستأجر للقاضي: مر صاحب البغل فليبلغني إلى حيث استأجرته وله علي الذي شارطته عليه، قال: إن شاء الآجر فعل ذلك وإلا قيل للمستأجر: استأجره إلى المكان الذي بلغت ثم هو يحملك من ثمة إلى حيث استأجرته هكذا رواه هشام عن محمد، قال: وعلى هذا السفينة.
قال في «الجامع الصغير»: وإذا استأجر الرجل رجلاً ليذهب إلى البصرة ويجيء بعياله، فوجد بعضهم ميتاً وجاء بمن بقي فله من الأجر بحسابه؛ لأنه أوفاه بعض العمل فيجب من الأجر بحساب ذلك.(8/156)
-----
حكي عن الفقيه أبي جعفر رحمه الله أنه قال: تأويل المسألة إذا كانت المؤنة قبل نقصان العدد أما إذا كانت مؤنة البعض ومؤنة الكل سواء يجب جميع الأجر، قال: وفيه أيضاً: رجل استأجر رجلاً ليذهب بكتاب له إلى البصرة إلى فلان ويجيء بجوابه فذهب فوجد فلاناً قد مات فرد الكتاب فلا أجر له وهذا قول أبي حنيفة.
وقال محمد: له أجر الذهاب وقول أبي يوسف مضطرب واعلم بأن ها هنا مسألتان (38ب4).
أحدهما: إذا استأجر رجلاً ليذهب بكتاب له إلى البصرة إلى فلان ولم يشترط عليه المجيء بجوابه.
والثانية: أن يشترط عليه المجيء بجوابه، ومحمد رحمه الله ذكر في «الكتاب» ما إذا شرط عليه المجيء بالجواب ولم يذكر ما إذا لم يشترط عليه المجيء بالجواب ولا بد من ذكرهما فنقول فيما إذا لم يشترط عليه المجيء بجوابه: إذا ترك الكتاب ثمة حتى يوصل إليه إذا حضر بأن كان غائباً وإلى ورثته بأن كان ميتاً، فإنه يستحق الأجر كملاً؛ لأنه أتى بأقصى ما في وسعه إذ لا وسع له في الاتصال بأبلغ من هذا الوجه إذا وجد المرسل إليه غائباً أو ميتاً.
وكذلك إذا وجد المرسل إليه ودفع الكتاب إليه، فلم يقرأ حتى عاد من غير جواب فله الأجر؛ لأنه أتى بالمشروط عليه وإن لم يجده أو وجده ولكن لم يدفع الكتاب إليه بل رد الكتاب، فعلى قول أبي حنيفة لا أجر له، وقال محمد: له الأجر في الذهاب، وقول أبي يوسف يضطرب.
وأجمعوا على أنه إذا استأجره ليذهب بطعام له إلى البصرة إلى فلان فذهب ولم يجد فلاناً أو وجده ولكن لم يدفع الطعام إليه بل رده أنه لا أجر له.
وأجمعوا على أنه إذا استأجره ليبلغ رسالته إلى فلان بالبصرة فذهب الرجل ولم يجد المرسل إليه أو وجده إلا أنه لم يبلغه الرسالة ورجع أن له الأجر.
(8/157)
-----
وأجمعوا على أنه لو ذهب إلى فلان بالبصرة ولم يذهب بالكتاب أنه لا أجر له وفيما إذا شرط المجيء بجوابه إذا دفع إلى فلان وأتى بالجواب، فله الأجر كاملاً؛ لأنه أوفى جميع المعقود عليه، ولو كان المكتوب إليه غائباً فدفع إلى آخر ليدفعه إليه أو دفع المكتوب إليه، فلم يقرأ ورجع هذا الرجل فله أجر الذهاب؛ لأنه استؤجر لإيصال الكتاب إليه وللمجيء بالجواب وقد وجد الاتصال بقدر الإمكان ولم يوجد المجيء بالجواب فيجب أجر الاتصال ولو مزق الكتاب.
ذكر في «فتاوى أهل سمرقند»: أن عليه أجر الذهاب في قولهم ولا يفتى به؛ لأنه قد أبطل عمله حيث مزقه وإن رد الكتاب، قال أبو حنيفة: لا شيء له من الأجر وقال محمد: له أجر الذهاب وقول أبي يوسف مضطرب، محمد رحمه الله يقول: رد الكتاب حصل بإذن المستأجر؛ ولأنه فلا يسقط له الأجر كما لو أذن له بذلك نصاً بأن قال: إن لم تجد فلاناً فأت إلي بالكتاب وإنما قلنا ذلك؛ لأنه ربما يكون في الكتاب سراً لا يرضى المرسل بأن يطلع عليه غير المرسل إليه ومتى ترك الكتاب ثمة ربما يفتحه غيره فيطلع عليه فبهذا الاعتبار يصير مأموراً برد الكتاب متى لم يجد فلاناً وربما لا يكون فيه سر فيكون مأموراً بالترك هناك إذا لم يجده حتى يوصل إليه إن كان غائباً وإلى ورثته إن كان ميتاً.
فإذا لم ينص صاحب الكتاب على الترك ثم ولا على الرد ثانياً دخل كلا الأمرين تحت الإذن، كما في الرسالة فإن الرسول يكون مأموراً بترك التبليغ إلى غير المرسل إليه بأن يكون سراً لا يرضى أن يطلع عليه غير الرسول والمرسل إليه، وربما لا يكون سراً فيكون مأموراً بالتبليغ إلى غير المرسل إليه إذا لم يجده حتى يبلغ إليه متى حضر فيحصل مقصود المرسل فدخل كلا الأمرين تحت الإذن فكذلك هذا، وإذا كان كذلك صح قولنا: إن رد الكتاب حصل بإذن المستأجر دلالة.(8/158)
-----
وهذا بخلاف ما لو كان المستأجر شيئاً له حمل ومؤنة، فلم يحمل المرسل إليه فرد ثانياً؛ لأنه غير مأمور بهذا الرد من جهة المالك لا نصا ولا دلالة؛ لأنه لا ضرر عليه متى ترك المحمول على يدي عدل حتى يوصله إليه فلم يثبت الإذن بالرد دلالة بل الثابت دلالة من جهته النهي عن الرد حتى لا يضيع ما لحقه من المؤنة بخلاف الكتاب؛ لأنه ربما يكون فيه سراً لا يرضى بأن يطلع غيره عليه، فإذا لم يأمره بالترك هناك يثبت الإذن بالرد إليه ثانياً فبهذا تعلق محمد رحمه الله وإنه واضح.
(8/159)
-----
وأبى أبو حنيفة رحمه الله ذلك في ذلك إلى أن الرد حصل بغير إذن المالك نصاً ولا دلالة فلا يستحق الأجر قياساً على ما لو أمره بالترك هناك إذا لم يجده وإنما قلنا: إنه حصل بغير إذنه نصاً؛ لأنه أمره بالاتصال إليه لا بالرد ولا دلالة لأن الإذن بالرد لو ثبت دلالة إنما يثبت ليوهم أن يكون في الكتاب سر لا يرضى أن يطلع عليه غيره ولا يجوز أن يثبت الإذن بالرد دلالة من جهة المالك بهذا؛ لأن الحال لا إما أن يكون الكتاب مختوماً أو غير مختوم، فإن كان مختوماً يجد عدلاً لا يفتح الختم فلا يطلع على ما فيه غير المرسل إليه وإن كان غير مختوم لا يكون فيه سراً فإذا أفشى السر لا يتحقق بالترك هناك فلا يثبت الإذن بالرد دلالة بهذا السبب ولم يأذن له بالرد نصاً فكان الرد حاصلاً بغير إذنه وليس كالرسول وذلك؛ لأن الرجوع فبلغ التبليغ إلى غير المرسل إليه حصل بإذن المرسل دلالة وذلك؛ لأنه ربما تكون الرسالة سراً لا يرضى المرسل بأن يطلع عليه أحد ولا يمكنه التبليغ إلى المرسل إليه بحيث لا يطلع عليه غير المرسل إليه، فيصير مأذوناً بالرجوع من غير تبليغ إلى غير المرسل دلالة فأما التبليغ في باب الكتاب بقدر الإمكان بأن يترك الكتاب ثمة ممكن من غير إفشاء ما فيه من السر بأن كان مختوماً، وإن كان غير مختوم فلا يكون فيه سر فلا يثبت الإذن بالرد دلالة، فيكون الرد بغير إذن المالك فلا يستوجب الأجر كما لو كان المحمول شيئاً له حمل ومؤنة.
قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله في شرح إجارات «الأصل»: وينبغي أن لا يسلم فصل الرسالة على مذهب أبي حنيفة رحمه الله ثم الأجير يستحق الأجر على المرسل لا على المرسل إليه؛ لأن الأجر إنما يستحق على العاقد والعاقد هو المرسل لا على المرسل إليه.(8/160)
-----
وذكر الشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزودي رحمه الله هذه المسألة في تطبقه، وذكر قول أبي يوسف مع محمد في «نوادر هشام» عن محمد رحمه الله رجل تكارى سفينة على أن يذهب بها إلى موضع كذا فلم يجد ذلك الشيء ثم رجع قال: يلزمه كراء السفينة في الذهاب فارغة فإن قال: اكتريتها منك على أن تحمل لي الطعام من موضع كذا إلى ها هنا فذهب بها فلم يجد الطعام فرجع بالسفينة فلا شيء له من الكراء.
وروى إبراهيم: رجل استأجر دابة من بغداد ليذهب بها إلى المدائن ويحمل عليها طعاماً من المدائن، فذهب فلم يجد الطعام فإن على المستأجر أجر الذهاب، ولو استأجرها ليحمل عليها من المدائن ولم يستأجرها ليذهب من موضع العقد وباقي المسألة بحاله فإنه لا أجر عليه في الذهاب أيضاً.
والفرق: أن في المسألة الأولى العقد انعقد على شيئين على الذهاب إلى ذلك الموضع والحمل منه إلى ها هنا، وقد ذهب إلى ذلك الموضع فقد استوفى بعض المعقود عليه فيجب الأجر بحصته.
وفي المسألة الثانية: العقد انعقد على شيء واحد وهو الحمل من ذلك الموضع إلى ها هنا ولم ينعقد على الذهاب إلى ذلك الموضع، لأن الذهاب غير مذكور ولم يوجد حمل الطعام من ذلك الموضع فلم يوجد استيفاء المعقود عليه أصلاً فلهذا لا يجب شيء من الأجر.
وعلى هاتين المسألتين قسنا مسألة صارت واقعة للفتوى.
وصورتها: رجل اشترى من آخر شجراً في قرية واستأجر أجيراً لقلعها، وذهب إلى موضع الشجرة ثم إن البائع مع المشتري تقايلا البيع في الشجرة ولم يتهيأ (39أ4) قطع الشجرة هل يجب للأجير أجر الذهاب؟.
فقلنا: إن استأجرا الأجير ليذهبوا إلى موضع الشجرة ويقلعوها فلهم أجر الذهاب؛ لأن العقد انعقد على شيئين على الذهاب والقلع، وإن استأجرهم لقلع الشجرة ولم يتعرض للذهاب في العقد فلا أجر لهم.(8/161)
-----
وفي «النوازل»: رجل اشترى دابة إلى بلدة ليحمل من هناك حمولاً به، فجاء المكاري فقال: ذهبت فلم أجد الحمل فإن صدقه المستكري في ذلك فعليه أجر الذهاب خالياً من غير حمل وقوله: إلى بلدة كذا بمنزلة قوله: ليذهب بها إلى بلده كذا.
وفي «فتاوى الفضلي»: استأجر دابة في المصر ليحمل الدقيق من الطاحونة أو ليحمل الحنطة من قرية كذا فذهب فلم يجد الحنطة طحنت أو لم يجد الحنطة من القرية، فعاد إلى المصر ينظر إن كان قال: استأجرت منك هذه الدابة من هذه البلدة حتى أحمل الدقيق من طاحونة كذا يجب نصف الأجر؛ لأن الإجارة وقعت صحيحة من البلدة إلى الطاحونة من غير حمل شيء فيجب نصف الأجر بالذهاب ثم الإجارة من الطاحونة إلى البلدة إنما كانت بشرط حمل الدقيق ولم يوجد فلا يجب الأجر، فأما إذا كان قال: استأجرت منك هذه الدابة بدرهم حتى أحمل الدقيق من الطاحونة فها هنا لا يجب الأجر في الذهاب.
وفي «فتاوى أهل سمرقند»: استأجر رجلاً ليذهب إلى موضع كذا ويدعو فلاناً بأجر مسمى فذهب الرجل إلى ذلك الموضع فلم يجد فلاناً يجب الأجر.
وفي «فتاوى الأصل»: استأجر رجلاً ليقطع له الأشجار في قرية بعيدة ولم يتعرض للذهاب والمجيء فلا أجر على المستأجر في ذهابه ومجيئه؛ لأن المعقود عليه العمل وهو قطع الأشجار ولم يعمل في ذهابه ومجيئه.
الفصل الثاني والعشرون: في بيان التصرفات التي يمنع المستأجر عنهاوالتي لا يمنع وفي تصرفات الآجر
وإذا استأجر داراً أو بيتاً ولم يسم الذي يريدها له حتى صارت الإجارة استحساناً لا قياساً على ما مر قبل هذا كان للمستأجر أن يسكنها وأن يسكنها من شاء؛ لأن الإجارة انصرفت إلى السكنى عرفاً ولو انصرفت إلى السكنى نصاً كان له أن يسكنها وأن يسكنها من شاء؛ لأن الناس لا يتفاوتون في السكنى ولو وقع التفاوت كان يسيراً فلا يعتبر وله أن يضع متاعه فيها. لأن هذا من جملة السكنى وله أن يربط فيها دوابه.(8/162)
-----
قال مشايخنا رحمهم الله: إنما يكون له ولاية ربط الدواب فيها إذا كان فيها موضعاً معداً لربط الدواب فأما إذا لم يكن فليس له ولاية ربط الدواب، وما ذكر في «الكتاب» فهو بناء على عرف ديارهم؛ لأن في ديارهم الربط يكون في الدار لسعة دورهم، أما في ديارنا فبخلافه وله أن يعمل فيها ما بدا له من العمل مما لا يضر بالبناء ولا يوهنه نحو الوضوء وغسل الثياب أما كل عمل يضر بالبناء ويوهنه نحو الرحى والحدادة والقصارة، فليس له ذلك إلا برضا صاحبه؛ لأن كل عمل هذا حاله فهو مستثنى عن الإجارة بحكم العرف فيعتبر ما لو كان مستثنى عن الإجارة بحكم الشرط.
يوضحه: أن الإجارة وضعت للانتفاع مع بقاء العين مما يؤدي إلى فساد العين لا يكون داخلاً تحت الإجارة.
بعض مشايخنا قالوا: أراد بالرحى رحى الماء ورحى الثور لا رحى اليد، وبعض مشايخنا قالوا: يمنع عن الكل، وبعضهم قالوا: إن كان رحى اليد يضر بالبناء يمنع عنه وإلى هذا مال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله وعليه الفتوى.
وأما كسر الحطب فيها فقد ذكر بعض مشايخنا أنه لا يمنع عن المعتاد؛ لأنه من جملة السكنى وبعضهم قالوا: يمنع ويؤمر بالكسر خارج الدار؛ لأنه يؤثر في البناء والبناء لا محالة فلو أنه أقعد فيه قصاراً أو حداداً أو عمل ذلك بنفسه، فانهدم شيء من البناء ضمن قيمة ذلك لأن الانهدام أثر للحدادة والقصارة لا أثر السكنى؛ لأن مجرد السكنى لا يؤثر في الانهدام فيضاف بالانهدام على الحدادة والقصارة وإنها ليست بداخله تحت العقد فيكون متعدياً فيها فيضمن ما تلف بها ولا أجر عليه فيما ضمن؛ لأن الأجر مع الضمان لا يجتمعان وإن لم يهدم شيء من البناء من عمل الحدادة والقصارة لا يجب الأجر قياساً؛ لأن عمل الحدادة والقصارة غير داخل تحت العقد صار الحال فيه بعد العقد والحال قبل العقد سواء ويجب الأجر المسمى استحساناً؛ لأن المعقود عليه السكنى.
(8/163)
-----
وفي الحدادة سكنى وزيادة فقد استوفى المعقود عليه وزيادة فهو بمنزلة ما لو استأجر دابة ليحمل عليها عشرة مخاتم حنطة فحمل أحد عشر وسلمت الدابة وهناك يجب الأجر كذا ها هنا فإن اختلف الآجر والمستأجر في ذلك فقال المستأجر: استأجرت للحدادة وقال الآجر: أجرت للسكنى دون الحدادة فالقول قول الآجر، لأنه لو أنكر الإجارة أصلاً كان القول قوله، فكذا إذا أنكر الإجارة في نوع دون نوع؛ ولأن الحدادة والقصارة مما لا يستحق بمطلق العقد وإنما يستحق بالشرط والمستأجر يدعي زيادة شرط على مطلق العقد والآجر ينكر والقول قول المنكر وإن أقاما البينة فالبينة بينة المستأجر لأن المستأجر يثبت زيادة شرط.
ومما يتصل بهذه المسألة: إذا استأجر الرجل من آخر داراً على أن يقعد فيها حداداً فأراد أن يقعد فيها قصاراً له ذلك إن كانت مضرتهما واحدة أو كانت مضرة القصارة أقل وكذلك الرحى على هذا وإنما كان كذلك؛ لأنه ليس في ذلك على صاحب الدار زيادة ضرر لم يرض به.
فإن قيل: ينبغي أن لا يكون له ذلك؛ لأن هذا خلاف من حيث الجنس، فإن الحدادة مع القصارة جنسان مختلفان ولا عبرة للضرر والمنفعة حالة الخلاف في الجنس.
ألا ترى إن وكل رجلاً بأن يبيع عبده بألف درهم فباع بألف دينار لم يجز؛ لأنه خالف الجنس، والجواب عنه أن المخالفة فيما يكن فيه في الصفة لا في الجنس؛ لأن أصل المعقود عليه في الموضعين جميعاً السكنى في الدار إلا أن صفة السكنى تختلف، والمخالفة متى كانت في الصفة لا في الجنس، فالعبرة في ذلك للضرر والمنفعة وكان بمنزلة ما لو وكله بأن يبيع بألف زيوف، فباع بألف جياد جاز ذلك.
قال: رجل تكارى منزلاً أو داراً من رجل على أن يسكن فيها فلم يسكنها ولكنه جعل فيها طعاماً حنطة وشعيراً وتمراً وغير ذلك وأراد رب الدار أن يمنعه قال: لأنه يخرب الدار فليس له ذلك.(8/164)
-----
علل وقال: لأن وضع هذه الأشياء من جملة السكنى الذي يرتفق الناس بها من المساكن، فيكون داخلاً تحت العقد فلا يكون لصاحب الدار أن يمنعه من ذلك كما لا يمنعه من السكنى.
رجل استأجر داراً أو حفر فيها بئراً للماء وليتوضأ فيها فعطب فيها إنسان ينظر إن كان حفر بإذن رب الدار فلا ضمان كما لو حفر رب الدار بنفسه وهذا؛ لأنه غير متعد في الحفر بإذن رب الدار؛ لأن لرب الدار حفره بنفسه فكان له الإذن بالحفر والتسبب إذا لم يكن متعدياً في التسبيب لا يضمن وإن كان قد حفر بغير إذن رب الدار فهو ضامن؛ لأنه متعد في الحفر بغير إذن رب الدار؛ لأنه حفر في موضع ليس له حق الحفر؛ لأن الحفر يصرف في رقبة الدار (39ب4) والمستأجر يملك التصرف في منفعة الدار لا في رقبته.
رجل استأجر من رجل حانوتاً وحانوتاً آخر من رجل آخر فنقب أحدهما إلى الآخر يرتفق بذلك فإنه يضمن ما أفسد من الحائط ويضمن أجر الحانوتين بتمامه، أما يضمن ما نقب من الحائط؛ لأنه نقب حائط غيره بغير أمره وعليه أجر الحانوتين كملاً، وإن ضمن بعض ما استأجر، فرق بين هذا وبين مسألة تأتي بعد هذا.
وصورتها: إذا استأجر بيتاً ولم يشترط أنه يقعد فيه قصاراً أو حداداً فقعد فيه قصاراً أو حداداً حتى انهدم البيت قال: يضمن ما انهدم ولا أجر عليه فيما ضمن فقد أسقط عنه أجر ما ضمن في تلك المسألة ولم يسقط شيئاً من الأجر ها هنا، وإنما فعل هكذا؛ لأن النقب في مسألتنا لم يضر بالسكنى.
ألا ترى لو حصل مثل هذا بآفة سماوية فإنه لا يجبر المستأجر إذا لم يضر بالسكنى وإذا لم يضر هذا النقب بالسكنى صار مستوفياً جميع المعقود عليه من ملك الآجر بتمامه فكان عليه جميع الأجر فأما المسألة التي تأتي بعد هذا وضع المسألة أنه انهدم البيت كله وانهدام البيت كله مما يضر بالسكنى.k(8/165)
-----
ألا ترى لو حصل هذا بآقة سماوية يجبر المستأجر المشتري، فإذا حصل بفعل المستأجر وصار قدر ما ضمن ملكاً له من وقت العقد سقطت حصته من الأجر؛ لأنه لم يستوف جميع ما ورد عليه العقد من ملك الآجر بل يستوفي البعض من ملكه والبعض من ملك الآجر.
وإذا تكارى منزلاً من رجل سنة بعشرة دراهم فخرج الرجل من البيت وعمل أهله وأكروا من المنزل بيتاً أو أنزلوا إنساناً بغير أجر فانهدم البيت الذي أسكنوه فيه فهذا على وجهين: إما أن ينهدم من سكنى الساكن أو من غيره وفي الحالين لا ضمان على المستأجر؛ لأنه لم يوجد منه جناية وهل يضمن الأهل والساكن؟ إن حصل الانهدام لا من سكناه فلا ضمان على واحد منهما في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف الأجر، وعلى قول محمد يجب الضمان بناء على أن الدور والعقار لا تضمن بالغصب عند أبي حنيفة وأبي يوسف الأجر، وعلى قول محمد يضمن، والأهل غاصب والساكن غاصب الغاصب، ويكون لصاحب الدار الخيار على قوله فإن ضمن الأهل فالأهل لا يرجع على الساكن وإن ضمن الساكن فالساكن يرجع على الأهل وإن انهدم من سكنى الساكن فالساكن يضمن بالإجماع فالعقار يضمن بالإتلاف بالإجماع والساكن يتلف ها هنا لما انهدم سكناه وهل له تضمين الأصل فالمسألة على الاختلاف الذي ذكرنا.(8/166)
-----
وإذا تكارى منزلاً ولم يسم ما يعمل فيه فقعد فيه حداداً أو قصاراً فهذا على وجهين: إما إن انهدم الدار من عمله وفي هذا الوجه عكسه ضمان ما انهدم وقد مرت هذه المسألة في أول هذا الفصل قال: ولا أجر عليه فيما ضمن؛ لأنه ملك المضمون بالضمان من وقت العقد؛ لأن سبب الضمان مجموع عمل الحدادة والقصارة لا الحز والأخير الذي حصل الانهدام عقيبه وإذا صار الانهدام مضافاً إلى الكل صار هذا العمل من وقت العقد سبب ضمان فيملكه من ذلك الوقت، وإذا ملك المضمون من ذلك الوقت انقطعت به الإجارة فلا يكون عليه الأجر فيما ضمن ولم يقل في «الكتاب» إنه هل يجب الأجر فيما لم يضمن وهو الساحة وينبغي أن يجب؛ لأن امتناع الوجوب فيما ضمن لثبوت الملك للمستأجر فيما ضمن من وقت العقد ولم يثبت له الملك في الساحة؛ لأن الملك حكم الضمان ولا يجب الضمان في الساحة وإن لم تنهدم الدار من عمله يجب الأجر استحساناً وقد مرّ وجهه في أول هذا الفصل.
وإذا ربط المستأجر دابته على باب الدار المستأجرة وضربت إنساناً فمات أو صدمت حائطاً، قال: الضمان عليه؛ لأن ربط الدابة على باب المنزل من مرافق المنزل عرفاً فالناس في عاداتهم يرتفقون بالساكن بربط الدواب، وإذا كان هذا من مرافق السكنى عرفاً ملكه المستأجر بالإجارة فلم يكن متعدياً في فعله ذلك فلا يصير ضامناً ولو أدخل صاحب الدار دابته في الدار المستأجرة أو ربطها على بابها فأوطأت إنساناً فهو ضامن إلا إذا فعل ذلك بإذن المستأجر أو دخل الدار متعمداً لزم منها ما انهدام.
وهذا بخلاف ما لو أعار رجل داره من رجل ثم إن المعير ربط دابته على باب الدار أو ضربت إنساناً أو هدمت جداراً فإنه لا ضمان؛ لأن بعد الإعارة بقي للمعير ولأنه ربط الدابة على بابها فلا يكون متعدياً في فعل ذلك.(8/167)
-----
وإذا تكارى داراً من رجل شهراً بدرهم وفي الدار بئر فأمر الآجر المستأجر أن يكنس البئر ويخرج ترابها منها فأخرج وأبقاها في صحن الدار فعطب به إنسان فلا ضمان على المستأجر سواء أذن له رب الدار أن يلقي التراب في صحن الدار أو لم يأذن لأن وضع التراب على ظاهر الدار من جملة الانتفاع بالدار وللمستأجر ذلك.
ألا ترى أن له أن يضع لبنة نفسه وتراب نفسه في صحن الدار وكان له وضع هذا التراب في صحن الدار أيضاً، وإذا كان له ذلك لم يكن هو في هذا الفعل متعدياً فلا يضمن، كما لو وضع أمتعة أخرى لنفسه.
فرق بين هذا وبينما إذا حفر المستأجر بئراً فيها بغير إذن رب الدار، والفرق: أن الحفر يصرف في رقبة الدار وليس بانتفاع بالدار وبعقد الإجارة لا يملك التصرف في رقبة الدار فمتى كان بغير إذن رب الدار كان متعدياً فيه فيضمن ما هلك به هذا إذا كنس المستأجر وإلقاء الطين في صحن الدار وإن فعل الآجر البئر ذلك وألقى الطين في صحن الدار فعطب به إنسان إن فعل ذلك بإذن المستأجر فلا ضمان وإن فعل بغير إذن المستأجر فعليه الضمان.
والجواب نظير الجواب فيما إذا وضع متاعاً آخر له في الدار المستأجرة فيعقل به إنسان وهذا لأن وضع الشيء به في الدار من جملة الانتفاع بالدار والانتفاع بالدار صار للمستأجر بعقد الإجارة فلم يبقى للآجر فيصير متعدياً فيما صنع هذا إذا حصل إلقاء التراب في صحن الدار وإن حصل إلقاء التراب خارج الدار في طريق المسلمين فعطب به إنسان، فالملقي ضامن الآجر والمستأجر في ذلك على السواء إذ ليس لواحد منهما ولاية شغل الطريق بالتراب وغيره.(8/168)
-----
رجلان استكريا بيتين في دار كل واحد منهما بيتاً على حدة فعمد كل واحد منهما وأعطى صاحبه بيته وسكن فيه صاحبه فانهدم إحدى البيتين أو كلاهما فلا ضمان على واحد منهما؛ لأن كل واحد منهما مستأجراً سكن غيره فيما استأجر وإن سكن كل واحد منهما بيت صاحبه من غير إذن صاحبه، فإنه يضمن كل واحد منهما ما انهدم من سكناه عندهم جميعاً لأن كل واحد منهما صار غاصباً للبيت الذي سكن فيه وما انهدم من غير سكناه ففي وجوب الضمان خلاف معروف ولا أجر على المستأجر في بيته؛ لأن المستأجر قد غصب بيته.
رجلان استأجرا حانوتاً يعملان فيه هما بأنفسهما فاستأجر أحدهما أجراء وأقعدهم في الحانوت مع نفسه وأبى صاحبه ذلك قال: له أن يقعد في نصيبه من شاء ما لم يدخل على شريكه ضرر بيّن بأن يصير آخذاً شيئاً من نصيب صاحبه معين بإقعاد أجرائه وهذا؛ لأن كل واحد منهما ملك منفعة نصف الحانوت، فكل لكل واحد الانتفاع به لا الزيادة على ذلك وإن أراد أحدهما أن يبني في وسط الحانوت بناء فليس له ذلك؛ لأنه تصرف في رقبة الحانوت وليس للمستأجر ذلك وإذا بنى المستأجر تنوراً أو كانوناً في الدار المستأجرة فاحترق (40أ4) بعض بيوت الجيران أو احترق بعض الدار لا ضمان عليه فعل بإذن رب الدار أو بغير إذنه؛ لأن هذا الانتفاع بظاهر الدار على وجه لا يغير هيئة الباقي إلى نقصان بخلاف الحفر؛ لأنه تصرف في رقبة الدار وبخلاف البناء؛ لأنه يوجب تغير هيئة الباقي إلى نقصان فإن صنع المستأجر في نصب التنور شيئاً لا يصنعه الناس من ترك الاحتياط في وضعه أو أوقد ناراً لا يوقد مثله في التنور في البيوت كان ضامناً.
(8/169)
الفصل الثالث والعشرون: في استئجار الحمام والرحى
-----
وإذا استأجر الرجل حماماً شهوراً معلومة بأجر معلوم فهو جائز؛ لأنه استأجر ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه فيجوز كما لو استأجر داراً أو بيتاً، فإن كان حماماً للرجال وحماماً للنساء وقد حددهما جميعاً إلا أنه سمى في الإجارة حماماً، فالقياس أن لا تجوز هذه الإجارة، وفي الاستحسان تجوز.
وجه القياس: أن المعقود عليه مجهول وجهالة المعقود عليه توجب فساد الإجارة، كما لو قال: استأجرت منك هذين الحمامين وإنما قلنا ذلك؛ لأنه استأجر حماماً والحمام اسم للفرد لا للتثنية، وإذا كان اسماً للواحد كان المستأجر أحدهما فيكون المعقود عليه مجهولاً فهذا وجه القياس.
ووجه الاستحسان أن المعقود عليه معلوم فتكون الإجارة جائزة، كما لو قال: استأجرت هذين الحمامين وإنما قلنا ذلك وذلك؛ لأن التثنية إن لم توجد نصاً وجد معنى بالتحديد فإن حدد الحمامين جميعاً والثابت بالتحديد كالثابت نصاً.
فإن قيل: إن تثبت التثنية بالتحديد لم تثبت التثنية باعتبار التسمية، فإنه سمى الحمام وإنه اسم للفرد لا للتثنية، فإن جاز باعتبار التحديد لا يجوز باعتبار التسمية فلا يجوز.(8/170)
-----
والجواب عنه: أن التثنية تثبت بالتحديد من حيث المعنى حقيقة وبالتسمية من حيث المجاز، فإن الحمام يذكر في العرف باسم الفرد، ويراد به التثنية فإنه يقال: هذا حمام فلان وإن كان حمامان، وإذا ثبتت التثنية باعتبار التحديد معنى، وباعتبار التسمية من حيث المجاز يرجع جانب الجواز قال مشايخنا: هذا إذا كان باب الحمامين واحداً والدهليز واحداً أما إذا كان لكل واحد منهما باب على حدة لا يجوز العقد حتى يسميهما، وعمارة الحمام في إصلاح قدره ومسيل مائة وما لا يتهيأ الانتفاع إلا به على الآجر؛ لأنه من مرافق الحمام فيكون في إصلاحه إصلاح الحمام وإن شرط المرمة على المستأجر فسدت الإجارة؛ لأن قدر المرمة يصير أجرة وإنه مجهول، ولو شرط رب الحمام على المستأجر وعشرة دراهم كل شهر لمرمته مع الأجر كان جائزاً؛ لأن جميع الأجر معلوم وهذا هو الحيلة لجواز الإجارة متى أراد أن يجعل بعض المرمة أجراً حين قدر ما يحتاج إليه للمرمة في الإجارة، ثم يأمره بصرف ذلك إلى المرمة فيصير وكيلاً من جهته بالإنفاق عليه.
هكذا ذكر في «الكتاب»: ولم نجد فيه خلافاً من مشايخنا من قال ما ذكر في «الكتاب» قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، فأما على قول أبي حنيفة رحمه الله لا يجوز هذا التوكيل إذا لم يعين الآجر أو باعه الآلات؛ لأن المصروف إليه الدين يكون مجهولاً وهذا يمنع جواز الوكالة على مذهبه، كما لو قال: أسلم ما لي عليك من الدين ولم يبين المسلم إليه، ومنهم من قال: بأنه يجوز بلا خلاف فيحتاج أبو حنيفة رحمه الله إلى الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة البيوع.
(8/171)
-----
ووجه الفرق له وهو: أن حالة التوكيل بشراء الآلة واستئجار الأجراء للأجرة غير واجبة حتى يكون أمراً بصرف الدين إلى المجهول فلا يجوز وإذا لم تكن الأجرة حالة التوكيل كان بمنزلة ما لو وكله بهذا قبل الإجارة وقبل الإجارة لو وكله بهذا جازت هذه الوكالة وإن لم يعين بائع الآلة ولا الآجر إلا أنه ليس له على الوكيل دين حتى يصير أمراً له بصرف الدين إلى المجهول، فجاز فكذلك بهذا الخلاف مسألة السلم، لأن الدين واجب حالة التوكيل فإذا وكله بذلك ولم يعين المسلم إليه فقد أمره بصرف ما عليه من الدين إلى المجهول فلم يجز.
كما لو قال: أدّ ما لي عليك رجلاً من عرض الناس حتى لو كانت الأجرة واجبة وقت التوكيل يجب أن لا تجوز على قول أبي حنيفة ما لم يعين الأجراء وباعه الآلات كما في مسألة السلم، فإن قال المستأجر: قد رهنت الحمام بها لم يصدق والقول قول رب الحمام؛ لأنه يدعي إبقاء ما عليه من الأجر ورب الحمام ينكر فيكون القول قول رب الحمام إلا أن يقيم البينة على ذلك، كما لو ادعى الإيفاء حقيقة وإن أراد المستأجر أن يقبل قوله في ذلك من غير حجة.
فالحيلة أن يدفع العشرة إلى رب الحمام ثم يدفعها رب الحمام إليه ويأمره بإنفاقها في مرمة الحمام، فيكون أميناً.
وحيلة أخرى لإسقاط الحجة عن المستأجر أن يجعلا لمقدار المرمة عدلاً حتى يكون القول قول العدل فيما ينفق؛ لأن العدل أمين وليس لرب الحمام أن يمنع المستأجر بئر الماء ومسيل ماء الحمام أو موضع سرقينه وإن لم يشترط وكذلك كل شيء لا يتمكن المستأجر من الانتفاع بالحمام إلا به فهو على هذا وإنما كان كذلك؛ لأن هذه الأشياء من مرافق الحمام ومرافق المستأجر تدخل في الإجارة من غير شرط؛ لأنه لا يتهيأ الانتفاع بالمستأجر إلا به كما يدخل الطريق.(8/172)
-----
قال: ولو أن مسيل الماء الحمام امتلأ فإنه يجب على المستأجر تفريغ ذلك ظاهراً كان أو باطناً، إن كان ظاهراً فلا إشكال، وإن كان باطناً فكذلك يجب على المستأجر بخلاف البالوعة إذا امتلأت من جهة المستأجر فإن التفريغ يجب على الآجر.
ووجه الفرق: أن تفريغ مسيل الماء ممكن من غير نقص شيء من البناء؛ لأنه يكون مجصصاً مسقفاً يمكن تنقيصه بالدخول فيه من غير نقض شيء من البناء فأشبه ظاهر التعويض من هذا الوجه بخلاف بئر البالوعة؛ لأنه لا يمكن تفريغه إلا بنقض شيء من البناء ولا يملك المستأجر نقض شيء من البناء إنما يملكه رب الدار فجعل على رب الدار وإن حصل التكفل من جهته قال: ولو أن رب الحمام اشترط على المستأجر نقل الرماد والسرقين، فإن ذلك لا يفسد الإجارة فلأنه شرط في الإجارة ما تقتضيه الإجارة من غير شرط؛ لأن نقل الرماد والسرقين الذي اجتمع من عمل المستأجر عليه فلا يوجب فساد الإجارة، وإن شرط على رب الحمام أوجب فساد الإجارة؛ لأنه شرط فيها ما لا تقتضيه الإجارة ولأحد المتعاقدين فيه منفعة فيوجب فساد العقد.
قال: وإذا استأجر الرجل من رجل حمامين أشهراً مسماة كل شهر بأجر معلوم فانهدم أحدهما، فهذا على وجهين: إما أن ينهدم أحدهما قبل القبض أو بعده، فإن انهدم أحدهما قبل القبض كان المستأجر بالخيار فيما بقى إن شاء أخذ الباقي، كما لو اشترى عبدين فهلك أحدهما قبل القبض كان له الخيار في الباقي إن شاء أخذه بحصته من الثمن وإن شاء ترك فكذلك هذا.
فرّق بين هذا وبينما إذا استأجر حماماً سنة بكذا فلم يسلم إلى المستأجر شهرين ثم سلم في الباقي وأبى المستأجر فإنه يجبر على قبضه والصفقة تفرقت على المشتري قبل التمام ولم يثبت الخيار للمستأجر ثمة وأثبت هاهنا.(8/173)
-----
ووجه الفرق بينهما: أنه كان المستأجر حماماً واحداً ولم يسلم في بعض المدة فإنما تفرقت الصفقة في حق المنافع لا في حق العين، فإنه سلم العين كله؛ لأنه لم يفت من العين شيء وتفرق التسليم في حق المنافع لا يثبت للمشتري خياراً لأنه لم يستحق على الآجر تسليم المنافع جملة؛ لأنه ليس في وسع الآجر ذلك وإنما لا يستحق عليه تسليمه جملة (40ب4) لا يثبت للمشتري خياراً كما لو ملك أعياناً بصفقات متفرقة، فأما إذا هلك أحد الحمامين فقد تفرق على المستأجر تسليم ما استحق على الآجر تسليمه جملة وتسليم العين جملة ممكن ويفرق التسليم قبل إتمام على العاقد فيما استحق تسليمه جملة يثبت له خياراً، فقد فرق بين المسألتين من هذا الوجه هذا إذا انهدم أحدهما قبل القبض، فأما إذا انهدم أحدهما بعد القبض فلا خيار للمستأجر؛ لأن الصفقة تفرقت بعد التمام على وجه لم يوجب تعييب الباقي، فإن انهدم أحدهما لا يوجب خللاً في منفعة الباقي لتباين مرافقهما وتفرق الصفقة بعد التمام إذا لم يوجب تعييب الباقي لا يثبت للمشتري خياراً.
كما لو اشترى عبدين وقبضهما ثم هلك أحدهما بعد القبض قالوا: وعليه إشكال كان يجب أن يثبت الخيار هاهنا، وإن انهدم أحدهما بعض القبض؛ لأن الصفقة تفرقت قبل التمام؛ لأن المنافع لم تصر مقبوضة بقبض الحمام ولا تتم الصفقة إلا بقبض المعقود عليه إلا أن الجواب عن هذا الإشكال ما ذكرنا أن الصفقة تفرقت قبل التمام في حق المنافع أما في حق العين تفرق بعد التمام وتفرق الصفقة في حق المنافع لا يثبت للمستأجر خياراً.(8/174)
-----
لأنه لم يستحق على الآجر تسليمه جملة؛ لأنه ليس في وسع الآجر ذلك وإنما استحق تسليمه متفرقاً على حسب ما وجد وتفرق التسليم فيما استحق تسليمه متفرقاً لا يثبت للعاقد خياراً، فأما إذا انهدم قبل القبض فقد تفرق التسليم في حق العين قبل التمام وتفرق التسليم في حق العين يثبت للعاقد خيار الفسخ؛ لأنه استحق تسليمه جملة لما كان في وسع الآجر تسليمه جملة، هذا إذا كان المستأجر حمامين، فأما إذا كان المستأجر حماماً واحداً ثم انهدم بيت منها كان له الخيار سواء انهدم قبل القبض أو بعده أما قبل القبض فله الخيار لوجهين.
أحدهما: أن الصفقة تفرقت في حق العين قبل التمام.
والثاني: إن انهدام بيت منها يوجب تعيناً في منفعة الباقي؛ لأنه لا يمكن الانتفاع بها منفعة الحمام إلا بالكل وإن انهدم بعد القبض ثبت له الخيار بسبب العيب؛ لأن انهدام بيت منها أوجب خللاً في منفعة الباقي وإنه عيب حدث قبل قبض المعقود عليه، فأثبت للمستأجر خياراً.
قال: وإذا استأجر الرجل حماماً وعبداً ليقوم على الحمام فهلك العبد أو الحمام فهذا على وجهين: إما إن هلك أحدهما قبل القبض أو بعده، فإن هلك أحدهما قبل القبض أيهما ما كان عبداً أو حماماً كان له الخيار؛ لأن الصفقة تفرقت قبل التمام في حق العين وإنه يثبت للمشتري خياراً؛ لأنه يمكن تسليم العين جملة وإن قبضهما ثم هلك أحدهما إن هلك العبد فلا خيار له في الحمام؛ لأن هلاك العبد لا يوجب خللاً في منفعة الحمام ويمكنه استعمال الحمام فيما استأجر له بعبد آخر أو بنفسه والصفقة في حق العين تفرقت بعد التمام وإن انهدم الحمام كان له الخيار في العبد؛ لأنه عجز عن استعمال العبد فيما استأجره له؛ لأنه استأجره ليقوم في هذا الحمام، فإذا انهدم الحمام فقد عجز عن استعمال العبد فيما استأجره له فكان له الخيار كما لو استأجر دكاناً ليتجر فيه فأفلس.(8/175)
-----
وإذا استأجر حماماً بغير قدر، واستأجر القدر من غيره فانكسر القدر فلم يعمل في الحمام أشهراً وقد استكراه سنة فطلب صاحب الحمام أجره وصاحب القدر أجر قدره قال: عليه أجر الحمام؛ لأنه متمكن من الانتفاع بعد انكسار القدر، فإنه يمكنه أن يستأجر قدراً آخر فينتفع به وإذا بقي التمكن من الانتفاع بعد انكسار القدر وجب الأجر وإن لم ينتفع به كما قبل انكسار القدر، فأما ليس عليه أجر القدر؛ لأنه لم يبق متمكناً من الانتفاع بالقدر بعد الانكسار ومتى فات التمكن من الانتفاع فإنه لا يجب الأجر كما لو هلك العبد المستأجر وستأتي بعض مسائل الحمام بعد هذا إن شاء الله تعالى.
قال محمد رحمه الله في «الأصل»: وإذا استأجر الرجل رحىً بالبيت الذي هو فيها ومتاعها بعشرة دراهم كل شهر ثم طحن فيها طحناً بثلاثين درهماً في الشهر فربح عشرين هل تطيب له الزيادة؟.
فهذا على وجهين: إما إن أصلح فيه شيئاً ينتفع به في الرحى بأن كرى نهرها أو ثبت الحجر أو لم يصلح، فإن لم يصلح فإن كان يلي الطحن بنفسه تطيب له الزيادة؛ لأنه أجر الرحى ونفسه فالزيادة على أجر الرحى يجعل بإزاء منفعة نفسه فيجوز، فأما إذا كان رب الطعام هو الذي يلي الطحن بنفسه فإنه لا تطيب له الزيادة؛ لأنه ليس بإزاء الزيادة عوض فيكون ربح ما لم يضمن فلا تطيب وإن كان أصلح شيئاً فإنه يطيب له، وإن كان لا يلي الطحن بنفسه ويجعل الزيادة بإزاء منفعة ما أصلح فلا يكون ربحاً فتطيب له.
(8/176)
-----
قال في «الأصل» أيضاً: وإذا استأجر الرجل من الرجل موضعاً على نهر ليبني عليها بيتاً ويتخذ عليها رحى على أن الحجارة والحديد والمتاع من عند المستأجر فهو جائز؛ لأنه أجر أرضاً مملوكاً له ليبني فيها بناء مدة معلومة بأجر معلوم فيكون جائزاً، كما لو استأجر أرضاً ليبني عليها منزلاً أو داراً فإن انقطع ماء النهر كان عذراً في فسخ الإجارة؛ لأن بناء الرحى إنما يكون لمنفعة الطحن، فإذا فات منفعة الطحن كان عذراً في فسخ الإجارة.
وكان بمنزلة ما لو استأجر حانوتاً ليتجر فيها فأفلس كان عذراً في فسخ الإجارة فكذلك هذا، فإن فسخ الإجارة لم يبق لواحد منهما على صاحبه سبيل وإن لم يفسخ حتى عاد الماء سقط حقه في الفسخ كما لو زال الإفلاس في مسألة الحانوت قبل الفسخ وهل تسقط عنه الإجارة بحساب ما انقطع من الماء أولا يسقط لم يذكر في «الكتاب» قالوا: ويجب أن لا يسقط؛ لأن ما هو المعقود عليه قائم بها جميعه؛ لأن المعقود عليه منفعة وضع البناء على هذا المكان لا منفعة الطحن فإنه لم يستأجر الرحى إلا أن المعقود من موضع هذا البناء الطحن فكان الطحن ثمرة من ثمرات هذا العقد والأجر يقابل المعقود عليه لا الثمرة.
وكان بمنزلة ما لو استأجر حانوتاً ليتجر فيه فأفلس فلم يفسخ حتى مضى الشهر لم يسقط شيء من الأجر؛ لأن المعقود عليه السكنى وإنه قائم إلا أن السكنى كان للتجارة ففوات التجارة في بعض مدة الإجارة أثبت للمستأجر حق الفسخ ولم يوجب سقوط شيء من الأجر.
فكذلك هذا الخلاف ما لو استأجر الرحى؛ لأن الإجارة وقعت على منفعة الطحن وقد فات في مدة انقطاع الماء فلا بد من أن يسقط الأجر بقدره.(8/177)
-----
وإذا خاف أن ينقطع الماء فيفسخ الإجارة فأكرى البيت والحجرين والمتاع خاصة فهو جائز لما ذكرنا وإن انقطع الماء يكون عذراً؛ لأن بيت الرحى مستأجر لمنفعة الطحن، وكذلك لو شرط أن لا خيار متى انقطع الماء لا يكون لهذا الشرط غيره؛ لأنه شرط عليه الأجر حال فوات المعقود عليه قبل القبض وهذا شرط باطل، كما لو شرط البائع الثمن على المشتري متى هلك المبيع في يده كان هذا الشرط باطلاً فكذلك هذا.
وإذا استأجر الرجل رحى ماء على أن يطحن فيها حنطة فطحن فيها غير الحنطة هل يصير مخالفاً؟ إن كان ضرر ما طحن مثل ضرر الحنطة أو دونه لا يكون مخالفاً؛ لأنه خلاف صورة لا معنى وإن كان في الضرر فوق ضرر الحنطة يكون مخالفاً فيصير فيه أحكام الغصب.H
قال: وإذا استأجر الرجل رحى من رجل وبيت من آخر وبعيراً من آخر فاستأجر الكل صفقة واحدة كل شهر بأجر معلوم فأجروا ذلك فهو جائز؛ لأنه لو أفرد العقد على كل واحد من هذه الأشياء جاز فكذا إذا جمع بين الكل في عقد (41أ4) واحد.
وصار كما لو اشترى هذه الأشياء جملة منهم صفقة واحدة فإنه يجوز ويقسم الثمن بينهم على قدر قيم أموالهم فكذا ها هنا فإن لم يؤاجروا ولكن اشتركوا على أن يكون من عند أحدهم الرحى ومن الآخر الجمل على أن يؤاجروا ذلك فما رزق الله تعالى من شيء كان بينهم أثلاثاً كانت الشركة فاسدة لما ذكرنا في كتاب الشركة أن الشركة مبناها على الوكالة والتوكيل على هذا الوجه باطل.
كما لو حصل التوكيل بمثل هذا في بيع العين بأن قال: بع عبدي ليكون الثمن بيني وبينك كان التوكيل باطلاً، وإذا كان التوكيل باطلاً فسدت الشركة بعد هذا ننظر إن أجروا الجمل بعينه دون البيت والرحى فإن أجر الجمل لصاحب الجمل؛ لأنه عوض ملكه ويكون على صاحب الجمل أجر مثل البيت وأجر مثل الرحى لا يجاوز ثلث البعير عند أبي يوسف وعند محمد رحمه الله يجاوز بالغاً ما بلغ.(8/178)
-----
كما لو قال: بع عبدي ليكون الثمن بيني وبينك يكون الثمن كله لصاحب العبد لأنه عوض ملكه ويكون للبائع أجر مثل عمله لا يجاوز نصف الثمن في قول أبي يوسف وعند محمد يجب بالغاً ما بلغ وقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الشركة وكذلك إن أجروا البيت بعينه أو أجروا الرحى، فالأجر كله لصاحب البيت أو لصاحب الرحى وعلى صاحب البيت أجر مثل الجمل وأجر مثل الرحى وإن اشتركوا على أن يتقبلوا الأعمال من الناس كان جائزاً؛ لأن الشركة مبناها على الوكالة والتوكيل بتقبل الأعمال جائز وكانت شركة لفعل جائزاً بخلاف الفعل الأول؛ لأنهم ما اشتركوا ليتقبلوا الأعمال، وإنما اشتركوا ليؤاجروا ومال كل واحد منهم ليكون أجر ذلك بينهم والشركة على هذا الوجه فاسدة.
قال: وإذا كان لرجل بيت ونهر ورحى ومتاعها فانكسر الحجر الأعلى فجاء رجل فنصب مكانه حجراً بغير أمر صاحبه وجعل يطحن للناس بأجر معلوم وينتقل الطعام بالأجر فهو مستثنى في ذلك ولا أجر عليه والأجر يكون له ويكون مستثنياً فكذلك هذا والوكالة وضع الحجر الأعلى برضا من صاحبه على أن الكسب بينهما نصفان وعلى أن يعملا بأنفسهما كان هذا مثل الباب الأول يعني متى أجروا الحجر الأعلى كان جميع الأجر لصاحب الحجر الأعلى وإن تقبل كل واحد منهم فهو بينهم على قياس مسألة الجمل لا فرق بينهما.
فإن قيل: ليس على قياسه فإن الحجر الأعلى لا يمكن أن ينتفع به وحده.
قلنا: والجمل مما لا يمكن أن ينتفع به وحده في عمل الطحن فلا فرق بينه وبين الحجر.
فإن قلت: ينتفع به في غير الطحن.
قلنا: والحجر ينتفع به في غير الطحن فلا فرق بينهما.
(8/179)
-----
قال: ولو أن رجلاً بنى على نهر بيتاً ونصب فيه رحى بغير رضا صاحب النهر ثم يقبل الطعام فطحنه فكسب مالاً كان الكسب له؛ لأنه هو العاقد للأجرة فيكون الأجر له ويصير غاصباً لأرضه فتعتبر فيه أحكام الغصب فيضمن ما انتقص من أرضه كغاصب الأرض ولكن لا يضمن الماء؛ لأن الماء قبل الإجرار غير مملوك لصاحب النهر فلا يضمن للماء شيئاً والله أعلم.
الفصل الرابع والعشرون: في الكفالة بالأجر وبالمعقود عليه
وتجوز الحوالة والكفالة بالأجر في جميع الإجارات سواء كانت الأجرة واجبة وقت الكفالة باستيفاء المنافع أو باشتراط التعجيل، أو لم تكن واجبة إن كانت واجبة، فلأن الكفالة جعلت بدين مضمون على الأصيل يجبر الأصيل على إيفائه ويمكن استيفاؤه من الكفيل، فإن يمكنه الإيفاء من ماله وهذا هو الأصل في باب الكفالة، أن الكفالة متى حصلت بمضمون يجبر الأصيل على إيفائه ويمكن استيفاؤه من الكفيل أنها تصح.
ومتى حصلت بما ليس بمضمون على الأصيل لا يجبر الأصيل على إيفائه أو حصلت بما هو مضمون على الأصيل يجبر الأصيل على إيفائه إلا أنه لا يمكن استيفاءه من الكفيل فالكفالة لا تصح وموضع معرفة هذا الأصل كتاب الكفالة، وأما إذا لم تكن الأجرة واجبة وقت الكفالة فلأن الكفالة حصلت بدين وجد سبب وجوبه إلا أنها لم تجب بعد ولو حصلت بدين سمحت في الثاني ولم يوجد سبب وجوبه بعد كالكفالة بما له على فلان تصح الكفالة فها هنا أولى.
ويكون على الكفيل مثل ما على الأصيل إن لم يشترط خلافه في تعجيل أو تأجيل؛ لأن الكفيل متحمل عن الأصيل فإنما يتحمل عنه ما كان عليه وليس للكفيل أن يأخذ المستأجر بالأجر حتى يؤديه.(8/180)
-----
والحاصل: أن الكفيل في الحال يعرض ذمته للمطالبة والملازمة ويعرض المال بعد الأداء فمتى طولب أو لوزم ثم العرض في حق المطالبة والملازمة فرجع بمثل ذلك على الأصيل ومتى إذا تم العرض في حق المال فرجع بمثل ذلك على الأصيل وسيأتي بيان ذلك في كتاب الكفالة إن شاء الله تعالى.
وإن عجّل الكفيل الأجر لم يرجع على الأصيل حتى يحل الأجر؛ لأن الكفيل متبرع في التعجيل فإنما ينفذ تبرعه عليه لا على المكفول عنه ولو اختلف الآجر والكفيل والمستأجر في مقدار الأجر، فقال الكفيل: هو درهم، وقال الآجر: هو درهمان، وقال المستأجر: هو نصف درهم، فالقول قول المستأجر؛ لإنكاره الزيادة ويؤخذ بدرهم؛ لأن إقراره ليس بحجة على المستأجر، ولو أقاموا جميعاً البينة فالبينة للآجر؛ لأنه ثبتت الزيادة ببينة، وإذا قبلت بينته صار الثابت بالبينة كالثابت معاينة، وإن كانت الأجرة شيئاً بعينه بأن كانت يوماً معينة وكفل به كفيل فهو جائز؛ لأن الكفالة حصلت بمضمون على الأصيل يجبر الأصيل على إيفائه والكفيل قادر على إيفائه؛ لأنه مال موجود فيمكنه أن يخلي بينه وبين الآجر أو يأخذه من المستأجر ويسلمه إلى الآجر فإن هلك الثوب عند المستأجر برئ الكفيل؛ لأنه برأ المستأجر عن تسليم الثوب.
ألا ترى أنه يجب عليه تسليم قيمته وبراءة الأصيل توجب براءة الكفيل ويقضي على المستأجر بأجر المثل؛ لأن الإجارة قد فسدت؛ لأنه قد هلك أحد البدلين الذي تعلق العقد به قبل القبض، وهذا يوجب فساد العقد في البلد الأخر، وإذا فسدت الإجارة وجب على المستأجر رد ما استوفى وتعذر رده صورة فيجب رده معنى برد قيمته وهو أجر المثل ولا يؤخذ الكفيل بأجر المثل؛ لأنه لم يكفل به إنما كفل بالثوب.(8/181)
-----
ولو استأجر داراً بخدمة عبد شهراً وكفل بالعبد إنسان لصاحب الدار إن كفل بتسليم العبد يجوز؛ لأن الكفيل يقدر على إيفائه؛ لأنه مال موجود وإن كفل بخدمة العبد لا يجوز؛ لأن الكفيل لا يقدر على إيفائه؛ لأنه ليس في وسعه تسليم خدمته وخدمة غيره لا تقوم مقام خدمته.
وهو نظير ما لو استأجر خياطاً ليخيط له ثوباً وشرط عليه خياطته بنفسه فكفل به إنسان إن كفل بتسليم نفس الخياط صح وإن كفل بخياطته لا يصح؛ لأنه كفل بما لا يقدر على إيفائه؛ لأنه لا يمكنه أن يأخذ بيده حتى يخيطه وخياطة غيره لا تقوم مقام خياطته وفي مسألة الخياط إن لم يشترط عليه خياطته فكفل إنسان بالخياطة صح؛ لأن الكفالة في هذه الصورة حصلت بما يقدر الكفيل على إيفائه؛ لأن المشروط خياطة مطلقة وخياطة الكفيل خياطة فيتمكن الكفيل من إيفاء ذلك من عند نفسه ثم في مسألة الخياطة إذا لم تصح الكفالة بالخياطة وخاط الكفيل رجع على صاحب الثوب بأجر مثل عمله وإذا صحت الكفالة وخاط الكفيل رجع على المكفول عنه بأجر مثل عمله بالغاً ما بلغ، وإذا كانت الكفالة بأمره؛ لأنه لو أمكنه الرجوع بعين ما ادعى، فإن كان المؤدى من ذوات الأمثال كان له الرجوع على المكفول عنه بعين ما أدى، فإذا عجز عن ذلك بأن لم يكن المؤدى من ذوات الأمثال كان له الرجوع بقيمته وقيمة العمل أجر المثل من هذا الوجه وكذلك هذا الحكم في نظائره.
وإذا استأجر الرجل من رجل محملاً وراحلة إلى مكة بأجر مسمى وكفل له رجل بالحمولة فهذا على وجهين: .... (41ب4) ومحمد فالجواب فيه كالجواب في العصفرة والزعفران؛ لأن للسواد موجباً معلوماً على قولهما لو حصل بغير عقد وهو قيمة ما زاد الصبغ فيه فيجعل ذلك موجب العقد حال اختلافهما في مقدار الأجر كأنهما اتفقا على ذلك ثم اختلفا فيما يغيره إما إلى زيادة أو إلى نقصان كما في الحمرة.(8/182)
-----
فأما على قول أبي حنيفة: ليس لهذا الصبغ موجب معلوم لو حصل لغير عقد فإن صاحب الثوب لا يضمن شيئاً وإذا لم يمكن أن يجعل شيء آخر موجب العقد غير المسمى اعتبرنا اختلافهما في مقدار المسمى، والاختلاف بين المتعاقدين متى وقع في مقدار المسمى وفسخ العقد متعذر فعند أبي حنيفة رحمه الله يجعل القول قول المنكر للزيادة كما في بيع العين بعد الهلاك، وكما لو وقع الاختلاف في مقدار الأجر للأعمال التي ليس لها موجب معلوم لو حصل تغير عقد عند الكل كما في الحمل والقصارة ويجعل القول قول المنكر للزيادة ولا يتحالفان متى اختلفا في حال ما لا يمكن فسخ العقد فكذلك ها هنا هذا إذا اختلفا في مقدار الأجر.
فأما إذا اختلفا في أصل الأجر في السواد فقال صاحب الثوب: عملته لي بغير أجر، وقال الصباغ: لا بل عملته بأجر ذكر أن القول قول صاحب الثوب مع يمينه ولا يتحالفان عند أبي حنيفة رحمه الله وكان يجب أن يتحالفان؛ لأنهما اختلفا في نوع العقد ادعى أحدهما الهبة والآخر البيع فيجب أن يتحالفا عندهم وإن كان فسخ العقد متعذراً كما في صبغ يوجب الزيادة.
وكما في بيع العين إذا اختلفا في نوع العقد بعد الهلاك إلا أن الجواب عنه أن الاختلاف في نوع العقد بعد القبض إنما يوجب التحالف إذا كان إيجاب التحالف يفيد ثمرته وهو التراد كما في صبغ يوجب الزيادة وكما في بيع العين فإنهما متى حلفا ولم يثبت واحد من العقدين، فإنه يجب رد العين إن كان قائماً ورد القيمة إن كان هالكاً، فكان التحالف مفيداً ثمرته أما ها هنا التحالف لا يفيد ثمرته التراد، ولا يجب التراد متى حلفا ولم يثبت واحد من العقدين عند أبي حنيفة رحمه الله لا يجب رد العمل؛ لأنه غير ممكن ولا رد القيمة لأن مجرد العمل لا يتقوم بغير عقد وهنا يصير بغير عقد متى حلفا، فلهذا لم يجب التحالف وإذا لم يجب التحالف جعلنا القول قول رب الثوب؛ لأنه ينكر الأجر ويقوم عمله.(8/183)
-----
وكان الجواب في هذه المسألة عند أبي حنيفة كالجواب عند الكل فيما إذا اختلفا في نوع العقد في مسألة الحمل والقصارة وثمة لا يتحالفان عندهم جميعاً وعندهما يتحالفان ومتى حلفا يجب على رب الثوب قيمة ما زاد الصبغ، فيه فيفيد التحالف، ثمرته وهو التراد عندهما فيتحالفان عندهما كما في بيع عين بعد الهلاك عند الكل.
قال: ولو أن رجلاً اختلف هو والقصار في أجر ثوب، فقال: القصار عملته بربع درهم وقال رب الثوب: عملته بقيراط فهذا على وجهين: إما أن يختلفا في مقدار الأجر قبل الشروع في العمل أو بعد الفراغ من العمل، فإن اختلفا في مقدار الأجر قبل الشروع في العمل أو بعد الفراغ من العمل، فإن اختلفا في مقدار الأجر قبل الشروع في العمل فإنهما يتحالفان ويترادان وهكذا الجواب فيما تقدم من المسائل لو اختلفا في مقدار الأجر قبل الشروع في العمل تحالفا وترادا وذلك؛ لأن الإجارة نوع بيع فإنه بيع المنفعة فيعتبر بيع العين.
ولهذا لم يثبت الحيوان ديناً في الذمة في الإجارة كما في بيع العين وفي بيع العين، لو اختلفا في مقدار البدل حال إمكان الفسخ يتحالفان ويترادان فكذلك هذا فأما إذا اختلفا في مقدار الأجر بعد الفراغ من العمل، ذكر أن القول قول رب الثوب مع يمينه ولم يحكم قيمة ما زاد القصارة فيه.
فرق بين هذا وبين مسألة الصباغ إذا صبغه بعصفر أو زعفران، ثم اختلفا في مقدار الأجر فإنه يعتبر قيمة ما زاد الصبغ فيه.(8/184)
-----
ووجه الفرق بينهما أن يحكم قيمة ما زاد الصبغ فيه حال اختلافهما في مقدار الأجر ممكن؛ لأن لإيصال هذا الصبغ ثبوته موجب معلوم على صاحب الثوب لو حصل من غير عقد وهو قيمة ما زاد الصبغ فيه فيجعل ذلك موجب العقد حال اختلافهما في التسمية كأنهما تصادقا على ذلك، ثم ادعى أحدهما ما يغيره إما إلى زيادة أو نقصان ما ليس لاتصال القصارة وينوب غيره موجب معلوم لو جعل بغير عقد فإن من قصر ثوب إنسان بغير عقد فإنه لا يضمن صاحب الثوب له شيئاً إن قصر من غير مال اتصل به فلا إشكال؛ لأن المتصل ثبوته مجرد عمل ومجرد العمل لا يتقوم من غير عقد فلا شبهة عقد وإن قصر بمال اتصل به من بياض البيضة وغيره فكذلك أيضاً؛ لأن ما اتصل ثبوته ليس عين مال قائم لا في الحال ولا في الثاني في الحال فلا إشكال؛ لأن المتصل بالثوب أثر مال لا عين مال وكذلك في الثاني إذا فصل من الثوب ما اتصل من بياض البيضة وغيره بالغسل لا يكون المنفصل منه في نفسه مالاً متقوماً وإذا لم يكن المتصل بالثوب عين مال قائم وإنما هو أثر مال لا غير لم يجب على صاحب الثوب شيء متى حصل بغير عقد بخلاف الصبغ؛ لأن ما اتصل بالثوب من الصبغ عين مال.
ألا ترى أنه متى فصل عن الثوب كان مالاً متقوماً لا بأس ثم استأجر ثوب آخر وعين المال القائم متقوم من غير عقد ولا شبهة عقد، وإذا لم يكن للقصارة موجب معلوم على صاحب الثوب لو حصل بغير عقد لم يمكن أن يجعل ذلك موجب حال اختلافهما في مقدار المسمى حتى يجعل كأنهما اتفقا عليه ثم ادعى أحدهما ما يغيره إما إلى زيادة أو نقصان.
وإذا لم يكن إثبات شيء آخر سوى المسمّى، يوجب العقد وجب اعتبار اختلافهما في المسمى والاختلاف متى وقع في مقدار المسمى حال ما لا يمكن فسخ العقد فإنه يجعل القول قول المنكر للزيادة عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ولا يتحالفان كما في بيع العين.(8/185)
-----
فأما على قول محمد رحمه الله: هل يتحالفان؟ لم يذكر هذا في الكتاب ومشايخنا في ذلك مختلفون فمن مشايخنا قال يتحالفان على قول محمد على قيمة العمل وهو أجر المثل وما ذكر في «الكتاب» قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومنهم من يقول على قول محمد لا يتحالفان في باب الإجارة بعد الفراغ من العمل وظاهر ما ذكر في «الكتاب» يدل على هذا فإنه لم يذكر خلافاً، وإنما اختلفوا على قوله اختلافهم في ثكنة محمد رحمه الله في بيع العين إذا اختلفا في الثمن بعد هلاك السلعة بأي سبب تجب القيمة على المشتري عند بعضهم إنما تجب القيمة حكماً لفساد العقد؛ لأنهما اتفقا على العقد واختلفا في التسمية.
وإذا تخالفا لم يثبت واحد من المسميين فكأنه باع ولم يسم الثمن ولو باع ولم يسم الثمن كان البيع فاسداً فيجب رد العين إذا كان هالكاً فمن قال بإن مكنه في تلك المسألة بهذا قال: يجب هاهنا أن يتحالفا؛ لأن التسمية إذا لم تثبت تفسد الإجارة كأنه استأجره ولم يسم له أجراً فيجب رد أجر المثل بعد استيفاء العمل فيكون التحالف مفيداً على قول محمد، فيتحالفان عنده أيضاً.(8/186)
-----
ومنهم من قال: مكنه في تلك المسألة أن القاضي يفسخ العقد بعد التحالف متى طلبا أو طلب أحدهما فيجب على قابض العين رد العين إن كان قائماً ورد القيمة إن كان هالكاً بسبب انفساخ العقد أو لأنه لما لم يثبت واحد من العقدين لما حلفا في العين في يده بغير عقد إلا أن العين (42أ4) متقوم بعقد وبغير عقد، فمن قال بأن مكنه هذه في تلك المسألة يقول: هاهنا لا يتحالفان؛ لأن القاضي إما أن يفسخ الإجارة أو لا يقض بواحد من العقدين متى حلفا، ومتى فسخ الإجارة أو لم يقض بواحد من العقدين فإنه لا يجب رد القيمة؛ لأن العمل يبقي بغير عقد والعمل لا يتقوم بغير عقد، وإذا لم تجب القيمة لم يجب التحالف؛ لأن ثمرته التراد إما رد العين أو رد القيمة حتى يصل كل واحد منهما إلى رأس ماله فيجيء حق كل واحد منهما وها هنا يبطل حق القصار أصلاً، وهذا لا وجه له إنما ذكرنا اختلاف المشايخ على قول محمد رحمه الله في مسألة القصارة ولم يذكره في الصبغ وذلك؛ لأن اختلاف المتعاقدين في الصبغ ليس في موجب العقد بل فيما يغير موجب العقد لما ذكرنا أن موجب العقد في باب الصبغ حال اختلافهما في مقدار التسمية ما يكون موجب الصبغ لو حصل بغير عقد كأنهما اتفقا أن العقد على ذلك عقد ثم اختلفا فيما يغيره إلى زيادة أو إلى نقصان ومثل هذا الاختلاف في بيع العين لا يوجب التحالف متى لم توجد الدعوى والإنكار من الجانبين وفي فعل القصارة الاختلاف وقع في موجب العقد لا في المغير؛ إذ ليس ها هنا موجب آخر سوى التسمية والاختلاف متى وقع في مقدار المسمى فإنه يجب التحالف.
إذا أمكن رد المعقود عليه عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أو رد قيمته عند محمد.(8/187)
-----
فإن قيل: كيف يقال ليس للقصارة موجب والقصار متى قصر الثوب، فإن له أن يحبس الثوب بالأجر كما في الصباغ فإذا لحقت القصارة في حق الحبس بالصبغ فكذا في حق أن يجعل له موجب حال اختلافهما في مقدار التسمية يجب أن يلحق بالصبغ. والجواب عنه من وجهين:
الأولى: أن يقال: بأن القصارة إنما لحقت بالصبغ في حق الحبس لأن الحبس؛ إنما يكون حال قيام العقد والقصارة متقومة حال قيام العقد فإذا كان له أثر في الثوب وهو متقوم حال قيام العقد كان الأجر مقابلاً به فكان له الحبس بالأجر كما في الثوب المصبوغ، فأما في غير حالة العقد فلا قيمة له لما ذكرنا وإنما يجعل موجب العقد حال اختلافهما في مقدار التسمية ما يجب في غيرها حالة العقد كأنهما اتفقا عليه فإذا لم يكن لاتصال القصارة بالثوب في غيرها حالة العقد موجب لم يكن تحكيمه وجعله موجب العقد حال اختلافهما في مقدار الأجر فوجب اعتبار اختلافهما في مقدار المسمى.
والثاني: أن القصار يشبه الحمال والمكاري من حيث إنه ليس في الثوب عين مال قائم ويشبه الصباغ من حيث إن له عمل وأثر مال فوفرنا على الشبهين حظهما، فألحقناه بالحمال والمكاري في حق التحالف فلم يجب التحالف كما في المكاري والحمال وجعلنا القول قول صاحب المال وفي حق الحبس ألحقناه بالصبغ توفيراً على الشبهين حظهما هذا إذا اختلفا في مقدار الأجر.
وكذلك إذا اختلفا في حبس الأجر أنه دراهم أو دنانير أو في صفته أنه جيداً ورديء يتحالفان إذا كان الاختلاف قبل الشروع في العمل، وإن كان الأجرة عيناً إن اختلفا في حبسه أو قدره يتحالفان، ولو اختلفا في صفته لا يتحالفان والقول قول المستأجر بخلاف ما إذا كانت الأجرة ديناً.(8/188)
-----
وقد ذكر الفرق في كتاب البيوع متى إذا اختلفا في صفة الثمن وهو دين وبينما إذا اختلفا في صفته وهو عين فهذا بناء على ذلك، وإذا اختلفا في مقدار الترك وكان ذلك قبل استيفاء المنفعة تحالفا كما في بيع العين فبعد ذلك إن كان الاختلاف في الأجر بدأ بيمين المستأجر وإن كان الخلاف في المنفعة بدأ بيمين المؤاجر؛ وهذا لأن اليمين حجة المنكر فمن كان اسهما إنكاراً بدأ بيمينه وأيهما نكل عن اليمين لزمه دعوى صاحبه، وإن أقاما البينة فالبينة بينة المؤاجر كان الخلاف في الأجرة وإن كان الخلاف في المنفعة فالبينة بينة المستأجر؛ لأن النيات شرعت الإثبات مما كان أكثر إثباتاً كانت أولى بالقبول.
ولو ادعى المؤاجر فضلاً فيما يستحقه من الأجر وادعى المستأجر فضلاً فيما يستحقه من المنفعة، فالأمر في الاستحلاف على ما بينا، وإن أقاما البينة قبلت بينة كل واحد منهما على الفصل الذي يستحقه نحو أن يدعي الأجر شهراً بعشرة والمستأجر شهرين بخمسة وأقاما البينة يقضي بشهرين بعشرة؛ لأن بينة كل واحد منهما تثبت زيادة فتقبل بينة كل واحد منهما على تلك الزيادة فإن لم يكن لواحد منهما بينة وقد استوفى بعض المنفعة فالقول قول المستأجر فيما مضى مع يمينه ويتحالفان ويفسخ العقد فيما بقي؛ لأن العقد ينعقد ساعة فساعة فيصير في حق كل جزء من المنفعة كان العقد انفرد فيه.(8/189)
-----
وإن كان اختلافهما في الأجر في نوعين بأن ادعى أحدهما دراهم والآخر دنانير فالأمر في التحالف والنكول وإقامة أحدهما البينة على ما بينا، وإن أقاما البينة فالبينة بينة الآجر؛ لأن الآجر ثبت حقاً له فكان هو أشبه المدعين فتكون بينته أولى بالقبول، وإن اختلفا في المدة مع ذلك أو في المسافة بأن قال المؤاجر: أجرتك إلى القصر بدينار وقال المستأجر: بل إلى الكوفة بعشرة دراهم وأقاما البينة فهي إلى الكوفة بدينار وخمسة دراهم لأنهما اختلفا في الأجر إلى القصر وكما بينه الآجر أولى لأنها أكثر إثباتاً فقضينا إلى القصر بدينار، ثم المستأجر يدعي من القصر إلى الكوفة بخمسة دراهم والآجر ينكر أصل العقد فكانت بينة المستأجر أولى؛ لأنها تثبت الإجارة.k
نوع آخر
إذا اختلف الخياط ورب الثوب فقال رب الثوب: أمرتك أن تقطعه قباء، وقال الخياط: أمرتني أن أقطعه قميصاً، فالقول قول رب الثوب؛ لأن الأذن من قبله يستفاد فكان القول قوله فيما أذن فيه قال: والخياط ضامن وقال ابن أبي ليلى: القول قول الخياط ولا ضمان عليه؛ لأنهما اتفقا على الأذن في القطع فرب الثوب يدّعي عليه تقييده بصفة زائدة ويدعي وجوب الضمان عليه وهو ينكر وإنما يقول القول قول رب الثوب في الإذن وإن ادعى تقييداً؛ لأنه ما أقر بحصول الإذن على ذلك الوصف.
ولو أنكر الإذن أصلاً كان القول قوله، فإذا أنكر الإذن إلا بصفة تكون قول قوله فإذا لم يوجد على الوصف الذي أذن يجب الضمان عليه قال: وإن شاري الثوب أخذه وأعطاه أجر مثله؛ لأنه أمتثل لأمر في أصل ما أمره وهو القطع والخياطة ولكن قد يغير الوصف، فكان لصاحب الثوب الرضا به.(8/190)
-----
وقال بعض أصحابنا: بأن منفعة القميص والقباء يقع على وجه واحد وإنما تختلف الأعراض فقد وجد المعقود عليه مع العيب وكانوا يقولون: لو قطعه سراويلاً لم تجب الأجرة؛ لأنه نوع آخر من المنفعة فلم يوجد المعقود عليه قالوا: والرواية بخلاف هذا فإنه روي عن محمد أنه لو دفع شبهاً إلى رجل ليضرب له طستاً فضرب كوزاً فارسياً ضمنه مثل شبهه، فإن شاء أخذه وأعطاه أجر مثل ما عمل فكذا في السراويل يجب أن يكون كذلك وإنما أوجبنا أجر المثل؛ لأن المستعمل لم يرض بالمسمى إلا على صفة مخصوصة، فإذا لم يسلم له على ذلك وجب أجر المثل ولا يجاوز المسمى.
وروي عن أبي يوسف إذا أمره أن ينزع غرساً له بأجر فنزع فقال الآمر: أمرتك بغير هذا فالقول قول الآمر مع يمينه (42ب4) وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله، وكذا لو أمره أن يقطع شيئاً من جسده أو يبط فرجه لما بينا أن الأمر من قبله يستفاد، فكان القول قوله.
قال: ولو أعطى صباغاً ثوباً ليصبغه ثم اختلفا فقال رب الثوب: أمرتك أن تصبغه بالعصفر، وقال الصباغ: بالزعفران، فالقول قول رب الثوب لما ذكرنا أن الأمر من قبله يستفاد قال ولو دفع إلى نداف ثوباً يندف عليه قطناً وأمره أن يزيد من عنده ما رأى فجاء وقد ندف عشرين أستار، فقال صاحب الثوب: دفعت إليك خمسة عشر أستار وأمرتك أن تزيد، فلم تزد إلا خمسة وقال النداف: دفعت إلي عشرة وأمرتني أن أزيد عشرة وقد زدت فالقول قول النداف وعلى صاحب القباء أن يدفع إليه عشرة أساتير من قطن؛ لأن صاحب الثوب مقراً به لم يخالف لكنه يدعي أنه دفع إليه خمسة أستاراً فكان القول قول النداف في مقدار ما قبض فتبقى العشرة زيادة فيضمنها صاحب الثوب.
(8/191)
-----
ولو اختلفا فيما أمر به أيضاً، فقال لصاحب الثوب: دفعت إليك خمسة عشر وأمرتك أن تزيد خمسة عشر، وقال النداف: دفعت إلى عشرة وأمرتني أن أزيد عشرة فزدت وصاحب الثوب بالخيار إن شاء صدقه ودفع إليه عشرة أساتير وإن شاء أخذ قيمة ثوبه ومثل عشرة أساتير، وكان الثوب للنداف؛ لأن صاحب الثوب يدعي الخلاف فكان القول قوله فيما أمر به، والقول قول النداف في مقدار ما قبض والله أعلم.
نوع آخر
ولو دفع إلى خياط ثوباً ليقطعه قباء ودفعه إليه البطانة القطن فجاء به فقال رب الثوب: البطانة ليست ببطانتي، فالقول قول الخياط مع يمينه ألبسه أنها بطانته؛ لأن البطانة أمانة في يده أو مضمون عليه وأيهما كان كان القول قوله قال: ويسع لرب الثوب أن يأخذ البطانة ويلبسها؛ لأنها إن كانت بطانته حل له لبسها وإن كانت غيرها فقد دفع إليه الخياط بدل بطانته فيجعل له اللبس.
قال: وكذلك لو أعطى حمالاً متاعاً ليحمل من موضع إلى موضع ثم اختلفا، فقال رب المتاع: ليس هذا متاعي، وقال الحمال: هذا متاعك، فالقول قول الحمال مع يمينه لما ذكرنا ولا يكون على الآجر أجر إلا أن يصدقه ويأخذه؛ لأنه لم يعترف باستيفاء المنافع.(8/192)
قال: والنوع الآخر والنوعان في هذا سواء إلا أنه في النوع الواحد أفحش وأقبح يريد بهذا أنه لو حمله طعاماً أو زيتاً، فقال الحمال: هذا طعامك بعينه، وقال رب الطعام: كان طعامي أجود من هذا فإن يفحش أن يكون القول قول رب الطعام ويبطل الأجر ويحسن أن يكون القول قول الحمال ويأخذ الأجر إذا كان قد حمله، فأما إذا كانا نوعين مختلفين بأن جاء به شعيراً، وقال رب الطعام: كان طعامي حنطة لم يجب له الأجر حتى يصدقه؛ لأنه إذا اتحد الجنس فرب الطعام يملك أن يأخذه عوضاً عن طعامه؛ لأن الحمال قد بدل ذلك فإذا حصل له العوض سلمت له المنفعة، فأما في النوعين فلا يسعه أن يأخذ النوع الآخر إلا بالتراضي والبيع مما لم يصدقه لا يستحق عليه الأجرة.(8/193)
-----
نوع آخر
المؤاجر إذا وجد بالآخر عيباً وأراد أن يرده على المستأجر فهذا على وجهين: إما أن يصدقه المستأجر في ذلك أو يكذبه والأجرة عين كثوب بعينه أو حنطة بعينها أو كان ديناً بأن كانت الأجرة دراهم أو دنانير أو مكيلاً أو موزوناً في الذمة سوى الدراهم والدنانير، فإن صدقه المستأجر كان له أن يرده على المستأجر سواء كانت الأجرة ديناً أو عيناً؛ لأن العيب يثبت بتصادقهما كما في بيع العين وإن كذبه المستأجر وقال: ما أعطيتك هذا إن كانت الأجرة ديناً ولم يكن أقر المؤاجر بقبض الجياد ولا بالاستيفاء وإنما أقر بقبض الدراهم لا غير.
فالقياس أن يكون القول قول المردود عليه وهو المستأجر.
وفي الاستحسان يكون القول قول الراد مع يمينه وهو المؤاجر، وقد ذكرنا جنس هذا في كتاب البيوع هذا إذا لم يقر بقبض الجياد، فأما إذا أقر بقبض الجياد بأن قال: قبضت الجياد، أو قال: قبضت الأجر أو استوفيت فإنه لا يصدق؛ لأن الاستيفاء عبارة عن أخذ الحق بتمامه فيصير مقراً بقبض الجياد، وكذلك إذا قال: قبضت الأجر؛ لأنه أضاف القبض إلى الأجر والأجر سليم عن العيب فيضمن ذلك إقراراً بالجياد ولا تقبل بينة المؤاجر على ذلك؛ لأنه مناقض في الدعوى، فأما إذا كان عيناً فالقول قول المردود عليه قياساً واستحساناً كما في بيع العين وقد ذكرنا الفرق بين الأمرين في كتاب البيوع فلا نعيد ذكره.
ولو استأجر فاميّ من رجل بيتاً فباع فيه زماناً ثم خرج منه، واختلفا فيما فيه من الرفوف وأشباهه فقال رب البيت: كان هذا في بيتي حين استأجرته، وقال المستأجر: لا بل أحدثته، فالقياس أن يكون القول قول رب الدار مع يمينه؛ لأنه بائع الأرض والبناء تكون هذه الأشياء مركباً بالأرض، والبناء والأرض لرب الدار فكذلك ما كان تبعاً للبناء والأرض يكون له.
ألا ترى أنهما لو اختلفا في خشب السقف أو في الباب المركب أو في العلو كان القول قول المستأجر.(8/194)
-----
ووجهه أن العرف فيما بين الناس أن المستأجر هو الذي يحدث هذه الأشياء فكان العرف شاهد للمستأجر فالتبعية بسبب التركيب شاهد لرب الدار أنه له فلم صار شاهد المستأجر أولى من شاهد رب الدار.
والجواب عنه أن يقال: بأن التركيب محتمل بين أن يكون من المستأجر وبين أن يكون من صاحب العمل؛ لأن كل واحد منهما يحدث ذلك وله فعله فقد استويا في التركيب ثم يرجح الحدوث من المستأجر بدلالة العرف فصار شاهد المستأجر أولى من هذا الوجه، وهكذا الجواب في الطحان وسائر الصناع إذا اختلفا فيما يحدثه الصناع في العرف والعادة دون الآجر، فالمسألة على القياس والاستحسان، والحاصل في جنس هذه المسائل أن كل شيء يحدثه المستأجر عادة لحاجته إليه، فالقول قول المستأجر.
ولو اختلف رب الدار والمستأجر في بناء من بناء الدار غير ما ذكرنا أو في باب أو في خشبة أدخلها في السقف، فقال رب الدار: أنا أجرتك وهذا فيها وقال المستأجر: بل أنا أحدثت فإن القول في هذا قول رب الدار مع يمينه؛ لأنه تابع لأرضه وبنائه ولا عرف أن المستأجر هو الذي يحدث ذلك فيكون لرب الدار وما كان له في الدار من لبن موضوع رطب أو يابس أو جذع موضوع أو آجر أو جص فهو للمستأجر؛ لأنه في يده حقيقة وحكماً ولم يعرف كونه في يد صاحب الدار فيكون القول قول المستأجر.
وإنما قلنا: إنه في يده أما حقيقة فلا إشكال وأما حكماً فلأنه ليس بتابع للدار؛ لأنه غير مركب فيه بل موضوع فيه، فإن أقاما جميعاً البينة على ذلك ففي كل شيء جعل قول المستأجر قال: ألحقه رب الدار؛ لأن رب الدار يدعي خلاف الظاهر.
ولو اختلفا في الجص أو في السيرة أو في التنور، فالقول فيه قول رب الدار قيل: هذا في التنور، بناء على عرفهم أما في عرفنا فالقول قول المستأجر؛ لأن المستأجر هو الذي في يده في عرفنا.(8/195)
-----
ولو انهدم بيت من الدار فقال المستأجر: نقضه لي وقال رب الدار: بل هو لي إذا عرف انهدام فالقول قول رب الدار وإن كان النقض منقولاً فالقول قول المستأجر لكونه في يده لأن هذا مشغول وإن كان في يد المستأجر حقيقة إلا أنه عرف كونه في يد صاحب الدار إذا عرف أنه ينقض بيت انهدم، وفي المنقول إنما يجعل القول قول ذي اليد إذا لم يعرف أنه في يد المدعي (43آ4) فأما إذا علم فالقول قول المدعي وإن كان لا يعرف فالقول قول المستأجر؛ لأنه في يده ولم يعرف أنه في يد المدعي وإن كان رب الدار أمر المستأجر أن يبني في الدار على أن يحسب له ذلك من الأجر واختلفا فقال المستأجر: أمرتني بالبناء وقد بنيت وقال رب الدار: لم يبن فالقول قول رب الدار مع يمينه؛ لأنه يدعي عليه زيادة ورب الدار ينكر قالوا: هذا إذا كان مشكل الحال بأن اختلف في ذلك أهل تلك الصناعة.
فقال بعضهم: كما يقول رب البيت إنه يذهب في نفقة مثل هذا البناء قدر ما يدعيه رب البيت، وقال بعضهم: لا بل يذهب قدر ما يقوله المستأجر حتى يقدر معرفة قول أحدهما من جهة العين فتعتبر الدعوى والإنكار والمستأجر يدعي زيادة إيفاء ورب الدار ينكر فيكون القول قوله فأما إذا أجمع أهل تلك الصناعة على قول أحدهما، وقالوا: يذهب من التفت في مثل هذا البناء ما يقوله أحدهما، فالقول قوله؛ لأنه أمكن معرفة ما وقع التنازع فيه من جهة غيرها لا يلتفت إلى قولهما.
ولو كان على باب بيتهما مصراعين أحدهما ساقط والآخر معلق بالباب واختلفا في الساقط فالقول قول رب الدار إذا عرف أنه أجود وإن كان منقولاً فالقول قول المستأجر في المنقول إنما كان كذلك؛ لأنه عرف كونه في يدرب الدار لما عرف أنه أخ المعلق وفي مثل هذا القول قول رب الدار على ما مر.(8/196)
-----
ولو كان بيتاً سقفه مصور لجذوع مصورة فسقط جذع منها فكان مطروحاً في البيت فاختلف رب الدار والمستأجر فيه فقال رب الدار: هو سقف هذا البيت وقال المستأجر: بل هو لي وهو يقرأن تصاويره يوافق لتصاوير البيت فإن القول في ذلك قول رب الدار مع يمينه وإن كان منقولاً؛ لأنه منقول عرف كونه في يدرب الدار لما كان تصاويره موافقاً للتصاوير التي كان على السقف.
إذا تكارى منزلاً من رجل في الدار وفي الدار ساكن كل شهر بدرهم فأدخله في الدار وخلى بينه وبين المنزل وقال: اسكنه فلما جاء رأس الشهر طلب رب المنزل الأجر فقال المستأجر: ما سكنه حال بيني وبين المنزل ففيه كان يسكن في الدار أو غاصب ولا بينة له بذلك والساكن مقر بذلك أو جاحد لا يلتفت إلى قول الساكن؛ لأنه شاهد على الغير أو مقر وشهادة الفرد والإقرار على الغير لا يقبل قول الساكن يبقى بالاختلاف بين الآجر والمستأجر ينظر في ذلك إن كان المستأجر هو الساكن في الدار حالة المنازعة، فالقول قول رب الدار وعليه الأجر.
وإن كان الساكن في المنزل غير المستأجر، فالقول قول المستأجر ولا أجر عليه وذلك لأن كل الأجر لا يستحق بنفس العقد ولا بأصل التسليم وإنما يستحق كل الأجر بدوام التسليم من ابتداء المدة إلى آخرها ودوام التسليم ثابت باستصحاب الحال لا بدليل يوجب الدوام وذلك؛ لأن ما ثبت إن كان على البقاء ما لم يقم دليل الزوال فمن الجائز أنه زال التسليم بعدما وجب بدليل أوجب زواله بأن غصب منه غاصب.
وهذا هو حد استصحاب الحال والثابت باستصحاب الحال ثابت من وجه غير ثابت من وجه ولهذا صلح الدفع ولم يصلح الاستحقاق وجميع الأجر غير واجب فلا يمكننا إيجابه بدوام تسليم ما ثبت باستصحاب الحال ما لم يترجح ما يوجب دوام التسليم على ما يوجب زواله فحكمنا في ذلك الخلل.(8/197)
-----
وقلنا: بأن كان الساكن هو المستأجر يرجح ما يوجب داوم التسليم على ما يوجب زواله فكان الحكم له وإذا كان الساكن غير يرجح ما يوجب زوال الدوام على ما يوجب دوامه، فكان الحكم له.
ونظير ما لو وقع الاختلاف بين مستأجر الطاحونة والآجر بعد انقضاء مدة الإجارة في جريان الماء وانقطاعه فيما مضى فإنه يحكم الحال إن كان الماء جارياً حالة المنازعة فالقول قول من يدعي دوام التسليم وإن كان الماء منقطعاً، فالقول قول من يدعي زوال الدوام فكذلك هذا.
فإن قيل: المستأجر أقر بالتسليم في الابتداء، فهذا جعل ذلك حكماً على بقاء التسليم في آخر المدة وحكمنا على بقاء التسليم فيما مضى والجواب عنه أن كل الأجر مما لا يستحق بأصل التسليم؛ لأن منافع المدة معدومة للمال وإنما يوجد ساعة فساعة فيجعل التسليم موجوداً ساعة فساعة كالعقد سواء وإذا كان لا يستحق كل الأجر بأصل التسليم الموجود في الابتداء لا يمكننا أن نجعل التسليم الموجود في الابتداء حكماً على دوامه وإذا كان يستحق بدوام التسليم إلى آخر المدة أمكننا أن نجعل قيام التسليم في آخر المدة حكماً على وجوده فيما مضى إذا لم يعرف وجود المانع من التسليم فيما مضى.
رجل تكارى من رجل بيتاً كل شهر بدرهم، فلما جاء رأس الشهر طلب رب البيت أجر البيت فقال المستأجر: إنما أعرتنيه بغير أجر أو أسكنتيه بغير أجر وصاحب الدار ينكر ذلك ولا بينة بينهما، فالقول قول الساكن مع يمينه؛ لأن صاحب البيت يدعي عليه أجراً والمستأجر ينكر فيكون القول قوله وإن أقاما جميعاً البينة، فالبينة بينة صاحب المنزل؛ لأنه هو المدعي فإنه ادعى عليه أجراً وأثبته بالبينة.(8/198)
-----
وكذلك إذا قال الساكن: إن الدار داري ولا حق لك فيها فالقول قول الساكن مع يمينه؛ لأن الآجر ادعى عليه سين الأجر وكون الدار ملكاً له أو الساكن أنكر الأمرين جميعاً، فيكون القول قوله فيهما في الأجر؛ لأنه ينكر وجوب الأجر في ذمته وفي الدار؛ لأن الدار في يده فإن قال الساكن: الدار لفلان وكلني بالقيام عليها، فالقول قول الساكن ويكون خصماً للمدعي؛ لأنه ادعى عليه الأجر وكون الدار ملكاً له والمستأجر أنكر الأجر فكان القول قوله.
وادعى أن يده في الدار يد غيره حتى يندفع عن نفسه خصومته في الدار فلا تندفع عنه الخصومة بمجرد قوله: إن يده في الدار يد غيره ما لم يقم البينة على ما ادعى عندنا.
وإن قال المستأجر: إنك وهبتني المنزل فلا أجر لك وقال الآجر: بل أجرتك فالقول قول المستأجر في الأجرة، لأن صاحب المنزل يدعي عليه الأجر والمستأجر ينكر وفي الدار القول قول صاحب المنزل؛ لأن المستأجر أقر بكون الدار ملكاً له وادعى التملك من جهة وأنكر صاحب المنزل، فيكون القول قوله وإن أقاما جميعاً البينة تؤخذ ببينة الموهوب له؛ لأنا نجعل كأن الأمرين كانا يجعل كأنه أجر منه ثم وهب له بعد العقد.
ولو كان كذلك ثتبت الهبة ولم يكن عليه أجر، فكذا هذا بخلاف ما إذا ادعى الساكن العارية وصاحب المنزل يدعى الإجارة وأقاما جميعاً، فإن البينة هناك بينة صاحب المنزل وفي الحقيقة لا فرق؛ لأنا نجعل كأن الأمرين كانا أجر منه ثم أعار منه بعد الإجارة إلا أن الإجارة لا ترتفع بالإجارة وترتفع بالهبة وهذا كله إذا لم يكن أقر الساكن بأصل الكراء.
(8/199)
-----
فأما إذا أقر بأصل الكراء ثم ادعى الهبة أو العارية فإنه لا يصدق وعليه الأجر إلا أن يقيم بينة؛ لأن الإجارة تثبت بإقراره والهبة والعارية لم تثبت بمجرد دعواه إلا أن يقيم البينة على الهبة فحينئذٍ لا أجر عليه؛ لأن الهبة تثبت بالبينة وللمستأجر خيار الرؤية إن لم يكن رأى المستأجر اعتباراً لبيع المنفعة ببيع العين فإن اختلفا فقال صاحب الدار قد كنت رأيت وقال المستأجر: لم أر فالقول قوله، لأنه متمسك بالأصل فإن عدم الرؤية أصل فإذا حلف أنه لم يرها يردها إلا أن تقوم بينة أنه قد راًها.
رجل تكارى منزلاً من رجل في داره على أن أجره أن يكفيه وعياله نفقتهم ومؤنتهم ما دام في الدار، فالإجارة فاسدة؛ لأن الأجر مجهول فإنه لا يدري قدر ما يكفيهم وجهالة الأجر مما يوجب فساد الإجارة؛ فإن سكن كان عليه أجر المثل (43ب4) كما في سائر الإجارات الفاسدة؛ فإن قال المستأجر: أنفقت على عيالك وقال صاحب المنزل: لم تنفق فالقول قول صاحب المنزل؛ لأنه يدعى عليه الإيفاء؛ لأن ما أنفق على عياله بأمره يكون ديناً عليه وله عليه مثله فيلتقيان قصاصاً فيدعي الإيفاء من هذا الوجه وإنه ينكر، وإن أقاما البينة فالبينة بينة المستأجر؛ لأنه يدعي الإيفاء وبينته بالبينة ويحسب له ما قامت من البينة من أجر مثلها؛ لأن ما أنفق صار ديناً على رب المنزل وأجر المثل دين لرب المنزل عليه فيلتقيان قصاصاً.(8/200)
-----
رجل تكارى داراً شهراً بعشرة دراهم فسكنها يوماً أو يومين ثم تحول إلى دار أخرى كان للآجر أن يطالبه بأجر جميع الشهر؛ لأن الإجارة لازمة في الشهر فلا يملك فسخها إلا بعذر وأن يتحول من دار إلى دار أخرى لا يكون عذراً فإن قال إنما استأجرتها يوماً واحداً فالقول قوله؛ لأنه أقر بالإجارة في يوم وأنكر الإجارة في باقي الشهر، ولو أنكر الإجارة أصلاً ورأساً كان القول قوله، فكذا إذا أقر بالبعض وأنكر البعض، فإن أقاما البينة فالبينة بينة الآجر؛ لأنه يثبت الإجارة فيما زاد على اليوم ببينة.
وإذا استأجر من آخر داراً شهراً بدرهم فسكنها شهرين فعليه أجر الشهر الأول دون الشهر الثاني وقد مرت المسألة من قبل، فإن انهدم شيء من سكناه في الشهر الثاني يضمن ولا ضمان فيمن لا ينهدم من سكناه في الشهر الأول فإن اختلفا فيما انهدم فقال المستأجر: إنما انهدم من سكناك في الشهر الثاني فعليك الضمان، فالقول قول المستأجر مع يمينه؛ لأنه يدعي عليه ضمان ما انهدم وهو ينكر فيكون القول قوله والبينة بينة صاحب الدار؛ لأنه هو المدعي.
(8/201)
-----
رجل تكارى بيتاً أو داراً على أن يسكنها شهراً فأعطاه صاحب المنزل المفتاح فلما مضى الشهر جاء رب المنزل يطلب الأجر فقال المستأجر: لم أقدر على فتحه وقال الآجر: بل قدرت على فتحه وسكنت ولا بينة لهما، فإنه ينظر إلى المفتاح الذي دفع إليه للحال إن كان مفتاحاً يلائم هذا الغلق ويمكن فتح الباب به فالقول قول رب الدار ولا يصدق المستأجر في قوله لم أقدر على فتحه، وإن كان ما دفع من المفتاح مفتاحاً لا يلائم الغلق ولا يمكن فتح الباب به فالقول قول المستأجر وإن أقاما جميعاً البينة فالبينة بينة رب المنزل، وإن كان المفتاح مفتاحاً لا يلائم الغلق؛ لأنه لا عبرة لتحكيم الحال متى جاءت البينة بخلافه كما في مسألة الطاحونة لو أقام المستأجر بينة أن الماء كان منقطعاً فيما مضى، فإنه يقضي بالبينة وإن كان جازماً للحال فكذلك هذا.
فإن قيل: إذا كان المفتاح لا يلائم الغلق فكيف تقبل البينة على أنه كان يقدر على فتحه قلنا: إنما يقبل إذا كان رب المنزل يدعي أنه كان يلائم الغلق ولكن غيره والمستأجر يقول: لا بل لم يكن ملائماً من الأصل فتقبل البينة على ما يدعيه رب البيت والله أعلم.
نوع آخر(8/202)
-----
إذا استأجر الرجل من آخر حماماً مدة معلومة ثم اختلفا في قدر الحمام إنه للمستأجر أو لصاحب الحمام فالقول قول صاحب الحمام؛ لأنه مركب في بنائه ولا عرف في أن المستأجر يحدث ذلك بخلاف الآتون؛ لأن العرف أن المستأجر هو الذي يتولى ذلك فكان الحكم في الموضعين جميعاً العرف ولو انقضت مدة الإجارة وفي الحمام رماد كثير وسرقين كثير فقال رب الحمام: السرقين لي وقال المستأجر: هو لي وأنا أتقلد فالقول قول المستأجر إذا لم يعرف كون المدعي به في يد صاحب الحمام على ما مر قبل هذا، فأما الرماد فإن كان ذلك من عمل المستأجر وكان مقراً بذلك فعليه أن ينقله، لأنه صار مشغولاً من جهته وقد أمكن تفريغه من غير نقض شيء من البناء فيكون على المستأجر تفريغه كما لو كان مشغولاً بأمتعته، فإن جحد أن يكون من عمله فالقول قوله لأن صاحب الحمام يدعي عليه تفريغ هذا المكان وهو ينكر؛ ولأنه يدعي تسليم هذا المكان في الحاصل والمستأجر ينكر؛ لأن الشغل يمنع التسليم فيكون القول قوله.w
نوع آخر
وإذا استأجرت المرأة حلياً معطوفاً لتلبسه يوماً إلى الليل فهو جائز، فإن ألبست غيرها في ذلك اليوم فهي ضامنة ولا أجر عليها؛ لأن الناس يتفاوتون في لبس الحلي فإن اختلفا فقال رب الحلي: لبسته وقالت: لا بل ألبست غيري، ذكر أن القول قول صاحب الحلي هذا إن هما اختلفا في الأجر، فقال رب الحلي: لبسته بنفسك فعليك الأجر، وقالت المرأة: ألبست غيري فلا أجر علي، قالوا: ويجب أن يكون الجواب فيه على قياس ما ذكر في الدار إذا ادعى أنه غصب منه قال: يُحَكَّم الحال إن لم يكن فيها ساكن غيره وقت المنازعة كان القول قول رب الدار وإن كان فيها ساكن غيره كان القول قول المستأجر.(8/203)
-----
وكما في مسألة الرحى إذا اختلفا في انقطاع الماء وجريانه فكذا ها هنا يجب أن يحكم الحال إن كان في يدها وقت المنازعة، فالقول قول رب الحلي وإن كان في يد غيرها فالقول قولها، فإن هلك الحلي كان لرب الحلي أن يصدقها ويضمنها؛ لأنه يقر بوجوب الضمان على نفسها فكان لرب الحلي أن يصدقها ويضمنها ولا أجر له كما لو ثبت الإلباس معاينة وإن كذبها فقد أبرأها من الضمان ثم يكون القول قول صاحب الحلي؛ لأن تحكيم الحال متعذر بعد الهلاك وإذا تعذر تحكيم الحال جعل القول قول رب الحلي؛ لأن المستأجر يدعي زوال التسليم بعدما وجد التسليم وصاحب الحلي ينكر فيكون القول صاحب الحلي.
نوع آخر
إذا اختلف رب الدابة والمستأجر ولم يركب بعد فقال المستأجر: أكريتني من الكوفة إلى بغداد بعشرة، وقال رب الدابة: أكريتك من الكوفة بعشرة دراهم إلى قصر والقصر هو المنتصف إن لم يقم لأحدهما بينة فإنهما يتحالفان ويترادان؛ لأنهما اختلفا في بدل عقدي تجارة حال ما يحتمل العقد الفسخ، فيتحالفان ويترادان وإن قامت لأحدهما بينة؛ فإنه يقضي بينة لأنه ادعى أمراً حادثاً وأثبته بالبينة، فإن أقاما جميعاً البينة كان أبو حنيفة يقول أولاً: يقضي إلى بغداد بخمسة عشر درهماً وهو قول زفر رحمهم الله، ثم رجع وقال: يقضي إلى بغداد بعشرة دراهم وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
وجه قوله الأول: لأن كل واحد منهما ادعى عقداً غير ما يدعيه صاحبه، صاحب الدابة ادعى عقداً إلى المنتصف بعشرة والآخر بخمسة فيجب القضاء بهذا العقد إلى المنتصف بعشرة ببينة صاحب الدابة، وادعى المستأجر من المنتصف إلى بغداد عقداً بخمسة أنكرها رب الدار وأثبتها بالبينة فلا بد من القضاء بها فيجب القضاء بعقدين من هذا الوجه.(8/204)
-----
ووجه قول الآخر: وهو أنهما اتفقا على أنه ما جرى ما بينهما إلا عقد واحد وقد أمكن القضاء على وفق ما اتفقا عليه بأن لا تقبل بينة رب الدابة، لأنها قامت على إثبات العشرة وإنها ثابتة له بإقرار المستأجر وإذا أمكن رد بينته بقيت بينة المستأجر لا غير، وقد أثبت الإجارة إلى بغداد بعشرة دارهم فيقضى بذلك كما لو تفرد المستأجر بإقامة البينة لا غير.
ونظير هذا ما قالوا جميعاً في بيع العين: إذا ادعى البائع أنه باع منه هذا العبد بألف وادعى المشتري أنه اشترى هذا العبد وهذه الجارية بألف درهم وأقاما جميعاً البينة يقضى بعقد واحد ببينة المشتري؛ لأنهما اتفقا على أنه ما جرى بينهما إلا عقد واحد وقد أمكن القضاء بعقد واحد بأن لا تقبل بينة البائع؛ لأنها قامت على إثبات الألف وهو ثابت له بإقرار المشتري والمشتري ادعى زيادة في المعقود عليه لم يثبت له بإقرار البائع وأثبتها بالبينة فوجب القضاء بعقد واحد فكذلك ها هنا ثم أبو يوسف لا يحتاج إلى الفرق بين هذا وبين (44ب4) السلم؛ لأن المذهب عنده أنه يقضى بعقد واحد ما أمكن وقد أمكن القضاء بعقد واحد، فأما محمد رحمه الله يحتاج إلى الفرق، ووجه الفرق أنه إنما يقضى بعقدين إذا أمكن (و) القضاء بهما غير ممكن؛ لأن للمنافع حكم العين فمتى صار مستحقاً بعقد لا يمكن أن يجعل مستحقاً بعقد آخر ومنافع هذه الدابة إلى القصر صار مستحقاً بعقد فلا يمكن أن يجعل مستحقاً بعقد آخر فيتعذر القضاء بالعقدين ها هنا.
فأما في باب السلم فرأس المال والمسلم فيه دين ومحل الدين الذمة وفي الذمة سعة فكان القضاء بالعقدين ممكناً فقضينا بهما عملاً بالبينتين.(8/205)
-----
وإذا استأجر الرجل من آخر دابة ودفعها إليه بغير سرج ولا لجام، وقال: أكريتك عرياناً ولم أكرك بسرج ولا لجام، وقال المستكري: استكريتك بسرج ولجام كان القول قول صاحب الدابة؛ لأنه لو أنكر الإجارة أصلاً كان القول قوله، فكذا إذا أقر بإجارة الدابة وأنكر إجارة السرج والإكاف وهذا بخلاف المسألة الأولى قال: ثمة يتحالفان وهنا قال: لا يتحالفان.
ووجه الفرق بينهما أن في المسألة الأولى اختلفا في بدل المعقود عليه والاختلاف في بدل المعقود عليه يوجب التحالف، فأما في مسألتنا لم يختلفا في بدل المعقود عليه ولا في المعقود عليه بل اختلفا في بيع من توابع المعقود عليه، فكان بمنزلة ما لو اختلفا في بيع العين في شرط يلحق به وثمة لا يتحالفان؛ لأن المشروط اتباع فكذلك هذا.
وإذا تكارى الرجل: دواب من بغداد إلى مدينة الري بأعيانها كانت الإجارة جائزة؛ لأن المعقود عليه معلوم والأجر معلوم، فجازت الإجارة وإنما شرط مدينة الري؛ لأنه لو استأجرها إلى الري كان لا تصح الإجارة على ما يذكره في ظاهر الرواية؛ لأن اسم الري يشتمل على المدينة وعلى الرستاق فإن جوار الري يسمى رياً وهي من مدينة الري بمراحل، وكان بمنزلة من استأجر دابة إلى خراسان لم يجز؛ لأن خراسان تشتمل على أمصار كثيرة فكذلك هذا.
وإذا جازت الإجارة لو أن المكاري باع هذه الدواب من غيره أو وهب أو تصدق أو أجر أو أعار أو أودع فجاء المستكري ووجد الدواب في يد غيره، فأراد أن يقيم البينة على إجارته هل تقبل بينته؟ فهذا على وجهين:(8/206)
-----
إما أن يكون المكاري حاضراً أو غائباً فإن كان المكاري حاضراً فإنه يقبل بينته عليه، وإن كان يقر أنه أجرها منه، لأن بينة المستأجر قامت على خصم حاضر؛ لأن المستأجر مع الذي في يده الدابة تصادقا أن الملك في الدابة كان للمكاري، والمكاري صدقهما في ذلك فيثبت الملك للمكاري في الدابة بتصادقهم جميعاً فكان المكاري خصماً للمستأجر فتقبل بينته عليه فإن قيل: كيف تقبل بينته والمكاري يقر أنه أجر هذه الدواب منه أولاً كما يدعيه المستكري والبينة لا تقبل على المقر قلنا: المكاري وإن أقر بذلك إلا أنه لم يصح إقراره بحق ذي اليد، وإذا لم يصح إقراره صار وجود هذا الإقرار منه وعدمه بمنزلة.
ونظير هذا ما قالوا فيمن باع من آخر شيئاً ثم ادعى البائع أنه كان باع من غيره أولاً فإنه لا يصدق فيما أقربه ولو أن الأول أقام البينة على ما ادعى سمعت بينته وإن كان البائع مقراً بذلك؛ لأن إقراره غير مقبول لحق الثاني فصار وجود إقراره وعدمه بمنزلة فقبلت البينة عليه، فكذلك هذا وإذا سمعت بينه المستأجر وكأن المكاري باعه من غيره إن كان باعه بعذر فإن كان عليه دين فادح لم يكن للمستأجر سبيل على الدابة؛ لأن الإجارة تنتقض متى حصل البيع حالة العذر بقضاء قاضٍ على الروايات كلها وبغير قضاء القاضي على عامة الروايات، وفي رواية «الزيادات» لا تنتقض وإذا انتقضت الإجارة لا يبقى للمستأجر على الدابة سبيل.
وإن كان باعها بغير عذر كان المستأجر أحق بها إلى أن تنقضي مدة إجارته؛ لأن بيع المستأجر من غير عذر لا يوجب انتقاض الإجارة وإذا أبقى إجارة المستأجر وقد ثبت بالبينة أن إجارته كانت جامعة على بيع الذي في يده الدابة؛ كان المستأجر أحق بها إلى أن تنقضي مدة إجارته وما يقول في الكتاب أن البيع مردود، فتأويله إذا فسخ المشتري البيع.(8/207)
-----
وذلك لأن المستأجر لما كان أحق بالدابة بأجر قبض المشتري فيتخير إن شاء يتربص إلى أن تنقضي مدة إجارته وإن شاء فسخ البيع كما لو اشترى عبداً فأبق قبل القبض فإذا تربص حتى انقضت مدة الإجارة يكون البيع جائز أو لا يكون للمستأجر حق الفسخ؛ لأنه توصل إلى حقه من غير فسخ وإن كان أجر من غيره أو أعار أو وهب أو تصدق كان المستأجر الأول أحق بها إلى أن يستوفي إجارته ثمة تجوز هذه التصرفات ويكون الجواب في حق هذه التصرفات كالجواب فيما إذا باعه بغير عذر؛ لأن العذر لا يستحق في حق هذه الأشياء حتى تنتقض الإجارة هذا الذي ذكرنا إذا كان المكاري حاضراً.
فأما إذا كان المكاري غائباً فإن بينة المستأجر تقبل إذا كان الذي في يديه الدابة مشترياً أو متصدقاً عليه أو موهوباً له؛ لأن الذي في يديه الدابة متى كان مشترياً أو متصدقاً عليه يدعي الملك لنفسه فيما في يده فينتصب خصماً لكل من ادعى حقاً في يده وقد ادعى المستأجر حقاً فيما في يده فينتصب خصماً له وقبلت بينته بعد هذا إن كان باعه المكاري بعذر فلا سبيل له على الدابة؛ لأن الإجارة انتقضت فإن كان باعه بغير عذر أو وهب أو تصدق كان المستأجر أحق به إلى أن يستوفي إجارته؛ لأن إجارته سابقة على هذه التصرفات فكان المستأجر أحق بها إلى أن يستوفي إجارته، فأما إذا كان الذي في يده الدابة مستأجراً أو مستعيراً أو مودعاً وقد صدقه المستكري فيما قال، قال: لا تقبل بينته عليه؛ لأنه ثبت بتصادقهما أن ذا اليد مستأجر أو مستعير أو مودع من رجل معروف والمودع والمستعير والمستأجر لا ينتصب خصماً، فالبينة قامت لا على خصم فلا تقبل.(8/208)
-----
ثمة يقول في «الكتاب»: والمستأجر أحق بها حتى يستوفي إجارته ولم يذكر أن المستأجر الأول أحق بها أم الثاني، ويجب أن يكون الجواب على التفصيل إن كان المكاري حاضراً فالمستأجر الأول أحق بها، وإن كان غائباً فالمستأجر الثاني أحق بها لأن المكاري إذا كان حاضراً فبينة المستأجر الأول مقبولة في هذه الحالة والثابت بالبينة أفاد له كالثابت معاينة ولو عاين القاضي إجارته أولاً جعل الأول أحق بها، فكذا إذا ثبت بالبينة، وأما إذا كان المكاري غائباً فبينة المستأجر الأول لا تقبل في هذه الحالة فيكون الثاني أحق بها إلى أن يستوفي إجارته.
ذكر شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده المسألة على هذا الوجه فلم يجعل المستأجر الثاني خصماً للمستأجر الأول.
وذكر الشيخ الإمام الزاهد أحمد الطواويسي والشيخ الإمام الزاهد فخر الإسلام علي البزدوي أن بينة المستأجر على صاحب اليد إذا كان مستأجراً مقبولة وجعله خصماً له، وفرقا بين المستأجر وبين المستعير والمودع.(8/209)
-----
رجل استأجر دابة من رجل إلى واسط بعشرة دراهم وقال المكاري للمستكري: استكر علي غلاماً يتبعك ويتبع الدابة وأجره علي وأعطه نفقة ينفق على نفسه وعلّى الدابة من كراء الدابة كان ذلك جائز، فإن اختلفا فقال المستكري: استكريت الغلام وأعطيت نفقته ونفقة الدابة من كراء الدابة وقد برئت من الأجر بذلك القدر وأنكر صاحب (44ب4) الدابة استئجار العبد، فالقول قول صاحب الدابة أنه لم يستأجر وعلى المستكري البينة أنه استأجر الغلام، وإن كان المستكري وكيلاً بالاستئجار؛ لأن الوكيل بالاستئجار بمنزلة الوكيل بالشراء إذا قال: اشتريت وهلك الثمن عندي وأراد أن يرجع بالثمن على موكله والوكيل بالشراء إذا أقر أنه اشترى وهلك عنده ولم يكن الثمن مدفوعاً إليه وأنكر الموكل فالقول قول الموكل مع يمينه وعلى الوكيل البينة أنه اشترى فكذلك ها هنا، فإن أقام البينة على أنه استأجر الغلام بعد هذا وأقر الغلام أنه قبض النفقة إلا أنه ضاع أو سرق منه وأنكر المكاري كان القول قوله، يعني: قول الغلام؛ لأنه لما ثبت استئجار الغلام صار الغلام وكيلاً من جهة المكاري يقبض ما عليه من الكراء بمقدار النفقة الوكيل بقبض الدين إذا قال: قبضت وهلك عندي كان القول قوله فكذا هذا.
فإن قيل: كيف يصير الغلام وكيلاً من جهة المكاري بقبض ما عليه من الكراء بمقدار نفقته ونفقة الدابة وهو لم يعلم بهذه الوكالة؟ قلنا: المستكري أخبره بذلك؛ لأنه حال ما يستأجر يجبره أنه يستأجره ليفعل كذا، فيصير وكيلاً كرجل وكل غائباً فبلغه الوكالة فإنه يصير وكيلاً، فكذلك هذا.(8/210)
-----
رجل استأجر دابة ذاهباً وجائياً فمات المكاري في الطريق فإن الإجارة لا تنتقض فإن استأجر المستكري رجلاً حتى يقوم على الدابة جاز وكان أجره على المستكري ولا يرجع بذلك على الورثة والمسألة قد مرت فإن اختلف الورثة والمستكري فقالت الورثة: إنما أجرك أبونا هذه الدابة على أن مؤنة الدابة عليك وأنكر المستكري ذلك فالقول قوله؛ لأنهم يدعون على المستكري زيادة والمستكري ينكر فيكون القول قوله مع يمينه، وإن أقاما البينة فالبينة بينة الورثة؛ لأنهم يدعون زيادة في الأجر منها بينة المستأجر فتكون البينة بينة الورثة وإن كانوا لا يستحقون هذه الزيادة ببينتهم لفساد العقد.
هذا كما ذكر في كتاب المزارعة: إذا اختلف المزارع وصاحب الأرض في مقدار المشروط فأقام الذي ليس البذر من عنده البينة أنه شرط النصف وزيادة عشرة أقفزة، وأقام الآجر البينة أنه شرط له النصف فالبينة بينة من يثبت الزيادة، وإن كان لا يستحق هذه الزيادة متى أقام البينة لفساد العقد فكذلك هذا.
وإذا استأجر رجل دابة من رجلين إلى بغداد ذاهباً وجائياً فقال أحدهما: أكريناكها بعشرة دراهم وقال الآخر: بخمسة عشر فهذا على وجهين:(8/211)
-----
إما أن يصدق المستأجر أحدهما، فيقول: أكريتها بعشرة أو لا يصدق أحدهما فيما يدعي ويقول: أكريتها بخمسة وقد اختلفا قبل استيفاء المعقود عليه، أو بعد استيفاء المعقود عليه، فإن اختلفا قبل استيفاء المعقود عليه وليستلم بينة والمستأجر يكذب كل واحد منهما ويدعي الإجارة بخمسة فإنه يجب التحالف في نصيب كل واحد منها؛ لأن الاختلاف وقع في بدل عقدين تجارة حال ما يحتمل العقد الفسخ؛ لأن المعقود عليه قائم فيجب التحالف في النصيبين جميعاً فإذا تحالفوا فسخ القاضي العقد في جميع الدابة كما في بيع العين، وإن كان المستأجر يصدق أحدهما بأن كان يدعي العقد بعشرة فإنه لا يجب التحالف في حصته الذي صدقه؛ لأنهما لم يختلفا في بدل المعقود عليه في حصته ويتحالفان في حصة الذي يدع العقد بخمسة عشر، فإذا تحالفا وطلب أحدهما الفسخ من القاضي أو طلبا جميعاً، فإن القاضي يفسخ العقد في حصته وتبقى الإجارة في حصة الآخر بخمسة دراهم عندهم جميعاً، كما لو مات أحدهما.
وإن وقع الاختلاف بعد استيفاء المعقود عليه فالقول قول المستأجر مع يمينه كما في بيع العين، إذا اختلفا بعد هلاك السلعة فالقول قول المشتري مع يمينه فكذلك هذا، وهذا الجواب على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا يشكل، فأما على قول أبي حنيفة ففيه اختلاف المشايخ وإن أقاما جميعاً البينة فإن يقضى لكل واحد منهما بنصف ما ادعى من الأجر، لأن كل واحد منهما ببينته يثبت نصف ما ادعى من الأجر لنفسه ونصفه لصاحبه إلا أنه خصم فيما يدعيه لنفسه وليس بخصم فيما يدعي لصاحبه فتقبل بينة كل واحد منهما في نصف ما ادعى من الأجر لنفسه لا غير فيقضى لمدعي خمسة عشر تسعة ونصف، ويقضى للآخر بخمسة دراهم هذا إذا اختلفا في بدل المعقود عليه.(8/212)
-----
فأما إذا اختلفا قي قدر المعقود عليه في السير فقال أحدهما: أكريناها إلى المدائن وقال الآخر: إلى بغداد واتفقوا على الكري فهذا على وجهين: إما أن يختلفا قبل السير أو بعد السير والمستأجر يصدق أحدهما فيما يدعي أو يكذب ويدعي المسير إلى مكان أو غير ما يدعيان، فإن كانوا اختلفوا قبل السير والمستأجر يكذب كل واحد منهما فيما يدعي، ويدعي مكاناً آخر أبعد مما يقران، فإنه يجب التحالف في نصيب كل واحد منهما؛ لأنهم اختلفوا في قدر المعقود عليه في عقدي تجارة حال ما يحمل العقد الفسخ فيجب التحالف كما في بيع العين، فإن اختلفوا وطلبوا الفسخ من القاضي فسخ القاضي العقد في جميع الدابة وإن كان المستأجر يصدق أحدهما فيما يدعي فإنه لا يجب التحالف في نصيب الآخر؛ لأن التحالف يجري بين المتكاذبين لا بين المتصادقين فيجب التحالف في نصيب الذي يكذبه، فإذا حلفا يفسخ القاضي في نصيبه وتبقى الإجارة في نصيب الآخر جائزة عندهم جميعاً هذا إذا اختلفا قبل المسير.
فإن اختلفا بعد المسير إلى أحد المكانين فالقول قول الآجر مع يمينه؛ لأن المستأجر يدعي زيادة في المعقود عليه وصاحب الدابة ينكر حال مالا يحتمل الفسخ فيكون القول قوله مع يمينه كما في بيع العين إذا اختلفا في قدر المعقود عليه واتفقا على الثمن حال مالا يحمل العقد الفسخ وهناك القول قول البائع مع يمينه فكذلك هذا، ولم يذكر محمد رحمه الله جواب هذه المسألة بتمامها في الكتاب، وإن أقاموا جميعاً فالبينة بينة المستأجر إذا كان يدعي زيادة مسير على ما يقولان؛ لأنه يثبت زيادة في المسير تنفيها بينة صاحبي الدابة فتكون البينة بينته.
وما ذكر في الكتاب أن القول قول الذي استأجر مع يمينه جواب المسألة الأولى لا جواب الثانية.(8/213)
-----
إذا استأجر الرجل دابة وغلاماً ليذهب به بكتاب إلى بغداد، فاختلف المستأجر والأجير فهذا على وجهين: إما أن يختلفا في إيفاء العمل بأن قال العبد: دفعت الكتاب إلى فلان وقال المرسل: ما دفعت إليه أو اختلفا في إبقاء الأجر بأن قال المرسل أعطيتك الأجر أو قال: أعطاك المرسل إليه وأنكر الغلام ذلك فإن اختلفا في إيفاء العمل والمرسل ينكر يكون القول قوله كالبائع إذا ادعى تسليم المبيع والمشتري ينكر وإن اختلفا في إيفاء الأجر فالقول قول الغلام؛ لأن المرسل يدعي إيفاء الأجر والغلام ينكر فيكون القول قوله، كالمشتري إذا ادعى إيفاء الثمن وأنكر البائع كان القول قوله مع اليمين، كذا هذا.
رجل تكارى دابة من رجل ولم يسم بغلاً أو حماراً فجاءه بحمار فاختلفا فقال المستكري: إنما استكريت منك هذا البغل بخمسة دراهم وقال المكاري: بل أكريتك هذا الحمار بخمسة دارهم فهذا على وجهين:(8/214)
-----
إما إن يختلفا قبل (45آ4) الركوب أو بعد الركوب، فإن اختلفا قبل الركوب وليس لأحدهما بينة فإنهما يتحالفان؛ لأنهما اختلفا في المعقود عليه حال قيام المعقود عليه وهو قابل للفسخ فيتحالفان وإنما قلنا ذلك؛ لأن البغل مع الحمار مختلفان فتكون منفعتهما مختلفة فكان الاختلاف في المعقود عليه، وإن اختلفا بعد الركوب ولم يتم لأحدهما بينة فالقول قول المستأجر، لأن المكاري يدعي عليه إجارة الحمار وهو ينكر ويقول: ما استأجرت الحمار ولم يجب علي شيء بركوبه فيكون القول قوله مع يمينه، فأما إذا أقاما جميعاً البينة إن وقع الاختلاف في المعقود عليه وهي المنفعة، فإن اختلفا قبل الركوب فالبينة بينة المستأجر وذلك، لأن المستأجر ببينته يثبت استحقاق منفعة البغل لنفسه والمكاري يثبت استحقاق منفعة الحمار لغيره، فكان المستأجر أثبته بالمدعين فكانت بينته أولى بالقبول وكان كالبائع والمشتري إذا اختلفا في المعقود عليه وأقاما جميعاً البينة فالبينة بينة المشتري؛ لأنه يثبت لنفسه والبائع لغيره وإن وقع الاختلاف بينهما في الأجر بأن اختلفا بعد الركوب فالبينة بينة المكاري أولى بالقبول.
(8/215)
-----
وإذا تكارى الرجل دابة من الكوفة إلى فارس وسمى مدينة معلومة فالإجارة جائزة؛ لأن المعقود عليه معلوم، والأجر معلوم فإن اختلفا في النقد فقال لمستأجر: أعطيتك نقد فارس؛ لأن الوجوب كان بفارس أنقص، وقال المكاري: لا بل عليك نقد كوفة؛ لأن العقد بالكوفة ونقد الكوفة أزيد كان عليه نقد المكان الذي فيه العقد لا نقد المكان الذي حصل فيه الوجوب وذلك؛ لأن الوجوب تبع للعقد؛ لأنه حكم من أحكام العقد والأحكام تابعة لأسبابها، وإذا كان الوجوب تبعاً للعقد كان العقد أصلاً فكان إيجاب مكان العقد وإنه أصل أولى من إيجاب نقد مكان الوجوب، وكان هذا بمنزلة ما لو اشتري عبداً بألف درهم إلى ستين ثم تغير النقد فما كان وقت العقد فإنه يجب نقد ما كان وقت العقد لا نقد ما كان وقت المطالبة لأن المطالبة تبع للعقد لأنه يوجب بسبب العقد فكان اعتبار مكان وقت العقد وإنه أصل أولي من اعتبار مكان وقت المطالبة وإنه تبع فكذلك هذا.
وإذا استأجر الرجل دابة إلى الحيرة فقال رب الدابة: هذه الدابة دونك فاركبها فلما كان يقدر ما يرجع من الحيرة اختلفا فقال المستكري: لم أذهب بها إلى الحيرة فلا أجر علي وقال صاحب الدابة: لا بل ذهبت بها إلى الحيرة ولي عليك الأجر فهذا على وجهين: إما إن يعلم خروجه إلى الحيرة أو لم يعلم خروجه، فإن لم يعلم خروجه وتوجهه إلى الحيرة فالقول قول المستأجر؛ لأنه متى لم يعلم خروجه فحاصل اختلافهما وقع في التسليم في المكان الذي أضيف إليه العقد صاحب الدابة يدعى تسليمها في المكان الذي أضيف العقد إليه والمستأجر ينكر فيكون القول قول المستأجر، وإن علم خروجه إلى الحيرة فالقول قول صاحب الدابة؛ لأنه متى علم خروجه إلى الحيرة فقد ثبت التسليم في المكان الذي أضيف إليه العقد حاصل اختلافهما بعد ذلك إنما وقع في انقطاع التسليم.(8/216)
-----
المستأجر يدعي انقطاع التسليم بعدما وجد، وصاحب الدابة ينكر فيكون القول قوله، وكان المستأجر الدار إذا ادعى أنه غصب الدابة منه بعد ما سلم للدار إليه وصاحب الدار ينكر وهناك القول قول صاحب الدار إذا لم يكن في الدار غاصب وقت المنازعة فكذلك هذا.
نوع آخر
إذا وقع الاختلاف بين المستأجر وصاحب الرحى فهذا على وجهين: إما أن يختلفا في مقدار مدة الانقطاع بأن قال صاحب الرحى: انقطع خمسة أيام وقال المستأجر: انقطع عشرة أيام أو يختلفا في أصل الانقطاع بأن قال المستأجر: انقطع الماء عشرة أيام وقال صاحب الرحى: لم ينقطع.
فإن اختلفا في مقدار مدة الانقطاع بعدما اتفقا على الانقطاع فالقول قول المستأجر مع يمينه لوجوه ثلاثة:
الأول: وهو أن صاحب الرحى مع المستأجر اتفقا على زوال التسليم بعد ما كان ثابتاً حين اتفقا على انقطاع الماء لأن انقطاع الماء يوجب زوال التسليم ولهذا سقط الأجر بقدره فصاحب الرحى بعد ذلك يدعي تسليماً مبتدأ بعود الماء بعد خمسة أيام والمستأجر ينكر فيكون القول قوله، كما لو لم يكن التسليم ثابتاً ادعى صاحب الرحى التسليم والمستأجر ينكر فيكون القول قوله فكذلك هذا.
والثاني: أن صاحب الرحى يدعي على المستأجر زيادة أجر والمستأجر ينكر فكان القول قول المستأجر مع يمينه.
والثالث: أن العقد انفسخ في مدة خمسة أيام باتفاقهما؛ لأن انقطاع الماء يوجب انفساخ العقد ولهذا يسقط الأجر بقدره فصاحب الرحى بعد مضي خمسة أيام يدعي عود العقد والمستأجر ينكر، فعلى العبارات الثلاث القول قول المستأجر مع يمينه.(8/217)
-----
فأما إذا اختلفا في أصل الانقطاع فإنه يُحَكَّم الحال إن كان الماء جارياً وقت الخصومة فالقول قول صاحب الرحى مع يمينه؛ لأن ظاهر الحال يشهد له؛ لأن الماء كان جارياً في الابتداء ووقت الخصومة جاري فالظاهر أنه لم ينقطع فيما بين ذلك، فمن ادعى الانقطاع فقد ادعى خلاف الظاهر فكان مدعياً والآخر منكراً، وإن كان الماء منقطعاً وقت الخصومة فالقول قول المستأجر؛ لأن الظاهر يشهد للمستأجر؛ لأن الانقطاع للحال يدل على انقطاعه فيما مضى من حيث الظاهر فيجعل القول قول المستأجر.
وإذا استأجر الرجل رحى ماء فأنكر أحد الحجرين أو الدوارة فهذا عذر وله أن يفسخ الإجارة لما ذكرنا من قبل، وكذلك إذا انكسر البيت فإن اختلفا فهذا على وجهين: إما أن يختلفا في مدة الانكسار بعد ما اتفقا على الانكسار، أو يختلفا في أصل الانكسار والجواب فيه كالجواب فيما إذا اختلفا في قدر مدة الانقطاع وفي أصل الانقطاع.
(8/218)
-----
وإذا تكارى رجل من غيره إبلاً مسماة من الكوفة إلى مكة ثم اختلفا في الخروج فقال أحدهما: أخرج لعشرة ذي القعدة وقال الآجر: لا بل يخرج بعد خمس يمضين من ذي القعدة، فإنه يؤخذ بقول من يقول أخرج بعد خمس يمضين من ذي القعدة وذلك لأن ما يقوله هذا أقرب إلى المعروف المعتاد فيما بينهم؛ لأن المعروف المعتاد فيما بينهم أنهم كانوا يخرجون بعد عشر يمضين من ذي القعدة؛ لأنهم كانوا لا يخافون فوات الحج ولا يلحقهم تعب السرعة في السير بطي المراحل؛ لأن من الكوفة إلى مكة سبعة وعشرين مرحلة فيحتاج إلى سبعة وعشرين يوماً، وقد بقي من ذي القعدة عشرين إن كُمِلَّ الشهر وإن أنقص تبقى تسعة عشر فيحتاج إلى سبعة أو إلى ثمانية من عشر ذي الحجة فيكونون يوم التروية بمكة لا محالة، وإذا كان الوقت المعروف للخروج فيما بينهم بعد عشر يمضين من ذي القعدة، فمن قال: أخرج بعد عشر يمضين كان ما يقول أقرب إلى المعروف المعتاد مما يقوله الآخر؛ لأنه يدعي التقدم على الوقت المعتاد بخمسة، والآخر يدعي التقدم بعشرة، فكان الأخذ بقوله أولى إذ ليس في الأخذ بقوله فوات الحج ولا تعب السرعة بطي المراحل وهذا بخلاف ما لو قال أحدهما: أخرج بعد النصف من ذي القعدة وقال الآخر: بل أخرج بعد خمس يمضين، فإنه لا يؤخذ بقول واحد منهما ويؤخد بالوقت المعتاد وذلك؛ لأن ما يقوله كل واحد منهما في المقارنة في الوقت المعتاد وفي المخالفة على السواء (45ب4) لأن أحدهما يدعي التقدم على الوقت المعتاد بخمسة والآخر يدعي التأخر عن الوقت المعتاد بخمسة فلم يمكن ترجيح قول أحدهما على الآخر فتساقط القولان للتعارض فوجب الأخذ بالوقت المعتاد وذلك بعد عشر يمضين بخلاف الفصل الأول؛ لأن هناك أمكن ترجيح قول أحدهما على الآخر من الوجه الذي ذكرنا وهذا كله إذا لم يتفقا على شيء، فأما إذا اتفقا على وقت فإنه يجب الأخذ بذلك، وإن كان ما اتفقا عليه خلاف المعروف المعتاد؛ لأنه لا عبرة للعرف متى(8/219)
جاء(8/220)
-----
الشرط بخلافه، كما في نقد البلد في البياعات لا عبرة بها متى جاء الشرط بخلافه فكذلك هذا.
نوع آخر
الأصل في هذا النوع أن التنازع متى وقع بين اثنين لم يصر قول أحدهما حجة على الآخر وهذا ظاهر.
والثاني: أن القضاء بالبينة على الغائب وللغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر إما حكمي أو قصدي لا يجوز، والقضاء للغائب بإقرار الحاضر جائز.
والثالث: لأن البينة متى قامت لحفظ مال الغائب ودفع الهلاك والفساد عن ماله فالقاضي بالخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل؛ لأنها قامت على إثبات حق الغائب من وجه ليس عنه خصم حاضر إلا أن فيه وقع الفساد والهلاك عن أموال من كان عاجزاً عن الحفظ بنفسه، والقاضي نصب ناظراً للمسلمين فإن شاء مال إلى هذا الجانب وإن شاء مال إلى ذلك الجانب.
قال: رجلان استأجرا دابة من الري إلى الكوفة بأجر مسمى، فلما ذهبا إلى الكوفة اختصما عند القاضي فقال أحدهما: اكتريناها من فلان إلى الكوفة ذاهباً وجائياً وقال الآخر: اكتريناها من فلان إلى مكة ذاهباً وجائياً ولا بينة لواحد منهما فإن القاضي يقضي بالدابة ملكاً للمقر له الغائب؛ لأنهما أقرا أنها مملوكة للغائب والدابة في أيديهما وإقرار صاحب اليد بما في يده للغائب صحيح فصّح القضاء به للغائب ولا يقضي فيها بالإجارة؛ لأنهما يدعيان الإجارة فيها على الغائب والقضاء على الغائب بالبينة لا يجوز، فكيف بمجرد دعواهما، ويمنع القاضي كل واحد منها من الذهاب إلى الموضع الذي يدعي؛ لأن كل واحد منهما ينازع الآخر، وقد بينا أن قول كل واحد من المنازعين ليس بحجة على صاحبه، فإن اجتمعا على شيء تركهما القاضي وما اجتمعا عليه؛ لأن الدابة في أيديهما وقولهما فيما لا منازع لهما حجة وليس للقاضي إنشاء الخصومة للغائب فيدعهما وما اجتمعا عليه، كرجل في يده مال وهو يقول:(8/221)
-----
وهبه لي فلان أو قال: دفع إلي فلان أو دفعه إلي فلان أجر، فالقاضي لا يتعرض له لما قلنا كذا ها هنا.
فإن طلبا من القاضي أن يأمرهما بالنفقة عليها أو بيعها، فالقاضي لا يأمرهما بذلك؛ لأن القاضي إنما يجوز له الأمر بالإنفاق على الدابة والأمر بالبيع نظراً للغائب وإنما يكون نظراً للغائب إن كانا أمينين في الدابة بحيث لو لم ينفقا وهلكت الدابة لا يكون عليها ضمان، وهذا محتمل يجوز أن يكونا ضامنين فلهذا لا يأمرهما القاضي بذلك قبل إقامة البينة، فإن أقام كل واحد منهما البينة على ما ادعاه من الكراء وركب البغال وقف القاضي الدابة في أيديهما؛ لأنهما أمنا أن صاحب الدابة رضي بأمانتهما ولا يأذن القاضي لواحد منهما في الركوب إلى الموضع الذي يدعي لما فيه من إزالة يد أحدهما وقد استويا فيه ولما فيه من الحكم على الغائب بالبينة ولكن يأمرهما أن ينفقا عليه على ما يرى أن رجاء قدوم صاحبها وإن لم يرج لا يأمرهما بالنفقة بل يأمرهما بالبيع؛ لأنه ثبت كونها أمانة للغائب في أيديهما، والقاضي نصب ناظراً للمسلمين فيأمرهما بما هو نظر للغائب، ففي الوجه الأول: الانفاق أنظر للغائب، وفي الوجه الثاني: البيع أنظر؛ لأنه إذا كان لا يرجو قدوم صاحبها لو أمرهما بالإنفاق ربما تأتي النفقة على قيمة الدابة فيأمرهما بالبيع احتياطاً، وإذا باعا الدابة بأمر القاضي وقف القاضي الثمن في أيديهما؛ لأنه كان يقف الدابة في أيديهما فيقف بدلها أيضاً في أيديهما، فإن كانا قد أنفقا عليها بأمر القاضي ويثبت ذلك عند القاضي، فالقاضي يعطيهما من الثمن مقدار ذلك؛ لأنه ثبت عند القاضي وجوب هذا القدر ديناً على الغائب؛ لأن أمر القاضي بالإنفاق وله ولاية كأمر الغائب بنفسه وثمن الدابة مال الغائب وأنه من جنس حقهما وكان للقاضي أن يعطيهما من ذلك مقدار دين الغائب.
(8/222)
-----
وإن أقاما جميعاً البينة على أنهما أوفيا الكراء وطلبا من القاضي أن يقضي من الثمن بقية حقهما من الكراء لم يقبل القاضي ذلك؛ لأن هذا دين لم يثبت عند القاضي بما أقاما من البينة لأنهما أقاما البينة؛ على إثبات دين على الغائب وليس عنه خصم حاضر لا قصدي ولا حكمي، فصار وجودها وعدمها بمنزلة.
فإن أقاما البينة على موت صاحب الدابة قبل القاضي ذلك ولقي في بقية حقهما فيما عجلا من الأجرة ويأخذ منهما ما بقي من الثمن ويضعه في يدي ثقة حتى يحضر ورثة الميت.
فرق بين هذا وبينما إذا أقاما البينة على إيفاء الكراء حال حياة الآجر حيث لا يقبل القاضي ذلك، والفرق بينهما أن بعد موت الغائب بينتهما قامت على خصم حاضر وهو القاضي فإن للقاضي بعد موت الغائب ولاية نصب الوصي للميت إذا لم يكن للميت وصي ولا وارث حاضر وما لم ينصب الوصي فالقاضي بمنزلة الوصي للميت، فقامت البينة على خصم حاضر فثبت ما أعطى من فضل الكراء فأما قبل وفاته فليس للقاضي ولاية نصب خصم عن الغائب؛ لأنه يمكن للمدعي الخصومة مع الحي في الجملة فكانت البينة في حق إعطاء فصل الكراء فإنه على غير خصم فلا تقبل وإنما يأخذ القاضي ما بقي من الثمن منهما ويضعه في يدي العدل؛ لأنه يثبت بهذه البينة أن المال صار للوارث ولم يثبت الرضا من الوارث بأمانتهما بخلاف حالة الحياة؛ لأن هناك ثبت كون المال للغائب وقد ثبت أنه رضي بأمانتهما فلا يخرج القاضي العين ولا الثمن بعد البيع عن أيديهما وإن أحب القاضي في جميع هذه المسائل أن لا يتعرض بأمرهما ببيع ولا نفقة ويبيعه ذلك؛ لأن فيه قضاء على الغائب من وجه وفيه حفظ المال على الغائب من وجه أيضاً، فيميل إلى أيهما شاء.(8/223)
-----
ولو اكتريا دابة من بغداد إلى الكوفة ذاهباً وجائياً فلما بلغا الكوفة بدا لأحدهما أن لا يرجع إلى بغداد كان ذلك عذراً في فسخ الإجارة؛ لأنه قصد ترك السفر إلى بغداد في الانتهاء فيكون ذلك عذراً كما لو ترك السفر في الابتداء فإن رفعا الأمر إلى القاضي في فسخ الإجارة وتصادقا على ذلك ولم يقيما بينة فالقاضي لا يعرض بشيء من ذلك لأن قولهما ليس بحجة على القاضي فإن أقاما البينة مع تصادقهما على ذلك فالقاضي لا يفسخ الإجارة لما في ذلك من القضاء على الغائب لكنه إن شاء أجر ذلك النصف من شريكه على سبيل النظر؛ لأن الإجارة على الغائب من باب النظر فيفعله القاضي ذلك كما في اللقطة إذا كانت دابة فإذا فعل ذلك يضمن ذلك انفساخ الإجارة الأولى في حق صاحب العذر مقتضى صحة ما يفعله، ويجوز أن يثبت الشيء ضرورة وإن كان لا يثبت مقصوداً.
وفي الكتاب يقول: إن شاء القاضي يكري للدابة كلها من الذي يرجع إلى بغداد ومعناه أن القاضي يكري النصف الذي كان لصاحب العذر من الذي يريد الرجوع إلى بغداد، ويقرر الكراء في النصف الذي كان له، وإن شاء أكرى نصفها من آخر فتركناها جميعاً أو على سبيل الثاني كما كانا يفعلان مع الأول، وأشار في بعض روايات هذا الكتاب أنهما إذا تصادقا على ما ادعيا في هذه المسألة ولم يقيما بينة أن القاضي يتعرض إما إن شاء أجر ذلك النصف من شريكه الذي يريد الرجعة إلى بغداد أو من رجل آخر على سبيل النظر، كما يفعل مثل هذا إذا أقاما البينة، وذكر في مسألة أول النوع أنهما إذا أجمعا على شيء فالقاضي يتركهما وما أجمعا عليه ولا يتعرض لهما، وليس في المسألة روايتان لكن ما ذكر في مسألة أول النوع (46آ4) جواب القياس.(8/224)
-----
وما ذكر هاهنا جواب الاستحسان وهذا لأن تصادقهما والدابة في أيديهما بمنزلة إقامة البينة، ولو أقاما البينة، القياس أن لا يتعرض لهما، وفي الاستحسان إن فعل كان أحسن وأفضل، وإذا كان فعل البينة على القياس والاستحسان فكذا فصل التصادق.
ثم لم يذكر في الكتاب أنه إذا لم يجد من يكتري ذلك النصف هل له أن يودع ذلك النصف من الذي يريد الرجوع إلى بغداد؟ وذكر في موضع آخر أنه إن شاء فعل ذلك فيكون النصف في يده بالوديعة والنصف بالإجارة فيركب يوماً وينزل يوماً وهذا الإطلاق على قولهما أما على قول أبي حنيفة إجارة النصف من رجل آخر لا يجوز لمكان البيوع
ابن سماعة عن محمد: رجل دفع إلى قصار ثوباً ليقصره له بدرهم فقال القصار: هذا ثوبك وقد قصرته بدرهم كما أمرتني وقال دافع الثوب: ليس هذا ثوبي، وثوبي غير هذا فالقول قول القصار أن هذا ثوبه ولا يضمن بقول الدافع، والقول قول دافع الثوب فيما ادعى عليه القصار من الأجر ولا أجر للقصار، أما القول قول القابض في تعيين المقبوض ولا أجر للقصار؛ لأن الأجر إنما يستحق بإقامة العمل في المحل المأذون فيه وقد اختلفا فيه، وإن قال رب الثوب هذا ثوبي ولم آمرك أن تقصره والذي دفعت إليك ليقصر غير هذا فإنه يأخذ هذا الثوب ولا أجر عليه قال: ولو كان هذا في القطع والخياطة لم يأخذه ولكنه يضمن الخياط قيمته ويتركه على الخياط إن شاء ولم يثبت مثل هذا الخيار في فصل القصار؛ لأن الخياط وجد منه نوع استهلاك والقصار لم يوجد منه الاستهلاك أصلاً.
هشام قال: سألت محمد عن رجل دفع إلى قصار ثوباً فقصره له بدرهم فأعطاه القصار ثوباً وقال: هذا ثوبك وقال رب الثوب: ويراه عوضاً عن ثوبه قال: لا يسعه لبسه أو قال: بيعه إلا أن يقول رب الثوب للقصار: أخذته عوضاً عن ثوبي فيقول القصار: نعم؛ لأن عند ذلك ينعقد بينهما مبادلة ويصير هذا الثوب ملكاً للدافع بالمبادلة.
(8/225)
-----
هشام قال: سألت محمداً رحمه الله عن القصار ومن بمعناه إذا دفع إليهم الشيء بأجر إذا ادعى وذلك الشيء على الدافع لا يصدق عليه إلا ببينة، وكذلك الأجير المشترك في رعي البقر والغنم وهذا الجواب مستقيم على قول محمد ومن يرى أن يد أجير المشترك يد ضمان، أما من يرى أن يده يد أمانة وهو أبو حنيفة رحمه الله يقول: يقبل قوله في الرد كالمودع وكذلك إن ادعى الموت كان كما إذا ادعى الرد قال: ولو تكاراه على أن يحمل له مملوكاً، فادعى أنه مات صدق بلا بينة وليس ولد آدم كالبهائم.
ابن سماعة عن محمد: في رجل أجر رجلاً داراً بعشرة دراهم فاستحقها رجل ببينة قامت له على الدار وقال: كنت دفعتها إلى الآجر وأمرته أن يؤجرها لي فالأجرة لي وقال الآجر: كنت غصبتها منه وأجرتها فالأجرة لي، فالقول قول رب الدار ويأخذ الأجر؛ لأن الظاهر شاهد لرب الدار فإن الظاهر أن الإنسان يتصرف في ملك الغير لذلك الغير وإن أقام الآجر بينة على ما ادعى من الغصب لم تقبل بينته؛ لأن بهذه البينة يريد إبطال قول المستحق والبينات شرعت للإثبات لا للإبطال، وإن أقام بينة على إقرار المستحق بما ادعى من الغصب قبلت بينته و كانت الأجرة له؛ لأنه البينة لا تبطل حق المستحق إنما يثبت إقراره بالغصب ثم إذا ثبت الغصب ترتب عليه حكم الآجر.
وذكر الحاكم الشهيد في «المنتقى» عن هذه المسألة في الدابة برواية هشام عن محمد رحمه الله، وذكر الجواب فيها على نحو ما ذكرنا في مسألة الدار.
ولو كان الآجر بنى في الأرض بناء ثم أجرها بسببه فقال رب الأرض أمرتك أن تبني وتؤاجر وقال الآجر: غصبتك وبنيتها وأجرتها قال: يقسم الأجر على قيمة الأرض غير مبنية وعلى البناء فما أصاب الأرض فهو لرب الأرض وما أصاب البناء في يده.(8/226)
-----
إبراهيم وهشام عن محمد رحمه الله: في رجل في يديه أرض زرعها فقال رب الأرض: أمرتك أن تزرع فزرعت بأمري، وقال المزارع: غصبتها وزرعتها لنفسي فالقول قول الزارع يأخذ منه قدر بذره ونفقته ويتصدق بالفضل وهذا؛ لأن الزارع زرعه ببذر كان في يده والزرع نما ذلك البذر فالظاهر كما يشهد له في البذر يشهد له في نمائه فيقبل قوله فيه.
وفي «فتاوى الفضلي»: فيمن استأجر ضياعاً بعضها مزروعة، وبعضها فارغة قال: يجوز في الفارغة دون المشغولة، وإذا اختلفا فالقول للمؤاجر بخلاف البيع، فإن هناك القول لمن يدعي الصحة، لأن هناك اتفقا على أصل العقد واختلفا في وصف الصحة، أما ها هنا المؤاجر ينكر العقد أصلاً.
قال القاضي: الإمام ركن الإسلام علي السغدي: ينبغي أن يُحَكِّم الحال إن كانت فارغة فالقول للآجر وإن لم يكن فللمستأجر.
وفي الدعوى من الفتاوي: أرسل صاحب الكرابيس إلى قصار رسولاً ليسترد ثيابه الأربع، فلما أتى به فإذا هو ثلاثة قال القصار: دفعت إليه أربعة، وقال الرسول: دفع إلي ولم يعده قال: يسأل صاحب الثياب فأيهما صدقه منهما برئ عن خصومته وأيهما كذبه يحلفه، فإن حلف برئ وإن أبى لزمه ما ادعاه فإن صدق القصار وجب عليه أجر الثوب الرابع وإن كذبه وحلف القصار، فللقصار على صاحب الثوب اليمين على الآجر، فإن حلف برئ عن الأجر بحصة الثوب الرابع.(8/227)
-----
قاله أبو بكر: استأجر من آخر دابة، وذهب إلى سمرقند فجاء آخر وادعاها لنفسه ولم يصدقه أنه مستأجر واستحق عليه هل للآجر أن يرجع على بائعه؟ قيل لا أشار إليه في الباب الثاني من الزيادات فإنه قال: جاريته في يد عبد الله فقال إبراهيم لمحمد: هذه الجارية بعتها منك وسلمتها إليك وقد غصبها منك عبد الله وصدقه محمد، فلإبراهيم أن يأخذ الثمن من محمد، ولو استحق إنسان الجارية بالبينة من يد عبد الله ليس لمحمد أن يرجع على إبراهيم؛ لأن في زعم البائع وهو إبراهيم والمشتري وهو محمد أن عبد الله غاصب والغاصب لا ينتصب خصماً في إثبات الاستحقاق عليه، فلم يثبت الاستحقاق في حقهما فلا يرجع عليه، فإن كان المدعي للدابة فعلاً على الذي في يديه الدابة بأن قال: هذه الدابة ملكي غصبتها مني ينتصب هو خصماً ويسمع عليه البينة ويكون للآجر حق الرجوع على بائعه إذا ادعى على آجر أني استأجرت هذه الدابة التي في يدك من فلان بتاريخ كذا قبل أن تستأجرها أنت هل ينتصب صاحب اليد خصماً للمدعي في حق إثبات الإجارة عليه؟ حتى لو أقام بينة على الإجارة هل تسمع بينته؟ فهذا على وجهين:
إن ادعى المدعي على صاحب اليد فعلاً بأن قال: استأجرت هذه الدار من فلان وقبضتها فأخذتها مني بغير حق أو غصبتها مني تسمع بينته، وأما إذا قال: استأجرت من فلان قبل أن تستأجر أنت وقد سلم إليك ولم يدع عليه فعلاً لا تسمع بينته؛ لأن المستأجر لا ينتصب خصماً لا في إثبات الكل المطلق ولا في إثبات الإجارة عليه إلا بدعوى الفعل عليه، ويشترط دعوى فعل موجب للرد لا دعوى الفعل المطلق.(8/228)
-----
ألا ترى أنه لو قال المدعي: هذه الدار ملكي اشتريته من الذي أجرها منك لا ينتصب هو خصماً للمدعي وهو نظير مسألة الوديعة إذا ادعى رجل الوديعة وادعى أنه اشتراها من المودع لا ينتصب المودع خصماً له بخلاف ما إذا ادعى الوراثة وقد ذكرنا قبل هذا في مثل هذه المسألة أن المستأجر ينتصب خصماً لمن يدعي الاستئجار قبله على قول الشيخ الإمام الزاهد علي (46ب4) البزدوي، والشيخ الإمام الزاهد أحمد الطواويسي من غير تفصيل ولا ينتصب خصماً على ما ذكره شيخ الإسلام من غير تفصيل. والله أعلم.
الفصل السادس والعشرون: في استئجار الدواب
قال محمد رحمه الله في «الأصل»: إذا تكارى الرجل من رجل إبلاً مسماة بغير أعيانها من الكوفة إلى مكة فالإجارة جائزة.
قال الشيخ الإمام الزاهد خواهرزاده رحمه الله: ليس تفسير المسألة أنه استأجر إبلاً بغير أعيانها؛ لأن استئجار إبل بغير أعيانها لا يجوز؛ لجهالة المعقود عليه. ألا ترى أنه لو استأجر عبداً للخدمة لا بعينه لا يجوز وإنما لا يجوز لمكان جهالة المعقود عليه. وإنما تفسير المسألة أن يقبل المكاري الحمل، فيقول له المستكري: احملني إلى مكة بكذا على إبل فيكون المعقود عليه الحمل في ذمة المكاري وإنه معلوم، والإبل آلة الحمل. وجهالة الآلة لا توجب فساد الإجارة، كما في الخياط والقصار وما أشبه ذلك. قال الصدر الشهيد رحمه الله: ونحن نفتي بالجواز كما ذكر في الكتاب، وتفسير ذلك ما قلنا وخيار ذلك معتاد، حتى لو لم يكن كذلك لا يجوز.
وفي «الفتاوى»: إذا تكارى دابة إلى موضع معلوم بأربعة دارهم على أن يرجع في يومه فلم يرجع إلى خمسة أيام، قال يجب درهمان أجرة الذهاب؛ لأنه مخالف في الرجوع.[
إذا استأجر بعيراً إلى مكة، فهذا على الذهاب دون المجيء، وفي العارية على الذهاب والمجيء؛ لأن في الإجارة مؤنة الرد على المؤاجر، وفي العارية مؤنة الرد على المستعير.(8/229)
-----
وفي «الأصل»: رجل تكارى دابتين من رجل صفقة واحدة على أن يحمل عليهما عشرين مختوماً، فحمل على كل واحد منهما عشرة مخاتيم قال: يقسم الأجر على أجر شك كل دابة منهما، ولا ينظر إلى ما حمل عليهما؛ لأن أجر الدابة على قدر سيرها وقوتها وسرعتها وإبطائها وإذا اتكارى قوم مشاة إبلاً على أن المكاري يحمل عليه من مرض منهم، أو من أعيا منهم فهذا فاسد؛ لأن الراكب مجهول.
في «الأصل» أيضاً: ولو شرطوا عليه عينه الأجير وتفسيرها: أن يركب واحد منهم ثم ينزل ثم يركب الآجر ثم ينزل، فذلك جائز؛ لأن الراكب معلوم. وإذا أجر الرجل دابة إلى الجبانة أو إلى الجنازة، فهذا لا يجوز. قالوا: إنما لا يجوز إلى الجبانة في بلدة لا مثلها جبانتان، أحديهما: بعيدة والأخرى قريبة. كما كان في بلاد محمد رحمه الله جبانتان أحدهما قريبة والأخرى بعيدة، ولا يدري إلى أيتهما أجر أما إذا كانت جبانة واحدة يجوز وتقع الإجارة على أول حدود من تلك الجباية كما لو استأجر دابة من محلة إلى محلة وفي الجنازة إنما لا يجوز إذا كان المصلى اثنين أو ثلاثة، ولا يدري إلى أيهم أجر أما إذا كان المصلى واحداً أو أكثر إلا أنه يعلم أنه إلى أيهم أجر يجوز.
وإذا استأجر دابة لسبع عليها رجلاً، أو لتلقى عليها رجلاً، لا يجوز لأن المعقود عليه في الدابة إنما يصير معلوماً إما ببيان مدة معلومة إذا كان الركوب مستغرقاً جميع المدة، أو بتسمية مكان معلوم، ولم يوجد واحد منهما. أما المدة فظاهر، وأما المكان فلأنه لم يذكر أنه إلى مكان يسعه وفي أي مكان يتلقاه فيبقى المعقود عليه مجهولاً. وهذه جهالة توقعهما في المنازعة، فلهذا لا يجوز.(8/230)
-----
ومن هذا الجنس إذا استأجر دابة من رجل كل شهر بعشرة، على أنه متى بدأ به من ليل أو نهار حاجة ركبها، فإن كان سمي بالكوفة ناحية من نواحيها فهو جائز، وإن لم يسم مكاناً لا يجوز؛ لأن المعقود عليه مجهول؛ لأن المعقود عليه في الدابة لا يصير معلوماً ببيان المدة إذا لم يكن الركوب مستغرقاً جميع المدة وإنما يصير معلوماً ببيان المكان، فأما إذا استأجر يوماً ليقضي بها حوائجه في المصر فهو جائز وإن لم يبين مكاناً، لأن الركوب هاهنا مستغرق جميع المدة فهو بمنزلة ما لو استأجر رجلاً يوماً للخدمة أو للخياطة وذلك جائز.
وإذا تكارى الرجل دابة من رجل على أن يركب مع فلان تسعه إلى مكان معلوم حتى جازت الإجارة، فحبسها من الغد إلى انتصاف النهار، ثم بدا للرجل أن لا يخرج فرد الدابة عند الظهر، فلا أجر لعدم تمكنه من استيفاء المعقود عليه في المكان الذي أضيف إليه العقد، وهل يضمن بهذا الحبس؟ إن حبسها قدر ما يحبس الناس لانتظار خروج ذلك الرجل لا يضمن، وإن كان أكثر من ذلك يضمن؛ لأن المالك لم يأذن بحبس لا يستوجب الأجر به، لكن قدر ما يحبس الناس لخروج ذلك يحتاج إليه فصار ذلك مستثنى عرفاً وبقي ما ورائه على أصل القياس.
وإذا تكارى الرجل دابة من الكوفة ليركبها إلى مكة أو إلى مصر آخر كان له أن يبلغ بها منزله سواء استأجرها للركوب أو للحمل وهذا استحسان. والقياس أن يقال: كما انتهى إلى أول حدود تلك البلدة تنتهي الإجارة.
وجه القياس: أن الإجارة وقعت إلى الكوفة لا إلى منزله، فإذا انتهى إلى أول حدود الكوفة، وجب أن تنتهي الإجارة كما لو استأجر في المصر من محلة إلى محلة، ونزل المستأجر في المحلة المشروط إليها، فإنه تنتهي الإجارة إذا انتهى أول تلك المحلة، ولا يبلغ بها منزله كذا هاهنا.(8/231)
-----
وجه الاستحسان: أن العرف الظاهر فيما بين الناس، أن من استأجر دابة إلى مصر أو قرية إنه يبلغ بها منزله، وكذلك في الأحمال العرف فيما بين الناس أنهم يبلغون حمولاتهم إلى منازلهم وحوانيتهم والعرف كالمشروط، هذا العرف معدوم في المحلة، والمعنى في ذلك أنه ربما تكون المسافة من المحلة المشروطة إليها إلى منزل المستأجر المضاف ما يكون فيما بين المحلتين ويفتح أن يستأجر الرجل دابة إلى موضع ويدخل في الإجارة أضعاف ما ورد عليه الإجارة، أو نقول: هذا العرف فيما بين الناس إذا كانت الزيادة على المكان المشروط دونه أما لا عرف فيما إذا كانت الزيادة فوقه أو مثله، فترد هذه الزيادة إلى ما يقتضيه القياس.
وإذا استأجر دابة للحمل فله أن يركبها، وإذا استأجرها للركوب لم يكن له أن يحمل عليها، وإذا حمل عليها لا يستحق الأجر والفرق أن اسم الحمل يقع على الركوب، يقال حمل فلان فلاناً على دابته إذا ركبه، وإذا كان اسم الحمل يقع على الركوب دخل الركوب تحت اسم الحمل، أما اسم الركوب لا يقع على الحمل، ولهذا لا يقال: فلان ركب دابته إذا حمل عليها، وإنما يقال حمل فلا يدخل الحمل تحت اسم الركوب.
وفي «البقالي»: إذا استأجر دابة لحمل، فحمل عليها رجلاً لا يضمن؛ لأنه أخف. وإذا استأجر دابة يطحن عليها كل شهر بعشرة دراهم، ولم يسم كم يطحن عليها كل يوم، فالإجارة جائزة إذا سمى ما يطحن؛ لأنه إذا سمى ما يطحن، فالإجارة وقعت على عمل معلوم، إلا أنه لم يبين مقدار العمل، وبيان مقدار العمل بعد بيان جنس العمل ليس بشرط، ولأن يطحن عليها مقدار ما تحمل الدابة ويطيق، وما يطحن مثلها قدراً فى العرف، وهو نظير ما لو استأجرها ليحمل عليها الحنطة، ولم يبين مقدار ما يحمل، فإنه يجوز على ما ذكره شمس الأئمة الحلواني رحمه الله. وله أن يحمل عليها قدر ما تحتمل كذا هاهنا.(8/232)
-----
وإذا تكارى دابة من رجل إلى بغداد على أن يعطيه الأجر إذا رجع من بغداد، فمات المستأجر ببغداد ولم يرجع منها، كان للمكاري أن يأخذ أجر الذهاب من تركته لأن أجر الذهاب قد وجب بالذهاب إلى بغداد، إلا أن المكاري كان لا يطالبه بذلك قبل الرجوع؛ لأنه ضرب لذلك أجلاً وهو قدر رجوعه من بغداد، فإذا مات فقد حل الأجل فكان له المطالبة بذلك، كما في سائر الديون المؤجلة إذا مات من عليه قبل حلول الأجل والله أعلم.
الفصل السابع والعشرون: في مسائل الضمان بالخلاف والاستعمال والضياع والتلف وغير ذلك
هذا الفصل يشتمل على أنواع:
نوع منه
قال محمد رحمه الله في «الجامع الصغير»: رجل استأجر حماراً بسرج، فنزع ذلك السرج وأسرجه بسرج مثل الحمر، فلا ضمان عليه. الأصل فيما تذكر من جنس هذه المسألة: أن المستأجر إذا خالف فيما شرطه من الحمل على الدابة ينظر إن كان الجنس واحداً وضرر الثاني أقل من ضرر (47آ4) المشروط أو مثله، فلا ضمان؛ لأن الجنس إذا كان واحداً وقد استوى الضرران، أو كان ضرر أقل لم يوجد الخلاف إلا من حيث الصورة والخلاف من حيث الصورة، لا يكفي لوجوب الضمان، وإن كان ضرر الثاني أكثر من ضرر المشروط يجب الضمان بقدر الزيادة؛ لأنه في الزيادة خالف صورة ومعنى، وإن كان الجنس مختلفاً يجب ضمان كل الدابة، ولا يعتبر فيه قلة الضرر ولا كثرته؛ لأن هذا خلاف صورة ومعنى، لأن هذا الجنس له يدخل تحت العقد أصلاً، وصار الحال فيه بعد العقد كالحال قبله.(8/233)
-----
بيان هذا الأصل في تخريج المسائل: إذا استأجر دابة ليحمل عليها حنطة بكيل معلوم إلى مكان معلوم فحمل عليها شعيراً بمثل ذلك الكيل إلى ذلك المكان، وهلكت الدابة لا يضمن؛ لأن الشعير بمثل ذلك الكيل من الحنطة يكون أخف على الدابة من الحنطة، فهذا خلاف صورة لا معنى. وإن كان الشعير بمثل قدر الحنطة، وباقي المسألة بحاله يضمن؛ لأن الشعير بوزن الحنطة يكون أكثر كيلاً من الحنطة، فيأخذ من ظهر الدابة أكثر مما تأخذ الحنطة، فيكون هذا خلافاً صورة ومعنى.
وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في شرح كتاب «العارية» إذا استعار دابة عليها كذا مناً من الحنطة، فحمل عليها مثل ذلك الوزن من الشعير والسمسم والأرز إنه يضمن قيمتها. وذكر شيخ الإسلام * رحمه الله * في شرحه: أنه لا يضمن استحساناً، وهو الأصح؛ لأن ضرر الشعير مثل ضرر الحنطة في حق الدابة عند استوائهما وزناً؛ لأنه يأخذ من موضع الحمل من ظهر الدابة أكثر مما تأخذ الحنطة، فكان داخلاً تحت الإذن، وبه كان يفتي الصدر الشهيد رحمه الله.(8/234)
-----
ولو استأجرها ليحمل عليها عشرة أقفزة شعير، فحمل عليها خمسة أقفزة حنطة ضمن قيمتها، وقيل: فيه روايتان. وإذا استأجر دابة ليحمل عليها شعيراً بكيل معلوم، فحمل عليها حنطة بمثل ذلك الكيل ضمن قيمتها؛ لأن الحنطة بمثل كيل الشعير يكون أثقل على الدابة من الشعير، فيكون ضررها أكثر، فكان خلافاً صورة ومعنى وإن كان بمثل وزن الشعير لا يضمن فرق بين هذه المسألة، وبينما إذا استأجرها ليحمل عليها عشرة أقفزة شعير، فحمل عليها أحد عشر قفيزاً من شعير، حيث يضمن جزءاً من أحد عشر جزءاً من قيمتها إذا كانت الدابة مما يقوى على حمل أحد عشر قفيزاً، وفيما إذا حمل عليها حنطة بمثل كيل الشعير. قال: يضمن جميع قيمتها؛ لأن هناك المحمول عليه من جنس المسمى، فإنما هلكت الدابة بنقل أحد عشر قفيزاً وعشرة منها مأذون فيها والحادي عشر ليس بمأذون فيه، فيضمن بذلك المقدار، أما ههنا بخلافه.
وإذا استأجرها ليحمل عليها حنطة أو شعيراً بوزن معلوم، فحمل عليها لبناً أو رملاً أو حديداً، بمثل وزن الحنطة أو الشعير، ضمن؛ لأن الحنطة أو الشعير ينبسط على ظهر الدابة، والحديد والرمل واللبن يجتمع في مكان واحد، فيكون أدق بظهر الدابة، فيكون (خلافاً) صورة ومعنى، وكذلك إذا حمل عليها تبناً أو حطباً أو قطناً بمثل ذلك وزناً، ضمن لأن اللبن والحطب والقطن يأخذ من ظهر الدابة من غير موضع الحمل، فيكون أشق على الدابة، فيكون خلافاً صورة ومعنى.
ولو استأجر ليحمل عليها تبناً أو حطباً أو قطناً أو رملاً أو حديداً أو لبناً فحمل عليها حنطة أو شعيراً بمثل وزن هذه الأشياء لا يضمن؛ لأن ضرر الحنطة والشعير دون ضرر هذه الأشياء لأنهما لا يأخذان من ظهر الدابة شيئاً من غير موضع الحمل في موضع الحمل ينبسطان، فيكون حمله أيسر على الدابة، فيكون خلافاً صورة ومعنى.
نوع آخر(8/235)
-----
وإذا استأجر من آجر دابة ليحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة، فحمل عليها أحد عشر مختوماً، فعطبت الدابة من ذلك بعدما بلغت المكان المشروط، فعليه الأجر كاملاً ويضمن جزءاً من أحد عشر جزءاً من قيمة الدابة، أما عليه الأجر كاملاً؛ لأنه استوفى المعقود عليه وزيادة، ولم يملك شيئاً من المستأجر، فكان عليه الأجر كملاً كما لو استأجر داراً ليسكن فيها ما سكن فيها حداداً أو قصاراً، ولم ينهدم شيء من الدار من عمله، فإن عليه الأجر كذا ههنا، وإنما قلنا استوفى المعقود عليه وزيادة؛ لأن المعقود عليه حمل عشرة مخاتيم حنطة، وقد استوفى ذلك وزيادة حيث حمل أحد عشر مختوماً، والزيادة لا تمنع استيفاء المعقود عليه كما لو حمل عليها عشرة مخاتيم حنطة، وركب دابة أخرى للآجر، وكما لو استأجر داراً ليسكن فيها فسكن فيها حداداً أو قصاراً، ولم يملك شيئاً من المستأجر، وإن ضمن جزءاً من أحد عشر جزءاً من قيمته، والمضمون يصير ملكاً للضامن بأداء الضمان؛ لأن الجزء المضمون ليس بمستأجر؛ لأن المستأجر عنده من هذه الدابة قدر حمل عشرة مخاتيم حنطة لأنه قدر المعقود عليه بالحمل لا بالمدة، فيصير المستحق له من هذه الدابة قدر حمل عشرة مخاتيم حنطة، كما في الأجير المشترك المستحق عليه قدر ما يسمي من العمل؛ لأن المعقود عليه مقدر بالعمل قدر حمل عشرة مخاتيم حنطة مستأجراً، وما زاد على ذلك غير مستأجر، وحكم المستأجر يخالف حكم غير المستأجر، فيجعل كل بعض من حيث الحكم بمنزلة دابة على حدة، كما في باب الرهن: إذا كان بعض الرهن مضموناً، وبعضه أمانة يعتبر كل بعض في حق الجناية عليه بمنزلة عبد على حدة؛ لأن حكم الأمانة يخالف حكم المضمون، كذا هاهنا.(8/236)
-----
وإذا كان كل بعض بمنزلة دابة على حدة من حيث الحكم جعل كأنه كان عنده دابتان، أحدهما مستأجرة، والأخرى غير مستأجرة، وقد حمل على المستأجر عشرة مخاتيم حنطة وعلى غير المستأجرة مختوماً، وهناك لا يصير شيئاً من المستأجر مضموناً مملوكاً للمستأجر كذا ههنا، فهو معنى قولنا: الجزء المضمون ليس بمملوك للمستأجر، والتقريب ما ذكرنا وأما يضمن جزءاً من أحد عشر جزءاً من قيمة الدابة لأن الدابة بلغت بسبب الثقل وثقل العشرة من ذلك مأذون فيه، وثقل الحادي عشر غير مأذون فيه قالوا: تأويل المسألة من وجهين:
أحدهما: إذا كانت الدابة تطيق حمل ما زاد، وكانت تسير مع الحمل، أما إذا كانت لا تطيق، يضمن جميع قيمتها على قياس مسألة تأتي بعد هذا. والثاني: أن يحمل عليها أحد عشر مختوماً دفعة واحدة أما إذا حمل عليها عشرة مخاتيم حنطة ثم حمل عليها مختوماً، وعطبت الدابة يضمن قيمتها بتمامها، إذا حمل الحادي عشر في المكان الذي حمل العشرة، أما إذا حمل في مكان براً ويجب يضمن بقدر الزيادة على قياس مسألة تأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
فرق بين هذه المسألة، وبينما إذا استأجر ثوراً ليطحن به عشرة مخاتيم حنطة، فطحن أحد عشر مختوماً وعطبت الدابة، أو استأجرها ليكري بها جريباً، فكريت جريباً ونصف جريب، وهلك الثور، فإنه يضمن جميع القيمة؛ لأن الطحن يكون شيئاً فشيئاً. فكلما طحن عشرة انتهى العقد، فبعد ذلك هو في طحن الحادي عشر مخالف من كل وجه، فيضمن جميع قيمتها، كما لو طحن عليها قفيزاً ابتداء فأما الحمل يكون دفعة واحدة، وبعض المجهول مأذون فيه، فلا يضمن بقدره.(8/237)
-----
قال: وإذا استأجر دابة ليركبها، فركب هو وحمل مع نفسه آخر، إن سلمت الدابة، فعليه الأجر كاملاً لأنه استوفى المعقود عليه وزيادة، ولم يملك شيئاً من المستأجر؛ لأنه لا ضمان لما سلمت الدابة، ولو ثبت الملك ليست بالضمان، فإن هلكت الدابة من ركوبهما بعدما بلغا المكان المشروط، فعليه الأجر كملاً ويضمن نصف قيمة الدابة. وإنما ضمن نصف القيمة؛ لأن الدابة تلفت من ركوبهما، فيكون التالف بركوب كل واحد منهما النصف، وركوب أحدهما مأذون فيه وركوب الآخر ليس بمأذون فيه، فيعطي لكل ركوب حكم نفسه، ويكون للمالك في ذلك الخيار، فإن شاء ضمن المستأجر، وإن شاء ضمن ذلك الغير.
فإن ضمن المستأجر (47ب4) لا يرجع على ذلك الغير مستأجراً كان أو مستعيراً، وإن ضمن ذلك الغير رجع على المستأجر إن كان ذلك الغير مستأجراً أو إن كان مستعيراً لا يرجع عليه، ثم في حق الضمان يستوي أن يكون ذلك الغير أخف أو أثقل؛ لأن العبرة في باب الركوب للعدد؛ لأن التلف لا يحصل بالثقل؛ لأن رب بخف ركوبه يفسد الدابة، لقلة هدايته بأمر الركوب؛ لحركاته واضطرابه، ورب جسيم لا يفسدها، هداية بأمر الركوب لقلة حركاته واضطرابه على الدابة فسقط اعتبار الوزن في الراكب، وثبتت العبرة للعدد.
قالوا: وإنما يضمن نصف قيمة الدابة إذا كانت الدابة تطيق ركوب اثنين، أما إذا كانت لا تطيق ركوب اثنين يضمن جميع قيمة الدابة؛ لأن ركوبهما والحالة هذه، قيل: معنى إن كان ركوباً صورة، والعبرة للمعنى، وإنما كان على المستأجر الأجر كاملاً وإن ضمن نصف القيمة وصار نصف الدابة ملكاً له بالضمان، لأن القدر المضمون ليس بمستأجر، لأن المستأجر من هذه الدابة قدر ركوبه؛ لأن المعقود عليه متعذر بالعمل، فصار قدر ركوبه من هذه الدابة مستأجراً ومازاد على ذلك غير مستأجر، والتقريب ما ذكرنا.(8/238)
-----
ثم إن محمداً رحمه الله أوجب في هذه المسألة نصف القيمة مطلقاً، وذكر في «الجامع الصغير» فيمن استأجر دابة إلى القادسية فأردف رجلاً خلفه، فعطبت الدابة ضمن بقدر الزيادة. وذكر في «الجامع الصغير» أيضاً بعد مسالة القادسية بكثير واعتبر فيها الحزر والظن.
وفي «القدوري» يقول: المستأجر يضمن النصف، سواء كان الثاني أخف أو أثقل. قال الإمام الزاهد فخر الإسلام علي البزدوي رحمه الله: وحاصل ذلك: أن يعتبر الحزر والظن، فإن أشكل يعتبر العدد، وإن حمل عليها مع نفسه صغيراً لا يمكنه استعمال الدابة، ولا تصريفها ضمن بحساب ما زاد، لأن الصغير إذا كان بهذه المثابة، فحمله وحمل شيئاً آخر سواء. وإن حمل عليها مع نفسه شيئاً آخر، وبلغت الدابة ضمن بقدر الزيادة تحرر القاضي الراكب ويزن ما حمل مع نفسه أو يرجع في ذلك إلى من له مهارة يعرف أن هذا الحمل كم يزيد على قدر ركوبه، كذا هاهنا.
ثم إذا ركب وحمل عليها مع نفسه حملاً يضمن بقدر ما زاد إذا ركب في غير مكان الحمل؛ لأن ثقل الراكب مع ثقل الحمل لا يجتمعان في مكان واحد، فيبقى موافقاً في البعض مخالفاً في البعض، فيضمن بحساب ما خالف فأما إذا ركب على مكان الحمل يضمن جميع القيمة؛ لأن ثقل الراكب مع ثقل الحمل يجتمعان في مكان واحد، فيكون أدق على الدابة. فعلى هذه المسألة نقول:
إذا استأجر دابة ليركبها، فركبها وحمل على عاتقه غيره، يضمن جميع القيمة، وهذا إذا كانت الدابة تطيق أن يركب عليها مع الحمل، أما إذا كانت لا تطيق ذلك يجب جميع الضمان في الأحوال كلها.
ولو استأجر ليركبها فلبس من الثياب أكثر مما كان عليه حين استأجرها إن لبس من ذلك مثل ما يلبسه الناس، فلا ضمان، وإن لبس ما لا يلبسه الناس ضمن بحساب ما زاد؛ لأن في الفعل الأول ما زاد من الثياب داخل تحت الإجارة عرفاً، والمعروف كالمشروط.(8/239)
-----
وفي الفعل الثاني: ما زاد من الثياب ليس بداخل تحت الإجارة أصلاً لا عرفاً ولا شرطاً، فيضمن بحساب ذلك، كما لو حمل عليها شيئاً آخر. وإذا استأجر دابة ليركبها فلم يركبها بنفسه بل ركب غيره، ضمن قيمة الدابة؛ لأن ركوب غيره ليس بداخل تحت العقد لأن الناس يتفاوتون في الركوب.
وفي «الأصل»: إذا تكارى الرجل من غيره دابة يحمل عليها إنساناً بأجر معلوم، فحمل عليها امرأة ثقيلة، فعطبت الدابة، فإن كانت الدابة بحال تطيق حملها، فإنه لا ضمان؛ لأنه حمل عليها إنساناً كما سمى في العقد؛ لأن اسم الإنسان يقع على الرجل والمرأة وعليه الأجر استحساناً، لأنه استأجرها للركوب ولم يتبين الراكب فوقعت الإجارة فاسدة. فإذا ركب إنساناً انقلبت الإجارة جائزة استحساناً. وإن كانت الدابة بحال لا تطيق حملها يكون ضامناً، لأن الدابة إذا كانت لا تطيق حملها كان حملها عليه إتلافاً لا حملاً، والإتلاف لم يدخل تحت الإذن إذا استأجر دابة ليركبها، فحمل عليها صبياً صغيراً فعثرت الدابة من حمله فهو ضامن؛ لأنه خالف، لأن الصبي الذي لا يستمسك نفسه على الدابة ضمن نصف القيمة، فثبت أن وضع الصبي على الدابة حمل، وليس إركاب، والحمل مع الركوب جنسان مختلفان، فصار به غاصباً ضامناً.
(8/240)
-----
وإذا استأجر حماراً بسرج، فأسرجه بسرج لا يسرج بمثله الحمر، فهو ضامن بقدر ما زاد باتفاق الروايات بالإجماع، لأنه موافق في البعض صورة ومعنى؛ لأنه أسرج كما شرط في العقد، إلا أن هذا السرج أثقل من الذي شرط في العقد، فهو بمنزلة ما لو استأجر دابة ليحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة، فحمل عليها أحد عشر مختوماً. وإن كان السرج الثاني أخف من الأول، أو مثله فلا ضمان؛ لأنه ليس بمخالف معنى وكذلك لو استأجره بإكاف، تنزع ذلك الإكاف وأوكفه بإكاف هو أخف من الأول، أو مثله فلا ضمان، وإن أوكفه بإكاف هو أثقل ضمن بقدر الزيادة، وإذا استأجر حماراً بإكاف ليركبه، فنزع الإكاف وأسرجه، فلا ضمان ولأن السرج أخف على الدابة من الإكاف، فلم يكن هذا خلافاً معنى.
ولو استأجر حماراً بسرج فحمل عليه مكان السرج إكافا وركبه، فهو ضامن هكذا ذكر في «الجامع الصغير» قالوا: هذا قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد: هو ضامن بقدر ما زاد، وذكر في «الأصل» وقال: هو ضامن بقدر ما زاد ولم يذكر الخلاف، فمن مشايخنا من قال: لا اختلاف بين الروايتين عند أبي حنيفة، فإنه ذكر في «الجامع الصغير» أن قول أبي حنيفة هو ضامن ولم يذكر أنه ضامن جميع القيمة أو بقدر ما زاد، فصار ما ذكر في «الأصل» تفسيراً لما ذكر في «الجامع الصغير». ومنهم من قال: في المسألة روايتان على قول أبي حنيفة على رواية «الأصل» يضمن بقدر ما زاد، هو قولهما. وعلى رواية «الجامع الصغير» يضمن جميع القيمة، وهذا إذا كانت الدابة تؤكف بمثل هذا الإكاف، أما إذا كانت دابة لا تؤكف أصلاً أو لا يؤكف بمثل هذا الإكاف؛ يضمن جميع القيمة في قولهم جميعاً.s(8/241)
-----
وكان الفقيه أبو بكر محمد رحمه الله يوفق بين الروايتين، ويقول: رواية «الجامع الصغير» محمولة على دابة تصلح للإكاف والسرج وبرواية «الأصل» محمولة على دابة لا تصلح للإكاف. ومن المشايخ من لم يوفق بين الروايتين من هذا الوجه، وذكر لكل رواية وجهاً. وجه ما ذكر في «الأصل» وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: أن المستأجر فيما يسع، موافق في البعض صورة ومعنى، ومخالف في البعض معنى؛ لأن الإكاف والسرج جنس واحد؛ لأن كل واحد منهما آلة الركوب، وكل واحد منهما متخذ من الخشب، إلا أن الإكاف أثقل من السرج، فكان بمنزلة ما لو حمل عليها سرجاً آخر أثقل من السرج المأمور به.
وجه ما ذكر في «الجامع الصغير» وهو الأصح: أنه مخالف في الكل صورة ومعنى؛ أما صورة: فلأن الإكاف غير السرج صورة واسماً وهيئة. وأما معنى: فلأن الإكاف أثقل من السرج على الدابة، فكان مخالفاً صورة ومعنى؛ فيضمن جميع قيمة الدابة إذا هلكت من ذلك قياساً على ما إذا استأجر دابة ليحمل عليها شعيراً، فحمل عليها بمثل ذلك الكيل حنطة.
ولو استأجر حماراً عرياناً فأسرجه وركبه فهو ضامن. قال مشايخنا: إذا استأجره من موضع إلى موضع لا يمكن الركوب إليه إلا بسرج، نحو: إن استأجره من بلد إلى بلد لا يضمن؛ لأن الإذن بالإسراج يثبت دلالة، وكذلك لو استأجره ليركب في المصر، والمستأجر ممن لا يركب في المصر عرياناً، فلا ضمان ويثبت (48أ4) الإذن بالإسراج في حقه دلالة وإن كان المستأجر ممن يركب في المصر عرياناً فعليه الضمان إذا لم يثبت الإذن بالإسراج في حقه لا نصاً ولا دلالة ثم إذا ضمن يضمن جميع القيمة أو بقدر ما زاد لا ذكر لهذه المسألة في الأصل.(8/242)
-----
وقد اختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: يضمن بقدر ما زاد كما لو ركبها واركب مع نفسه غيره، وبعضهم قالوا: يضمن جميع القيمة وهو الصحيح لأنه بما صنع مخالف في الكل صورة ومعنى، فأما صورة فلأنه أمره أن يركبها عرياناً وقد ركبها مع السرج وأما معنى فلأن الركوب على السرج أضر بالدابة؛ لأن ثقل الراكب والسرج يجتمعان في مكان واحد فكان أدق لظهر الدابة، بخلاف ما إذا ركب وأركب مع نفسه غيره؛ لأن ثقل الآخر لم يجتمع في المكان الذي ركبه بنفسه.
ولو أستأجر دابة بغير لجام وألجمها، لا ضمان عليه؛ إذا كانت دابة تلجم مثلها؛ لأن اللجام في الأصل وضع لضبط الدابة عن السير، ولا بد للراكب من ذلك إذا كانت دابة تلجم مثلها، فيصير مأذوناً باللجام، حتى لو كانت دابة لا تلجم يصير ضامناً لإمكان الضبط من غير لجام، ولو كان عليها لجام فأبدلها بلجام آخر، فلا ضمان. هكذا ذكر القدوري في شرحه.
قال محمد رحمه الله: إذا استأجر من آخر دابة إلى الحيرة بدرهم، فجاوزتها إلى القادسية، ثم ردها إلى الحيرة، فنفقت فهو ضامن. قال: وكذلك العارية. هكذا ذكر في «الجامع الصغير» قيل: هذا إذا استأجرها واستعارها إلى الحيرة ذاهباً لا جايئاً. فأما إذا أستأجرها أو استعارها ذاهباً وجائياً وإذا ردها إلى الحيرة، ونفقت فلا ضمان عليه وهذا التفصيل على هذا الوجه مذكور في «الشروط» و «النوادر». وقيل: هو ضامن في الوجهين. وإليه أشار في «الجامع الصغير» حيث أطلق المسألة إطلاقاً، ولقت المسألة أن المستأجر أو المستعير، إذا خالف ثم عاد إلى الوفاق هل يبرأ عن الضمان؟ وقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: يبرأ كالمودع. وإليه أشار محمد رحمه الله في كتاب العارية، وبعضهم قالوا: لا يبرأ بخلاف المودع، وإليه أشار في «الجامع الصغير». وهكذا أطلق المسالة في القدوري، وروى ابن سماعة عن محمد: أن المستأجر يبرأ بالعود إلى الوفاق.
(8/243)
-----
وصورة ما ذكر ابن سماعة: رجل استأجر من آخر دابة أياماً معلومة، يركبها في المصر، فخرج عليها من المصر ثم ردها إلى المصر في تلك الأيام، فبقيت في يده لم يضمن بمنزلة المودع.
وجه قول من فرق بينهما: إذا استأجر أو استعار ذاهباً لا جائياً: أنه إذا استعار ذاهباً وجائياً، فإذا جاوز الحيرة لم يبين العقد، فإذا عاد إلى الحيرة عاد وعقد الإجارة والإعارة تأبى والمستأجر والمستعير كل واحد منهما مأمور بالحفظ بمقتضى الإجارة والعارية؛ لأنه لا يمكنها استيفاء المنفعة إلا بالحفظ، فما بقي العقد يبقى الأمر بالحفظ، فإذا عاد إلى الوفاق عاد والأمر بالحفظ قائم، فصار ممتثلاً أمر المالك، ويد المأمور، يد الآمر فكان الرد إلى يد المأمور كالرد إلى الآمر، وهذا هو الطريق في المودع إذا خالف، ثم عاد إلى الوفاق، أن يبرأ عن الضمان؛ لأن الأمر بالحفظ في حق المودع مطلق، فيتناول كل زمان، وبعدما خالفه دخل العير في ضمانه لم يرتفع الأمر بالحفظ؛ لتصور المأمور به بعد ذلك، فإذا عاد إلى الوفاق عاد والأمر بالحفظ قائم، فصار ممتثلاً والتقريب ما مر.
وأما إذا استأجر أو استعار ذاهباً لا جائياً فإذا جاوز بها إلى الحيرة انتهى العقد نهايته، وإذا انتهى العقد انتهى الأمر بالحفظ ما ثبت نصاً إنما يثبت بمقتضى الإجارة والعارية، فيرتفع بارتفاع الإجارة والعارية، فأما إذا عاد إلى الحيرة عاد والأمر بالحفظ ليس بقائم، فلا يصير ممتثلاً أمر المالك، فلا يعود أميناً بخلاف المودع؛ لأن الأمر بالحفظ في الوديعة ثابت مقصوداً وإنه مطلق فيتناول كل زمان، والتقريب بما مر.(8/244)
-----
وجه قول من سوى بينهما أن المالك ما أمر المستعير والمستأجر بالحفظ مقصوداً إنما أمرهما بالاستعمال والانتفاع وإنما يثبت لهما ولاية الحفظ تبعاً للاستعمال لا بأمر ثابت من جهة المالك، فإذا جاوز الحيرة صار غاصباً للدابة، ودخلت في ضمانه، والغاصب لا يبرأ عن الضمان إلا بالرد إما على المالك أو على من هو مأمور بالحفظ من جهة المالك، ولم يوجد هاهنا ذلك. والصدر الشهيد رحمه الله: كان يميل إلى القول الثاني. وغيره من مشايخ زماننا: كانوا يميلون إلى القول الأول.
وعن أبي يوسف في «النوادر» رواية أخرى: أنه إذا استعار أو استأجر ذاهباً وجائياً لا يبرأ عن الضمان؛ لأنه إذا استأجر أو استعار ذاهباً وجائياً فالرد على المستأجر، فيكون المستأجر والمستعير بمنزلة المودع، فيبرأ عن الضمان بالعود إلى الوفاق.
وفي «القدوري»: وقال أبو يوسف ومحمد فيمن استأجر دابة إلى مكان معلوم، فلما سار بعض الطريق ادعاها لنفسه، وجحد أن يكون استأجرها، وصاحب الدابة يدعي الإجارة: فإن نفقت من ركوبه فلا ضمان، وإن نفقت قبل أن يركب ضمن. ولو انقضت المسافة فجاء بها ليردها على صاحبها، فتلفت وجب الضمان، فقد جعلاه ضامناً بالجحود، ثم أسقطا عنه الضمان بالركوب، وهذا يقتضي أن تكون يد المستأجر قائمة مقام يد الآجر. وعلل محمد رحمه الله لهذا فقال: لأنه ليس لرب الدابة أخذها منه، فلم يكن بجحوده مانعاً حقه. بخلاف المودع إذا جحد الوديعة؛ لأن هناك لصاحبها أخذها فبالجحود منعها منه، ثم عقب هذا التعليل فقال: لو انكسرت أو ضعفت حتى لا يمكن ركوبها ضمن قيمتها منكسرة، وعاصه، لأن الرد واجب إذا كانت الدابة بهذه الصفة، فتعلق بالجحود الضمان كما في الوديعة.(8/245)
-----
وذكر في «المنتقى» برواية ابن سماعة عين هذه المسألة، وأجاب على التفصيل الذي ذكره القدوري: أن الدابة إن هلكت قبل الركوب ضمنها وإن ركبها وهلكت من ركوبه فلا ضمان. ويخرج عن ضمان الغصب قال ثمة: ألا ترى أنه لو غصب من آخر دابة، ثم إن المالك أجرها منه إلى الكوفة بعشرة دراهم جاز، وبرئ عن الضمان إذا ركبها كذا ههنا ،وهذا لأن بجحود المستأجر الإجارة إن انفسخ العقد في حق المستأجر، وصار المستأجر غاصباً العين لم ينفسخ في حق الآجر، فإذا ركبها إلى المكان المسمى وعقد الإجارة قائم في حق الآجر فإنما ركبها بحكم العقد في حق الآجر والضمان جميعاً.
هشام عن محمد: رجل استأجر من رجل غلاماً سنة، كل شهر بعشرة دراهم، وقبض العبد، فلما مضى نصف السنة جحد المستأجر أن يكون استأجر العبد، وقيمته يوم جحد ألف درهم، فمضت السنة وقيمته ألف درهم، ثم مات العبد. قال: الإجارة لازمة له، ويلزمه أجر جميع السنة، ويضمن قيمة العبد بعد السنة. قال هشام: قلت لمحمد: كيف اجتمع الأجر والضمان؟ قال محمد: لم يجتمعا، ففسر هشام ذلك، فقال: الأجر وجب لاستعماله العبد في السنة، والضمان وجب بعد مضي السنة؛ لأن بعد مضي السنة وجب عليه رد العبد على المالك، ولم يرد، فوجب الضمان فاختلف سبب وجوبهما واختلف الزمان، فكيف يظهر الاجتماع؛ وعلى قول أبي يوسف رحمه الله: ينبغي أن يلزمه الأجر قبل الإنكار، ويبطل عنه الأجر بعد الإنكار.(8/246)
-----
استأجر قميصاً ليلبسه ويذهب إلى مكان كذا فلم يذهب إلى ذلك الموضع، ولبسه في منزله. قال أبو بكر: هو مخالف ولا أجر عليه وقال الفقيه أبو الليث رحمه الله: عندي أنه غير مخالف، وعليه الأجر؛ لأن هذا خلاف إلى خير فلا يصير به ضامناً، فلا يسقط الأجر، ولأن الأجر مقابل بمنفعة اللبس دون الحمل إلى ذلك المكان وإنما ذكر (48ب4) المكان لازماً في حق الآجر دون المستأجر. قال أبو الليث رحمه الله: وهذا بخلاف ما لو استأجر دابة ليذهب إلى موضع كذا، فركبها في المصر في حوائجه فهو مخالف؛ لأن في الدابة لا تجوز الإجارة إلا أن يبين المكان، وفي الثوب يحتاج إلى بيان الوقت دون المكان، فوقعت الإجارة في الدابة على المكان المذكور، والركوب في المصر ليس خلافاً إلى خير فصار مخالفاً، أما ههنا بخلافه.
استكرى دابة لمسيرة فرسخ، فسار عليها سبعة فراسخ وعليه من الكراء مقدار ما شرط وفيما زاد على الفرسخ هو غاصب، فلا أجر عليه. ولو أرضى صاحب الدابة كان له خيراً في الأجرة؛ لأنه تقاص في الأجرة بالحساب.
استأجر حماراً ليحمل عليه وقر حنطة إلى المدينة، فحمل الحنطة إلى المدينة وباعها، وانصرف إلى منزله، فوضع على الحمار مقدار قفيز من الملح، فأخذه مرض في الطريق، فمات فعليه ضمان الحمار إذا حمل عليه الملح بغير إذن صاحب الحمار؛ لأنه صار غاصباً بذلك، فدخل في ضمانه.
استأجر دابة ليحمل عليها حنطة من موضع إلى منزله يوماً إلى الليل، فكان يحمل الحنطة إلى منزله، وإذا أراد الذهاب ثانياً كان يركبها، فعطبت الدابة. ذكر عن أبي بكر رحمه الله: أنه يضمن لأنه استأجرها للحمل بدون الركوب، فكان غاصباً في الركوب. قال أبو الليث رحمه الله: هو القياس، لكن في الاستحسان لا يضمن؛ لأن العادة جرت فيما بين الناس بذلك فصار كأنه إذن له في ذلك من طريق الدلالة، وإن لم يأذن بالإقصاء.(8/247)
-----
استأجر حماراً ليحمل عليه اثني عشر وقراً من التراب إلى أرضه بدرهم، وله في أرضه لبن فكما عاد من أرضه يحمل عليه وقراً من اللبن، فإن هلك الحمار في الرجوع مع اللبن يضمن قيمة الحمار دون الأجر؛ لأنهما لا يجتمعان، ولو سلم الحمار حتى تم العمل، فعلى المستأجر تمام الدرهم، في كل وقر من التراب نصف دانق ويجوز أن يخالف في العمل ثم يجب الأجر المسمى، إذا سلمت الدابة عن ذلك العمل كما في مسألة فرسخ وسبعة فراسخ التي مرت.
وكمن استأجر دابة إلى موضع معين، فجاوزه ثم عاد إلى الوثاق لا يعود أميناً بل هو ضمين، حتى لو هلكت الدابة في طريق ذلك الموضع المعين، يضمن قيمتها، ثم إذا سلمت الدابة يحسب تمام الأجر؛ وكذا لو استأجر دابة ليركب هو بنفسه إلى مكان كذا، فركب وأردف معه غيره صار غاصباً في النصف إذا كانت الدابة فيما تطيق مثلهما، ولو سلمت الدابة يجب تمام الأجر كذا ههنا.
ولو استأجر حماراً ليحمل عليه كذا كذا حملاً، فزاد على ما سمى وحمل الحمولة إلى ذلك المكان، فلما وضع الحمولة وجاء بالحمار سليماً، ضاع قبل أن يرده إلى صاحبه، ينظر إلى مقدار ما زاد من الحمولة، فيضمن من قيمة الحمار بذلك القدر؛ لأنه صار غاصباً من الحمار بذلك القدر فلا يبرأ عن ضمان ما صار غاصباً منه إلا بالرد. رواه بشر عن أبي يوسف ورواه أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمه الله. وهذا كما ذكر في اختلاف وقران.
أن من استأجر حماراً من الكوفة إلى القادسية ذاهباً وجائياً فجاوزته القادسية، ثم عاد به سليماً إلى الكوفة، فعليه نصف ما سمى من الأجر عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله؛ لأنه صار غاصباً فلا يبرأ عن الضمان إلا بالرد. وعن أبي يوسف: فيمن استأجر دابة من مصر إلى مصره، فأمسكها في بيته فهلكت. قال: إن أمسكها مقدار ما يمسك ليتهيئوا أمورهم، فلا ضمان والأجر ثابت، وإن أمسكها أكثر من ذلك خرجت من الإجارة، وهي معلومة عنده.(8/248)
-----
نوع آخر
في «فتاوى أبي الليث» رحمه الله: رجل جاء بدابته إلى بيطار، وقال: انظر فيها فإن بها علة، فنظر فيها فقال: بجنب إذنها علة يقال لها: فارة يعني بوش، فأمره صاحب الدابة بإخراجها، فأخرج ذلك بأمر صاحب الدابة وتلفت الدابة، فلا ضمان على البيطار؛ لأنه مأذون في ذلك.
وفي «المنتقى»: رجل قال لصيرفي: انقد لي عشرة دراهم بكذا، ففعل ثم وجد صاحب الدراهم فيها زيوفاً أو ستوقاً، فلا ضمان على الصيرفي؛ لا لأنه يبطل عليه حقاً، ولكن يرد من الأجر بحساب ما وجد زائفاً، حتى إن في مسألتنا يرد عشر الأجر، ولو وجد الكل زائفاً يرد كل الأجر؛ لأنه لم يوف المعقود يد القدر.
في «فتاوى النسفي»: إذا أخذ من له الدراهم دراهمه ممن عليه، وقد استعدها الناقد، ثم خرج بعض الدراهم زيوفاً أو ستوقاً فلا ضمان على الناقد؛ ولكن يرد القابض الزيوف على الدافع، فإن أنكر الدافع وقال: ليس هذا من دراهمي، فالقول قول القابض؛ لأنه لو أنكر القبض أصلاً كان القول قوله، فكذا إذا أنكر القبض فيما عدا هذا العين.
سأل وراقاً أن يكتب له جامع القرآن وينقطه ويعشره ويعجمه، وأعطاه الكاغد والحبر، وشرط له أربعون درهماً، فكتب وترك بعض العواشر وأخطاء في النقط، قال إن فعل ذلك في كل ورقة فالدافع بالخيار، إن شاء أخذ المكتوب وأعطاه أجر مثل عمله لا يجاوز به أربعين، وإن شاء ترك المكتوب وضمنه مثل بياضه وحبره، وهو نظير ما لو دفع إلى خياط ثوباً، ليخيط له فخاط قباء وطاق واحد. يقال له: قرطق، يخير المالك بين أن يضمنه قيمة ثوبه ويترك القرطق عليه، وبين أن يأخذ القباء ويعطيه أجر مثله لا يجاوز به الأجر المسمى.(8/249)
-----
وإن كان الوراق وافقه في بعضه وخالفه في بعضه، أخذ وأعطاه حصة ما وافق من المسمى، وحصة ما خالفه من أجر المثل؛ لأنه فيما وافق جرى على موجب العقد، فاستحق حصته من المسمى، وفيما خالف لم يجرِ على موجب العقد من كل وجه، فكأنه عمل بإجازة فاسدة فيستحق أجر المثل؛ ولو دفع إلى صباغ ثوباً ليصبغه بعصفر بربع الهاشمي؛ فصبغة قفيز عصفر فهذا على وجهين: إن صبغه أولاً بربع الهاشمي؛ فصاحب الثوب بالخيار، إن شاء ضمنه قيمة ثوب أبيض ولا أجر، وإن شاء مصبوغاً بربع الهاشمي وأعطاه المسمى، وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه المسمى، وما زاد ثلاثة أرباع القفيز في الثوب، وهذا لأنه حين صبغ بالربع فقد وفى بالشرط، فإذا صبغ بعد ذلك فهو متعدٍ في هذا الصبغ، فيصير كأنه غصب ثوباً مصبوغاً بعصفر بالربع، فصبغه بعد ذلك بثلاثة الأرباع، وهذا لأن الصبغ في حكم المقبوض من وجه، إلا أنه لم يكمل القبض فيه؛ لأنه لم يصل إلى يده، فكان له أن يضمنه الثوب أبيض، وله أن يضمنه مصبوغاً بعصفر، وإن كان صبغه ابتداء بقفيز، فله ما زاد الصبغ فيه ولا أجر له؛ لأنه لم يوف العمل على الوجه المأذون فيه، فيصير كأنه غصب ثوباً وصبغه بعصفر. هكذا ذكر «القدوري».
وروى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله بخلافه، فقال: له أن يضمنه قيمة ثوبه أبيض، وله أن يأخذ الثوب ويغرم الأجر. وما زاد ثلاثة أرباع القفيز فيه مجتمعاً كان أو متفرقاً. وهذا لأن الثوب لا يتشرب الصبغ دفعة واحدة؛ ولكن شيئاً فشيئاً فلا يقع الفرق بين أن يكون مجتمعاً أو متفرقاً. وستأتي هذه المسألة مع زيادة تفريعات في فصل المتفرقات إن شاء الله تعالى.(8/250)
-----
ولو دفع إلى صباغ ثوباً، وأمره بصبغه بزعفران أو ببقم، فخالف بصبغه غير ما سمى، إلا أنه من ذلك الصبغ يريد به أنه لم يسبغ صبغة، وقد كان أمره صاحب الثوب أن يسبغه، فالمالك بالخيار، إن شاء ضمنه قيمة ثوبه أبيض، ويسلم له الثوب، وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه أجر مثله، لا يزاد به المسمى.
في «الأصل» وفي «القدوري» إذا أمر إنساناً أن ينقش اسمه في فص خاتمه، فغلط ونقش اسم غيره، ضمن الخاتم؛ لأنه فوت عليه الغرض المطلوب من الخاتم، وهو الختم به فصار كالمستهلك له.
ومنه لو أمره أن يحمر له بيتاً فخضر، فقال: (49أ4) يعطيه ما زاد الخضرة فيه ولا أجر له؛ لأنه عمل ما لم يستأجر له، فلا يستحق الأجر، ولكن يعطيه من قيمة الصبغ ما زاد في البيت.
قال محمد رحمه الله في «الجامع الصغير» عن أبي حنيفة رحمه الله: في رجل استأجر أرضاً ليزرعها حنطة، فزرعها رطبة، قال: هو ضامن يريد به أن يمكن في الأرض نقصان ولا أجر عليه، وهذا لأن الرطبة لا يعرف نهايتها وضررها بالأرض ظاهر، وإنه يخالف ضرر سائر وجوه الزراعة، فصار غاصباً فلا يجب الأجر.
قال محمد رحمه الله فيه أيضاً: في رجل دفع إلى خياط ثوباً، وأمره أن يخيطه قميصاً بدرهم، فخاطه قباء، وأقر بالخلاف فلصاحب الثوب الخيار إن شاء ضمنه قيمة ثوبه وترك القباء عليه، وإن شاء أخذ القباء وأعطاه أجر مثل ما عليه لا يجاوز به المسمى هكذا ذكر ههنا. وفي «الأصل». وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا خيار لصاحب الثوب والخياط ضامن قيمة ثوبه. بعض مشايخنا قالوا: أراد بالقباء العرطق الذي هو ذو طاق واحد، فإن هذا القباء يشبه القميص، فإن بعض الناس يستعملونه استعمال القميص، فكان موافقاً من وجه مخالفاً من وجه، فإن شاء رضي به باعتبار جهة الموافقة، وإن شاء تركه باعتبار جهة المخالفة إلا أن في الكتاب أطلق القباء إطلاقاً فيدل على أن الحكم في الكل واحد.(8/251)
-----
وجه ما روى الحسن: أن الخياط مخالف من كل وجه؛ لأنه خالفه في جنس ما أمر به، فإنه أمره بخياطة القميص وهو قد خاط القباء، والقباء ليس من جنس القميص، فكان مخالفاً من كل وجه، فيكون غاصباً من كل وجه. وحكم الغاصب من كل وجه أنه متى قطع ثوب غيره، وخاطه يملكه بالضمان ولا يبقى لصاحب الثوب الخيار، فكذلك هذا. وجه ظاهر الرواية هو: أن الخياط فيما صبغ موافق من وجه، مخالف من وجه، فيتخير كما لو خالفه في خياطة القميص من حيث الطول والقصر، إلا أن عبارة مشايخنا اختلفت في إثبات الموافقة من وجه منهم من يقول: إن خياطة القباء تشبه خياطة القميص من وجه من حيث الدخاريص والكمين وإن كان يخالف خياطة القميص فيما عدا ذلك. وإذا كان يوافق خياطة القميص من وجه، ويخالفه من وجه، كان موافقاً من وجه مخالفاً من وجه، فيتخير كما فيما تقدم ذكره من المسائل.
ومنهم من يقول: في إثبات المخالفة والموافقة من وجه. صاحب الثوب أمره بإدخال الخيوط في ثوبه بخياطة القميص، وهذا أدخل الخيوط في ثوبه بخياطة القباء، فكان مخالفاً من وجه موافقاً من وجه. والموافقة إن قلت: يجب إثبات الخيار حتى لا يلغو إثبات الإذن والموافقة من وجه بخلاف ما لو غصب ثوباً فقطعه وخاطه قباء؛ لأنه مخالف في القطع، وفي إدخال الخيوط في ثوبه، فكان مخالفاً من كل وجه، بخلاف ما نحن فيه.(8/252)
-----
ومنهم من يقول: إنه موافق في الخياطة، فإن الخيوط الذي استعملها فيه داخل تحت الإذن، وإنما حصل الخلاف في نفس القطع، والغاصب إذا قطع الثوب ولم يخط لم يمنع صاحبه من أخذه فكذلك هذا لا يمنع رب الثوب من أخذه، بخلاف الغاصب فإنه مخالف في القطع والخياطة، فكان مخالفاً من كل وجه، وقد استهلك الثوب وأحدث صنعة متفرقة بغير أمره، فهو معنى قولنا: إنه موافق من وجه مخالف من وجه. وإذا كان موافقاً من وجه مخالفاً من وجه، كان لصاحب الثوب الخيار، إن شاء ترك القباء عليه، وضمنه قيمة ثوبه ولا أجر له، وإن شاء أخذ القباء وأعطاه أجر مثل عمله ولا يجاوز به ما سمى، وهذا على قول من يقول: بأنه يعطيه أجر المثل متى خالفه من وجه؛ لأن العقد يفسد بالخلاف من وجه ظاهر.
وعلى قول من يقول: يعطيه المسمى إذا رضي بالعيب، نقول: ما ذكر في الكتاب محمول على ما إذا اختار وأخذ القباء ولم يرض بالعيب وله أن يأخذ القباء ولا يرضى بالعيب، ومتى كانت الحالة هذه، فإنه يعطيه أجر المثل، فأما إذا رضي بالعيب يعطيه المسمى.l
وسيأتي بيان القولين بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وإن اختلفا، فقال الخياط: أمرتني بهذا. وقال رب الثوب: أمرتك بقميص، فالقول قول رب الثوب مع يمينه؛ لأن الأمر استفيد من جهته، وإن أقاما البينة فالبينة بينة الخياط، أقر بسبب الضمان وادعى ما يبرئه عنه، وهو الإذن وذلك غير ثابت، فهو ببينته يثبت ما ليس بثابت، وصاحب الثوب يثبت ما هو ثابت، وهو الضمان فكانت بينة الخياط أولى. ولو أمره بأن يخيط له قميصاً فخاطه سراويلاً، هل يتخير رب الثوب؟ فعلى مرد العبارة الأولى في مسألة القباء لا يتخير؛ لأن السراويل لا يشبه القميص أصلاً إذ ليس له كم ولا دخريص وعلى مرد العبارة الثانية والثالثة يتخير وإنه أقرب إلى الصواب.(8/253)
-----
فقد روي عن محمد فيمن دفع إلى رجل شيئاً ليضرب له طيناً، فضرب له كوزاً، إن له أن يأخذه ويعطيه أجر المثل، فكذا في السراويل. وقد مرت مسألة السراويل.
قال: إذا دفع إلى حائك غزلاً لينسجه له سبعاً في أربع، يريد به أن يكون طوله سبعاً وعرضه أربعاً، فخالف، فهذا على وجهين:
إما أن يكون الخلاف من حيث القدر، أو من حيث الصفة، والخلاف من حيث القدر على وجهين: إما أن يكون زيادة بأن حاك ثمان في أربع، أو إلى نقصان بأن حاك ستاً في أربع والخلاف من حيث الصفة على وجهين أيضاً: إما أن يكون من حيث الزيادة، بأن أمره أن ينسجه رقيقاً فنسجه صفيقاً أو من حيث النقصان، بأن أمره، أن ينسجه صفيقاً فنسجه رقيقاً، وفي الفصول كلها صاحب الغزل بالخيار، إن شاء ترك الثوب على النساج وضمنه غزلاً مثل غزله، وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه الأجر، وإنما خير صاحب الغزل؛ لأن النساج موافق في أصل العمل مخالف في الصفة في الفصول كلها.(8/254)
-----
أما إذا كان الخلاف من حيث الزيادة والنقصان في الصفة، فلا إشكال؛ أنه موافق في أصل العمل مخالف في الصفة، وإن كان الخلاف من حيث الزيادة والنقصان في القدر، فكذلك مخالف في الصفة إن زاد في الدرع، فلأنه لو استعمل جميع الغزل بقدر ما أمر به، وإن نقص عن القدر فلأنه لو استعمل الغزل في جميع ما أمر به كان يحصل الثوب أرق. وبسبب النقصان في الذرع يحصل الثوب أصفق، والصفاقة والرقة مقصودة في الثياب، فصح قولنا: إنه موافق في أصل العمل مخالف في الصفة، فيتخير صاحب الثوب إن شاء مال إلى الخلاف، وجعله عاملاً لغير عقد وترك الثوب عليه، وضمنه غزله، وإن شاء مال إلى الوفاق وأخذ الثوب وأعطاه الأجر. ولم يذكر محمد رحمه الله: أنه يعطيه المسمى أم أجر المثل. وقد اختلف المشايخ: قال بعضهم: بأنه يعطيه أجر المثل على كل حال لا يجاوز به ما سمي إن كان أجر مثله أكثر، وإن كان أقل أو مثل المسمى يعطيه ذلك. وقال بعضهم: يعطيه المسمى إذا أخذ الثوب ورضي بالعيب، وإذا أخذ الثوب ولم يرض بالعيب، فإنه يعطيه أجر المثل لا يجاوز به ما سمى. وإلى هذا ذهب أبو بكر الأعمش، ومحمد بن سلمة رحمهما الله.(8/255)
-----
وجه من قال بأنه يعطيه أجر المثل: أن الحائك مخالف من وجه موافق من وجه، باعتبار أصل العمل موافق، وباعتبار الصفة مخالف، والصفة في الغائب معتبرة؛ لأن الغائب بالصفة يعرف، ولو كان مخالفاً من كل وجه، بأن كان الخلاف في الجنس لا في الصفة كان العمل متعرياً عن العقد، ولو كان موافقاً من كل وجه في حق أهل العمل أو الصفة جميعاً، كان العمل واقعاً بجهة العقد من كل وجه، فإذا كان مخالفاً من وجه موافقاً من وجه، فكان العقد قائم من وجه فائت من وجه، والعقد إذا كان قائماً من وجه غير قائم من وجه، فإنه يجعل عقداً فاسداً كما قال في بيع (49ب4) المقايضة: إذا هلك أحد العوضين قبل القبض، فإن البيع يفسد لأن البيع على القائم قائم من وجه، منفسخ من وجه فحكم بفساده على ما عرف في موضعه، فلذلك هنا لما كان العقد قائماً من وجه غير قائم من وجه يحكم بفساد الإجارة والمستحق في الإجارة الفاسدة أجر المثل لا ينقص عن المسمى، ولا يجاوز به المسمى. وإذا وجب أجر المثل على قول هذا القائل، فإن كان الخلاف من حيث الزيادة في القدر، فإنه يعتبر أجر مثل العمل المأمور به وهو سبعة أذرع في أربعة، لا أجر مثل العمل المأتي به ثمانية أذرع في أربعة؛ لأن الزيادة على السبع حصل بغير عقد، فلا يجب زيادة أجر بسبب ذلك الزيادة، ولكن لا يجاوز به المسمى كما في سائر الإجارات الفاسدة.
(8/256)
-----
وإن كان الخلاف من حيث النقصان في القدر فإنه يعطيه أجر مثل ما عمل مقدراً بحصته من المسمى؛ لأن بعض المسمى قد سقط لأنه أتى ببعض العمل ولم يأت بالبعض فتسقط حصته ما لم يعمل من المسمى، ويبقى بعض المسمى، وينظر إلى أجر مثل عمله فيما عمل، فإن كان أقل أو مثل حصة الباقي، من المسمى فإنه يعطيه ذلك، وإن كان زيادة يعطيه بقدر حصته من المسمى، ولا يجاوز به، وإن كان الخلاف من حيث الصفة، إن كان من حيث الزيادة فإنه يعطيه أجر مثل عمله بقدر العمل المأمور به، ولا تعتبر الزيادة؛ لأن الزيادة حصلت بغير عقد، فإن كان ذلك مثل المسمى يعطيه ذلك، وإن كان أكثر من ذلك لا يجاوز به المسمى.(8/257)
-----
وإن كان من حيث النقصان: فإنه يعطيه أجر مثل عمله مقدراً بجميع المسمى، لا ينقص بخلاف ما إذا كان النقصان من حيث القدر، فإنه بقدر أجر المثل ينقص المسمى، وذلك لأن النقصان متى حصل من حيث القدر فقد سقط بعض المسمى وبقي البعض، فيعتبر أجر المثل الباقي، فأما إذا كان النقصان من حيث الصفة، فإنه لا يسقط شيء من المسمى؛ لأنه لا حصة للأوصاف من المسمى فيكون جميع المسمى على حاله، فيعتبر أجر المثل به إن كان مثله، أو أقل، فإنه يعطيه ذلك وإن كان أكثر لا يجاوز به المسمى، وأما من قال بأنه يعطيه المسمى متى رضي بأخذ الثوب معيباً، وإن لم يرضى بالعيب وأخذ الثوب فإنه يعطيه أجر المثل، ذهب في ذلك إلى أن الأمر كما قاله الأولون: إن هذا مخالف من وجه موافق من وجه، فيكون العقد قائماً من وجه وليس بقائم من وجه، إلا أنه في مثل هذا الموضع إنما يحكم بفساد العقد متى تعذر العمل بهما في الحالين. كما في مسألة بيع المقايضة، فجعلناه بيعاً فاسداً عملاً بالأمرين من الوجه الذي قلتم إذا أمكن العمل بهما في الحالين، فإنه لا يجعل العقد فاسداً وقد أمكننا العمل في الحالين بأن يعتبر الوفاق، متى اختار أخذ الثوب ورضي بالعيب، ويعتبر العقد جائزاً في هذه الحالة ويعطيه المسمى، ويعتبر الخلاف متى اختار أخذ الثوب ولم يرض بالعيب ويوجب عليه أجر المثل؛ لأنه لم يوجد من العامل ما يوجب زوال ملك صاحب الغزل عن الثوب؛ لأن أصل العمل جعل بإذن صاحب الغزل، إلا أن فيه عيباً وله أن لا يرضى بالعيب، ولا تتوفر على صاحب الغزل في المعيب إلا بأن يعطيه أجر مثل عمله، فيعطيه أجر مثل عمله عملاً بالخلاف، ولأنه متى رضي بالعيب سقط اعتبار العيب حكماً، أو صار كأنه أتى بالمأمور به فلزمه المسمى إلا في النقصان.
(8/258)
-----
وإذا لم يرض بالعيب لم يسقط اعتباره، فكان موافقاً من وجه مخالفاً من وجه، فوجب أجر المثل، ثم على قول هذا القائل: إذا وجب اعتبار المسمى، إن كان الخلاف من حيث القدر إن كان إلى زيادة يجب المسمى لا غير، ولا يجب بسبب الزيادة شيء، وإن كان إلى نقصان ينقص عن المسمى لكنه ما نقص من العمل، وإن كان الخلاف من حيث الوصف إن كان إلى زيادة يجب المسمى ولا يجب بسبب الزيادة شيء، وإن كان إلى نقصان يجب جميع المسمى، إذا الفائت وصف وللأجر لا يقابل الأوصاف.
قال: وإذا دفع إلى خياط ثوباً، وقال: انظر إلى هذا الثوب، فإن كفاني قميصاً فاقطعه وخيطه بدرهم فقال: نعم، ثم قطعه، وقال بعد ما قطعه: إنه لا يكفيك، فالخياط ضامن قيمة الثوب، وإنما كان كذلك لأن القطع حصل بغير إذن صاحب الثوب، لأن الإذن بالقطع معلق بشرط الكفاية؛ لأنه ذكر الشرط وحرف التعليق، والمعلق بالشرط عدم قبل الشرط، فهو معنى قولنا: القطع حصل بغير إذن صاحب الثوب. ولو كان قال للخياط: انظر إلى هذا الثوب أيكفيني قميصاً، فقال: نعم. فقال له: اقطعه، فقطعه. فإذا هو لا يكفيه قميصاً، لا ضمان عليه؛ لأن القطع ههنا حصل بإذن المالك؛ لأن الإذن بالقطع ههنا مطلق لا تعليق فيه؛ لأنه لم يذكر حرف التعليق، فبقي الإذن مفصولاً عن أول الكلام، ألا ترى أن من قال لإمرأته: إن دخلت الدار أنت طالق يقع الطلاق في الحال. ولو قال: فأنت طالق لا يقع إلا بعد الدخول. وما افترقا إلا بما قلنا. ولو قال: انظر إلى هذا الثوب أيكفيني قميصاً. فقال: نعم. فقال صاحب الثوب: فاقطعه، أو قال: اقطعه إذاً فلما قطعه إذا لا يكفيه، لا ذكر لهذه المسألة في الكتب.(8/259)
-----
وحكي عن الفقيه أبي بكر البلخي رحمه الله أنه قال: يضمن أما في قوله: اقطعه إذاً فلأنه مما لا يبتدأ به الكلام وإنما يذكر جواباً للشرط فاقتضى شرطاً وصار كأنه قال: إن كان يكفيني فاقطعه إذاً وأما في قوله: فاقطعه لأن حرف الفاء للتعليق فاقتضى شرطاً، وصار كأنه قال: إن كان يكفيني فاقطعه إذاً وأما في قوله: فاقطعه لأن حرف الفاء للتغليف فاقتضى شرطاً، وصار كأنه قال إن كان يكفيني قميصاً فاقطعه، ونظير هذا ما روي عن أبي حنيفة رحمه الله في غير رواية الأصول فيمن قال لآخر: بعت منك هذا العبد بألف درهم فقال المشتري: فهو حر، كان قبولاً وإعتاقاً بعد القبول ولو قال: هو حر لم يكن قبولاً وإعتاقاً بعد القبول بل ولو قال: هو حر لم يكن قبولاً وإعتاقاً بعد القبول بل كان إعتاقاً قبل القبول، وذلك لأن قوله فهو حر إخبار عن حكم الإيجاب فقال: حررته فهو حر. كما يقال: كسرته فانكسر. وإذا كان إخباراً عن حكم الإيجاب، اقتضى إيجاباً، والثابت اقتضاء كالثابت نصاً، كأنه قال بعد قول البائع: بعت حررت. ولو قال: حررت يضمن قبولاً؛ لأن القبول شرط صحته، فاقتصى قبولاً ليصح كمن قال لآخر: أعتق عبدك عني على الألف درهم. فقال: أعتقت اقتضى بيعاً؛ لأنه شرط صحته فكذا هذا. وقوله: هو حر، ليس بإخبار عن حكم الإيجاب، فإنه لا يعر عن حكم الإيجاب بهذه العبارة. لا يقال: حررته هو حر. كما لا يقال: كسرته انكسر. وإذا لم يكن إخباراً عن حكم الإيجاب لم يقتض إيجاباً، فبقى إخباراً عن الحرية مطلقاً. وليس من ضرورة صحة الإخبار عن الحرية القبول؛ لأنه يصح من غير قبول فأما من ضرورة صحة الإيجاب القبول، فكذلك هذا في «فتاوى الفضلي».
(8/260)
-----
استأجر حماراً وتركه على باب منزله، ودخل المنزل ليرفع خشبة الحمار، فخرج ولم يجد الحمار. قال: إن غاب الحمار عن بصره ضمن، إلا أن يكون ذلك في موضع لا يعد هذا القدر من الذهاب تضييعاً مثل، أن يكون في سكة غير نافذة، أو يكون في بعض القرى فحينئذ لا ضمان. ورأيت في بعض الفتاوى: إذا ربط الحمار المستأجر على باب داره، ودخل داره ولم يجد الحمار، فهو ضامن إن غاب عن بصره من غير فعل. وإذا كان للمستأجر حماران فاشتغل بحمل أحدهما فضاع الآخر، إن غاب عن بصره فهو ضامن.
وفي فتاوي «الأصل» إذا استأجر حماراً فضل في الطريق، فتركه ولم يطلبه حتى ضاع، قال: (50أ4) إن ذهب الحمار من حيث لا يشعر به، وهو حافظ له فإذا علم فطلبه ولم يظفر به، فلا ضمان عليه. وكذلك لو لم يطلب، وكان آيساً من وجوده، لو طلب بالقرب في حوالي الموضع الذي ذهب منه لا ضمان؛ لأن المطلوب من الأمين الحفظ، وإن ذهب وهو يراه ولم يمنعه، فهو ضامن يريد به إذا غاب عن بصره؛ لأنه لم يمنعه، فقد قصر في الحفظ فيصير ضامناً. وعلى هذا مستأجر الحمار إذا جاء بالحمار إلى الخباز، وترك الحمار واشتغل بشراء الخبز فضاع الحمار، إن غاب عن بصره فهو ضامن، وإن لم يغب عن بصره فلا ضمان.
وفي «فتاوى الفضلي»: إذا استأجر حماراً وربطه على رأى في سكة نافذة، وهناك قوم نيام ليسوا من عيال المستأجر، ولا من أجرائه فسرق الحمار، فإن كان المستأجر لم يستحفظهم ضمن لتركه الحفظ الواجب عليه. وإن كان استحفظهم أو بعضهم وقبلوا حفظه ولم يكن اشترط ركوب نفسه في عقد الإجارة، وكان الأغلب في مثل ذلك الموضع إن لزم من يحفظ الدواب فيه لا يكون إضاعة لها، لم يضمن لأنه ليس بمضيع ولا تارك الحفظ. وإن كان الموضع موضعاً يلزم من يحفظ الدواب، يكون إضاعة لها فهو ضامن. يعنى: إذا لم يستحفظهم، فأما إذا استحفظهم وقبلوا حفظه، فالضمان على الذي قبل الحفظ لا على المستأجر؛ لأن الذي قبل الحفظ هو المضيع.(8/261)
-----
هذا كله إذا لم يشترط المستأجر ركوب نفسه أما إذا اشترط ركوب نفسه ضمن على كل حال لأنه إذا شرط ركوب نفسه ليس له أن يودعها من أجنبي، لأنه ليس له أن يعيرها أو يؤجرها من غيره. ومن ليس له الإعارة والإجارة، ليس له الإيداع؛ لأن الإعارة والإجارة نوع ائتمان فإذا لم يشترط ركوب نفسه فله أن يودع؛ لأن له أن يعير ويؤاجر فله أن يودع.
ومن هذا الجنس: رجل استأجر حماراً واستأجر رجلاً؛ ليحفظ الدابة فهلكت الدابة في يد الأجير، إن كان المستأجر استأجرها ليركب بنفسه يضمن. وإن لم يسم الراكب فلا ضمان. والمعنى ما ذكرنا.
وفيه أيضاً استأجر حماراً ليحمل عليها إلى المدينة، فحمل وساقه في طريق المدينة، ثم تخلف لحاجة بول أو غائط أو حديث مع غيره، فذهب الحمار قبله وعطب، فإن لم يتعمد عنه الحمار ولم يتوار عنه فلا ضمان. وإن توارى عنه فهو ضامن لأنه مضيع.
وفي فتاوى «الأصل» مستأجر الحمار إذا أوقف الحمار وصلى الفجر فذهب الحمار وانتهت، فإن رأه ينتهب أو يذهب فلم يقطع الصلاة ضمن؛ لأنه ترك الحفظ الواجب مع القدرة عليه؛ لأن خوف فواته يبيح قطع الصلاة.
وفيه أيضاً وسئل أبو بكر عن من أمر رجلاً أن يستكري له حماراً ويذهب إلى مكان كذا، على أن يوفر الآمر الأجرة، ففعل المأمور ذلك وأدخله رباطاً، فهجم عليه اللصوص في ذلك الرباط، واستولوا على الحمار قال: فإن كان الرباط على الطريق الذي كان يمر المستأجر عليه، فلا ضمان وعليه الأجر إن كان فرغ من استعماله؛ لأنه لم يخالف.(8/262)
رجل استأجر رجلاً ودفع إليه حماراً ليذهب إلى بلد كذا، ويشتري له شيئاً فذهب المأمور وأخذ السلطان حمر القافلة، فذهب بعض أصحاب الحمر في طلب الحمر، ولم يذهب البعض، وهذا الأجير لم يذهب أيضاً. قال: إن كان الذي بقي ذهبوا في طلب الدواب منهم من وجد دابته، ومنهم من لم يجد، ولا يلام على من لم يذهب في ترك الذهاب بسبب ما لزم من ذهب من الشدة والمشقة فلا ضمان.(8/263)
-----
وفي «فتاوى الفضلي» أيضاً رجل استأجر من آخر حماراً ليذهب به إلى موضع معلوم فأخبر أن في الطريق لصوص، فلم يلتفت إلى ذلك الخبر، فذهب وأخذه اللصوص وذهبوا بالحمار. قال الفقيه أبو بكر رحمه الله: إن كان الناس يسلكون ذلك الطريق مع هذا الخبر بدوابهم وأموالهم فلا ضمان،وإلا فهو ضامن؛ لأنه في الفصل الأول ليس بمضيع، وفي الفصل الثاني مضيع.
سئل الفقيه أبو جعفر رحمه الله عن جماعة أجر كل واحد منهم حماره رجلاً وأمروا رجلاً يذهب معه يتعاهد الدواب، فإنه لا يعرفه فذهب معه، فقال له المستأجر: قف هاهنا حتى أذهب أنا بحمار واحد، وأحمل الجوالق، فذهب بالحمار فلم يقدر عليه، فلا ضمان على المتعاهد؛ لأنهم أمروه بتعاهد ما في يد الغير وهو المستأجر، فلا يلزمه العهدة.
ومن هذا الجنس في «فتاوي النسفي»: رجلاً استكرى دابة من القرية إلى المصر، فبعث صاحب الدابة رجلاً مع المستكري، فاشتغل المبعوث في الطريق بأمر وذهب المستكري وحده وضاع الحمار من يده، فلا ضمان على الرجل المبعوث؛ لأن صاحب الدابة ما سلم الدابة إليه؛ ولأنه ما ضيع الدابة إنما تركها في يد المستكري الذي هو أمين صاحب الدابة، وإنه لا يوجب الضمان.
وفي «فتاوي الفضلي»: أكترى رجل حماراً من بلدة كسرى إلى بخارى فبقي الحمار في الطريق وصاحب الحمار ببخارى فأمر المستكري رجلاً أن ينفق على الحمار في علفه كل يوم مقداراً معلوماً، وقاطعه أجرته إلى أن يقبض صاحب الحمار حماره، فأمسك الأجير الحمار أياماً وأنفق عليه في علفه، ثم هلكت الدابة في يد الأجير، ففي المسألة حكمان: حكم النفقة، وحكم الضمان، أما حكم النفقة: فقد مر من قبل، وأما حكم الضمان فإن كان المستكري اكتراه لركوبه فهو ضامن قيمة الحمار؛ لأنه إذا اكتراه لركوبه فليس له أن يودع على ما مر قبل هذا. وإن كان اكتراه للركوب ولم يسم الراكب فلا ضمان عليه؛ لأن له أن يودع في هذه الصورة.(8/264)
-----
وفيه أيضاً: وإذا دفع الرجل فرسه إلى رجل ليذهب به إلى ولده، فذهب به وسار مرحلة، ثم إنه سيب الفرس في رباط، ومضى لوجهه، فجاء رجل من أهل تلك القرية، فذهب الأمير بالفرس فهلك الفرس في الطريق، فضمان الفرس على من يجب؟ قال: لا شك أن الأول ضامن بتسيبه، وأما مستأجر الأجير الذي ذهب بالفرس إلى منزله، إن كان لم يأخذ الفرس فلا ضمان عليه؛ لأنه لم تثبت يده على الفرس، وإن أخذه ثم دفعه إلى الأجير، فإن أشهد أنه إنما أخذ ليرده على صاحبه، وكان الأجير من في عياله لا ضمان أيضاً؛ لأن الملتقط بالإشهاد يصير أميناً، والأمين أن يدفع الأمانة إلى من في عياله، ويحفظه بيده. وإن ترك الإشهاد أو أشهد، لكن الأجير لم يكن في عياله ضمن؛ لأنه صار غاصباً بالأخذ من غير إشهادو صار ضامناً بالدفع إلى من ليس في عياله، وأما الأجير فهو ضامن على كل حال؛ لأنه أثبت يده على مال الغير بغير إذنه، لا على وجه الجنسية، هكذا ذكره.
وهذا الجواب في حق الأجير، مشكل إذا كان المستأجر أشهد على أنه أخذه ليرده على المالك، والأجير في عيال المستأجر. وإن سلم الفرس في ذلك الرباط إلى ابن أخ صاحب الفرس، لا يبرأ عن الضمان. وإذا ضمن الأجير لا يرجع بما ضمن على المستأجر بخلاف المودع والمستأجر، فإنهما يرجعان بما ضمنا على المودع والمؤاجر؛ لأنهما يمسكان العين لصاحب العين.
أما المودع فظاهر، وأما المستأجر فلأن صاحب العين يستحق عليه الأجرة بهذه الإمساك وإنها عين، والمستأجر يستحق المنفعة والعين خير من المنفعة، فكانا عاملين لصاحب العين في إمساك العين، فيرجعان بما لحقهما من الضمان على صاحب العين، فأما الأجير فإنما يمسك العين لنفسه؛ لأنه بهذا الإمساك يستحق الأجر على الغير بمقابلة منفعة نفسه، فكان في هذا الإمساك عاملاً لنفسه، فلا يرجع بما لحقه من الغرم على غيره.
(8/265)
-----
وفي «فتاوى أبي الليث»: رجل استأجر حماراً لينقل التراب من خربة، فأخذ في النقل، فانهدمت الخربة وهلك الحمار، فإن انهدمت من معالجة المستأجر ضمن قيمة الحمار؛ لأن الحمار تلف بصنعه، وإن انهدمت من غير معالجة المستأجر بل لرخاوة فيها ولم يعلم المستأجر به فلا ضمان؛ لأنه (50ب4) لم يتلف بصنعه ولا قصر في حفظه.
وفيه أيضاً اكترى حماراً ليحمل عليه الشوك، فدخل في سكة فيها نهر، فبلغ موضعاً ضيقاً، فضرب الحمار فوقع الحمار في النهر مع الحمل، فاشتغل المستأجر بقطع الحبل فهلك الحمار، إن كان المكان بحال لا يسع فيه مثل ذلك الحمار فهو ضامن؛ لأنه عرض الحمار للتلف، وإن كان الحمار يسع في ذلك الموضع مع الحمل، إن عنف في الضرب حتى وثب الحمار بضربه يصير ضامناً أيضاً، لما ذكرنا، وإن وقع لا من ضربه فلا ضمان عليه؛ لأنه لم يتلفه لا بمباشرة ولا تسيباً.
وفيه أيضاً استأجر حماراً لينقل عليه الحطب من الكرم، وكان ينقل عليه الحطب ويوقره كما يوقر مثله، فعدم الحمار على حائط ووقع في النهر وهلك، إن لم يعنف عليه في السوق بل ساق مثل ما يسوق الناس مثل ذلك الحمار في مثل ذلك الطريق، فلا ضمان؛ لأنه ما تلف بفعله، وإن كان بخلافه فهو ضامن.
رجل استأجر حماراً وقبضه ما رحله في كرمه وتركه، فسرقت بردعته فأصابه البرد، فمرض فرده على صاحبه فمات من ذلك المرض، إن كان الكرم حصيناً والبرد بحال لا يصير بالحمار، ولو كان عليه البردعة لا ضمان عليه؛ لأنه لم يقصر في حفظهما؛ لأنهما محفوظان البردعة محفوظة عن السارق بحصن الكرم، والحمار محفوظ عن البردعة.(8/266)
-----
وإن كان الكرم غير حصين، والبرد بحال يضر بالحمار مع البردعة، ضمن قيمتها. أما ضمان البردعة فبتضييعه وتركه الحفظ الواجب عليه، وأما ضمان الحمار؛ لأن إرساله في برد مهلك بمنزلة إلقائه في النار وذلك استهلاك، فلا يبرأ بالرد إلى المالك عن شيء من ضمانه، كما لو خرج المغصوب ثم رده إلى المالك، فمات من ذلك. بخلاف ضمان الغصب.
وإن كان البرد بحال يضر بالحمار مع البردعة والكرم حصين، فعليه قيمة الحمار دون البردعة.x
لأنه أتلف الحمار دون البردعة ولو كان الكرم غير حصين وكان البرد بحال لا يخاف التلف مع بردعته، فهو ضامن لقيمة البردعة، وعليه نقصان الحمار وقت الرد على صاحبه؛ لأنه بمنزلة الغاصب للحمار حين أرسله في الكرم، فإذا ارسله إلى صاحبه برئ من الضمان بقدر ما رد، ويقرر عليه ضمان النقصان بموت الحمار.
زرع بين ثلاثة نفر بالشركة حصدوها، فاستأجر واحد منهم حماراً لينقل عليه حرم البر فدفع الحمار إلى الشريك لينقل الحرم فعطب الحمار، وكانت معاملاتهم أنه يستأجر أحدهم البقر أو الحمار، ويستعمله هو وشريكه، لا ضمان عليه؛ لأن المعروف كالمشروط. ولو شرط أن يستعمله شريكه لا يضمن، فكذا إذا كان المعروف منهم ذلك.
قد ذكرنا قبل هذا أن الرجل إذا استقرض دراهم وسلم إلى المقرض حماره ليمسكه ويستعمله حتى يوفي له دراهم، فالحمار عند القرض بمنزلة المستأجر إجارة فاسدة، فإن سلمه المقرض إلى بقار فعقره الذنب فالمقرض ضامن قيمة الحمار؛ لأن من استأجر حماراً أو ثوراً ليس له أن يبعث إلى السرح ليعتلف، فإذا علف كان مخالفاً فيضمن.(8/267)
-----
استأجر قباناً ليزن به حملاً، وكان في عمود القبان عيب لم يعلم المستأجر، فوزن به وانكسر، فإن كان مثل ذلك الحمل يوزن بمثل ذلك القبان مع العيب فلا ضمان؛ لأنه لم يوجد منه سبب التلف، وإن كان بخلافه فهو ضامن. هكذا في «فتاوى أبي الليث». وينبغي أن يقال: إذا لم يعلم الآجر المستأجر بالعيب، فقد أذن له في أن يزن به القدر الذي يوزن فيه بدون ذلك العيب، فإذا وزن ذلك القدر لا يجب الضمان عليه.
استأجر قدراً فلما فرغ حملها على حمار ليردها على الآجر، فزلق رجل الحمار وانكسر القدر، فإن كان الحمار يطيق حمل تلك القدر فلا ضمان عليه؛ لأن رد القدر وإن كان على الآجر إلا أن العادة جرت فيما بين الناس أن بحمله المستأجر إلى الآجر. إما من طريق المروءة وإما خوفاً من أن يلحقه بسببه ضمان. والمعروف كالمشروط. ولأن المؤاجر راض بهذا آذن فيه دلالة، فلا يضمن المستأجر، وإن كان الحمار لا يطيق حمل تلك القدر فهو ضامن؛ لأنه سبب لتلفها.(8/268)
-----
إذا استأجر فأساً واستأجر أجيراً ليعمل فيه، فدفع إليه الفأس فذهب الأجير بالفأس قد اختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: المستأجر ضامن لأنه صار مخالفاً بالدفع إليه وبعضهم قالوا: إن كان استأجر الفأس أولاً فهو ضامن. هكذا ذكر في فتاوى أهل سمرقند وينبغي أن يقال: إن كان الناس يتفاوتون في استعمال الفأس، فلا بد لصحة الإجارة من تعيين مستعمل الفأس، كما لو استأجر دابة للركوب يشترط لصحة الإجارة تعيين الراكب؛ لأن الناس يتفاوتون في الركوب. وإذا عين نفسه حتى صحت الإجارة يصير مخالفاً بالدفع إلى الأجير، وإذا لم يعين المستعمل حتى فسد العقد، فإن استعمل الفأس أولاً بنفسه، ثم دفعه إلى الأجير يضمن عند بعض المشايخ. لما تبين لأنه تعين مستعملاً، وصار كأنه عين نفسه عند العقد، فيضمن بالدفع إلى الأجير وإن دفعه إلى الأجير قبل أن يستعمله بنفسه، فهو ليس بمخالف فإن استعمله المستأجر بعد ذلك بنفسه هل يضمن؟ يجب أن يكون في المسألة اختلاف المشايخ، كما في العارية. فإن استعار دابة للركوب، ولم يعين نفسه فركب بنفسه، أو لبس بنفسه فليس له أن يعيره بعد ذلك من غيره. ولو فعل فقد اختلف المشايخ في تضمينه. وكذلك لو ألبس غيره أولاً، أو أركب غيره أولاً، فليس له أن يلبس ويركب بنفسه بعد ذلك، ولو فعل ففي تضمينه اختلاف المشايخ فهنا يجب أن يكون كذلك.
وإن كان الناس لا يتفاوتون في استعمال الفأس، فالإجارة صحيحة، عين المستعمل أو لم يعين، ولا ضمان على المستأجر إذا دفعها إلى الأجير، سواء دفعها إليه قبل أن يستعملها بنفسه، أو بعدما استعملها بنفسه.(8/269)
-----
وفيه أيضاً: استأجر من رجل مرا وجعله في الطريق، ثم صرف وجهه من الطريق، ودعا أجيراً له ولم يبرح عن مكانه ذلك، ثم نظر إلى المر فإذا قد ذهب به. قال: إن كان تحويل وجهه لم يطل حتى لا يسمى به مضيعاً للمر لا ضمان عليه، والقول في ذلك قوله مع يمينه، إن كذبه الآجر. وإن طال إلتفاته فهو ضامن.
الفصل الثامن والعشرون: في بيان حكم الأجير الخاص والمشترك
هذا الفصل مشتمل على أنواع أيضاً.
الأول: في الحد الفاصل بين الأجير المشترك والخاص، وبيان أحكامهما فنقول وبالله التوفيق.
اختلف عبارة المشايخ في الحد الفاصل بينهما بعضهم قالوا:
الأجير المشترك من يستحق الأجر بالعمل لا بتسليم نفسه للعمل.
والأجير الخاص: من يستحق الأجر بتسليم النفس. وبمضي المدة، ولا يشترط العمل في حقه لاستحقاق الأجر. وبعضهم قالوا:
الأجير المشترك: من يقبل العمل من غير واحد. والأجير الخاص: من يقبل العمل من واحد.(8/270)
-----
وإنما يعرف استحقاق الأجر بالعمل على العبارة الأولى؛ بإيقاع العقد على العمل. كما لو أستأجر خياطاً ليخيط له هذا الثوب بدرهم، أو استأجر قصاراً ليقصر له هذا الثوب بدرهم. وإنما يعرف استحقاق الأجر بتسليم النفس وبمضي المدة بإيقاع العقد على المدة. كما لو استأجر إنساناً شهراً ليخدمه، والإجارة على العمل إذا كان معلوماً صحيح بدون بيان المدة، والإجارة على المدة لا تصح إلا ببيان نوع العمل وإذا جمع بين العمل وبين المدة وذكر العمل أولاً نحو: أن يستأجر راعياً مثلاً ليرعى له غنماً مسماة بدرهم شهراً يعتبر هو أجيراً مشتركاً؛ لأنه جعله أجير مشترك بأول الكلام. لأنه أوقع العقد على العمل في أول كلامه. وقوله شهراً في آخر كلامه يحتمل أن يكون لإيقاع العقد على المدة، فيصير أجير واحد، ويحتمل أن يكون تقديراً للعمل الذي أوقع (51أ4) العقد عليه، فإنه لا بد من تقديره، ولا يمكننا تقديره إلا ببيان المدة في هذه الصورة، فلا يتغير أول الكلام بالاحتمال، إلا إذا صرح في آخر كلامه بما هو حكم أجير الوحد، بأن قال: على أن لا يرعى غنم غيري مع غنمي؛ لأنه بما صرح جعله أجير واحد، وبين أنه ذكر المدة لإيقاع العقد على المدة، لا لتقدير العمل المذكور في أول الشهر، وإذا كان صريحاً في جعله أجير واحد بأول الكلام؛ لأنه أوقع العقد على المدة في أول الكلام، وقوله: ليرعى هذه الأغنام محتمل بين أن يكون لإيقاع العقد على العمل، فيصير أجيراً مشتركاً، وبين أن يكون لبيان نوع العمل الذي يستحق على الأجير في المدة، فإن الإجارة على المدة لا تصح ما لم يبين نوع العمل.(8/271)
-----
فنقول: استأجرتك شهراً للخدمة أو للرعي أو للحصاد؛ لأن أنواع العمل متفاوت. وإذا كان كذلك لا يتغير حكم أول الكلام بالاحتمال، فبقي أجير واحد، إلا إذا نص في آخر كلامه بما حكم الأجير المشترك. فيقول: ويرعى غنم غيري مع غنمي، فيكون تصريحاً منه أنه جعله أجيراً مشتركاً، فيتغير به أول الكلام، ويصير أجيراً مشتركاً من هذا الوجه.
إذا عرفت الحد الفاصل بين الأجير الخاص، وبين الأجير المشترك، فنقول:
من حكم الأجر الخاص، أن ما هلك على يده من غير صنعه فلا ضمان عليه بالإجماع، وكذلك ما هلك من عمله المأذون فيه فلا ضمان عليه بالإجماع.
ومن حكم الأجير المشترك: أن ما هلك على يده من غير صنعة فلا ضمان عليه، في قول أبي حنيفة. وهو قول زفر والحسن، وإنه قياس سواء هلك بأمر يمكن التحرز عنه كالسرقة والغصب، أو بأمر لا يمكن التحرز عنه كالحريق الغالب، والغارة الغالبة والمكابرة.(8/272)
-----
وقال أبو يوسف ومحمد: إن هلك بأمر يمكن التحرز عنه فهو ضامن، وإن هلك بأمر لا يمكن التحرز عنه فلا ضمان. وما هلك في يده بعمله، كالقصار إذا دق الثوب، فتخرق أو ألقاه في النورة فاحترق، أو الملاح إذا غرقت السفينة من يده، والحمال إذا بعثر فهو ضامن عند علمائنا رحمهم الله؛ لأن الهلاك حصل من عمل غير مأذون فيه؛ لأن الهلاك حصل من دون محرق، والدق المخرق غير مأذون فيه؛ لأنه لم يدخل تحت العقد. بيانه: أن المعقود عليه في حق الأجير عمل في الذمة، وإنه نوعان: سليم، ومعيب والمستحق بحكم المعاوضات السليم دون المعيب، وفي وسعه تسليم السليم؛ لأن العيب إنما يحصل بحرق، وعنف يكون من العامل، والتحرز عنه متمكن فلم يدخل المخرق تحت العقد والإذن بخلاف المعين؛ لأن المعين متبرع في العمل، فلا يستحق عليه عمل سليم عن العيب بمطلق الإعانة. كما في هبة العين بخلاف ما نحن فيه وبخلاف النزاع والختان؛ لأنه ليس في وسعهما تسليم السليم؛ لأن السلامة بعد وجود القطع بحده إنما يكون بدفع السراية، ودفع السراية إنما يكون بقوة طبع المعقود به النزع، فلا يكون دفع في وسع الفاعل، فلا يصير مستحقاً عليه. بخلاف ما نحن فيه، فإن الدق السليم عن الخرق في وسعه، فيصير مستحقاً عليه بحكم المعاوضة. وبخلاف الأجير لواحد؛ لأن المعقود عليه في حق الأجير لواحد بتسلم النفس لا بمقابلة العمل. وإذا لم يكن الأجر في حقه بمقابلة العمل كان معيناً في حق العمل، فلا يستحق عليه عمل سليم، ثم إذا وجب الضمان على الأجير المشترك بما جنت يده عند علمائنا الثلاثة، كان المستأجر بالخيار:
إن شاء ضمنه قيمته معمولاً، وعليه أجر المثل؛ لأنه موافق في أصل العمل مخالف في الصفة.
فإن شاء صاحب الثوب مال إلى الخلاف، وضمنه قيمة ثوبه غير معمول، ولا أجر له؛ لأنه لم يتسلم العمل.
وإن شاء مال إلى الوفاق وأخذ الثوب وأعطاه أجر مثله.(8/273)
-----
ثم الأجير المشترك إنما يضمن ما جنت يده عندنا إذا كان محل العمل مسلماً إليه تسليماً يكفي لنقل ضمان العقد لو كان مشتركاً، والمضمون ما يجوز أن يضمن بالعقد، وفي وسع الأجير دفعه، وإنما شرط أن يكون محل العمل مسلماً إليه. لأن ما يجب على الأجير المشترك من الضمان بجناية يده إذا لم يتعمد، ولم يخالف ضمان العقد فإنه لولا هذا العقد بأن كان معيناً لا يضمن، وضمان العقد لا يستوفى من العاقد إلا بالتخلية، كما في بيع العين.
وإنما شرطنا أن يكون المضمون بحال يجوز أن يضمن بالعقد لما ذكرنا: أن ما يجب على الأجير المشترك من الضمان بجناية يده، إذا لم يتعمد، ولم يخالف ضمان عقد، وإنما يضمن بالعقد ماله أثر في إيجابه وهو المال، فأما المضمون إذا كان شيئاً لا يضمن بالعقد كمال كالدم، فإنه لا يجب الضمان فيه على الأجير. وإنما شرطنا أن يكون في وسع الأجير دفع ذلك الفساد؛ لأن العقد إنما ينعقد على ما في وسع الأجير لا على ما ليس في وسعه.
نوع آخر في الحمال ومكاري الدابة والسفينة
قال محمد رحمه الله في «الجامع الصغير»: في رجل استأجر حمالاً ليحمل له دناً من القراب إلى مكان معلوم بأجر معلوم، فوقع الحمال في بعض الطريق وانكسر الدن.
فإن شاء ضمنه قيمته في المكان الذي حمله ولا أجر له.
وإن شاء ضمنه في المكان الذي انكسر وأعطاه من الأجر بحساب ذلك. وهذا مذهب علمائنا الثلاثة رحمهم الله؛ لأن الحمال أجير مشترك هلك العين في يده لوقوعه، وعثاره، والتحزر عنه ممكن في الجملة، فيجب عليه الضمان عندنا لما مر والمستأجر بالخيار على ما بينا؛ لأن الحمال موافق من وجه فإنه أمر بالحمل، وقد حمل مخالف من وجه؛ لأنه أمره بالحمل على وجه يصير الدن محمولاً إلى مكان معين، ولم يأت بذلك الحمل.
فإن شاء مال إلى جهة الخلاف، وضمنه في المكان الذي حمل ولا أجر؛ لأنه لم يسلمه العمل.(8/274)
-----
وإن شاء مال إلى جهة الوفاق وضمنه في المكان الذي انكسر، وأعطاه من الأجر بحساب ذلك. وفي هذه المسألة إشكالان:
أحدهما: أنه قال له أن يضمنه قيمته في المكان الذي حمل، ولم يوجد منه سبب ضمان في ذلك المكان.
والثاني: أنه قال: إذا ضمنه قيمته في المكان الذي انكسر أعطاه الأجر بحسابه جمع بين الأجر والضمان، والأجر مع الضمان لا يجتمعان على مذهبنا والجواب عن الإشكال الأول: لا بل وجد سبب الضمان في ذلك المكان. وهذا لأن سبب الضمان وإن كان هو من عمله ذلك حالة الانكسار، إلا أن الفساد الحاصل من عمله استبدالي حالة العقد؛ لأن الانكسار من عمله إنما أوجب الضمان باعتبار العقد، فإنه بدون عقد الإجارة الأجير يكون معيناً في الحمل، ولا ضمان على المعين ولما كان وجوب الضمان باعتبار العقد كان سبب وجوب الضمان العقد من حيث الاعتبار، والحكم يضاف إلى السبب، فقد وجد سبب الضمان في المكان الذي انكسر من عمله، فلهذا يخير.
والجواب عن الإشكال الثاني: الأجر مع الضمان إنما لا يجتمعان عندنا في حالة واحدة، وقد اختلف الحالة هاهنا بيانه: أنه إذا ضمنته قيمته في المكان الذي انكسر، فقد جعل المتاع أمانة عنده من حيث حمل إلى المكان الذي انكسر، فالأجر يجب له في حالة الأمانة، وإنما صار مضموناً عند الكسر. وهذه حالة أخرى بعد انقضاء حالة الأمانة. ومثل هذا جائز. ألا ترى أنه لو حمل المتاع إلى ذلك المكان المعين، ثم أحرقه أو طرحه فإنه يضمن قيمته في ذلك المكان الذي أحرقه أو طرحه، ولا يبطل الأجر، لأن الأجر واجب في حالة الأمانة، وهذه حالة أخرى فلم يجتمع الأجر والضمان إذاً.
(8/275)
-----
ومن وجه آخر أن الأجر مع الضمان إنما لا يجتمعان؛ لأن بالضمان يصير المضمون ملكاً للآخر، فيتبين أنه عمل في ملك نفسه وهذا المعنى لا يتأتى ههنا؛ لأنه إذا ضمنه في المكان الذي انكسر، فإنما يملكه الحمال في المكان الذي انكسر فيبقى حاملاً إلى هذا المكان ملك الغير، فيستحق الأجر (51ب4) وصار كما لو استهلك المتاع بعدما سلمه إلى المالك، هذا إذا انكسر في وسط الطريق. فأما إذا سقط من رأسه أو زلق رجله بعدما انتهى إلى المكان المشروط، وانكسر الدن فله الأجر ولا ضمان عليه.
حكي عن القاضي صاعد النيسابوري هكذا؛ لأنه حين انتهى إلى المكان المشروط لم يبق الحمل مضموناً عليه. فإما يتوجب جميع الأجر وصار الحمل مسلماً إلى صاحب الدن، حتى لا يستحق الحبس، والمتولد من عمل غير مضمون لا يكون مضموناً عليه بخلاف ما إذا انكسر في وسط الطريق؛ لأن الحمل مضمون لأنه لم يقع الفراغ عنه بعد، وهذا الذي حكي عن القاضي صاعد يوافق قول محمد أخيراً على قول أبي يوسف، وهو قول محمد.
أو لأن الحمال يجب أن يكون ضامناً، فقد ذكر بعد هذا عن ابن سماعة: في رجل استأجر حمالاً يحمل له فرقاً من سمن إلى بيته، ثم أنزله الحمال مع صاحب الفرق من رأس الحمال، فوقع من أيديهما وهلك، فالحمال ضامن في قول أبي يوسف. وهو قول محمد أولاً. فأبو يوسف ما اعتبر الوصول إلى بيت صاحب الفرق إذ لو اعتبرها قال: بوجوب الضمان، وإنما بيته معنى آخر أن يد الحمال قد بتت، وصار الفرق في ضمانه، فلا تبرأ عن الضمان إلا إذا أزال يد الحمال من كل وجه، وإذا وضعاه عن رأس الحمال، فما زال يد الحمال من كل وجه وفي مسألة: ما لم يزل يد الحمال أصلاً. فأولى أن لا يبرأ عن الضمان عنده ههنا.(8/276)
-----
ثم رجع محمد عن هذا. وقال: لا ضمان على الحمال، وأشار إلى المعنى: أن السمن وصل إلى صاحبه فيبرأ عن الضمان. هذا إذا حصل التلف بجناية يده. أما إذا حصل التلف لا بجناية يده إن حصل بأمر لا يمكن بالتحرز عنه لا ضمان عليه بالإجماع. وله الأجر لأن عمل الحمال يعتبر مسلماً إلى المالك في موضع لم يجب الضمان على الحمال. فإنما هلك المتاع بعد التسليم، فلا يسقط الأجر.
وإن هلك بأمر يمكن التحرز عنه. فكذلك عند أبي حنيفة رحمه الله لا ضمان عليه وله الأجر بحساب ذلك.
وعندهما يجب الضمان وللمالك الخيار. كما لو حصل التلف بجناية يده.
قال محمد رحمه الله في «الأصل»: في الملاح إذا أخذ الأجر وغرقت السفينة من موج، أو ريح أو مطر، أو من شيء ليس في وسعه دفعه، فلا ضمان عليه.
وإن حصل الغرق من عمله بأن غرقت من يده أو من خرقه يضمن، إذا لم يكن صاحب المتاع فيها؛ لأن محل العمل سلم إليه والمضمون لا يجوز أن يضمن بالعقد، وفي وسع الأجير دفع ذلك.
وإن كان صاحب المتاع في السفينة، أو وكيله وغرقت السفينة من يده ومعالجته فلا ضمان عليه، إلا أن يخالف لأن محل العمل غير مسلم إليه.
إذا كان صاحب الطعام في السفينة وكان بمنزلة ما لو عثرت الدابة المستأجرة من سوق أجير المشترك، فسقط الحمل ففسد، وصاحب المتاع راكب على الدابة؛ فإنه لا يضمن الأجير لأنه لم يحل بينه وبين المتاع، فكذلك هذا بخلاف ما لو عثرت الدابة المستأجرة، فسقط المتاع فهلك وصاحب المتاع يسير معه خلف الدابة، فإن الأجير يضمن؛ لأن الهلاك حصل من جناية يده، ومحل العمل مسلم إليه؛ لأنه سلم المتاع إليه وسيره معه خلف الدابة، ليس باسترداد لما دفع إليه. ألا ترى أنه بهذا السير غير متمكن من الدابة، فكيف يتمكن ما عليها، بخلاف راكب السفينة؛ لأنه متمكن من السفينة فيكون متمكناً مما كان في السفينة، فلا تحصل التخلية.(8/277)
-----
قياس مسألة السفينة من الدابة: أن لو كان صاحب المتاع راكباً على الدابة، فعثرت الدابة من مسافة، وسقط المتاع وهلك، ولو كان كذلك لا يضمن.
وفي «المنتقى» لو حمل متاعاً على حمال وصاحب المتاع يمشي معه، فعثر الحمال وسقط المتاع وفسد فهو ضامن؛ لأن عثاره من جناية يده.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: وإن كان على الدابة مملوك صغير لرب المتاع، واستأجر الدابة ليحملهما فعثرت الدابة فوقعا، فمات المملوك، وإن كان الهلاك من جناية يده؛ لأن المضمون هو الدم لأنه صار قاتلاً للعبد. وما يجب بقتل العبد ضمان دم، والدم مما لا يضمن بالعقد. بخلاف المتاع، ثم إنما يضمن المتاع إذا كان العبد بحيث لا يصلح لحفظ المتاع، فأما إذا كان يصلح لحفظ المتاع لا يضمن المتاع؛ لأنه في يد العبد ويد العبد يد المالك، فكان بمنزلة ما لو كان على الدابة وكيل المولى.
وقد نص على هذا في مسألة السفينة فقال: وكذلك السفينة لو حمل فيها رقيقاً له مع متاعه، ومثلهم لا يحفظ شيئاً فغرقت السفينة من فعله وهلك المتاع وهلك الرقيق، فإن الملاح يضمن المتاع، ولا يضمن الرقيق شرطه لضمان المتاع أن لا يصلح مثل هذا الرقيق للحفظ، فهذا يبين لك أنه إذا كان يصلح أن لا يضمن المتاع، وكذلك ما هلك من غير صنع الأجير المشترك، إنما يجب عليه ضمانه عندهما إذا صار العين مسلماً إلى الأجير، حتى قال محمد رحمه الله: وإذا كان رب المتاع والمكاري راكبين على الدابة المستأجرة، أو سابقين أو قائدين عثرت الدابة وهلك المتاع الذي عليه، لا ضمان على المكاري. وكذا روي عن أبي يوسف رحمه الله: أنه إذا سرق المتاع من رأس الحمال ورب المتاع معه، فلا ضمان عليه؛ لأن يد صاحب المتاع قائم على المتاع بعد وقيام يده يمنع وقوع التسليم إلى غيره.
(8/278)
-----
قال القدوري رحمه الله في كتابه: ولو كان الطعام في سفينتين مقرونتين إلا أنهما يسيران معاً، ويحبسان معاً، وصاحب المتاع في أحدهما فلا ضمان على الملاح فيما هلك.
وفي «المنتقى» لو كانت سفن كثيرة وصاحب المتاع أو الوكيل في إحداها فلاضمان على الملاح، فيما ذهب من السفينة التي فيها صاحب المتاع أو وكيله، وضمن ما سوى ذلك. قال: هذا كله قول أبي يوسف ومحمد قال ثمة ولأبي يوسف: فيما إذا كانت السفن كثيرة قول آخر. فقال: إذا كانت السفن تنزل معاً وتسير معاً، حتى يكونوا في رفقة واحدة، فلا ضمان على الملاح وإن تقدم بعضها بعضاً وكذلك القطار إذا كان عليها حمولة ورب الحمولة على بعير فلا ضمان على الحمال، لأن يد صاحب المتاع ثابتة على جميع ذلك.
وعن أبي يوسف: فيمن استأجر حمالاً ليحمل له هو فرقاً من سمن فحمله صاحبه، والحمال ليضعاه على رأس الحمال، فوقع وتخرق الزق، لا يضمن الحمال؛ لأنه لم يسلم إليه السمن، فإن السمن بعد في يد صاحبه ولا ضمان على الحمال بدون التسليم وهكذا روى ابن سماعة في نوادره عن محمد.
قال: في نوادر ابن سماعه: ولو حمله ثم وضعه في بعض الطريق، ثم أراد رفعه فاستعان برب الزق فرفعا بصعابه، فوقع فتخرق، فالحمال ضامن لأنه صار في ضمانه حين حمله، ولم يبرأ منه بعد؛ لأنه لم يسلمه إلى صاحبه.
وإن حمله إلى بيت صاحبه، ثم أنزله الحمال مع صاحب الفرق من رأس الحمال فوقع من أيديهما، فالحمال ضامن عند أبي يوسف. وهو قول محمد أولاً؛ لأن يد الحمال قد ثبتت وصار في ضمانه فلا يبرأ إلا إذا أزال يد الحمال من كل وجه وإذا وضعاه جميعاً فيد الحمال لم تزل، فلا يزول الضمان. ثم رجع محمد رحمه الله وقال: لا ضمان على الحمال، لأن السمن قد وصل إلى يد صاحبه فيبرأ عن الضمان.h(8/279)
-----
قال الفقيه أبو الليث: القياس أن يضمن الحمال النصف؛ لأن الفرق وقع من فعلهما، وكثير من مشايخنا افتوا به. وروى ابن سماعة عن محمد: إذا كان رب المتاع والمكاري يسوقان الدابة، فلا ضمان على المكاري. وعن أبي يوسف: إذا كان رب المتاع مع المكاري، فعثرت الدابة فلا ضمان على المكاري. وإن كان عثار الدابة من سياقه أو قياده.
قال محمد رحمه الله في «الأصل»: إذا انقطع حبل الحمال وسقط الحمل، ضمن الحمال بالاتفاق؛ لأنه لما شده بحبل لا يحتمله فكأنه هو المسقط للحمل، وكان التلف حاصلاً من جناية يده معنى.
وفي «فتاوى أبي الليث» رحمه الله: الحمال إذا أنزل في مفازة وتهيأ له الانتقال فلم (52أ4) ينتقل حتى فسد المتاع بسرق أو مطر، فهو ضامن وتأويله: إذا كان السرقة والمطر غالبا؛ لأنه يكون مضيعاً.
وفي «الواقعات»: استأجر حمالاً يحمل له طعاماً في طريق كذا، فأخذ في طريق آخر يسلكه الناس، فهلك المتاع فلا ضمان. وهكذا ذكر في «الجامع الصغير» قالوا: وهذا إذا كان الطريقين متقاربين لأنه لا يصح التعيين لعدم الفائدة.
فأما إذا كان بينهما تفاوت ظاهر من حيث الطول والقصر أو السهولة والصعوبة، ضمن الأجير. وهو رواية هشام عن محمد غير أنه أطلق في الكتاب؛ لأن الطريق إذا كان يسلكها الناس، قل ما يقع التفاوت فيها حتى لو حمله في البحر ضمن، وإن كان مما يحمله الناس لما كان بينهما تفاوت فاحش، ولكن إذا بلغ فله الأجر في البحر وغيره؛ لأنه إذا سلم يبقى التفاوت صورة، فلا يمنع وجوب الأجر.
قال الناطفي: وهكذا الجواب عندي في البضاعة، إلا أن يأذن صاحبه في الحمل في البحر.(8/280)
-----
وفي «فتاوى أبي الليث»: إذا استأجر مكارياً يحمل له عصيراً على دابته إلى موضع معلوم، فلما أراد أن يضعه عن الدابة أخذ أحد العدلين من جانب ورمى بالعدل الآخر من الجانب الآخر فانشق العدل من رميه وخرج العصير. فالمكاري ضامن لنقصان الزق، وللعصير؛ لأن الهلال كان بصنعه.
استأجر حمالاً ليحمل حقيبته إلى مكان معلوم، فانشقت الحقيبة بنفسها وخرج ما فيها. قال الفقيه أبو بكر: الحمال ضامن، كالحمال إذا انقطع حبله.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله لا يضمن الحمال، ويشبه هذا انقطاع الحبل؛ لأن ثمة التفريط كان من قبل الحمال، حيث شد الحمل بحبل واه، وههنا التقصير من قبل صاحب الحقيبة، حيث جعل ماله في حقيبة لا يستمسك ما فيها.
قال الفقيه رحمه الله: وتأخذ ونحن نفتي به أيضاً. وفي «فتاوى الفضلي» رحمه الله: إذا رفع حملاً إلى مكار ليحمله إلى موضع، وشرط عليه أن يسير ليلاً، وصاحب الحمل معه يسيران ليلاً، فضاعت الدابة مع الحمل. قال: إن كان المكاري ضيع بترك الحفظ ضمن بلا خلاف. وإن ضاعت الدابة من غير تضييع من المكاري، لم يضمن المكاري في قول أبي حنيفة خلافاً لهما. وينبغي أن لا يضمن إذا كان رب المتاع يسير معه، بلا خلاف بدليل ما مر قبل هذا.
وفي «فتاوى أبي الليث» رحمه الله: مكار حمل كرابيس رجل، فاستقبله اللصوص فطرح الكرابيس وذهب بالحمار. قال: إن كان لا يمكنه التخلص منهم بالحمار والكرابيس، وكان يعلم أنه لو حمله أخذ اللصوص الحمار والكرابيس فلا ضمان؛ لأنه لم يترك الحفظ مع القدرة عليه.
نوع آخر في النساج والخياط(8/281)
-----
قد ذكرنا بعض مسائل النساج في فصل الحبس بالأجر. ومن جملة ما لم نذكر ثمة نساج كان ساكناً مع صهره، ثم اكترى داراً وانتقل إليها وترك الغزل ثمة، فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة؛ لأن الغزل ما دام ثمة فهو ساكن عنده، فالسكنى عنده لا تبطل ما دام بعض المتاع باقياً. وعندهما: هو ضامن على كل حال. وفي «فتاوى الفضلي»: إذا دفع إلى نساج غزلاً لينسجه كرباساً، فدفع النساج إلى آخر لينسجه فسرق من عند الآجر، إن كان الآجر أجير الأول فلا ضمان على واحد منهما، وإن لم يكن أجير الأول وكان أجنبياً ضمن الأول بلا خلاف، ولا يضمن الآجر في قول أبي حنيفة خلافاً له. وهو نظير المودع إذا أودع الوديعة من أجنبي بغير إذن المالك.
وفي «القدوري»: ومن استأجر على عمل فله أن يعمل بنفسه وأجرائه إلا إذا شرط عليه العمل بنفسه فعلى ما ذكر القدوري: إذا كان الآجر أجيراً للأول، إنما لا يضمن الأول بالرفع إليه إذا لم يشترط على الأول عمله بنفسه. أما إذا شرط عليه العمل بنفسه يضمن بالرفع إلى الآجر. وإن كان الأجير أجيراً للأول.
وفي فتاوى أهل سمرقند: نساج ترك كرباس رجل في بيت الطراز فسرق ليلاً، فإن كان بيت الطراز حصيناً يمسك الثياب في مثله لا يضمن، وإن لم يكن حصيناً ولا يمسك الثياب في مثله، إن رضي صاحب الكرباس فيه فلا ضمان، وإلا فهو ضامن.
وفي «فتاوى أبي الليث» رحمه الله: دفع إلى نساج كرباساً بعضه منسوج وبعضه غير منسوج، فسرق من عنده. فعلى قول من يقول: بأن الأجير المشترك يضمن ما هلك على يده من غير صنعه، يضمن النساج كل الثوب؛ لأن المنسوج مع غير المنسوج كشيء واحد لاتصاله به، وكذا نسج الباقي يزيد في قيمة المنسوج، فكان أجيراً مشتركاً في الكل.(8/282)
-----
وفي هذا الموضع أيضاً: إذا دفع إلى خياط كرباساً فخاطه قميصاً، وبقي منه قطعة فسرقت القطعة فهو ضامن. وكذا لو دفع صرمياً إلى إسكاف ففضل عنه شيء، فسرق منه لأنه أثبت يده على مال الغير بغير إذنه؛ لأن المالك إنما سلم إليه للقطع لا غير. فإذا قطع يجب عليه رد الزيادة.
وذكر الحاكم في «المنتقى» إذا دفع إلى خياط ثوباً، وقال: اقطعه حتى يصيب القدم، وكمه خمسة أشبار وعرضه كذا، فجاء به ناقصاً كان قدر أصبع ونحوه، فليس بشيء، وإن كان أكثر منه فله أن يضمنه، وكثير من مسائل الخياط مرت في الفصل السابع والعشرين.
نوع آخر في المسائل العائدة إلى الحمام
قد ذكرنا بعض المسائل العائدة إلى الحمام في فصل إجارة الحمام. ومن جملة ما لم نذكر ثمة رجل دخل الحمام، وقال لصاحب الحمام: احفظ الثياب، فلما خرج لم يجد ثيابه، فإن أقر صاحب الحمام أن غيره رفعه وهو يراه، ويظن أنه يرفع ثياب نفسه فهو ضامن؛ لأنه تارك الحفظ، حيث لم يمنع القاصد وهو يراه.
وإن سرق وهو لا يعلم به فلا ضمان عليه، إن لم يذهب من ذلك الموضع، ولم يضيعه. وهذا قول الكل؛ لأن صاحب الحمام مودع في حق الثياب، إذا لم يشترط له بازاء حفظه الثياب أجر.
فأما إذا شرط له بإزاء الحفظ أجر، ودفع الثياب إلى الثاني: وهو الذي يحفظ الثياب بأجرة وفارسيته دار فلا ضمان عليه فيما سرق، عند أبي حنيفة خلافاً لهما؛ لأنه أجير مشترك.
وفي «فتاوى الفضلي»: امرأة دخلت الحمام، فأعطت ثيابها إلى المرأة التي تمسك الثياب بأجر وفارسيتها جابة دار فلما خرجت لم تجد عندها ثوباً من ثيابها.(8/283)
-----
قال: إن كانت هذه المرأة قبل هذه المرة تدخل الحمام وتدفع ثيابها إلى هذه الممسكة، وتعطيها الأجر على حفظ ثيابها فلا ضمان عليها عند أبي حنيفة رحمه الله، خلافاً لهما، وإن كان هذا أول مرة دخلت هذه الحمام، ودفعت ثيابها إلى هذه الممسكة فلا ضمان عليها في قولهم جميعاً؛ لأنه إذا كان هذا أول مرة، ولم يدفع الأجر أولاً، شرط لها أجراً فهي مودعة لا أجيرة مشتركة. هكذا ذكر وعلى قياس ما ذكرنا عن محمد: أن كل عمل لا يعمل إلا بأجر، فالأجر به ثمن يرصد له... ينبغي أن يكون الثانية أجيرة مشتركة عند محمد، حتى تضمن عنده والفتوى على قول أبي حنيفة: أن الثاني لا يضمن إلا بما يضمن المودع.
رجل دخل الحمام، وقال لصاحب الحمام: أين أضع الثياب؟ فأشار صاحب الحمام إلى موضع؟ فوضع ثمة ودخل الحمام، ثم خرج رجل وأخذ الثياب، فلم يمنعه صاحب الحمام؛ لأنه ظنه صاحب الثياب، ضمن صاحب الحمام؛ لأن هذا استحفاظ له، فصار مودعاً. وقد قصر في الحفظ فيصير ضامناً. وهذا قول ابن سلمة وابن نصر الدبوسي.
وكان أبو القاسم يقول: لا ضمان على صاحب الحمام. والأول: أصح. وهو نظير ما لو دخل رجل بدابته خاناً، وقال لصاحب الخان: أين أربطها؟ فقال: هناك، فربطها وخرج فلما رجع، لم يجد دابته، فقال صاحب الخان لصاحب الدابة: إن صاحبك قد أخرج الدابة ليسقيها ولم يكن له صاحب، ضمن صاحب الخان؛ لأن قوله: أين أربطها؟ استحفاظ لصاحب الخان، فإذا أشار إلى موضع الربط (52ب4) فقد أجابه إلى الحفظ، فصار مودعاً. وقد قصر في الحفظ فصار ضامناً كذا ههنا. رجل دخل الحمام ونزع الثياب من يدي صاحب الحمام، ولم يقل بلسانه شيئاً فدخل الحمام ثم خرج، ولم يجد ثيابه، فالمسألة على وجهين:
إن لم يكن للحمام ثيابي يضمن صاحب الحمام ما يضمن المودع بأن وضع الثوب برأي عين صاحب الحمام ما يضمن المودع؛ لأن وضع الثوب برأي عين صاحب الحمام، إذا لم يكن ثيابي استحفاظ له.(8/284)
-----
وإن كان للحمام ثيابي إلا أنه لم يكن حاضراً، فكذلك الجواب أيضاً. وإن كان حاضراً لا يضمن صاحب الحمام؛ لأن هذا استحفاظ للثيابي دلالة دون صاحب الحمام، فلا يضمن صاحب الحمام إلا إذا صاحبه الثياب على استحفاظ صاحب الحمام، بأن قال له: أين أضع الثياب؟ فحينئذ يصير صاحب الحمام مودعاً، فيضمن ما يضمن المودع.
وإذا دخل رجل الحمام ودفع ثيابه إلى صاحب الحمام، واستأجره للحفظ واشترط عليه الضمان إذا تلف فضاع الثياب، كان الفقيه أبو بكر يقول: يضمن الحمامي إجماعاً. وكان يقول: الأجير المشترك إنما لا يضمن عند أبي حنيفة، إذا لم يشترط عليه الضمان. أما إذا شرط عليه الضمان يضمن، وكان الفقيه أبو جعفر يسوي بين شرط الضمان وعدم الشرط، وكان يقول: بعدم الضمان لأن شرط الضمان في الأمانة شرط مخالف لقضيه الشرع، فيكون باطلاً.
قال الفقيه أبو الليث: وبه نأخذ ونحن نفتي أيضاً بما قال الفقيه أبو الليث.
ونوع آخر في البقار والراعي والحارس(8/285)
-----
قال محمد رحمه الله في «الأصل»: وإذا استأجر الرجل راعياً يرعى معلوماً له مدة معلومة، بأجر معلوم، فهذا جائز، ويكون الراعي أجيراً مشتركاً؛ لأنه أوقع العقد على العمل لما ذكر العمل أولاً، إلا إذا قال: على أن لا ترعى غنم غيري مع غنمي، فحينئذ يصر أجير وحد. وقد مر هذا في أول هذا الفصل ولو كان استأجره مدة معلومة على أن يرعى غنماً معلوماً له بأجر معلوم، فهو جائز، ويكون أجير وحد لأنه أوقع العقد في حقه على المدة، لما ذكر المدة أولاً. إلا إذا قال: ويرعى غنم غيري مع غنمي، فحينئذ يكون أجير مشترك. ثم الراعي إذا كان أجير وحد وماتت من الأغنام واحدة، حتى لم يضمن لا ينقص من الأجر بحسابه، وذلك لأن الغنم لو ماتت كلها لا يسقط من الأجر شيء إذا سلم نفسه في المدة للرعي، وكان للآجر أن يمكنه رعي أغنام أجر؛ لأنه أجير وحد وأجير الوحد يستحق الأجر بتسليم نفسه في المدة، لا بحقيقة العمل فإذا ماتت شاة منها أولى أن لا يسقط من الأجر شيء.
ولو ضرب شاة منها ففقأ عينها أو كسر يدها ضمن؛ لأن أجير الوحد يضمن بالخلاف. وقد خالف لأنه ضرب والضرب غير داخل تحت الإجارة. إنما دخل كلها الرعي والرعي يتحقق بدون الضرب، وإذا لم يدخل الضرب تحت الإجارة صار الحال في حق الضرب، بعد الإجارة كالحال قبلها وقبل الإجارة لو ضرب شاة هذا، أو تلف من ضربه شيء ضمن، فكذلك هذا.
ولو هلك منها شيء في السقي أو الرعي لم يضمن؛ لأنه أجير وحد وأجير الوحد لا يضمن ما لم يخالف، ولم يخالف لأنه فعل ما أذن له في ذلك؛ لأن السقي داخل تحت العقد؛ لأن الرعي لا يتحقق بدونه، وإذا دخل تحت العقد لم يضمن ما هلك منها كأجير الوحد إذا دق فتخرق وهو مصدق فيما هلك منها لأنه أمين والقول قول الأمين مع اليمين هذا إذا كان الراعي أجير واحد.(8/286)
-----
فأما إذا كان أجير مشترك فإنه لا يضمن ما مات من الأغنام عندهم جميعاً؛ لأن الهلاك حصل من أمر لا يمكن التحرز عنه؛ لأن الموت حتف أنف مما لا يمكن التحرز عنه. فإنه ليس في هذا الراعي ذلك.
وهذا إذا ثبت الموت بتصادقهما أو بالبينة فأما إذا ادعى الراعي الموت وجحد رب الأغنام فعلى قول أبي حنيفة: القول قول الراعي؛ لأنه أمين فيكون القول قوله أنه مات كالمودع.
وأما عندهما القول قول رب الأغنام. وكان يجب أن يكون القول قول الراعي؛ لأنه أمين، لأن المال أمانة في يده عندهما. وإنما لا يضمن إذا هلك بآفة يمكن التحرز عنه؛ لأنه يعد ذلك تضييعاً منه، فيضمن بالتضييع. ولهذا قالا: إذا خلط خلطا لا يمكن التمييز فإنه يضمن قيمته يوم الخلط، ولو كان قبضه قبض ضمان عندهما لكان يضمن قيمته يوم القبض كالغاصب، فدل أن المال أمانة في يد أجير المشترك عندهما. وإنما يضمن بالتضييع إذا حصل الهلاك بأمر يمكن التحرز عنه. ولهذا علل محمد رحمه الله في الكتاب فقال: لأنه ضيع حيث لم يحفظها من السبع والسرقة.
وإذا كان المال أمانة في يده وإنما يضمن بالتضييع كان يجب أن يكون القول قوله ما لم يقر بالتضييع. ولم يوجد منه الإقرار بالتضييع إلا أنه جعل القول قول رب الغنم، وذلك لأنه وجب على أجير المشترك زيادة حفظ لم يجب على المودع. وعلى أجير الوحد مخافة أن لا يضيعوا أموال الناس، فإنه يجتمع في أيديهم أموال الناس على ما أشار في حديث علي رضى الله عنه. وإنما تأتى بزيادة حفظ لم يجب على المودع، وعلى أجير الوحد إذا لم يجعل القول قوله عند الهلاك وإن لم يوجد منه الإقرار بسبب الضمان؛ لأنه متى علم أن القول قوله عند الهلاك. كما في المودع لا يجد في الحفظ، فلهذه الضرورة لم يجعل القول قوله عند الهلاك وإن كانت المال أمانة عنده ليحصل ما هو المقصود من زيادة حفظ وجب عليه، لم يجب على المودع وعلى أجير الوحد.(8/287)
-----
ولو ساقها إلى المرعى فعطب منها شاة لا من سياقة بأن صعدت الجبل أو مكاناً مرتفعاً، فتردى منه فعطبت فلا ضمان عليه في قول أبي حنيفة؛ لأن الهلاك ما كان من قبله وعلى قولهما ضمن؛ لأن الهلاك حصل من أمر يمكن التحرز عنه بأن لا يأتي هذا المكان، أو إن أتى هذا المكان بحفظها عن الصعود على الجبل، وعلى المكان المرتفع. وكذا لو أوردها نهراً ليسقيها، وغرق شاة منها على قول أبي حنيفة لا ضمان. وعلى قولهما ضمن. وكذلك لو أكل منها سبع أو سرق منها، فالمسألة على الخلاف. ولو ساقها وعطبت شاة منها من سياقه بأن استعجل عليها، فعثرت وانكسر رجلها، أو أندق عنقها فعليه الضمان عند علمائنا الثلاثة.
وإذا ساق الراعي الغنم فتناطحت بعضها بعضاً من سياقه، أو وطئ بعضها بعضاً من سياقة. فإن كان الراعي مشتركاً فهو ضامن على كل حال؛ لأن هذا من جناية يده. وإن كان خاصاً: إن كانت الأغنام لواحد فلا ضمان عليه. وإن كانت الأغنام لاثنين أو ثلاثة فهو ضامن.(8/288)
-----
وصورة الأجير الخاص في حق الاثنين والثلاثة: أن يستأجر رجلان أو ثلاثة راعياً شهراً ليرعى غنماً لهم، أو لهما فقد فرق في حق الأجير الخاص بينهما، إذا كانت الأغنام لواحد، وفيما إذا كانت الأغنام لاثنين أو ثلاثة. والفرق بينهما وهو أن الأغنام كلها لما كانت لواحد ففعل الأجير في السوق منقول إلى صاحب الأغنام، باعتبار القاتل والمقتول فإنه عامل له فيهما، فصار فعله في السوق منقولاً إلى صاحب الأغنام، فكأن صاحب الأغنام ساق بنفسه. ولو ساق بنفسه فقتل بعضها بعضاً لا يجب الضمان إذا كانت الأغنام كلها للسائق، فكذلك هذا. فأما إذا كانت لرجلين بأن كان بعضها لزيد وبعضها لعمرو ففعل الأجير إن صار منقولاً إلى زيد باعتبار القاتل، فإنه عامل لزيد في حق القاتل، فإن بالقاتل ملك زيد. فباعتبار المقتول لا ينتقل فعله في السوق إلى زيد لأنه في سوق المقتول أجير عمرو، وإذا انتقل فعله إلى صاحب القاتل باعتبار القاتل، ولم ينتقل باعتبار المقتول لم يثبت الانتقال، فبقي مقصوراً عليه وللراعي أن يبعثه بالأغنام على يدي غلامه أو أجيره أو ولده الكبير الذي في عياله؛ لأن بالرد من الحفظ. وله الحفظ بيد من في عياله. فإن هلك في يده (53أ4) حالة الرد. فإن كان الراعي مشتركاً فلا ضمان عليه في قوله أبي حنيفة على كل حال. وعندهما إن هلك بأمر يمكن التحرز منه فهو ضامن كما لو رد بنفسه وهلك في يده حالة الرد، وإن كان الراعي أجير خاص، فلا ضمان على كل حال، كما لو رد بنفسه وهلك في يده حالة الرد.
ويشترط أن يكون الراد كبيراً يقدر على الحفظ؛ لأنه متى كان صغيراً لا يقدر على الحفظ يكون هذا تضييعاً منه، والأجير يضمن بالتضييع عندهم جميعاً. وشرط أن يكون في عياله؛ لأنه متى لم يكن في عياله كان الرد بيده وبيد أجنبي سواء، ليس له الرد بيد الأجنبي هكذا بيد من ليس في عياله.(8/289)
-----
وذكر الشيخ الإمام الزاهد أحمد الطواويسي: أن للمشترك أن يرد بيد من ليس في عياله وليس للخاص ذلك. والحاكم يرد به يتولى بينهما وقال: ليس لهما ذلك.
الراعي المشترك إذا خلط الأغنام بعضها ببعض، فإن كان يمكنه التمييز بأن كان يعرف غنم كل واحد، فلا ضمان عليه؛ لأن مثل هذا الخلط ليس باستهلاك، ويكون بمنزلة خلط السود بالبيض. والقول قول الراعي في تعيين الغنم لكل واحد، لأن اليد له، فيكون القول قوله: إن هذا لهذا، وإن كان لا يمكنه التمييز، بأن يقول: لا أعرف غنم كل واحد، فهو ضامن قيمة الأغنام، لأن مثل هذا الخلط استهلاك بمنزلة خلط السود بالسود والقول قول الراعي في مقدار القيمة؛ لأن صاحب الغنم يدعي عليه زيادة وهو ينكر.
وتعتبر قيمة الأغنام يوم الخلط وهذا على قول أبي حنيفة رحمه الله لا يشكل. وعلى قولهما اختلف المشايخ بعضهم قالوا: تعتبر القيمة يوم القبض. وقال بعضهم: يوم الخلط وهو الصحيح؛ لأن الأجير المشترك عندهما لا يضمن بالقبض، وإنما يضمن بترك الحفظ والتضييع.(8/290)
-----
وقيل: يجب أن يتخير أرباب الغنم إن شاءوا ضمنوه، وإن شاءوا أخذوها مشتركة كما في خلط الحنطة بالحنطة. وإذا ادعى بعضهم طائفة من الغنم، فإن الراعي يحلف ما هذه غنم هذا؛ لأنه يدعي عليه معنى لو أقرَّ به يلزمه، فإذا أنكر يستحلف. فإن حلف برئ وإن نكل ضمن القيمة لصاحبه. إذا خاف الراعي على شاة منها فذبحها فهو ضامن قيمتها يوم ذبحها؛ لأن الذبح ليس من عمل الرعي في شيء، فلا يكون داخلاً تحت العقد قال مشايخ بلخ: هذا إذا كان يرجى حياتها بأن كان شكل الحال يرجى حياتها وموتها. أما إذا تيقن لموتها فلا ضمان عليه؛ لأن الأمر بالرعي أمر بالحفظ، والحفظ الممكن حالة التيقن بالموت بالذبح. فيصير مأموراً بالذبح في هذه الحالة. وذكر الصدر الشهيد رحمه الله في الباب الأول من شركة «واقعاته»: أن من ذبح شاة إنسان لا يرجى حياتها يضمن، والبقار والراعي لا يضمن في مثل هذا. وفرق بين الأجنبي والراعي والبقار والفقيه أبو الليث سوى بينهما فقال: لا يضمن الأجنبي كما لا يضمن الراعي والبقار لوجود الإذن بالذبح دلالة في حق الكل في هذه الحالة وهو الصحيح، وكذلك الجواب في البعير؛ لأن الذبح في هذه المواضع إصلاح اللحم، فأما في الحمار فلا يذبح. وكذا في البغل؛ لأن الذبح لا يصلح اللحم فيهما. وفي الفرس أيضاً لا يذبح عند أبي حنيفة؛ لأن الصحيح من مذهبه أن لحم الفرس مكروه كراهة التحريم. وإذا باع المالك بعض الأغنام ،فإن كان الراعي خاصاً لم يبطل شيء من الأجر وإن كان مشتركاً يبطل من الأجير بحصة ما باع. والكلام فيه نظير الكلام.
(8/291)
-----
فيما إذا مات بعض الأغنام وهذا لأن الخاص يستحق الأجر بتسليم النفس، وقد سلم نفسه للرعي بأقصى ما في وسعه، فأما المشترك يستحق الأجر بالعمل ولم يوجد عمل الرعي فيما باع. وإذا أراد رب الغنم أن يزيد في الغنم ما يطيق الراعي، كان له ذلك إذا كان الراعي خاصاً؛ لأن رب الغنم ملك جميع منافعه في حق الرعي في هذه الإجارة، فصار الأجير في حق الرعي بمنزلة العبد له وله أن يكلف عبده من الرعي ما يطيق، فكذا ههنا ولا يكلفه فوق طاقته؛ لأن الأجير الخاص لا يكون أشقى حالاً من عبده، وليس له أن يكلف عبده من الرعي ما لا يطيق فهاهنا أولى.
وسواء سمى له الغنم أو لم يسم فالعقد جائز إذا بين المدة؛ لأنه إذا بين المدة وصار أجير وحد تنصرف الإجارة إلى أقصى ما في وسع الأجير من الرعي في هذه المدة. وصار كأنه نص عليه. ولو نص عليه جاز العقد، وإن لم يسم الغنم كذا ههنا هذا إذا استأجر شهراً ليرعى غنمه ولم يشر إلى الغنم فأما إذا أشار إلى الغنم، بأن قال استأجرتك لترعى هذه الأغنام ثم أراد المستأجر أن يزيد في الغنم فالقياس أن ليس له ذلك، كما في الراعي المشترك.l
وفي الاستحسان له ذلك؛ لأنه لو لم يشر إلى هذه الأغنام كان المستحق عليه بحكم هذه الإجارة من الرعي ما في وسعه وطاقته. فلو تغير موجب هذا العقد إنما يتغير بهذه الإشارة، ولا وجه إلى ذلك؛ لأن قوله: هذه الأغنام بعض ما شمله أول الكلام على موافقة حكمه؛ لأن مطلق العقد يقتضي رعي هذه وغير هذه فبقوله: هذه الأغنام ذكر رعي هذه لا غير.(8/292)
-----
وذكر بعض ما شمله أول الكلام على موافقة حكمه لا يوجب تغيير أول الكلام، صار وجوده والعدم بمنزله. ولو انعدم قوله هذه الأغنام كان له أن يكلفه من الرعي ما يطيق كذا ههنا بخلاف الأجير المشترك؛ لأن الإشارة في الأجير المشترك ليس بذكر لبعض ما شمله مطلق العقد، بل هو ذكر لجميع ما تناوله العقد؛ لأن العقد في الأجير المشترك لا يجوز إلا بالإشارة إلى الأغنام، أو بذكر العدد. وإذا كانت الإشارة بياناً ما تناوله العقد بمطلق العقد بالمشار إليه، فلم يكن له أن يكلفه مقدار الزيادة.
أما ههنا فالعقد يجوز، وإن لم يشر إلى الأغنام ولم يسم عددها، ويستحق عليه من الرعي مقدار ما يطيق، فكانت الإشارة ذكر البعض لشمله أول الكلام، والتقريب ما ذكرنا.
(8/293)
-----
وإذا ولدت الأغنام أولاداً فإن كان الراعي أجير خاص فعليه رعي الأولاد، وإن كان الراعي أجير مشترك فليس عليه رعي الأولاد. وإن شرط على الأجير المشترك رعي ما يحدث من الأولاد فهو شرط فاسد. لو فارق العقد يفسد به العقد قياساً. وفي الاستحسان يجوز وجه القياس في ذلك وهو أن بعض المعقود عليه مجهول، وهو رعي الأولاد؛ لأنه لا يدري كم ظهر الأغنام وكذلك الأجر بإزاء الأغنام والأولاد، وإذا كان الأولاد مجهولاً كانت حصة الأولاد من الأجر مجهولة فيكون حصة الأمهات مجهولة أيضاً. ومع الجهالة تمكن الخطر في هذا العقد؛ لأنه لا يدري أن الأغنام تلد أولا تلد. وجه الاستحسان في ذلك: أن الجهالة إنما توجب فساد العقد؛ لكونها مانعة من التسليم والتسلم. وهذا المعنى لا يتأتى ههنا؛ لأن تسليم الأولاد وتسلمها مما لا يحتاج إليه في الحالة حتى يقال في الحال مجهولة. وإنما يحتاج إليهم بعد الحدوث وبعد الحدوث هي معلومة، والأجر في الحال معلوم؛ لأن الأجر كله بإزاء الأمهات في الحال؛ لأن رعي الأولاد شرط على سبيل الزيادة وما يكون زيادة على المعقود عليه لا يكون لها حصة من البدل ما لم يوجد، بل يكون كله بمقابلة الأصل، وحال وجود الأولاد الذي هو حال انقسام البدل الأولاد معلومة، فكان الأجر معلوماً والخطر المتمكن في وجود الأولاد لا يوجب فساد العقد في الأمهات، لأن الأولاد جعلت معقوداً عليها على سبيل الزيادة والخطر في الزيادة لا يوجب خطراً (53ب4) في الأصل، والخطر في محل المبيع انعقاد العقد في محل آخر، فالخطر في الأولاد لا تمنع العقد على الأمهات للحال، وليس للراعي أن يبرئ على شيء منها بغير أمر صاحبها، وإن فعل ذلك يضمن ما عطب منها؛ لأن الإبراء لم يدخل تحت العقد؛ لأن الإجارة عقدت على الراعي، والإبراء ليس من الرعي، فصار الحال فيه بعد العقد كالحال قبله.(8/294)
-----
ولو أن الراعي لم يفعل ذلك، ولكن الفحل الذي في الغنم نزا على واحدة منها، فعطبت فلا ضمان على الراعي في ذلك بالإجماع، إن كان الراعي أجير خاص. وإن كان الراعي أجير مشترك فكذا الجواب عنده.
وعندهما: هو ضامن لأن الهلاك حصل بأمر يمكن التحرز (عنه)، وإن مدت واحدة منها، وترك اتباعها حتى لا يضيع الباقي فهو في سعة من ذلك، ولاضمان عليه فيما مدت بالإجماع، إن كان الرعي خاصاً وعند أبي حنيفة إن كان الراعي أجير مشترك. وإن ترك حفظ ما مدت والأمين يضمن بترك الحفظ؛ لأن الأمين إنما يضمن بترك الحفظ إذا ترك بغير عذر، فأما إذا ترك بعذر، فإنه لا يضمن، كما لو دفع الوديعة إلى أجنبي حالة الحريق فإنه لا يضمن وإن ترك حفظها؛ لأنه تركها بعذر، فكذلك ههنا إنما ترك حفظها كيلا يضيع الباقي، وعندهما يضمن؛ لأنه ترك الحفظ بعذر يمكن الاحتراز عنه.
ورأيت في بعض النسخ: لا ضمان عليه فيما مدت إذا لم يجد من سعته يردها، أو سعته ليجر صاحبها بذلك. وإن تكارى من يجيء بالواحدة متطوع؛ لأنه لم يؤمر باستئجار هذا، وإن تفرقت الغنم والبقر عليه فرقاً لم يقدر على اتباعها كلها، وأقبل على فرقة منها وترك على ما سوى ذلك، فهو في سعة من ذلك ولا ضمان عليه؛ لأنه ترك حفظ البعض بعذر، وعلى قولهما: يضمن لأنه ترك بعذر يمكن الاحتراز عنه في الجملة.(8/295)
-----
وإذا كان الراعي أجير مشترك فرعاها في بلد، فعطبت واحدة منها أي هلكت بآفة نحو الغرق في الماء، وافتراس الفرس والسقوط من الحرّ وما أشبه ذلك. فقال ربّ الغنم: إنما شرطت عليك أن ترعى في موضع كذا وكذا عين موضعاً آخر غير هذا الموضع، وقال الراعي بل شرطت علي الرعي في الموضع الذي رعيتها، فالقول قول ربّ الغنم بالإجماع حتى يضمن الراعي بالإجماع؛ لأن الإذن يستفاد من جهته، والبينة بينة الراعي حتى لا يضمن في قول أبي حنيفة؛ لأنه هو المدعي؛ لأنه يثبت ما ليس بثابت. وكذلك إذا كان الراعي أجير خاص، واختلف على نحو ما بينا فالقول قول رب الأغنام لما ذكرنا.
وإذا خالف الراعي ورعاها في غير المكان الذي أمره، فعطبت فهو ضامن ولا أجر له وإن سلمت الغنم القياس أن لا أجر له.
وفي الاستحسان: يجب الأجر لأن الراعي، موافق في أصل الرّعي، مخالف في صفته. فإن الرعي في بعض الأماكن ربما يكون أجود من البعض. فعملنا بجانب الخلاف إن عطبت الأغنام فأوجبنا الضمان، ولم نوجب الأجر وعملنا بجانب الوفاق، إن سلمت الأغنام فأوجبنا الأجر.(8/296)
-----
راعي الرماك إذا يومق الرمكة، فوقع الرمق في عنقها، فجدبها فعطبت فهو ضامن؛ لأن التوميق لم يدخل تحت الإذن لأنه ليس من عمل الرعي فكان التلف حاصلاً من عمل غير مأذون فيه، وإن فعل ذلك بإذن صاحب الرمكة فلا ضمان هكذا ذكر في الأصل. قال بعض مشايخنا: هذا إذا كان الراعي أجير واحد، فإما إذا كان أجير مشترك فهو ضامن؛ لأن هذا من جناية يده، فيكون بمنزلة ما لو دق فتخرق وعامتهم على أنه لاضمان على كل حال؛ لأن هذا ليس من عمل الرعي، فكان الراعي معيناً فيه، ولاضمان على المعين على كل حال. وإذا شرطوا على الراعي ضمان ما عطبت بفعله فهو جائز. ولا يفسد به العقد؛ لأن هذا شرط يقتضيه العقد من غير شرط، وإن شرطوا عليه ضمان ما مات منها، إن كان الشرط في العقد يفسد العقد؛ لأن هذا شرط لا يقتضيه العقد، ولأحد المتعاقدين فيه النفق وإن شرطه بعد العقد لم يصح الشرط، ولا يفسد العقد. هكذا ذكر شيخ الإسلام في شرح إجاراته. وعلى قياس ما ذكر القدوريّ في بيوعه أنه إذا لحق بالعقد الصحيح شيء من الشروط المفسدة، التحقت بأصل العقد، وفسد العقد في قول أبي حنيفة يجب أن يقال على قول أبي حنيفة في فصل الإجارة، أنه إذا لحق هذا الشرط بالعقد أن يفسد العقد، وإذا شرط على الراعي إن مات منها يأتي بسمنها، وإلا فهو ضامن فليس عليه إثبات السمنة؛ لأن إثبات السمنة عمل شرط في هذه الشاة بعد إنفساخ العقد فيها؛ لأن الإجارة فيما ماتت قد انفسخت بموتها، فلا يلزمه ذلك كما قبل الإجارة. ولا يصير ضامناً بهذا الشرط لما مرّ قبل هذا وهل يفسد العقد بهذا الشرط فهو على التفصيل الذي ذكرنا في المسألة المتقدمة.
(8/297)
-----
وإذا قال ربّ الغنم للراعي: دفعت إليك مئة شاة، وقال الراعي لا بل تسعون. فالقول قول الراعي لإنكاره القبض فيما زاد على التسعين. وإن أقاما البينة فالبينة بينة صاحب الغنم؛ لأنها تثبت له زيادة في القبض على الراعي، وليس للراعي أن يسقى من ألبان الغنم. وأن يأكل لأن هذا التصرف لم يدخل تحت العقد؛ لأنها ليست من الرعي في شيء. وليس للراعي إذا كان خاصاً أن يرعى غنم غيره بأجر، فلو أنه أجر نفسه من غيره لعمل الرعي ومضى على ذلك شهور. ولم يعلم الأول به فله الأجر كاملاً على كل واحدة منهما لا يتصدق بشيء من ذلك، إلا أنه يأثم.(8/298)
-----
وإن كان هذا أجير وحد وليس لأجير الوحد أن يؤاجر نفسه من غيره، بخلاف الأجير المشترك لأن أجير الوحد في الرعي يشبه أجير المشترك من وجه، من حيث إنه يمكنه إيفاء العمل إلى كل واحد منهما بتمامه في المدة، بأن يرعى غنم الأول في المدة ويرعى غنم الثاني. فمن حيث إنه يقدر على إيفاء العمل لكل واحد منهما بتمامه، كان أجير مشترك، ومن حيث إنه أوقع العقد على المدة لا على العمل كان أجير وحد، ولو كان مشترك من كل وجه كما في القصار والخياط كان له أن يؤاجر نفسه من غيره، ويستحق الأجر على كل واحد منهما كاملاً، ولا يأثم ولا يتصدق بشيء من ذلك، ولو كان أجير وحد من كل وجه بأن أوقع العقد على المدة لعمل لا يمكنه الإيفاء إلى كل واحد منهما بتمامه في المدة بأن أجر نفسه يوماً بدرهم للحصاد، أو للخدمة فخدم وحصد في بعض اليوم لغيره، فإنه لا يستحق الأجر كاملاً على الأول ويأثم، فإذا كان له شبهاً تأجير المشترك وقوما على الشبهين حظهما فقلنا: لشبهه بأجير المشترك يستحق الأجر كاملاً على كل واحدة منهما، ولا يتصدق، ومن حيث إنه أجير وحد يأثم توقيراً على الشبهين حظهما بقدر الإمكان، وإنما أظهرنا شبه أجير الوحد في حق الإثم لا في حق نقصان الأجر؛ لتمكننا العمل بالشبهين؛ لأنا لو أظهرنا شبه أجير الوحد في حق نقصان الأجر، كان يأثم أيضاً؛ لأن الأجر إنما يسقط لمنعه بعض المعقود عليه عن الأول، وهذا موجب الإثم، فيتعطل العمل بالشبهين، فلهذا أظمها شبه أجير الوحد في حق الإثم، وفيما عدا ذلك من الأحكام ألحقناها بأجير المشترك.(8/299)
-----
ونظير هذا ما قلنا في باب الظئر إذا استأجر ظئراً شهراً لترضع ولده، كانت أجيرة وحد حتى لا يكون لها أن تؤاجر نفسها فإن أجرت نفسها، من قوم آخرين ولم يعلم الأولون حتى مضت المدة، وقد أرضعت ولد كل واحد فإنها تستحق الأجر كاملاً على كل واحدة منهما. ولا تتصدق بشيء من ذلك، وتأثم. وإن كانت أجيرة وحد، لأنها أوقعت العقد على المدة لا على العمل، إلا أن لها شبهاً بأجير المشترك في الرضاع من حيث إنه يمكنها إيفاء الرضاع إلى كل واحد منهما بتمامه فوقر ما على الشبهين حظهما، فقال: تأثم؛ لأنها أجيرة وحد، ولشبهها بأجير المشترك قلنا: تستحق الأجر كاملاً ولا تتصدق بشيء فكذلك (45أ4) هذا.
قال: ولو كان تبطّل يوماً أو يومين في الشهر، أو مرض يسقط الأجر بقدره؛ لأنه لم يسلم نفسه للرعي في مدة التبطل والمرض، وأجير الوحد إنما يستحق من الأجر بقدره؛ ولو دفع إليه غنمه ليرعى على أنه أجرها ألبانها وأصوافها، فإن هذا فاسد؛ لأنه استأجره بمجهول ومعدوم؛ لأن الأصواف والألبان الموجودة للحال مجهول المقدار، وما يزداد ويحدث بعد ذلك ساعة فساعة معدوم. وأحدهما مانع جواز الإجارة، فمجموعها أولى أن يمنع.
قال: ولو دفع رجل غنمه إلى راعي واشترط على الراعي جبناً معلوماً وسمناً معلوماً، وما بقي من ألبانها وسمونها وأصوافها، فهو للراعي فهذا فاسد؛ لأن فيه ما في الأول فإنه استأجره بمجهول ومعدوم؛ فإن ما بقي بعد المشروط مجهول ومعدوم، وفيه زيادة غرر ليس في الأول. وهو: أنه يجوز أن لا يبقى للراعي شيء بعد المشروط لربّ الغنم فكان في هذا الفصل زيادة منع ليس في الأول، فإذا لم تجز الإجارة في الفصل الأول فههنا أولى وما أصاب الراعي من ألبانها وسمونها فهو ضامن؛ لأنه استهلكها بحكم عقد فاسد، وله على صاحب الغنم أجر المثل؛ لأنه استوفى عمله بحكم إجارة فاسدة.(8/300)
-----
وإن دفع الراعي غنم رجل إلى غيره فأستهلكها المدفوع إليه، وأقر بذلك الراعي فإن لصاحب الغنم أن يضمن الراعي، وليس له أن يضمن القابض إذا لم يقر أن المقبوض ملك المدعي، ولم يقم للمدعي بينة، أما الراعي فيضمن؛ لأنه لا يخلو إما إن كان يعتبر أميناً أو ضميناً، وأي ذلك ما اعتبر لابد من إيجاب الضمان عليه متى دفع المال إلى من ليس في عياله. ولا يضمن القابض للمدعي؛ لأنه لم يثبت كون ما قبض القابض ملكاً للمدعي لا بإقرار القابض، ولا بالبينة لو ثبت إنما يثبت بإقرار الراعي، وإقرار الراعي أن ما دفع كان لغيره مقبول في حقه، ولا تقبل في حق المدفوع إليه إذا أنكر، فلم يكن له تضمين القابض، فإن أقام المدعي البينة أن ما قبض كان له أو أقرَّ القابض بذلك أن كان ما قبض قائماً بعينه في يد القابض، كان للمدعي أن يأخذه؛ لأنه وجد عين ماله وإن كان مستهلكاً كان المالك بالخيار إن شاء ضمن القابض وإن شاء ضمن الراعي أما تضمين الراعي فلا إشكال؛ لأنه دفع ماله إلى غيره، وأما القابض فتضمينه مشكل على قول أبي حنيفة؛ لأن الراعي دفع إليه على سبيل الإيداع. ومن مذهبه أن مودع المودع لا يضمن، إنما كان كذلك؛ لأنه وضع المسألة إن استهلكها المدفوع إليه، ومودع المودع يضمن إذا استهلك عندهم جميعاً، إنما الخلاف فيما إذا هلك في يده، وإذا رعى الراعي في مكان لم يؤذن بالرعي فيه، هل يستحق الأجر؟ فهذا على وجهين:
إما إن عطبت الغنم أو سلمت فإن عطبت فإنه لا أجر عليه؛ لأنها لما عطبت الغنم صار ضامناً، فصار الغنم ملكاً له من وقت الخلاف فصار راعياً ملك نفسه، فلا يستحق الأجر.
وإن سلمت فالقياس أن لا يستحق الأجر. وفي الاستحسان يستحق الأجر.
وجه القياس في ذلك أنه خالف فلا يستحق الأجر، وإن لم يضمن قياساً على ما لو استأجر دابة لتذهب في مكان كذا، فذهب بها في مكان آخر، وسلمت الدابة فإنه لا أجر عليه، وإن لم يضمن فكذلك هذا.(8/301)
-----
ووجه الاستحسان أن الراعي فيما صنع موافق من وجه مخالف من وجه؛ لأنه موافق في الأصل المعقود عليه مخالف في الصفة؛ لأن التفاوت بين المكانين في حق الرعي تفاوت يسير فلا يلحقها بجنسين مختلفين، ولهذا قيل بأن الإجارة صحيحة وإن لم يبين المكان وإذا لم يلتحقا بجنسين مختلفين بسبب التفاوت مع الجنس واحداً، إنما اختلفا في الصفة لا غير، فإن الرعي في بعض الأمكنة ربما يكون أجود، وكان موافقاً في حق الأصل مخالفاً في حق الصفة والعمل بهما في حالة واحدة متعذر؛ لأن أحدهما يوجب الأجر والآخر يمنع ولم يوجب فعملها في حالين. إن لم يسلم عملنا بجانب الخلاف، وأوجبنا الضمان ولم يوجب الأجر، وإن سلم عملنا بجانب الموافقة وأوجبنا الأجر، فأما في باب الدابة فالمستأجر مخالف من كل وجه؛ لأن الطرق في حق الركوب متفاوتة تفاوتاً فاحشاً، رب طريق يفسد الدابة يوماً يسير فيه لصعوبته، ورب طريق لا يفسدها بالسير فيه شهراً لسهولته، فالتحقا بجنسين مختلفين باعتبار التفاوت، وإن جمعهما اسم واحد وهو الركوب واختلاف المجانسة بين الشيئين متى بدت بسبب التفاوت دون الاسم، كاختلاف المجانسة الثانية من حيث الحقيقة.
ولو استوفى جنساً آخر حقيقة، بأن استأجر دابة للركوب فاستخدم عبده، أو لبس ثوبه لا أجر عليه سلم أو لم يسلم، فكذلك هذا.
فإن قيل: هذا يشكل بما لو دفع ماله إلى رجل مضاربة على أن يعمل به في الكوفة فأخرجه من الكوفة، فباع واشترى حتى ربح، فإن المضاربة فاسدة، ويضمن.(8/302)
-----
وهذا موافق من وجه مخالف من وجه؛ لأن التفاوت بين الأماكن في حق التجارة تفاوت يسير، ولهذا صحت المضاربة من غير بيان المكان، ومع هذا قال: بأنه إذا تصرف في غير ذلك المكان، وربح فإنه يضمن كما لو خسر. قلنا: في المضاربة استهلك المضارب المال الذي وقعت فيه المضاربة بالبيع والشراء، فعاد إلى الكوفة، وفي يده مال آخر سوى ما وقعت عليه المضاربة. ولو أنه لم يستهلك المال، وعاد بالمال بعينه لم يكن عليه ضمان، وكان على المضاربة، فقياس مسألة المضاربة من مسألتنا أن لو عطبت الأغنام، وقياس مسألتنا من المضاربة أن لو لم يبع حتى عاد بالمال بعينه إلى الكوفة.
وفي «فتاوى أهل سمرقند»: بقار لأهل قرية ومرعاهم بين أشجار ملتفة لا يقدر البقار على النظر إلى جميع الدواب، فذهبت من دواب مرحه لا ضمان عليه؛ لأنه إنما يرعى دوابهم في هذا المرعى بأمرهم، وهم إنما يستحفظون البقار بما في وسعه، فإذا لم يكن في وسعه النظر إلى جميع الدواب في ذلك المرعى لم يلزمه، فلا يكون تاركاً حفظاً لرميه، فلا يضمن. وفيه أيضاً: أهل موضع جرى العرف بينهم إن البقار إذا أدخل السرح في السكك أرسل كل بقرة في سكة صاحبها، ولا يسلمها إلى صاحبها، ففعل الراعي كذلك فضاعت بقرة أو شاة، قبل أن تصل إلى صاحبها، فقال أبو نصر الدبوسي: لا ضمان عليه لما مرّ غير مرّة، أن المعروف كالمشروط. وقال بعضهم: إذا لم يعد ذلك خلافاً لا ضمان عليه.(8/303)
-----
وذكر في «النوازل»: أن من أرسل بقرة إلى بقار ليرعاها فجاء ليله، وزعم أنه رد بقرتة، وأدخلها القرية فطلبها صاحبها في القرية، فلم يجدها ثم وجدها بعد أيام، وقد وقعت في نهر في الجناية. قال: إن كان أهل القرية رضوا من البقار بأن يأتي بالبقور إلى القرية، ولم يكلفوه أن يدخل كل بقرة في منزل صاحبها، فالقول للبقار: أني قد جئت بالبقرة إلى القرية مع يمينه، ولا ضمان عليه إذا حلف، وإن أبى أن يحلف ضمن قيمتها. وفي «المنتقى»: اشترط البقار على أصحابها أني إذا دخلت البقر القرية إلى موضع منها مسمى فأنا بريء منها، فالشرط جائز وهو بريء. فإن مات بقر رجل منهم، فجاء بمثلها إلى موضع البقر الذي اجتمع فيه البقر لم يخرجها. قال: فهو على الشرط الأول، وإن بعث رجل بقرة إلى ذلك الموضع، ولم يسمع بالشرط الذي كان بينه وبين أهل القرية لم يرى البقار حتى يرد عليه، وإن كان يسمع الشرط فالشرط جائز عليه استحساناً.
وفي «النوازل»: امرأة بعثت ثوراً إلى بقار ثم جاء الرسول إليه فقال: الثور لي وأخذ منه، فهلك الثور إن قامت لها بينة، فلها أن ترجع على البقار؛ لأنه ظهر أن البقار دفع مالها إلى الغير بغير إذنها، ثم لا يرجع البقار على الرسول إن كان يعلم أنه لها، ومع ذلك دفع إليه وإن لم يكن علم بذلك يرجع؛ لأنه ترك الباقورة في جناية وغاب عنها، فوقعت الباقورة في زرع رجل فأفسدته (54ب4) لا ضمان عليه إلا أن يكون البقار هو الذي أرسلها في الزرع، إنما تلف بفعل الباقورة وذلك غير مضاف إلى البقار، إذا لم يرسلها في الزرع وقد مرّ.(8/304)
-----
في «الأجناس» في كتاب الغصب والضمان: أهل قرية يرعون دوابهم بالنوبة فذهبت منها بقرة في نوبة أحدهم، قال إبراهيم بن يوسف: هو ضامن في قول من يضمن الأجير المشترك وقال أبو الليث: عندي أنه لا يضمن في قولهم جميعاً؛ لأن كل واحد منهم معين في رعيه لا أجير؛ لأنه إن جعل أجير كان ذلك مبادلة منفعة بمنفعة من جنسها وذلك لا يجوز، فكان معيناً لا أجيراً والمعني لا يضمن.
ذكر المسألة في «مجموع النوازل» قال ثمة:
وإذا كان نوبة أحدهم فلم يذهب هو لكن استأجر رجلاً ليحفظها فأخرج الباقورة إلى المفازة، ثم رجع إلى الأكل، يعني: الأخير ثم عاد فضاع بقر منها، ينظر إن كان ضاع بعدما رجع من الأكل فلا ضمان عليه، وإن ضاع قبل ذلك فهو ضامن، ولا ضمان على صاحب النوبة بحال، لأن له أن يحفظها بأجرائه، ولكن هذا إذا لم يشترط عليه الحفظ بنفسه على ما مر قبل هذا.
رجل استؤجر لحفظ الخان فسرق من الخان شيء لا ضمان عليه؛ لأنه يحرس الأبواب، أما الأموال فهو في يد أربابها فلا يضمن إلا بالتضييع ولم يوجد، هذا جواب الفقيه أبي جعفر رحمه الله.
وذكر عن أحمد بن محمد القاضي: في حارس يحرس الحوانيت في السوق فنقب حانوت وسرق منه شيء، أنه ضامن؛ لأنه في معنى الأجير المشترك، لأن كل واحد حانوت على حدة، فصار بمنزلة من يرعى غنماً لكل إنسان شاة ونحو ذلك.
قال الفقيه أبو بكر: عندي أن الحارس أجير خاص، ألا ترى أنه لو أراد أن يشغل نفسه في صنف أجر لم يكن له ذلك، والفتوى على قول أبي بكر، والفقيه أبي جعفر.
وإذا استأجر الحارس واحد من أهل السوق فله أن يأخذ الأجر منهم جميعاً، ويجعل له ما يأخذ منهم إذا كان المستأجر رئيسهم؛ لأن في هذا جرت المعاملة، وصار كأنهم استأجروه جميعاً، وإن كرهوا ولم يرضوا بذلك فكراهتهم باطلة؛ لأن في ذلك مصلحتهم، فإذا استأجر رئيسهم جاز ذلك؛ لأنهم جعلوه كالسيد على أنفسهم فكان استئجاره بمنزلة استئجارهم.(8/305)
-----
ولا يصير البقار تاركاً للحفظ وإن نام ما لم يغب البقور عن بصره، وإذا غاب عن بصره يصير تاركاً للحفظ.
وتأويله: إذا نام جالساً أما إذا نام مضجعاً يصير تاركاً للحفظ، وقد ذكرنا في كتاب الوديعة الفرق بين النوم مضجعاً وبين النوم جالساً في غير السفر وسوينا بينهما في السفر، فقلنا لا ضمان على كل حال فهاهنا يكون كذلك وبه ختم.h
نوع آخر في القصار وتلميذه
في «فتاوى أبي الليث»: قصار وضع الثوب على.... في الحانوت، وأقعد ابن أخيه حَافظ وغاب القصار، فدخل ابن أخيه الحانوت الأسفل فطر الطرار الثوب فهذا على وجهين:
إن كان البيت الأسفل بحال لو دخله إنسان غاب عن عينه الموضع الذي كان فيه الثوب وإنه هلى وجهين أيضاً:
إن كان ابن الأخت ضمه إلى القصار أبوه أو أمه أو لم يكن له أب ولا أم وضمه الخال إلى نفسه فالضمان على الصبي؛ لأنه منعه بترك الحفظ الواجب عليه، ولا ضمان على القصار؛ لأن له أن يحفظ الثياب بيد ذلك الصبي، ولا يضمن القصار بترك الثياب عند الصبي.
وإن كان الصبي غير منضم إلى القصار من جهة من ذكرنا، لكن القصار أخذ بيده وأقعده محافظاً للحانوت فالضمان على القصار؛ لأنه مخالف في استحفاظ من ليس في عياله.
وإن كان الصبي بحيث يراه مع دخوله ذلك الموضع، فإن كان الصبي منضماً إليه فلا ضمان على واحد منها.
أما القصار فلأن له حفظه بيد الصبي، وأما الصبي فلأنه لم يترك الحفظ لما كان الموضع الذي دخل فيه بحيث يرى الثوب فيه.
قصار سلّم ثياب الناس إلى أجيره ليشمسها في المقصرة ويحفظها، فنام الأجير ثم رجع بالثياب، وقد ضاع منها خمس قطع لا يدري كيف ضاعت ومتى ضاعت، قال الفقيه أبو جعفر: إذا لم يعلم أنه ضاع في حال نومه، فالضمان على القصار دون الأجير، وإن علم أنه ضاع في حال نومه، فالأجير ضامن بترك الحفظ الواجب عليه، وإن شاء صاحب الثياب ضمن القصار في الوجهين جميعاً.(8/306)
-----
قال الفقيه أبو الليث: إنما قال له أن يضمن القصار لأنه كان يأخذ في مسألة الأجير المشترك بقول أبي يوسف ومحمد، أما في قول أبي حنيفة فلا ضمان على القصار؛ لأن الهلاك لم يكن بعلمه وبه نأخذ.
قصار رهن ثوب قصاره ثم فكه وقد أصاب الثوب نجاسة عند المرتهن فلما نظر إليه صاحب الثوب كلفه القصار بتنقيته فامتنع القصار من ذلك وتشاجرا فترك الثوب في يد القصار فهلك عنده، إن كانت النجاسة لم تنقص من قيمة الثوب فلا شيء على القصار، لأنه إن خالف بالرهن فإذا أفكه وخلى بينه وبين المال خرج عن ضمان قيمة الثوب.
والنجاسة إذا لم تنقص من قيمته لا يلزمه بسببها شيء بمنزلة من صب على عبد غيره نجاسة، فجعل صاحب العبد عنده ليغسل تلك النجاسة فهلك، لا ضمان عليه.
وإن كانت تنقص قيمته فليس على القصار إلا نقصان الثوب، والثوب بذلك أمانة لما ذكرنا، أنه بالتخلية خرج عن ضمان الثوب.
وهو نظير من خرق ثوب إنسان خرقاً يسيراً، قال له رب الثوب: أصلح هذا الخرق فإن ترك الثوب عنده فهلك لم يكن على المخرق إلا نقصان الخرق هاهنا.
وإذا دق أجير القصار ثوباً من ثياب القصارة فخرقه أو عصره فتخرق فلا ضمان عليه؛ لأن الخرق حصل من عمل القصارة في ثوب القصارة، والأجير مأذون في ذلك، لأن الإذن يثبت بالإجارة، وإنه أجير بالقصارة فيما كان من ثياب القصارة، وأجير القصار لا يضمن بالخرق من عمله المأذون فيه، إلا أن يخالف، لأنه أجير وحد في حق القصار ولم يخالف، والإستاد ضامن لأن عمل الأجير منقول إليه فيصير كأن الإستاد عمل بنفسه من حيث الحكم، ولو عمل الإستاد بنفسه حقيقة كان عليه الضمان كذا هاهنا.(8/307)
-----
وإذا وطىء ثوباً فتخرقه إن كان ثوباً يوطأ مثله فلا ضمان عليه بذلك؛ لأنه مأذون فيه من جهة الإستاد دلالة، وإن كان ثوباً لا يوطأ مثله، فإنه يضمن سواء كان الثوب ثوب القصارة أو لم يكن، لأنه غير مأذون لوطىء ما لا يوطأ مثله من جهة الإستاد، وهذا بخلاف ما لو حمل شيئاً في بيت القصار بإذن الإستاد فسقط على ثوب فتخرق، إن كان من ثياب القصارة لا يضمن الأجير فإنما يضمن الإستاد وإن لم يكن من ثياب القصارة ضمن الأجير، وفي الوطىء يضمن في الحالين إذا كان مما لا يوطأ مثله.
وجه الفرق بينهما: أن الوطىء غير مأذون فيه من جهة الإستاد لا نصاً ولا دلالة، أما نصاً فلأنه ليس من أعمال القصارة، ودلالة فلأنه إذا كان الثوب رقيقاً لا يوطأ مثله فالثابت بدلالة الحال النهي عن وطئه لا الإذن بوطئه، فأما الحمل من أعمال القصارة وأسبابها، فإذا سقط على ثوب القصارة فالفساد حصل من عمل القصارة في ثوب القصارة، والأجير مأمور بأعمال القصارة في ثياب القصارة، فيصير عمله منقولاً إلى الإستاد فلا يضمن الأجير، ويضمن الإستاد، كما لو دق فتخرق.
وإن وقع على ما ليس من ثوب القصارة، فالفساد حصل من عمل غير مأذون فيه؛ لأنه إنما أذن فيه بالقصارة، فيما كان من ثياب القصارة، لا فيما ليس من ثياب القصارة، وليس بأجير فيما لم يكن من ثياب القصارة، وإذا هذا تحت الإذن كان هو والأجنبي في ذلك سواء، وكذلك لو دخل بنار أو سراج بأمر القصار فوقعت شرارة فأحرقته، إن كان من ثياب القصارة فلا ضمان على الأجير وإنما الضمان على الإستاد (55أ4) وإن لم يكن من ثياب القصارة ضمن الأجير، أما ما كان من ثياب القصارة لا يضمن الأجير؛ لأنه أجير فيما كان من ثياب القصارة بالقصارة، وهذا من أسبابه فما تولد منه يكون ضمان ذلك على الإسناد لا على الأجير، كما لو دق فتخرق.
(8/308)
-----
ويضمن ما ليس من ثياب القصارة؛ لأنه ليس بأجير فما ليس من ثياب القصارة، فيكون الأجير والأجنبي في ذلك سواء. وكذلك إذا استأجر رجلاً ليخدمه، فوقع شيء من يده من متاع البيت، وسقط على شيءٍ من متاع البيت، فأفسده فإنه لاضمان عليه؛ لأنه أجير في حق الواقع، والوقع عليه؛ لأنه استؤجر للخدمة، وإنما يستأجر للخدمة ليرفع متاع البيت ويضع، فيكون بمنزلة أجير القصار إذا دق فتخرق ثوباً من ثياب القصارة، بخلاف ما لو سقط على وديعة كان عند صاحب البيت فأفسد، كان الضمان على الخادم؛ لأنه ليس بأجير فيما كان عنده من الوديعة، فيكون هو والأجنبي سواء. وكان بمنزلة أجير القصار إذا سقط من يده شيء فوقع على ثوب ليس من ثياب القصار فأفسده. ولو كان كذلك يضمن فكذلك هذا.
وهذا بخلاف المودع إذا سقط من يده شيء فوقع على الوديعة فأفسدها يضمن، وههنا قال: لا يضمن، وذلك لأن المودع مأمور بالحفظ والإمساك في الوديعة غير مأمور بالتصرف فيها، فإذا سقط من يده عليها شيء كان ضامناً؛ لأنه لم يتولد هذا من الحفظ، فأما الأجير للخدمة مأمور بالعمل في متاع البيت؛ لأنه هو الذي يتولى رفعها ووضعها، فإذا تولد من ذلك فساد لا يكون عليه ضمان؛ لأنه تولد من عمل مأذون فيه. وكان قياس الوديعة من مسألتنا أن لو سقطت الوديعة من يد المودع، فهلكت وهناك لاضمان لأن الهلاك حصل من الإمساك. وإنه مأذون فيه فكذلك هذا. ولو أن أجير القصار فيما يدق من الثياب انقلبت منه المدقية، فوقعت على ثوب فتخرق، فهذا على وجهين:(8/309)
-----
أما إن انقلبت المدقة أولاً على الثوب قبل أن يقع على الخشبة التي يدق عليها، أو انقلبت بعدما وقعت على الخشبة التي يدق عليها، فإن انقلبت قبل أن يقع على ثوب القصارة وخرق ثوباً. إن كان من ثياب القصارة فلا ضمان عليه، وإنما الضمان على الإستاد، لأن الخرق حصل من عمل القصارة فيما كان من ثياب القصارة فيكون بإذن الإستاد؛ لأنه أجير بالقصارة في حق هذا الثوب، وأجير القصار لا يضمن ما جنت يده، وإنما يضمن الإستاد. وإن وقع على ثوب ليس من ثياب القصارة، فإن الأجير يضمن لأن الخرق حصل بغير إذن الإستاد؛ لأن الإذن بالعمل يثبت بالإجارة، وإنه أجير فيما كان من ثياب القصارة، ليس بأجير فيما ليس من ثياب القصارة، فيكون هو والأجنبي في ذلك سواء.
فأما إذا انقلبت المدقة بعدما وقعت على الخشبة التي يدق عليها ثياب القصارة، فأصابت ثوباً آخر، ذكر في «ظاهر الرواية»: أنه لا يضمن بلا تفصيل، بين أن يكون ذلك الثوب من ثياب القصارة أو لم يكن من ثيابه.
حكي عن أبي بكر البلخي رحمه الله أنه كان يقول: يجب أن يكون الجواب فيه، كالجواب فيما إذا وقعت المدقة ابتداء على هذا الثوب، وقد ذكر الجواب فيه على التفصيل، فكذلك هذا.
وهذا لأن الإذن بالعمل ثبت بالإجارة، وإنه أجير بالقصارة فيما كان من ثياب القصارة، وليس بأجير فيما ليس من ثياب القصارة، ولكن في «ظاهر الرواية» لم يفصل. فكأنه فرق بين انقلاب المدقة على الثوب الذي ليس من ثياب القصارة قبل وقوعها على الخشبة، وبين انقلابها بعدما وقعت على الخشبة، وعليها ثياب القصارة.(8/310)
-----
ووجه الفرق بينهما أن الانقلاب متى حصل أولاً على الثوب الذي ليس من ثياب التجارة، فهذا العمل غير مأذون فيه أصلاً؛ لأن الإذن ثبت بالإجارة، وإنه أجير فيما كان من ثياب القصارة، لا فيما ليس من ثياب القصارة فإذا حصل هذا بغير إذن بقي مقصوراً على الأجير. ولم ينتقل إلى الإستاد، فكان الضمان على الأجير لا على الإستاد.
فأما إذا وقع أولاً على الخشبة التي يدق عليها وعليها ثوب القصارة ثم انقلبت إلى ثوب آخر ليس من ثياب القصارة وتخرق فهذا العمل حصل بإذن الأستاد لأنها وقعت على ثوب القصارة أولاً، وإنه أجير في حقه، فيكون مأذوناً في دقه. وإذا كان هذا العمل حاصلاً بإذن الإستاد انتقل هذا القدر من العمل إلى الإستاد، فكأن الإستاد دق بنفسه ثم انقلبت المدقة بعد ما وقعت على الخشبة التي يدق عليها، وأصاب الثوب فتخرق. ولو كان كذلك يجب الضمان على الإستاد لا على الأجير، فكذلك هذا.
وإن أصابت آدمياً يجب أن يكون الجواب فيه على التفصيل الذي ذكرنا في الثوب. إن كان الانقلاب على الآدمي قبل أن يقع على الخشبة فالضمان على الغلام، وإن كان بعد ما وقعت على الخشبة يجب أن يكون الضمان على الإستاد لا على الأجير، كأن الإستاد فعل بنفسه.
ولو كسر شيئاً من أداة القصارة على هذا الوجه، إن كان مما يدق ويدق عليه فلا ضمان عليه؛ لأنه سلط على استعمال ما يدق، ويدق عليه من جهة الإستاد، فيكون الكسر حاصلاً بإذن الإستاد فلا يضمن فأما إذا كان مما لا يدق ولا يدق عليه. فالأجير ضامن لأن الكسر حصل بغير أذن الإستاد فإنه غير مسلط من جهة الإستاد على استعمال مالا يدق ولا يدق عليه.
ولو جفف القصار الثوب على حبل فجرت به حموله فخرقته لا ضمان عليه في قول أبي حنيفة؛ لأن الهلاك لم يكن من فعله وعمله. وعندهما يضمن لأن هذا مما يمكن التحرز عنه، والسابق ضامن لأن مشي الدابة منقول إلى السابق، فما تولد من مشيها كان ضمان ذلك على السابق.(8/311)
(8/312)
-----
وفي «العيون»: قصار استعان برب الثوب لدقه معه، فأعانه وتخرق الثوب ولا يدري من أي الدقيق تخرق، فالضمان كله على القصار، رواه ابن سماعة عن محمد. وروى بشر عن أبي يوسف:أن على القصار نصف القيمة باعتبار الأحوال، لمحمد: أن الثوب في ضمان القصار بالقبض، فما يحدث فيه يكون في ضمانه إلا أن يعلم أنه من فعل غيره، وهذا يجب أن يكون على قولهما خاصة. أما على قول أبي حنيفة: ينبغي أن لا يضمن القصار أصلاً ما لم يعلم أنه تخرق من دقه بناء على أن الأجير المشترك يد أمانة عنده، يد ضمان عندهما، أو يكون قوله كقول أبي يوسف اعتباراً للأحوال.
وفي «النوازل»: سلم ثوباً إلى قصار أو خياط، ثم وَكَلَّ رجلاً بقبضه، فدفع إليه القصار غير ذلك الثوب؛ لم يلزم ذلك رب الثوب لأن القصار لا يستند بالمعاوضة ولا بالتمليك من ربّ الثوب، ولا ضمان على الوكيل إذا هلك الثوب في يده؛ لأنه قبض مال القصار بأمره، فكان أميناً، ولرب الثوب أن يبيع القصار بثوبه.
وفي «المنتقى»: رجل عنده ثياب وديعة، فجعل فيها ثوباً له ثم طلبها صاحبها، فدفعها كلها إليه، فضاع ثوب المستودع فالآخذ ضامن له، كلُ من أخذ شيئاً على أنه له، فضاع فهو ضامن له. وإن كان رب الثوب بعث رجلاً ليأخذ ثوبه فدفع القصار إليه ثوباً غير ثوب المرسل إن كان الثوب للقصار فلا ضمان على الرسول، وإن كان لغيره ضمن رب الثوب أيهما شاء فإن ضمن القصار لم يرجع على الرسول، وإن ضمن الرسول لم يرجع على القصار.(8/313)
-----
وسئل القاضي الإمام شمس الإسلام الأوزجندي عمن دفع ثوبه إلى قصار ليقصره اليوم، فلم يفعل اليوم حتى هلك الثوب، هل يضمن القصار؟ قال: نعم. بعث ثوباً إلى قصار بيد تلميذه، ثم قال للقصار: إذا أصلحت فلا تدفعه إلى تلميذي فلما أصلحه دفعه إلى تلميذه، فذهب التلميذ بالثوب هل يضمن القصار فقيل: إن كان التلميذ حين دفع الثوب إلى القصار لم يقل له هذا ثوب فلان بعث به إليك لا يضمن، وإن كان قال: ذلك للقصار، فإن صدق القصار التلميذ في ذلك ضمن، وما لا فلا. والله أعلم.
نوع آخر في المتفرقات
وفي «النوازل» (55ب4):
دفع إلى رجل مصحفاً ليعمل فيه، ودفع الغلاف معه أو دفع سيفاً إلى صيقل ليصقله، ودفع الجفن معه، فسرق لا يضمن الغلاف لأنه في الغلاف مودع؛ لا أجير والمودع لا يضمن إلا ما جنت يده.
وفي «القدوري» عن محمد أنه قال: يضمن المصحف والغلاف والسيف والجفن؛ لأن السيف لا يستغني عن الجفن، والمصحف عن الغلاف، فصار الشيء واحد، وإن أعطاه مصحفاً يعمل له غلافاً، أو سكيناً يعمل له نصاباً، فضاع المصحف أو السكين لم يضمن؛ لأنه أستأجره على إيقاع العمل في غيرها لا فيها وهما ليسا بتبع لذلك الغير، بخلاف ما تقدم، فكان فيهما كالمودع، وهذا كله على قول محمد.
أما على قول أبي حنيفة لا يضمن، إلا ما هلك بصنعه أو بالتقصير في الحفظ، كالمودع. والفتوى على قول أبي حنيفة لا يضمن إلا ما هلك، كما ذكرنا.
وفي «المنتقى» عن أبي يوسف: دفع إلى رجل سيفاً ليصلح من جفنه شيئاً، فضاع نصله لم يضمن؛ لأن النصل عنده وديعة؛ لأن العمل في الجفن وكذلك لو دفع إليه مصحفاً ينقطه بأجر، فضاع غلافه لا يضمن. وكذلك إذا دفع إليه ثوباً لرقوه في منديل، فضاع بالمنديل وكذلك إذا دفع إليه ميزاناً ليصلح كفيه، فضاع العود الذي يكون فيه الميزان. ولو دفع إليه ثوباً يقطعه صفة على سرجه، فهو ضامن للصفة والسرج جميعاً؛ لأن العمل فيهما والله أعلم.(8/314)
-----
دفع إلى صانع ذهباً ليتخذ له سواراً منسوجاً، والنسج لم يكن من عمله، فأصلح الذهب وطوله ودفعه إلى من ينسجه، فسرق من الثاني، فإن كان الصانع الأول دفعه إلى الثاني بغير أمر مالكه، ولم يكن الثاني أجيراً ولا تلميذاً، كان للمالك أن يضمن أيهما شاّء في قولهما. وعند أبي حنيفة: الصانع الأول ضامن، أما الأجير فإن ذكر أنه سرق منه بعد العمل لم يضمن؛ لأنه إذا فرغ من العمل صارت يده يد وديعة، أما ما دام في العمل، فيده يد ضمان؛ لأنه يتصرف في مال الغير بغير أمره، ومودع المودع إنما لا يضمن عند أبي حنيفة إذا لم يتصرف في الوديعة بغير أمر مالكها.
نوع آخر
الرد في أجير المشترك، نحو القصّار والخياط والنساج، على الأجير لان الرد بقبض القبض، فإنما يجب على من كان منفعة القبض له، ومنفعة القبض في هذه المواضع للأجير لأن للأجير عين، وهو الأجرة، ولرب الثوب منفعة، والعين خير من المنفعة، فكان منفعة الأجير أكثر فكان الرد عليه وهذا بخلاف ما لو أجر عبداً أو دابة، وفرغ المستأجر، فإنه يجب الرد على صاحب الدابة؛ لأن ثمة للأجير عين، وللمستأجر منفعة، فكانت منفعة الأجير أكثر، فكان الرد عليه.
نوع آخر(8/315)
النحاس أجير مشترك؛ لأنه يبيع للناس ويشتري لهم بأجر، حتى لو ضاع جارية أو غلام عنه لا بصنعه لا يضمن عند أبي حنيفة. وكذلك تم بأن أجير مشترك؛ لأنه يحفظ مال الناس بأجر فمتى ضاع شيء لا يصنعه، كان وجوب الضمان عليه خلافاً بين أبي حنيفة وصاحبيه. وكذلك الدلال أجير مشترك فلو دفع الدلال الثوب إلى رجل ليراه، ويشتري فذهب بالثوب ولم يظفر به، فلا ضمان على الدلال؛ لأن هذا أمر لابدّ منه في البيع، ولو كان في يد الدلال ثوب فقال له رجل: هذا مالي سرق مني، فدفع الدلال ذلك إلى من أعطاه فلا ضمان عليه؛ لأن أكثر ما فيه أن الدلال غاصب، إلا أنه قد رده على الغاصب، وغاصب الغاصب يبرأ بالرد على الغاصب.(8/316)
-----
نوع آخر
إذا دفع إلى قصار ثوباً، فلما سلمه القصار إليه قال: ليس هذا ثوبي قال محمد: القول قول القصار مع يمينه، في قول من يضمن القصار، وفي قول من لا يضمنه، ولكن لا يصدق في الأجر ولا أجر عليه، وإنما كان القول قول القصار؛ لأنه إن اعتبر ضميناً، فالقول قول الضمين في مثل هذا، كالغاصب يقول هذا الذي غصبه، وإن اعتبر أميناً فكذلك كالمودع إذا قال: هذا هو الذي أودعني، إلا أنه لا يستحق الأجر، لأن الضمين والأمين إنما لا يصدقان في حق دفع الضمان عن أنفسهما، أما في إيجاب الضمان على غيرهما، فلا لأن المدعي في ذلك الأجير، والمنكر هو المستأجر؛ لأن الأجرة لا تملك بنفس العقد، إنما تجب باستيفاء المنفعة المعقود عليها، ولم يعلم استيفاؤها.
وفي «فتاوى الفضلي»: استأجر حمالاً ليحمل له حمولة إلى بلد كذا، ويسلمها إلى السمسار، فحملها فقال السمسار للحمال: إن وزن الحمولة في الغار ما صح كذا قد نقصت في الوزن، فإنما لا أعطيك من الأجر بحساب ما نقص، ثم اختلفا بعد ذلك، فقال السمسار: أوفيتك الأجر، وكذبه الحمال فالقول للحمال، ولا خصومة لكل واحد منهما قبل صاحبه؛ لأنه لا شغل بينهما، إنما الخصومة بين الحمال وبين صاحب الحمل.
وفي «العيون» عن محمد: فيمن دفع إلى ملاح أكرار حنطة فحمل كل كر بكذا، فلما بلغا موضع الشرط، قال رب الطعام: نقص طعامي. وقد كان كاله على الملاح. وقال الملاح: لم ينقص فالقول لصاحب الطعام. ويقال للملاح: كله حتى يأخذ منه من كل كر مقدار ما سمي ولو طلب ضمان الملاح، وقد كان دفع إليه أجره، فالقول للملاح أن الطعام وافر ويقال لصاحب الطعام: كله حتى يضمنه ما نقص من طعامك؛ لأن في الوجه الأول الملاح يدعي زيادة الأجر، وصاحب الطعام منكر لما ذكرنا، أن الأجرة إنما تجب بالعمل لا بنفس العقد.(8/317)
-----
وفي الوجه الثاني صاحب الطعام يدعي وجوب رد شيء من الأجر بحسابه، والملاح ينكر، ثم قال هاهنا: يقال لصاحب الطعام: كله، حتى تضمنه ما نقص من طعامك، فيحتمل أن يكون المراد به حتى يسترده من الأجر بقدر ما نقص من طعامك ويحتمل أنه أراد به تضمين ما انتقص من الطعام كما هو ظاهر اللفظ، فإن كان المراد به الأول فهو ظاهر على قول الكل وإن كان المراد به الثاني فهذا على قول محمد خاصة، أو على قوله وقول أبي يوسف على ما ذكرنا، فيما إذا قال الأجير المشترك: قد رددت. أما على قول أبي حنيفة ليس لصاحب الطعام تضمين الملاح، إلا بجناية أو تقصير منه على ما ذكرنا غير مرّة. والفتوى على قوله.
وفي «النوازل»: ركب سفينة قال له صاحب السفينة: حملتك بدرهمين، فهات الدرهمين. وقال الراكب: بل استأجرتني لأحفظ السكان بدرهمين، فهات الدرهمين. وأقاما البينة، تقبل بينة الراكب؛ لأن صاحب السفينة حيث استأجره لحفظ السكان، فقد أذن له بأن يركب كذا ذكر ههنا.
وذكر بعد هذا: رجل ادعى على إجارتك استأجرتني لأمسك السكان في سفينتك، من ترمذ إلي آمل بعشرة دراهم، وادعى عليه رب السفينة أني حملتك في سفينتي من ترمذ إلى آمل بخمسة دراهم، فالقول لكل واحد منهما مع يمينه، والبداية بيميني أحدهما ليست بأولى من البداية بيمين الآخر، لاستواء حالهما في الدعوى والإنكار، فللقاضي أن يبدأ بأحدهما، وإن أقرع نفياً للتهمة فحسن ولا أجر لكل واحد منهما على صاحبه.
وإن أقاما البيّنة، فالبينة بيّنة الملاح، وله على صاحب السفينة عشرة دراهم، ولا أجر لصاحب السفينة على الملاح؛ لأن الأمرين جميعاً لو كانا لكانت إجارة صاحب السفينة انتقضت؛ لأنه لا بد للملاح من كونه في السفينة.(8/318)
-----
ولو ادعى رجل على آخر أني أكريتك، بغلاً من ترمذ إلى بلخ بعشرة دراهم، وادعى عليه الأجر أنك استأجرتني لأبلغه إلى فلان ببلخ بخمسة دراهم، فالقول لكل واحد منهما مع يمينه، ولا أجر. وإن أقاما البينة، فبينة صاحب البغل أولى؛ لأن حفظ البغل واجب على غير صاحب البغل على تقدير ثبوت الأمرين، فلا تجوز الإجارة على ذلك تقدمت أو تأخرت، فلا يجب الأجر.
وفي «النوازل»: أجر داره سنة، فلما انقضت السنة أخذ الدار وكنسها وسكنها، فقال المستأجر: كان لي فيها دراهم فكنستها وألقيتها، فإن صدقه رب الدار في ذلك ضمن وإن أنكر فالقول (56آ4) قوله مع يمينه؛ لأن المستأجر يدعي عليه ضماناً، وهو ينكر.
نوع آخر
إذا دفع غزلاً إلى نساج لينسجه، أو دفع ثوباً إلى قصار ليقصره، أو إلى صباغ ليصبغه، فجحد المدفوع الغزل والثوب وحلف على ذلك ثم أقر وجاء به منسوجاً أو مقصوراً أو مصبوغاً، فإن كان قد عمل قبل الجحود فله الأجر؛ لأنه عمل حال قيام الإجارة، فاستحق الأجر وإن كان عمل بعد الجحود، ففي النساج الثوبُ للنساج، وهو ضامن للمالك غزلاً مثل غزله؛ لأنه بالجحود صار غاصباً للغزل؛ ومن غصب غزلاً ونسجه يبطل حق المالك، وضمن مثل ذلك الغزل؛ لأن الغزل من ذوات الأمثال ولا أجر له؛ لأنه عمل لنفسه وفي القصار الثوبُ لصاحبه ولا أجر له؛ لأنه ليس له في الثوب عين مال قائم، وقد عمل بعد بطلان الإجارة.
وفي الصباغ يخير رب الثوب إن شاء أعطاه قيمة ما زاد الصبغ فيه؛ لأن له عين مال قائم في الثوب وهو الصبغ، بخلاف القصار، وإن شاء ترك عليه ثوبه وضمنه قيمته أبيض كما في الغاصب. هذه الجملة في «العيون» .(8/319)
-----
وفي «واقعات الناطقي»: ثوب مخيط قال رب الثوب: أنا خطته وقال الخياط: أنا خطته فإن كان في يد رب الثوب، أو في داره فالقول قول رب الثوب مع يمينه، لأنه ينكر ما يدعيه، فإذا حلف لا أجر عليه، وإن كان في يد الخياط أو في يديهما، فالقول للخياط مع يمينه؛ لأن الظاهر شاهد له، فإذا حلف فله الأجر على رب الثوب.
الفصل التاسع والعشرون: في التوكيل في الإجارة
وإذا وكل الرجل رجلاً بأن يستأجر له داراً بعينها ببدل معلوم ففعل، فالآجر يطالب الوكيل بالأجرة، والوكيل يطالب الموكل وللوكيل أن يطالب الموكل بالأجرة، وإن لم يطالبه الآجر. وإذا وهب الآجر الأجر من الوكيل، وأبرأه صح. وللوكيل أن يرجع بالأجر على الآمر.
الوكيل باستئجار الدار، إذا ناقص الإجارة مع الآجر إن لم يكن الوكيل قبض المستأجر، فمناقصته صحيحة قياساً أو استحساناً وإن قبضه فالقياس أن تصح المناقصة.
وفي الاستحسان لا تصح وإذا وكله أن يستأجر أرضاً له شهراً، فأستأجره شهرين، فالشهر الأول للموكل، والشهر الثاني للوكيل.
وإذا وكل رجلين باستئجار دار وأرض فأستأجر أحدهما وقع العقد له لأن أحد الوكيلين لا ينفرد بالاستئجار فيعذر إيقاع العقد للموكل فيقع للوكيل فإن دفعها الوكيل إلى الموكل انعقدت بينه وبين الموكل إجارة مبتدأة بالتعاطي. وهذه المسألة نص أن الإجارة تنعقد بالتعاطي.
وفي «نوادر» ابن سماعة عن محمد. وفي «الأمالي» عن أبي يوسف: رجل أمر رجلاً أن يؤاجر داره أو أرضه من رجل بأجر معلوم ففعل، ثم إن المؤاجر نقص المستأجر الإجارة، فالنقص جائز ولا ضمان على المؤاجر. ولو كان الأجر شيئاً بعينه ويعجل الأجر ذلك لا تجوز مناقصته على الآمر.
والفرق أن في المسألة الثانية: الأجر صار مملوكاً للآمر، فالمؤاجر بالقبض يريد إزالة ذلك عن ملك الآمر، أما في المسألة الأولى الآمر لم يملك شيئاً، فالمؤاجر بالنقص لا يزيل ملكه عن شيء، فافترقا.(8/320)
-----
وإذا وكل الرجل رجلاً أن يستأجر له داراً بعينها من رجل هذه السنة بمئة درهم، فأستأجرها الوكيل وقبضها من المؤاجر، وأراد الموكل أخذها من الوكيل، فمنعها الوكيل من الموكل حتى يأخذ الأجر، فهذه المسألة على وجوه:
الأول: أن تكون الأجرة مطلقة، وفي هذا الوجه ليس للوكيل أن يحبس الدار من الموكل؛ لأن الوكيل بالاستئجار في حق الحقوق كأنه أستأجره لنفسه، ثم أجر من الموكل، ولو كان هكذا وكان الأجر مطلقاً لم يكن للوكيل منع الدار؛ لأجل الأجرة لأن الأجرة لا تملك بنفس العقد، فكذا ههنا. فإن منعها الوكيل مع أنه ليس له حق المبيع حتى مضت السنة، فالأجر واجب على الوكيل؛ لأن الوكيل في حق الحقوق بمنزلة العاقد لنفسه. والأجر من حقوق العقد ولو أستأجر الدار لنفسه سنة، وقبض الدار مدة الإجارة كان عليه الأجر، وإن لم يسكن كذا ههنا. ويرجع الوكيل على الموكل بالأجرة؛ لأن الوكيل قبض الدار من الآجر وله حق القبض، وقبض الوكيل متى حصل بحق، فهو بمنزلة قبض الموكل في حق المعقود عليه لأن يد الوكيل في حق المعقود عليه الذي يقابله البذل يد أمانة ونيابة، وللمنفعة حكم الوجود شيئاً فشيئاً في حق حكم العقد. فإذا صار يد الوكيل كيد الموكل صار كأن المنافع وجدت شيئاً فشيئاً في يد الموكل، فلا يسقط شيء من الأجر إلا إذا خرجت يد الوكيل من أن تكون يد الموكل، وذلك يأخذ معينين، بأن يحبس الوكيل العين بالبدل حتى تصير يد الوكيل يد ضمان بحكم العقد، وذلك لم يوجد ههنا؛ لأنه ليس للوكيل ههنا حق الحبس بالأجرة.
(8/321)
-----
والثاني: أن يصير الوكيل غاصباً، ولا يمكن تحقيق الغصب ههنا لا في حق المنافع، لأن المنافع ليست بمحل الغصب عندنا، ولا في حق العين؛ لأنه لو اعتبر غاصباً للعين إما أن يعتبر من الآجر، أو من الموكل، لا وجه إلى الأول؛ لأن قبض الوكيل الدار من الأجر حصل بحكم العقد ولا وجه إلى الثاني؛ لأن الموكل ليس بمالك للعين والغصب من غير المالك لا يتصور. وإذا لم تنقلب يد الوكيل يد غاصب، ولا يد ضمان بحكم الحبس تثبت يد الوكيل يد أمانة، فصار حدوث المنافع في يد الوكيل ووجودها في يد الموكل سواء.
الوجه الثاني: أن يكون الأجر مؤجلاً إلى سنة، والجواب في هذا الوجه نظير الجواب في الوجه الأول. والكلام في هذا الوجه أظهر؛ لأن العقد إذا كان مطلقاً، فالأجرة لا تجب إلا بالسكنى، وإذا كان الأجر مؤجلاً لا يجب إلا بعد السنة، فكان انعدام حق الحبس للوكيل ههنا أظهر وأبين، فكان أولى بأن لا تتبدل يده عن النيابة، والأمانة بالضمان.
ولو غصب رجل أجنبي الدار من المستأجر، أو من الآجر حتى تمت السنة لم يجب عليها أجر؛ لأن يد الغاصب ليس كيد الوكيل، ولا كيد الآمر فيما يرجع إلى حكم العقد، والمنافع تحدث شيئاً فشيئاً، فحصل هلاك المعقود قبل قبض العاقد، وقبل قبض من وقع له العقد، فأوجب سقوط الأجر. بخلاف الفصل الأول؛ لأن هناك الدار في يد الوكيل عند حدوث المنفعة حقيقة، ويد الوكيل يد الموكل حكماً، فحصل هلاك المعقود عليه بعد قبض من وقع له العقد، من حيث الحكم فلهذا لم يسقط الأجر.
ورأيت في تعليق جدي القاضي الإمام الأجل جمال الدين ذكر في بعض الروايات: أن الوكيل في هذه الصورة لا يرجع بالأجر على الآمر استحساناً. قال: ثمة وهو الصحيح، فكأنه مال إلى الوكيل بالحبس صار غاصباً الدار من الآمر، والغصب من غير المالك منصور في الجملة، فصار هذا وما لو غصبه أجنبي سواء.(8/322)
-----
وهكذا روى ابن سماعة في «نوادره» عن أبي يوسف، وأشار جدي إلى المعنى فقال: قبض الوكيل كقبض الموكل، فوقع قبض الوكيل أولاً للموكل، وصار الوكيل بالسكنى بعد ذلك غاصبا السكنى من الموكل، فيوجب ذلك سقوط الأجر عن الموكل. وأشار ابن سماعة إلى المعنى لأبي يوسف فقال: الوكيل بالاستئجار في حق الحقوق كأنه استأجر لنفسه، ثم أجر من الموكل حكماً. ولو كان هكذا حقيقة، ولم يسلم الوكيل الدار إلى الموكل حتى مضت المدة لم يستحق الوكيل الأجر على الموكل، كذا ههنا.
قال: وكذلك لو كان الآمر قبض الدار من الوكيل، ثم تعدى عليها الوكيل فأخرجها من يد الآمر حتى مضت السنة، لزم الأجر لرب الدار على الوكيل، ويرجع الوكيل بها على الآمر؛ لأن الوكيل قبض الدار وله حق القبض، فصار الموكل قابضاً بقبضه حكماً، فلو سقط الأجر عن الآمر، إنما يسقط إذا خرج يد الوكيل من أن يكون يد الموكل، ولم يخرج على ما مر.
فإن إنهدمت الدار من سكنى الوكيل، فلا ضمان عليه؛ لأنه لم يصر غاصباً الدار (56ب4) من الآمر ولما مر ولم يصر غاصباً من الآجر، وله حق القبض، وكذلك لم يصر غاصباً بالسكنى؛ لأن أكثر ما في الباب أنه شرط سكنى الآمر إلا أن السكنى مثل السكنى، إلا أن من أستأجر داراً ليسكنها بنفسه، فأسكنها غيره بأجر وبغير أجر، لم يصر مخالفاً حتى يلزمه الأجر فههنا كذلك. ثم قال محمد رحمه الله في هذه المسألة، وفي المسألة الأولى: أن الوكيل يرجع بالأجر على الآجر في القياس.(8/323)
-----
وإنما أراد به والله أعلم القياس على الوكيل بالشراء فإن الوكيل بالشراء إذا حبس، وليس له حق الحبس حتى هلك، لا يسقط الثمن عن الآجر، فكذا لا يسقط الأجر عن الموكل ههنا هذا الذي ذكرنا إذا استأجر الوكيل الدار سنة بمئة درهم مؤجلة، أو مطلقاً. فأما إذا شرط الوكيل تعجيل الأجر لا يصح عليه وعلى الآمر؛ لأن الأجر مطلق وتعجيل الأجر معتاد، فيملك الوكيل ذلك، فالوكيل بالبيع المطلق يملك البيع بالأجل المعتاد بالاتفاق فههنا كذلك فإن قبض الوكيل الدار ودفع الأجرة، أو لم يدفع فله أن يمنع الدار من الآجر حتى يستوفي الأجر، لما ذكرنا أن الوكيل بالاستئجار في حق حقوق، العقد كأنه استأجره لنفسه ثم أجره من موكله. ولو أستأجر لنفسه ثم أجره من موكله بشرط تعجيل الأجر كان له حق حبس الدار، كذا هنا.
فإذا منع الوكيل الدار من الموكل بعدما طلب الموكل حتى مضت السنة، والدار في يد الوكيل، فالأجر للآجر على الوكيل لما مرّ ولا يرجع به على الآمر؛ لأنه لما حبس الدار من الآجر، وله حق الحبس خرجت يد الوكيل من أن تكون يد أمانة ونيابة، فلم تصر لمنافع حادثة في يد الموكل حكماً، فلم يجب الأجر على الموكل، وصار كالوكيل بشراء العين إذا قبض العين، وطلبه الآمر فمنعه عنه الوكيل، ثم هلك في يد الوكيل. وهناك يبطل عن الآمر اليمين ليبدل يده كذا ههنا، فلو لم يطلب الآمر الدار حتى مضت السنة لزم الوكيل الأجر؛ ورجع به على الآجر؛ لأن الآمر صار قابضاً للدار بقبض الوكيل. فلو بدلت يد الوكيل، إنما تبدل بالمنع، وذلك إنما يكون بعد الطلب، ولم يوجد فصار يد الوكيل باقياً على حكم النيابة، كما في الوكيل بشراء العين.(8/324)
-----
وإن مضت نصف السنة، ثم طلب الآمر الدار، فمنع الوكيل منه حتى تمت السنة، وجب الأجر كله على الوكيل، ويرجع على الآمر بحصة ما كان قبل الطلب، ولا يرجع بحصة ما بعد الطلب، والمنع اعتباراً للبعض بالكل، فصار كالوكيل بشراء الأعيان إذا هلك بعضها في يده قبل طلب الموكل، وبعضها بعد طلب الموكل، وسع الوكيل، فالوكيل يؤاخذ بالثمن كله، ويرجع على الآمر بحصة ما هلك بعد المنع، والطلب كذا ههنا.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: رجل أمر رجلاً أن يستأجر له أرضاً بعينها، فاستأجره المأمور كما أمره الآمر به، ثم إن الآمر اشترى الأرض لنفسه بعد ذلك من صاحبها، وهو لا يعلم بالإجارة ثم علم، فإنه لا يكون له أن يردها، ويكون في يده بحكم الإجارة.
معنى قوله لا يردها: لا يرد الإجارة؛ لأن استئجار المأمور الآمر قد صح، ونفذ على الآمر، ويعلق به حق الآمر فلا يملك إبطال حقه بالنقص والرد عليه.
وفيه أيضاً: الوكيل باستئجار الدار بعينها بعشرة إذا استأجرها بخمسة عشر، ودفعها إلى الموكل. وقال: إنما استأجرتها بعشرة، فلا أجر على الآمر، وعلى الوكيل الأجر لرب الدار؛ لأن العقد ههنا نفذ على الوكيل لمكان الخلاف. وهذه المسألة دليل أن الإجارة لا تنعقد بالتعاطي.
وفي «نوادر إبراهيم» عن محمد: الوكيل بإجارة الأراضي إذا دفع الأراضي مزارعة، إن كان البذر من قبل الوكيل لا يجوز، وإن كان من قبل المزارع جاز؛ لأن البذر إن كان من قبل المزارع يصير المزارع مستأجراً، والوكيل مؤاجراً ولا كذلك ما إذا كان البذر من قبل الوكيل، وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف في الوكيل بإجارة الدار بعشرة، إذا أجرها بخمسة عشر، فهو فاسد، ويتصدق بالخمسة إن كان قد أخذها.(8/325)
-----
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: رجل أجر رجلاً داراً ثم إنه استحقها رجل ببينة قامت له على الدار، وقال: كنت دفعتها إلى الآجر، وأمر به أن يؤاجرها لي، فالأجر لي، قال الآجر: كنت غصبتها منه، وأجرتها فالأجر لي فالقول قول رب الدار؛ لأن الظاهر شاهد له؛ لأن الظاهر أن الإنسان إنما يتصرف في ملك الغير لذلك الغير، وإن أقام الآجر بينة على ما ادعى من الغصب لا تقبل بينته؛ لأنه بهذه البينة يريد إبطال قول المستحق، والبينات شرعت للإثبات لا للإبطال. وإن أقام بينة على إقرار المستحق بما ادعى من الغضب قبلت بينته، وكانت الأجرة له؛ لأنه بهذه البينة لا يبطل قول المستحق إنما يثبت إقراره بالغصب، ثم إذا ثبت الغصب يترتب عليه حكم الأجرة. ولو كان الآجر بنى في الأرض بناء، ثم أجرها مبنية. فقال رب الأرض: أمرتك أن تبني وتؤاجر وقال الآجر: غصبتك وبنيتها وأجرتها، قال: يقسم الأجر على قيمة الأرض غير مبنية. وعلى البناء، فما أصاب الأرض فهو لرب الأرض، وما أصاب البناء فهو للغاصب؛ لأن في البناء الظاهر شاهد للغاصب؛ لأن البناء في يده.
الفصل الثلاثون: في الإجارة الطويلة المرسومة ببخارى
قال محمد رحمه الله في كتاب الشروط: في الرجلين أجرا من رجل داراً عشر سنين، فخاف المستأجر أن يخرجاه منها، فأراد أن يستوثق من ذلك، فالحيلة: أن يستأجر كل شهر من الشهور الأول بدرهم، والشهر الآخر مقسم الأجر، فإن معظم الأجر إذا كان للشهر الآخر، فهما لا يخرجانه من الدار.(8/326)
-----
وعن هذه المسألة استخرجوا الإجارة الطويلة المرسومة ببخارى، أو جعلوا أجر السنين المتقدمة شيئاً قليلاً، وجعلوا معظم الأجر للسنة الأخيرة. وحكي أن في الابتداء كانوا يكتبون بيع المعاملة مثلما كان في زمن الفقيه محمد بن إبراهيم الميداني، كره ذلك لمكان شبة الربا، وأخذت هذا النوع من الإجارة ليصل الناس إلى الاسترباح بأموالهم، فيحصل لهم منفعة الدار والأرض مع الأمن عن ذهاب شيء من مقصود المال.
وقد أخبرني من أثق به: أني وجدت الإجارة الطويلة المرسومة في فتاوى قديمة مروّية عن محمد، برواية الشيخ الإمام الزاهد أبي جعفر الكبير، وإنما شرط الخيار لكل واحد منهما؛ ليتمكن كل واحد منهما من الفسخ، فيصل إلى أصل ماله بواسطة الفسخ، وإنما اشتبه ثلاثة أيام من آخر كل شهر حتى يشترط الخيار في هذه الأيام المستثناة فيكون شرط في غير الأيام الداخلة في العقد، إذ لو كان شرط الخيار في الأيام الداخلة في العقد يزيد الخيار على ثلاثة أيام في العقد. وإنه يفسد العقد عند أبي حنيفة. أما إذا شرط الخيار في الأيام المستثناة عن العقد، كان هذا اشتراط زيادة على ثلاثة أيام في غير العقد، ولأنه لا يفسد العقد؛ ولأنا إذا شرطنا الخيار في الأيام الداخلة في العقد، لا يصح الفسخ من غير محضر من صاحبه عند أبي حنيفة ومحمد، فشرطنا الخيار في هذه الأيام المستثناة عن العقد؛ لتمكن كل واحد منهما من الفسخ بغير محضر من صاحبه؛ لأن الفسخ يكون امتناعاً من لزوم العقد بعد هذه الأيام، فلا يشترط حضرة صاحبه.
وكان الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل البخاري: يفتي بجواز هذه الإجارة. وكذا من بعده من الأئمة ببخارا إلى يومنا هذا.
وكان الزهاد من مشايخنا، كالشيخ الإمام أبي بكر بن حامد، والشيخ الإمام أبي حفص السفكردري وأمثالهما، كانوا لا يفتون بجواز هذه الإجارة وكانوا يقولون فيها شبهة، وليس الأمر كما قالوا.(8/327)
-----
وبيان الشبهة: أن هذا عقد واحد؛ لأنه حصل بإيجاب واحد، فإذا شرط الخيار ثلاثة أيام في آخر كل ستة أشهر، وفي آخر كل سنة نزيد مدة الخيار على ثلاثة أيام، واشتراط الخيار في عقد واحد زيادة على (57أ4) ثلاثة أيام يوجب فساد العقد على قول أبي حنيفة، وعلى قول أبي يوسف يجيء شبهة أخرى.
وبيان ذلك: أنهما إذا عقدا عقد الإجارة في غرة الشهر، أو في وسط الشهر. وشرط الخيار في آخر كل سنة، فإن تلك السنة كلها تصير أيام خيار عنده، وكذلك السنة الثانية والثالثة إلى آخر المدة، فلا يفيد العقد فائدة.
وقاسوا هذه المسألة على مسألة أخرى على مذهب أبي يوسف.
وصورتها: رجل اشترى من آخر عبداً أو ثوباً على رأس شهر على أنه بالخيار فيه آخر يوم من هذا الشهر، إن ذلك الشهر خيار كله، والمعنى المجوز دفع حاجة الناس بأموال الغير؛ لأن الإنسان لا يعرض غيره شيئاً كبيراً من ماله من غير أن يطمع فيه وصول نفع مالي إلا نادراً، وبذلك النادر لا تقوم الحوائج، فكان في تجويز هذه الإجارة تعديل النظر من الجانبين.
ثم اختلف المشايخ الذين قالوا بجواز هذه الإجارة: أنهما يعتبر عقداً واحداً، أو عقوداً مختلفة. بعضهم قالوا: يعتبر عقوداً مختلفة حتى يزيد مدة الخيار ثلاثة أيام في عقد واحد فيفسد به العقد عند أبي حنيفة. وبعضهم قالوا: يعتبر عقداً واحداً؛ لأنا لو اعتبرناها عقوداً فما سوى العقد الأول يكون مضافاً، وفي الإجارة المضافة لا تملك الأجرة بالتعجيل، ولا باشتراط التعجيل. والغرض من هذه الإجارة تلك الأجرة، ويبتني على هذا الاختلاف إجارة دار اليتيم إجارة طويلة، واستئجار الدار لليتيم إجارة طويلة.
ووجه البناء: أن هذا العقد لاشك أنه لا يجوز في المدة التي يصيبها قليل الأجرة في الإجارة، وكثير الأجرة في الاستئجار، وهل يتعدى الفساد إلى الباقي؟ فمن جعله عقوداً قال: لا يتعدى، ومن جعله عقداً واحداً، قال: يتعدى.(8/328)
-----
وبعض المحققين من مشايخنا قالوا: يتعدى الفساد إلى الكل، اعتبرناها عقداً واحداً أو عقوداً إن اعتبرناها عقداً واحداً، فظاهر، وإن اعتبرناها عقوداً متفرقة فكذلك؛ لأنها إنما تعتبر عقوداً متفرقة باعتبار استثناء بعض هذه الأيام. أما من حيث اللفظ، ومقصود المتعاقدين فهما عقد واحد، أما من حيث اللفظ فلأن الآجر يقول: أجرتك هذه الدار بكذا هذه المدة بهذه الشرائط، والمستأجر يقول: قبلت، استأجرت. وأما من حيث مقصود المتعاقدين، فلأن مقصود المتعاقدين مباشرة عقد واحد، واستثناء بعض هذه المدّة من هذا العقد لإتمام ما هو مقصودهما من هذا العقد، وهو التوثيق بالمال مع حصول النفع للمستأجر، ويمكن كل واحد منهما من الفسخ قبل تمام المدة. فهو معنى قولنا: العقد واحد مقصوداً ولفظاً فإذا فسد البعض ثبت الفساد في الباقي من وجه، فيلحق بالفاسد من كل وجه احتياطاً، فإن طلبا حيلة في جواز هذه الإجارة، فالحيلة إذا كانت الدار للصغير أن يجعل مال الإجارة بتمامه للسنة الأخيرة، ويجعل بمقابلة السنين المتقدمة مالاً هو أجر مثله، أو أكثر. ثم يبرء والد الصغير المستأجر عن أجر السنين المتقدمة، ويصح إبراؤه عند أبي حنيفة ومحمد، خلافاً لأبي يوسف، وإن أراد أن يصير مجمعاً عليه يلحق به حكم الحاكم، والحيلة: إذا أستأجر الأب للصغير أن ينظر إلى أجر مثله كل سنة لهذه الدار، فيجعل مال الإجارة على اعتباره للسنين المستأجرة، ولسنين المتقدمة شيئاً قليلاً.
(8/329)
-----
صورته: إذا كان مال الإجارة ألف درهم مثلاً، وأجر مثل هذه الدار كل سنة مئة، يجعل بمقابله عشرين سنة من أوائل هذه السنين شيء قليل ويجعل بمقابلة العشر سنين المستأجرة ألف إلا شيء قليل، فيجوز، ويجعل المقصود. قال الصدر الشهيد رحمه الله: والأصح عندي أنه يعتبر عقوداً في سائر الأحكام عقداً واحداً في حق تلك الأجرة بالتعجيل أو باشتراط التعجيل. وعندي لا حاجة إلى هذا التكلف، فإنه يمكن اعتبارها عقداً واحداً.
قوله: يزيد الخيار على ثلاثة أيام في عقد واحد. قلنا: نعم، يزيد الخيار على ثلاثة أيام، لكن لا في العقد فإن من جوز هذه الإجارة شرط أن يشترط الخيار في هذه الأيام الثلاثة المستثناة التي هي غير داخلة تحت العقد، كيلا يريد الخيار في الأيام المستثناة، وإنها غير داخلة في العقد، كان هذا اشتراط الخيار زيادة على ثلاثة أيام في غير أيام العقد، وإنه لا يفسد العقد بالإجماع، وكذا يمكن اعتبارها عقوداً إن اعتبرناها عقوداً.
قوله: بأن الأجرة لا تملك في الإجارة المضافة قلنا عن أصحابنا فيه روايتان على ما ذكرنا، فنأخذ بالرواية التي تملك فيها الأجرة بالتعجيل، واشتراط التعجيل. وكما تجوز الإجارة الطويلة في العقار والضياع، تجوز في الدواب والمماليك أيضاً، إذ المعنى لا يوجب الفصل. وهذا كله في الأملاك.
جئنا إلى الأوقاف. فنقول: إذا استأجر الأوقاف من المتولي مدة طويلة، فإن كان الواقف شرط أن لا يؤاجر أكثر من سنة يجب مراعاة شرطه لا محالة، ولا نفتي بجواز هذه الإجارة، وإن كان لم يشترط شيئاً، نقل عن جماعة من مشايخنا أنه لا يجوز أكثر من سنة واحدة. وقال الفقيه أبو جعفر: إنما أجوز في ثلاث سنين، ولا أجوز فيما زاد على ذلك. والصدر الشهيد الكبير هشام الدين تغمده الله بالرحمة، كان يقول: في الضياع، يفتى بالجواز في ثلاث سنين إلا إذا كانت المصلحة في عدم الجواز.(8/330)
-----
وفي غير الضياع يفتى بعدم الجواز فيما زاد على سنة واحدة، إلا إذا كانت المصلحة في الجواز، وهذا أمر مختلف باختلاف الزمان والموضع، ثم إذا استأجر على الوجه الذي جاز من حصة أجرتها، لا تفسخ الإجارة، وإذا ازداد أجر مثلها بعد مضي بعض المدة ذكر في «فتاوى أهل سمرقند» أنه لا يفسخ العقد، وذكر في «شرح الطحاوي»: أنه يفسخ العقد، ويجدد على ما ازداد. وإلى وقت الفسخ يجب المسمّى لما مضى.
ولو كانت الأرض بحال لا يمكن فسخ الإجارة فيها، بأن كان فيها زرع لم يحصد بعد، فإلى وقت الزيادة يجب المسمى بحساب ذلك، وبعد الزيادة إلى تمام السنة يجب أجر مثلها، وزيادة الأجر إنما تعرف إذا ازدادت عند الكل.f
ذكر الطحاوي هذه الجملة في كتاب المزارعة. وأما في الأملاك لا يفسخ العقد، رخص أجر المثل أو غلا باتفاق الروايات.
وإذا أستأجر من آخر داراً أو أرضاً مقاطعة مدة قصيرة سنة مثلاً، ثم إن الآجر أجرها من غيره إجارة طويلة، لاشك أن الإجارة الطويلة لا تجوز في مدة الإجارة القصيرة، لما ذكرنا أن إجارة المستأجر لا تنعقد أصلاً.
وهل يجوز فيما ورائها؟ فمن جعلها عقداً واحداً يقول: لا تجوز، ومن جعلها عقوداً متفرقة يقول: تجوز؛ لأن العقد فيما وراء المدة القصيرة مضاف، وإضافة الإجارة إلى وقت في المستقبل جائزة، فإذا انقضت المدة القصيرة تنعقد الطويلة ضرورة، وإذا باع المستأجر في الإجارة الطويلة، ثم جاء وقت الاختيار، هل ينفذ البيع؟(8/331)
-----
حكي عن الشيخ الإمام الزاهد عبد الواحد البسّتاني: إن في المسألة روايتين؛ لأن الإجارة فيما وراء الأيام المستثناة مضافة، فإذا نفذ البيع في أيام الخيار تنفسخ تلك الإجارة، وفي فسخ الإجارة المضافة روايتان على ما مرّ، بعض مشايخ زماننا قالوا: يجب أن يفتى بعدم النفاذ احترازاً عن التلبيس والاحتيال، فإنهم قد يحتالون، ويقولون: قد بعنا قبل الأيام، وانفسخت الإجارة في الأيام، ويطلبون أجرة ما مضى بعد الفسخ، وعسى يزداد على مال الإجارة، فيؤدي إلى الإضرار بالمسلمين.
وإن باع الآجر المستأجر في الإجارة الطويلة في أيام الفسخ قبل الفسخ ذكر شمس الأئمة السرخسي إن هذا الفصل يجب (57ب) 4أن يكون على الروايتين. كما لو باع قبل الفسخ؛ لأن الإجارة في المدة الثانية مضافة.
وقال الصدر الشهيد حسّام الدين: يجب أن يكون نفاذ هذا البيع باتفاق الروايات؛ لأن للآجر ولاية في الفسخ في الأيام المستثناة، والبيع دلالة الفسخ، ولا كذلك الإجارة المضافة؛ لأنه ليس للآجر ولاية الفسخ في الإجارة المضافة، فجاز أن يكون في نفاذ بيعه اختلاف الروايتين، وبه ختم
نوع آخر من هذا الفصل
قد ذكرنا أن الأيام المستثناة في الإجارة الطويلة غير داخلة تحت العقد، فلو أجر المستأجر المستأجر من غيره يبين تلك الأيام في الإجارة الثانية، أنها اليوم العاشر والحادي عشر والثاني عشر من شهر كذا، ويستثني نصاً لتبين الداخل من الأيام في العقد الثاني من غير الداخل، هكذا ذكر الحاكم السمرقندي رحمه الله في كتاب الشروط، وهذا إذا كتب ذكر الإجارة الثانية على هذه أما إذا كتب في الذكر الأول، أو على ظهره فذكر فيه سوى الأيام المستثناة المذكورة فيه، يكفي بجواز الإجارة الثانية، والله أعلم.
نوع آخر(8/332)
-----
اختلف المشايخ فيمن يجوز الإجارة الطويلة في فصل، وهو أنه: إذا كان من أحد العاقدين بحيث لا يعيش إلى مدة ثلاثين سنة معه غالباً، هل تصح هذه الإجارة؟ فبعضهم لم يجوزوا ذلك، وممن لم يجوزوا القاضي الإمام أبو عاصم العامري، ووجهه: أن الغالب يلحق بالتيقن في الأحكام حتى يحكم بموت المفقود بموت أقربائه، فإذا كان الظاهر والغالب أنه لا يعيش إلى هذه المدة تيقناً بفساد العقد، لأن تلك المدة التي خرجت من الإجارة مجهولة؛ ليتمكن الجهالة في الباقي، فلا يجوز. ولأن منفعة الأرض فيما سوى مدة عمره لا تكون مملوكة له، فقد جمع بين المملوك وغيره، والمملوك مجهول، فلا يجوز هذا العقد؛ ولأنه بمنزلة التأبيد في الإجارة لما ذكرنا. والتأقيت شرط جوازها والتأبيد يبطلها.
أقصى ما في الباب: أن حياته إلى هذه المدة غير مستحيلة، ولكن ذكرنا أن في الأحكام تصير الغالب، والظاهر.
وبعضهم جوزوا ذلك، وممن جوز ذلك الخصاف؛ لأن العبرة في هذا الباب بصيغة كلام العاقدين، وإنه يقتضي التوقيت، فصح ذلك ولا عبرة لموت أحد العاقدين قبل أسماء المدة؛ لأن ذلك عسى يوجد فيما إذا كانت المدة مقدار ما يعيش الإنسان إليها غالباً، ولا عبرة له.
ونظير هذا: ما إذا تزوج امرأة إلى مئة سنة، أنه يكون متعة، ولا يكون نكاحاً صحيحاً في الروايات الظاهرة عن أصحابنا، وإن كان لا يعيش إلى هذه المدّة غالباً وجعل ذلك بمنزلة نكاح مؤقت، واعتبر ظاهر حياته في الحال، وجعل ذلك بمنزلة الوقت اليسير، وإنما فعلنا كذلك لما ذكرنا أن الاعتبار للفظ وإنه يقتضي التأقيت، فصار النكاح مؤقتاً. والنكاح المؤقت باطل.(8/333)
-----
وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي يقول: بأن مشايخنا يترددون في فصل النكاح في مثل هذه الصورة. بعضهم قالوا: يجوز النكاح في مثل هذه الصورة، ويجعل ذلك التأقيت بمنزلة التأبيد، وهكذا روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة فكأنهم قاسوا هذا على ما ذكر في كتاب الطلاق في باب الإيلاء، إذا قال: والله لا أقربك إلى خروج الدجال إلى طلوع الشمس من مغربها، فإن هناك لا يصير في القياس مولياً، ويصير مولياً استحساناً ويجعل في الاستحسان ذلك التأقيت بمنزلة التأبيد كذا ههنا.
وإذا استأجر شيئاً إجارة طويلة صحيحة بدنانير دين موصوفة، فأعطاه مكان الدنانير دراهم، ثم تفاسخا العقد، فالآجر يطالب بالدنانير لا بالدراهم؛ لأن التعجيل مشروط في الإجارة الطويلة، والأجرة تجب باشتراط التعجيل في الإجارة الصحيحة، فإذا قبض مكان الدنانير دراهم، كانت هذه مصارفة بدين واجب فيصح، وصار المستأجر بائعاً الدراهم مؤقتاً الدنانير. ولو كان العقد فاسداً. وباقي المسألة بحاله يطالب الآجر بإعطاء الدراهم؛ لأن الأجرة لا تملك باشتراط التعجيل في الإجارة الفاسدة، فلم تصح المصارفة، فلا يصير المستأجر مؤقتاً الدنانير فلا يجب على الآجر إيفاء الدنانير.
وإذا أجر أرضاً، وفي الأرض زرع أو أشجار لا يجوز، وإن أراد الحيلة في ذلك فقد مرّ ذكره في الفصل الخامس عشر من هذا الكتاب.
وإذا أستأجر كرماً لم يره، وقد باع صاحب الكرم الأشجار قبل الإجارة صحت الإجارة، كان للمستأجر خيار الرؤية في الكرم، ولو تصرف في الكرم تصرف الملاك بطل خيار الرؤية كما في البيع.
ولو أكل من ثمار الكرم، فقد قيل: لا يبطل خيار الرؤية؛ لأنه تصرف في المشترى وهو الثمار لا في المستأجر، وهو الكرم. ولو قيل يبطل فله وجه أيضاً.
وإذا قال لغيره: أجرتك داري هذه، أو قال: أرضي هذه على أنك تفسخ العقد متى شئت كانت الإجارة فاسدة، لأن مدة الخيار تزيد على ثلاثة أيام.(8/334)
-----
وفي «فتاوى الفضلي»: إذا أجر الرجل حانوته مشاهرة، ثم أجره من غيره إجارة طويلة، وأمر الآجر المستأجر إجارة طويلة أن يكون هو الذي يقبض الأجر من المستأجر مشاهرة ثم مات الآجر بعد ذلك، والمستأجر إجارة طويلة هو الذي يقبض الأجرة، فما قبض فهو له إلا أجرة الشهر الذي وقعت الإجارة الأولى فيه؛ لأن الإجارة الثانية إنما تصح عند الشهر الثاني؛ لأن بمجيئه تنفسخ الأولى.
ومعنى المسألة: أن الإجارة الأولى وقعت صحيحة، وإنما تمنع صحة الإجارة الثانية ولكن للآجر حق الفسخ عند الشهر الثاني، وإقدامه على الإجارة الثانية دليل الفسخ، فانفسخ العقد الأول عند الشهر الثاني. وصحت الإجارة الطويلة، فإذا طلب المستأجر إجارة طويلة الأجر من المستأجر الأول وأجابه المستأجر الأول إلى ذلك، فقد انعقد بين الأول وبين المستأجر إجارة طويلة إجارة جديدة مشاهرة. فهو معنى قوله: ما قبض المستأجر الثاني من الأجرة فهي له، إلا أجر الشهر الذي وقعت فيه الإجارة. قال القاضي الإمام ركن الإسلام علي السعدي رحمه الله: أراد بقوله: ما قبض المستأجر من الأجرة فهي له، ما قبض في حال حياة الآجر؛ لأن بموت الآجر تنفسخ الإجارة، فما يأخذ بعد ذلك يأخذ بغير حق، فيلزمه رده على من أخذ منه. وفي «الفتاوى الصغرى»: إذا أجر داره من رجل إجارة طويلة، ثم أجر من آجر طويلة لا يجوز، ولا ينقلب جائزاً بعدما انفسخت الأولى بفسخها، وإنه مشكل. وينبغي أن تكون المسألة على روايتين، لأن في الإجارة الطويلة بعض العقود مضافة، وفي صحة فسخ الإجارة المضافة قبل مجيء الوقت المضاف إليه روايتان. والإجارة الثانية دليل فسخ الإجارة الأولى كالبيع، فيجب أن تكون في المسألة روايتان كما في البيع.
(8/335)
الفصل الحادي والثلاثون: في النصيف
-----
إذا استأجر الرجل داراً، ولم يسم بالعمل فيها، ينصرف إلى السكنى، وليس له أن يعمل فيها عمل القصارين والحدادين، فإن عمل فانهدم كان عليه الضمان ولا أجر عليه، وإن سلم الأجر عليه قياساً، وعليه الأجر استحساناً.
والراعي إذا رعى في مكان لم يؤذن له بالرعي فيه، فعطب الغنم أو ما أشبه ذلك، صار الراعي ضامناً لما عطب ولا أجر له. وإن سلمت الغنم كان في وجوب الأجر له قياساً واستحساناً على ما مر.
وإذا استأجر ثوباً ليلبسه مدة معلومة بأجر معلوم، ليس له أن يلبس غيره فإن ألبس غيره في ذلك الوقت إن هلك ضمنه اللبس ولا أجر عليه، وإن سلم لا أجر عليه أيضاً.
وإذا استأجر دابة بعينها ليركبها إلى مكان معلوم بأجر معلوم، ليس له أن يركب غيره فإن حمل (58أ4) عليها غيره ضمن، ولا أجر عليه وإن ركب هو وحمل معه آخر، فسلمت فعليه الكراء كله وإن عطبت بعد بلوغها ذلك المكان من ذلك الركوب، فعليه الأجر كله، وهو ضامن لنصف قيمته.
وإذا استأجر دابة ليذهب في مكان كذا، فذهب بها في مكان آخر وسلمت الدابة، أو هلكت فلا أجر عليه.
والأصل في جنس هذه المسائل: أن استيفاء المعقود عليه يوجب الأجر على المستأجر، وعند استيفاء ما ليس بمعقود عليه، إنما يجب الأجر على المستأجر إذا تمكن المستأجر من استيفاء ما هو معقود عليه، أما إذا لم يتمكن فلا. ألا ترى أن من استأجر من آخر ثوباً ليلبسه، وغصب هذا المستأجر من هذا الأجر ثوباً آخر، ثم إن المستأجر لبس الثوب المغصوب دون الثوب المستأجر، فإن كان متمكناً، من لبس الثوب المستأجر بأن كان في بيته فإنه يجب الأجر على المستأجر في الثوب المستأجر وإن لم يكن متمكناً بأن غصب رجل الثوب المستأجر من المستأجر الأجر على المستأجر أصلاً؛ لهذا إن في الوجه الأول: استوفى ما ليس بمعقود عليه، وهو منافع الثوب المغصوب مع تمكنه من استيفاء ما هو معقود عليه.(8/336)
-----
وفي الوجه الثاني: استوفى ما ليس بمعقود عليه وزيادة، فإن سلم العين يسقط اعتبار الزيادة، فيجب الأجر ولا يجب الضمان، وإن هلك العين ليست استيفاء تلك الزيادة، إن صار المستأجر بسبب استيفاء الزيادة مستعملاً كل العين يجب ضمان كل العين، وإن صار مستعجلاً بعض العين يجب ضمان البعض، وهل يجب الأجر؟ ففيما إذا وجب ضمان كل العين لا يجب شيء من الأجر، فيما إذا وجب ضمان العين بقدر الزيادة يجب كل الأجر، ومتى كان المستوفى مع ما دخل تحت العقد جنساً واحداً من حيث الاسم، إلا أن بينهما تفاوت فإن كان تفاوتاً فاحشاً، التحقا بجنسين مختلفين، ولا يعتبر معقوداً عليه فباستيفائه لا يجب الأجر، وإن كان التفاوت يسيراً لا يلحقا بجنسين مختلفين، بل يعتبر الجنس واحداً، ويكون التفاوت راجعاً إلى الصفة، فإن لم يسلم يجب الضمان، ولا يجب الأجر وإن سلم يجب الأجر ولا يجب الضمان.
إذا ثبت هذا جئنا إلى مسألة البيت فنقول: المعقود عليه لما كان هو السكنى، فإذا سكن وعمل فيها عمل القصارين والحدادين، فقد استوفى زيادة شيء بسبب عمل القصارين والحدادين، فإن سلمت الدار سقط اعتبار الزيادة، وإن هلك الدار لا يجب الأجر ويجب كل الضمان؛ لأنه باستيفاء هذه الزيادة صار مستعملاً كل الدار، فيجب كل الضمان عند الهلاك، ولم يجب شيء من الأجر.
وأما مسألة الراعي قلنا: الراعي في هذا المكان والرعي في المكان الذي أذن بالرعي فيه واحد اسماً إلا أن بينهما تفاوتاً، وهذا التفاوت يسير في الرعي، ولهذا صحت الإجارة على الرعي، وإن لم يبين المكان، فيبقى الجنس واحداً فكان هذا اختلافاً في الصفة، فإن الرعي في بعض الأمكنة ربّما يكون أجود، فلهذا كان كما قلنا.(8/337)
-----
وأما مسألة الثوب قلنا: التفاوت بين اللبسين تفاوت فاحش، فالتحقا بجنسين مختلفين، وإن جمعهما الاسم، والداخل تحت العقد لبسه مكان لبس غيره، باعتبار هذا التفاوت غير داخل تحت العقد، فكان هذا استيفاء ما ليس بمعقود عليه، ولم يكن المستأجر متمكناً من استيفاء ما هو معقود عليه، وهو لبسه في المدة؛ لأن ذلك إنما يكون إذا لم يكن في يد غيره وكذلك الوجه فيما إذا استأجر دابة ليركب إلى مكان معلوم، فحمل عليها غيره وفيما إذا استأجر دابة ليركب إلى مكان معلوم، فأردف غيره إلى ذلك المكان، لم يسقط اعتبار الزيادة فيجب كل الأجر، وإن هلكت من الركوب بعد بلوغها إلى ذلك المكان لم يسقط اعتبار الزيادة، فيجب الضمان. ولكن إنما يضمن نصف قيمته؛ لأنه باستيفاء الزيادة صار مستعملاً بعض الدابة، وهو ما زاد على مقدار ركوب المستأجر، أما قدر ركوب المستأجر فهو داخل في الإجارة؛ لأن المعقود عليه هنا مقدر بالركوب لا بالمدة فصار قدر ركوبه من هذه الدابة مستأجراً والبعض غير مستأجر، فصار باستيفاء هذه الزيادة مستعملاً هذا القدر، فلهذا يجب عليه ضمان ذلك القدر، وجب كل الأجر.
وفيما إذا استأجر دابة ليذهب في مكان كذا، فذهب بها في مكان آخر فنقول: بين المكانين تفاوت فاحش في الركوب، فاعتبر الجنسين مختلفين، فلم يكن الركوب في مكان آخر معقوداً عليه، واستيفاء غير المعقود عليه لا يوجب الأجر أصلاً، إذا لم يمكن من استيفاء المعقود عليه في المكان الذي أضيف إليه العقد، وإذا ذهب بها في مكان آخر فما تمكن من استيفاء المعقود عليه في المكان الذي أضيف إليه العقد، وعلى هذا يخرج جنس هذه المسائل.
(8/338)
الفصل الثاني والثلاثون: يقرب إلى المسائل التي هي في معنى قفيز الطحان
-----
إذا دفع إلى آخر بقرة بالعلف؛ ليكون الحادث بينهما نصفان، فالحادث كله لصاحب البقرة وعليه أجر مثل عمل المدفوع إليه، وثمن العلف وهذا لأن المدفوع إليه غير متبرع فيما صنع؛ لأنه إنما فعل ذلك رجاء أن يسلم له نصف الحادث، ولا يسلم له نصف الحادث منها لفساد العقد ليكون البدل مجهولاً. قال: فلو مضى على ذلك زمان واتخذ المدفوع إليه بعض اللبن مصلاً، والعين قائم في يده، فما كان قائماً من اللبن فهو للمالك، وما اتخذه المدفوع إليه مصلاً فهو للمدفوع إليه وانقطع حق المالك عنه لتبدل الاسم والمعنى، وعلى المدفوع إليه لصاحب البقرة مثل ذلك اللبن لأن اللبن مثلي، وما ذكر من انقطاع حق المالك عن المصل مشكل؛ لأن الاسم والمعنى وإن تبدلا، ولكن يصنع ما دون فيه من جهة المالك، وعلى هذا: إذا دفع الدجاجة إلى رجل لتكون البيضات بينهما، فلو أن المدفوع إليه دفع البقرة أو الدجاجة إلى رجل آخر بالنصف، فهلك في يده، فالمدفوع إليه الأول ضامن؛ لأن العين أمانة في يده وليس للآجر أن يدفع الأمانة إلى غيره من غير ضرورة، فلو أن المدفوع إليه بعث البقرة إلى السرح، فلا ضمان لمكان العرف.
وفي بيوع الفتاوى: امرأة أعطت بذر العلق إلى امرأة بالنصف، فقامت عليه حتى أدرك فالعلق لصاحب البذر؛ لأنه حدث من بذره ولها على صاحب البذر قيمة الأوراق، وأجر مثلها. وفي إجارات الفتاوى: إذا دفعت بذر العلق إلى أختها وأخيها على أن العلق بينهم، فلما خرج الدود قالا: إن أكثرها قد هلك، فقال لهما: ادفعا إلي ثمن البذر وأنا منه بريء وهما كاذبان فقد خرج العلق كله، فالعلق كله لها، ولهما عليها قيمة ورق الفرصاد، إن كان له قيمة وأجر مثل عملهما في ذلك.(8/339)
-----
وفي مضاربة «فتاوى أبي الليث» رحمه الله إذا دفعت إلى امرأة دوداً لتقوم عليه بنفقتها على أن العلق بينهما نصفان، فهو بمنزلة المضاربة فكل العلق لصاحب الدود وعليها أجر مثل العاملة، وثمن الأوراق، ولو صب من آجر دود القزّ أو بيض الدجاجة، فأمسكها حتى خرج العلق أو الفرخ لمن يكون الفرخ والعلق؟ حكي عن شمس الأئمة الحلواني رحمه الله أنه قال: إن خرج بنفسه فهو لصاحبه.
والحيلة في جنس هذه المسائل: أن يبيع صاحب البيضة نصف البيضة، وصاحب الدجاجة والبقرة من المدفوع إليه، ويبرئه عن ثمن ما اشترى، فيكون بينهما.
رجل له غريم في مصر آخر، قال لرجل: اذهب وطالبه بالذي لي عليه، وهو كذا فإن قبضته فلك عشرة من ذلك، ففعل فله أجر المثل؛ لأن هذا في معنى قفيز الطحان، فلم يصح هذا العقد، وقد استوفى منافعه بحكم هذا العقد، فيجب أجر المثل.
الفصل الثالث والثلاثون: في الاستصناع
ذكرنا في كتاب البيوع كيفية الاستصناع وصفته، وما يجوز فيه وما لا يجوز، ولم نذكر ثمة المسائل فنذكرها ههنا، ومحمد رحمه الله أورد باب الاستصناع في البيوع و الإجارات، فنحن فعلنا هكذا أيضاً اتباعاً له.
والاستصناع (58ب4) أن تكون العين والعمل من الصانع، فأما إذا كان العين من المستصنع لا من الصانع يكون إجارة، ولا يكون استصناعاً.
قال محمد رحمه الله: وإذا سلم الرجل إلى حائك في ثوب من قطن ينسجه له، وسمى عرضه وطوله وجنسه ودقته، والغزل من الحائك حتى كان استصناعاً، فالقياس أن يجوز؛ لأنه استصناع في عمل معلوم، ببدل معلوم فيجوز، كما في الخفاف والأواني استحسن. وقال: لا يجوز؛ لأن جواز الاستصناع بخلاف القياس؛ لأنه بيع المعدوم، لتعامل الناس ولا تعامل في الثياب فيبقى على أصل القياس.
وإن ضرب لذلك أجلاً يصير سلماً، ذكر المسألة في كتاب الإجارات من غير ذكر خلاف.(8/340)
-----
وفي كتاب البيوع في شرح شيخ الإسلام: أن الاستصناع مما للناس فيه تعامل يصير سلماً، يضرب الأجل في قول أبي حنيفة، وعندهما لا يصير سلماً، وفيما لا تعامل للناس فيه نحو: الثياب يصير سلماً بضرب الأجل بالإجماع.
وفي «القدوري»: وإن ضرب للاستصناع أجلاً فهو بمنزلة السلم، يحتاج فيه إلى قبض البدل في المجلس ولا خيار لواحد منهما في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: ليس بسلم من غير فصل بينما، للناس فيه تعامل وبينما لا تعامل لهم فيه فذكر المسألة في كتاب الإجارات من غير خلاف.
يؤيد ما ذكره شيخ الإسلام في شرح كتاب البيوع: أن فيما لا تعامل فيه يصير الاستصناع سلماً بضرب الأجل بالإجماع.
قال محمد رحمه الله: وإذا دفع حديداً إلى حداد يصنعه أناءً، بأجر مسمى فجاء به الحداد على ما أمره به صاحب الحديد، ويجبر على القبول. ولو خالفه فيما أمره به، فإن خالفه من حيث الجنس بأن أمره بأن يصنع له قدوماً، فصنع له مراءً ضمن حديداً، مثل حديده، وإلا ناله ولا خيار لصاحب الحديد. فإن خالفه من حيث الوصف، بأن أمره أن يصنع له منه قدوماً يصلح للنجارة، فصنع له منه قدوماً يصلح لكسر الحطب، فصاحب الحديد بالخيار إن شاء ضمنه حديداً مثل حديده، وترك القدوم عليه، ولا أجر، وإن شاء أخذ القدوم وأعطاه الأجر، وكذلك الحكم في كل ما يسلمه إلى عامل ليصنع منه شيئاً مسماه، كالجلد يسلمه إلى الإسكاف ليصنعه خفين، أو ما أشبهه.
رجل سلم غزلاً إلى حائك لينسجه، وأمره أن يزيد في الغزل رطلاً من غزله، فهذا على أربعة أوجه:
الأول: أن يقول: أقرضني رطلاً من غزلك على أن أعطيك مثله، وأمره أن ينسج منه ثوباً على صفة معلومة بأجرة معلومة، وإنه جائز استحساناً، سواء كان الاستقراض مشروطاً في عقد الإجارة، أو لم يكن.(8/341)
-----
والقياس فيما إذا كان الاستقراض مشروطاً في عقد الإجارة أن لا تجوز الإجارة؛ لأن هذه إجارة شرط فيها مالا يقتضيه العقد، ولأحد المتعاقدين فيه منفعة، ولكن تركنا القياس للتعارف والتعامل. فإن العرف جار فيما بين الناس، أنهم يدفعون غزلاً، ويأمرون الحائك بنسج ثوب مقدر ولا يفي الغزل للثوب المأمور به ويشترطون قرض ما يتم به الثوب من عند الحائك، فهذا شرط متعامل فيما بين الناس من غير نكير، فيجوز ويترك القياس لأجله كما ترك القياس في الاستصناع للتعامل، وترك القياس فيما إذا اشترى نعلاً على أن يشركه البائع ويحدده كان الشراء جائزاً وإن شرط فيما اشترى أجراً، وأجازه لأنه شرط متعارف فيما بين الناس، فكذلك هذا.
وأما الوجه الثاني: إذا قال زدني رطلاً من غزلك على أن أعطيك مثل غزلك، وإنه جائز ويكون قرضاً. وإنما جعل قرضاً، أما إذا قال: على أن أعطيك مثل غزلك؛ لأنه وإن احتمل البيع يحتمل القرض، فكان حمله على القرض حتى لا يصير بائعاً ما ليس عنده أولى من حمله على البيع ويصير بائعاً ما ليس عنده، وإنه منهي عنه شرعاً. وأما إذا سكت إنما جعل قرضاً، وإن احتمل الهبة؛ لأنه كما يحتمل الهبة يحتمل القرض والقرض أقل التبرعين؛ لأنه لتمليك المنفعة دون العين على ما عرف، والهبة لتمليك العين والمنفعة جميعاً، فكان الأقل منتفياً، فكان الأقل أولى بالإثبات.
ثم إن لم يكن مشروطاً في عقد الإجارة جازت الإجارة قياساً واستحساناً.(8/342)
-----
وإن كان مشروطاً، فالمسألة على القياس والاستحسان الذي ذكرنا؛ لأن رفع الاختلاف بين رب الثوب وبين الحائك بعد ما فرغ الحائك من العمل، فقال رب الثوب: لم يزد فيه شيئاً، وقال الحائك: لا بل زدت، والثوب مستهلك، فإن باعه صاحبه قبل أن يعلم وزنه، فالقول قول ربّ الثوب مع يمينه، وعلى الحائك البيّنة. فإن نكل رب الثوب عن اليمين يثبت ما ادعاه الحائك، فيلزم رب الثوب ذلك. وإن حلفه برئ عما ادعاه الحائك، وإن كان الثوب قائماً سيأتي الكلام فيه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
الرابع: أن يقول: زد رطلاً من مالك على أن أعطيك ثمن الغزل، وأجر عملك كذا كذا درهماً. فالقياس: أن لا يجوز وفي الاستحسان يجوز ويجيء للقياس طرق ثلاثة إن كان شراء الغزل مشروطاً في الإجارة.
أحدها: أنه باع ما ليس عنده لا على وجه السلم، فيكون فاسداً.
والثاني: أنه شرط بيعاً في إجارة، وهذا يوجب فساد الإجارة، كما في إجارة الدار.
والثالث: أنه استصنع في حق الزيادة؛ لأن العمل والعين من الحائك، والاستصناع في الثياب لا يجوز كما لو استصنع في أصل الثوب، وإن لم يكن مشروطاً، فلا يجوز قياساً لعلتين أحداهما: وهو أنه باع ما ليس عنده وبيع ما ليس عند الإنسان لا يجوز إلا سلماً ولم يوجد. ولأنه استصنع في حق الزيادة والاستصناع في الثياب لا يجوز، إلا أنه في الاستحسان يجوز لتعامل الناس فإن الإنسان قد يدفع غزلاً إلى حائك ويأمره بنسج ثوب، ويعلم أنه لا يكفي الغزل المدفوع للثوب المأمور به فيشترط عليه زيادة غزل على سبيل الشراء، أو يدفع غزلاً وعنده أنه يفي هذا الغزل، فينتقص الغزل عن القدر المأمور به ولا يجد رب الثوب غزلاً مثله، فنقول للحائك: زد فيه غزلاً من عندك على أن أعطيك ثمنه، فإذا كان كلا الأمرين متعارفاً فيما بين الناس، ترك القياس فيهما وخص به الأثر وهو النهي الوارد عن بيع ما ليس عنده.(8/343)
-----
وإذا جاز هذا، فإن اختلفا بعد الفراغ من الثوب، فقال رب الثوب: لم يزد فيه شيئاً. وقال الحائك: زدت فيه ما أمرتني فهذا على وجهين أيضاً. فإن كان مستهلكاً ذكر أن القول قول رب الثوب مع يمينه على عمله؛ لأنهما تنازعا في شيء، ولم يمكن معرفة ما وقع التنازع فيه من جهة غيرهما، فتعتبر فيه الدعوى والإنكار. والحائك يدعي على صاحب الغزل زيادة ثمن الغزل، وزيادة الأجر. ورب الثوب ينكر، فيكون القول قوله مع يمينه على علمه؛ لأنه يحلف على فعل الغير، فيحلف على العلم، فإن نكل عن اليمين تثبت الزيادة، فكان عليه جميع ما سمي للحائك بعضه بإزاء العمل، وبعضه ثمن الغزل؛ لأن ما ادعاه الحائك ثبت بنكول رب الثوب، فكان كالثابت بإقراره. وإن حلف ولم تثبت الزيادة، ذكر محمد رحمه الله في «الكتاب»: أنه يطرح عنه ثمن الغزل، ويلزمه أجر الثوب؛ لأنه لم يثبت الزيادة من عند الحائك لما حلف رب الثوب، فلا يكون له ثمن الغزل، فيطرح عنه ما يخص الغزل.
ومعرفة ذلك: أن يقسم المسمى على أجر مثل عمله، فيما أمر به وذلك عمله في من ونصف قيمة الغزل المشروط على الحائك؛ لأنه قابل المسمّى بالغزل، وبالعمل في منّ، ونصف؛ لأن مناً من غزل أعطاه المستأجر، ونصف من اشترى منه، فيطرح عنه ثمنه وأصاب العمل هو آجر الثوب يلزمه، حتى أنه كان المسمى، مثلاً ثلاثة دراهم بإزاء الغزل وبإزاء العمل. وقيمة الغزل درهم مثل عمله فيما أمر به درهمان من المسمى، يطرح عنه درهم ثمن الغزل، ويقسم ما بقي من المسمى على أجر مثل عمله، فيما عمل، وفيما لم يعمل؛ لأنه جعل الأجر بإزاء عمله فيما دفع إليه من الغزل، وفيما أمره بالزيادة (59أ4) ولم يوف العمل فيما أمره بالزيادة، فلا بد أن يطرح عنه حصة ذلك من الأجر.
(8/344)
-----
وكيف تعرف حصة ما لم يعمل في الزيادة من الأجر مما عمل؟ اختلف فيه المشايخ. قال بعضهم: يعرف باعتبار الوزن، إن كان ما دفع إليه مناً من غزل، وما شرط عليه نصف من يقسم الباقي من المسمّى بعد ثمن الغزل وذلك درهمان عليهما أثلاثا ثلثاه بازاء ما عمل، وثلثه بازاء ما لم يعمل فيطرح عنه الثلث، ولا تعتبر السهولة والصعوبة في العمل بسبب صغر الثوب، وكبره كما في المراحل إذا ماتت الدابة المستأجرة في وسط الطريق، فإنه يطرح بعض الأجر، ويبقى البعض، ثم يتعرف قدر الساقط من القائم باعتبار قدر المراحل لا عبرة فيهما للسهولة والصعوبة فكذلك هذا.
فقال بعضهم: بأنه يتعرف قدر الساقط من القائم باعتبار السهولة والصّعوبة في العمل بسبب صغر الثوب وكبره، وهذا لأن العمل قد يسهل على الحائك بطول الثوب، ويصعب بقصره، فإنه متى قصر يحتاج إلى الوصل، وإلى عمل الدقيق مراراً، ومتى طال يحتاج إلى ذلك مرة واحدة وهذا التفاوت معتبر فيما بين العمل من هذه الصناعة في زيادة الأجر بسبب صغر الثوب، ونقصانها بسبب الكبر، فلا بد من اعتبارها. وإذا وجب اعتبارهما يجب أن يقيم الباقي من المسمى، وذلك درهمان على أجر مثل عمله في من، وأجر مثل عمله في منّ ونصف درهمان ونصف، وفي منّ درهمان يكون بازاء الزيادة نصف درهم، فيطرح عنه من درهمين نصف درهم حصة ما لم يعمل، بخلاف المراحل؛ لأن الصعوبة والسهولة في المراحل ساقط الاعتبار، فيما بين أهلها إذا اشتملت على المراحل السهل والصعب، فلهذا وجب قدر المراحل في قسمة الأجر بخلاف ما نحن فيه؛ لأن التفاوت في القصر والكبر معتبرة في التفاوت في الأجرة، فلا بد من اعتبارها اللهم إلا أن يكون التفاوت بين القصير والطويل بذرع أو بذرعين حتى لا يكون لهذا التفاوت عبرة في زيادة الأجر ونقصانه.
(8/345)
-----
ولم يذكر محمد رحمه الله أن صاحب الثوب يخير وإنما لم يذكر الخيار. وإن خالفه الحائك في صفة ما أمر به، لأنه متى نسج الثوب من منّ ونصف، يكون أطول مما إذا نسجه من منّ واحد، والطول في الثياب صفة مرغوبة كالصفاء والرقة، لأن الطويل يصلح لنوع لا يصلح له القصير، إلا أن التخير غير ممكن بعد هلاك الثوب؛ لأنه لا يمكنه ترك الثوب عليه حتى يضمنه غزلاً مثل غزله، فتعين وجوب الأجر، ثم ماذا يجب أجر المثل، أو المسمى؟ فعلى قول بعضهم: أجر المثل لا يجاوز حصته من المسمى، وعلى قول بعضهم: إن رضي بالعيب فعليه المسمى بحساب ذلك، وإن لم يرض بالعيب فعليه أجر مثل العمل لا يجاوز حصته من المسمى، كما قلنا فيما تقدم من المسائل. ومحمد رحمه الله ذكر الأجر في هذه المسألة مطلقاً ولم يقل المسمّى يخرجها على حسب ما ذكرنا في المسألة الأولى، فأما إذا كان قائماً: إن كان لا يعرف مقدار ما دفع إليه صاحب الغزل، فالجواب فيه كالجواب فيما إذا كان هالكاً من أوله إلى آخره؛ لأنه تعذر معرفة ما وقع التنازع فيه من حيث الوزن، وإن كان الثوب قائماً فكان الجواب فيه كالجواب فيما إذا كان الثوب مستهلكاً، فأما إذا كان الثوب قائماً وقد عرف مقدار ما دفع إليه من الغزل، بأن تصادقا على أن ما دفع إليه منّ إذا كان الثوب قائماً، فإنه يوزن الثوب؛ لأن معرفة ما وقع التنازع فيه ممكن من حيث العنان بالوزن؛ لأن ما وقع إليه إذا كان معروفاً يعرف الزيادة من حيث الوزن، فلا يلتفت إلى قول واحد منهما، بل يوزن الثوب فإن وزن فإذا هو من واحد لم تثبت الزيادة بيقين، فيكون القول قول صاحب الثوب من غير يمين وإن كان منوينّ فالقول قول الحائك، إن لم يدع رب الثوب إن الزيادة من الدقيق؛ لأن الزيادة تثبت بتصديق صاحب الثوب. وإن أدعى أن الزيادة من الدقيق، فلم يرى أهل البصر من تلك الصناعة، فإن قالوا: قد يزيد الدقيق مثل هذا، فالقول قول صاحب الثوب مع يمينه؛ لأن الظاهر صار(8/346)
شاهداً لرب(8/347)
-----
المال، لما قال أهل تلك الصناعة. أن الدقيق يزيد هذا القدر، إلا أنه يجعل القول قوله مع اليمين؛ لأن الزيادة لم تثبت بيقين أنه من الدقيق. وإنما يثبت بنوع من الظاهر وإن قالوا: الدقيق لا يزيد هذا القدر صار الظاهر شاهداً للحائك، فيكون القول قوله لكن مع اليمين، لأنه لم تثبت بيقين الزيادة بسبب الغزل، وإنما تثبت بنوع من الظاهر، فجعل القول قوله مع اليمين.
قال: ولو أن رجلاً دفع سمسماً إلى رجل فقال أقشره وزنه ببنفسج واعصره على أن أعطيك أجرك درهماً، كان هذا فاسداً؛ لأنه أستأجره لعمل مجهول، لأنه أستأجره لتربية السمسم بالبنفسج، وقدر ما يربي بالسمسم من البنفسج مجهول قد يقل وقد يكثر، فيكون العمل مجهولاً، وجهالة العمل يوجب الفساد إلا أن يكون قدر ما يربى به مثل هذا السمسم من البنفسج معرفاً، فيما بين الناس فحينئذ يكون جائزاً، لأن المعروف كالمشروط كما في نقد البلد، فيكون العمل معلوماً وقد أستأجره لما يصلح أجراً فرق بين هذا وبينما إذا دفع ثوباً إلى صباغ ليصبغه بعصفره كانت الإجارة جائزة، وإن لم يتبين قدر العصفر، وهنا قال: لا تجوز الإجارة إذا لم يبين قدر البنفسج، ووجه الفرق بينهما من وجهين:
الأول: وهو قدر ما يصنع به مثل هذا الثوب من الصبغ معروف فيما بين الصباغين، بحيث لو زادوا على ذلك المقدار فسد الثوب، والمعروف كالمشروط. ولو كان قدر العصفر مشروطاً جازت الإجارة؛ لأن العمل معلوم، وهنا ليس لمثل هذا السمسم مقدار معروف من البنفسج بين أهل الصنعة، بحيث لا يزاد عليه، فإنه كلما ازداد البنفسج يزداد السمسم حراً، حتى لو كان معروفاً فيما بين التجار بحيث لا يزاد عليه جاز أيضاً لأن المعروف كالمشروط.(8/348)
-----
والثاني: أن المعروف والمتعامل فيما بين الصباغين أنهم يجمعون الثياب من الناس، ويصبغون الكل بدفعة واحدة في وعاء واحد، ولا يفردون ثوب كل واحد من الناس بالصبغ على حدة، فلو شرطنا لجواز هذا العقد بيان مقدار العصفر ولأنهما للصباغ الإمساك بذلك، إلا بعد أن يفرد كل ثوب بالصبغ على حدة ضاق الأمر عليهم، وما ضاق على الناس اتسع. حكمة هذا التعامل معدوم في تربية السمسم، لأنهم يفردون سمسم كل رجل على حدة في التربية، ولا يخلطون سمسم هذا بسمسم الآخر، ومتى خلطوا ضمنوا؛ لأنه يتهيأ لهم التمييز، فلو شرطنا بيان مقدار البنفسج لكل سمسم لا يؤدي إلى أن يضيق الأمر عليهم، فأخذنا في البنفسج بالقياس.
قال: وإذا دفع الرجل جلداً إلى الإسكاف، وأستأجره بأجر مسمى على أن يحرم به خفين وسمى له المقدار، والصفة على أن نعلة الإسكاف وسطية من عنده، ووصف له البطانة والنعل، فهو جائز استحساناً. والقياس أن لا يجوز.
ووجه القياس في ذلك أن هذا إجارة شرط فيها شراء، فتفسد. كما لو أستأجر داراً، وشرط فيها شراء، ولأنه صار مشترياً ما ليس عنده لا على وجه السلم، وشراء ما ليس عند الإنسان لا يجوز إلا سلماً، وكان بمنزلة ما لو دفع ثوباً إلى خياط ليخيط له جبّة على أن يحشو وسطه من عنده بأجر مسمّى، فإنه لا يجوز لما ذكرنا، فكذلك هذا.
ذكر محمد مسألة الجبة في الأصل على هذا الوجه، إلا أنه ترك هذا القياس في باب الخفّ للتعامل، ولا تعامل في فصل الخياط، فيرد فصل الخياط إلى ما يقتضيه القياس.
وفي «المنتقى»: إبراهيم عن محمد: رجل دفع إلى خياط ظهارة، وقال: بطنها لي من عندك فهو جائز، وقاسه على ما إذا اشترى خفاً، وقال للبائع: انعله بنعل من عندك، فصار في المسألة روايتان.(8/349)
-----
ولو دفع إليه بطانة. وقال: ظهرها لي من عندك فهو فاسد باتفاق الروايات، ثم إن محمداً رحمه الله جوز هذا التصّرف، وإن لم ير صاحب الجلد النعل والبطانة وصرفه إلى نعل وبطانة يليق بتلك الخف، وكذا إذا أمر الرجل إسكافاً أن يحرر على خفيه ومكعبيه أربع قطع من هرم بكذا، ولم ير الرجل القطع فهو جائز استحساناً (59ب4) وكذا ترقيع الخرق في الخفاف يجوز من غير أن يرى الإسكاف الرقاع.
وفي نوادر ابن سماعة: شرط الإراءة في النعل. وهكذا ذكر في القطع الأربع، وهكذا في ترقيع الخرق، فإذا في الخف نعل وفي النعل يخصف روايتان، وإذا جازت هذه الإجارة استحساناً، فإذا عمل الإسكاف وأتى به إن كان عمله متعارفاً صالحاً لا فساد فيه أجبر صاحب الجلد على القبول، ولم يكن له خيار، فقد اعتبر المقارنة للزوم لا حقيقة الموافقة من كل وجه، بين المسمّى في الذمة، وبين ما عين الأجير غير ممكن؛ لأنه لا بد من أدنى تفاوت يقع بين الموصوف في الذمة وبين العين، فسقط اعتبار الموافقة من كل وجه للزوم، وقامت المقارنة مقام الموافقة من كل وجه كما في السلم، لا يشترط الموافقة بين المسمّى في الذمة وبين العين للزوم، وإنما يشترط المقارنة؛ لأن الموافقة من كل وجه غير ممكن، فكذلك هذا وليس لصاحب الجلد خيار الرؤية لا في حق العمل ولا في حق النعل في حق العمل لا إشكال؛ لأن العمل كان واجباً في ذمة الأجير، وما ثبت في الذمة لا يثبت فيه خيار الرؤية، كما في السلم، ولا يثبت في حق النعل، وإن صار مشترياً للنعل لا على وجه السلم لوجهين:
أحدهما: أن شراء النعل إنما جاز تبعاً للإجارة، فإنه مشروط في الإجارة، فيكون تبعاً له وحكم البيع لا يفارق حكم البيوع، فإذا لم يثبت في الإجارة خيار الرؤية لما ذكرنا، لم يثبت فيما صار تبعاً للإجارة.(8/350)
-----
والثاني: أن العمل بخيار الرؤية غير ممكن؛ لأن العمل بخيار الرؤية أن يرد ما اشترى إلا بزيادة ضرر يلحق أحدهما فإنه متى رد النعل وحده يحتاج فيه إلى نقص الصفة، وإذا رد مع الخف يضمن الإسكاف قيمة الخف، وكل ذلك ضرر بالإسكاف هذا إذا عمل عملاً مقاوماً صالحاً، فأمّا إذا فسد بأن خالف في صفة ما أمر به ذكر أن صاحب الجلد بالخيار إن شاء ترك الخف عليه وضمنه قيمة جلده، وإن شاء أخذ الخف وأعطاه الأجر. وإنما يجبر لما ذكرنا أن العامل موافق من وجه مخالف من وجه فإن شاء مال إلى الخلاف وضمنه وإن شاء مال إلى الوفاق، وأخذ الخف، فإن ترك الخف عليه وضمنه فلا أجر عليه؛ لأن العمل حصل للعامل متى ترك الخف عليه، فلا يكون عليه أجر. وإن مال إلى الوفاق وأخذ الخف، فإنه يعطيه أجر مثل عمله في حرز الخف أجر مثل عمله؛ لأن الثابت في حرز الخف إجارة محضة، وفي الإجارة المحضة متى تعذر إيجاب المسمّى يجب أجر المثل، ولا يجب ما زاد العمل فيه. وفي النعل عمل وعين حال اتصل بملك صاحب الخف، وفي هذا يجب قيمة ما زاد كما في الصبغ، إذا حصل بحكم الغصب، واختار المالك أخذ الثوب، فإن صاحب الثوب يضمن قيمة ما زاد الصبغ فيه، فلهذا اعتبر أجر مثل عمله في حزر الخف وفي حق النعل اعتبر قيمة ما زاد ومعرفة ما زاد النعل فيه أن ينظر إلى قيمة الخف محرراً غير منعل، ومبطن وإلى قيمته مبطناً منعلاً. فإن كان قيمته غير منعل ولا مبطن عشرة، وقيمته منعلاً اثنا عشر، علم أن قيمة ما زاد فيه درهمان، فيكون درهمان قدر ما زاد النعل فيه، ثم ينظر أجر مثل عمله في حزر الخف غير منعل ومبطن، فإن كان ثلثه مثلاً يضم إلى قيمة الخف ما زاد، فيصير خمسة، ثم يقابل بالمسمى فإن كان خمسة مثل المسمى أو أقل من المسمّى، فللإسكاف ذلك. وإن كان المسمى أقل من خمسة بأن كان المسمى أربعة، فإنه يعطي له أربعة؛ لأنه أبرأه عن الزيادة على أربعة لما رضي بأربعة.
(8/351)
-----
وإذا اعتبر قيمة ما زاد النعل والبطانة فيه لا يعتبر أجر مثل عمله في حزر النعل؛ لأن أجر عمله في حزر النعل قد اعتبر لما اعتبرنا قيمة ما زاد النعل فيه؛ لأن قيمة ما زاد النعل أن يعتبر الخف منعلاً ومبطناً وغير منعل وإنما صار منعلاً بالعمل والنعل، فيكون قدر ما زاد النعل قيمة العمل والنعل، فمتى أوجبنا أجر مثل عمله في حزر النعل لا ينتقص أجر مثل عمله مرتين.
وفرق بين هذه المسألة وبينما إذا دفع خفاً محرزاً إلى إسكاف لينعله بنعل من عنده بأجر معلوم، حتى جازت الإجارة استحساناً؛ للتعامل فنعله بنعل لا ينعل به الخفاف، حتى أفسد الخف بذلك ثبت لصاحب الخف الخيار، كما في هذه المسألة. واختار الأخذ فإنه يعطيه أجر مثل عمل وقيمة ما اتصل به من النعل من ابلا غير محرز لا يجاوز بهما ما سمي، وهنا أوجب مع أجر المثل قيمة ما زاد العمل فيه، ولم يوجب عليه قيمة النعل. والبطانة من ابلا غير محرز، والمتصل بخف الإسكاف في الموضعين عين مال وعمل، ثم أخذ في الموضعين أوجب قيمة ما زاد النعل فيه. وفي الموضع الآخر أوجب قيمة النعل من ابلا غير محرز من مشايخنا قال: لا فرق بين المسألتين ما ذكر في تلك المسألة يكون ذكراً في هذه المسألة: أن صاحب الخف إذا أراد أن يعطيه أجر مثل عمله في حزر الخف والنعل والبطانة، ثم قيمة النعل والبطانة من ايلا فله ذلك كما في تلك المسألة وذلك لأن للصباغ في الخف في المسألتين سيان، عين مال وعمل، فإن شاء صاحب الخف أعطاه أجر مثل عمله في الخف، وقيمة العين من ابلا غير محزر. وإن شاء أعطاه مع أجر مثل عمله في الخف ما زاد العمل فيه في الموضعين جميعاً. ومنهم من فرق، وقال في مسألتنا: أمكن إيجاب قيمة ما زاد النعل والبطانة فيه، لأن النعل والبطانة أوجب زيادة في الخف وفي تلك المسألة لم يكن إيجاب قيمة ما زاد النعل فيه؛ لأن نعل الخف بما لا ينعل به الخفاف يوجب فساداً في الخف، ولا يوجب زيادة في الخف وإذا تعذر(8/352)
إيجاب ما(8/353)
-----
زاد العمل فيه، أوجب قيمة النعل من ابلا غير محزر، قياس هذه المسألة من تلك المسألة: أن لو شرط عليه نعلاً جيداً، فحرز بنعل غير جيد، ولكن ينعل بمثله الخفاف، وهناك صاحب الخف إذا اختار الأخذ يعطيه أجر مثل عمله، وقيمة ما زاد فيه لا يجاوز به ما سمي، كما في هذه المسألة ثم قال محمّد في المسألتين جميعاً: لا يجاوز به ما سمّي. فمن مشايخنا من قال: أراد بقوله: لا يجاوز به ما سمى فيما يخص العمل، فأما ما يخص العمل فإنه يجب بالغاً ما بلغ وذلّك؛ لأن ما يخص العمل إجارة، وفي الإجارة متى وجب قيمة العين، فإنه يجب بالغاً ما بلغ. كما في الشراء الفاسد. ومنهم من قال: بأنه لا يجاوز به ما سمي في حق النعل والعمل جميعاً وإنما كان كذلك وذلك لأن ما يخص النعل إن كان بدل عين من حيث الصورة والحقيقة، فهو بدل منفعة حكماً؛ لأن العين إنما تملك تبعاً للإجارة، والمملوك بالإجارة منفعة فكذا ما ملك تبعاً للإجارة، ولهذا لم يثبت فيه خيار الرؤية، وجاز وإن لم يكن عنده تبعاً للإجارة، وفرق محمد بين هذه المسألة وبين مسألة الصبغ، فإنه قال: إذا دفع الثوب إلى صباغ ليصبغه بعصفر من عنده، فصبغه بما سمي إلا أنه خالف في صفة ما أمر به بأن اتسع، أو قصر في الإشباع حتى تعيب الثوب، قال: صاحب الثوب بالخيار إن شاء ترك الثوب عليه وضمنه قيمته أبيض، ولو شاء أخذ الثوب وأعطاه أجر مثل عمله لا يجاوز به ما سمي، ولم يقل يعطيه قيمة ما زاد الصبغ، كما قال في مسألة الخف يعطيه قيمة ما زاد النعل فيه، والعمل في الموضعين حصل بحكم العقد، والصانع في الموضعين جميعاً موافق من وجه مخالف من وجه في أصل العمل موافق، وفي وصفه مخالف.
(8/354)
-----
ثم قال: في الصبغ يعطيه أجر مثل عمله، ولم يوجب قيمة ما زاد الصبغ فيه، وفي النعل أوجب قيمة ما زاد النعل فيه مع أجر مثل عمله، ووجه الفرق بينهما: أنا متى أوجبنا في مسألة الصبغ قيمة ما زاد الصبغ فيه لسوينا، فيه بين حالة الغصب وبين حالة العقد؛ لأن الواجب بحكم الغصب * وهو مخالف من كل وجه في الصبغ * قيمة ما زاد الصبغ فيه فلو أوجبنا ههنا قيمة ما زاد الصبغ فيه أيضاً، والصبغ في مسألتنا حصل بحكم العقد من وجه لسوينا بين حالة الغصب، وبين حالة العقد، وألغينا اعتبار العقد وعمل الصانع أسند إلى عقد قائم بينهما؛ لأنّ. (60أ4) الصانع لم يخالف من كل وجه، وإنما خالف من وجه في اللون، فأما في أصل الصبغ موافق، فيكون مخالفاً من وجه موافقاً من وجه، فيجب أن لا يحكم عليه بالخلاف العام، ولا يحصل كأنه صبغ بغير عقد، فأوجب أجر المثل في مسألة الصبغ حتى لا يلغو اعتبار العقد والتسمية، فيكون في إيجاب أجر مثل عمله قيمة العمل، وقيمة الصبغ؛ لأن أجر مثل عمله أن ينظر أنه بكم يستأجر لهذا والصبغ من عنده بخلاف مسألة النعل، لأنا وإن أوجبنا قيمة ما زاد النعل فيه، ولم يوجب أجر مثل عمله في حرز النعل لا يقع التسوية بين حالة الغصب وحالة، العقد حتى يلغو اعتبار العقد؛ لأن الواجب حالة الغصب في مسألة النعل قيمة النعل مزايلاً لا قيمة ما زاد النعل فيه كمن غصب ساحة وأدخلها في بناية، يضمن قيمة ساحته مزايلاً لا قيمة ما زاد الساحة في بنائة، فكذلك ههنا.q
فإن قيل: إن كان إيجاب أجر المثل في مسألة الصبغ لتقع التفرقة بين حالة العقد، وحالة الغصب حتى لا يلغو اعتبار العقد، ولا يصير الصباغ كالعامل بغير عقد وأجر أصلاً، كان يجب أن يوجب أجر عمله في الصبغ من غير أن يكون الصبغ من عنده، وقيمة الصبغ مزايلاً كما اعتبره في مسألة النعل: إذا أنعله بما لا ينعل به الخفاف، فالمفارقة تقع بهذا الطريق بين حالة الغصب، وحالة العقد.(8/355)
-----
والجواب عنه: أن المفارقة بين الغصب والعقد تقع بهذا الطريق، إلا أنه غير ممكن اعتبار هذا الوجه في مسألة الصبغ لأنا لو أوجبنا قيمة العمل على حدة، وقيمة الصبغ مزايلاً احتجنا إلى تقويم الصبغ مزايلاً حال ما يتصل بالثوب، ولا يمكن تقويمه في ذلك الوقت، لأنه مخلوط بالماء حال ما يتصل بالثوب، فلا يمكن تقويمه؛ لأن قيمة الصبغ تتفاوت بتفاوت الماء ولا يعرف قدر الماء، فقد تعذر اعتبار هذا الوجه للتفرقة بين حالة العقد، وبين حالة الغصب، فلم يبق للتفرقة وجه إيجاب أجر المثل في مسألة الصبغ، بخلاف مسألة النعل؛ لأن تقويمه مزايلاً ممكن حال ما يتصل بالخف، فمتى أوجبنا أجر عمله على حدة أمكننا إيجاب قيمة النعل مزايلاً فبالوجهين جميعاً تقع التفرقة بين حالة الغصب والعقد في مسألة النعل، فذكر الوجهين جميعاً ثمة، ولم يذكر في الصبغ إلا وجهاً واحداً، وهو إيجاب أجر المثل؛ لأن التفرقة بين حالة الغصب وحالة العقد لا تقع إلا به.
ثم أوجب محمد رحمه الله أجر مثل عمله متى اختار أخذ الخف، ولم يوجب المسمى، وهذا على قول من يقول بإيجاب المسمى في مثل هذه المسائل متى رضي بالعيب واختار أخذ الخف محمول على ما إذا اختار أخذ الخف ولم يرض بالعيب. وفي مثل هذه الحالة يجب أجر المثل على قول هذا القائل، وعلى قول من قال بإيجاب أجر المثل على كل حال متى خالف لا يحتاج إلى هذا التأويل.(8/356)
-----
ولو أن رجلاً دفع خفه إلى رجل لينعله من عنده بأجر مسمى فأنعله بنعل تنعل بمثله الخفاف، فهو جائز عليه، وإن لم يكن جيداً ولا خيار له؛ لأنه وافق شرطه من حيث العرف، ولو وافق شرطه من حيث الشرط، بأن سماه نعلاً موصوفاً، فأتى بذلك لم يكن له خيار، فكذا إذا وافق شرطه من حيث العرف فقد وافق شرطه عرفاً لما نعله بنعل تنعل به الخفاف في العرف والعادة، وإن شرط الجودة وأتى بما يطلق عليه اسم الجيد أجبر على القبول، ولا خيار له؛ لأن مطلق اسم الجيد ينصرف إلى ما ينطلق عليه اسم الجيد، لا إلى المتناهي في الجودة الذي لا يعدل في العرف والعادة، كما في السلم.
وإن لم يكن جيد يجبر لأنه خالف شروطه من حيث الشرط، ولو خالف مشروطه من حيث العرف يجبر على ما بينا، فإذا خالف مشروطه من حيث الشرط أولى أن يجبر.(8/357)
قال: ولو اختلفا في قدر الأجر، بأن قال الإسكاف: شرط لي درهماً، وقال رب الخفّ: شرطت لك دانقين، وقد حرره على وصفه له، ولم يختلفا في ذلك وأقاما جميعاً البينة فالبينة بينة العامل؛ لأنه يثبت ببينته زيادة أجر، فكان أولى بالقبول. كما في البائع والمشتري إذا أقاما جميعاً البينة. ولم يذكر الجواب فيما إذا لم تقم لهما بينة. ويجب أن يحكم في ذلك قيمة النعل بخفه موجب معلوم مزايلاً، ويجعل القول قول من شهد له قيمة النعل كما في الصبغ؛ لأن لاتصال النعل بخفه موجب معلوم، لو جعل بغير عقد وهو قيمته مزايلاً لا يقع البراءة عنه إلا بالتسمية، فيجعل ذلك موجب العقد حالة الاختلاف في التسمية، كما في مسألة الصبغ. وكما في النكاح على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله إذا اختلفا في مقدار المسمى، فإن كانت قيمة النعل درهماً كما يدعيه الإسكاف، فالقول قوله مع اليمين لأن قيمة النعل تجعل موجب العقد حال اختلافهما في مقدار البدل، كأنهما اتفقا على أن العقد عقد به إلا أن ربّ الخف ادعى أنه حط عنه أربعة دوانق، وأنكر الإسكاف فيكون القول قول الإسكاف مع يمينه.(8/358)
-----
ولو كانت قيمة النعل يشهد لصاحب الخف بأن كان دانقين، كما يدعيه صاحب الخف جعل القول قوله مع يمينه؛ لأن قيمة النعل يجعل موجب العقد حال اختلافهما في مقدار البدل، كأنهما اتفقا أن العقد عقد به، إلا أن الإسكاف ادعى أنه زاد أربعة دوانق، ولما حلف صاحب الخف لم تثبت الزيادة، فيقضى له بدانقين ولا يتحالفان. وإن كان المبيع قائماً عندهم جميعاً لأنهما لم يختلفا في موجب العقد، إنما اختلفا فيما يغير موجب العقد، إما إلى زيادة أو إلى نقصان. والاختلاف متى وقع فيما يغير موجب العقد بعدما ثبت الموجب، فإنه لا يجب التحالف إذا لم توجد الدعوى، والإنكار من الجانبين. كما في بيع العين إذا تصادقا أن الثمن كان ألفاً، إلا أن البائع ادعى زيادة خمس مئة على الألف، وأنكر المشتري، أو ادعى المشتري براءة خمس مئة. وأنكر البائع لا يجب التحالف عندهم جميعاً، فكذلك هذا.
وإن كانت قيمة النعل لا تشهد لأحدهما بأن كان نصف درهم، فإنه يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه، كما ذكر في فصل الصبغ في بعض روايات هذا الكتاب. وذلك لما ذكرنا أن قيمة النعل تجعل موجب العقد حال اختلافهما في مقدار البدل، كأنهما اتفقا أن العقد عقد به إلا أنهما اختلفا فيما يغير موجب العقد.(8/359)
-----
ادعى الإسكاف أن رب الخف زاده على هذا الموجب نصف درهم، وانكر رب الخف وادعى صاحب الخف براءة دانق، وأنكر الإسكاف ذلك، فجعل كل واحد مدعياً ومدعى عليه، فيحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه، بخلاف ما إذا كانت قيمة النعل تشهد لأحدهما؛ لأنّ من يشهد له قيمة النعل لا يدعي نغيراً إنما يدعي الذي لا يشّهد له موجب العقد، إما إبراء أو زيادة، وإذا لم تتحقق الدعوى والإنكار من الجانبين لم يجب التحالف، هذا إذا اختلفا في مقدار الأجر، فأما إذا اختلفا في أصل الأجر، قال صاحب الخف: عملته لي بغير أجر. وقال الإسكاف: لا بل عملت لك بأجر ذكر أنه يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه؛ لأن كل واحد منهما حصل مدعياً ومدعى عليه، أما صاحب الخف فلأنه مدعي على الإسكاف هبة العمل والنعل والإسكاف أنكر ذلك. والإسكاف يدعي بيع العمل والنعل وصاحب الخف أنكر ذلك فكل واحد منهما ادعى عقداً أنكره صاحبه، فيجب التحالف. وإن كان الفسخ متعذراً كما في بيع العين إذا اختلفا في نوع العقد لا في مقداره، ادعى أحدهما الهبة والآخر البيع والمال هالك، يجب التحالف لأن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه، فكذلك هذا فإن حلفا ولم يثبت واحد من الأمرين، ذكر أن صاحب الخف يغرم قيمة ما زاد النعل فيه، وكان يجب أن يضمن قيمة نعله مزايلاً؛ لأنهما لما تحالفا لم يثبت واحد من الأمرين، فيبقى عاملاً بغير عقد، وإلا يقال: متى حصل بغير عقد واختار المالك أخذ الخف فإنه يضمن قيمة النعل مزايلاً إلا أن الجواب أن الأمر كما قلت لم يثبت واحد من الأمرين إلا أن الإذن لم ينتف، لأنهما مع اختلافهما في كيفية العقد أنه كان هبة أو بيعاً انتفاء على الإذن. وإذا كان الإنعال (60ب4) حاصلاً بإذن يعذر القول بأنه يعطيه قيمة النعل مزايلاً؛ لأن هذا حكم الغاصب، وهذا كان مأذوناً في العمل، ولم يكن غاصباً، فأوجب قيمة ما زاد النعل فيه، وهو من حيث الحكم قيمته مزايلاً، ولا يكون شيء منه بدل العمل(8/360)
ألا(8/361)
-----
ترى في مسألة الصبغ أوجب قيمة ما زاد الصبغ فيه إذا كان غاصباً، وأنه قيمة الصبغ لا غير؛ لأنه لا قيمة للعمل بغير عقد ولكن لما تعذر إيجاب قيمة الصبغ مزايلاً حال ما يتصل بالثوب، أوجب قيمة ما زاد الصبغ فيه، وجعله قيمة الصبغ لا قيمة العمل، فكذلك ههنا أوجب قيمة ما زاد النعل فيه، وهو قيمة النعل لا قيمة العمل ضرورة أن لا يصير المأذون في العمل غاصباً، ولم يخير صاحب الخف ههنا مثل ما كان يخير فيما مضى لأن فيما مضى كان العامل مخالفاً من وجه موافقاً من وجه، وكان له أن يميل إلى الخلاف وإلى الوفاق، وههنا موافق من كل وجه، إلا أن الخلاف وقع أنه بأجر أو بغير أجر، وإذا لم يكن مخالفاً لم يخير، ولكن قال: يأخذ الخف ويعطيه قيمة النعل، وكان الجواب فيه كالجواب في الثوب، إذا هبت به الريح وألقته في صبغ إنسان، والصبغ لا يكون لصاحب الثوب تضمين الثوب، بل يأخذ الثوب ويعطيه قيمة ما زاد الصبغ فيه، فكذلك هذا.
قال: ولو عمل الخف كله من عند حتى كان استصناعاً، ثم اختلفا قبل القبض في مقدار الأجر كان القول قول الإسكاف، وكان يجب أن يتحالفا؛ لأن الاستصناع يصير بيعاً في الانتهاء وفي بيع العين إذا اختلفا في مقدار الثمن قبل القبض يتحالفان قياساً، إلا أنه قال: لا يتحالفا،ن ويكون القول قول الإسكاف؛ لأن يمينه يفيد، لأن المستصبغ يدعي على الإسكاف ما لو أقر الإسكاف به لزمه، فإذا أنكر يستحلف فأما يمين المستصبغ لا يفيد؛ لأنه لو نكل لا يلزمه شيء، كما لو أقر به.(8/362)
-----
قال: وإذا اختلف الصباغ ورب الثوب فقال رب الثوب: أمرتك بأن تصبغه بعصفر، وقال الصّباغ: أمرتني بأن أصبغه بزعفران. قال: القول قول رب الثوب مع يمينه. وهذا قول علمائنا. وقال ابن أبي ليلى: القول قول الصباغ مع يمينه. والخلاف في هذه المسألة، نظير الخلاف فيما إذا قال: أكلت مالك بإذنك، أو هدمت دارك بأذنك، وأنكر صاحب المال الإذن، فعلى قول علمائنا رحمهم الله: القول قول صاحب المال مع يمينه، ويضمن المقر. وعلى قول ابن أبي ليلى القول قول المقر مع اليمين، ولا ضمان عليه. وذهب في ذلك أن المقر ينكر سبب الضمان، وصاحب المال يدعي عليه، فيكون القول قول المنكر. كما لو أنكر الأكل أصلاً، وإنما قلنا: إنه ينكر سبب الضمان؛ لأنه أقر بأكل موصوف بالإذن، وصبغ وخياطة موصوف بالإذن وهذا غير موجب للضمان، فكان منكراً للضمان من الأصل، كما لو قال: أقررت لك بألف درهم وأنا صبي أو مجنون، وقال المقر له: لا بل أقررت، وأنت بالع أو صفيق. وعلماؤنا: ذهبوا إلى أنه أقر بالسبب الموجب للضمان، وادعى ما يبرئه وأنكر صاحب المال البراءة، فيكون القول قوله كما لو أقر بالدين وادعى القضاء والإبراء وأنكر صاحب الدين، وإنما قلنا: أقر بالسبب الموجب للضمان، وذلك لأنه أقر بالأكل وبالصبغ في ثوب الغير، وهذا سبب الضمان في الصبغ متى اختار المالك ترك الثوب على الصباغ، وادعى الإذن إلا أن الإذن لم يثبت بمجرد دعواه، لما أنكر صاحب المال؛ لأنه دعوي عليه وإذا لم يثبت الإذن بقي مقراً بأكل مطلق بغير إذن، وإنه سبب ضمان. بخلاف ما لو أضاف الإقرار إلى حال الصبي؛ لأن الخلاف ثمة وقع أن السّبب قد وجد، أو لم يوجد، المقر يقول: لم يوجد لأن إقرار الصبي والمجنون لا يكون إقراراً، فكان المقر منكرا الإقرار من حيث المعنى، والمقر له مدعياً، فكان بمنزلة ما لو أدعى أنه أقرّ له والمدعى عليه قال: لم أقرّ لك وكان كما لو قالت المرأة: تزوجتني وأنا صبية، وقال: لا بل تزوجتك(8/363)
وأنت(8/364)
-----
بالغة كان القول قول المرأة؛ لأنها أنكرت النكاح معنى، وأما ههنا سبب الضمان قد تحقق، وهو الأكل والصبغ والقطع والخياطة، وإنه سبب ضمان إلا أنه ادعى البراءة بدعوى الإذن وأنكر صاحبه، فيكون القول قول صاحب المال، ووجه آخر للفرق وهو أن إضافة الإقرار إلى حالة الصبي ليس بدعوى على المقر له، ولكن حكاية عن فعله فيثبت فعله بقوله، أما ههنا يدعي إذن صاحب المال، وإنه فعل يوجد من صاحب المال، فيكون دعوى عليه، فلا يثبت إذا أنكر.
قال: وإذا استصنع الرجل خفين عند إسكاف، فعمله ثم فرغ منه، قال المستصنع: ليس هذا على المقدار والخرر والتقطيع الذي أمرتك، وقال الإسكاف: بل هذا أمرتني وأراد الإسكاف أن يحلف صاحب المال ليس له ذلك، بخلاف الصباغ إذا ادعى أن ما صبغ كان بأمره، وأراد صاحب الثوب كان له ذلك، وذلك لأن الصباغ يدعي على صاحب الثوب، معنى لو أقر به لزمه، ولم يكن خيار، فإذا أنكر يستحلف على ذلك لأن الاستحلاف بعيد فأما ههنا الصابغ يدعي على المستصبغ معنى لو أقر به لا يلزمه، فإن المستصنع لو أقر بالموافقة، أو ثبت ما ادعى بالبينة كان لا يلزمه، وكان له خيار، ومن ادعى على آخر معنى لو أقر به لا يلزمه، فإذا أنكر لا يستحلف على ذلك؛ لأن الاستحلاف لا يفيد وستأتي بعض مسائل الاستصناع في المتفرقات إن شاء الله تعالى.
الفصل الرابع والثلاثون: في المتفرقات
ذكر في «النوازل»: إذا قال لآخر: أجرتك هذه الدار سنة بألف درهم، كل شهر بمئة. تقع الإجارة على ألف ومائتي درهم، ويصير القول الثاني فسخاً للأول، كما لو باع بألف، ثم باع بأكثر.(8/365)
-----
قال الفقيه أبو الليث: هذا إذا قصد أن تكون الإجارة كل شهر بمئة. أما إذا غلطا في التفسير، لا يلزمه الألف درهم؛ لأنه لم يقصدا فسخ العقد الأول، فإن ادعى الآجر أنه كان قصدهما فسخ الأول، وادعى المستأجر الغلط في التفسير فالقول قول مدعي الفسخ مع يمينه، كما لو تواضعا على بيع تلجئة ثم باشر البيع مطلقاً من غير شرط، يثبت البيع بينهما مطلقاً، إلا أن يتفقا على أنهما باشرا على ما تواضعا عليه، كذا ههنا.
وفيه أيضاً: إذا قال لآخر: أجرتك داري هذه يوماً واحداً بكذا وسنة مجاناً، أو قال: أجرتك داري هذه سنة يوماً بكذا. وباقي السنة مجاناً، أو قال: أجرتك داري هذه سنة يوماً بكذا، وباقي السنة مجاناً، فسكنها سنة كان عليه أجر مثله في يوم واحد، ولا شيء له في الباقي؛ لأنه بقي الإجارة في الباقي، وإنما وجب أجر المثل في يوم واحد؛ لأن الإجارة في يوم واحد وقعت بصفة الفساد؛ لجهالة اليوم، وإذا دفع الرجل إلى قصار ثوباً ليقصره فقصره وتصادقا أن الدفع حصل مطلقاً، وأنهما لا يشترطا شيئاً، لم يذكر محمد رحمه الله هذه المسألة في «الأصل».
وذكر في «النوازل»: أن على قول أبي حنيفة القصار متبرع، ولا أجر له وعلى قول محمد: إن اتخذ دكاناً وانتصب لعمل القصارة بالأجر، يجب الأجر وما لا فلا. وعلى قول أبي يوسف هو متبرع، إلا أن يكون خليط، وهو أن يكون يدفع إليه ثيابه للقصارة بالأجر عادة. وفي باب الخلع من شرح «الكافي» إذا قال للحمال: احمل هذا إلى بيتي، وقال للخياط: خط إن كان الخياط معروفاً أنه يخيط بأجر، والحمال كذلك يجب الأجر وما لا فلا.(8/366)
-----
وفي إجارات المنتقى: مثل محمد رحمه الله: عن رجل دفع إلى قصار ثوباً ليقصره، فقصره وقال: قصرت بغير أجر وضاع، قال: أما في قولي إذا كان قصاراً قد نصب نفسه للقصارة، لم أصدقه وأضمنه كما لا أصدق رب الثوب في هذه الصورة إذا قال: قصرت لي مجاناً. وقال القصّار: قصرت بغير أجر. وفي نكاح «النوازل»: إذا دفع إلى قصار ثوباً ليقصره ولم يذكر الأجر يحمل على الأجرة لمكان العرف.
وفي باب. (61أ4) الأجر من صرف «الكافي»: إذا دفع الرجل إلى رجل ذهباً أو فضة، وأمره أن يصوغه كذلك، ثم اختلفا فقال الدافع: عملته لي بغير أجر، وقال العامل:عملته بأجر ذكر في الرواية: أن القول قول الدافع لإنكاره وجوب الأجر في ذمته. وفي «الشرح» عن أبي يوسف: أن هذا الرجل إن كان أعلم على باب دكانه بعلامة، أو نحو ذلك بحيث يعلم أنه لا يعمل إلا بأجر، فالقول قول العامل. وإن لم يكن كذلك، فالقول قول الدافع.
وعن محمد أنه إذا كان بين هذا الرجل، وبين العامل خلطة، وإعطاء بحيث اعتادا أنهما لا يفندان كل مرة، ولا يشترطان شرطاً فالقول قول العامل. وإن لم يكن بينهما خلطة على نحو ما ذكرنا، فالقول قول الدافع. قال: وكذلك لو اختلفا في مقدار الأجر، فالقول قول الدافع؛ لإنكاره الزيادة على ما أمر به.
وفي هذا الباب أيضاً: إذا استقرض من آخر كر حنطة. وقال: اطحنها لي بدرهم، فطحنها، وكان ذلك قبل أن يقبضها المستقرض، فذلك باطل. ولا أجر للمقرض؛ لأنه لما لم يقبضها المستقرض لم يصر ملكاً له، فصار المقرض عاملاً لنفسه بطحن حنطة نفسه، فكيف يستحق الأجر على غيره.
وإذا باع الدلال صبغة رجل بأمره، فقال صاحب الصبغة: بعتها بغير أجر. وقال الدلال: لا بل بعت بأجر، فإن كان هذا الدلال معروفاً بأنه يبيع أموال الناس بأجر لا يصدق الآمر على دعواه، ويجب أجر المثل.(8/367)
-----
وفي «النوازل»: استقرض من آخر دراهم، وسلم إلى المقرض حماره ليمسكه، ويستعمله إلى شهرين حتى يوفر عليه الدراهم، فالحمار عند المقرض بمنزلة المستأجر إجارة فاسدة، فإن استعمله فعليه أجر مثله. وكذلك إذا سلم إلى المقرض داره ليسكنها فهذه إجارة فاسدة. ولا يكون رهناً.
وفيه أيضاً: لو استقرض دراهم من رجل، وقال: اسكن حانوتي هذا، فما لم أرد عليك درهمك، فلا أطالبك بأجرة الدار، والأجرة التي تجب عليك هبة لك، فدفع المقرض الدراهم، وسكن الحانوت مدة، قال: إن كان ذكر ترك الأجرة عليه مع استقراضه منه المال، فالأجرة واجبة على المقرض يريد به أجر المثل، وإن كان ذكر ترك الأجرة قبل استقراض أو بعده فلا أجر على المقرض، والحانوت عنده عارية؛ لأن في الوجه الأول قصد التوسل بمنافع الدار إلى القرض، فما رضي باستيفائها مجاناً، والمستقرض وافقه على ذلك. حيث أقرضه على تلك المواضعة، فكان إجارة فاسدة.
فأما في الوجه الثاني: لم يطمع في مقابله منافع الدار شيئاً فكانت الدار عارية.(8/368)
-----
قيل الصحيح: إنه يجب أجر المثل في الوجهين؛ لأنا نعلم يقيناً أن عرضه من دفع الدار، وترك الأجرة والتوسل إلى القرض، فما رضي باستيفاء منافع الدار مجاناً في الحالين جميعاً، فوجب أجر المثل في الحالين جميعاً من هذا الوجه. وفي «نوادر ابن سماعة»، عن أبي يوسف: رجل استأجر من آخر أرضاً، على أنها عشرة أجربه بعشرة دراهم، فزرعها، ثم وجدها خمسة عشر جريباً، أو وجدها تسعة أجربة، قال: فله الأجر الذي سمي. ولو قال: كل جريب بدرهم. حسب عليه كل جريب بدرهم. ذكر الحاكم استأجر عبداً للخدمة مدة معلومة، وعجل الأجرة، ثم مات المؤاجر كان للمستأجر أن يمسك العبد حتى يرد الأجر عليه، وإن مات العبد في يده لم يكن عليه فيه ضمان. ويرجع بالأجر، فيأخذه قوله حتى يرد الأجر عليه أي حصة ما بقي من المدة، وإنما كان له حق إمساك العبد إلى أن يستوفي الأجر بحصة ما بقي من المدة إظهاراً للعدل والإنصاف فإن بموت الآجر تنفسخ الإجارة، ويتعين حق ورثة الأجر في العبد فيجب تعيين حق المستأجر في حصة ما بقي من المدّة من الأجر، وذلك بالاستيفاء.
ابن سماعة عن محمد رحمهما الله رجل اكترى من رجل داراً بعبد سنة، فسكن الدار، ثم ناقصه الإجارة في العقد، فإنه يرد العبد ويعطيه أجر مثل الدار، وإنما كان كذلك؛ لأن جعل العبد أجرة صحيح، كجعله ثمناً، فصارت الأجرة عوضاً وصارت هذه الإجارة في معنى بيع العوض بالعوض. وأحذ العوضين وهو العبد باقي. فيصح النقص والإقالة عليه؛ لأن في بيع العوض بالعوض بعد هلاك العوضين تصح الإقالة، والنقص على العرض القائم. وإذا صحت الإقالة على العبد عاد العبد إلى ملك المستأجر، فوجب على الآجر رد العبد على المستأجر، ووجب على المستأجر رد المنافع على الآجر، وتعذر ردها صورة فيجب ردها معنى برد أجر المثل.(8/369)
-----
وفي «الأصل» إذا أستأجر عشراً من الإبل إلى مكة بعبد بعينه، أو بغير عينه، فإن كان العبد بعينه فالإجارة جائزة، وإن كان العبد بغير عينه، فالإجارة فاسدة، ثم إذا كان العبد بعينه حتى جازت الإجارة، فهلك العبد قبل التسليم بعدما استوفى المعقود عليه كان على المستأجر أجر مثل الإبل لما عرف أن العقد يفسد بهلاك أحد البدلين قبل القبض، إذا كانا عينيين، فإذا فسد العقد كان عليه رد ما استوفى بعينه من المنافع، وقد عجز عن ردها بعينها، فكان عليه رد قيمتها وقيمة المنافع أجر المثل، وإذا كان العبد بغير عينه حتى فسدت الإجارة كان على المستأجر أجر المثل مات العبد، أو لم يمت.
رجل تكارى منزلاً كل شهر بدراهم معلومة، وطلق الرجل المستكري المرأة، وخرج من المصر، وذهب هل لصاحب المنزل سبيل على المرأة قالا: لا، لأن المرأة ليست بعاقدة، وليست بكفيلة عن العاقد بالأجر، والأجر إنما يجب بأحد هذين، وليس لصاحب الدار أن يخرج المرأة من الدار حتى الهلال؛ لأن الإجارة لازمة قبل مجيء الهلال ألا ترى لو كان المستأجر حاضراً لم يكن له أن يفسخ الإجارة قبل مجيء الهلال، فإذا كان غائباً أولى.
فإن جاء الهلال والزوج غائب هل لصاحب الدار أن يفسخ الإجارة ويخرج المرأة من الدار يجب أن تكون المسألة على الاختلاف على قول أبي حنيفة ومحمد ليس له ذلك. وعلى قول أبي يوسف: له ذلك.(8/370)
-----
إذا تكارى منزلاً كل شهر بدرهم على أن ينزله، ولا ينزل غيره، فتزوج امرأة أو امرأتين، فله أن ينزلهما وليس لصاحب الدار أن يأبى؛ لأن هذا شرط مانع لا منفعة فيه لصاحب الدار؛ لأن سكنى غيره لا يصير بالدار حتى يكون في ترك سكنى غير المستأجر منفعة للمستأجر، فقد حكم بجواز هذا العقد مع هذا الشرط، وإن كان هذا شرطاً لا يقتضيه العقد إلا أنه ليس لأحد المتعاقدين فيه منفعة، ومثل هذا الشرط لا يفسد العقد كما لو اشترى ثوباً بشرط أن لا يلبس، أو اشترى دابة بشرط أن لا يركبها وهذه المسألة مأولة تأويله أن لا يكون للمنزل بئر بالوعة ولا بئر وضوء وقد ذكرنا هذا التأويل في المسائل المتقدمة.
وفي «الأصل»: إذا أستأجر الرجل من آخر داراً، ودفعها إليه رب الدار إلا بيتاً منها، كان فيه متاع له وسكنها المستأجر قال: يرفع عنه بحصة ذلك وهذا مشكل؛ لأن الغائب صفة؛ لأن البيت صفة للدار.
ولهذا قالوا: لو أستأجر داراً على أن فيها ثلاثة بيوت، فإذا فيها بيتان، فإنه يتخير، ولا يسقط شيء من الأجر كما لو اشترى عبداً على أنه كاتب أو خباز، والجواب: أن الفائت إن كان صفة، إلا أن الفوات بفعل البائع، والوصف له حصة من البدل، إذا فات بفعل البائع. كما في بيع العين بخلاف ما لو انهدم بيت منها، أو حائط وسكن المستأجر في الباقي، حيث لا يسقط شيء من الأجر؛ لأن الوصف هناك فات بآفة سماوية، والوصف متى فات بآفة سماوية لا يوجب سقوط شيء من البدل. وما ذكرنا من الجواب: فيما إذا أستأجر داراً على أن فيها ثلاث بيوت، فإذا فيها بيتان أنه يتخير، ولا يسقط شيء من الأجر، فذلك فيما إذا لم يقل كل بيت بكذا، فأما إذا قال: كل بيت بكذا، يرفع عنه بحساب ذلك، على قياس مسألة الجريب التي تقدم ذكرها في هذا الفصل.(8/371)
-----
قال: وإذا أستأجر الرجل داراً شهوراً مسماة بأجر معلوم، ثم أراد رب الدار أن يشتري من المستأجر بالأجر شيئاً قبل القبض جاز؛ لأن الأجر دين لم يجب بعقد صرف، ولا سلم، فيجوز الاستبدال به. قيل: كما في سائر الديون. وقد مرت المسألة من قبل. وكذلك الثاني يستأجر البيت ليبيع فيه كل شهر بأجر معلوم، فكان رب البيت يأخذ منه الدقيق. (61ب4)
والسويق يشرى، ذلك شيء يعني بالأجر، قبل استيفاء المنفعة، كان جائزاً، لما ذكرنا في أول الكتاب أن الشراء بالأجر جائز قبل الوجوب وبعد الوجوب، ولو أن رب البيت أراد أن يتعجل الأجر كله قبل الهلال فأبى المستأجر أن يعطيه، فإنه يجبر المستأجر على أن يعطيه بقدر ما سكن لأنه بقدر ما سكن وجب الأجر فيجر على اتفاقه، فأما حصة ما لم يسكن لا يجبر على إلغائه، لأن أجرة ما لم يسكن غير واجب عليه بعد، فلا يجر على اتفاقه.
قال ولو أن رجلاً استقرض من رب البيت أجر هذين الشهرين ما من رب البيت الثاني أن يعطيه ذلك، فكان الرجل يشتري به الثاني السويق والدقيق والزيت والسمن حتى استوفى أجر الشهرين فهو جائز، وذلك لأن المستقرض قام مقام المقرض والمقرض لو اشترى من الثاني شيئاً بالأجر يصح الشراء، ويري الثاني من الأجر لوقوع المقاصة بين الأجر والثمن فكذا إذا اشتراه المستقرض.(8/372)
-----
وإنما قلنا أن المستقرض قام مقام المقرض، لأن المقرض أقرضه الأجر منه وسلطه على قبضه يصح ذلك وصار الموهوب له وكيلاً عن رب البيت في القبض أولاً ثم قابضاً لنفسه بحكم الهبة، لأن الهبة لا تصح إلا بملك الواهب، ولا يصير ما وهب ملكاً للواهب إلا بالقبض فكذا ههنا لا يصح القرض إلا بملك المقرض وما أقرض لا يصير ملكاً له، إلا بالقبض فصار ثابتاً عنه في القبض أولاً ثم قابضاً لنفسه بحكم القرض، وإذا كان كذلك صح أن المستقرض قام مقام المقرض وليس للثاني على المستقرض شيء، لما ذكرنا أن المستقرض قام مقام المقرض والمقرض لو اشترى بالأجر شيئاً لم يكن للثاني على المقرض شيء؛ لوقوع المقاصة بين الأجر والثمن، فكذلك هذا، ولرب البيت على المستقرض أجر هذين الشهرين، لأن رب البيت ما ملكه الأجر هبة، وإنما ملكه قرضاً، والقرض مضمون بالمثل، فكان لرب البيت عليه أجر هذين الشهرين.
قال: ولو اشترى المستقرض من الثاني بالأجر ديناراً فإنه يجوز إذا اشترى الدينار بعد وجوب الأجر، بأن مضت المدة أو شرط التعجيل عندهم جميعاً، وإن لم يكن وجب الأجر بأن كان قبل مضي المدة واشتراط التعجيل، فعلى قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد رحمه الله يجوز، وعلى قول أبي يوسف الآخر لا يجوز، لأن المستقرض قام مقام المقرض والمقرض لو صادف مع الثاني كان الجواب على هذا التفصيل فكذلك هذا.(8/373)
-----
قال: ولو كان للثاني على الرجل المستقرض دينار أو أجر البيت عشرة دراهم كل شهر، فمضى شهر ثم أمر رب البيت الثاني أن يدفع أجر هذين الشهرين إلى هذا الرجل قرضاً عليه، ورضى الرجل بذلك فهو جائز، لأنه ملكه الدين الذي له على الثاني، وسلطه على قبضه قرضاً، فيصح كما لو وجب منه، وسلطه على قبضه فإن قاصه بالدينار الذي له عليه وأخذ بالفضل حوائجه، قال فهو جائز وهذا الجواب لا يشكل فيما اشترى من الحوائج لأنه اشترى الحوائج بالأجر بما وجب من الأجر وبما لم يجب فيجوز كما يجوز من رب البيت، وإنما يشكل فيما إذا قاصه بالدينار ذكر أنه جائز إذا رضى بذلك الثاني، وإن كان الجنس مختلفاً، فإن أحدهما دينار والآخر دراهم، لأن المقاصة في الجنس المختلف، إنما لا يجوز إذا لم يوجد التراضي على المقاصة، فأما إذا وجد يجوز إلا أنه يكون صرفاً، ثم يجوز هذا الصرف عندهم بحصة ما وجب من أجر شهر عندهم جميعاً، لأن المستقرض قائم مقام المقرض، والمصارفة من المقرض بأجر واجب جائز عندهم، فكذا من المستقرض، فأما بحصة ما لم يجب من الأجر وهو الشهر الثاني يجب أن يكون المسألة على الخلاف، يجوز عند محمد وهو قول أبي يوسف الأول، ولا يجوز في قول أبي يوسف الآخر كما لو باشر المقرض الصرف بأجر لم يجب بعد، وهو الشهر الثاني. ثم قال: وليس هذا بصرف فيما بين رب البيت والمستقرض ولكنه صرف فيما بين المستقرض والثاني، وذلك لأن رب البيت ما عقد عقد الصرف مع المستقرض، إنما أقرضه الآخر الذي له على الثاني، وعقد المصارف إنما جرت بين المستقرض والثاني، ثم قال وهذا كله قول أبي يوسف وهو قول محمد، فأما على قوله الآخر فإنه لا يجوز، وقد ذكرنا هذا في أول الكتاب.(8/374)
-----
قال: ولو كان رب البيت أقرضه الدراهم على أن يرد عليه ديناراً بعشرة دراهم فإنه لا يجوز لأن بجوازه قرضاً غير ممكن؛ لأن القرض يكون مضموناً لجنسه، فإذا شرط جنساً آخر فقد شرط ما لا يقتضيه القرض فكان قرضاً فاسداً، ولا وجه إلى أن جوزنا مصارفه، لأنهما صرف مشبه، فيكون باطلاً.
قال: فإن أحاله على هذا الوجه بالدراهم الأجر على الثاني، يريد به أنه أحاله على الثاني ليأخذ الأجر منه ليعطيه ديناراً. فقال: فقاصه الثاني بالدينار، الذي له على المستقرض وأخذ بالبعض حوائجه قائماً لرب البيت على المستقرض عشرون درهماً تأويله، إذا وجب أجر هذين الشهرين حتى صار الصرف عندهم جميعاً، وصار المستقرض مستقرضاً عشرين درهماً من الثاني بالمقاصة، فيكون لرب البيت على المستقرض ما اقتضى من الثاني وذلك عشرون درهماً ولا يكون عليه دينار، كما شرط عليه لأن اشتراط الدينار اشتراط باطل لأنه صرف مشبه.(8/375)
-----
قال: ولو أن هذا الثاني لم يكن وجب عليه أجر هذين الشهرين ولكن رجل استقرض من رب البيت أجر هذين الشهرين، فأمر هذا الثاني أن يعطيه إياه وأن يعجل له، وطابت نفس الثاني بذلك، فأعطى الرجل دقيقاً أو زيتاً أو ديناراً بعشرة، ثم مات رب البيت قبل أن يسكن الثاني شيئاً من هذين الشهرين أو انهدم البيت، فإن الثاني لا يرجع على الرجل بعشرين درهماً فرضاً عليه، وذلك لما ذكرنا أن المستقرض صار وكيلاً عنه بالقبض أولاً، حتى يصح القرض ثم لنفسه فإذا قبض ناب قبضه مناب قبضين، فصار قابضاً له أولاً ثم لنفسه بحكم القرض، وإذا صار قابضاً للأمر صار كأن الأمر قبض بنفسه ثم أقرضه ولو أن صاحب البيت قبض العشرين بيده، ثم أقرضه من المستقرض ثم انفسخت الإجارة لم يكن للثاني أن يرجع على المستقرض بشيء، وإنما يرجع على رب البيت، ثم رب البيت يرجع على المستقرض بحكم القرض فكذلك هذا، ثم يرجع بعشرين درهماً على رب البيت في قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد فأما على قول أبي يوسف الآخر ما كانت حصة الحوائج يرجع عليه بالدراهم، لأن الشراء قد صح فصار مقضياً للدراهم، فأما ما يخص الدينار فإنه لا يرجع على رب البيت بالدراهم ولكن يرجع على المستقرض فيأخذ منه الدينار؛ لأنه قبضه بحكم صرف فاسد.
وفي «فتاوى الفضلي»: رجل اكترى حماراً من كسر إلى بخارى فبقى الحمار في الطريق وصاحب الحمار ببخارى فأمر المستكري رجلاً حتى ينفق على الحمار في علفه كل يوم مقداراً معلوماً وقاطعه أجره إلى أن يقبض صاحب الحمار حماره، فأمسكه الأجير أياماً وأنفق عليه في علفه.
إن علم المأمور بالنفقة، أن الحمار لغير الآمر فهو متطوع، فما أنفق لا يرجع على أحد بشيء إلا أن يكون الآمر ضمن له النفقة.
فإن كان لا يعلم بذلك رجع على الآمر بالنفقة، وإن كان لم يضمن له الآمر النفقة، فإن كان استأجر أجيراً لحفظه فالأجر عليه.
(8/376)
-----
وفي «الفتاوى»: إذا استأجر مشاطة ليزين العروس فالإجارة فاسدة، والأجر مكروه غير طيب لها إلا أن يكون على وجه الهدية من غير شرط ولا يتقاضى، فيكون أهون وفيه نظر.
والصواب أن يقال إذا استأجرها مدة معلومة أو كان العمل معلوماً أنه يجوز الإجارة ويطيب لها الأجر لأن تزيين العروس ليس بمعصية، بل هو مباح فصار كسائر الأعمال المباحة.
وفي «فتاوى الفضلي»: الدلالة في النكاح لا يستوجب الأجر وبه كان يفتي رحمه الله، وغيره من (62آ4) مشايخ زمانه كانوا يفتون بوجوب أجر المثل لهما، لأن معظم الأمر في النكاح يقوم بها، ولها سعي في إصلاح مقدمات النكاح، فيستوجب أجر المثل بمنزلة الدلال في باب البيع، وبه يفتى.
وفيه أيضاً أهل بلدة ثقل عليهم مؤنات العمال فاستأجروا رجلاً بأجرة معلومة ليذهب ويرفع أمرهم إلى السلطان الأعظم، ليخفف عنهم بعض التخفيف، وأخذ الأجرة من عامتهم غنيهم وفقيرهم، ذكر أنه إن كان بحال لو ذهب إلى بلد السلطان يتهيأ له إصلاح الأمر بيوم أو بيومين جازت الإجارة، وإن كان بحال لا يحصل ذلك إلا بمدة وقتوا للإجارة وقتاً معلومة، فالإجارة جائزة، والأجر كله له، وإن لم يوقتوا فالإجارة فاسدة وله أجر مثله والأجر عليهم على قدر مونتهم، وهذا نوع توسيع واستحسان، أما على جواب الكتاب لا تجوز هذه الإجارة إلا مؤقتة، وبه يفتى. وهكذا ذكر شمس الأئمة السرخسي في باب الرشوة من شرح «أدب القاضي» أن هذه الإجارة لا يجوز إلا مؤقتة، وإن كان مدة الإصلاح يوماً أو يومين.(8/377)
-----
قال في «الأصل»: رجل تزوج امرأة فنزل عليها وهي في منزل بكر، فمكث عندها سنة فجاء صاحب المنزل يطلب أجر منزله، فقالت المرأة: أجر منزله عليك. فقال الزوج: إنما استكريت بأجرة عليك. وقالت المرأة: قد أخبرتك أنه معي بأجر. وقال الرجل: ما أخبرتني أنها تسكن بأجر، فإنه لا عبرة لإنكار الزوج إنها لم تخبره لأنها وإن أخبرته فلا أجر عليه، وإنما لم يكن على الزوج أجر لأن الزوج ليس بعاقد ولا بضامن عنها الأجر لرب المنزل، فلا يجب عليه الأجر فإن ضمن الأجر عنها لرب البيت، الآن يؤاخذ الزوج بالأجر لأنه كفل عنها بالأجر لرب المنزل، والكفيل يؤاخذ بما كفل به، فإن أدى لا يرجع سواء كفل بإذنها أو بغير إذنها، إن كان بغير إذنها فلا إشكال، كما لو كفل عنها بدين آخر، وإن كان بإذنها فكذلك، وذلك لأن العرف أن الزوج إنما يضمن عنها أجر المسكن على سبيل الصلة، لا ليرجع بذلك عليها لأن الإسكان عليه، والمعروف كالمشروط فكأنه شرط في الكفالة أن يكفل عنها، ولا يرجع بذلك عليها ولو صرح أن لا يرجع بذلك عليها لا يرجع، فكذلك هذا.
ونظير هذا قال محمد رحمه الله في «كتاب النكاح»: أن الأب إذا ضمن المهر عن الصغير فإنه لا يرجع في مال الصغير استحساناً، لأنه في العرف إنما يبذل ذلك صلة للصغير لا ليرجع في ماله، فكذلك هذا، فإن لم يضمن لرب المنزل ذلك، ولكن أشهد لها بأن قال: أضمن لك الأجر ولم يضمن لرب البيت، فإنه لا يلزمه الأجر؛ لأنه لم يضمن عنها لرب البيت حتى يصير كفيلاً عنها بالأجر، فيؤخذ بذلك إنما ضمن لها ما عليها من الأجر، ومن ضمن للمديون ما عليه، ولم يضمن عنه لصاحب الدين لا يكون كفيلاً.(8/378)
-----
الكفيل أن يضمن عن المديون ما عليه لصاحب الدين، ولم يوجد هذا فلم يمكن بجواز هذا كفالة، وإذا لم يكن كفالة، فإما أن يعتبر بعد ذلك هبة من الزوج لها أو عدة فإن كان هبة، فهي هبة، لم يقبض فلا يجر على الوفاء بها، وإن كان عدة فلا يجر على إنجاز هذا الوعد.
قال في الأصل: رجلان استأجرا منزلاً من رجل، كل شهر بدرهم، واشترطا فيما بينهما على أن ينزل أحدهما في أقصى الحانوت، والأجر في مقدمه، ولم يشترطا ذلك في أصل الإجارة. قال: الإجارة جائزة، ولكل واحد منهما أن يرجع عن ذلك، أما الإجارة جائزة لأنها خلت عن شرط يفسدها، فإنه قال: ولم يشترطا ذلك في أصل الإجارة ولكل واحد منهما أن يرجع عن ذلك؛ لأن هذا مواضعه منهما على المهاياة، ولكل واحد من الشريكين أن ينقض المهاياه وإنما كان لكل واحد منهما نقض المهاياة، وذلك لأن المهايأة قسمة المنفعة فيعتمر بقسمة العين، وفي قسمة العين لكل واحد منهما، أن ينقص القسمة قبل التمام فإنهما إذا أفرزا أو عزلا الأنصب. فقلَّ أن يتعين نصيب كل واحد منهما بالإقراع.(8/379)
-----
إذا أراد أحدهما نقص القيمة، كان له ذلك، فلان يكون لكل واحد منهما نقص القسمة ولم يتعين حق واحد منهما في المنفعة قبل وجودها، ولم ينفرز نصيب أحدهما من الآخر أولى وأحرى، ثم ذكر في «الكتاب»: أن الإجارة لا تفسد إذا لم يكن اشترطا ذلك في أصل الإجارة، ولم يذكر أنهما إذا شرطا ذلك في الإجارة هل يفسد الإجارة، قال مشايخنا: ولقائل أن يقول بأنه يفسد الإجارة، أما القائل أن يقول بأن الإجارة تفسد لأنه شرط في العقد ما لا يقتضيه العقد؛ لأن هذه المهايأة منها، والمهايأة على هذا الوجه الذي شرطا، وهو أن يسكن أحدهما في المقدم، والآخر في المؤخر مما لا يقتضيه الإجارة ألا ترى أن الآبي منهما لا يجير على ذلك، ولأحدهما في هذا الشرط منفعة، يوجب فساد العقد، وإليه أشار في «الكتاب»؛ فإنه قال: ولم يشترطا ذلك في الإجارة فمفهوم ما ذكر يقتضي أنه إذا شرط ذلك في العقد أوجب فساده، وأما من قال بأنه لا يفسد ذهب في ذلك إلى أن هذا الشرط متى شرط في العقد، يكون اشتراطاً على المالك، صار كل واحد منهما مستأجراً ما عين من المالك فكان الأجر، قال: أجرت من هذا مقدم الحانوت، ومن الآخر مؤخره، ولو نص على هذا كان جائزاً.
ومفهوم قول محمد: ولم يشترط ذلك في أصل العقد، أنهما متى شرطا ذلك في العقد لا يكون لكل واحد منهما أن يرجع، لأن كل واحد يصير مستأجراً ما عين من المالك، ومتى لم يكن مشروطاً في العقد يكون مهاياة منهما ولكل واحد منهما أن ينقض المهاياة.(8/380)
-----
وروى بشر عن أبي يوسف في رجل استأجر رجلاً ليبني له حائطاً أراه موضعه، وسمى طوله في السماء، وطوله على الأرض وعرضه، على أن يبني كل ألف آجرة بكذا، وكذا من الجص بكذا، وكذا من الدراهم، فبنى في السفل فأدخل ألف أجرة بالجص المسمى لها، ثم مات البنّاء، فإن الآجر يقسم على موضع ما بقي من الحائط، وما بنى فيعطي بحصة ما بنى من القيمة؛ لأن كل ألف آجرة شرط بناؤها فهي في أعلى الحائط وأسفله، يدركها رخص الأسفل، وعلا الأعلى، فلا بد من الجمع بين القيمتين ليجتمع الرخص مع الغلاء، فيظهر في التوزيع العدل.
وعنه أيضاً أجر الرجل عبده، وسلمه ثم باعه من غير عذر، وسلمه إلى المشتري، فقتل، لم يكن للمستأجر أن يضمن المشتري قيمته، والمستأجر في هذا الحرف مخالف للمرتهن، والفرق وهو أن حق المستأجر في المنافع والقبض لا يلاقيها، وحق المرتهن في العين والقبض يلاقيه.
ذكر الحاكم استأجر عبداً للخدمة مدة معلومة، وعجل الأجرة، ثم مات المؤاجر، كان للمستأجر أن يمسك العبد حتى يرد الأجر عليه، وإن مات العبد في يده لم يكن عليه فيه ضمان، ويرجع بالأجر فيأخذه.
قوله حتى يرد الأجر عليه، أي حصة ما بقي من المدة، وإنما كان له حق إمساك العبد إلى أن يستوفي الأجر بحصة ما بقي من المدة، إظهاراً للعدل والإنصاف، فإن بموت الآجر تنفسخ الإجارة، ويتعين حق ورثة الآجر في العبد، فيجب تعيين حق المستأجر، في حصة ما بقي من المدة من الأجر، وذلك بالاستيفاء.
وإذا غصب رجل الدار المستأجرة من المستأجر ثم تركها الغاصب، فأراد المستأجر أن يمتنع عن قبضها في باقي المدة، أو أراد الآجر أن يمتنع من التسليم فليس للمستأجر أن يمتنع من التسليم في باقي السنة، وللآجر أن يمتنع عن التسليم.
قال بعض مشايخنا: هذا إذا لم يكن في السنة وقت يرغب في الاستئجار لأجله، أما إذا كان ولم يسلم في ذلك الوقت، فإن المستأجر يتخير، وقد مرّ جنس هذا فيما تقدم.(8/381)
-----
وفي «القدوري»: لو استأجر من آجر دارين فانهدمت أحداهما أو غصبت أو ما أشبه ذلك، فله أن يترك الأخرى؛ لأن الصفقة وقعت متحدة، وقد تفرقت فيثبت الخيار.
قال محمد رحمه الله في «الأصل»: وإذا استأجر دابة ليلاً ليزف عليها عروساً إلى بيت زوجها، فهذا على وجهين: إما أن تكون العروس بعينها أو بغير عينها، فإن كان العروس بعينها، وبيَّن المكان، فإنه يجوز الإجارة، كما لو استأجر رجلاً دابة ليركبها إلى مكان معلوم بأجر معلوم، كانت الإجارة جائزة، فكذلك هذا، وإن كان العروس بغير عينها فالإجارة فاسدة، كما لو استأجر دابة للركوب ولم يبين من يركب كانت الإجارة فاسدة فإن أركب عروساً فالقياس. (62ب4) أن لا يعود العقد جائزاً، وفي الاستحسان يعود العقد جائزاً، وعليه المسمى كما لو استأجر دابة للركوب، ولم يبين من يركب، ثم يركب هو أو أركب غيره، فإنه يعود العقد جائزاً استحساناً، وفي القياس لا يعود جائزاً، وقد ذكرنا هذا، فإن حبسوا الدابة حتى أصبحوا من الغد، هل يجب الأجر، إن كان استأجر هذه الدابة لركوب عروس بعينها في المصر، فإنه يجب الأجر، وإن استأجرها لركوب عروس بعينها خارج المصر، فإنه لا يجب الأجر لأنه لم يكن من الركوب في المكان الذي أضيف إليه العقد، فإنه لا يجب الأجر، وهذا لأن تسمية المكان في باب الدابة، وأنه شرط لجواز العقد عليها بمنزلة تسمية المدة في غيرها من الإجارات، والتمكن من الاستيفاء متى وجد في غير المدة المضاف إليها العقد، فإنه لا يجب الأجر، وهل يعتبر ضامناً بالحبس إن وقعت الإجارة على الركوب خارج المصر يضمن لأنه لم يجب الأجر بهذا الإمساك، ولم يؤذن له بإمساك لا يجب الآجر.(8/382)
-----
وإن وقعت الإجارة على أن يركبها في المصر لا يصير ضامناً بهذا الحبس؛ لأنه يجب الأجر بهذا الإمساك، وإن كان استأجروها لركوب عروس بغير عينها، فإنه لا يجب الأجر متى حبسوها سواء استأجروها للركوب في المصر أو خارج المصر، لأن الإجارة فاسدة متى لم يعينوا العروس، وفي الإجارات الفاسدة الأجرة لا تجب بالتمكن من الاستيفاء، وإنما تجب بحقيقة الاستيفاء ولم يوجد، فإن استأجر لحمل عروس بعينها، فأركب غيرها صار ضامناً ولا يجب الأجر سلمت الدابة أم ملكت، كما لو استأجر دابة ليركب بنفسه فاركب غيره، وإن كان لحمل عروس بغير عينها، لم يضمن، كما لو استأجر دابة للركوب فاركب غيره، إذا اشترى بيتاً وأجره من غيره قبل القبض لا يجوز كما لو باعه، وهذا إذا كان منقولاً، فإن كان عقاراً، فقيل هو على الخلاف في البيع، وقيل لا يجوز الإجارة إجماعاً.
في «الجامع الصغير» : رجلان استأجرا شيئاً ودفع أحدهما إلى صاحبه ليمسكه فلا ضمان عليه، إذا كان شيئاً لا يحتمل القسمة؛ لأن ما لا يحتمل القسمة فلأحد المستأجرين أن يدفعه إلى صاحبه ليمسكه، في «إجارة الفسطاط» استأجر قدراً ليطبخ فيه شيئاً معلوماً، فطبخ في البيت، وأخذ القدر بحجره مع ما فيه ليخرج إلى الدكان فانزلقت رجله في الطين، فوقع وانكسر القدر فعليه ضمان القدر بمنزلة الحمال، إذا انزلقت رجله، ووقع الحمل، وانكسر، وقيل: ينبغي أن لا يجب الضمان في هذه الصورة قياساً على ما إذا استأجرت المرأة ثوباً لتلبسه فلبسته وتخرق من لبسها، وقد مرت مسألة الثوب من قبل وهو الصحيح.u
(8/383)
-----
استأجر رجلاً شهراً معيناً ليعمل له عملاً معلوماً، فعمل له ذلك العمل بشهرين، هل يستحق الأجر في الشهر الثاني؟ يجب أن تكون المسألة على الخلاف المعروف في القصار أو الخياط، إذا عمل من غير عقد، وقد كان انتصب نفسه لذلك، وإذا تكارى دابة ليحمل عليها عشرة مخاتيم، فجعل في جوالق عشرين مختوماً، ثم أخر المستأجر رب الدابة، وكان هو الذي وضعها على الدابة، فلا ضمان؛ لأن صاحب الدابة هو المباشر لحمل الزيادة على دابته، وإن حملاها جميعاً، ووضعاها على الدابة، ضمن المستأجر ربع قيمة الدابة؛ لأن نصف الحمل يستحق بالعقد ونصفه غير مستحق، وفعل كل واحد منهما في الحمل شائع في النصفين، فما حمله المستأجر نصفه وهو ربع الكل مستحق بالعقد، ونصفه وهو الربع غير مستحق، فلهذا ضمن ربع قيمتها، وإن كان الحمل في عدلين، فحمل كل واحد عدلاً ووضعاها على الدابة جميعاً، لا يضمن المستأجر شيئاً ويجعل حمل المستأجر مما كان مستحقاً بالعقد في باب ما يضمن الأجر، ويعرف عن هذه المسألة كثير من المسائل، رجل يبيع بالمزايدة، فاستأجر رجلاً لينادي عليه أن وقت له وقتاً، أو قال كذا صوتاً، يجوز إذا دفع إلى صباغ لبداً ليصبغه أحمر، فقد قيل إن قال بكذا من العصفر يجوز، وإن لم يبين مقدار العصفر لا يجوز، وهذا ليس بصواب فقد ذكرنا الرواية في فصل الاستصناع، إن بان مقدار الصبغ ليس بشطر، فلو صبغه رديئاً هل يضمن؟ فقال: قيل إن انتقص الثوب، وكان النقصان فاحشاً عند أهل البصر فلصاحب اللبد أن يضمنه قيمة لبده أبيض، وإن كان النقصان يسيراً فله أن يضمنه النقصان.
وعلى هذا التفصيل القصار إذا قصر الثوب رديئاً. إذا استأجر حماراً أو بقراً، ليس له أن يبعث به إلى السراح، هكذا ذكر في الفتاوى، وقيل إن كان المتعارف فيما بين الناس أن المستأجر يبعث ذلك إلى السراح، فله أن يبعث ومالا فلا.(8/384)
-----
وذكر الصدر الشهيد في «فتاويه الصغرى»، أن للمستأجر أن يؤاجر، وأن يعير، وأن يودع، والبعث إلى السرح إيداع، فهلكه المستأجر.
وفي «مجموع النوازل» زوج أمته، ثم أجرها من زوجها، جاز لأن خدمة الزوج ليست عليها، فالإجارة وردت على ما ليس بمستحق فيصح.
استأجر أرضاً ليلبن فيه لنفسه عليها، فالإجارة فاسدة، بعد ذلك ينظر إن كان للتراب قيمة في ذلك الموضع يضمن قيمة التراب، ويكون اللبن له؛ لأن الإجارة لما لم تصح، صار المستأجر غاصباً للتراب، ولما حوله لبناً فقد هلك على المالك، وإن لم يكن للتراب قيمة لا شيء عليه، واللبن له لأنه حصل بصنعه.
رجل يقبل من رجل طعاماً على أن يحمله من موضع إلى موضع باثني عشر درهماً اليوم، فحمله في أكثر من ذلك لا يلزمه الأجر المسمى، بل يجب أجر المثل بمنزلة ما لو استأجر رجلاً لينجز له عشر مخاتيم دقيق اليوم، هكذا ذكر في الفتاوي، وهذا يجب أن يكون على قول أبي حنيفة؛ لأن على قوله هذه الإجارة وقعت فاسدة، لأنه جمع فيها بين الوقت والعمل، أما على قولهما هذه الإجارة وقعت جائزة، فيجب الأجر المسمى.
رجل حمل رجلاً كرنا إلى بعض البلدان، فعلى الحامل كراؤه حتى يرده إلى الذي حمله منه، وكذا في كل ما له حمل ومؤنة.(8/385)
-----
رجل استأجر من آخر كرماً إجارة طويلة، وقبضها وأجرها من غيره مقاطعة كل ستة أشهر، ببدل معلوم فلما رآه المستأجر الثاني، وجد الأشجار قد احترق من البرد ولم يجد أجره ليرده عليه، حتى جاء أيام الفسخ وحضر آجره وفسخ الإجارة، وطلب مال المقاطعة، وأبى المستأجر الثاني، واعتل بعلة أن الأشجار محترقة، سمع علته وسقط عنه مال المقاطعة إذا لم يعمل في الكرم عملاً يدل على الرضا، ولو كان آخذه حاضراً حتى أمكنه الرد ولم يرد لا يسقط مال المقاطعة، وعلى هذا إذا أجر داره وأراد المستأجر ردها بخيار رؤية، أو بخيار عيب، إن لم يمكنه الرد بأن كان المؤاجر غائباً، كان له الرد إذا حضر المؤاجر، ولا يجب الأجر إذا لم يكن عمل في الدار عملاً يدل على الرضا، وإذا وجب الأجر على المستأجر مالاً بالقرض أو نحوه، فقال المستأجر للآجر: احسب هذا من مال الإجارة وفارسيته فرورواز مال إجارت فقال الأجر: فرور فتم فقد قيل: ينفسخ الإجارة بقدره.
استأجر رجلاً ليذهب محمولاته إلى موضع كذا بكذا فلما سار نصف الطريق بدا للحمال أن يذهب فترك الحمولة على المستأجر ثمَّ وطلب نصف الأجر، قال: له ذلك إذا كان الباقي من الطريق مثل الأول في السهولة، هكذا ذكر في الفتاوي. وقد ذكرنا في فصل الاستصناع أن العبرة في قسمة الأجر بقدر المراحل للسهولة والصعوبة، فيتأمل عند الفتوى.(8/386)
-----
قال في «الأصل»: ولو أن رجلاً دفع إلى صباغ ثوباً ليصبغه بعصفر بربع الهاشمي بدرهم فصبغه بقفيز، فهذا على وجهين أما إن صدقه رب الثوب في ذلك فصاحب الثوب بالخيار، إن شك ترك الثوب عليه وضمنه قيمة الثوب، وقد ذكرنا وجه ذلك فيما تقدم، وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه ما زاد العصفر فيه مع الأجر، ولم يذكر أنه أراد به المسمى (63أ4) أو أجر المثل قال بعضهم: أراد به أجر المثل. وقال بعضهم: أراد به المسمى. من قال بأنه يعطيه أجر المثل، تقول بأن العمل وإن لم يصر معيناً من حيث الحقيقة بالزيادة، بل الزيادة تزيده جوده، لكن من حيث الحكم صار معيناً، لما كان لا يتوصل إليه إلا بزيادة عزم، ولهذا ثبت له الخيار كما لو يكن في العمل عيب من حيث الحقيقة، ولو يكن في العمل به عيب من حيث الحقيقة بأن خالف في صفة المأمور به، كان الجواب على ما عرف من الخلاف بين المشايخ، فكذلك هذا،
(8/387)
-----
وقال بعضهم: بأنه أراد به المسمى لأنه لا عيب في العمل المأمور به من حيث الحقيقة، فإنه أتى بما أمر به وزيادة، فالزيادة تزيده جودة، وإذا لم يتمكن في القدر المأمور به عيب من حيث الحقيقة، لا يكون له عطاء أجر المثل، لأن أجر المثل إنما يعطيه في مثل ذلك الموضع ليدفع عن نفسه ضرر العيب، ثم قال: يعطيه ما زاد العصفر في قيمة الثوب، يريد به ما زاد العصفر في قيمة الثوب من الثلاثة الأرباع، لا قيمة ما زاد القفيز فيه؛ لأنه ضمن للربع بدلاً، وهو الآجر فلا يضمن مرة أخرى، ثم إنما يعرف قيمة ما زاد العصفر فيه، وهو أن يغرم الثوب مصبوغاً بربع قفيز ومصبوغاً بقفيز فإن كانت قيمته ربع قفيز عشرة، وقيمته مصبوغاً بقفير اثنى عشر، علم أن الصبغ زاد فيه بقدر درهمين، فإن قيل في إيجاب قيمة ما زاد الصبغ فيه إيجاب قيمة العمل؛ لأن قيمة ما زاد الصبغ فيه أن يقوم مصبوغاً، وغير مصبوغ، وفي تقويمه مصبوغاً وغير مصبوغ اعتبار قيمة العمل والعمل لا يتقوم من غير عقد، ولا شبهة عقد، والجواب عنه أن قيمة ما زاد الصبغ فيه بدل الصبغ، من حيث الحكم لا قيمة العمل، لأن إيجاب قيمة الصبغ مزايلاً متعذر؛ لأنه لا يعرف قيمة الصبغ بقيمة العمل، مزايلاً حال ما يتصل بالثوب لأنه مخلوط بالماء، وإذا تعذر إيجاب قيمة الصبغ مزيلاً أوجبنا قيمة ما زاد الصبغ فيه، واعتبرنا ذلك كله قيمة الصنع.(8/388)
-----
والدليل عليه أن محمداً أوجب أجر المثل حيث احتاج إلى إيجاب قيمة العمل مع قيمة الصنع، وهنا لما أوجب قيمة ما زاد الصبغ فيه، علمنا أنه جعل ذلك قيمة الصبغ مزايلاً، ومنهم من قال بأن الصباغ ملك رب الأرض صنعاً معمولاً وهو مال فلا بد من أن يغرم قيمته، كذلك على الوصف الذي ملكه كمن بنى في أرض رجل، ورضي به صاحب الأرض بأخذه، فإنه يغرم له قيمة البناء مبنياً لأنه ملك ذلك البناء وهو مبني معمول، فلزمه قيمة بناء مبني، فكذلك هذا، وإلى هذا ذهب الفقيه أبو بكر البلخي هذا إذا صدقه في الزيادة، فأما إذا كذبه في الزيادة، فإنه يري أهل البصر من تلك الصناعة، لأنه أمكن معرفة فيما وقع التنازع فيه لا من جهتها، فلا يلتفت إلى قول واحد منهما، فإن قالوا مثل هذا الصبغ قد يكون بربع قفيز كان القول قول رب الثوب لأن الظاهر معه، لكن مع يمينه بالله ما يعلم أنه زاد، لأنه لم يثبت من حيث اليقين أنه لم يرد فيه على الربع، وإن قالوا لا يكون إلا بالقفير صار الظاهر مع الصباغ مع اليمين؛ لأنه لم يثبت ما قالوا من حيث اليقين، فإن حلف تثبت الزيادة، وإذا ثبت الزيادة كان الجواب فيه كالجواب فيما إذا صدقه رب الثوب الخياط إذا فرغ من الخياط وبعث الثوب على يدي ابنه، وهو ليس ببالغ، فطر الطرار منه في الطريق، فإن كان الصبي عاقلاً ضابطاً يمكنه حفظه لا يضمن، وإن لم يكن ضابطاً ولا يمكنه حفظه ضمن.
في «مجموع النوازل» مثل شمس الأئمة الأوزجندي رحمه الله عن رجل استأجر رجلاً ليوقد النار في المطمورة ليلة، ففعل ونام في بعض الليل فاحترقت المطمورة وما فيها، هل يضمن الأجر؟ قال: لا قيل له فإن أوقد النار ثانياً، بغير أمر هل يضمن؟ قال: نعم.(8/389)
-----
رجل دفع عيناً إلى رجل على أنه إن شاء قبضه بالشراء بكذا وإن شاء أخذه إجارة سنة بكذا، فقبض وملك عنده، إن ملك بعد الاستعمال فهو على الإجارة، ولو قال أردت الملك إن كانت قيمته مثل الآخر، أو أكثر قبل قوله وإن كان الأجر أكثر لا يصدق، ولو لم يستعمله حتى هلك فلا ضمان عليه، لأنه لم يقبضه على الضمان.
في «مجموع النوازل»: رجل يبيع شيئاً في السوق فاستعان بواحد من أهل السوق على بيعه، فأعانه، ثم طلب منه الأجر، فإن العبرة في ذلك لعادة أهل السوق، فإن كان عادتهم أنهم يعملون بأجر يجب أجر المثل، وإن كان عادتهم أنهم يعملون بغير أجر فلا شيء له.
رجل قال لخياط: خط هذا الثوب لأعطيك أجرك، فقال الخياط: لا أريد الأجر، ثم خاطه فلا أجر له.
ولو أن صباغين أجر أحدهما آلة عمله من الآخر، ثم اشتركا في ذلك العمل، إن كان أجر كل شهر بكذا يجب الأجر في الشهر الأول، ولا يجب فيما بعده شيء، لأن الإجارة في الشهر الأول، وقعت صحيحة، وإنما ينعقد في كل شهر بعده بدخول ذلك الشهر، والشركة سبقت بأول الشهر الأول؛ فمنعت انعقادها فلا يجب أجر ما سوى الشهر الأول من هذا الوجه، وإن أجرها عشر سنين مثلاً، كل شهر بكذا، وجب أجر كل المدة؛ لأن الإجارة انعقدت على كل المدة في الحال، فلا يبطلها الشركة بعد ذلك، وإذا استأجر رجلاً ليبني له في هذه الساحة بيتين ذي سقفين أو ذي سقف واحد، وبيّن طوله وعرضه، وما أشبه ذلك وفارسيته، شكر درادن، ذكر في «فتاوي أبي الليث»: أنه لا يجوز، وينبغي أن يجوز إذا كان بآلات المستأجر للتعامل.(8/390)
-----
وفي «مجموع النوازل»: رجل دفع إلى سراج بعض آلات السرج، وأمره أن يتخذ له سرجاً بهذه الآلات، وبآلات أخرى يحتاج إليها من عند نفسه، على أن يدفع إليه أجر عمله وثمن آلاته، ودفع إليه عشرة دراهم، فلما أتم السرج، استولى على السرج بعض الظلمة وذهب به، قال: يسترد من السراج قيمة آلاته، وما دفع إليه من الأجر؛ لأن العمل لم يصر سلماً إليه، ولم يصر المستأجر قابضاً آلات السرج، باتصاله بآلاته؛ لأنه يمكن تمييزها من غير ضرر، وهذه الإجارة فاسدة؛ لأنه لا يعامل في السرج بخلاف القلنسوة والخف، لأن فيهما تعاملاً.
ومثل شمس الإسلام الأوزحندي رحمه الله عمن دفع إلى طبيب جارية مريضة، وقال له: عالجها بمالك فما يزداد من قيمتها بسبب الصحة، فالزيادة لك، ففعل الطبيب ذلك، وبرأت الجارية، فللطبيب على المالك أجر مثل المعالجة، وثمن الأدوية والنفقة، وليس له سوى ذلك.
وسئل أيضاً عمن قال لطيان أصلح هذا الخراب بعشرة، فلما شرع في العمارة ازداد الخراب فأصلح الكل فلا شيء له سوى العشرة. وسئل هو أيضاً: رجل استأجر رجلاً شهراً، قال: لا يدخل يوم الجمعة في العقد بحكم العرف.
وفي «مجموع النوازل»: معلم طلب من الصبيان ثمن الحصير، وصرف البعض إلى حاجة نفسه، أو اشترى به الحصير، واستعمله في الكتب زماناً، ثم رفعه وجعله في بيته، هل يسعه ذلك قال: نعم؛ لأن هذا في الحقيقة تمليك من آباء الصبيان للمعلمين وفيه أيضاً: دفع الرجل ولده الصغير إلى أستاذ ليعلمه حرفة كذا، في أربع سنين، وشرط على الأب أنه لو حبسه قبل أربع سنين، فللأستاذ عليه مائة درهم فحبسه بعد ثلاث سنين، فليس للأستاذ أن يطالب الأب بالمائة، ولكن يطالبه بأجر مثل عمله.
وقيل في الصغير يدفع شيئاً من المأكول إلى المعلم، إنه لا يحل للمعلم أكله، وقيل يحل، وهو الأصح لأن الآباء والأمهات راضون بذلك.(8/391)
-----
استأجر رجلاً، ليكتب له عيناً بالعربية أو بالفارسية، يطيب له الأجر، وكذا لو استأجرت امرأة لتكتب لها إلى حبيبها، يجب الأجر ويطيب له، لأنه بدل كسبه هذا إذا بين ثم ... الجواز بأن بين مقدار الخط، وما أشبه ذلك، أما إذا لم يبين كانت الإجارة فاسدة.
استأجر وراقاً ليكتب له جميع القرآن وينقطه ويعجمه. (63ب4) ويعشره وأعطاه الكاغد والحبر، وشرط له بدلاً معلوماً، فأصاب الوراق البعض وأخطأ في البعض، فإن فعل ذلك في كل ورقة فله الخيار، إن شاء أخذه وأعطاه أجر مثل عمله، لا يجاوز ما سمى، وإن شاء ترك عليه وأخذ منه قيمة ما أعطاه، وإن كان ذلك في بعض المصحف دون البعض، يعطيه حصة ما أصاب من المسمى، ويعطيه مثل عمله، لأنه وافق في البعض، وخالف في البعض، وقيل في النكال إذا غلط في جميع حدوده أو في بعضه، فإن لم يصلحه فلا أجر له وإن أصلحه فللآجر الخيار، وإن رضي به فللكاتب أجر مثله.
رجل له أجيران يعملان له عمل الزراعة بنفور له عين أحدهما بقرين، ولآخر بقرين، فاستعمل أحدهما غير ما عين له، فهلك ضمن المستعمل قيمته، وهل يضمن الأجر بالدفع؟ فقد قيل: يضمن وقيل: لا يضمن؛ لأن مودع في البقر، وقد دفعه إلى من يقوم على الدواب، والقول الأول أصح؛ وأنه جواب ظاهر الرواية وبه كان يفتي شمس الأئمة السرخسي.
في «مجموع النوازل»: رجل أودع عند رجل أحمالاً من الطعام، ففرغ المودع الظروف، وجعل فيها طعاماً له، ثم إن المودع سأل المودع أن يرد عليه أحماله حتى يحمل إلى مكة، فدفع إليه طعام نفسه، ولم يعلمه به، فحملها المودع على إبله حتى أتى مكة، كان للمودع أن يأخذ طعامه ولا أجر عليه.(8/392)
-----
سئل شمس الأئمة الحلواني: عمن استأجر حماماً في قرية مدة معلومة، فنفر الناس، ووقع الخلا، ومضت مدة الإجارة، هل يلزم المستأجر الأجر؟ قال: إن لم يستطع الرفق بالحمام فلا وأجاب ركن الإسلام السعدي بلا مطلقاً، ولو بقي بعض الناس، وذهب البعض، يجب الأجر، كذا أجابا.
وفي «مجموع النوازل»: استأجر من آجر طاحونة ببدل معلوم، على أن عليه ما سمى من الأجر أيام جريان الماء وانقطاعه، فهذا الشرط يخالف مقتضى العقد؛ لأنه لا ينتفع بالرحا زمان انقطاع الماء، والأجرة بدل المنفعة فيفسد به العقد.
وفي «النوازل» سئل الفقيه أبو القاسم عن طحان ركب في الطاحونة حجراً من ماله، واتخذ فيه حديداً وأشياء أخر كلها من ماله، فانقضت مدة إجارته، هل له أن يدفع ذلك؟ قال: إن كان فعل ذلك بإذن صاحب الطاحونة على أن يرجع في العلة يرجع فيها، وأن فعل بغير أمره إن كان غير مركب فهو له، وإن كان مركباً يدفع إليه قيمته.(8/393)
-----
وفي «فتاوى الفضلي»: وصي أو متولي أجر منزل اليتيم، أو منزل الوقف بدون أجر المثل، أيلزم المستأجر أجر المثل أم يصير غاصباً بالسكنى، فلا يلزمه الأجر بالسكنى، ذكر هنا أنه يجب على أصول علمائنا أن يصير غاصباً، ولا يلزمه الأجر لأنه قال في كتاب المزارعة الوكيل يدفع الأرض مزارعة: إذا دفعها مزارعة وشرط للمزارع من الزرع ما لا يتغابن الناس في مثلة، أن الوكيل يصير مخالفاً غاصباً ويصير الزارع غاصباً، ولم يقل أن هذه مزارعة فاسدة، فيحكم فيها بما يحكم في المزارعة الفاسدة، قال: وذكر الخصاف في كتابه: أن المستأجر لا يكون غاصباً، ويلزمه أجر المثل، وجعل حكمه حكم الإجارة الفاسدة، فقيل له الفتى بما ذكره الخصاف؟ فقال: نعم، وذكر بعد هذا أيضاً أنه يلزم المستأجر أجر المثل بكماله، لأن الإجارة لو كانت من مالك المنزل، ولم يكن سمى الأجر فيها، كان يجب على المستأجر أجر المثل بالغاً ما بلغ، ولو كان سمى فيها الأجر وجب الأجر، ولا يزاد على المسمى، فالزيادة على المسمى إنما لم تجب على المستأجر، لأن المؤاجر أبطلها بالتسمية، فالوصي والقيم أيضاً لولا يسميان فيها الأجر يجب فيها أجر المثل بالغا ما بلغ، فإذا سميا الأجر لو لم تجب الزيادة على المسمى لكان سقوط الزيادة لإبطالهما إياها بالتسمية وليس لهما إلى إبطالهما سبيل، فيجعل كأن التسمية لم توجد في الزيادة، فوجب وذكر قبل هذا إذا أجر منديلاً لابنه الصغير بدون أجر المثل.
(8/394)
-----
قال القاضي الإمام على السعدي لو غصب إنسان دار صبي، قال بعض الناس يجب عليه أجر المثل، فما ظنك في هذا، وهكذا فيمن غصب الوقف قال بعضهم: يجب أجر المثل. قال الفضلي رحمه الله: والذي يصح عندي أن المستأجر يصير غاصباً عند من يرى غصب الدور، ويجب جميع المسمى عنده، أما عند من يرى غصب الدور فعلى مذهبه جميع المسمى لازم له على كل حال. وكان الشيخ الإمام ظهير الدين يفتي بوجوب أجر المثل في أرض الوقف، في الغصب، وفي أرض الصبي لا. ومن المشايخ من يفتى بوجوب أجر المثل، أما إذا كان ضمان النقصان خير لليتيم وللوقف، وهكذا فيمن سكن داراً له، أو حانوتاً له وذلك وعد للإجارة، يجب أجر المثل، إلا إذا كان النقصان خيراً له.
وفي «فتاوى الفضلي» أيضاً: أجر منزلاً إجارة طويلة، وهذا المنزل موقوف عليه، كان وقف والده عليه وعلى أولاده أبداً ما تناسلوا، وأنفق المستأجر في عمارة هذا المنزل بعض النفقات بأمر المؤاجر، فإن لم يكن للمؤاجر ولاية في الوقف، كان غاصباً، ولم يكن على المستأجر إلا المسمى، وذلك للمؤاجر يتصدق به، وإن كان له ولاية في الوقف وعلى المستأجر أجر المثل في المدة التي كانت في يده لا عبرة لما سمى من قليل الأجر في السنين الأولى، ويرجع المستأجر بالذي أنفق في غلة الوقف، إن كان للمؤاجر ولاية في الوقف، وإلا فهو متطوع فيما أنفق لا يرجع به على المؤاجر ولا في علة الوقف، لأنه إذا لم يكن له ولاية، صار وجود الأمن منه كعدمه، ولو أنفق بدون أمره لا يرجع بذلك على أحد، كذا ههنا، وقد ذكرنا فيما تقدم أن مكتري الحمار إذا أمر غيره أن ينفق على الحمار المكترى الذي بقي في الطريق ففعل، إن كان المأمور يعلم أن الحمار لغير الأمر فهو متطوع، لا يرجع بما أنفق علي أحد، إلا أن يكون الأمر ضمن له النفقة، وإن كان لا يعلم أن الحمار لغير الآمر فليس بمتطوع، فكذا في مسألة البناء، في الوقف بأمر الآجر يجب أن يكون الجواب على ذلك التفصيل.(8/395)
-----
مريض أجر داره من رجل بدون أجر المثل، يعتبر من جميع المال؛ لأن حق الورثة لا يتعلق بالمنافع، وما لا يتعلق به حق الورثة، فالمريض والصحيح فيه على السواء.
استأجر حانوتاً موقوفاً على الفقراء وأراد أن يبني عليه غرفة من ماله، وينتفع بها من غير أن يزيد في أجره، فحينئذ يبني على مقدار ما لا يخاف على البناء القديم من ضرر، وإن كان هذا حانوتاً يكون معطلاً في أكثر الأوقات، وإنما رغب فيه المستأجر لأجل البناء عليه، فإنه يطلق له في ذلك من غير زيادة في الأجر؛ لأن فيه مصلحة الوقف.
رجل استأجر حجرة من أوقاف المسجد، ويكسر فيها الحطب بالقدوم، والجيران لا يرضون بذلك، والمتولي يرضى به، فإن كان في ذلك ضرر بين بالحجرة مثل القصارة والحدادة، والمتولي يجد من يستأجرها بذلك الأجر، فعليه أن يمنعه من ذلك، فإن لم يمنع أخرجه من الحجرة، وأجرها من غيره، وإن كان غيره لا يستأجر بتلك الأجرة، فالقيم يتركها في يده، إلا إذا خاف تلف بناء الوقف من ذلك العمل.
وفي «فتاوي الفضلى»: متولي الوقف أجر ضيعة الوقف من رجل سنين، ثم مات الآجر، ثم مات المستأجر قبل انقضاء المدة، ودفع المستأجر غلة الضيعة، فإن كانت الغلة زرعا زرعها الورثة ببذرهم كانت الغلة لهم، وعليهم ما نقصت الزراعة الأرض، تصرف ذلك إلى مصالح أرض الوقف لا حق للموقوف عليهم الأرض في ذلك، لأن هذا النقصان إنما وجب لنقصان في عين الأرض، وهو الموقوف عليهم في منفعة الأرض لا في عينها، وإنما وجب نقصان الأرض دون الأجر؛ لأن الإجارة قد انفسخت بالموت، وصارت الورثة بالزراعة بعد ذلك غاصبين، فوجب النقصان دون الأجر لهذا.
وفي «النوازل» ساحة (64أ4) بين يدي حانوت لرجل في الشارع، فأجرها من رجل يبيع الفاكهة كل شهر بدرهم، فما يأخذ من الأجرة فهو للعاقد؛ لأنه غاصب، وفي الغضب الأجرة للعاقد.v(8/396)
-----
قال الفقيه أبو الليث: هذا إذا كان ثمة بناء أو دكان؛ لأن بذلك يصير غاصباً، أما بدونه لا يصير غاصباً؛ لأن غصب العقار عندهما لا يتحقق، وعندي أن الصحيح هو الأول، لأن عندهما الغصب إنما لا يتحقق في العقار في حق حكم الضمان، لا فيما وراء ذلك يتحقق، ألا ترى أن في حق الرد يتحقق، فكذا في حق استحقاق الأجرة.
رجل استأجر أرضاً، وانفسخت الإجارة بينهما بمضي المدة أو بالفسخ، قبل مضى المدة وفي الأرض زرع، والزرع يغل، فالزرع للمستأجر، فإن أبى المستأجر الآجر عن جميع الخصومات والدعاوي، ثم بعد ذلك أدرك الزرع، ودفع الآجر الغلة، وادعى المستأجر الغلة وخاصم الآجر فيها، هل يسمع دعواه؟ فقد قيل يسمع دعواه، وقد قيل لا يسمع دعواه، وهو الأشبه، وكذلك لو كان الآجر دفع الغلة أولاً، ثم أبرأه المستأجر عن الدعاوي لا يصح دعوى المستأجر الغلة، وهذا إذا جحد الآجر أن الزرع زرعه، فأما إذا كان مقراً أن الزرع للمستأجر يؤمر بالرد عليه، وعلى هذا إذا أبرأ أحد الورثة الباقين، ثم ادعى التركة، وجحد باقي الورثة التركة، لا يسمع دعواه، ولو أقروا بالتركة يؤمرون بالرد عليه.
استأجر طاحونة، وأجرها من غيره، فانهدم بعضه، فقال المستأجر الأول للثاني: أنفق في عمارة هذه الطاحونة، فأنفق هل يرجع بذلك على المستأجر الأول إن علم الثاني أنه مستأجر وليس بمالك، لا يرجع وإن ظنه مالكاً فيه روايتان، في رواية لا يرجع ما لم يشترط الرجوع، وفي رواية يرجع بدون الشرط.
دار فيها بئر استأجر رجل الدار، فله أن يتوضأ بذلك الماء، ويشرب.
استأجر حجرة كل شهر ببدل معلوم، وغاب وترك امرأته في الدار، فليس للآجر أن يخرجها؛ لأنه ليس له أن يفسخ الإجارة، من غير محضر من صاحبه، والحيلة في ذلك أن يؤاجر هذه الدار من إنسان، في بعض الشهور فإذا مضى ذلك الشهر ينفسخ الإجارة الأولى وتنعقد الثانية، وكان للمستأجر الثاني أن يخرج المرأة من الدار.(8/397)
-----
وإذا استأجر من آجر داراً، ثم إن الآجر وهب له أجر شهر رمضان، إن استأجرها سنة جاز الهبة عند محمد رحمه الله لأنه أبرأ بعد وجود سبب الوجوب، وإن استأجرها كل شهر لا يجوز الهبة عند محمد، إلا إذا دخل شهر رمضان.
استأجر داراً وبنى فيها حائطاً من تراب، كان فيها بغير أمر صاحب الدار، ثم أراد الخروج وأراد نقض الحائط، هل له ذلك، ينظر إن كان اتخذ من التراب لبنا، وبنى الحائط من اللبن، فله ذلك وعليه قيمة التراب؛ لأن باتخاذ اللبن صار اللبن ملكاً له، فله أن يأخذ ملك نفسه، وإن كان بنى الحائط من الطين له يأخره بنايا شد فليس له أن ينقض الحائط، لأن ما نقض يعود على ملك المالك؛ لأنه يصير تراباً.
رجل اشترى شجرة وقطعها، واستأجر أرضاً ليضع فيها الأشجار حتى تيبس، والأرض المستأجر لها طريق في أرض رجل آخر، فأراد مشتري الأشجار أن يمر في الأرض التي فيها طريق إلى الأرض المستأجرة بخشبه وحمولاته، وأراد صاحب الأرض أن يمنعه من ذلك، ليس له أن يمنعه، لأنه يحتاج إلى الإخراج والإخراج يكون بطريقة، وطريقه هذا.
وبه ختم كتاب الإجارات بعون الله وحسن توفيقه والحمد لله رب العالمين.
(8/398)
كتاب القضاء
هذا الكتاب يشتمل على ثلاثة وثلاثين فصلاً
1 * في بيان من يجوز له تقليد القضاء منه.
2 * في الدخول في القضاء.
3 * في ترتيب الدلائل للعمل بها.
4 * في اختلاف العلماء في اجتهاد الصحابة.
5 * في التقليد والعزل.
6 * في بعض التقليد وما يقع للقاضي نفسه وحكم الأمراء.
7 * في جلوس القاضي، ومكان جلوسه.
8 * في أفعال القاضي وصفاته.
9 * في رزقه ومدته ودعوته.
10 * في بيان ما يكون حكماً، وما لا يكون حكماً، وما يبطل به الحاكم بعد وقوعه صحيحاً وما لا يبطل.
11 * في العدو.
12 * فيما يقضي القاضي بعلمه، وفي القضاء بشهادة من أقل من اثنين.
13 * في القاضي يجد في ديوانه شيئاً لا يحفظه وفي نسيانه قضاءه وفي الشاهد يرى شهادته ولا يحفظ.
-----
14 * في القاضي يقضي بقضيته ثم بدا له أن يرجع عنه وفي وقوع القضاء بغير حق.
15 * فيما إذا وقع القضاء بشهادة الزور، ولم يعلم القاضي.
16 * في القضاء بخلاف ما يعتقده المحكوم له أو المحكوم عليه وفيه بعض مسائل الفتوى.
17 * في أقوال القاضي، وما ينبغي للقاضي أن يقول وما لا ينبغي.
18 * في قبض المحاضر من ديوان القاضي المعزول.
19 * في القضاء في المجتهدات،
20 * فيما يجوز فيه قضاء القاضي وما لا يجوز.
21 * في الجرح والتعديل.
22 * فيما ينبغي للقاضي أن يضعه على يدي عدل.
23 * في الرجلين يحكمان بينهما حكماً.
24 * في كتاب القضاة إلى القضاة.
25 * في اليمين.
26 * في إثبات الوكالة والوراثة وفي إثبات الدين.
27 * وفي الحبس والملازمة.
28 * فيما يقضي به القاضي ويرد قضاءه وما لا يرد.
29 * في بيان ما يحدث بعد إقامة البينة قبل القضاء.
30 * في بيان من يشترط حضرته بسماع الخصومة والبينة وحكم القاضي وما يتصل بذلك.
31 * في نصب الوصي والقيم وإثبات الوصاة عند القاضي.
32 * في القضاء على الغائب والقضاء الذي يتعدى إلى غير المقضى عليه، وقيام بعض أهل الحق عن البعض في إقامة البينة.
33 * في المتفرقات.
(8/400)
الفصل الأول: في بيان من يجوز له تقليد القضاء منه
-----
قال الخصاف في «أدب القاضي»: إنما يجوز تقليد القضاء لمن كان عالماً بالكتاب والسنة واجتهاد الرأي؛ لأن القاضي مأمور بالقضاء بحق، قال الله تعالى: {يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق} (ص: 26) ، وإنما يمكنه القضاء بالحق، إذا كان عالماً بالكتاب والسنة واجتهاد الرأي، أما العلم بالكتاب والسنة؛ فلأن الاجتهاد في موضع النص باطل، فكان العمل بالنص في موضع النص متعيناً، وإنما يمكنه العمل بالنص، إذا كان عالماً به، وأما اجتهاد الرأي فلأن النصوص معدودة، والحوادث مهدودة، والإنسان لا يحد في كل حادثة تفصل به تلك الحادثة، فيحتاج إلى استنباط المعنى من المنصوص عليه، وإنما يمكنه ذلك، إذا كان عالماً باجتهاد الرأي، وعندنا العلم بالأدلة شرط الأولوية، وليس شرط جواز تقليد القضاء، حتى لو قلد جاهل وقضى هذا الجاهل بفتوى غيره، يجوز والصحيح مذهبنا؛ لأن المأمور في حق القاضي القضاء بالحق، والقضاء بما أنزل الله، والقضاء بفتوى الغير قضاء بالحق وبما أنزل الله تعالى.
والخصاف لم يشترط العدالة، وصاحب كتاب «الأقضية» أبو جعفر، شرط العدالة، وكذلك الخصاف شرط العدالة وهي شرط لازم عند الشافعي، وهكذا روي عن أصحابنا في غير رواية الأصول، وبه أخذ بعض مشايخنا، حتى إن قلد القضاء وهو غير عدل، لا يصير قاضياً.
وعلى ظاهر رواية أصحابنا العدالة شرط الأولوية، وهو اختيار عامة مشايخنا رحمهم الله، حتى أن الأولى أن لا يقلد الفاسق، ومع هذا لو قلد يصر قاضياً، اعتباراً للقضاء بالشهادة، فإن الأولى أن لا تقبل شهادة الفاسق، ومع هذا لو قبلت وقضى بها نفذ القضاء.(8/401)
-----
ولو قلد القضاء وهو عدل ثم فسق، فعلى قول الشافعي رحمه الله ينعزل، وإشارات محمد رحمه الله في الكتب متعارضة في بعضها يشير إلى أنه ينعزل، وبه أخذ بعض مشايخنا، وفي بعضها يشير إلى أنه لا ينعزل، ولكن به يستحق العزل، وبه أخذ عامة المشايخ، إلا إذا شرط في التقليد أنه متى خان ينعزل، فحينئذ ينعزل لأنها غايته لا بالجور وبعض مشايخنا قالوا: (64ب4) إن كان عدلاً حين قلده السلطان ثم فسق ينعزل، وإن كان فاسقاً حين قلده يصير قاضياً، وهذا لأنه إذا كان عدلاً يوم قلده فإنما، قلده اعتماداً منه على عدالته، تنفيذ التقليد بحال عدالته، ولا يبقى التقليد بعد ارتفاع العدالة، وإذا قلده فيما هو عدل، فلم يعقد على عدالته، فصح التقليد.
ثم من شرط العدالة في القضاء، يحتاج إلى الفرق بين القضاء والإمارة، فإن الإمام يصير إماماً، وإن كان فاسقاً، وإذا كان عدلاً، ثم فسق لا يخرج عن الإمارة والإمامة، والفرق أن مبنى الإمارة على السلطنة والغلبة، ألا ترى أن من الأمراء من قد غلب، وجاز أحكامه، وصلى خلفه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومبنى القضاء على الأمانة والعدالة، فإذا بطلت العدالة بطل القضاء ضرورة، هذا بيان من يجوز له تقلد القضاء.(8/402)
-----
جئنا إلى بيان من يجوز تقلد القضاء منه، فنقول: يجوز تقلد القضاء من السلطان العادل والجائر، أما من السلطان العادل فظاهر، وأما من السلطان الجائر، فلأن الصحابة تقلدوا الأعمال من معاوية بعد ما أظهر الخلاف مع علي رضي الله عنه، والحق مع علي رضي الله عنه في قومته، وتقلدوا من يزيد مع جوره وفسقه، والتابعين تقلدوا من حجاج بعد ما تبين منه اللجاج، ومع أنه كان أفسق أهل زمانه، حتى قال الحسن البصري: لو كان كلامه بحيث أنها وصية بأبي محمد قبلناه، ولكن أن يجوز تقلد القضاء من السلطان الجائر، إذا كان يمكنه من القضاء بحق، ولا يخوض في قضاياه بشر، ولا ينهاه عن تنفيذ بعض الأحكام كما ينبغي، أما إذا كان لا يمكنه من القضاء بحق ويخوض في قضاياه بشر، ولا يمكنه من تنفيذ بعض الأحكام كما ينبغي، لا يتقلد منه.
قال القاضي الإمام أبو جعفر رحمه الله وهو صاحب كتاب «الأقضية» بعد ما تبين أهل القضاء: ولا ينبغي لأحد أن يفتى للناس إلا من كان هكذا، يريد به أن المفتي ينبغي أن يكون عدلاً، عالماً بالكتاب والسنة واجتهاد الرأي، أما اشتراط العلم بهذه الأشياء؛ فلأن المفتي بفتواه يبين أحكام الشرع، وإنما يمكنه بيان أحكام الشرع إذا علم بالأدلة الشرعية، وأما اشتراط العدالة فمؤتمن عليه، قال: إلا أن يفتي بشيء قد سمعه فإنه يجوز، وإن لم يكن عالماً بما ذكرنا من الأدلة، لأنه حاك ما سمع من غيره، فهو بمنزلة الراوي في باب الأحاديث، فشرط فيه ما يشترط في الراوي، من العقل والضبط والعدالة والقهر على ما عرف في موضعه.
(8/403)
الفصل الثاني: في الدخول في القضاء
-----
أورد الخصاف في «أدب القاضي» أحاديثاً في كراهة الدخول في القضاء، وفي الرخصة فيه، قال: وقد دخل فيه قوم صالحون، وامتنع عنه قوم صالحون، وترك الدخول أمثل وأسلم وأصلح في الدين، وهذا فصل اختلف فيه المشايخ أن بعد استجماع شرائط القضاء في شخص هل يجوز له تقلد القضاء؟ قال بعضهم: يكره له التقليد، ألا ترى كيف امتنع عنه أبو حنيفة رحمه الله حتى ضرب ثلاث مرات في كل مرة ثلاثين سوطاً، وألا ترى أن محمداً رحمه الله كيف أباه حتى قيد نيفاً وخمسين يوماً، وفي رواية نيفاً وأربعين يوماً، وقال بعضهم: له أن يقلد إذا كان يمكنه القيام بحقه، ألا ترى أن الأنبياء عليهم السلام اشتغلوا به حتى نبينا عليه السلام والصحابة رضي الله عنهم اشتغلوا به، ولأن في القضاء إظهار سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإحياء شريعته، ولهذا يطلق على القاضي اسم خليفة رسول الله بلا خلاف، وإن اختلفوا أنه هل يطلق عليه اسم خليفة الله، وفيه إيصال الحق إلى مستحقيه، وفيه نصرة المظلومين، وكل ذلك حسن عقلاً وشرعاً، وقال بعضهم: من قلد بغير مسألة فلا بأس بالقبول، ومن سأل يكره له ذلك، وهذا لأن من سأل فقد اعتمد على نفسه، ووكل إليه، ومن أجبر عليه فقد اعتمد على الله، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، والذي عليه عامة المشايخ أن الدخول في القضاء رخصة، والامتناع عنه عزيمة، أما الدخول فيه رخصة لما ذكرنا أن فيه إيصال الحق إلى المستحق، وفيه نصرة المظلومين، وأما الامتناع عنه عزيمة، لوجهين أحدهما أن القاضي مأمور بالقضاء بحق وعسى يظن في الابتداء أنه يقضي بحق، ثم لا يقضى في الانتهاء بحق، والثاني أنه عسى لا يمكنه القضاء إلا بإعانة غيره، وذلك الغير عسى لا يعينه على القضاء، ولكن هذا إذا كان في البلد قوم صالحون للقضاء، أما إذا لم يكن في البلد قوم يصلحون للقضاء سواه، يدخل في القضاء لا محالة؛ لأنه لو لم يدخل ربما تقلد الجاهل فيضيع أحكام الله تعالى، وعلى هذا حكم(8/404)
الإثم،(8/405)
-----
إذا كان في البلد قوم يصلحون للقضاء، وامتنع واحد منهم لا يأثم، وإذا لم يكن في البلد من يصلح للقضاء إلا واحد وامتنع هو يأثم، وإذا كان في البلد قوم يصلحون للقضاء فامتنعوا جملة عن القضاء، فإن كان الوالي بحيث يفصل الخصومات بنفسه، كما ينبغي، فإنهم لا يأثمون، وإن كان الوالي بحيث لا يفصل الخصومات بنفسه كما ينبغي، فإنهم يأثمون، لأنهم ضيعوا حقوق الله تعالى وحقوق العباد، فإنهم يشتركون في الإثم.
الفصل الثالث: في ترتيب الدلائل للعمل بها
قال: ينبغي للقاضي أن يقضي بما في كتاب الله تعالى، وينبغي أن يعرف ما في كتاب الله تعالى من الناسخ والمنسوخ، لأنه إنما يجب العمل بالناسخ دون المنسوخ وينبغي أن يعرف من الناسخ ما هو محكم، وما هو متشابه، وفي تأويله اختلاف، كالأقراء فإن الله تعالى نص على الأقراء في مضي العدة، وقد اختلف العلماء في تأويلها، فمنهم من جعلها عبارة عن الأطهار، فينبغي أن يعرف المتشابه، وما فيه اختلاف العلماء؛ ليترجح قول البعض على البعض باجتهاده، فإن لم يجد في كتاب الله تعالى، يقضي بما جاء عن رسول الله عليه والسلام، قال الله تعالى: {ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (الحشر: 7)) وينبغي أن يعرف الناسخ والمنسوخ من الأخبار، لما ذكرنا أنه يجب العمل بالناسخ دون المنسوخ، فإن اختلفت الأخبار يأخذ بما هو الأشبه، ويحيل اجتهاده إليه، ويجب أن يعلم المتواتر والمشهور، وما كان من خبر الآحاد؛ لأن المتواتر واجب العمل به قطعاً، يكفر جاحده، ولكن يخشى عليه المأثم، وما كان من خبر الآحاد يخطّأ جاحده.(8/406)
-----
ويجب أن يعلم مراتب الرواة، فإن منهم من عرف بالفقه والعدالة كالخلفاء الراشدين، والعبادلة وغيرهم، ومنهم من عرف بطول الصحبة وحسن الضبط، والأخذ براوية من عرف بالفقه أولى من الأخذ برواية من لم يعرف بالفقه، وكذلك الأخذ برواية من عرف بطول الصحبة، أولى من الأخذ برواية من لم يعرف بطول الصحبة، وإن كان حادثة لم يرد فيها سنة رسول الله، يقضي فيها بما اجتمع عليه الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن العمل بإجماع الصحابة واجب، فإن كان الصحابة فيها مختلفين، يجتهد في ذلك، ويرجح قول بعضهم على البعض باجتهاده، إذا كان من أهل الاجتهاد، وليس له أن يخالفهم جميعاً باختراع قول ثالث؛ لأنهم مع اختلافهم اتفقوا على أن ما عدا القولين باطل، وكأن الخصاف رحمه الله يقول له ذلك، لأن اختلافهم اتفقوا على أن ما عدا القولين باطل، وكان الجصاص رحمه الله يقول: ذلك لأن اختلافهم يدل على أن للاجتهاد فيه مجالاً، والصحيح ما ذكرنا، ولا يفضل قول الجماعة على قول الواحد، قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله: وهذا على أصل أبي حنيفة رحمه الله، أما على أصل محمد: يفضل قول الجماعة على قول الواحد، وقد ذكر محمد رحمه الله في «السير الكبير» في مسألة: قال أهل العراق وأهل الحجاز كذا، وقال أهل الشام: كذا، فأخذنا بقول أهل العراق والحجاز لكثرتهم ولانتفاء التهمة عن قولهم.
ثم الإجماع (65أ4) ينعقد بطريقين:
أحدهما: اتفاق كل الصحابة على حكم بأقوالهم، وهذا متفق عليه.(8/407)
-----
والثاني: تنصيص البعض، وسكوت الباقين، بأن اشتهر قول البعض وبلغ الباقون ذلك، فسكتوا ولم ينكروا ذلك، وهذا مذهبنا، وإنما كان كذلك لأنه لو كان عند الباقين خلاف ذلك، لما حل لهم السكوت فيحمل سكوتهم على الموافقة حملاً لأمرهم على ما يحل لهم شرعاً، ولكن هذا الإجماع في المرتبة دون الأول، لأن الأول مجمع عليه، والثاني مختلف فيه، فإن وجد من كل الصحابة اتفاق إلا واحد، فإنه خالفهم فعلى قول الكرخي لا يثبت حكم الإجماع، وهو قول الشافعي، والصحيح عندنا أنهم إن سوّغوا له الاجتهاد، ولا ينعقد الإجماع مع مخالفته، نحو خلاف ابن عباس رضي الله عنهما في زوج وأبوين، قال: للأم ثلث جميع المال، وإن لم يسوغوا له الاجتهاد، بل أنكروا عليه ذلك، يثبت حكم الإجماع بدون قوله حتى لو قضى قاض بجواز بيع الدرهم بالدرهمين، لا ينعقد قضاؤه.
وحكي عن القاضي أبي حازم رحمه الله: أن الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا على شيء لا يلتفت إلى خلاف من خالفهم، حتى لم يعتبر خلاف زيد في توريث ذوي الأرحام، وأمر المعتصم برد الأموال التي اجتمعت من تركات ذوي الأرحام، فقال له أبو سعيد البردعي: هذا شيء يفتى فيه على قول زيد، فقال أبو حازم: لا يعتبر خلاف زيد في مقابلة الخلفاء الراشدين. ولكن الصحيح ما ذكرنا، فإن جاء حديث من واحد من الصحابة ولم ينقل عن غيره خلاف ذلك، فعن أبي حنيفة رحمه الله ثلاث روايات:
في رواية قال: أقلد منهم من كان من القضاة المفتيين لقوله عليه السلام: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما»، وقد اجتمع في حقهما القضاء والفتوى، فمن كان منهما كعثمان وعليّ والعبادلة الثلاثة وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، ومن كان بمثابتهم أقلدهم، ولا أستجر خلافهم.(8/408)
-----
وفي رواية قال: أقلد جميع الصحابة إلا ثلاثة منهم أنس بن مالك، وأبو هريرة، وسمرة بن جندب رضى الله عنهم. أما أنس فقد بلغني أنه اختلط عقله في آخر عمره، وكان يستفتي من علقمة، وإنما لا أقلد علقمة فكيف أقلد من يستفتي علقمة، وأما أبو هريرة فإنه لم يكن من أئمة الفتوى، بل كان من الرواة فيما كان يروى لا يتأمل في المعنى، وكان لا يعرف الناسخ والمنسوخ، ولأجل ذلك حجر عليه عمر رضي الله عنه، عن الفتوى في آخر عمره، وأما سمرة بن جندب فقد بلغني عنه أمر يتأبى، والذي بلغ عنه، إنه كان يتوسع في الأشربة المسكرة سوى الخمر، وكان يتدلك في الحمام بالخمر، فلم نقلدهم في فتواهم لهذا، أما فيما روي عن النبي عليه السلام أنه كان يأخذ بروايتهم، لأن كل واحد موثوق به فيما يروي.
(8/409)
-----
وفي رواية قال: أقلد جميع الصحابيين ولا أستجر خلافهم، وهو الظاهر من المذهب، فقد قال في كتاب الحيض: أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام، بلغنا ذلك عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وقال في كتاب الأيمان: إذا نذر بذبح ولده يصح نذره عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، بلغنا نحو ذلك، عن ابن عباس رضى الله عنهما، وقال: في شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن، أنه لا يجوز، بلغنا ذلك عن عائشة رضى الله عنها، ونظائره في الكتب كثيرة، وهذا لأنهم ما كانوا يفتون جزافاً، وإنما كانوا يفتون سماعاً أو اجتهاداً، فإن كان سماعاً يلزمنا اتباعهم، وهذا ظاهر، وإن كان اجتهاداً فكذلك، لأنهم صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاينوا وشهدوا التنزيل، وشهد لهم رسول الله عليه السلام بالخيرية، بقوله: «خير القرون قرني الذي أنا فيهم». فيوفقون في الصواب بسبب صحبة رسول الله عليه السلام ولكونهم خير القرون مالا يوفق غيرهم، ولأنهم عرفوا طريق رسول الله في بيان الأحكام، وشاهدوا الأحوال التي نزلت فيها النصوص، والمحال التي تعتبر باعتبارها الأحكام، فيكون رأيهم أقوى، واجتهادهم أصوب.
وإن اجتمعت الصحابة على حكم، وخالفهم واحد من التابعين، إن كان المخالف ممن لم يدرك عهد الصحابة، لا يفيد خلافه، حتى لو قضى القاضي بقوله، بخلاف إجماع الصحابة كان باطلاً، وإن كان ممن أدرك عهد الصحابة، وزاحمهم في الفتوى، وسوغوا له الاجتهاد، كشريح والنخعي والشعبي رضي الله عنهم، لا ينعقد الإجماع مع مخالفته.
ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله: لا يثبت إجماع الصحابة في الأسعار؛ لأن إبراهيم النخعي كان يكرهه وهو ممن أدرك عهد الصحابة، فلا يثبت الإجماع بدون قوله، وهذا لأنه لما أدرك عهد الصحابة وسوغوا له الاجتهاد، حتى زاحمهم في الفتوى، فقد جعلوه كواحد منهم فصار خلافه كخلاف واحد منهم.(8/410)
-----
فإن كانت حادثة ليس فيها إجماع الصحابة، ولا قول واحد من الصحابة، ولكن فيه إجماع التابعين، فإنه يقضى بإجماعهم؛ لأن إجماع التابعين حجة قال الله تعالي: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى} (النساء: 15) الآية، وخلاف إجماعهم اتباع غير سبيل المؤمنين، إلا أن إجماع التابعين في كونه حجة دون إجماع الصحابة، لأن بعض الناس قالوا: إجماعهم ليس بحجة، إنما ذلك للصحابة، وكذلك إجماع كل فريق بعد ذلك حجة، ولكنه دون الأول في كونه حجة.[
وإن كانت حادثة فيها اختلاف التابعين، يجتهد القاضي في ذلك، إذا كان من أهل الاجتهاد، ويقضي بما هو أقرب للصواب، وأشبه بالحق، وليس له أن يخالفهم باختراع قول ثالث عندنا، على نحو ما ذكرنا في الصحابة، وإن جاء عن بعض التابعين ولم ينقل عن غيرهم فيه شيء، فعن أبي حنيفة رحمه الله فيه روايتان: في رواية قال: لا أقلدهم، رجال اجتهدوا، ونحن رجال نجتهد، وهو ظاهر المذهب، وفي رواية «النوادر» قال: من كان منهم أفتى في زمن الصحابة، وسوغوا له الاجتهاد، مثل شريح، ومسروق بن الأجدع، والحسن، فأنا أقلدهم، وهذا لأن من أفتى في زمن الصحابة وسوغوا له الاجتهاد، فقد جعلوه كواحد منهم، فإن لم يجد عنهم بإجماع، يعمل بإجماع من بعدهم، إن كان في الزمان الذي هو فيه، وهذا لأن إجماع كل عصر حجة بالنص الذي تلونا وبقوله عليه السلام: «لا تجتمع أمتي على الضلالة».
فإن لم يجد في ذلك إجماعاً، وكان فيه اتفاق بين أصحابنا أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله، يأخذ بقولهم ولا يسعه أن يخالفهم برأيه؛ لأن الحق لا يعدوهم.
فإن أبا يوسف رحمه الله كان صاحب حديث، حتى روي عنه أنه قال: أحفظ عشرين ألف حديث من المنسوخ، وإذا كان هذا يحفظ هذا من المنسوخ، فما ظنك من الناسخ، وكان صاحب فقه ومعنى أيضاً.(8/411)
-----
ومحمد رحمه الله كان صاحب فقه ومعنى، وكان صاحب قريحة أيضاً، ولهذا قال في «المسائل» رجوعه وأبا حنيفة رحمه الله كان مقدماً في هذا كله إلا أنه قلّت روايته لمذهب يقول به، في باب الحديث: إنما يحل رواية الحديث لمن يحفظ من حين يسمع إلى أن يروي.
وإن اختلفوا فيما بينهم، قال عبد الله بن مبارك: يأخذ بقول أبي حنيفة لا محالة لأنه كان في زمن التابعين وزاحمهم في الفتوى، وقد شهد رسول الله عليه السلام بالخيرية فالظاهر أن يوفق للصواب، ما لا يوفق غيره، والمتأخرون من مشايخنا رحمهم الله اختلفوا وقالوا: إذا اجتمع اثنان منهم على شيء وفيهما أبو حنيفة رحمه الله، أنه يأخذ بقول أبي حنيفة رحمه الله، وإن كان أبو حنيفة من جانب وأبو يوسف ومحمد رحمها الله من جانب، فإن كان القاضي من أهل الاجتهاد يجتهد، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد يستفتي غيره، ويأخذ بقول المفتي بمنزلة العامي، وإن كان أبو حنيفة رحمه الله أعلى رتبة؛ لأنه قد يرزق الرجل الصواب، وإن كان غيره أعلى رتبة، فإن أدراك الصواب فضيلة يرزقه الله تعالى من عباده من يشاء وإن لم يكن من أهل الاجتهاد يأخذ بقول (65ب4) أبي حنيفة، ولا يترك مذهبه؛ لأنه أفقه عنده من غيره، فلا يترك متابعته.
وإن اختلف المتقدمون على قولين، ثم أجمع من بعدهم على أحد هذين القولين فهذا الإجماع، هل يرفع الخلاف المتقدم؟ فقد قيل على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، لا يرفع، وعلى قول محمد رحمه الله: أنه يرفع، وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمه الله أنه يرفع الخلاف المتقدم بلا خلاف بين أصحابنا رحمهم الله، وإنما يخالف في ذلك بعض العلماء، على ما يأتي بيانه بعد هذا، إن شاء الله.(8/412)
-----
وإن اتفق أهل عصر على قول، .....، فخرج هذا القاضي عن قولهم، وقضى بخلاف قولهم لما رأى الصواب بخلافه، فإن كان قد سبق هذا الاتفاق، اختلاف العلماء، فقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: لا يسعه الخلاف. وبعضهم قالوا: يسعه. فإن لم يسبق هذا الاتفاق اختلاف لا يسعه الخلاف بالاتفاق، بقي الكلام بعد هذا في تفسير الاجتهاد، وفي أهلية الاجتهاد.
أما تفسيره فالاجتهاد بذل المجهود لطلب المقصود، وأما أهله: فأهل الاجتهاد من يكون عالماً بالكتاب، والسنة، والآثار، ووجوه الفقه، ويشترط مع ذلك، أن يكون صاحب قريحة يعرف عرف الناس، وعاداتهم، ومعاملاتهم، فالعرف قد يغلب على الناس، كما في الاستصناع، والحكم قد يتغير بتغير العصر والزمان، ويشترط مع ذلك أن يكون عالماً بلغة العرب؛ لأن القرآن والأخبار جاءت بلغتهم.
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: إذا كان يحفظ المنسوخ من أقوال المتقدمين له أن يجتهد.(8/413)
-----
قال: وإذا كان في البلد قوم من أهل الفقه شاورهم في ذلك؛ لأن القاضي لا يكون أفطن في نفسه من رسول الله عليه السلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالمشاورة، قال الله تعالى: {وشاورهم} (آل عمران: 159) وقال عليه السلام: «من العزم أن تستشير ذا رأي ثم تطيعه»، وقال عليه السلام: «المستشير يصيب» أو قال: «كاد أن يصيب». وشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وعمر رضى الله عنهما في شيء، فسكتا مهابة منه فقال عليه السلام: «قولا فإني فيما لم يوح إلي مثلكما». ولأن بالمشاورة تجتمع الآراء، وظهور الحق عند اجتماع الآراء أَبْيَنُ، ولهذا قيل: في المشاورة تلقيح العقول، فإذا شاورهم، واتفق رأيه ورأيهم على شيء، حكم به؛ لأنه لما اتفق رأيه ورأيهم صار ذلك كالإجماع، والإجماع من جملة الحجج، وإن وقع الاختلاف بين هؤلاء الذين شاورهم، نظر إلى أقرب الأقاويل عنده من الحق، وأمضى على ذلك باجتهاده، إذا كان من أهل الاجتهاد، ولا يعتبر في ذلك كبر السن، ألا ترى أن عمر رضي الله عنه كان شاور ابن عباس رضي الله عنهما، وكان يقول له: «غص يا غّواص»، وكان يأخذ بقوله وعمر كان أكبر سناً منه، وكذلك لا يعتبر كثرة العدد، فالواحد قد يوفق للصواب ما لا يوفق الجماعة، ولأجل ذلك قبلنا شهادة الواحد على رؤية الهلال، إذا كانت السماء متغيمة، وينبغي أن يكون ههنا قول أبي حنيفة رحمه الله، أما على قول محمد رحمه الله يعتبر كثرة العدد على ما مر قبل هذا، وإن لم يقع اجتهاده على شيء، وبقيت الحادثة مختلفة ومشكلة عليه، كتب إلى فقهاء غير المصر الذي هو فيه، فالمشاورة بالكتاب سنة قديمة في الحوادث الشرعية.(8/414)
-----
وروي عن ابن مسعود وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما أنهما كانا يكتبان إلى عمر رضي الله عنه يستشيرانه، وعمر كان يكتب إلى ابن مسعود رضي الله عنه يستشيره، وكان ابن سماعة يكتب إلى محمد رحمه الله، وهذا لأن المشورة من الغائب بالكتاب بمنزلة المشورة من الحاضر بالخطاب، فإن اتفق الذين كتب إليهم القاضي على شيء ورأي القاضي يوافق رأيهم، وهو من أهل الرأي والاجتهاد، مضى ذلك برأيه، وإن اختلفوا أيضاً فيما بينهم نظر إلي أقرب الأقوال عنده من الحق، إذا كان من أهل الاجتهاد، وإن لم يكن القاضي من أهل الاجتهاد في هذه الصورة، وقد وقع الاختلاف بين أهل الفقه، أخذ بقول من هو أفقه وأورع عنده كذا هنا، لأنه بمنزلة العامي والعامي إذا استفتى في حادثة، وقد وقع الاختلاف فيما بين الفقهاء، أخذ بقول من هو أفقه عنده، كذا هنا، وإن كان القاضي شاور قوماً من أهل الفقه، فاتفقوا على شيء، ورأي القاضي بخلاف رأيهم، لا ينبغي للقاضي أن يترك رأي نفسه، ويقضي برأيهم، لأن عنده أن هؤلاء على الخطأ، ولا متابعة في الخطأ، فإن قيل: إذا كان لا يأخذ برأيهم فأي فائدة في المشورة.
قلنا: احتمال انضمام رأي غيره إلى رأيه فيقوى بذلك رأيه إلى هذا أشار عبيدة السلماني حين قال علي: اتفق رأي ورأي عمر في أمهات الأولاد، أن لا يبعن، ثم رأيت بعد ذلك أن يبعن فقال عمر رضي الله عنه: رأيك مع رأي عمر خير من رأيك وحده. أشار إلى أن عند اجتماع الرأيين يحدث زيادة قوة، وإن شاور القاضي رجلاً واحداً كفى، ولكن مشاورة الفقهاء أحوط، فإن شاور ذلك الرجل إلى شيء، ورأي القاضي بخلاف رأيه، فالقاضي لا يترك رأي نفسه، لما قلنا، فإن اتهم القاضي رأيه لما إن ذلك الرجل أفضل وافقه عنده، لم يذكر هذه المسألة ههنا.(8/415)
-----
وذكر في كتاب «الحدود» وقال: لو قضى برأي ذلك الرجل أرجو أن يكون في سعة من ذلك وإن لم يتهم القاضي رأيه، لا ينبغي له أن يترك رأي نفسه، وقضى برأي غيره لما قلنا، ولو ترك رأي نفسه وقضى برأي غيره، هل ينفذ قضاؤه؟ سيأتي الكلام فيه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
الفصل الرابع: في اختلاف العلماء في اجتهاد الصحابة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلّم
يجب أن يعلم بأن العلماء اختلفوا في هذا الفصل على ثلاثة أقوال، منهم من قال: ما كان له أن يجتهد لأنه كان يمكنه أن يرجع إلى رسول الله عليه السلام، فيسأله فكان الاجتهاد في ذلك الزمان اجتهاداً في موضع النص وإنه باطل، ومنهم من قال: من كان بعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له الاجتهاد، ومنهم من قال: كان له الاجتهاد مطلقاً ويستدل هذا القائل بما روي عن رسول الله عليه السلام أنه قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: «قولا فإني فيما لم يوح إلي مثلكما»؛ وقال عليه السلام لعمرو بن العاص: «اقض بين هذين»، فقال علي: ماذا؟ فقال عليه السلام: «على أنك إن أصبت فلك أجران، وإن أخطأت فلك أجر واحد».
واختلفوا أيضاً أن رسول الله عليه السلام هل كان يجتهد فيما لم يوح إليه، ويوصل الحكم باجتهاده، بعضهم قالوا: ما كان يجتهد بل كان ينتظر الوحي، ومنهم من قال: كان يرجع فيه إلى شريعة من قبله؛ لأن شريعة من قبلنا شريعة لنا ما لم يعرف نسخه، ومنهم من قال: كان لا يعمل بالاجتهاد إلى أن ينقطع طمعه عن الوحي، فإذا انقطع كان يجتهد، فإذا اجتهد صار ذلك شريعة له، فإذا أنزل الوحي بخلافه يصير ناسخاً له، ونسخ السنة بالكتاب جائز عندنا، وكان لا ينقض ما أمضى بالاجتهاد، وكان يستأنف القضاء في المستقبل.
(8/416)
الفصل الخامس: في التقليد والعزل
-----
ذكر الخصاف رحمه الله في «أدب القاضي» في باب القاضي يقضي بعلمه، إذا قلّد السلطان رجلاً قضاء بلدة كذا، لا يصير قاضياً في سواد تلك البلدة ما لم يقلده قضاء البلدة ونواحيها، ويكتب في رسمه ومنشوره أنا قلدناه قضاء بلدة كذا ونواحيها. وهذا الجواب إنما يستقيم على رواية «النوادر»، لأن على رواية «النوادر» المصر ليس بشرط النفاذ القضاء فأما على ظاهر الرواية المصر شرط نفاد (66أ4) القضاء فلا يصر مقلداً على القرى، وإن كتب في منشوره ذلك.
وإذا علق السلطان القضاء والإمارة بالشرط وأضافهما إلى وقت في المستقبل، بأن قال للرجل إذا قدمت بلدة كذا فأنت قاضيها إذا أتيت مكة فأنت أمير الموسم، أو قال جعلناك قاضياً رأس الشهر أو قال جعلتك أمير رأس الشهر فذلك جائز والأصل فيه ما روي أن رسول الله عليه السلام بعث جيشاً وأمر عليه زيد بن حارثة وقال: «إن قتل زيد فجعفر أميركم وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة أميركم».
وأما تعليق الحكومة بين اثنين وإضافتها إلى وقت في المستقبل، ففيه خلاف بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، وسيأتي بيانه في باب التحكيم إن شاء الله تعالى، ويجوز تعليق عزل القاضي بالشرط، إليه أشار في «أدب القاضي» للخصاف في باب ثبوت الخليفة، والمذكور ثمة إذا كتب الخليفة إلى القاضي: إذا وصل كتابي إليك فأنت معزول، فوصل إليه الكتاب انعزل؛ لأن هذا عزل معلق بالشرط، وقد وجد الشرط
وإذا قلد السلطان رجلاً قضاء يوم يجوز وتأقت في هذا وإذا قيده بالمكان يجوز ويتقيد بذلك المكان أيضاً.(8/417)
-----
ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في «شرح كتاب الصلح» في باب الحكمين وإنه معقول؛ لأنه أنابه فثبت بقدر ما أنابه وللمقلد في هذا التقليد فائدة؛ لأنه عسى يجوز النائب في موضع آخر، ولا يمكنه الخيانة في ذلك الموضع، وربما يكون أقدر على إحضار الخصوم، وتتقيد الأحكام في ذلك الموضع، فعلى هذا لو قلد القاضي أنابه نائبه بمسجد معين لا يكون للنائب أن يقضي في مسجد آخر، وإذا استقضى الصبي، ثم أدرك ليس له أن يقضي بذلك الأمر. في باب الجمعة من صلاة «المنتقى»، رواه إبراهيم عن محمد رحمه الله. والعبد إذا استقضى ثم أعتق كان له أن يقضي بذلك الأمر.
والفرق أن العبد أهل حقيقة فيصح تقليده إلا أنه لم يجز حكمه لقيام الرق، فإذا زال الرق بالعتق فقد زال المانع من نفاذ حكمه، فنفذ حكمه من غير تقليد جديد ولا كذلك الصبي، وسيأتي فصل العبد بخلاف هذا في فصل التحكيم إن شاء الله تعالى وفي «فتاوي المنتقى»: سئل عن سلطان مات، واتفقت الرعية على ابن صغير له جعلوه سلطاناً ما حال القضاء والخطباء وتقليده أيامهم، مع عدم ولايته قال ينبغي أن يكون الاتفاق على والي عظيم فيصير سلطاناً لهم، ويكون السلطان في الحقيقة هو الوالي.
وفي «نوادر هشام» :عن محمد رحمه الله في قاضٍ أو والٍ ارتد عن الإسلام والعياذ بالله، أو عمي، أو فسق، ثم مات أو أبصر أو أسلم، فهو على عمله، وهكذا روى داوود بن رشيد عن محمد رحمه الله، وفي رواية هشام زيادة وهي وإن كان قضى بقضاء في حال فسقه، ثم صلح أبطلته، قال هشام: قلت لمحمد: والي من ولاة المسلمين ولى قاضياً مشركاً يقضي بين المسلمين ثم أسلم، قال: هو قاض على حاله ولا يحتاج إلي توليه ثانية.
وروى هشام عن محمد رحمه الله: النصراني إذا استقضي ثم أسلم لم يجز حكمه.(8/418)
-----
في «كتاب الأقضية» في باب الحكمين: القاضي إذا ارتد عن الإسلام خرج عن الحكومة، وعن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله: لا ينبغي أن يستقضي فاسق ولا مرتشٍ، ولا آكل ربا ولا ينبغي أن يستقضى شارب خمر معاود للشرب ولا صاحب مغنيات، ولا يستقضى ذمي من أهل الذمة، ولا تستقضى المرأة على حال فإن كان ما ذكر في حق المرأة جواب الحكم لا جواب الأولوية، فهذه الرواية مخالفة لظاهر الرواية، وستأتي مسألة المرأة بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وإذا أقر السلطان غلاماً من غلمانه على بلده، وأمره نصب القاضي جاز له نصب القاضي بطريق النيابة من السلطان، ويصير نصب الغلام بأمر السلطان كنصب السلطان بنفسه، وإذا قال الخليفة لوالي بلدة (مذكراً في ما بدت قضاء تقليدكن وعن مئة قلد من شئت صح، ولو قال كسرى قضاء تقليدكن وعرهية قلد أحداً لا يصح).
وهو نظير الموكل إذا قال للوكيل وكل من شئت صح، ولو قال: وكل أحداً لا يصح وإذا قال السلطان لأمير من أمرائه فلان ولاية بنود آدم أو قال تراد آدم لا يملك تقلد القضاء لأنه لا يراد بمثل هذا الكلام في المتعارف تفويض الأمور الشرعية، وإنما يراد به تفويض الأمور الحسية وتخليص أموال تلك البلدة من الجنايات وغير ذلك، وإن جعله أميراً على بلدة وجعل خراجها له فأطلق له التصرف في الشرعية على العموم كما تقتضيه الإمارة، فله أن يقلده وأن يعزل لأنه لما فوض إليه أمور هذه البلدة مطلقاً، أو على الأمور فقد قام مقام السلطان فكان له أن يقلد، وأن يعزل كالسلطان وههنا دقيقة مروية عن أبي يوسف رحمه الله تأتي في الفصل الذي يلي هذا الفصل.
وإذا قال السلطان لرجل: جعلتك قاضياً ولم يعين بلدة وللسلطان بلاد كثيرة لا شك أنه لا يصير قاضياً على البلاد كلها وهل يصير قاضياً على البلدة التي هو فيها؟ فقد قيل لا يصير وقيل يصير وهو الأظهر والأشبه.(8/419)
-----
وإذا اجتمع أهل بلدة على رجل وجعلوه قاضياً يقضي فيما بينهم لا يصير قاضياً، ولو اجتمعوا على رجل وعقدوا معه عقد السلطنة أو عقد الخلافة يصر خليفة وسلطاناً.
وإذا قلد السلطان رجلاً قضاء بلدة واستثنى من ذلك خصومة رجل بعينه لو استثنى نوعاً من أنواع الخصوم صح التقليد والاستثناء ولا يصير قاضياً في المستثنى وهذا لأن التقليد إنابة فإنما يثبت بقدر ما أناب، وعلى هذا إذا قال السلطان للقاضي لا تسمع خصومة فلان حتى أرجع من سفري، لا يجوز للقاضي أن يسمع خصومته قبل رجوع السلطان عن السفر ولو سمع وقضى لا ينفذ قضاؤه، لأنه أخرج خصومة فلان عن ولايته في الانتهاء فيعتبر بما لو أخرجها في الابتداء بالاستثناء، وذلك صحيح فهاهنا كذلك.
السلطان إذا قال لرجل جعلتك قاضياً فليس له أن يستخلف إلا إذا أذن له بذلك صريحاً، ولو قال له جعلتك قاضي القضاة فله أن يستخلف، وإن لم يأذن له بذلك صريحاً لأن قاضي القضاة هو الذي يتصرف في القضاء عزلاً وتقليداً.
وكان القاضي الإمام شمس الإسلام الأوزجندي يقول إذا كتب السجل من الحاكم ينبغي أن يكتب فيه خليفة الحاكم، من قبل فلان وفلان مأذون بالاستخلاف بحكم المثال الصحيح من جهة فلان.
إذا قال السلطان لرجل جعلتك نائبي في القضاء بشرط أن لا ترتشي ولا تشرب الخمر ولا تميل أمر أحد على خلاف الشرع فالتقليد صحيح والشرط صحيح، وإذا فعل شيئاً من ذلك لا يبقى قاضياً لأن تقدير هذا الكلام أنت نائبي ما دمت لا تشرب ولا ترتشي ولا تميل أمر أحد على مخالفة الشرع، فهذا تقليد مؤقت معنى، ومثل هذا التقليد صحيح، فإذا وجد الوقت ينتهي التقليد.
السلطان إذا قال: قلدت قضاء بلدة كذا زيداً، أو عمرواً لا يصح؛ لأن هذا تقليد للمجهول المرأة فيما تصلح شاهدة تصلح قاضية، لأن القضاء من باب الولاء كالشهادة ذكره الخصاف في «أدب القاضي» في باب القاضي يستخلف رجلاً وما يجوز له من ذلك.(8/420)
-----
إذا وقع القضاء، في حادثة بحق، فأمر السلطان القاضي أن يسمع تلك الحادثة ثانياً بحضرة فلان لا يفترض على القاضي ذلك، لأنه لا فائدة فيه.
أهل البغي إذا غلبوا على بلاد أهل العدل، فالقضاة قضاة على حالهم ما لم يعزلهم الباغي، فإذا عزلوهم خرجوا عن القضاء حتى لو انهزم البغاة بعد ذلك، لا ينفذ قضاؤهم ما لم يقلدهم سلطان أهل العدل (66ب4) ثانياً، لأن الباغي صار سلطاناً بحكم القهر ألا ترى أن تقلد القضاء منه يجوز، فيصح العزل منه.
السلطان إذا قلد رجلاً قضاء بلدة لها قاض، ولم يعزل الأول صريحاً، إن قيل ينعزل الأول فله وجه؛ لأن تقليد قاضيين في مصر واحد غير معتاد، فيضمن تقليد الثاني عزل الأول، فإن قيل لا ينعزل الأول، فله وجه وهو الأظهر والأشبه؛ لأنه لا تنافي بينهما.
ألا ترى أن السلطان من الابتداء لو قلد رجلين قضاء بلدة يجوز وللسلطان أن يعزل القاضي، ويستبدل مكانه آخر لرتبة، ولغير رتبة؛ لأن للسلطان ولاية عامة، فيملك التقليد والصرف في أي زمان أراد، وقد صح عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: لا يترك القاضي على القضاء أكثر من سنة؛ لأنه لا يتفرغ للتعليم والتعلم حال اشتغاله بالقضاء، فنسى العلم.
السلطان إذا عزل قاضياً لا ينعزل ما لم يصل إليه الخبر حتى لو قضى بقضايا بعد العزل قبل وصول الخبر إليه، جازت قضاياه، وهو نظير الوكيل إذا عزل لا ينعزل قبل وصول الخبر إليه.(8/421)
-----
وعن أبي يوسف رحمه الله، أنه لا ينعزل، وإن لم يعزله حتى يقلد غيره مكانه، ويقدم صبيانه لحق العباد، واعتبره بإمام الجمعة إذا عزل، وهذا إذا حصل العزل مطلقاً، فأما إذا حصل العزل مطلقاً بشرط وصول الكتاب إليه لا ينعزل ما لم يصل إليه الكتاب، علم بالعزل قبل وصول الكتاب إليه، أو لم يعلم، ورواية أبي يوسف ستأتي ها هنا، وإذا مات الخليفة وله قضاة وأمراء وولاة، فهم على حالهم قضاة وأمراء وولاة، رواه هشام وداود بن رشيد عن محمد، وليس هذا كالوكالة.
إذا عزل السلطان القاضي انعزل نائبه بخلاف ما إذا مات القاضي حيث لا ينعزل صاحبه، هكذا قيل، وينبغي أن لا ينعزل النائب بعزل القاضي؛ لأنه نائب السلطان، أو نائب العامة، ألا ترى أنه لا ينعزل بموت الخليفة، وعليه كثير من المشايخ، وإذا عزل السلطان نائب القاضي لا يعزل القاضي.
الفصل السادس: فيه بعض التقليد وما يقع لمقاضي نفسه وحكم الأمراء
قال أبو حنيفة رحمه الله إذا غلب الخوارج على بلدة، واستقضوا عليها قاضياً من أهل البلدة ليس من الخوارج، ثم غلب عليهم أهل العدل يمضي قاضي أهل العدل من قضاياه، كل ما تخالف فيه الفقهاء، قال محمد رحمه الله: ولا يجوز قضاء أهل الخوارج، وشهادتهم علل وقال لأنهم إذا اخرجوا فقد استحلوا دماءنا وأموالنا.
وفي «أدب القاضي» للخصاف: إذا كان القاضي من أهل البغي لا تنفذ قضاياه، وأشار في كتاب الأقضية إلى أنه تنفذ قضاياه، فإنه قال: هو بمنزلة فساق أهل العدل، وقد ذكرنا أن الفاسق يصلح قاضياً على أصح الأقاويل، وفي «واقعات الناطفي» الإمام إذا لم يكن عادلاً فأحكامه جائزة، فإن كثيراً من العلماء تقلدوا الأعمال والقضاء من معاوية مع أنه كان جائراً وكان في الصحابة من هو أفضل منه.(8/422)
-----
وفي «فتاوى أهل سمرقند»،:إذا كان الأمير الذي يولى القضاء جائراً لم يجز حكمه ويجوز حكم قضاته وسيأتي عن أبي يوسف رحمه الله ما يؤكد هذا القول، والصواب ما ذكر في «واقعات الناطقي» أن حكم الإمام جائز، وإن كان جائراً السلطان إذا قضى بين اثنين.g
ذكر في «شهادات فتاوي أبي الليث» رحمه الله: قول بعض المشايخ: أنه لا يجوز، وذكر الخصاف في «أدب القاضي» أنه يجوز، ومسألة الواقعات التي مرت تشهد لقول الخصاف، والصحيح ما ذكر الخصاف، لأن القاضي استفاد الولاية من جهة السلطان وتقلد القضاء منه، فمن المحال أن ينفذ من القاضي ولا ينفذ من السلطان.
وفي «المنتقى» عن أبي يوسف: الأمير إذا كان يولى القضاء من قبله، فيقضي ذلك الأمير، أو كتب إلى القاضي فهو جائز إذا كان عدلاً، وإذا كان جائراً فلا، فهذه الرواية عن أبي يوسف رحمه الله تؤكد ما ذكر الخصاف من نفاذ قضاء الأمير، ويؤكد ما ذكر في «فتاوى أهل سمرقند» من عدم جواز حكم الأمير إذا كان جائراً، وإذا كان القاضي من قبل الخليفة لا من قبل الأمير، فليس للأمير أن يقضي، ولو قضى لا ينفذ قضاؤه.
قال هشام رحمه الله سمعت أبا يوسف رحمه الله يقول: إذا كان القاضي من الأصل يعني من الخليفة ثم مات، فليس للأمير أن يولي قاضياً، وإن كان أمير عشرها وخراجها؛ لأنه قد عزل عنه الحكم، حيث كان القاضي من الأصل، وإن حكم هذا الأمير لم يجز حكمه وكذلك إن ولي هذا الأمير قاضياً من قبله لم يجز حكمه، وإن جاء هذا القاضي الذي ولاه هذا الأمير كتاب الخليفة إليه من الأصل لا يكون ذلك إمضاء للقضاء، وإذا كان للقاضي خصومة على إنسان، أو كان لغيره عليه خصومة، فترافعا إلى خليفة هذا القاضي، فقضى للقاضي أو عليه، اختلف المشايخ فيه.
(8/423)
-----
قال بعضهم: لا يجوز، وقال بعضهم: يجوز، وجه هذا القول أن خليفة القاضي ليس بنائب عن القاضي، ليصير حكم الخليفة كحكم القاضي بل هو نائب عن الله، أو عن جماعة المسلمين، ألا ترى أنه لا ينعزل بموت القاضي؟ فيجوز حكمه له وعليه.
وقد صح أن علياً رضى الله عنه قلد شريحاً رضى الله عنه، وخاصم عنده في حادثة، وذكر الخصاف في «أدب القاضي» لو أن قاضياً قضى للإمام الذي ولاه بقضية، أو قضى عليه جائز ذلك، وكذلك لو قضى لولد الإمام أو والده أو زوجته، وكذلك قاضي القضاء لو خوصم إلى قاضي ولاه، فقضى له أو عليه جاز، وكذلك لو أن الإمام ولى قاضياً على مثل خراسان والمروان، فولى قضاة على الكور، ففعل ثم خاصم القاضي إلى بعض من ولاه فقضاؤه جائز له وعليه، وسيأتي في الفصل الذي يلي هذا الفصل ما يؤكد هذا القول.
والذي يشهد للقول الأول ما ذكر هشام في «نوادره» قال سألت محمداً رحمه الله عن قاض وجب له الشفعة قبل رجل فلم يعطها إياه، وجحد، والوالي الذي في بلاده ليس بمن يولي القضاء، كيف يصنع؟ قال: ينبغي للوالي أن يقول لهما: اختارا رجلاً يحكم بينكما، قلت: فإن أبى الرجل ذلك أجبره عليه قال: نعم، فقد أشار محمد رحمه الله إلى التحكيم في هذه الصورة، ولو صار حكم الخليفة للقاضي لا حاجة إلى التحكيم.
قال هشام: سألته عن قاضي البلدة إذا مات وواليها ممن لا يولى القضاء أيجبر الخصوم على رجل يحكم بينهم؟ قال: أما كل شيء يحتاج فيه إلى أن يرجع المقضي عليه إلى آخر فلا يجوز، ولا يجبر عليه، وأما ما كان من قرض، أو غصب يجبر عليه.
وفي «المنتقى»: إذا خاصم ابن القاضي غيره إليه، أو خاصم غيره ابنه إليه ينظر فيه، فإن توجه القضاء على ابنه يقضي على ابنه، وإن توجه لابنه تركهما، ويقول لهما: اختصما إلى غيري.
(8/424)
الفصل السابع: في جلوس القاضي ومكان جلوسه
-----
قال الخصاف رحمه الله في «أدب القاضي» قال أبو حنيفة: وينبغي للقاضي أن يجلس للحكم في المسجد الجامع وبين المعنى، فقال: لأنه أشهر المجالس، ومعناه أنه في المصر الغرباء وأهل البلدة، فينبغي أن يختار للجلوس موضعاً هو أشهر المواضع، حتى لا يخفى على أحد مجلسه، والمسجد الجامع في كل موضع أشهر المواضع، قال الشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزدوي رحمه الله: هذا إذا كان المسجد الجامع في وسط البلدة؛ كيلا يلحق بعض الخصوم زيادة مشقة بالذهاب إلى طرف البلدة، وإن جلس في مسجد حيه فلا بأس به، هكذا روي عن بعض السلف أنهم يجلسون في مسجد حيهم.
وكذلك إن جلس في بيته لا بأس به، قال فخر الإسلام: هذا إذا كان مسجد حيه أو بيته في وسط البلدة، ويختار مسجد السوق؛ لأنه أشهر، قال الخصاف في «أدب القاضي»: أيضاً وإذا دخل المسجد لا بأس بأن يسلم على الخصوم فقد صح أن شريحاً رضي الله عنه كان يسلم على الخصوم وهذا، لأن السلام سنة متبعة، والقاضي (67آ4) بسبب قضائه لا يمتنع عن سائر السنن كصلاة الجنازة، وعيادة المريض، فكذا عن هذه السنة، والمراد من السلام المذكور التسليم العام، ولا ينبغي له أن يسلم على أحد الخصمين؛ لأن الذي سلم عليه القاضي قد يجترئ على صاحبه فيطمع الجور في القاضي.(8/425)
-----
واختلف المشايخ في التسليم العام، ذكر الخصاف رحمه الله أنه لا بأس به وبعض مشايخنا قالوا عليه أن يسلم؛ لأن السلام سنة متبعة، ولا يجوز ترك السنة لأجل العلم، وهذا القائل يقول: إن الأمير والوالي إذا دخل المسجد، فالأولى أن لا يسلم لما قلنا، وإذا دخل المسجد، وجلس ناحية منه لفصل الخصومة، لا ينبغي له أن يسلم على الخصوم، ولا ينبغي للخصوم أن يسلم عليه أما لا ينبغي له أن يسلم، لأنه إنما جلس لفصل الخصومة فينبغي أن يشتغل بما جلس له لا بغيره، ولأن القاضي جالس، والسنة في السلام أن يسلم القائم على الجالس، والماشي على القائم، والراكب على الماشي، وأما لا ينبغي للقوم أن يسلموا عليه لأن السلام تحية الزائرين، والخصوم ما تقدموا إليه لأجل الزيارة، إنما تقدموا إليه لأجل الخصومة، هكذا ذكر الخصاف في «أدب القاضي».
وبعض مشايخنا يقيسون الأمراء والولاة على القضاة، فقالوا: هم لا يسلمون على الرعية، والرعية لا يسلمون عليهم، قال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي: والصحيح هو الفرق بين القضاة والأمراء والولاة، والرعية يسلمون على الأمراء والولاة، والخصوم لا يسلمون على القضاة، والفرق وهو أن القاضي ما جلس للزيارة، والخصوم ما تقدموا إليه لأجل الزيارة والسلام تحية الزائرين فلا يسلمون عليه لهذا، وأما الأمراء والولاة يجلسون للزيارة لا لفصل الخصومات، والناس يدخلون عليهم لأجل الزيارة، فيسلمون عليهم لما ذكرنا أن السلام تحية الزائرين، فعلى قول هذا لو جلس الأمير لفصل الخصومة لا يسلمون عليه، ولو جلس القاضي لزيارة الناس يسلمون عليه، ولو سلم الخصوم على القاضي بعد ما جلس ناحية من المسجد لفصل الخصومات، فلا بأس بأن يرد عليهم السلام، هكذا ذكر الخصاف، وهذا إشارة إلى أنه لا يجب عليه رد السلام، وهذا لأن الرد جواب السلام، والسلام إنما يستحق الجواب إذا كان في أوانه، أما إذا كان في غير أوانه فلا.
(8/426)
-----
ألا ترى أن من سلم على المصلي لا يستحق الجواب، وإنما لا يستحق لما قلنا حكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد الفضل البخاري رحمه الله أنه كان يقول: من جلس لنفع تلامذته فدخل عليه داخل وسلم، وسعه أن لا يرد، لأنه إنما جلس للتعليم لا لرد السلام فلا يكون السلام في أوانه، وإذا جلس القاضي لفصل الخصومات ينبغي أن يقيم بين يديه رجلاً يمنع الناس عن التقدم بين يديه في غير وقتها، ويمنعهم عن إساءة الأدب، ويقال له صاحب المجلس، وله أسامي الشرطي، والعريف، والحلوان.
وينبغي أن يكون معه سوط؛ لأنه يحتاج إلى تأديب السفهاء، والتأديب عادة يكون بالسوط، وقد كان لرسول الله عليه السلام قضيب يأخذ بيده، وكان ذلك القضيب معه إلى أن توفي عليه السلام، ثم صار القضيب في يد أبي بكر رضي الله عنه، ثم صار في زمن عمر رضي الله عنه الدرة، ثم صار بعده السياط.
وينبغي أن يكون أميناً لأن مجلس القاضي بحضرة النسوان، فيؤدي إلى الفتنة لو لم يكن أميناً، وينبغي أن لا يكون طماعاً حتى لا يرتشي، فلا يميل إلى بعض الخصوم، ولا يترك إذا أساء الأدب.(8/427)
-----
وإذا جلس الخصمان بين يدي القاضي، ورأى القاضي أن يأمر صاحب المجلس ليقوم معدتيه حتى لا يعرف ما يدور بين الخصمين وبين القاضي، ولا يعلم به أحد الخصمين ولا يلق شيئاً فعل ذلك، وإن كان ثقة مأموناً، فتركه بقرب منه، فلا بأس والقاضي أن القاضي يعمل ما فيه النظر والاحتياط في أمور الناس، ولا ينبغي لهذا الرجل أن يسار لأحد الخصمين، لأنه ربما يتهم الخصم الآخر أنه واضعه على شيء، فيجر بذلك تهمة إلى القاضي، وينبغي للقاضي إذا تقدم إليه الخصمان أن يسوي بينهما في النظر، والمجلس فيجلسهما بين يديه، لأن القاضي مأمور بالعدل والإنصاف بين الخصوم وعين العدل التسوية بينهما في المجلس إذا أجلسهما بين يديه، لأنه إذا لم يجلسهما بين يديه أما إن أجلسهما من جانب واحد وفيه تفويت التسوية، لأن أحدهما يكون أقرب إلى القاضي، وأما إن أجلس أحدهما من جانب، والآخر من جانب وفيه تفويت التسوية أيضاً؛ لأن لليمين فضلاً على الشمال.
وفي «النوازل»: رجل خاصم السلطان إلى القاضي، فجلس السلطان مع القاضي في مجلسه، والخصم على الأرض ينبغي للقاضي أن يقوم من مكانه، ويجلس خصم السلطان فيه، ويقعد على الأرض، ثم يقضي بينهما حتى لا يكون مفضلاً أحد الخصمين على الآخر، وهذه المسألة دليل على أن القاضي إذا وقع له خصومة، أو عليه لا بأس أن يحكم فيه خليفته، وقد صح أن يهودياً ادعى على الرشيد دعوى في زمن أبي يوسف بين يدي أبي يوسف، وقد سمع أبو يوسف رحمه الله خصومتهما، وقضى على الرشيد، وإنه دليل على دليل القول أيضاً.
وحكي عن الشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني رحمه الله أنه كان يقول: إذا وقع الدعوى بين الرجل وابنه ينبغي أن يسوي بينهما في المجلس، لأن الدليل الموجب للتسوية لا يوجب الفضل بين خصم وخصم، وينبغي للخصمين أن يجثوا بين يدي القاضي، أو صاحب مجلسه تعظيماً للحكم، كما يجلس المتعلم بين يدي المعلم تعظيماً للمعلم.(8/428)
-----
وينبغي للقاضي أن يسوي بينهما في النظر، ولا ينظر إلى أحدهما دون الآخر؛ لأن نظره إلى أحدهما إن كان نظر شفقة ورأفة، فقد مر تهمة الميل إلى نفسه، وإن كان نظر هيبة ينكر، قلت: المنظر فعسى يذهب ويترك حقه، فيكون القاضي هو المضيع لحقه، وكذلك لا ينبغي له أن يرفع صوته على أحدهما؛ لأنه ينكسر قلب الذي رفع صوته عليه، لأنه يجر به تهمة الميل إلى خصم الآخر، وكذلك لا ينبغي له أن يطلق بوجهه إلى أحدهما في شيء من المنطق ما لا يفعل ما لآخر مثله لما ذكرنا.
وكذلك لا ينبغي له أن يسأل على أحدهما، ويلقنه حجته، لأنه مكسرة لقلب الخصم الآخر، وسبباً لتهمة الميل.
والحاصل: أن القاضي مأمور بالتسوية فيما يقدر على التسوية وفيما في وسعه، وكل شيء يقدر على التسوية بينهما فيه لا يعذر تركها فيه، وما لا يقدر على التسوية فيه لا يؤاخذ بترك التسوية فيه، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسوي في القسم بين نسائه وكان يقول: «هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك» يعني: بميل القلب إلى عائشة رضى الله عنها.
قال صاحب «الأقضية»: وينبغي أن يكون جلوسهما بين يدي القاضي على قدر ذراعين، أو نحو ذلك بحيث يسمع كلامهما من غير أن يرفع أصواتهما، وهذا لأن القاضي لا يمكن من القضاء بحق على الوجه الذي أمر إلا بعد سماع كلامهما، والخصوم نهوا عن رفع الصوت بين يدي القاضي لما فيه من إسقاط حشمته، فقدرنا موضع جلوسهما بما قدرنا ليتمكن القاضي من القضاء على الوجه الذي أمر من غير أن يكون إسقاط حشمته وهيبته.(8/429)
-----
وينبغي للقاضي إذا جلس في المسجد أن يسند ظهره إلى المحراب، وكان الرسم في زمن الخصاف وغيره أن يجلس مستقبلاً القبلة بوجهه، ورسم زماننا أحسن؛ لأن القاضي إذا جلس مستقبل القبلة كان القوم والخصوم بين يده مستدبرة في القبلة، وإذا أسند القاضي ظهره إلى المحراب كان الخصوم والقوم بين يديه مستقبل القبلة، ويقف أعوان للقاضي بين يدي القاضي ليكون أهيب في أعين الناس، ويجب أن يكون قيامهم بعيد من القاضي حتى لا يسمعوا ما يدور بين القاضي وبين من تقدم إليه من الخصوم، ولا يعرفون رأي القاضي في بعض ما يقع لهم من المسائل، ولا يحتالون لإبطاله ويجلس كاتبه ناحية منه بحيث يراه حتى إذا احتاج إليه كان قادراً عليه (67ب4) ولأنه إذا كان يراه لا يخشى منه الزيادة والنقصان في الكتابة.
قال الخصاف في «أدب القاضي»: وإذا جلس القاضي للقضاء فلا بأس بأن يجلس مع نفسه من يثق بدينه، وأمانته وفقهه في مجلس الحكم قريباً منه، بحيث يسمعون كلامه وكلام من يحضره من الخصوم.
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني: ينبغي للقاضي أن ينظر لنفسه وإن كان رأى رجلاً حيياً، ورأى جلوسه بانفراده أحسن لنفسه لا يجلس مع غيره؛ لأن الرجل إذا كان حييّاً ربما يحتشم ممن معه فينقطع، ويعجز عن أدراك الصواب، ولا يتبين له الحق لحيائه وحشمته ممن معه، وإذا كان معه يكون مجتمع الرأي يدرك الصواب، ولا يغيب عنه الصواب فإذا كان هكذا فالأصل أن لا يجلس معه غيره، وإن كان جريء القلب غريم الصواب والنصرة، فلا بأس بأن يجلس معه قوماً من أهل العلم والرأي والتدبير لمنافع.
أحدها: أن يكون أعظم لأمر القضاء وأهيب في أعين الناظرين.
والثاني: أنه إذا اشتبه إليه شيء يشاورهم وإذا أشكل عليه شيء سألهم.(8/430)
-----
والثالث: أنه إذا ضل يرشدونه وإذا زل ينبهونه، وقد جاء على هذا أثار من الصحابة والتابعين، ثم شرط الخصاف في الذي جلس مع القاضي الأمانة والديانة والفقه، أما اشتراط الأمانة، والديانة؛ فلأن مجلس القضاء يحضره الشبان من النسوان فلو لم يكن أميناً متديناً ربما يمكن فيه فساد، وأما الفقه فلأن المقصود من إجلاس غيره معه المشورة وإصابة الحق واستخراج الحكم، وإنما يحصل من الفقيه لا من غيره.
قال الخصاف: ولا ينبغي للقاضي أن يشاورهم بمحضر من الخصوم، حتى لا يقع في قلب من كان جاهلاً أن القاضي لا يدري ويسأل عن غيره فيذهب حرمته وماء وجهه، ثم إذا تقدم إليه الخصمان سأل المدعي دعواه هكذا ذكر الخصاف وصاحب كتاب «الأقضية» أبو جعفر رحمه الله.
وهذا فصل اختلف فيه المشايخ بعضهم قالوا: ليس للقاضي أن يسأل المدعي عن دعواه، لأن فيه تهيج الخصومة، والقاضي نصب لقطع الخصومة لا لتهييجها، ولكن يسكت ويستمع ما ادعاه المدعي، وبعضهم قالوا يسأل وبه أخذ الخصاف، وصاحب كتاب «الأقضية»، وهذا لأن مجلس القضاء مجلس هيبة وحشمة، فمن لم ير مثل هذا المجلس يتحير وعسى يعجز عن بيان دعواه، فينبغي للقاضي أن يسأل ولو نسبه لكلامه حتى يقدر على بيان دعواه، وهكذا ذكر في «محاضر ابن سماعة» وهكذا ذكر في «المنتقي».
وروي عن محمد رحمه الله: إن القاضي بالخيار إن شاء سأل وإن شاء سكت، وذكر الشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزدوي رحمه الله أن على قول أبي يوسف رحمه الله القاضي يسأل، وعلى قول محمد رحمه الله لا يسأل بل يسكت، ثم إذا سأله أو لم يسأله ولكن ادعى بنفسه سأل القاضي المدعى عليه عن دعوى المدعي في صحيفة وينظر فيه، أصحيح هو أو فاسد؟ فإن كان فاسداً لا تقبل على المدعى عليه؛ لأن الدعوى إذا لم تكن صحيحة لا يتوجه الجواب على المدعى عليه، ولكن يقول للمدعي قم فصحح دعواك هكذا ذكر الخصاف في موضع من «أدب القاضي».
(8/431)
-----
وذكر في موضع آخر أن القاضي لا يقول له ذلك، وبه أخذ بعض مشايخنا رحمهم الله، لأن هذا من القاضي تلقين، ولكن يقول له: دعواك هذه فاسدة، فلا يلزمني سماعها وهذا ليس تلقين بل هو فتوى بالفساد، وإنما يقول له: إن دعواك فاسدة؛ لأنه لو لم يقل له ذلك ربما يتهمه المدعي بالميل إلى خصمه حيث لم يقبل عليه، ولم يسأل الجواب فيبين ذلك، ليعلم المدعي أنه إنما لم يسأله؛ لأن السؤال لم يكن مستحقاً عليه، وإن كانت دعواه صحيحة فالقاضي يسأل المدعي عليه ويقول له: إن خصمك ادعى عليك كذا أو كذا فماذا تقول هكذا ذكر الخصاف، وصاحب كتاب «الأقضية».
وفيه اختلاف المشايخ على نحو ما ذكرنا في جانب المدعي فإن عند بعض المشايخ لا يسأله القاضي الجواب، حتى لا يكون تلقينا، ولكن ينظر إليه ليأتي بالجواب ثم إذا سمع جواب المدعى عليه كتب جوابه في قرطاس، أو أمر الكاتب أن يكتب ذلك بين يديه: بسم الله الرحمن الرحيم حضر القاضي فلان بن فلان يوم كذا بكذا ليلة خلت من شهر كذا من سنة كذا فأما الكتابة ليقع الأمن عن الزيادة والنقصان في جواب المدعى عليه، فيمكن الرجوع إليه عند مساس الحاجة، ولأجل ذلك قال: يكتب الكاتب بين يدي القاضي حتى يقع الأمن عن الزيادة والنقصان من الكاتب وأما كتابة التاريخ فلأن المدعي عليه، ربما يأتي بالدفع والحكم فيه يختلف، بينما قبل الدعوى، وبينما بعد الدعوى.(8/432)
-----
ثم إن كان القاضي يعرف المدعى عليه والمدعي أثبتهما في رقعه معروفة، وكتب حضر فلان وأحضر معه فلاناً وإن لم يعرفهما أرسل الكتابة إرسالاً وكتب حضر رجل ذكر أنه فلان بن فلان، ينسبه إلى أبيه وجده أو إلى مواليه فكتب ذكر أنه مولى فلان بن فلان فإن كان له تجارة أو صناعة يعرف بها ينسبه إليها زيادة في التعريف، وكذلك بحملة زيادة في التعريف ولكن يحليه بما يره لا بما يشبه، وأحضر رجلاً ذكر أنه فلان على نحو ما بينا في جانب المدعي ثم يكتب فادعى فلان بن فلان يعني المدعي، ثم يكتب فادعى فلان بن فلان يعني المدعي الذي حضر على فلان بن فلان يعني المدعى عليه، الذي أحضره معه كذا وكذا يكتب دعواه من غير زيادة ونقصان، ثم يكتب، فسأل القاضي المدعي عليه فلان بن فلان عما ادعي عليه فلان بن فلان من الدعوى الموصوفة في هذا الكتاب، فإن كان قد أقر به كتب إقراره، وإن كان قد جحد يكتب جحوده، ليعلم بعد ذلك أنه هل ينبغي له أن يسمع البينة عليه أم لا، وينبغي أن يكتب الجحود بلفظه، ولا يحوله إلى لسان العربية إلا إذا أمكنه أن يحوله من غير زيادة ونقصان، ومن غير أن يدخل فيه كلمة مبهمة مشتركة، فإن الجحود يختلف حكمه باختلاف أنواعه.
(8/433)
-----
فإن في الوديعة لو جحد الإيداع أصلاً ثم ادعى الرد أو الهلاك لا تسمع دعواه، ولو قال: ليس علي تسليم ما ادعيت ولا قيمتها ثم ادعى الرد أو الهلاك لا تسمع دعواه، فكتب عبارته بلسانه من غير زيادة ونقصان حتى يبني عليه حكمه، وهذا الذي ذكرنا رسم قضاة ديار الخصاف، وصاحب كتاب «الأقضية»، وعرف زماهما والقضاة في زماننا على رسم أحسن من هذا، فإن المدعي في زماننا ما في كاتب باب القاضي حتى يكتب دعواه في بياض، وكتب حضر القاضي يكتب اسم القاضي الذي ترفع إليه الحادثة، ويترك موضع التاريخ، ثم يكتب اسم المدعي، ونسبه ويكتب اسم المدعى عليه ونسبه ويكتب دعواه بشرائطه، ثم يترك موضع الجواب، فإذا جلس المدعي ووكيله للخصومة يدعى وكيله من ذلك الكتاب، ويسأل القاضي المدعى عليه الجواب عن دعواه، فإذا أجابه بالإقرار أو بالإنكار دفع البياض إلى القاضي حتى يكتب التاريخ في أوله والجواب في آخره، بعبارة المدعى عليه، ثم إن كان الجواب بالإقرار أمره القاضي بالخروج عن عهده بالقرينة، وإن كان بالجحود فالقاضي يقول للمدعي: إن خصمك قد جحد دعواك فماذا تريد؟.(8/434)
-----
هكذا ذكر الخصاف، وصاحب كتاب «الأقضية»، وهو اختيار بعض المشايخ وإنه على الاختلاف، فإن قال المدعي: حَلِّفه فالقاضي يقول للمدعي: ألك بينة على ما هو رأي الخصاف وصاحب كتاب الأقضية، وهو قول بعض المشايخ فإن قال: لا حلف القاضي المدعي عليه، وإن قال نعم لي بينة فالقاضي يأمر بإحضارها، ويكتب أسماء الشهود وأنسابهم وحلاهم ومحالهم، أو يأمر الكاتب حتى يكتب ذلك فإذا أحضر المدعي شهوده يكتب الكاتب لفظ شهادتهم (67آ4) من غير زيادة ونقصان، فإذا جلس الشهود بين يدي القاضي، وجاء أوان الشهادة أخذ للقاضي البياض، وسألهم عن شهادتهم، وإن كتب القاضي لفظ شهادتهم بنفسه فهو أوثق وأحوط، ثم يقلد القاضي لفظ شهادتهم بالدعوى فإن كانت موافقة للدعوى، وعرف القاضي الشهود بالعدالة يقول للمدعي عليه هل لك دفع؟ فإن قال نعم ولكن أمهلني حتى آتي به أمهله.
وإن قال: لا وجه عليه القضاء، وإن لم يعرف القاضي إياهم بالعدالة يتوقف وإن قال المدعي لي بينه حاضرة إلا أني أطلب يمين المدعى عليه، إن قال حاضر في المجلس فالقاضي لا يجيبه ولا يحلف المدعى عليه بالإجماع كذا ذكره القدوري رحمه الله في «شرحه»، وإن قال حاضره في بلدته، فالقاضي لا يجيبه ولا يحلف المدعى عليه، في قول أبي حنيفة رحمه الله، وقال أبو يوسف رحمه الله: يجيبه وقول محمد مضطرب ذكره القدوري رحمه الله مع قول أبي حنيفة رحمه الله، وذكره الخصاف مع قول أبي يوسف، وذكر الشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزدوي رحمه الله أن القاضي يحلفه في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد لا يحلفه.h
وجه من قال يجيبه، أن المدعي عسى يقدر عليه الوصول إلى حقه بالبينة بأن لا يعدل شهوده، فيجيبه إلى طلب التحليف حتى لا يصير معرضاً لحقه على الهوى والتلف.(8/435)
-----
وجه قول من قال: لا يجيبه أن القياس يأبى استحقاق اليمين على المدعى عليه، لأنها تستحق بمجرد الدعوى، ومجرد الدعوى لا يصلح سبباً للاستحقاق لكن عرفنا الاستحقاق قريباً على البينة في قصة الخضري والكندي فيبقى الاستحقاق لا بهذه الصفة، على أصل القياس وإذا كانت المسألة مختلفة، فإن كان القاضي لا يرى استحلافه لا يحلفه، وإن كان يرى استحلافه يحلفه وإذا حلفه، وحلف وطلب من القاضي أن يعطيه رقعة أن فلاناً ادعى على فلان كذا وحلفه وحلف حتى لا يقدمه إلى هذا القاضي ثانياً، أو إلى قاض آخر، فيحلفه مرة أخرى، أعطاه نظراً له والقاضي بالخيار إن شاء كتب ذلك في رقعة على حدة وإن شاء كتب ذلك في البياض الذي كتب فيه الدعوى والإنكار، وكتب فيه التاريخ وأعطاه.
ثم الدعوى لا تخلو أما أن تقع في العين، أو في الدين فإن وقع الدين والمدعى مكيل، فإنما يصح الدعوى إذا ذكر المدعي جنسه أي أنه حنطة أو شعير، ويذكر نوعه أنه صيفي أو بري، أو خريفي أو ربيعي، وصفته أنه وسط أو جيد أو رديء، ويذكر الحمراء أو البيضاء في الحنطة، ويذكر قدره فيقول: كذا قفيزاً؛ لأن الحنطة تكال بالقفيز ويذكر بقفيز، كذا لأن القفيزات تتفاوت في ذاتها، ويذكر سبب الوجوب لأن أحكام الديون تختلف باختلاف أسبابها، فإنه إذا كان بسبب السلم لا يجوز الاستبدال به، ويحتاج إلى بيان مكان الإيفاء فيه، ليقع التحرر عن موضع الخلاف.
وإن كان من ثمن بيع جاز الاستبدال به، وبيان مكان الإيفاء فيه، ليس بشرط، وإن كان من قرض لا يجوز التأجيل فيه بمعنى أنه لا يلزم، ويذكر في السلم شرائط صحته من أعلام جنس رأس المال ووزنه، إن كان وزنياً وإيفائه في المجلس حتى يصح عند أبي حنيفة رحمه الله وتأجيل المسلم فيه شهراً، أو أكثر حتى يخرج عن حد الاختلاف، وكذا ما سوى ذلك من شرائط السلم، على ما عرف في البيوع.(8/436)
-----
ويذكر في القرض القبض وصرف المستقرض إلى حاجته، لأن عند أبي حنيفة رحمه الله لا يصير ديناً عليه إلا بالاستهلاك، وينبغي أن يذكر في دعوى القرض أيضاً أنه أقرضه كذا من مال نفسه، لجواز أن يكون وكيلاً في الإقراض، والوكيل في الإقراض سفير ومعبّر، ولا يكون له حق الأخذ، ولا حق المطالبة بالأداء، وكذلك في كل سبب من الأسباب يذكر شرائط أيضاً لأن كل أحد لا يهتدي إلى العقد شرائط.
العقد فينبغي أن يبين ذلك للقاضي حتى يتأمل فيه القاضي إن وجده صحيحاً عمل به وإلا رده، وإن كان المدعي به وزنياً يذكر جنسه، فإن كان ذهباً وكان مضروباً، ويذكر كذا ديناراً، ويذكر نوعه أنه نيسابوري الضرب أو بخاري الضرب، أو ما أشبه ذلك، ولم يذكر صفته أنه جيد أوردئ أو وسط، وإذا ذكر البخاري والنيسابوري لا يحتاج إلى ذكر الأحمر، لأن البخاري أو النيسابوري لا يكون إلا حمراء، ولا بد من ذكر الجيد، عليه عامة المشايخ.
وفي «فتاوي النسفي»: إذا ذكر أحمر خالص كفى ولا يحتاج إلى ذكر الجيد، ولا بد أنه يبين أن من ضرب أي والي عند بعض المشايخ؛ لأن في مضروب الولاة تفاوتاً، وبعضهم لم يشترطوا ذلك، وأنه أوسع، ويذكر المثقال مع ذلك، فإن الدنانير توزن بالمثقال، ويذكر نوع المثقال؛ لأن مثاقيل البلدان مختلفة، وإن لم يذكر مضروباً لا يذكر كذا ديناراً بل يذكر مثقالاً، فإن كان خالصاً من الغش تذكر كذلك، وإن كان فيه غش ذكر ذلك أيضاً نحو والده نوصي أوده متى والده شتى، أو ما أشبه ذلك.(8/437)
-----
فإن كان المدعي به نقرة، وكان مضروباً ذكر نوعها وهو ما يضاف إليه، وصفتها أنها جيد أو وسط أو رديئة، وكذا ذكر قدرها كذا درهماً وزن سبعة؛ لأن وزن الدراهم مختلف باختلاف البلدان، والذي في ديارنا وزن سبعة، وهو الذي كل عشرة منها يزن سبعة مثاقيل، وإن كانت فضة غير مضروبة ذكر فضة خالصة من الغش، إن كانت خالية من الغش، ويذكر نوعها نقرة كليخة أو نقرة طمغاجي، ويذكر صفتها أنها جيدة أو وسط أورديء، ويذكر قدرها كذا كذا درهماً، وقيل: إذا ذكر كذا كذا طمغاجي كفى، ولا يحتاج إلى ذكر الجيد، وإن كان المدعي به دراهم مضروبة والغش فيها غالب فإن كان يعامل بها وزناً يذكر نوعها وصفتها ومقدار وزنها، وإن كان يعامل بها عدداً، ومنها أشياء أخر تأتي في كتاب «الدعوى» إن شاء الله.
وإن كان الدعوى في العين، فإن كان المدعى به منقولاً وهو هالك، ففي الحقيقة الدعوى في الدين وهو القيمة فيشترط بيان القدر والصفة والنوع والجنس على ما بينا.
وإن كان قائماً فإن كان بحال يمكن إحضار مجلس الحكم، فلا بد من الإحضار مجلس الحكم، ولا بد من الإشارة إليه في الدعوى والشهادة، وستأتي المسألة مع فروعها في كتاب الدعوى إن شاء الله.
وإن وقع الدعوى في عين غائب لا يعرف مكانه بأن ادعى رجل على رجل أنه غصب منه ثوباً، أو صار به لا يدري أنه قائم أو هالك، فإن بين الجنس والصفة والقيمة، فدعواه مسموعة وبينته مقبولة، وإن لم يبين القيمة بأن لم يعلم قيمته أشار في عامة الكتب إلى أنها مسموعة.
فإنه ذكر في كتاب الرهن: إذا ادعى على رجل آخر أنه رهن عنده ثوباً، وهو ينكر قال تسمع دعواه، وقال في كتاب الغصب: رجل ادعى على غيره أنه غصب منه جارية، وأقام بينة على ما ادعى تسمع دعواه، وتسمع بينته، بعض مشايخنا قالوا: إنما تسمع دعواه إذا ذكر القيمة، وهذا القائل يقول ما ذكر في الكتاب هذا.(8/438)
-----
وكان الفقيه أبو بكر الأعمش رحمه الله يقول: تأويل المسألة أن الشهود على إقرار المدعى عليه بالغصب، فثبت غصب الجارية بإقراره في حق الحبس والقضاء جميعاً، وعامة المشايخ على أن هذه الدعوى صحيحة والبينة مقبولة، ولكن في حق الحبس، وإطلاق محمد رحمه الله في «الكتاب» يدل عليه.
قال فخر الإسلام علي رحمه الله، إذا كان المسألة مختلفة ينبغي للقاضي أن يكلف المدعي بيان القيمة، فإذا كلفه ولم يبين يسمع دعواه، وهذا لأن الإنسان قد لا يعرف قيمة ما له، فلو كلفه بيان القيمة فقد أضر به، أو تعذر عليه الوصول إلى حقه، وإذا سقط بيان القيمة من المدعي سقط من الشهود من الطريق الأولى وتمام المسألة مرت في كتاب الغصب.
وإن وقع الدعوى في العقار، فلا بد من ذكر البلدة التي فيها الدار المدعى به، ثم من ذكر المحلة، ثم من ذكر السكة بدأ بالأعم وهو البلد ثم بالأخص، وهذا فصل اختلف فيه أهل الشروط، قال بعضهم: يبدأ بالأعم، وقال بعضهم: يبدأ (68ب4) بالأخص وعند أهل العلم له الخيار إن شاء بدأ بالأعم، وإن شاء بدأ بالأخص؛ لأن المقصود هو التعريف، والتعريف حاصل بالكل، فلا بد من ذكر حدود الدار بعد هذا.(8/439)
-----
قال جماعة من أهل الشروط: ينبغي أن يذكر في الحد يدخل في المحدود، وعندنا كلا اللفظتين على السواء أيهما ذكر فهو حسن؛ لأن المقصود تعريف للدار المدعى به باتصالها بدار فلان، وإنه حاصل باللفظين جميعاً وما يقول بأن الحد يدخل في المحدود ليس كذلك لأن الحد غاية والغاية لا تدخل تحت المضروب له غاية، فإن ذكر الحدين لا يكفي في ظاهر رواية أصحابنا رحمهم الله، وإن ذكر ثلاثة حدود كفاه وكذلك في الشهادة إذا ذكر الشهود ثلاثة حدود قبلت شهادتهم، وكيف يحكم بالحد الرابع في هذه الصورة إذا قبلت شهادة الشهود، قال الخصاف في «وقفه»: أجعل الحد الرابع بإزاء الحد الثالث، حتى ينتهي إلى مبتدأ الجزء الأول أي بإزاء الحد، الأول وإن ذكر المدعى الحدود الأربعة وأخطأ في واحد منهما لا تقبل شهادتهم عندنا، خلافاً لزفر رحمهم الله وزفر رحمه الله قاس ترك ذكر أحد الحدود بوقوع الغلط، ونحن فرقنا بينهما، والفرق أن بالغلط يختلف المدعى به، وبالترك لا تختلف دعواه والله أعلم.
الفصل الثامن: في أفعال القاضي وصفاته
قال صاحب «الأقضية»: وأكره للقاضي أن يفتي في القضاء للخصوم، وهذا فصل اختلف فيه العلماء، قال بعضهم: لا يفتي في مجلس القضاء أصلاً كيلا يشغله ذلك عن سماع الخصومات، وقال بعضهم يفتي في العبادات، ولا يفتي في المعاملات، مجلس القضاء وغيره في ذلك على السواء، وهذا لأنه لو أفتى في المعاملات، فالناس يقفون على رأيه في المعاملات، فيشغلون بالتلبيس فيما يقع بينهم من المعاملات والخصومات، فيصير القاضي كالملقن والمعلم لهم، وهذا المعنى لا يتأتى في العبادات، وبعضهم قالوا: يفتي في المعاملات، والعبادات جميعاً في مجلس القضاء وغيره، فقد كان رسول الله عليه السلام يفتي، وكذلك الخلفاء بعده.
واتفقوا على أنه لا يفتى للخصوم حتى لا يفتون على رأيه فيشغلون بالتلبيس.(8/440)
-----
وفي «المنتقى»: الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله لا ينبغي للقاضي أن يفتي في شيء من أمر الخصومات، ولا يفتي أحداً يرى أنه من قبل خصم يخاصم إليه، وإن كان رجل يثق به، وهو لا يخاصم، ولا يتهم أنه يستفتى لخصم يخاصم إليه، فلا بأس بأن يفتيه.
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف في رجلين تقدما إلى القاضي في أمر، فظن القاضي أنهما إنما تقدما إليه ليعلما ما يقضي به في ذلك، أقامهما من عند نفسه، لأنه نصب لفصل الخصومات لا لتلقين الخصوم وتعليم المخارج.
قال محمد رحمه الله في «الأصل»: ولا ينبغي له أن يبيع ويشتري ليتيم أو ميت مديون؛ لأن ذلك من عمل القضاء، ومباشرته في باب القضاء أنفى للتهمة، وإنما لم يكن له أن يبيع ويشتري في مجلس القضاء لنفسه، لأن البيع والشراء يجري فيهما المماكسة عادة فتذهب حشمة المجلس، ولو باع واشترى لنفسه في غير مجلس القضاء جاز عندنا، فقد باشر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وكذلك الخلفاء بعده، والمعنى فيه أن حاجته إلى البيع والشراء بعد تقلد القضاء، كحاجته إليه قبل تقلد القضاء وقبل القضاء ملك البيع والشراء لحاجته فبعد القضاء يملك، ولحاجته أيضاً، ومن المشايخ من قال: إن كان يكفى المؤنة من جهة بيت المال، أو يبيع ويشتري ممن يعلم أنه يحابيه لحشمة القضاء، يكره له أن يبيع ويشتري بنفسه، وإن لم يكن يكفى المؤنة من جهة بيت المال ويبيع ويشتري ممن يعلم أنه لا يحابه لحشمة القضاء، فلا يكره له ذلك.(8/441)
-----
وأطلق المسألة في «المنتقى» فقال: ولا ينبغي له أن يشتري ويبيع ما دام قاضياً، وينبغي ذلك غيره ممن يثق به، ولا ينبغي له أن يستقرض إلا من صديق له أو خليط له، كان قبل أن يستقرض، ولا يخاصم إليه ولا يتهم أنه تعين خصماً، وكذلك الاستعارة، وتشييع الجنازة ويعود المريض؛ لأن هذه الأشياء من حقوق المسلم على المسلم، قال عليه السلام: «ست من حقوق المسلم على المسلم»، وذكر من جملتها «أن يشيع جنازته، وأن يعوده مريضاً» وما كان على الإنسان من حق لا يسقط بتقليده القضاء، ولكن لا يطيل مكثه في ذلك المجلس، لأن الذين حضروا مجلسه ينتظرونه، ولا يمكن أحداً من الخصوم يتكلم معه في ذلك المجلس بشيء من الخصومات لأن الخصم الآخر يتهمه.
ولا يقضي وهو غضبان. قال عليه السلام: «لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان»، واختلف عبارة المشايخ في تخريج المسألة بعضهم قالوا: لأنه ينتقم من أحد الخصمين إذا تقدما إليه هكذا، هو العادة أن الإنسان إذا غضب ينتقم ممن يتقدم إليه فيكون ذلك ظلماً منه، وهذا القائل لا يفصل فيما إذا كان وجه القضاء بيناً، وبينما إذا لم يكن بيناً، وإطلاق الحديث يشهد لهذا القائل.
وبعضهم قالوا: بسبب الغضب يتفرق رأيه، فتشتبه عليه جهة الصواب، وهذا القائل يفصل بينما إذا كان وجه القضاء بيناً، وبينما إذا لم يكن وجه القضاء بيناً، لأن وجه القضاء إذا لم يكن بيناً يحتاج فيه إلى التأمل، والاجتهاد فيه مرة يفرق الرأي، بخلاف ما إذا كان بيناً، لأنه لا يحتاج فيه إلى التأمل والاجتهاد وهذا القائل يقول: بأن الحديث محمول على ما إذا لم يكن وجه القضاء بيناً.
وكذلك لا يقضي إذا دخله نعاس؛ لأن الذي دخله نعاس لا يفهم ما يذكر عنده، فلا يدري بأيّ شيء يقضي.(8/442)
-----
ولا يقضي وهو جائع أو عطشان، لأن الجوع يقطع الرأي، والعطش كذلك فيشتبه عليه جهة الصواب، قالوا: وهذا إذا لم يكن وجه القضاء بيناً فأما إذا كان وجه القضاء بيناً فلا بأس بأن يقضي.
وعن هذا قال مشايخنا: لا ينبغي له أن يتطوع في اليوم الذي يريد المجلس للقضاء، لأنه ربما يلحقه جوع مفرط فيضعف رأيه، ويعجز عن إدراك الصواب، وكذلك لا يقضي، وهو كضبط الطعام لأنه إذا كان هكذا يمل القوم ويحب النوم، ولكن ينبغي أن يكون على اعتدال الأحوال لا يكون كضبط الطعام، ولا يكون به جوع مفرط، أو عطش مفرط، وكذلك لا يقضي وهو يدافع أحد الأخبثين، لأنه يتفرق برأيه قالوا إذا كان وجه القضاء بيناً لا بأس بأن يقضي.
قال مشايخنا: وينبغي للقاضي إذا كان شاباً أن يقضي شهوته في أهله قبل أن يجلس للقضاء، حتى إذا حضرته الشبان من النساء لا يشغل قلبه بهن، فيقدر على إدراك الصواب، ولا ينبغي له أن يتعب نفسه في طول المجلس، ولكن يجلس في طرفي النهار أو ما أطاق. وكذلك الفقيه والمفتي.
ولا يمازح الخصوم ولا أحدهما، لأن المزاح يذهب مهابة المجلس، ولا يضحك في وجه أحدهما لأنه بسببه يجترئ على خصمه، وكذلك لا يومىء إلى أحدهما إنما لهذا المعني، ولا يعبس وجهه عليهما، ولا على أحدهما ولا يعجل للخصوم الإتيان بحججهم، لأن ذلك يضر بهم.(8/443)
-----
وفي «الأصل»: ولا يخوف الخصم، ومعناه أن يتكلف لتخويف الخصوم، لأن ذلك يمنعهم عن إظهار الحق بالحجة، ولا يقضي وهو يمشي أو يسير على الدابة، لأنه قل ما يمكنه تأمله الحجج في هذه الحالة، وكذلك قال مشايخنا في المفتي: لا ينبغي أن يفتي وهو يمشي، ولكن يجلس في موضع، فإذا استقر فيه أفتى، ومنهم من قال: لا بأس بأن يفتي في الطريق إذا كانت المسألة واضحة، قال في «الأصل»: ويقدم على منازلهم في المجيء إليه الأول فالأول، ولا يبتدئ بأحد جاء قبله غيره يعني في سماع الخصومة، فقد اعتبر محمد رحمه الله السبق، والمتقدمون من المشايخ قبل الخصاف كانوا يعتبرون السبق أيضاً.
(8/444)
-----
والخصاف اعتمد على الرقاع، وصورة الرقاع: أن يأمر القاضي كل مدعى، حتى يكتب اسمه واسم خصمه، ثم يرفعه ثم يقرع بينهم، فمن خرجت قرعته أولاً يسمع خصومته. وصورة القرعة: أن يكتب القاضي الرقاع في جراب أو في كمه، ثم يدخل يده، ويخرج رقعة منها فمن خرجت قرعته (69أ4) أولاً يسمع خصومته، ثم يدخل يده ويخرج رقعة أخرى ويفصل تلك الخصومة، هكذا يفعل حتى يأتي على الكل، وهذا إذا كان الخصوم عدداً يعرف القاضي من طريق الحزر، والظن أنه يقدر على فصل خصومتهم في هذا اليوم، فأما إذا أكثروا وعلم القاضي (أنه) لا يقدر على فصل الكل في هذا اليوم يأخذ القاضي أو كاتبه الرقاع ويجعل كل عشرين أو نحو ذلك * قدر طاقة القاضي الجلوس لهم، والصبر عليهم * اختيارة ويكتب لكل اختياره منها رقعة فيها اسم أشهرهم، ثم يجعل كل رقعة منها في جراب ونحو ما بينا، ويقرع بين الكل جملة، فكل رقعة اختار خرجت بعد ذلك، فلهم يوم الأخذ إلى آخره، ويعلم الخصوم التي في كل اختياره أن أسماءهم في اختيار كذا التي نوبتها يوم كذا حتى لا يكثر ترددهم على باب القاضي، ويحتاج في هذا إلى الإقراع مرتين مرة بين الاختيارات، ومرة بين الخصوم التي في كل اختياره، فيكون أحدهما على طريق الجمل، والأخرى على طريق الإفراد.
وله أصل في الشرع، فإن الإمام في باب الغنيمة، يعزل أنصباء الغرماء، فيقرع بينهم ثم يقسم فيما بين الرايات، ويقرع فيما بينهم مرة أخرى، ويكون أحدهما على طريق الجمل والأخرى على طريق الإفراد، كذا هاهنا.
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي رحمه الله ما قاله الخصاف حسن، لأن القاضي متى اعتمد على القرعة، وأعلم الخصوم نوبتهم يوم كذا عسى لا يمكنه فصل تلك الخصومات في ذلك اليوم لمعنى من المعاني، فيصير القاضي مخلفاً في وعده، والخلف في الوعد مذموم، والتحرز عنه واجب فيجب الاعتماد على السبق وبه يفتى، وإن اشتبه على القاضي من سبقه أقرع بينهم.(8/445)
-----
قال الخصاف في «أدب القاضي»: وإن اجتمع على باب القاضي أرباب الشهود والأيمان والغرباء، ورأى القاضي أن يقدم أرباب الشهود على الكل فله ذلك، لأنه لو طال مكثهم ربما يملون ويذهبون قبل أداء الشهادة، فيضيع حق المدعي، وإن رأى أن يقدم أرباب الأيمان على أرباب الشهود فله ذلك أيضاً، لأن فصل الخصومة بالأيمان أسهل، وإن رأى أن يقدم الغرباء على الكل فله ذلك، لأن قلب الغريب يكون مع أهله وولده، فمن كثر مكثه وتردده يمل فيترك حقه ويذهب، فيكون القاضي هو المضيع لحقه ولكن هذا إذا لم يكن بالغرباء كثرة، فالقاضي لا يقدمهم لأجل الغربة، ولكن يعتمد السبق على نحو ما بينا لأن تقدمهم في هذه الصورة يؤدي إلى الإضرار بالمقيمين، وإنه لا يجوز.
وهذا التفصيل منقول عن محمد رحمه الله فقد ذكر هشام في «نوادره»: سألت ابتداء الحكم بالغرباء، قال: نعم ما لم يضر بالمقيمين وقال: الذي يرجع من ليله إلى أهله بمنزلة المقيم، والذي يبيت عن أهله بمنزلة الغريب إلا أن الغريب يعني المسافر أشد حالاً.
فإن قال واحد من الخصوم للقاضي: أنا غريب عازم على الرجوع إلى وطني، فقدمني على سائر الخصوم لأجل الغربة، فالقاضي لا يقبل قوله بدون البينة، لأنه ادعى لنفسه حق التقدم، فيعتبر بما لو ادعى لنفسه حقاً آخر، وهناك لا يقبل قوله بدون البينة، فكذا هنا. ولا يشترط العدالة في هذه البينة حتى لو أقام شاهدين مستورين قبل القاضي ذلك منه، إذ ليس في هذا كبير التزام، وللقاضي ولاية تقدمه في الجملة بدون البينة، ومن أصحابنا من قال: يسأله مع من يريد السفر فإن أخبر بذلك سأل الرفقة متى يخرجون، وأن فلاناً هل يخرج معكم وهل استعد لسفره، لأن الاستعداد للسفر يصلح علامة على السفر قال الله تعالى: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة} (التوبة: 46) .(8/446)
-----
فإن قالوا: نعم يثبت ما ادعاه فيقدمه القاضي، وعلى هذا أمر المستأجر إذا زعم المستأجر أنه يريد السفر، وأراد نقض الإجارة بعذر السفر، فالقاضي لا يقبل قوله بدون البينة، ولكن يسأله مع من يريد السفر والخروج؟ وإذا أخبر بذلك سأل رفقته متى يخرجون، وأن فلاناً هل يخرج معكم، وهل استعد للخروج: فإن قالوا: نعم تحقق العقد، ويجب الفسخ، وإن رأى القاضي تقديم النسوان يعمل ذلك، لأن مبنى حالهن على الستر، وتأخيرهن يؤدي إلى التشهير، لأنه يجتمع على باب القاضي أناس مختلفون والتشهير ينافي الستر، وإن رأى القاضي أن يجعل لهن نوبة على حدة في يوم واحد من أيام الجمعة فعمل ذلك، لأن في اختلاطهن بالرجال فتنة، فيجعل لهن نوبة على حدة نفياً للفتنة، وهذا إذا كانت الخصومات بين النسوان، فأما إذا كانت بين النسوان والرجال يعتمد في ذلك على الإقراع والسبق على نحو ما بينا والله أعلم.
وهذا التفصيل منقول عن محمد رحمه الله فقد ذكر هشام في «نوادره»: سألت ابتداء الحكم بالغرباء، قال: نعم ما لم يضر بالمقيمين وقال: الذي يرجع من ليله إلى أهله بمنزلة المقيم، والذي يبيت عن أهله بمنزلة الغريب إلا أن الغريب يعني المسافر أشد حالاً.(8/447)
-----
فإن قال واحد من الخصوم للقاضي: أنا غريب عازم على الرجوع إلى وطني، فقدمني على سائر الخصوم لأجل الغربة، فالقاضي لا يقبل قوله بدون البينة، لأنه ادعى لنفسه حق التقدم، فيعتبر بما لو ادعى لنفسه حقاً آخر، وهناك لا يقبل قوله بدون البينة، فكذا هنا. ولا يشترط العدالة في هذه البينة حتى لو أقام شاهدين مستورين قبل القاضي ذلك منه، إذ ليس في هذا كبير التزام، وللقاضي ولاية تقدمه في الجملة بدون البينة، ومن أصحابنا من قال: يسأله مع من يريد السفر فإن أخبر بذلك سأل الرفقة متى يخرجون، وأن فلاناً هل يخرج معكم وهل استعد لسفره، لأن الاستعداد للسفر يصلح علامة على السفر قال الله تعالى: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة} (التوبة: 46) .
فإن قالوا: نعم يثبت ما ادعاه فيقدمه القاضي، وعلى هذا أمر المستأجر إذا زعم المستأجر أنه يريد السفر، وأراد نقض الإجارة بعذر السفر، فالقاضي لا يقبل قوله بدون البينة، ولكن يسأله مع من يريد السفر والخروج؟ وإذا أخبر بذلك سأل رفقته متى يخرجون، وأن فلاناً هل يخرج معكم، وهل استعد للخروج: فإن قالوا: نعم تحقق العقد، ويجب الفسخ، وإن رأى القاضي تقديم النسوان يعمل ذلك، لأن مبنى حالهن على الستر، وتأخيرهن يؤدي إلى التشهير، لأنه يجتمع على باب القاضي أناس مختلفون والتشهير ينافي الستر، وإن رأى القاضي أن يجعل لهن نوبة على حدة في يوم واحد من أيام الجمعة فعمل ذلك، لأن في اختلاطهن بالرجال فتنة، فيجعل لهن نوبة على حدة نفياً للفتنة، وهذا إذا كانت الخصومات بين النسوان، فأما إذا كانت بين النسوان والرجال يعتمد في ذلك على الإقراع والسبق على نحو ما بينا والله أعلم.
الفصل التاسع: في رزق القاضي وهديته ودعوته وما يتصل به
ولا بأس أن يأخذ القاضي رزقاً من مال بيت المال، هكذا ذكر الخصاف في «أدب القاضي»، وعلل فقال: لأنه عامل من عمال المسلمين، وقاسه على عماله عامل الصدقات.(8/448)
-----
قال: وقد ذكر هشام عن محمد أنه كان لا يرى بأساً بأن يأخذ القاضي رزقاً من مال بيت المال، ويروي تعليل محمد رحمه الله أن القضاة من السلف قل أن يرزقوا من بيت المال، فلا بأس بأن يرزق القاضي في زماننا، وأن يتعفف ويتنزه ولم يرتزق فذاك أفضل، لأن القضاة من السلف منهم من لم يرتزق كمسروق وقاسم.
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: حاصل الجواب في هذه المسألة أن القاضي إذا كان ذا ثروة ويسار، فالأولى أن لا يرزق، كما فعل عثمان رضي الله عنه، وإن كان صاحب حاجة، فالأولى أن يرزق كما فعل أبو بكر وعمر وعليّ رضي الله عنهم، وهذا لأنه فرّغ نفسه لعمل المسلمين، وعجز عن الكسب، فمتى لم يأخذ كفايته من مال بيت مال المسلمين إما أن يقصر في عمل المسلمين، أو يطمع في مال المسلمين، وفساد ذلك مما لا يخفى.
وكان الشيخ الإمام الزاهد فخر الإسلام علي البزدوي رحمه الله قال: إن القاضي إن كان فقيراً لا يترك حتى لا يرتزق وإن كان غنياً، فبعض مشايخنا على أن الأولى أن يرتزق حتى لا يصير ذلك سنة، لمن يكون بعده، وقد يكون من بعده فقير فيضيق عليهم الأمر، وكما يجعل كفاية القاضي في مال بيت المال يجعل كفاية عياله ومن يمونه من أهله وأعوانه في مال بيت المال، لأن المعنى لا يوجب الفصل.Y
ولم ينقل عن محمد رحمه الله أن القاضي هل يأخذ الرزق في يوم البطالة؟ وقد اختلف المتأخرون فيه، والصحيح أنه يأخذ. فأما أجر كاتب القاضي وأجر قسامه، فإن رأى القاضي أن يجعل ذلك على العموم فله ذلك، وإن رأى أن يجعل ذلك في مال بيت المال، وفيه سعة فلا بأس به، وعلى هذا الصحيفة التي يكتب فيها الدعوى الذي يدعي المدعى وشهادتهم إن رأى القاضي أن يطلب ذلك من المدعي فله ذلك، لأن منفعة ذلك تعود إليه، وإن كان في بيت المال سعة ورأى أن يجعل ذلك في بيت المال فلا بأس به.(8/449)
-----
وقال أبو يوسف رحمه الله في قاض أجري له ثلاثون درهماً لثمن القرطاس والمصحف: أكره له أن يصرف شيئاً من ذلك إلى غير ما جعل إليه.
وأما الكلام في هديته، فنقول: هدايا القاضي أنواع: هدية ممن له خصومة، وليس له أن يقبلها سواء كان بينهما قرابة أو لم يكن؛ لأنها شبه الرشوة، والأكل بسبب القضاء. وهدية ممن لا خصومة له، وإنها على نوعين: إما أن يكون بينهما مهاداة قبل القضاء بسبب القرابة أو الصداقة أو لم يكن، فإن لم يكن لا ينبغي له أن يقبلها، لأنه إنما أهداه لأجل القضاء، فيشبه الرشوة والأكل بسبب القضاء، وإن كان بينهما مهاداة قبل القضاء، فإن أهداه بعد القضاء بمثل ما كان يهديه قبل القضاء فلا بأس بأن (69ب4) يقبلها، ويحمل ذلك على المباسطة السابقة حملاً لأمر المسلمين على الصلاح والسداد فيقبلها، وإن كان أهداه بالزيادة على ما يهديه قبل القضاء فإنه لا يأخذه، لأن الزيادة كانت لقضائه.
قال الشيخ الإمام الزاهد فخر الإسلام علي البزوديّ رحمه الله: إلا أن يكون مال المهدي قد ازداد، فبقدر ما ازداد ماله إذا ازداد في الهدية فلا بأس بقبولها. وإن لم يكن بينهما مهاداة، وكان بينهما قرابة، فللقاضي أن يقبل هديته، هكذا ذكر القدوري رحمه الله، لأن في قبول هديته صلة الرحم، وإنها فرض.(8/450)
-----
ثم إذا أخذ الهدية فلم يكن له أخذها أو أخذ الزيادة، فلم يكن له أخذها، ماذا يصنع بها؟ اختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: وضعها في بيت المال، وبعضهم قالوا: يردها على أربابها إن عرفهم، وإليه أشار في «السير الكبير». وإن لم يعرف مهديها أو عرفه إلا أنه كان بعيداً حتى تعذر عليه الرد يضعها في بيت المال، ويكون حكمها حكم اللقطة، وإنما وضعها في بيت المال، لأنه إنما أهدي إليه لعمله وحشمته، وهو في هذا العمل نائب عن المسلمين وحشمته بالمسلمين، فكانت الهدايا من حيث المعنى للمسلمين، فيوضع في بيت مال المسلمين، وهذا بخلاف هدايا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له خاصة، لأن منعته وحشمته كانت لنفسه، على ما قال الله تعالى: {والله يعصمك من الناس} (المائدة: 97) فكانت الهدية لمنعة له بخلاف هدايا القضاء.
وهو نظير ما ذكر محمد رحمه الله في «السير الكبير»: أمير أهل الحرب إذا أهدى إلى أمير أهل الجيش هدية، فأمير الجيش لا يختص بها بل تكون بينه وبين الجيش، وإذا أهدي إلى واحد من المبارزين شيئاً يختص بها ذلك المبارز، لأنه إنما يهدى إلى أمير الجيش لقوته ومنعته بالجيش، فكانت الهدية للجيش معنى، فأما قوة المبارز ومنعته بذاته فكانت الهدية له خاصة فيختص به، وعلى هذا لو أهدى الرجل إلى مفتى أو واعظ شيئاً كان له أن يقبل ويختص به، لأنه إنما يهدي إليه لعلمه بخلاف هدية القضاء.(8/451)
-----
فأما الكلام في دعوة القاضي. قال محمد رحمه الله في «الأصل» : ولا بأس للقاضي أن يجيب الدعوة العامة، ولا يجيب الدعوة الخاصة، لأنه بمعنى الرشوة، قال: ظاهر أن الناس يميلون إلى القاضي باتخاذ الدعوة له على الخصوص طمعاً في ميل القاضي إليهم، وتكلموا في الحد الفاصل بين الدعوة الخاصة والعامة، بعضهم قالوا: إن كان خمسة نفر أو ستة نفر إلى العشرة فهذه دعوة خاصة، وإن جاوز العشرة فهذه دعوة عامة، وحكي عن القاضي الإمام أبي علي النسفي رحمه الله أنه قال: الدعوة العامة دعوة عرس أو ختان وما سوى ذلك دعوى خاصة.
وهكذا ذكر القدوري في «شرحه»، وحكي عن الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: أن صاحب الدعوة إن كان بحال لو علم أن القاضي لا يحضر لا يتخذ الدعوة، فهذه دعوة خاصة لا يجيبها، وإن كان الداعي بحال لو علم أن القاضي لا يحضر يتخذ الدعوة، فهذه دعوة عامة فيجيبها، ولم يفصل بين الدعوة الخاصة بين القريب وبين الأجنبي، وكذا لم يفصل بينما إذا كان بين القاضي وبين صاحب الدعوة مباسطة قبل القضاء وكان يتخذ الدعوة لأجله أو لم يكن، وذكر القدوري أن القاضي يجيب الدعوة الخاصة في المحرم. وهكذا ذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله في «شرح أدب القاضي».
وذكر الطحاوي في «مختصره»، أن على قول أبي حنيفة وأبي يوسف لا يجيب الدعوة الخاصة من القريب، وعلى قول محمد رحمه الله يجيب، وذكر شيخ الأئمة السرخسي، وشيخ الإسلام رحمهما الله أن صاحب الدعوة إن كان ممن لا يتخذ الدعوة للقاضي قبل تقلده القضاء لا يجيب دعوته، القريب والأجنبي فيه سواء، لأن الظاهر أنما فعل ذلك لأجل القضاء خاصة، وإن كان ممن يتخذ الدعوى للقاضي قبل تقلده القضاء، فالقاضي يجيب دعوته، القريب والأجنبي في ذلك على السواء، لأنه لا يكون ذلك بسبب القضاء ظاهراً.(8/452)
-----
وقيل: صاحب الدعوة إذا كان يتخذ الدعوة قبل القضاء في شهر مرة، وبعد القضاء في كل أسبوع مرة، فالقاضي لا يجيب دعوته إلا في كل شهر مرة، وكذا إذا كان صاحب الدعوة زاد في المباحات بعد القضاء على ما قبل القضاء، فالقاضي يجيب الدعوة له، إلا أن يكون مال صاحب الدعوة قد ازداد فبقدر ما زاد من ماله ازداد في المباحات، فالقاضي يجيبه.
وهذا كله إذا لم يكن لصاحب الدعوة خصومة، فأما إذا كان لصاحب الدعوة خصومة لا يجيب دعوته، وإن كان بينهما قرابة أو مباسطة قبل القضاء، لأنه يصير آكلاً لقضائه معنى.
ومما يتصل بهذا الفصل فصل الرشوة
واعلم بأن الرشوة أنواع نوع منها أن يهدي الرجل إلى الرجل مالاً لإبقاء التودد والتحبّب، وهذا النوع حلال من جانب المهدي والمهدى إليه، قال عليه السلام: «تهادوا تحابوا».
ونوع منها: أن يهدي الرجل إلى رجل مالاً، لأن ذلك الرجل قد خوفه فيهدي إليه مالاً ليدفع الخوف من نفسه، أو يهدي إلى السلطان مالاً ليدفع ظلمه عن نفسه أو ماله، وهذا نوع لا يحل للآخذ الأخذ، وإذا أخذ يدخل تحت الوعيد المذكور في هذا الباب، لأنه يأخذ المال للكف عن التخويف والظلم، والكف عن التخويف والظلم واجب بحكم الإسلام، ولا يحل أخذ المال بمقابلة الواجب.
وهل يحل للمعطي الإعطاء؟ عامة المشايخ على أنه يحلّ، لأنه يجعل ماله وقاية لنفسه، أو يجعل بعض ماله وقاية للباقي، وكل ذلك جائز وموافق للشرع، وقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه رشى دينارين بالحبشة، ونجى نفسه، وعن جابر رضي الله عنه أنه قال: لم نجد في زمن بني أمية أنفع لنا من الرشا.(8/453)
-----
قال القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمه الله: فعلى هذا إذا كان الرجل في قرية فيها ظالم، وكان الرجل يهدي إلى الظالم شيئاً من الفواكه، أو من المطعومات ليدفع ظلمه عن نفسه لا بأس به، والخصاف علق حل الإعطاء بالرجاء، فقال: رجونا أن لا يكون إثماً، ووجه ذلك أن القبض حرام، والإعطاء تمكين من القبض، والتمكين من الحرام حرام، إلا أن قصد المعطي في هذا دفع الظلم عن نفسه لا التمكين من الحرام، فمن هذا الوجه لا يكون حراماً، ومن ذلك الوجه يكون حراماً، فعلقه بالرجاء لهذا.
ونوع منها: أن يهدي الرجل إلى رجل مالاً ليسوي أمره فيما بينه وبين السلطان، ويعفه في حاجته، وإنه على وجهين:
الأول: أن تكون حاجته حراماً، وفي هذا الوجه لا يحل للمعطي الإهداء، ولا للمهدى إليه الأخذ، لأن المهدي يعطي ليتوصّل به إلى الحرام، والمهدى إليه يأخذ ليعينه على الحرام.
الثاني: أن تكون حاجته مباحاً، وإنه على وجهين أيضاً:
الأول: أن يشترط أنه إنما يهدي إليه ليعينه عند السلطان، وفي هذا الوجه لا يحل للآخذ الأخذ، لأن القيام بمعونة المسلمين واجب بدون المال، فهذا مما أخذ لإقامة ما هو واجب عليه، فلا يحل.
وهل يحلّ للمعطي الإعطاء؟ تكلموا فيه، منهم من قال: لا يحل؛ لأن هذا تمكين من القبض الذي هو حرام، ومنهم من قال: يحل؛ لأن غرضه دفع الظلم عن نفسه، وعلى قياس قول الخصاف يجب أن يكون حل الإعطاء معلقاً بالرجاء، على ما بيّنا والحيلة في حل الأخذ، وفي حل الإعطاء عند الكل أن يستأجره صاحب الحادثة يوماً، إلى الليل ليقوم بعمله بالمال الذي يريد الدفع إليه فتصح الإجارة ويستحق الأجير الأجر، ثم المستأجر بالخيار إن شاء استعمله في هذا العمل، وإن شاء استعمله في عمل آخر، قالوا: وهذه الحيلة إنما يصلح إذا كان العمل الذي أستأجره عليه عملاً يصلح الاستئجار عليه.
(8/454)
-----
الوجه الثاني: إذا (70أ4) لم يشترط ذلك صريحاً، ولم يعلم أنه إنما يهدي إليه ليعينه عند السلطان، وفي هذا الوجه اختلف المشايخ عامتهم على أنه لا يكره على قياس مسألة المؤذن والإمام على ما يأتي بيانهما بعد هذا إن شاء الله تعالى، وبعضهم قالوا: يكره، وهذا نقل عن ابن مسعود رضي الله عنه.
ونوع آخر: أن يهدي الرجل إلى رجل مالاً، لأنه سوى أمره عند ذي سلطان، فأعانه في حاجته، ولا يصرح عند الإهداء أنه إنما أهدى إليه، لأنه سوى أمره عند السلطان وهذا نوع يحل للمعطي الإعطاء؛ لأنه أنعم عليه بالنجاة من الظلم، وقد قال عليه السلام: «من أزلت عليه نعمة فليشكرها».
هل يحل للآخذ الأخذ؟ تكلموا فيه منهم من قال: لا يحل، لأنه أقام الواجب ولا يجوز أخذ المال على إقامة الواجب.
وقد جاء عن عبد الله جعفر أنه أعان مظلوماً، وخلصه من الظلم وأهدى إليه هدية تبلغ أربعين ألف درهم، فقال عبد الله: إنما لا يأكل منه دانقاً، ومنهم من قال: يحل؛ لأن هذا برّ وصلة، وقاسوه بما ذكر محمد رحمه الله في كتاب الصّلاة أن الإمام أو المؤذن إذا جمع لهم القوم شيئاً وأعطوه من غير أن يشترط عليهم، فما أحسن هذا، فقد سمى ذلك حسناً، وإن كان يعلم أنهم إنما أعطوه بسبب الإمامة والأذان مع ذلك سماه حسناً، وجعل بمنزلة البر والصّلة لما كان الإعطاء بغير شرط كذا هاهنا.(8/455)
-----
وكان الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله يحكي عن أستاذه القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمه الله: أنه ينظر في هذا إلى العمل الذي أقامه، فإن كان شيئاً لو أستأجره على ذلك يستحق الأجر بأن بعثه رسولاً إلى ظالم، فلما بلغه الرسالة أعطاه المرسل يحل له الأخذ، وما لا فلا هذا إذا لم يكن بينهما تهاد قبل ذلك بسبب من الأسباب، فأما إذا كان بينهما تهادي قبل ذلك بسبب صداقة أو قرابة، فأهدى إليه كما كان يهدي قبل ذلك، ثم إن المهدى إليه قام لإصلاح أمره، فهذا أمر حسن؛ لأنه مجازاة الإحسان بالإحسان، ومقابلة الكرم بالكرم.
ونوع من ذلك: أن يهدي الرجل إلى سلطان ليقلد القضاء له أو عملاً آخر، وهذا نوع لا يحل للآخذ الأخذ، ولا للمعطي الإعطاء، لأن المعطي إنما يعطي ليأخذ أموال الناس، ويظلم عليهم، والآخذ إنما يأخذ ليسلطه على الظلم، ومن أخذ القضاء بالرشوة، هل يصير قاضياً؟ فالصحيح أنه لا يصير قاضياً، ولو قضى لا ينفد قضاؤه.
ونوع من ذلك: أن يهدي الرجل إلى قاض ليقضى له، وهذا نوع لا يحل للآخذ الأخذ ولا للمهدي الإعطاء، أما لا يحل للآخذ الأخذ، لأن القضاء إن كان بالجور، فالقضاء بالجور حرام، فإنما أخذ المال لمباشرة الحرام، وإن كان القضاء بحق، فلأن القضاء بالحق عبادة، وأخذ المال على العبادات لا يجوز، وأما لا يجوز الإعطاء؛ لأنه إن كان القضاء له بالجور، فإنما يعطى المال لأجل الحرام، وإن كان القضاء بالحق؛ فلأن إعطاء المال لمقصود المحصول له، فيكون سفهاً والسفه حرام.
بيان هذا: أن المقصود من هذا الإعطاء أن يقضي له، فيصير المدعى به حقاً وملكاً له، وإنما يصير المدعى به حقاً وملكاً على تقدير نفاذ القضاء، وقضاء القاضي فيما ارتشى باطل لما نبين بعد هذا إن شاء الله تعالى.(8/456)
-----
قال الخصاف رحمه الله في «أدب القاضي»: فإذا قبل القاضي الرشوة، وقضى للراشي، فقضاؤه فيما ارتشى باطل، وقضاياه فيما لم يرتش نافذة، وبه أخذ شمس الأئمة السرخسيّ رحمه الله، وذكر الشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزوديّ رحمه الله أن قضاياه باطلة فيما ارتشى وفيما لم يرتش.
واعلم بأن القاضي بأكل الرشوة يصير فاسقاً؛ لأنه آكل السحت، وإنه يوجب الفسق، والقاضي بالفسق ينعزل عند بعض مشايخ العراق، وعند بعض مشايخ العراق وعامة مشايخنا أنه لا ينعزل ولكن يستحق العزل، وقد ذكرنا هذا في صدر الكتاب.
ثم على قول بعض مشايخنا إذا انعزل لا شك أنه لا تنفذ قضاياه أصلاً لا فيما ارتشى ولا فيما لا يرتشي، وعند مشايخنا، وبعض مشايخ العراق: إذا لم ينعزل تنفذ قضاياه فيما لم يرتش بلا خلاف، وفيما ارتشى اختلفوا على نحو ما بينا، فوجه قول من قال: إنه ينفذ؛ لأنه على قضائه بعد، وجه قول من قال: لا ينفذ أنه قضى بخلاف أمر الشرع؛ لأن الشرع أمره بقضاء لا يعتاض عنه، فقضاء يعتاض عنه يكون بخلاف أمر الشرع فيكون باطلاً، حتى قالوا: لو رد الرشوة، ثم حكم ينفذ حكمه، لأنه ما اعتاض عن قضائه، وإن ارتشى ولد القاضي أو كاتبه أو من أشبههما، فإن كان ذلك بأمر القاضي ورضاه، فهذا وما لو ارتشى القاضي بنفسه سواء، وإن كان بغير أمر القاضي ورضاه نفد قضاياه، لأنه ما أعتاض عن قضائه، فلم يكن قضاؤه بخلاف أمر الشرع والله أعلم.
(8/457)
الفصل العاشر: في بيان ما يكون حكماً وما لا يكون حكماًوما يبطل به الحكم بعد وقوعه صحيحاً وما لا يبطل
-----
قال مشايخنا: ينبغي للقاضي إذا أراد الحكم أن يقول للخصمين أحكم بينكما، وهذا على وجه الاحتياط، حتى إذا كان في التقليد خللاً يصير حكماً بتحكيمهما، وإذا قال القاضي: ثبت عندي أن لهذا على هذا كذا هل يكون هذا حكماً من القاضي؟ كان القاضي الإمام أبو عاصم العامري رحمه الله يفتي بأنه حكم، وهو اختيار شمس الأئمة الحلواني، واختيار الصدر الشهيد رحمهما الله، وكان القاضي الإمام شمس الإسلام محمود الأوزجندي رحمه الله يقول: لا بد وأن يقول القاضي: قضيت، أو يقول: حكمت، أو يقول: أنفذت عليك القضاء، وهكذا ذكر الناطفي في «واقعاته»، والمذكور به: إذا ادعى رجل داراً في يدي رجل، فقال القاضي للمدعى عليه: لا أرى لك حقاً في هذه الدار، فهذا لا يكون حكماً، وهكذا كان يفتي الشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني رحمه الله، وكان يقول: إذا ظهرت عدالة الشهود في دعوى عين، وطلب المدعي الحكم من القاضي، فقال القاضي للمدعى عليه: أين محدود ودباين مدعى ده، فهذا لا يكون حكماً، وينبغي أن يقول: حكم كردم مرأين محدود مرأين مدعى راوا.
والصحيح أن قوله: حكمت وقضيت ليس بشرط، وأن قوله ثبت عندي يكفي، وكذلك إذا قال: ظهر عندي، أو قال: صح عندي، أو قال: علمت، فهذا كله حكم.
وإذا قال القاضي بعدما قضى في حادثة: رجعت عن قضائي، أو قال: بدا لي غير ذلك، أو قال: وقفت على تلبيس من الشهود، وأراد أن يبطل حكمه لا يعتبر هذا الكلام منه، والقضاء ماض على حاله، إذا كان بعد دعوى صحيحة، وشهادة مستقيمة، وعدالة الشهود ظاهرة.
في «فتاوى النسفي» رحمه الله: ادعى حرية نفسه، وقضى القاضي بها ببينة أقامها العبد، ثم قال العبد: كذبت أنا عبد، هل يبطل القضاء بالحرية؟ فلا رواية لهذه المسألة في شيء من الكتب، قالوا: وينبغي أن لا يبطل القضاء.
وهذا بخلاف ما لو ادعى رجل على رجل مالاً، وقضى القاضي بالمال للمدعي ببينة، ثم قال المدعي: كنت كاذباً فيما ادعيت، حيث يبطل القضاء.(8/458)
-----
والفرق: أن في الحرية حق الله تعالى والعبد لا يقدر على إبطال حق الله تعالى، ولا كذلك المال، لأن المال من العبد، والعبد يقدر على إبطال حقه، وإذا قال المدعي بعد القضاء: المقضي به ليس بملكي لا يملك القضاء بخلاف ما إذا قال: لم يكن بملكي، وهذا لأن قوله: ليس ملكي يتناول الحال، وليس من ضرورة نفي الملك للحال إنتفاؤه من الأصل، بخلاف قوله: لم يكن ملكي.
المقضي له إذا قال: ما قضي به فهو حرام لي، وأمر إنساناً أن يشتري ذلك له من المقضي عليه، فهذا يبطل الحكم؛ لأن الأمر بالشراء دليل على أن لا حق له في المشترى والإنسان لا يشتري ملك نفسه ولا يأمر غيره بذلك.
تكذيب المشهود له الشهود وتفسيقه إياهم قبل القضاء يمنع القضاء، وتكذيبه وتفسيقه إياهم بعد القضاء يبطل القضاء على ما عليه «إشارات الأصل» في «الجامع»، وكان. (70ب4) القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمه الله يقول: لا يبطل القضاء وعلل فقال: لأن الفاسق ربما يكون صادقاً، ولهذا يصلح شاهداً عندنا، فعلى اعتبار أنه كان صادقاً لا يجوز إبطال القضاء، وعلى اعتبار أنه كان كاذباً يجوز إبطال القضاء، ولا يجوز إبطال القضاء بالشك كما لا يجوز القضاء بالشك، فظن بعض مشايخنا أن ما قاله القاضي الإمام مخالف «لإشارات الجامع» وليس كذلك؛ لأن المراد مما ذكر في «الجامع» تفسيق ينشأ عن تكذيب المشهود له، وإنه يوجب بطلان القضاء كما يمنع جواز القضاء، والمراد مما قاله القاضي الإمام بفسق التفسيق بأن قال: هم زناة، هم شاربوا خمر، لا بفسق ينشأ عن التكذيب، ونفس التفسيق يمنع القضاء.
ما لا يبطل القضاء(8/459)
-----
قال محمد رحمه الله في «الجامع»: وإذا قضى القاضي بالدار للمدعي ببينة أقامها، فأقر المقضي له بالدار أن الدار دار فلان لا حق له فيها، وصدقه فلان في ذلك فقال المقضي عليه للمقضي له: قد أكذبت شاهديك، حين أقررت أنها لفلان لا حق لك فيها، وأقررت بخطأ القاضي في قضائه، فرد الدار عليّ أو قيمتها فالقضاء ماض، ولا سبيل للمقضي عليه لا على الدار، ولا على المقضي له، لأن القضاء نفذ من حيث الظاهر وقع الشك في نقضه، لأن قول المقضي له: هي لفلان محتمل يحتمل أن يكون نفياً لحقه عنها بسبب سابق على القضاء، ويحتمل أن يكون نفياً لحقه عنها بسبب حادث بعد القضاء أوجب نقله إلى فلان، وقع الشك في نقض القضاء، فلا ينقض بالشك.
فإن قيل: هذا الاحتمال إن كان يتأتى فيما إذا أقرّ به بعدما غابا عن مجلس القضاء، لا يتأتى قبل الغيبة والجواب فيهما واحد.(8/460)
-----
قلنا: لا بل يتأتى قبل الغيبة أيضاً بأن يقول المدعي: الدار كانت لي من الأصل، وقد كنت بعتها قبل القضاء من المقر له على أني بالخيار ثلاثة أيام حتى بقيت الدار على ملكي في مدة الخيار، ثم إن المقضي عليه استولى على الدار وغصبها، ثم لما قضى القاضي بالدار لي انقضت مدة الخيار عقيبه بلا فصل، فأمكن الجمع بين هذا الإقرار وبين الدعوة الأولى والشهادة على هذا الوجه، وإذا كان محتملاً لا يجوز نقض القضاء بالشك، ولو لم يقل على هذا الوجه، ولكن قال بعد القضاء له: هذا الإقرار لفلان ولم يكن لي قط بدأ بالإقرار لفلان، ثم بالنفي عن نفسه أو بدأ بالنفي عن نفسه، ثم بالإقرار لفلان، بأن قال: هذه الدار لم تكن لي قط وإنما هي لفلان، فإن صدقه المقر له في جميع ذلك يرد الدار على المقضي عليه في الوجهين جميعاً، لأنه أكذب شهوده وأقر ببطلان القضاء إذا لم يمكن الجمع بين هذا الإقرار وبين الدعوى الأولى والشهادة، ولا بقي على المقر للمقر له، لأنه أدعى ما يبطل إقراره؛ لأنه أدعى أنه لم يكن له قط، وعلى هذا الاعتبار لا يصح إقراره بالملك لغيره، وقد صدقه المقر له في ذلك فبطل إقراره.(8/461)
-----
وأما إذا صدقه المقر له في الإقرار، وكذبه في النفي بأن قال المقر له الدار كانت للمقر وهبها لي بعد القضاء وقبضتها منه، ذكر في «الكتاب» أن الدار تدفع إلى المقر له، وهذا الجواب ظاهر فيما إذا بدأ بالإقرار، ثم بالنفي؛ لأنه يدعي بطلان الإقرار بعد صحته ظاهراً، والمقر له كذبه في بطلان إقراره، فلم يبطل إقراره، ويضمن قيمة الدار في هذا الوجه للمقضي عليه؛ لأن في زعمه أنه صاحب الدار، وقد عجز عن تسليمها بسبب إقراره الأول، فيضمن قيمتها كما لو انهدمت الدار. يشكل فيما إذا بدأ بالنفي، وفي هذا الوجه ينبغي أن لا يصح إقراره، لأنه لما بدأ بالنفي، فقد أكذب شهوده فيما شهدوا به؛ لأنهم شهدوا أن الدار من الأصل له، وقد أقر أنها ليست له من الأصل، وأقر ببطلان القضاء، وأن الدار ملك للمقضي عليه، فإذا قال بعد ذلك: ولكنها لفلان حصل مقراً بملك الغير، فينبغي أن لا يصح إقراره والجواب: أن تصحيح إقراره واجب ما أمكن، وأمكن تصحيح إقراره بتقديم إقراره على النفي، والتقديم والتأخير شائع في الكلام، فقدمنا إقراره تصحيحاً، ولكن يجب أن يكون قوله: ولكنها لفلان موصولاً بالنفي؛ لأنه إنما يقدم الإقرار ويؤخره تصحيحاً إذا كان الكلام بعضه موصولاً بالبعض.
قالوا: ما ذكر محمد رحمه الله في «الكتاب» أن المقر له إذا قال: وهبها لي بعد القضاء، وقبضتها منه فهي لي بالهبة، إنما يصح هذا إذا غابا عن مجلس القضاء حتى أمكن للقاضي تصديق المقر له فيما ادعى من الهبة، فأما إذا قال هذا في مجلس القضاء، فقد علم القاضي كذبه؛ لأنه علم أنه لم يجر بينهما هبة، وما يكون كذباً كان وجوده والعدم بمنزلة، فينبغي أن لا يصح إقرار المقر في هذا الوجه.(8/462)
قالوا أيضاً: قول محمد في «الكتاب» أن القاضي يقضي بقيمة الدار للمقضي عليه على المقضي له قول محمد، وهو قول أبي يوسف الأول؛ لأن العقار إنما يضمن بالغصب عند محمد وأبي يوسف الأول رحمهما الله.(8/463)
-----
ومنهم من قال: هذا قول الكل؛ لأن العقار عند أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر يضمن بإتلاف الملك إن كان لا يضمن بالغصب، ألا ترى أنه يضمن بالشهادة بالملك عند الرجوع؟ وإنما يضمن لإتلاف الملك، والمقضي له أتلف الملك على المقضي عليه هاهنا.
ولو قال المقضي له: هذه الدار ليست لي إنما هي لفلان، فهذا وما لو قال: هذه الدار لفلان لا حق لي فيها سواء، حتى لا يبطل قضاء القاضي بالدار للمقضي له، لأن قوله: ليست لي نفي للملك للحال، فيحمل أنه إنما نفاه للحال؛ لأنه ملكه من المقر له بعد القضاء، ويحتمل أنه نفاه للحال؛ لأنه لم يكن له من الأصل، ولا ينقض القضاء بالشك.
وفي «الجامع» أيضاً: رجل في يديه دار جاء رجل وادعى أنها كانت لأبيه، مات وتركها ميراثاً له، وأقام على ذلك بينة، وقضى القاضي له بالدار، ثم جاء رجل آخر وادعى أنها داره اشتراها من أب المقضي له، في حال حياته وصدقه المقضي له بذلك، فإن الدار ترد على المقضي عليه ويبطل القضاء، لأن المقضي له أكذب شهوده على وجه لا يمكن التوفيق؛ لأن وراثه من أبيه داراً باعها الأب في حال حياة لا تصور فيبطل القضاء، وإذا بطل القضاء وجب رد الدار على المقضي عليه، ويقال لمدعي الشراء: أقم البينة على المقضي عليه أنها كانت لأب المقضي له، وأنك اشتريتها منه، فإن أقام البينة على هذا الوجه قضى بالدار له، وما لا فلا، والله أعلم.
الفصل الحادي عشر: في العدوى وتسمير الباب والهجوم على الخصم وما يتصل بذلك
وإذا تقدم رجل إلى القاضي وادعى على رجل حقاً، والقاضي لا يعرف أنه محق أو مبطل وأراد الاعداء على خصمه، يريد به أنه طلب من القاضي أن يحضر خصمه، فهذا على وجهين:
الأول: أن يكون المدعى عليه في المصر، وإنه على وجهين أيضاً:(8/464)
-----
الأول: أن يكون المدعى عليه رجلاً صحيحاً، أو امرأة برزة تخالط الرجال، وفي هذا الوجه: القياس أن لا يعديه؛ لأنه يتضرر به المدعى عليه؛ لأنه ينقطع عن أشغاله، ومجرد الدعوى لا تصلح سبباً للاستحقاق، خصوصاً إذا كان فيه إضراراً بالغير، وفي الاستحسان يعديه بالآثار المشهورة في هذا الباب من جملة ذلك:
ما روي: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدا أبا جهل» وعن عثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أنهم عدوا، وجرى التوارث بهذا إلى يومنا من غير نكير منكر، ولأن القاضي مأمور في فصل الخصومة، وفصل الخصومة إما بالبينة، والبينة لا تسمع إلا على الخصم الحاضر، وإما بالإقرار واليمين، وذلك لا يتحقق بدون حضرة المدعى عليه، والمدعى عليه لا يحضر بنفسه، والمدعي لا يتمكن من إحضاره؛ لأنه يقابله، فيقبض القاضي لإحضاره.
ثم الإعداء، على نوعين:
أحدهما: أن يذهب القاضي بنفسه، والثاني: أن يبعث من يحضره، ورسول الله عليه السلام فعل كلا النوعين، إلا أن في زماننا القاضي لا يذهب بنفسه، إما لأن الخصومات تكثر على باب القاضي، فلو ذهب في كل خصومة (72آ) بنفسه لا يتفرغ لفصل الخصومات، أو لأن حشمة القاضي بأعوانه، فلو ذهب مع كل الأعوان كان حرجاً، ولو ذهب بنفسه يستخف به، فلا يحصل المقصود بالذهاب بنفسه، وأما حشمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوته كانت بنفسه، فكان يحصل المقصود بذهابه بنفسه.
الوجه الثاني: من هذا الوجه، وهو ما إذا كان المدعى عليه في المصر، ويكون مريضاً، أو امرأة مخدرة، وهي التي لم تعتد لها الخروج، فالقاضي لا يعديهما، أما المريض فلأنه معذور، قال الله تعالى: {ولا على المريض حرج} (النور: 61) وأما المرأة المخدرة، فلأنه لا فائدة في إحضارها؛ لأن الحياء يمنعها عن التكلم، وعن جواب الخصم، وربما يصير ذلك سبباً لفوات حقها، بخلاف ما إذا كانت برزة تخالط الرجال، لأنها تتمكن من الجواب، ومن إقامة الحجة، فكان في إحضارها فائدة.(8/465)
-----
وتكلم المشايخ في مقدار المرض الذي لا يعيد به القاضي، قال بعضهم: أن يكون بحال لا يمكنه من الحضور بنفسه والمشي على قدميه، ولو حمل أو ركب على أيدي الناس يزداد مرضه، وقال بعضهم: أن يكون بحال لا يمكنه الحضور بنفسه، وإن كان يمكنه الحضور بالركوب وحمل الناس من غير أن يزداد مرضه، لأن بهذا القدر حل التخلف عن الجماعة، فكذا من الحضور مجلس الحكم، وهذا القول أوضح وأوفق، ثم إذا لم يحضرهما يعني المريض والمخدرة ما يصنع القاضي؟ فالمسألة على وجهين:
إن كان القاضي مأذوناً بالاستخلاف، يبعث خليفته إليهما ليقضي بينهما وبين خصومهما، لأن مجلس الخليفة مجلس القاضي لكون الخليفة قائم بمقام القاضي، وإن لم يكن القاضي مأذوناً بالاستخلاف يبعث القاضي إليه أميناً من أمنائه فقيهاً، ويبعث معه شاهدين عدلين حتى يخبرا القاضي بما يجري، لأنه لا يثبت بقول الأمين ذلك؛ لأنه شهد على فعل نفسه، ولأنه واحد، وإنما يبعث معه شاهدين عدلين ممن يعرفان المرأة وَالمريض، لأن المقصود من بعث الشاهدين أن يخبرا القاضي بما جرى بين المريض والمرأة، والمدعى عليهما، وهذا المقصود إنما يحصل إذا كانا يعرفانهما. وينبغي للقاضي إذا بعث الأمين أن يبين له صورة الاستحلاف وكيفيته، حتى إذا أنكر المدعى عليه حلفه على ما هو رأي القاضي، فالناس يختلفون في كيفية الاستحلاف، فلهذا قال: يبين له ذلك.(8/466)
-----
ثم إذا ذهبوا إلى المدعى عليه، فالأمين يخبره بما ادعى عليه، فإن أقر بذلك أشهد عليه الشاهدين بما أقر به بحضرة وكيله، فيقضي القاضي بحضرة وكيله، وإن أنكر فالأمين يقول للمدعي: ألك بينة؟ فإن قال: نعم، يأمر المدعى عليه أن يوكل وكيلاً ليحضر مع خصمه في مجلس القضاء، فتقام عليه البينة بحضرة وكيله، وإن قال: ليس لي بينة، فالأمين يحلف المدعى عليه، وإن حلف أخبر الشاهدان القاضي بذلك حتى يمنع المدعي من الدعوى إلى أن يجد بينة، وإن نكل عن اليمين ثلاث مرات أمره الأمين أن يوكل وكيلاً يحضر مع خصمه مجلس الحكم ويشهد عليه الشاهدين بنكوله، ويقضي القاضي عليه بالنكول.
هكذا ذكر الخصاف رحمه الله في «أدب القاضي»، وهذا إشارة إلى أنه لا يشترط للقضاء بالنكول أن يكون على فور النكول، وهو مذهب الخصاف، كما لا يشترط للقضاء بالبينة والإقرار أن يكون على فورهما، ولا يمكن للقاضي أن يقضي بنكول كان عند الأمين، وهذا لأن النكول قد يكون تورعاً عن اليمين الكاذبة، وعلى هذا التقدير القاضي يقضي، وقد يكون ترفعاً عن اليمين الصادقة.
قالوا: وعلى هذا التقدير القاضي لا يقضي وإنما يعين التورع عن اليمين الكاذبة بقضاء القاضي، فيجب أن يكون القضاء على فوره حتى يعين التورع عن اليمين الكاذبة، فعلى قول هذا القائل: الأمين يقضي عليه بنكوله، ثم ينقل الشاهدان قضاء الأمين إلى مجلس القاضي، فيمضي القاضي قضاء الأمين بمحضر من وكيله، وبعض مشايخنا، قالوا: إذا لم يكن القاضي مأذوناً بالاستخلاف ينبغي أن يقول للمدعي أتريد هذا حكماً يحكم بينكما.
فإن قال: نعم يبعثه إلى المدعى عليه، فإن رضي بحكومته، فحكم بينهما جاز، والتحكيم جائز وحكم الحاكم نافذ، وسيأتي بيانه بعد إن يشاء الله تعالى هذا إذا كان المدعي عليه خارج المصر وهو الوجه الثاني من هذا الفصل.
(8/467)
-----
وإنه على وجهين أيضاً: الأول: أن يكون قريباً من المصر، والجواب فيه كالجواب فيما إذا كان في المصر، فيعديه بمجرد الدعوى استحساناً لما مر، (الثاني) وإن كان بعيداً من المصر لا يعديه بمجرد الدعوى، والفاصلة بين القريب والبعيد إنه إذا كان بحيث لو ابتكر من أهله أمكنه أن يحضر مجلس الحكم، وبحيث يبيت في منزله، فهذا قريب، وإن كان يحتاج إلى أن يبيت في الطريق، فهذا بعيد وإنما لا يعديه إذا كان بعيداً على هذا التفسير، لأن في الإعداء إضراراً به، فإنه يتضرر بالبيتوتة في غير أهله.
ونظير هذا ما قال أصحابنا رحمهم الله: في الفرقة، إذا وقعت الفرقة بين الزوجين وبينهما ولد، فأرادت أن تنقل ولدها إلى قريتها، إن كان بحيث يمكن للزوج أن يزور ولده وينظر في أمره، ويبيت في أهله، فلها أن تنقل وإلا فلا.
وكذلك المضارب ينفق من مال نفسه في المصر لا من مال المضاربة، وإذا سافر ينفق من مال المضاربة، وإن خرج إلى قرية فإن كان بحيث يمكنه أن يعود إلى أهله في يومه ويتعيش عندهم، فإن نفقته لا تكون في مال المضاربة، وهو والمسافر سواء، ولهذا قال أصحابنا رحمهم الله: إنه ينبغي للقاضي أن ينصب قاضياً على مسيرة يومين من المصر، لأنه إذا كان بين المصر والقرية مسيرة يومين يحتاج إلى إحضار الخصم بالدعوى وفيه ضرر؛ لأنه يحتاج إلى أن يبيت في الطريق، وينقطع عن أشغاله.
ثم على قول من أخذ بالقياس في هذه الفصول إذا لم يعده بمجرد الدعوى، إذا كان بعيداً من المصر ماذا يصنع؟ ذكر الخصاف في «أدب القاضي»: أن القاضي يأمر المدعي بإقامة البينة على ما ادعاه، ولا تكون هذه البينة لأجل القضاء، وإنما تكون الأصل الإحضار، وقد يكون البينة لا لأجل القضاء كما في كتاب القاضي، فإن هناك المدعي يقيم البينة ليكتب له، لا ليقضي له، فإذا أقام بينة على ما ادعى أمر بإحضاره، والمستور في هذا يكفي، فإذا حضر أمر المدعي بإعادة البينة ليقضي بها.(8/468)
-----
وبعض مشايخنا قالوا: القاضي يحلف المدعي على ما أدعى، فإن حلف أحضره، وإن أرسل القاضي إلى المدعى عليه من يحضره، فلم يجده، فقال المدعي للقاضي: إنه توارى عني، وطلب التسمير والختم يعني على باب داره فالقاضي يكلفه إقامة البينة، على أنه في منزله؛ لأن القاضي بالتسمير يجعل الدار سجناً عليه، إن كان هو في الدار، وإن لم يكن في الدار يمنع الدار عنه، وكل ذلك عقوبة فلا بدّ من الجناية، وإنما تتحقق الجناية إذا كان في الدار، وأبى الحضور، فإن جاء شاهدان يشهدان أنه في منزله، فالقاضي يسألهما: من أين علمتما؟ لما ذكرنا أن التسمير عقوبة، والاحتياط في العقوبات واجب، فإن قالا: رأيناه فيه اليوم أو أمس أو منذ ثلاثة أيام قبل القاضي ذلك، وأمر بالختم؛ لأن الظاهر أنه حاضر، فتتحقق الجناية لكنه أخفى نفسه كما قال المدعي، وإن كانت الرؤية قد تقادمت لا يقبل ذلك منهما؛ لأن الرؤية إذا تقادمت يحتمل أنه سافر بعد الرؤية، قبل الدعوى، فلم تتحقق الجناية، ثم جعل ما زاد على ثلاثة أيام متقادماً، قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: الصحيح أن ذلك مفوض إلى رأي القاضي.
وإن تقادمت رؤية الشاهدين، إلا أنه كان لا يمكن للمدعي الدعوى لتأخر خروج قرعته، بأن كان القاضي أقرع بين الخصوم ليعلم كل أحد نوبة (71ب4) دعواه فقبل ذلك منه، لأنه عذر.
ثم إذا أراد القاضي التسمير، فكما إذا سمر الباب من جانب السكة سمر الباب الذي هو من جانب السّطح؛ لأن المقصود جعل الدار سجناً عليه؛ لأنه لو ظفر به حبسه في السجن، فإذا لم يظفر به جعل الدار سجناً عليه، وإنما يصير البيت سجناً عليه بتسمير كلا البابين.(8/469)
-----
فإن قال الخصم للقاضي بعد ما ختم الباب ومضى أيام: قد حبس في الدار ولا يحضر فانصب لي عنه وكيلاً، أقيم عليه البينة، فإن أبا يوسف رحمه الله كان يقول القاضي يبعث رسولاً، ومعه شاهدان؛ لأن قوله غير مقبول على فعل نفسه، فيحتاج إلى شاهدين ليشهدا له بما يجري عند القاضي، فينادي الرسول على باب الخصم ثلاثة أيام كل يوم ثلاث مرات: يا فلان بن فلان القاضي يقول: احضر مع خصمك فلان بن فلان مجلس الحكم، وإلا نصبت عنك وكيلاً، وقبلت البينة عليك بحضرة وكيلك، فإذا فعل ذلك ولم يحضر نصب القاضي عنه وكيلاً، وسمع البينة عليه، وأمضى الحكم عليه بحضرة وكيله.
قال الخصاف رحمه الله في «أدب القاضي»: وقال غير أبي يوسف رحمه الله: لا أرى أن أنصب عنه وكيلاً، فقد بين أن هاهنا مخالف لأبي يوسف، ولم يذكر المخالف، فقيل: المخالف أبو حنيفة لا محمد رحمهما الله، فقد روى ابن سماعة عن محمد رحمه الله مثل قول أبي يوسف، وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمه الله يقول: رأيت في بعض روايات «النوادر» عن أبي حنيفة رحمه الله مثل قول أبي يوسف. ونصّ في «المنتقى» عن أبي حنيفة رحمه الله، أن القاضي لا يقضي عليه حتى يحضر.
وفي «نوادر هشام»: سألت محمداً رحمه الله ما تقول في سلطان لإنسان قبله حق، فلا يجيب إلى القاضي، فأخبرني أن أبا يوسف رحمه الله كان يعمل بالأعذار، وهو قول أهل البصرة، قال:
وصورة ذلك: أن يبعث القاضي رسولاً إليه من قبله ينادي على بابه، أن القاضي يقول: أجب ينادي بذلك أياماً، فإن أجاب، وإلا جعل القاضي لذلك السلطان الذي أبى أن يجيب وكيلاً، فيخاصم هذا المدعي فقلت له: فهل أنت تجعل له وكيلاً؟ فقال: نعم، فقلت: فلا تكون قضيت على الغائب، فقال: لا، قال: وكان أبو حنيفة لا يعمل بالأعذار.
وأما الهجوم على الخصم، وصورته:(8/470)
-----
أن يكون لرجل على رجل دين، فيتوارى المديون في منزله، ويبين ذلك للقاضي فيبعث أمينين من رفاقه، ومعهما جماعة من أعوان القاضي ومن النساء إلى منزله بعثه حتى يهجموا إلى منزله، ويقف الأعوان بالباب، وحول المنزل وعلى السطح حتى لا يمكنه الهرب، ثم تدخل النساء المنزل من غير استئذان وحشمه فيأمرن حرم المطلوب حتى يدخلن في زاوية، ثم يدخل أعوان القاضي، ويفتشون الدار غرفها وما تحت السرر حتى إذا وجدوه أخرجوه، وإذا لم يجدوه يأمرون النساء حتى يفتشن النساء فربما تزيّا بزي النساء، فهذا هو صورة الهجوم فإذا طلب المدعي ذلك من القاضي، هل يفعل القاضي؟
قال صاحب «الأقضية»: وسع فيه بعض أصحابنا قالوا: أراد به أبا يوسف رحمه الله، فقد روى عنه أنه كان يفعل ذلك في زمن قضائه، وقد روي عن هشام عن محمد رحمه الله مثل هذا أيضاً، وأصل ذلك ما روي عن عمر رضي الله عنه: أنه هجم على بيت رجلين أحدهما قرشي، والآخر ثقفي بلغه أن في بيتهما شراب، فوجد في بيت أحدهما دون الآخر، وكذلك هجم على بيت ناصبة بالمدينة، وأخرجها وعلاها بالدرة حتى سقط الخمار عن رأسها، وعن هذا قال أصحابنا رحمهم الله: لا بأس بالهجوم على بيت المفسدين، والدخول فيه من غير استئذان، إذا سمع منه صوت فساد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: ظاهر المذهب عندنا أنه لا يجوز الهجوم للقاضي؛ لأن فيه هتك ستر المسلم، وهتك حرمة محارم المسلم، وذلك لا يجوز.(8/471)
-----
وإن رأى القاضي أن يعطي المدعي طينة أو خاتماً لإحضار الخصم جاز؛ لأن المقصود إحضار الخصم، وكما يحصل هذا المقصود بالراحل يحصل بالعلامة، وفي العلامة لا يحتاج المدعي إلى أن يحمل مؤنة الراحل، فكما جاز بعث الراحل فكذا يجوز بعث العلامة من طريق الأولى، والقضاة في هذا مختلفون، بعضهم اختاروا دفع طينة، وبعضهم اختاروا قطع قرطاس، وبعضهم اختاروا دفع الخاتم، والخصاف اختار بذل العلامة في المصر، والأشخاص خارج المصر؛ لأن في المصر نقل مؤنة الراحل، فاختاروا بذل العلامة خارج المصر لهذا.
ولو أعطاه القاضي طينة أو خاتماً وذهب به إلى الخصم ينبغي له أن يقول للخصم: هذا خاتم القاضي فلان يدعوك أتعرفه، فإن قال نعم أعرفه، ولكن لا أحضر، أشهد المدعي على ذلك شاهدين حتى يشهدان عند القاضي بتمرده، فإذا شهدا بذلك بعث القاضي من يحضره، أو يستعين على ذلك بالوالي، لأن الوالي نصب لإحياء حقوق الناس.
واختلف العلماء في أجرة الشخص، بعضهم قالوا: هي في بيت المال، وبعضهم قالوا: على المتمرد؛ لأنه صار جانياً بالتمرد، ولأجل ذلك احتيج إلى الشخص، فسبب وجوب هذه الأجرة كان منه، فيكون في ماله، وهو نظير ما قلنا في السارق: إذا قطعت يده فأجرة الحداد، وثمن الدهن الذي يحسم به عروقه على السارق، لأنه تقدم منه سبب وجوبها وهو السرقة كذا هاهنا.
ثم إذا حضر المدعى عليه مجلس القاضي، فالقاضي يأمر المدعي بإعادة البينة على تمرده، لأنه يريد معاقبته، فلا بد من إثبات الجناية عليه، وتلك البينة قامت على الغائب، فلا يكتفي بها لعقوبته، فإذا أعاد البينة عاقبه على ما صنع من التمرد وإساءة الأدب، وكذلك لو كان المدعى عليه في الابتداء قال: أحضر، ثم لم يحضر، لأنه ظهر تمرده بفعله، إلا أنه يعاقبه في هذه الصورة دون ما يعاقبه في الصورة الأولى؛ لأن هذا انقاد قولاً لا فعلاً، والأول ما انقاد قولاً، ولا فعلاً.
(8/472)
-----
ثم قال: ولا يشترط التعديل في هذه الشهادة يعني في الشهادة على التمرد، والمستور يكفي، وهذا قول الخصاف رحمه الله، وهكذا نقل عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة رحمهم الله.
وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يشترط التعديل، وهكذا روي عن محمد رحمه الله، ووجهه أن في هذه الشهادة إلزام العقوبة على المدعى عليه، فيشترط التعديل في الشهادة على سائر العقوبات.
ولو كان القاضي من الابتداء أمر المدعي أن يأخذ طينة الأمير لإحضار المدعي، فذلك جائز؛ لأن المقصود ربما لا يحصل بطينة القاضي، ويحصل بطينة الأمير؛ لأن للأمير من الحشمة ما ليس للقاضي، فكانت طينة الأمير أقرب إلى حصول المقصود.
وفي «الفتاوى»: أن من أراد أن يستوفي حقه من باب السلطان، ولا يذهب (إلى) باب القاضي فهو مطلق فيه شرعاً، ولكن لا يفتى به، وبعض مشايخ زماننا على أنه إنما يطلق له في ذلك إذا ذهب إلى القاضي أولاً، وعجز عن الاستيفاء من جهته، أما لو أراد الذهاب إلى باب السلطان أولاً لا يطلق له في ذلك، وبه يفتى، وإذا ذهب إلى باب السلطان، والتمس حوب داره لإحضار خصمه، وأخذ حوب دار من خصمه زيادة على الرسم، هل للخصم أن يرجع بالزيادة على المدعي؟ ينظر إن ذهب المدعي إلى القاضي أولاً، وعجز عن استيفاء حقه من جهة القاضي، لا يرجع الخصم بالزيادة على المدعي، وإن لم يذهب إلى القاضي أولاً يرجع.
وإذا كان المديون يسكن في دار بأجر، وطالبه الغريم بالخروج إلى باب الحاكم، فامتنع، فالقاضي هل يسمر الباب عليه؟ اختلف المشايخ فيه، والصحيح أنه يسمر.
في «فتاوي أبي الليث» في كتاب الشهادات، وفي «مجموع النوازل» إذا كان المديون يسكن في دار زوجته. (72أ4) وأبى الخروج إلى الحاكم، فالقاضي يسمر الباب عليه؛ لأن في هذا الباب العبرة للمساكنة، حتى لو ثبت عند القاضي أنه نقل الأمتعة عنها، ولم يبق ساكناً فيه لا يسمر الباب، والله أعلم.
(8/473)
-----
الفصل الثاني عشر: فيما يقضي القاضي بعلمه، وفي القضاء بأقل من شهادة الاثنين
القاضي إذا علم بحادثة في البلدة التي هو فيها قاض في حال قضائه، ثم رفعت إليه تلك الحادثة في البلدة، وهو في قضائه بعد، يقضي بعمله في حقوق العباد قياساً واستحساناً، في الأموال وغيرها، كالنكاح والطلاق وغير ذلك فيه على السواء، لأن العلم الحاصل له بمعاينة السبب فوق العلم الحاصل بالشهادة؛ لأن في الشهادة احتمال الكذب، ولا احتمال في المعاينة، ثم القاضي يقضي بالشهادة في هذه الحقوق، فبمعاينة السبب أولى.
ثم إن صاحب «الأقضية» ذكر في هذه المسألة إذا علم بحادثة في حال قضائه، وفي مجلس قضائه.
وذكر الخصاف في هذه المسألة إذا علم في البلدة التي هو فيها قاضي في حال قضائه في مجلس قضائه، أو في غير مجلس قضائه.
وفي «المنتقى» عمرو بن أبي عمرو عن محمد رحمه الله في «الإملاء»: قال أبو حنيفة رحمه الله: ما أقرّ به رجل بين يدي القاضي أخذه به إلا الحدود الخالصة للهِ تعالى نحو الزنا وشرب الخمر والسرقة، قال: هذا إذا أقرّ به عند القاضي في مجلس القضاء، أما إذا أقرّ به في غير مجلس القضاء لم يأخذه بشيء من ذلك، وهذا قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله هذا الذي ذكرنا في حقوق العباد، أما في الحدود الخالصة لله تعالى يقضي بعلمه قياساً، ولا يقضي بعلمه استحساناً؛ لأن الحدود الخالصة لله تعالى، يستوفيها الإمام من غير أن يكون هناك خصم مطالب، فلو قضى بعلم نفسه يتهمه بعض الناس بالحدود، وبالإقامة بغير حق، وعليه أن يصون نفسه عنه، بخلاف القصاص وحد القذف؛ لأن هناك خصم مطالب، إلا أنه إذا أتى بالسكران، فالقاضي يعزره لأجل التهمة، لما به من أمارات السكر، ولا يكون ذلك حداً.(8/474)
-----
وأما إذا علم بحادثة قبل أن يستقضى، ثم استقضي، ورفعت إليه تلك الحادثة، وهو قاض فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله لا يقضي بذلك العلم، وعلى قول أبي يوسف: ما ذكرنا أن العلم الحاصل بالمعاينة فوق العلم الحاصل بالشهادة، ومذهب أبي حنيفة رحمه الله مذهب شريح والشعبي.
والمعنى فيه أن العلم الحاصل قبل القضاء علم شهادة، وأنه دون علم القضاء؛ لأن علم القضاء علم بما هو ملزم، فإن القضاء ملزم وعلم الشهادة ليس بملزم؛ لأن الشهادة لا تصير ملزمة إلا بقضاء القاضي، فلو جاز القضاء إما أن يجوز بذلك القدر، ولا وجه إليه، وإما أن يقال يزداد علمه ولا وجه إليه؛ لأن الموجود ليس إلا تقلد القضاء، وإنه لا يوجب زيادة العلم.
وأبو يوسف رحمه الله احتج على أبي حنيفة رحمه الله، فقال: ألا ترى أن رجلاً لو سمع رجلاً طلق امرأته أو أعتق أمته، وهو يقدر على أن يحول بين المرأة والأمة، وبين الزوج والمولى، يجب عليه أن يحول بينهما فإذا استقضي لا يحول، قال: وألا ترى أن رجلاً لو رأى رجلاً يغصب ثوباً من غيره، وهو يقدر على نزع الثوب من الغاصب ورده إلى المالك يلزم النزع والرد عليه، فإذا استقضي لا يلزمه ذلك.
وأبو حنيفة رحمه الله، يقول في المسألة الأولى: إذا استقضي يحول بين الزوج والمولى، وبين المرأة والعبد، ولكن لا يقضي بالطلاق والعتاق كما كان يفعل قبل الاستقضاء، وفي المسألة الثانية يقول: إن رده لا على وجه الحكم فله ذلك، وهو فيما صنع مأجور، وإن رده على وجه الحكم فليس له ذلك، وهو فيما صنع مخطئ كما قبل القضاء.
فالحاصل: أن على قول أبي حنيفة ما كان له قبل القضاء وهو الحيلولة ورد الثوب لا على وجه الحكم، فهو باق بعد القضاء، وما لم يكن له قبل القضاء ليس له ذلك بعد القضاء، والحكم بذلك العلم لم يكن له قبل القضاء؛ فلا يجوز أن يستفيده، بتقلد القضاء.(8/475)
-----
ولو علم بحادثة وهو قاض، ولكن في مصر هو ليس بقاض فيه، ثم حضر مصره الذي هو قاض فيه، ثم رفعت إليه تلك الحادثة، وأراد أن يقضي بهذا العلم، فهو على الخلاف الذي مرّ، وهذا لأنه في المصر الذي ليس بقاض فيه بمنزلة واحد من الرعايا، فلا يكون علمه في ذلك المصر علم قضاء، فلا يصير علم قضاء بدخوله في المصر الذي هو فيه قاض.
ولو علم بحادثة وهو قاض، ولكن في رساتيق المصر الذي هو قاض (فيه)، ثم دخل المصر، ورفعت إليه تلك الحادثة لا شك على قولهما أنه يقضي بذلك العلم.
فأما على قول أبي حنيفة رحمه الله اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: إذا لم يكن مقلداً على القرى حتى كان له أن يقضي في المصر، وليس له أن يقضي في القرى لا يقضي، بمنزلة ما لو علم بحادثة في مصر، هو ليس بقاض فيه، ثم رجع إلى مصره الذي هو فيه قاض، فأما إذا كان مقلداً على القرى، بأن كان في منشوره تقليد البلدة ونواحيها كان له أن يقضي؛ لأنه إذا كان مقلداً على القرى كما هو مقلد على النواحي، كان له أن يقضي في القرى كما له أن يقضي في البلدة، فإنما استفاد العلم في حال قضائه، فيقضي به، وهذا القول يرجع إلى أن المصر ليس بشرط لنفاذ القضاء، وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله.
وقال بعض مشايخنا: وإن كان مقلداً على القرى ليس له أن يقضي بذلك العلم على قول أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنه وإن كان مقلداً على القرى ليس له أن يقضي في القرى فما استفاد العلم في مكان قضائه، فكان علم شهادة لا علم قضاء، فلا يكون له أن يقضي بذلك العلم، وهذا القول يرجع إلى أن المصر شرط لنفاذ القضاء، وهو ظاهر رواية أصحابنا رحمهم الله، وهذا لأن القضاء من معالم الدين مختص بالأمصار كالجمعة والعيدين.
وفي «المنتقى» وما سمع خارجاً من المصر في أي وجه خرج لم يحكم به إلا أن يكون خرج للعيدين، فكأنه سمع في مجلس قضائه وهذا على قياس قول أبي حنيفة وزفر رحمهما الله.(8/476)
-----
وأما إذا علم وهو قاض في مصره، ثم عزل عن القضاء، ثم أعيد عليه بعد ذلك هل يقضي بذلك العلم؟ لا شك أن على قولهما يقضي، فأما على قول أبي حنيفة رحمه الله لا يقضي، لأن بالعزل صار ذلك العلم علم شهادة، ولم يبق علم قضاء، فلا ينقلب علم قضاء بعد ذلك بالتقليد، وصار كما لو شهد الشهود عند القاضي في حادثة وهو قاض، ثم عزل عن القضاء، ثم أعيد عليه، فإنه لا يقضي بتلك الشهادة كذا هاهنا.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد رحمه الله في حاكم أخبر بإعتاق رجل عبده، أو بطلاق رجل امرأته ثلاثاً، قال: إن أخبره بذلك عدلان، فينبغي أن يجتهد في طلب ذلك أشد الطلب حتى يظفر به، وينظر في أمره، يريد بهذا إذا أخبر أن فلاناً أعتق عبده ثم استرقه، أو طلق امرأته ثلاثاً ولا يعزل عنها، وإنما كان الجواب كذلك؛ لأن خبر العدلين حجة مطلقة يقطع الأحكام بها ويلزم القضاء بها، فيثبت المخبر به في حق القاضي؛ فلهذا كان عليه الطلب، وإن كان المخبر واحداً عدلاً وكان أكثر رأيه أنه صادق، فالأفضل في ذلك طلبه، وإن لم يفعل رجوت أن يكون في سعة منه، وهذا لأن خبر الواحد العدل حجة في الديانات حتى عمل به في طهارة الماء ونجاسته، إلا أنه ليس بحجة مطلقة، فمن حيث إنه حجة وكان أكثر رأيه أنه صدق فالأفضل هو الطلب، ومن حيث إنه ليس بحجة مطلقة، قلنا: إن لم يطلب كان في سعة.
ونظير هذا رجل أخبره رجلان عدلان أنه مع امرأته ارتضعا من امرأة واحدة، لزمه الاجتناب عنها، ولو أخبره بذلك رجل واحد، فالأفضل أن يجتنب عنها، وإن أقام عليها فهو في سعة منها، والمعنى ما ذكرنا، ولو كان المخبر للحاكم رجل واحد لا يدري صدقه من كذبه، يعني لا يدري عدالته، فليس عليه الطلب (72ب4) أصلاً؛ لأن الخبر إنما يصير حجة بوصف الصدق، وإنما يثبت هذا الوصف للخبر بالعدالة، فإذا لم توجد العدالة لا يثبت هذا الوصف للخبر في حق الحكم، فلا يلزم الطلب أصلاً والله أعلم.
(8/477)
-----
الفصل الثالث عشر: في القاضي يجد في ديوانه شيئاً لا يحفظوفي نسيانه قضاءه، وفي الشاهد يرى شهادته ولا يحفظ
إذا قضى القاضي بقضيته، وأتى على ذلك زمان، ثم احتاج المقضي له إلى تلك القضية، فشهد شاهدان عند ذلك القاضي أنك قد قضيت لهذا على هذا بكذا، ولا يتذكر القاضي ذلك، قال أبو حنيفة رحمه الله: لا تقبل هذه الشهادة، ولا يقضي إلا بما يحفظه، وكان أبو يوسف رحمه الله أولاً يقول: القاضي يقبل هذه الشهادة، ثم رجع فقال: لا يقبل، روى رجوعه بشر في «نوادره»، ومحمد رحمه الله يقول: القاضي يقبل شهادتهما، ويلزم المشهود عليه ذلك، وهو قول حسن بن زياد، وإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة.
واجمعوا على أنه إذا لم يبينا المقضي عليه بأن شهدا عند القاضي أنك قضيت لهذا بكذا، ولم يقولا على من قضيت، أن القاضي لا يقبل شهادتها.
حجة محمد رحمه الله: أن الأقضية تكثر، ولكثرتها لا يمكن للقاضي حفظها، فلو لم يمكن إثباتها بالبينة لتعطلت الحقوق، ألا ترى أنه يمكن إثباتها بالبينة عند قاض آخر، وإنما أمكن إثباتها لما قلنا، وهذا الطريق موجود في هذا القاضي.
ولأبي حنيفة رحمه الله أنه لو قبلت هذه البينة صار القاضي خصماً؛ لأنه بهذه البينة يثبت عليه فعله، والقاضي لا يصلح خصماً، ألا ترى أن رجلاً لو أقام عليه بينة، أنك غصبت مني كذا، أو استقرضت مني كذا لا يقبل هذه الشهادة، وطريقه ما قلنا؛ ولأن القضاء أعلى مرتبة من الشهادة.
ولو شهد شاهدان عند رجل أنك تحملت شهادة كذا وهو لا يتذكر، لا يسعه أن يشهد بقولهما، فأولى أن لا يقضي القاضي بشهادتها.
وإذا وجد القاضي شهادة شهود في ديوانه، أي في خريطته، والخريطة مختومة بختم القاضي، والشهادة مكتوبة بخطه أو بخط نائبه، إلا أنه لا يتذكر تلك الشهادة فعلى قول أبي حنيفة: لا يقضي بتلك الشهادة، وعلى قولهما يقضي.(8/478)
-----
وكذلك إذا وجد سجلاً في خريطته، والخريطة مختومة بختمه والسجل مكتوب بخطه، أو بخط نائبه، فالقاضي لا يمضي ذلك السجل عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندها يمضي.
وإذا وجد الشاهد شهادته مكتوبة بخطه، وهو لا يتذكر الحادثة، فعامة المشايخ على أن هذا الفصل على الخلاف الذي مرّ ذكرهُ، وهو الظاهر، وذكر شمس الأئمة السرخسي أن على قول أبي حنيفة و أبي يوسف رحمهما الله لا يسعه أن يشهد، وعلى قول محمد يسعه.
وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف، كما ذكره شمس الأئمة، ومن هذا الجنس رواية الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا وجد الرجل سماعه مكتوباً في موضع لكن لا يتذكر ذلك لا يحل له أن يروي عند أبي حنيفة، وعندهما له أن يروي، فشرط الرواية عند أبي حنيفة أن يحفظ الحديث من حين سمع إلى أن يروي، وعندهما الحفظ ليس بشرط.
فمحمد رحمه الله وسع في هذه الفصول كلها، وجوز للقاضي قبول الشهادة على قضائه، وجوز الاعتماد على المكتوب، وقال: النسيان مركب في الآدمي، فلو لم يجز الاعتماد على هذه الأشياء، عند النسيان لتعطلت الحقوق، وأبو حنيفة شدد في الكل، فلم يجوِّز للقاضي قبول الشهادة على قضائه، ولم يجوز الاعتماد على المكتوب في الفصول الثلاث، والوجه في ذلك: أن الشهادة والقضاء يثبتان على العلم، وكذلك رواية الأخبار؛ لأنها شهادة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا علم بدون التذكر، والكتاب لأجل التذكر لا لأجل الاعتماد عليه؛ لأنه لا يؤمن فيه الزيادة والنقصان، فبدون التذكر وجوده والعدم بمنزلة.(8/479)
-----
وأبو يوسف رحمه الله وسع فيما يجد القاضي في ديوانه مختوماً بخاتمه، وفي رواية الأخبار، وضيق في قبول القاضي الشهادة على قضائه، وفي الشاهد يجد شهادته مكتوبة بخطه على ما ذكره شمس الأئمة السرخسي، قال: الأخذ بالعزيمة فيما قاله أبو حنيفة رحمه الله إلا أن رواية الأحاديث ضرورة، لأن الإنسان سمع مثلاً عشرين ألف حديث، ولا يمكنه حفظ الكل، فلو لم يكن له أن يعتمد على خط سماعه لتعطل ذكر الحديث، وما يتوهم من التزويد في كتابة السماع نادر غاية الندرة، إذ لا يقع فيه ولا ضرر لأحد، وكذلك فيما يجده القاضي في ديوانه مختوماً، بختمه ضرورة؛ لأن القضاء يكثر ولا يحفظ الكل، فيقع الحاجة إلى الاعتماد على الخط، واحتمال الترديد منتف ظاهراً؛ لأنه في يده مختوم بخاتمه، فالظاهر أنه لم يغير شيئاً منه، بخلاف الصك على ما ذكره شمس الأئمة السرخسي رحمه الله؛ لأن الصك لا يكون في يد الشاهد، فلا يأمن فيه الزيادة والنقصان حتى روي عنه أنه قال: لو كان الصك في يد الشاهد جاز له، أن يشهد وإن لم يتذكر.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد قال: سألت محمداً رحمه الله، عن قاض يخرج من البلدة التي هو قاض فيها، ولم يخلف عيالاً هل له أن يضع قماطره عند من يثق به، من أهل البلدة وإذا رجع عمل بما فيه إذ القماطر بخاتمه والكتب الذي في جوف القماطر مختمة أو غير مختمة، والقاضي يذكر قضاياه أو لا؟ قال: لا بأس بهذا، وهذا أمر لا بأس به، ولا يمنع منه، ولو لم يجز ذلك لم يجز أن يحكم بما في بيته، لأنه لا يؤمن أن يغير شيئاً من ذلك بعض أهله.
قال في «كتاب الأقضية»: ولو أن قاضياً عزل عن القضاء ثم رد عليه، فإنه لا يعمل بشيء مما كان في ديوانه الأول إلا شيئاً يتذكره، اعلم بأن هذه المسألة على وجهين:
(8/480)
-----
الأول: أن يتذكر ذلك، وفي هذا الوجه لا يقضي للخلاف، أما على قول أبي حنيفة رحمه الله؛ فلأن على قوله لا يقضي بما يجد في ديوانه الحالي، إذا كان لا يتذكر ذلك، فأولى أن لا يقضي بما يجد في ديوانه الأول، والفرق لهما: أن قضية القياس أن لا يقضي بما يجد في ديوانه الحالي إذا كان لا يحفظ ذلك كما قال أبو حنيفة رحمه الله؛ لأن القضاء بغير علم لا يجوز، لكن تركنا القياس في ديوانه الحالي ضرورة؛ لأن القاضي لكثرة اشتغاله لا يمكنه حفظ جميع الأشياء، فلو لم يجز العمل بما في الديوان عند النسيان ضاق الأمر على الناس مثل هذه الصورة، لا يتأتى في ديوانه الأول؛ لأن بالعزل يبطل حكم ذلك الديوان؛ لأنه لا يمكن العمل به، والباطل لا يعود، خصوصاً إذا كان ثبوته مع المنافي، فعمل بالقياس فيما يجد في ديوانه الأول كما عمل أبو حنيفة رحمه الله.
الفصل الرابع عشر: في القاضي يقضي بقضية ثم بدا لهأن يرجع عنه، وفي وقوع القضاء بغير حق
وإذا قضى القاضي بقضية، ثم بدا له أن يرجع عنها، فإن كان الذي قضى به خطأ لا يختلف فيه ردّه لا محالة؛ لأنه باطل، وإن كان ذلك مما يختلف فيه الفقهاء أمضاه لا محالة، وقضى في المستقبل بما يرى أنه أفضل.(8/481)
-----
واعلم بأن التحول من رأي إلى رأي في المجتهدات جائز؛ لأن المجتهد فيما اجتهد لا يكون مصيباً الحق لا محالة، لأنه لا يعمل فيه بدليل قطعي، وإنما يعمل فيه بغالب الظن، فالدليل الموجب للعلم بالرأي الأول: غلبة الظن أنه هو الصواب، فإذا غلب على ظنه أن الصواب هو الثاني دون الأول، فقد وجد الدليل الموجب للعمل بالرأي الثاني فيعمل به، إلا أنه يعمل بالرأي الثاني في المستقبل دون الماضي؛ لأن الرأي الثاني حدث الآن، ولم يكن موجوداً في الماضي، فلا يجب العمل به حال عدمه يوضحه: أن الرأي الثاني ناسخ للأول، وإنما يعمل بالناسخ في المستقبل دون الماضي، وإليه أشار عمر رضي الله عنه حين قضى في حادثة بقضية، وقضى بعد ذلك في مثلها بخلافه، فقيل له في ذلك فقال تلك كما قضينا وهذه كما نقضي.
ثم قضاء القاضي إذا وقع بخلاف الحق لا يخلو عن وجهين: إما أن (73أ4)أخطأ فيما قضى أو يعتمد الجور فيما قضى وأقر بذلك، أو أخطأ وكل ذلك على وجهين: إما أن يكون ذلك في حقوق الله تعالى، أو في حقوق العباد.(8/482)
-----
فإن أخطأ وكان ذلك في حقوق إن أمكن التدارك والرد، بأن قضى بمال أو صدقة أو بطلاق أو عتاق، ثم ظهر أن الشهود عبيد أو كفار أو محدودون في القذف، فإنه يبطل ذلك القضاء، ويرد العبد رقيقاً ويرد المرأة إلى زوجها، ويرد المال إلى من أخذ منه؛ لأنه لما بطل القضاء عاد الأمر إلى ما كان قبله، وإن كان خطأ لا يمكن رده بأن كان قضى بالقصاص واستوفى، لا يقتل المقضي له بالقصاص، وإن تبين أنه قتل بغير حق ويصير صُورة القضاء شبهة مانعة وجوب القصاص، ولكن تجب الدية في مال المقضي له؛ لأن القتل الحرام في دار الإسلام لا يخلو عن عقوبة أو غرامة، وتعذر إيجاب العقوبة فتجب الغرامة، ويكون في مال المقضي له؛ لأنه تعذر الإيجاب على القاضي لأن خطأه موضوع عنه، إما لأنه مأمور بإتباع الظاهر، وقد اتبع الظاهر فقد أتى بالمأمور والإتيان بالمأمور به ينافي وجوب الضمان على المأمور، وإما لأنه يتقاعد عن أمر القضاء حتى لا يلزمه الضمان عند ظهور الخطأ الذي ليس في وسعه الاحتراز عنه، فيؤدي إلى تعطيل الأحكام؛ وإنه لا يجوز، وإذا تعذر إيجاب الغرامة على القاضي أوجبناها على المقضي له، لأن القاضي عامل له فكان عمل القضاء له فيكون الغرم عليه، ليكون الغرم بمقابلة الغنم، وهذا كله إذا ظهر خطأ القاضي بالبينة أو بإقرار من المقضي له.
فأما إذا ظهر ذلك بإقرار القاضي لا يظهر ذلك في حق المقضي له، حتى لا يبطل قضاؤه في حق المقضي له، لأن حق المقضي له قد تعلق بذلك، والقاضي بما قال يريد إبطاله.
وهو نظير الشاهد إذا رجع عن شهادته لا يعمل رجوعه في حق المقضي له، لا ينقضي القضاء، ولكن الشاهد يضمن كذا هنا.(8/483)
-----
وإن أخطأ وكان ذلك في حقوق الله تعالى، بأن قضى بحد الزنا أو بحد السرقة أو بحد شرب الخمر، واستوفى القطع والرجم والحد، ثم ظهر أن الشهود عبيد أو كفار أو محدودون في القذف، فضمان ذلك في بيت المال؛ لأنه تعذر إيجاب الضمان على القاضي لما مر، وهذا القضاء كان لجماعة من المسلمين، فيكون الغرم في مالهم، وإن كان القاضي تعمد الجور فيما قضى وأقر به فالضمان في ماله في هذه الوجوه كلها، بالجناية والإتلاف على المقضي عليه، فجناية القاضي وإتلافه على الغير سبب لوجوب الضمان، ويعزر القاضي على ذلك لإرتكابه الجريمة العظيمة، قال: ويعزل عن القضاء ولم يقل وينعزل عن القضاء، فهذا إشارة إلى أن القاضي بمجرد الفسق لا ينعزل، ولكن يستحق العزل، وقد مرّ هذا في صدر الكتاب والله أعلم.
الفصل الخامس عشر: فيما إذا وقع القضاء بشهادة الزور، ولم يعلم القاضي به
الكلام في هذا الفصل في مواضع:
أحدها في العقود والفسوخ، وفيها اختلاف على قول أبي حنيفة وأبي يوسف الأول، قضاء القاضي في العقود والفسوخ بشهادة الزور ينفذ ظاهراً وباطناً، وعلى قول محمد وأبي يوسف الآخر ينفذ ظاهراً لا باطناً صورة المسألة، في العقود كثيرة من جملتها:(8/484)
-----
رجل ادعى على امرأة النكاح وهي تجحد، وأقام عليها شاهدي الزور، وقضى القاضي بالنكاح بينهما، حل للرجل وطؤها وللمرأة التمكين منه عند أبي حنيفة وأبي يوسف الأول، وعندهما لا يحل لهما ذلك، والوجه لأبي حنيفة أن القاضي قضى بأمر الشرع، فيجب تنفيذه ظاهراً وباطناً ما أمكن، بيان الوصف: أن دليل الأمر بالقضاء شهادة شهودهم صدقة ظاهراً كان الصدق حقيقة، فيما لا يوقف عليه، والشهود هاهنا صدقة ظاهراً بيان التأثير أن القضاء وقع بأمر الشرع علم أنه وقع بحق، لأن الأمر بالباطل لا يكون، وإنما يكون هذا القضاء بحق إذا نفذ ظاهراً وباطناً وأمكن القول بنفاذه باطناً، بإنشائه النكاح مقتضى القضاء سابقاً عليه، وللقاضي ولاية إنشاء النكاح في الجملة، وقد مست الحاجة هاهنا إلى الإنشاء حتى لا يقع قضاؤه تمكيناً من الحد له، فيثبت الإنشاء سابقاً على القضاء، وإذا ثبت الإنشاء كان الرجل واطئاً لامرأته، وكانت المرأة ممكنة من زوجها، وكل ذلك جائز وصورة المسألة في الفسخ كثيرة من جملتها:(8/485)
-----
امرأة ادعت على زوجها أنه طلقها ثلاثاً، وأقامت على ذلك شهود زور، وقضى القاضي بالتفرقة بينهما، وتزوجت بزوج آخر بعد انقضاء العدة، فعلى قول أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف الأول: لا يحل للزوج الأول وطؤها ظاهراً وباطناً، ويحل للزوج الثاني وطؤها ظاهراً وباطناً، علم بحقيقة الحال أن الزوج الأول لم يطلقها بأن كان الزوج الثاني أحد الشاهدين، أو لم يعلم بحقيقة الحال، بأن كان الزوج الثاني أجنبياً وأما على قول أبي يوسف الآخر، وهو قول محمد رحمه الله: لا يحل للثاني وطؤها إذا كان عالماً بحقيقة الحال لأن الفرقة عندهما لم تقع باطناً، وإن لم يعلم بحقيقة الحال يحل له وطؤها، هكذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب الرجوع، وهل يحل للأول وطؤها؟ على قول أبي يوسف الآخر: لا يحل مع أنه لم تقع الفرقة عنده باطناً، لأنه لو فعل ذلك كان زانياً عند الناس فيحدونه، هكذا ذكر في بعض المواضع.(8/486)
-----
وذكر شيخ الإسلام في كتاب الرجوع عن الشهادات: أن على قول أبي يوسف الآخر يحل للأول وطؤها سراً، وعلى قول محمد: يحل للأول وطؤها ما لم يدخل بها الثاني، الآن يحل للأول وطؤها سواء كان الثاني يعلم بحقيقة الحال أو لم يعلم، وهذا الجواب على قول محمد رحمه الله ظاهر فيما إذا لم يعلم الثاني بحقيقة الحال؛ لأن الثاني تزوجها وهي في الباطن منكوحة الأول عند محمد إلا أن الثاني لم يعلم به، فكان النكاح الثاني فاسداً عنده، فإذا دخل بها الثاني وجب عليها العدة من الثاني، فلا يحل للأول وطؤها وإن كانت امرأة الأول حتى تنقضي عدتها من الثاني، يشكل فيما إذا كان الثاني عالماً بحقيقة الحال، لأنه إذا كان عالماً بحقيقة الحال لا تجب العدة من الثاني بهذا الدخول؛ لأنه تزوجها وهو يعلم أنها منكوحة الأول فوقع نكاحه باطلاً، وكان هذا الوطء زناً، ومنكوحة الإنسان إذا زنت لا يجب عليها العدة، ولا يحرم على الزوج وطؤها، والوجه في ذلك: أن هذا النكاح اختلف العلماء في جوازه، وكل نكاح هذا حاله، فالمدخول منه يوجب العدة، لأن أحداً لم يقل بجواز ذلك النكاح، فلم ينعقد أصلاً، أما هاهنا بخلافه، ومن جملة صور الفسخ:
صبّي وصبيّة سبيا وهما صغيران فكبرا وأعتقا، ثم تزوج أحدهما الآخر، ثم جاء حربيّ مسلماً وأقام بيّنة أنهما ولداه، فالقاضي يقضي بنسبهما ويفرق بينهما، فإن رجع الشاهدان عن شهادتهما حتى تبين أنهما شهدا بزور لا يسع الزوج وطؤها عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنه يقضي عليه بالحرمة، وقد نفذ القضاء ظاهراً وباطناً، وكذلك على قول محمد لا يسع للزوج وطؤها؛ لأنه لا يعلم بحقيقة كذب الشهود، فإن كان تزوجها أحد الشاهدين يجب أن تكون المسألة على الخلاف، ومن جملة صور العقد: إذا قضى القاضي بالبيع بشهادة الزور وإنه على وجهين:
5(8/487)
-----
أحدهما: أن تكون الدعوى من جانب المشتري بأن ادعى رجل على غيره، أنك بعت مني هذه الجارية بكذا، وأقام على ذلك شهود زور، قضى القاضي بالجارية للمشتري نفد قضاؤه باطناً عند أبي حنيفة حتى يحل للمشتري وطؤها، خلافاً لمحمد رحمه الله. بعض مشايخنا قالوا: يجب أن تكون مسألة البيع على التفصيل عند أبي حنيفة رحمه الله إن كان الثمن المذكور مثل قيمة الجارية أو أقل مقدار ما يتغابن الناس فيه، ينفذ قضاؤه باطناً، (73ب4) وهكذا ذكر في «المنتقى» نصاً عن أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن طريق تصحيح القضاء عند أبي حنيفة رحمه الله في العقود والفسوخ، أن القاضي بقضائه يصير منشئاً لذلك التصرف، وإنما يصير القاضي منشئاً فيما له ولاية الإنشاء للبيع وله ولاية الإنشاء بمثل القيمة أو أقل مقدار ما يتغابن الناس فيه، وأما ليس له ولاية إنشاء البيع بأقل من القيمة قدر ما لا يتغابن الناس فيه؛ لأنه تبرع بمقدار العين فليس للقاضي ولاية إنشاء التبرع وبعضهم قالوا: لا بل ينفذ القضاء على كل حال؛ لأن البيع وإن كان تعين فهو مبادلة، ألا ترى أنه يملكه المكاتب والعبد المأذون، وإن كانا لا يملكان التبرع، فينفذ قضاؤه باطناً عنده، كما في سائر المبادلات.(8/488)
-----
الوجه الثاني: أن تكون الدعوى من جانب البائع: وصورته: رجل ادعى على آخر أنك اشتريت مني هذه الجارية، وأقام على ذلك شهود زور، وقضى القاضي بذلك، حل للمشتري وطء الجارية، عند أبي حنيفة رحمه الله إن عزم المشتري على ترك الخصومة حل له وطؤها، لأن بدعوى البائع وجد أحد شطري العقد والقاضي بقضائه تولى الشطر الآخر من جهة المشتري بغير رضاه، فتوقف على اختياره، فإذا عزم على ترك الخصومة فقد اختاره، فينفذ في حقه، هذا إذا أقام المدّعي شهود زور، ولو لم يقم المدعي شهوداً وحلف المشتري ورد الجارية على البائع، إن عزم البائع على ترك الخصومة حل له وطؤها، لأن بجحود المشتري انفسخ الشراء في حقه، لأن جحوده ما عدا النكاح فسخ له، وتوقف الفسخ في حق البائع، على اجتهاده، فإذا عزم على ترك الخصومة فقد اختاره فتم الفسخ بينهما، فيحل للبائع وطؤها.
ثم اختلف المشايخ في تفسير العزم على ترك الخصومة قال بعضهم: تفسيره العزم بالقلب، فقد أثبت الفسخ من جهة البائع بمجرد العزم على الفسخ وإنه مشكل؛ لأن فسخ شيء من العقود لا يثبت بمجرد النية، ألا ترى أنه لو كان في البيع خيار شرط أو خيار رؤية ونوى بقلبه الفسخ لا ينفسخ بمجرد النية إلا أن يكون معنى المسألة: عزم على ترك الخصومة بالوطء، فيكون الفسخ بفعل اقترنت به النية لا بمجرد النية.
ومن جملة صور العقد: رجل ادعي على رجل هبة مقبوضة، وأقام على ذلك شهود زور، وقضى القاضي للمدعي، فعلى قول محمد رحمه الله ينفد القضاء ظاهراً لا باطناً حتى لا يحل للمقضي له الانتفاع به، وعن أبي حنيفة رحمه الله فيه روايتان بناء على أن قضاء القاضي بالتبرعات بشهادة الزور هل تنفذ باطناً، فعن أبي حنيفة فيه روايتان.(8/489)
-----
في رواية لا ينفذ إذ ليس للقاضي ولاية إنشاء التبرع في الجملة، وأما الأملاك المرسلة، فالقضاء فيها بشهادة الزور لا ينفد باطناً بالإجماع؛ لأن هناك لا يمكن تصحيح القضاء باطناً، لأنه لا يمكن إنشاء الملك سابقاً؛ لأن إنشاء الملك مطلقاً بلا سبب ليس في وسع العباد، وتعذر إنشاء السبب لأن في أسباب الملك كثرة، وليس البعض أولى من البعض، وأما قضاء القاضي بالنسب بشهادة الزور فقد قيل إنه على الخلاف وقيل: إنه لا ينفد باطناً بلا خلاف.
صورة المسألة: أمة ادعت على مولاها أنها ابنته وأنه أقر بذلك وأقام على ذلك شهود زور وقضى القاضي بذلك، حرم على المولى وطؤها عند أبي حنيفة خلافاً لمحمد رحمهما الله فإن مات الأب وترك ميراثاً هل يحل لها أكله؟ ذكر في كتاب الرجوع أنه يحل لها أكله من غير ذكر خلاف، واختلف المشايخ فيه.
بعضهم قالوا هو على الخلاف.
وبعضهم قالوا: لا يحل لها أكله بلا خلاف، فعلى قول هذا القائل يحتاج أبو حنيفة رحمه الله إلى الفرق بين النسب والنكاح، والفرق أنه في قضاء النكاح أمكن تصحيح قضائه باطناً بإنشاء السبب، لأنه ادعى السبب، ففعله كذلك تصحيحاً لقضائه بقدر الممكن، أما هاهنا ما ادعى السبب؛ لأنه ادعى الملك بالإرث، والثابت للوارث.
عين ما كان ثابتاً للمورث على ما عرف، والثابت للمورث ملك مطلق، فكذا الثابت للوارث فعلم أن هذا دعوى ملك مطلق وقضاء القاضي في الأملاك المرسلة، لا ينفذ باطناً.(8/490)
-----
وبعضهم قالوا: يحل لها أكل ميراثه بلا خلاف، فعلى قول هذا القائل يحتاج محمد رحمه الله إلى الفرق بين النسب وما تقدم، والفرق أن المرأة لا تعرف ثبات النسب وعلوقها حقيقة؛ لأن العلوق غيب عنها، وإنما يعرف بشهادة الشهود، فصار حالها كحال القاضي، من حيث أن كل واحد منهما يعتمد شهادة الشهود، فيحل لها أن تأكل ميراثه، أما في ما تقدم المدعي يعرف حقيقة الحال، ويعرف بطلانه في الدعوى وخطأ القاضي في قضائه، فلا يثبت القضاء في حقها ما لم يكن ثابتاً من قبل، وإن ماتت ذكر محمد هذه المسألة في كتاب الرجوع، وذكر أنه يحل له أكل ميراثها.
قال شيخ الإسلام رحمه الله وهذا الجواب على قول الكل؛ لأن الحال لا يخلو إما لو كانت أمته أو ابنته فإن كانت أمته، فهذا إرث أمته، فيحل له بالإجماع، وإن كانت ابنته كان ميراثاً حلالاً لها بالإجماع، وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله أن هذا الجواب مشكل عند الكل لو كان المذكور قول الكل، أما عند محمد فظاهر، وأما عند أبي حنيفة رحمه الله؛ فلأن طريق تصحيح قضاء القاضي عنده باطناً إنشاء السبب، وليس للقاضي ولاية الإنشاء في الميراث والنسب قال محمد رحمه الله حتى قال بعض مشايخنا رحمهم الله: ما ذكر في «الكتاب» قول أبي حنيفة وتأويله أنه يأكل ميراثها بسبب الولاء، لأن القاضي قضى بالحرية، وله فيه ولاية الإنشاء، فيثبت الولاء له بقضاء القاضي هذه فيأكل ميراثها بسبب القرابة.(8/491)
-----
قال محمد رحمه الله: والأصح عندي أنه يأكل ميراثها عند أبي حنيفة رحمه الله بسبب القرابة، لأنه لما كان للقاضي ولاية الإنشاء في قطع النسب باللعان، كان له ولاية الإنشاء في القضاء بالنسب إذا صادف محله، وقد صادف محله هاهنا لأن ليس لها نسب معروف، فلهذا قال: يأكل ميراثها، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب الرجوع في موضع آخر أن النسب يثبت بقضاء القاضي باطناً بشهادة الزور عند أبي حنيفة رحمه الله، وذكر وجه ذلك فقال: إن كان القاضي لا يملك إنشاء النسب لولاية القضاء من غير بينة يملك الإنشاء بشهادَةِ الزور، فيما يملك الخصمان إنشاءه على إحدى الروايتين عن أبي حنيفة رحمه الله، فإنه يقول على إحدى الروايتين: القاضي يملك إنشاء الهبة بشهادة الزور. حتى قال: بأن قضاء القاضي بشهادة الزور ينفذ باطناً على هذه الرواية، والقاضي لا يملك إنشاء الهبة بولاية القضاء من غير بينة، ولكن طريقه أن الخصمان يملكان إنشاءها فيملك القاضي إنشاءها بشهادة الزور.
(8/492)
الفصل السّادس عشر: في القضاء بخلاف ما يعتقده المحكوم أو المحكوم عليه
وفيهِ بعض مسائل الفتوى:
-----
رجل فقيه قال لامرأته: أنت طالق البتة، وهو نواها واحدة رجعية فراجعها ورافعته إلى قاضي، يراها ثلاثاً فجعلها ثلاثاً، وفرق بينهما، أو كان الزوج نواها واحدة بائنة فتزوجها، ورفعته إلى القاضي يراها ثلاثاً، وفرق بينهما نفد هذا القضاء ظاهراً وباطناً، حتى لا يحل له المقام معها، ولا يسعها أن تمكنه من نفسها، فإن كان الزوج نواها ثلاثاً، فرافعته إلى القاضي الذي يراها واحدة بائنة أو واحدة رجعية، فجعلها واحدة بائنة أو واحدة رجعية نفد هذا القضاء باطناً، عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله حتى يسعه أن يراجعها أو يتزوجها، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله لا ينفذ هذا القضاء باطناً فالحاصل أن المبتلى بالحادثة إن كان عامياً لا رأي له، فعليه أن يتبع حكم القاضي فيما يقضي في تلك الحادثة سواء حصل الحكم له بأن. (74أ4) حصل الحكم بالحل، أو حصل الحكم عليه بأن حصل الحكم بالحرمة، وإن كان المبتلى بالحادثة فقيهاً له رأي، وحكم القاضي بخلاف رأيه إن حصل الحكم عليه بأن كان هو يعتقد الحل، وقضى القاضي بالحرمة فعليه أن يتبع حكم القاضي، ويترك رأي نفسه بلا خلاف، وإن حصل الحكم له بأن كان هو يعتقد الحرمة وقضى القاضي بالحل، ذكر في بعض المواضع أنه يتبع حكم القاضي، ويترك رأي نفسه من غير ذكر خلاف، وذكر في بعض المواضع أن على قول أبي يوسف لا يترك رأي نفسه، ولا يلتفت إلى إباحة القاضي فيما يعتقد حراماً.(8/493)
-----
فوجه قولهما: أنا أجمعنا على أن المبتلى بالحادثة، إذا كان عامياً وقضى القاضي له ينفذ قضاؤه، فكذا إذا كان عالماً، لأن قضاء القاضي يلزم في حق الناس كافة يوضحه أن القاضي يقضي بأمر الشرع، وما يصير مضافاً إلى الشرع، فهو بمنزلة النصّ، فلا يترك ذلك بالرأي، كما لا يترك النصّ بالاجتهاد، وأبو يوسف يقول: الإلزام في جانب المقضي عليه فأما في حق المقضي له فلا إلزام، ولهذا لا يقضي القاضي بدون طلبه وفي زعمه أن القاضي مخطئ في هذا القضاء فلا يتبعه في ذلك.
وفي «نوادر هشام» عن محمد رجل تزوج امرأة، ثم جن جنوناً مطبقاً وله والد فادعت المرأة أنه كان حلف قبل أن يتزوج بطلاق كل امرأة يتزوجها ثلاثاً، قال: نصب القاضي والده خصماً، فإن نصبه ورأى أن هذا القول ليس بشيء فأبطله وأمضى النكاح ثم برئ الزوج، وهو يرى وقوع الطلاق بهذا القول، هل يسعه المقام معها؟ قال: نعم، ولكن على قياس قول أبي يوسف لا يسعه المقام معها، لأن الحكم وقع له.
(8/494)
-----
ولو أن فقيهاً قال لامرأته: أنت طالق البتة، وهو يراها ثلاثاً فأمضى رأيه فيما بينه وبينها وعزم على أنها حرمت عليه، ثم رأى بعد ذلك أنها تطليقة رجعية أمضى رأيه، الذي كان عزم عليه ولا يردها لأنه لما أمضى رأيه في ذلك صار بمنزلة انضمام الحكم إليه، فلا ينقضه بما حدث، بخلاف ما إذا قضى القاضي بخلاف رأيه الذي عزم عليه؛ لأن قضاء القاضي أقوى من رأيه وإمضائه، فجاز النقض به، وكذلك لو كان في الابتداء يرى أنها تطليقه رجعّية فعزم على أنها امرأته، ثم رأى بعد ذلك أنها ثلاث تطليقات لم يحرم عليه لما ذكرنا أن الرأي إذا اتصل به الإمضاء لم ينفسخ باجتهاد آخر، ولو كان في الابتداء لم يعزم على ذلك لم يمض رأيه حتى رآها ثلاثاً لم يسعه المقام معها، لأن مجرد الاجتهاد يجوز أن ينقض باجتهاد مثله، ويصير كالفاسخ له في حق وجوب العمل، إلا إذا كان الإمضاء متصلاً بالأول، وإذا المبتلى بالحادثة فقيه له رأي، فاستفتى فقيهاً آخر، فأفتى له بخلاف رأيه يعمل بعلم نفسه، وإن كان المبتلى جاهلاً يأخذ بفتوى أفضل الرجال عند العامة فقهاً، ويكون ذلك بمنزلة الاجتهاد له، فإن أفتاه مضى في تلك الحادثة، وقضى القاضي في تلك الحادثة بخلاف الفتوى، إن كان القضاء عليه يتبع رأي القاضي، ولا يلتفت إلى فتوى المفتي، وإن كان المفتي أعلم من القاضي في تلك الحادثة عند العامة، وإن كان القضاء له، فهو على الاختلاف الذي مرّ ذكره، لأن قول المفتي في حق الجاهل بمنزلة رأيه واجتهاده فصارت هذه المسألة عين تلك المسألة.(8/495)
-----
وفي «القدوري» إذا لم يكن الرجل المبتلى بالحادثة فقيهاً، واستفتى إنساناً فأفتاه بحلال أو حرام، فإن لم يعزم على ذلك حتى أفتاه غيره بخلافه فأخذ بقول الثاني، وأمضاه في منكوحته لم يجز له أن يترك ما أمضاه فيه، ويرجع إلى ما أفتى به الأول، لأنه متعبد بالتقليد كما يتعبد المجتهد بالاجتهاد، فلا يجب على المجتهد أن يعمل بما أمضاه، ولم يجز نقض ذلك ببدل الرأي، فكذا المقلد إذا عزم على العمل بفتوى واحد من المفتين لم يسعه أن ينقض ذلك بفتوى آخر.
وفي «النوادر» إذا حلف الرجل بطلاق كل امرأة يتزوجها، فتزوج امرأة فاستفتى فقيهاً عدلاً، من أهل الفتوى، فأفتاه ببطلان اليمين وسعه اتباع فتواه وإمساك المرأة.
وفيه أيضاً: إذا استفتى فقيهاً، فأفتاه ببطلان اليمين فتزوج امرأة أخرى، ثم استفتى فقيهاً آخر، فأفتاه بصحة اليمين يفارق الأخرى، ويمسك الأولى عملاً بفتواهما، والله أعلم.
الفصل السابع عشر: في أقوال القاضي وما ينبغي للقاضي أن يقول وما لا ينبغي
ذكر ابن سماعة عن محمد رحمه الله أنه قال: لا يجوز للقاضي أن يقول أقر فلان عندي بكذا الشيء يقضى به عليه من قتل، أو مال أو طلاق حتى يشهد معه على ذلك رجل عدل ليس لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: أقر بقتل أقر بسرقة فتقطع، لو أجزت هذا لزعمت أن طاعته مفترضة بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هذا لأحد لا قاض ولا غيره.(8/496)
-----
قال: ولا أقيم حداً على أحد بقول قاض: أقر عندي بكذا حتى يقول معه ذلك الرجل العدل، فإن كان القاضي عندي عدلاً، والشاهد معه على ذلك عدلاً، وسعني أن أقيم عليه، وإلا لم يصدق قولهما، ولو كان هذا الحاكم هو الذي ولي قطع يد هذا بإقرار زعم منه عنده كان في القياس أن أقطع يده بيده، لكني أدرأ عنه القصاص لاختلاف الفقهاء في أن قول القاضي أقر عندي بكذا نافذ عليه، قال: واجعل الدية في ماله عليه هذا جملة ما ذكره ابن سماعة عن محمد رحمه الله.
واعلم بأن بإخبار القاضي عن إقرار رجل بشيء لا يخلو، إما أن يكون الإخبار عن إقراره بشيء يصح رجوعه عنه كالحد في باب الزنا والسرقة وشرب الخمر، في هذا الوجه لا يقبل قول القاضي بالإجماع، لأنه إنما يحتاج في الرجوع إلى قول القاضي عند جحود الخصم، وإذا جحد الخصم، فقد رجع عن الإقرار، وإمّا أن يكون الإخبار عن إقراره بشيء لا يصح عنه الرجوع كالقصاص وحد القذف، وسائر الحقوق التي هي للعباد، وفي هذا الوجه قبل قوله في الروايات الظاهرة عن أصحابنا رحمهم الله.
وروى ابن سماعة عن محمد رحمه الله أنه قال: لا يقبل قوله، قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: ما ذكر في ظاهر الروايات قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أولاً، وما روى ابن سماعة فهو قوله آخراً، ثم في بعض النسخ وقع رواية ابن سماعة مطلقة، وفي بعضها مقيدة لا يقبل قوله، وفي بعضها لا يقبل قوله ما لم يضم إليه عدل آخر وهو الصحيح، وجه هذه الرواية أن القاضي ليس بمعصوم عن الكذب، فإخباره بانفراده لا يكون حجة، وكثير من مشايخنا أخذوا بهذه الرواية في زماننا لما رأوا من فساد القضاة، وذكر بعض مشايخنا رجوعه عن هذه الرواية برواية هشام.(8/497)
-----
وجه الروايات الظاهرة أن القاضي أمين ألا ترى أنه تنفذ قضاياه، ولو كان متهماً لما نفد قضاؤه، لأن كونه متهماً ينافي كونه قاضياً، وألا ترى أنه ينافي كونه شاهداً، وألا ترى أنه لا تنفذ قضاياه في حق الوالدين والمولودين، وإنما لا ينفذ لمكان التهمة وهاهنا لما نفذ قضاياه علمنا أنه ليس بمتهم، وقول الأمين مقبول كالوكيل والمودَع.
وكان الشيخ الإمام الزاهد إمام الهدى أبو منصور الماتريدي رحمه الله يجعل هذه المسألة على وجوه: إن كان القاضي عالماً عدلاً نقبل قوله؛ لأن علمه يؤمنه عن الغلط، وعدالته تؤمنه عن الجور، وإن كان عدلاً غير عالم لم يستفسر إن أحسن ذلك قبل قوله، وإن كان جاهلاً فاسقاً أو فاسقاً غير جاهل لا يقبل قوله إلا أن يعاين السبب.
وأنكر بعض مشايخنا ذلك، وقال: مع جهله أو فسقه لا يقبل قوله أصلاً؛ لأنه يخاف عليه إما الغلط أو الجور، وهذا إذا أخبر القاضي عن ثبوت الحق بالإقرار، فأما إذا أخبر عن ثبوت الحق بالبينة بأن قال: قامت بذلك بينة عندي وعدلوا وقبلت شهادتهم على ذلك، قبل قوله وله أن يحكم بها بخلاف الإقرار لأن رجوع الخصم ثمة يعمل، وهاهنا رجوع الخصم لا يعمل هذا الذي ذكرنا إذا أخبر القاضي عن شيء وهو قاض.
فأما إذا أخبر عن شيء بعد العزل وصورته، إذا عزل القاضي فجاء رجل وخاصمه إلى القاضي المقلد، وقال: إنه وقع مالي، (74ب4) وذلك كذا وكذا إلى هذا بغير حق أو قال: إنه قتل ولي فلاناً، وهو قاض بغير حق وقال القاضي المعزول فعلت ما فعلت بقضاء قضيته عليه بإقراره، أو ببينته فعلى رواية ابن سماعة لا يقبل قوله: لأنه على روايته لا يقبل قوله، وهو قاض فأولى أن لا يقبل قوله بعد العزل.(8/498)
-----
فأما على الرواياتِ الظاهرة المسألة على وجهين: إما أن كان العين الذي وقع فيه الخصومة قائماً أو كان هالكاً، وفي الوجهين جميعاً، لا ضمان على القاضي، وكذلك إذا قال القاضي المعزول لرجل: قضيت عليك لفلان بألف وأخذتها منك ودفعتها إليه حين ما كنت قاضياً، وقال الرجل: لا بل أخذتها مني بعد العزل ظلماً، فالقول قول القاضي على الروايات الظاهرة؛ لأن القاضي أضاف إقراره إلى حالة معهودة له ينافي في تلك الحالة وجوب الضمان عليه، فإن فعل القاضي على وجه القضاء لا يوجب الضمان بحال من الأحوال، فيكون بالإضافة إلى تلك الحالة منكراً للضمان، والقول للمنكر في الشرع وصار كالوكيل بالبيع إذا قال بعد العزل: قد كنت بعت وقبضت الثمن وهلك الثمن في يدي وكان ذلك قبل العزل، وقال الموكل: استهلكت ببيعه لا يوجب الضمان على الوكيل، وإنما لا يضمن؛ لأن فعل الوكيل على وجه الموافقة لا يوجب الضمان بحال فيكون بالإضافة إلى تلك الحالة منكراً للضمان، وكذلك إذا قال الوصي للصبي بعد البلوغ: أنفقت عليك من مالك كذا وكذا وذلك نفقة مثله، وقال الصبي: لا بل استهلكت مالي، فالقول قول الوصي؛ لأن فعل الوصي بالمعروف لا يوجب الضمان بحال فيكون بالإضافة إلى تلك الحالة منكراً للضمان وهل ينزع ذلك الشيء من يد المقضي له إن كان قائماً؟ فهو على وجهين.
إن كان صاحب اليد يقول هذا العين ملكي من الأصل لم آخذه من هذا، ولم يقض القاضي المعزول لي به لا ينزع من يده؛ لأن المال في يده، واليد دليل الملك، فيحال الملك عليه إلا إذا وجد دليلاً آخر بخلافه.(8/499)
-----
وإن كان صاحب اليد يقول: هذا العين ملكي؛ لأن القاضي المعزول قضى لي به على هذا الرّجل كونه قاضياً ينزع من يده، ويسلم إلى المقضي عليه لأنهم تصادقوا على وصول هذا العين إلى المقضي له من جهة المقضي عليه بفعل ذلك القاضي والمقضي له بالإضافة إلى القضاء في تلك الحالة يدعيان التملك عليه وهو منكر، فالقول قول المنكر، أما إذا كان العين مستهلكاً، فالدعوى في الحاصل في الضمان، والقاضي بالإضافة إلى تلك الحالة منكر للضمان، والقول قول المنكر في الشرع، ولهذه المسألة أجناس كثيرة موضعها «إقرار الأصل» و «الزيادات».
قال في «أدب القاضي»: وللقاضي أن يقرض أموال اليتامى، وهذا مذهبنا خلافاً للشافعي، وهذا لأن القاضي يحتاج إلى حفظ أموال اليتيم، وقل ما يمكنه الحفظ بنفسه فيحتاج إلى الدفع إلى غيره، والدفع بطريق الإقراض أنفع لليتيم من الدفع بطريق الإيداع، لأن الوديعة إذا هلكت في يد المودع هلكت من مال اليتيم، والقرض إذا هلك في يد المستقرض يهلك من مال المستقرض، فهو معنى قولنا: إن الإقراض أنفع لليتيم، فإذا ملك القاضي الإيداع أولى أن يملك الإقراض.
قال في «الأقضية»: وإنما يملك القاضي الإقراض إذا لم يجد ما يشتري به لليتيم (و) يكون لليتيم منه غلة، فأما إذا وجد لا يملك الإقراض بل يتعين عليه الشراء، قال هكذا روي عن محمد رحمه الله، وكذلك إذا وجد من يدفع إليه ماله مضاربة يدفع ماله مضاربة، ولا يقرض؛ لأنها أنفع في حق الصغير؛ لأنه يجعل به الربح للصغير وبالقرض لا يحصل، وإذا أقرض ينبغي أن يقرض من المليء لا من المفلس؛ لأن المال في ذمة المفلس يأوي، وينبغي أن يكتب من أقرضه صكاً خوفاً عن النسيان كيلا يفوت حق الصبيان، وينبغي أن يتفقد عن أحوالهم في كل وقت حتى إذا أفلس واحد منهم يسترد منه المال، إذ كما لا يجوز أن يقرض المفلس لا يجوز أن يترك المال على المفلس.(8/500)
-----
قال هشام: يذكرنا عن محمد رحمه الله في الأموال التي تجمع عند القاضي لأيتام أي ذلك أفضل للقاضي دفعها بوديعة أو بضمان؟ فأخبرنا أن أبا حنيفة وابن أبي ليلى وأبا يوسف رحمهم الله، كانوا يرون أن يدفعها بضمان، قال: وكذلك قول محمد رحمه الله إذا كان الذي يضمن يوفي المحيا والممات، قال: وليس للقاضي أن يستقرض لنفسه ذلك.
في «المنتقى» لو أن قاضياً باع مال يتيم بنفسه، أو أودع مال يتيم أو باع أمينه بأمره، وهو يعلم بذلك من رجل، ثم مات هذا القاضي واستقضي غيره، فشهد قوم أنهم سمعوا القاضي الأول يقول: استودعت فلاناً مال اليتيم، أو يقول: بعت فلاناً مال فلان اليتيم بكذا وكذا فجحد فلان، قال: يقبل القاضي الثاني هذه الشهادة، ويأخذ المستودع والمشتري بالمال وإن لم يكن الأول أشهدهم أنه قضى بذلك، قضاؤه وقوله عليه سواء، وإذا قبض القاضي مال يتيم أو غائب ووضعه في بيته، ولا يعلم أين هو؟ فهو ضامن، وإن علم أنه دفعه إلى قوم ولا يدري إلى من دفعه؟ فلا ضمان عليه، وكذلك إذا قال القاضي: دفعت إلى ولي من أولياء الأيتام، ولا أدري إلى من دفعته فلا ضمان عليه.h
في «المنتقى» أيضاً ذكر في «الأصل» وسبيل القاضي أن يرد الخصوم إلى إذا لم يستبين له فصل القضاء وإذا استبان له فصل القضاء، ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: أنه إذا طمع في الصلح حال استبيانه القضاء ردهم إلى الصلح ولا يقضى ما لم ييأس عن الصلح.(8/501)
-----
وذكر في «أدب القاضي» وإذا طمع القاضِي في اصطلاح الخصمين، فلا بأس بأن يردهم، ولا ينفذ الحكم عليهم، ولا ينبغي أن يردهم بأكثر من مرتين، فإن لم يطمع في الصلح أنفذ القضاء بينهم، وإن أنفذ القضاء بينهم من غير أن يردهم، فهو في سعة منهم، يريد به، وإن طمع في الصلح، وإذا أراد القاضي كتابة السجلات والمحاضر بنفسه، وأراد أن يأخذ على ذلك أجراً فله ذلك، لأن هذا ليس من عمل القضاء فإن تمام القضاء بالحكم، وكتابة السجل أمر زايد عليه، ولكن إنما يأخذ بقدر ما يجوز أخذه لغيره، والتقدير فيما يجوز أخذه لغيره.
يحكى عن السيد الإمام الأجل أبي شجاع رحمه الله عن أبي حنيفة رحمه الله، وعن بعض المتقدمين: في كل ألف درهم خمسة دراهم، وفيما دون الألف إذا كان مشقة كتابته مثل مشقة كتابة الألف خمسة أيضاً، وإن كان على النصف من ذلك، ففيه درهمان ونصف وإن كان ضعف ذلك عشرة دراهم.
وفي «فتاوى النسفي» وإذا كان القاضي يتولى القسمة بنفسه حل له أخذ الأجر وكل نكاح باشره القاضي وقد وجب مباشرته عليه كنكاح الصغار والصغائر، فلا يحل له أخذ الأجرة عليه، وما لم يجب مباشرته عليه حل له أخذ الأجرة عليه، وأراد أن يبيع مال اليتيم لمصلحة اليتيم لا ينبغي له أن يأخذ الأجر من مال اليتيم لأجل هذا الأذن، ولو أخذ وأذن بالبيع لا ينفذ بيعه، وإذا غاب الرجل عن امرأته، وتزوجت بزوج آخر، ثم حضر الزوج الأول وأقام البينة على النكاح، والمرأة تدعي الطلاق فالقاضي لا يعزرها، هكذا حكى فتوى شمس الإسلام الأوزجندي رحمه الله؛ لأنه يمكنها أن تقول: طلقني إلا أني ما وجدت البينة على الطلاق.
(8/502)
-----
غريب مات في بلدة وترك أموالاً، فقاضي البلدة يتربص مدة يقع في قلبه أنه لو كان له وارث يحضر في هذه المدة، فإذا تربص هذه المدة، ولم يحضر له وارث يضعها في بيت المال ويصرفها إلى القناطر، ونفقة الأيتام وأشباه ذلك، وإذا حضر الوارث بعدما صرفها إلى المصارف يقضي حقه من مال بيت (75أ4) المال قال في «الأصل».
قال أبو حنيفة رحمه الله: ويكره للقاضي تلقين الشهود بأن يقول له اشهد بكذا، وقال أبو يوسف رحمه الله: لا بأس به.
وقال في «المنتقى»: قال أبو يوسف رحمه الله: لا بأس بتلقين الشاهد إذا كان عدلاً، وإنما قال أبو يوسف ذلك حين ابتلي بالقضاء، ورأى بعض الشهود عجزاً عن أداء الشهادة، وهذا لأن بمجلس القضاء هيبة، وللقاضي حشمة، ومن لم يتعود التكلم في هذا المجلس يتعذر عليه البيان إذا لم يسعه على البيان القاضي.
قال في «الأصل»: وإذا ارتاب القاضي في أمر الشهود فرق بينهم لا يسعه غير ذلك، ويسألهم أيضاً أين كان هذا؟ ومتى كان هذا؟ ويكون هذا السؤال بطريق الاحتياط، وإن كان لا يجب هذا على الشهود في الأصل، فإذا فرقهم، فإن اختلفوا في ذلك اختلافاً يفسد الشهادة ردها، وإن كان لا يفسدها لا يردها، وإن كان يتهمهم، فالشهادة لا ترد بمجرد التهمة.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا اتهم الشهود فرق بينهم، ولا يلتفت إلى اختلافهم في لبس الثياب، وعدد من كان معهم من الرجال والنساء، ولا إلى اختلاف المواضع بعد أن يكُون الشهادة على الأقوال، وإن كانت الشهادة على الأفعال، فالاختلاف في المواضع اختلاف في الشهادة.
وقال أبو يوسف رحمه الله: إذا اتهمتهم ورأيت الريبة، وظننت أنهم شهود الزور أفرق، وأسألهم عن المواضع والثياب ومن كان معهم، فإذا اختلفوا في ذلك، فهذا عندي أبطل به الشهادة.(8/503)
-----
وعن إبراهيم عن محمد رحمه الله في شاهدين شهدا لرجل بدار، فالقاضي يسألهما كيف هي العلة لا يقطع بشهادتهما شيئاً، فإن قال الشاهد: لا أخبرك، ولا أزيد على هذا هي له، أمضيت الشهادة.
وعن أبي يوسف: رجل ادعى عبداً في يد إنسان فالقاضي لا يسأل صاحب اليد من أين هذا لك؟ وقال أبو حنيفة رحمه الله: ليس للقاضي أن يقول للشهود بشيء لرجل لا يعلمونه باع أو وهب، وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد رحمهما الله إذا شهد عند القاضي شاهدان بدار لرجل فله أن يسألهما عن البناء، والله أعلم.
الفصل الثامن عشر: في قبضِ المحاضِر من ديوان القاضي المعزول
إذا عزل القاضي وقلد غيره ينبغي للقاضي المقلد أن يبعث أمينين من أمنائه ليقبضا من القاضي المعزول ديوانه، وديوان القاضي خريطته التي فيها الصكوك والمحاضر، ونصب الأوصياء والقُوام في الأوقاف، وتقدير النفقات وما يشاكله؛ لأن القاضي يكتب لهذه الأشياء نسختين يضع إحداهما في يد الخصم والقيم، والأخرى يجلدها في ديوانه، حتى إذا احتاج إلى الرجوع إليها أمكنه العمل بها عن إيقان، فما في يد الخصم لا يؤمن عليه التغير والتبديل، والقاضي المقلد يحتاج إلى قبض ذلك؛ لأنه يحتاج إلى الرجوع إلى ذلك في الحوادث التي ترفع إليه، فيبعث أمينين من أمنائه ليقبضا ذلك، وإن أبى القاضِي المعزول الدفع، فإن كان البياض الذي كتب عليه نسخة هذه الأشياء من بيت المال يجبر على الدفع، لأنه إنما اتخذ ذلك للعمل به، وقد صار العمل لغيره، فلا يترك في يده، وإن كان ذلك من مال القاضي أو من مال الخصوم فقد اختلف المشايخ فيه.(8/504)
-----
والأصح أنه يجبر على الدفع؛ لأنه ما اتخذه للتمويل بل للعمل به إحياء لحق المسّلمين، وقد صار العمل إلى غيره، وإذا قبضا ديوانه يقبضان الودائع وأموال اليتامى أيضاً ويكون عند المقلد، ويأخذان أسماءَ المحبوسين أيضاً، فالقاضي إذا حبس رجلاً بحق ينبغي أن يكتب اسمه واسم أبيه وجده، والسبب الذي لأجله حبسه، وتاريخ الحبس، لأنه يحتاج إليه لسماع البينة على الإفلاس، فيأخذان ذلك أيضاً، ويجعل القاضي المقلد ذلك في ديوانه، وينبغي أن يذكر في تذكرته تاريخ الحبس من الوقت الذي أثبته المعزول لا من وقت عمله، لأنه بناء على ذلك الحبس، ويسألان القاضي المعزول عن المحبوسين، وأسباب الحبس لا، لأن قول القاضي المعزول حجة، وكيف يكون حجة وإنه بالعزل التحق بواحد من الرعايا؟ ولكن ليكشف ويسأل المحبوسين عن أسباب الحبس، ويجمع بينهم وبين خصومهم، وإن كان في المحبوسين جماعة لم يحضر لهم خصماً، وقالوا: حبسنا بغير حق، فالقاضي المقلد لا يطلقهم تحسيناً للظن بالقاضي المعزول فيما باشر من حبسهم، ويأمر منادياً بالنداء أنا وجدنا فلاناً وفلاناً محبوسين، فمن كان له عليهم حق فليأتنا، فإن حضر رجل فصل الخصومة بينهما على وجهه، وإلا أطلقهم بكفيل.
وتقدير مدة النداء والمدة التي يسع فيها الإطلاق موكول إلى رأي القاضي قبل ما ذكر هاهنا من أخذ الكفيل قولهما، أما على قول أبي حنيفة رحمه الله لا يأخذ بناءً على مسألتين:
إحداهما: إذا قسم القاضي التركة بين الورثة لا يحتاط بأخذ الكفيل عند أبي حنيفة، خلافاً لهما.
الثانية: إذا قضى القاضي دين الغرماء من التركة لا يحتاط بأخذ الكفيل عند أبي حنيفة خلافاً لهما.(8/505)
-----
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: يأخذ الكفيل هاهنا على قول الكل، والفرق لأبي حنيفة رحمه الله أن في مسألة القسمة، وقضاء الدين حق هذا الذي حضر ظاهر، وحق الآخر موهوم، ولا يجوز تأخير هذا الحق الظاهر، إلى وقت أخذ الكفيل لحق موهوم، أما في هذه المسألة الحق ظاهر؛ لأنَا نحمل فعل القاضي المعزول على السّداد، فلا يكون في أخذ الكفيل تأخير حق ظاهر لحق موهوم.
ثم اعلم بأن الحبس أنواع أحدها: الحبس بالدين وإنه يشتمل على فصول.
الأول: إذا قال المحبوس: حبست بدين فلان أقررت به عند القاضي المعزول، فالقاضي المقلد يجمع بين المحبوس وبين خصمه، فإن صدقه خصمه في ذلك أعاده إلى الحبس إذا طلب خصمه ذلك، وأما إذا أنكر المحبوس بالدين، وقال: إن هذا يدعي علي شيئاً بغير حق وقد حبسني ظلماً وخصمه يقول: لي عليه كذا، وقد حبسته بحق، فالقاضي يأمر خصمه بإقامة البينة على ما ادعى، فإذا أقام وعرفهم القاضي بالعدالة أدام حبسه، وإن لم يعرفهم بالعدالة واحتاج إلى السؤال أخذ كفيلاً بنفسه، ويطلقه ولا يحبسه، أما لا يحبسه لأنه لم يظهر سبب حبسه، وأما لا يطلق بدون الكفيل نظراً للمدعي، لأنه لو حضر البينة لم يجد المدعى عليه.(8/506)
-----
وإن قال بعض المحبوسين: أنا محبوس بدين فلان، فمره يأخذ مني كفيلاً ويطلقني، فالقاضي يأمر بإحضار خصمه، فإذا حضر وصدق المحبوس في إقراره، والقاضي يعرف المقر له باسمه ونسبه أو لم يعرفه، ولكن شهد الشهود بذلك، أو لم يشهد الشهود بذلك، وفي الوجوه كلها القاضي يأمر المحبوس بأداء المال إليه؛ لأن إقراره حجة عليه، ولا يطلق لتهمة المواضعة، ويأمر منادياً بالنداء على ما بينا، فإن لم يحضره خصم آخر أطلقه في الوجوه كلها، ولم يذكر الخصاف أخذ الكفيل في الوجه الأول والثاني، وذكر في الوجه الثالث، وبعض مشايخنا ذكروا أخذ الكفيل في الوجوه كلها؛ لأن أخذ الكفيل للتوثق، وفي هذا المعنى الوجوه الثلاثة سواء، وكذلك إذا لم يجيء المحبوس بالمال، ولكن قال المقر له: أنا أختار الرفق، وأمهله مدة كذا، وأطلقه، فالقاضي لا يطلقه، ويحتاطه بالطريق الذي قلنا، ثم يطلق بكفيل، وإن قال المحبوس: لا كفيل لي، أو قال: لا يجب علي إعطاء الكفيل إذ ليس لي خصم يطلب مني الكفيل، فالقاضي يتأنى في ذلك، ولم يعجل بإطلاقه حتى ينادي، فإن لم يحضر له خصم بعد ذلك أطلقه.
الوجه الثاني: الحبس بسبب العقوبات الخالصة حقاً للعبد، كالقصاص، فإذا قال بعض المحبوسين: إنما حبست لأني أقررت بالقصاص لفلان، وجمع القاضي بينه وبين خصمه، وصدقه خصمه فيما أقر، ولا يخلو ذلك من أحد وجهين: إما أن يكونَ (75ب4)(8/507)
-----
القصاص في النفس أو في الطرف، فإن كان في النفس يخرجه القاضي من السّجن، ويمكن خصمه من الاستيفاء، ولا يتأنى بخلاف ما لو أقر بمال؛ لأن هناك يتأتى تهمة المواضعة بأن تواضعا حتى يقر لهذا الرجل بالمال، ويدفع إليه المال، حتى يتخلف عن السجن، ثم إذا خرج من السجن أخذ ما دفع، ويكون الخصم غيره، أما هاهنا لا يتأتى تهمة المواضعة؛ لأن الإنسان لا يجود بنفسه ليتخلص عن السجن، فلهذا افترقا، وإن كان القصاص في الطرف يخرجه القاضِي من السّجن أيضاً، ويمكن خصمه من الاستيفاء، ولكن لا يعجل في إطلاقه لجواز أن يكون لرجل آخر عليه حق في نفسه، فتواضع مع هذا الرجل ليغر له بطرفه ليتخلص عن السجن، فيبطل حق الآخر في النفس.
الثالث: الحبس بسبب العقوبات الخالصة حقاً لِلّهِ تعالى نحو الزنا، وشرب الخمر والسرقة، إذا قال بعض المحبوسين: إنما حبست، لأني أقررت بالزنا عند القاضي المعزول أربع مرات في أربع مجالس، فحبسني ليقيم عليّ الحدّ، فالقاضي المقلد لا يقيم عليه الحدّ بتلك الأقارير؛ لأن تلك الأقارير لا تكون حجة في حق القاضي المولى، فيستأنف الأمر، فإن أقر عنده أربع مرات في أربع مجالس، أقام عليه الحد، تقادم العهد أو لم يتقادم؛ لأن تقادم العهد يمنع صحة الشهادة، أما لا يمنع صحة الإقرار فيرجمه إن كان محصناً، ويجلده إن كان غير محصن، ولكن لا يعجل في إطلاقه لجواز أنه يجيء خصم في نفسه، وإن رجع عن الإقرار صح رجوعه، كما لو رجع عند القاضي الأول، ولكن لا يعجل القاضي في إطلاقه لتوهم الحيلة.(8/508)
-----
وإن قال: إنما حبست لأنه قامت البينة علي بالزنا، فحبسني القاضي المعزول ليقيم علي الحد، فيقول: البينة القائمة عند القاضي المعزول غير معتبرة في حق هذا القاضي، فلا يقيم عليه الحد بتلك البينة، ولو شهد الشهود عند هذا القاضي بزناه لا يقيم عليه الحد أيضاً، إذا كان العهد قد تقادم؛ لأن تقادم العهد يمنع صحة الشهادة، ولا يعجل في إطلاقه لتوهم الحيلة بل يتأنى، ويطلقه بعد ذلك بكفيل لما ذكرنا.
فإن قال بعض المحبوسين: إنما حبست لأني أقررت بشرب الخمر عنده، أو لأنه قامت البينة عليّ بشرب الخمر فحبسني ليقيم عليّ الحدّ، فهذا القاضي لا يقيم عليه الحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن حد الشرب إنما يقام على الشارب إذا كان الخمر في بطنه، والرائحة توجد منه عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله البينة والإقرار في ذلك على السواء، والمسألة معروفة في الحدود.
وإن قال: إنما حبست لأني أقررت بالسرقة من فلان، أو لأنه قامت البينة عليّ بالسرقة من فلان، فإن هذا القاضي يجمع بينه وبين خصمه؛ لأن الدعوى في السرقة شرط كما في باب المال، ولا يقضى عليه بالقطع تقادم العهد أو لم يتقادم، ولا يعجل في إطلاقه، ولو قامت البينة ثانياً لا يقضي عليه بالقطع إذا تقادم العهد فحد السرقة وحد الزنا في حق هذا الحكم على السواء.
الرابع: الحبس بسبب عقوبة هي بين حق الله تعالى وبين حق العبد، وهو حد القذف، إذا قال بعض المحبوسين: إنما حبست لأني قذفت هذا الرجل بالزنا، وصدقه ذلك الرجل في إقراره استوفى منه حد القذف، ولا يعجل القاضي في إطلاقه، ولو رجع عما أقر لا يصح رجوعه بخلاف الرجوع عن الحدود الخالصة لله تعالى.
جئنا إلى حكم الودائع والأموال.(8/509)
-----
إذا قال القاضي المعزول: على يدي فلان كذا وكذا دفعته من المال إليه، وهو لفلان بن فلان، فإن صدقه الذي في يديه المال في جميع ذلك أمر بالتسليم إلى المقر له، وهذا ظاهر، وإن قال: دفع إلي فلان القاضي المعزول هذا القدر من المال لكن لا أدري أنه لمن، وفي هذا الوجه أمر بالتسليم إلى المقر له أيضاً، لأنه أقر أن المال وصل إليه من جهة القاضي المعزول، فكان يده يد القاضي المعزول معنىً، وقد أقر القاضي المعزول أنه لفلان، وصاحب اليد إذا أقر بما في يده لغيره أمر بالتسليم إليه، وإن كان صاحب اليد كذب القاضي المعزول في جميع ما قال، فالقول قوله، وهذا ظاهر أيضاً، وإن كان صاحب اليد قال: دفع إلي القاضي المعزول هذا القدر من المال، وهو لفلان آخر غير الذي أقر له القاضي، فهذا على وجهين:
أحدهما: هذا، وفي هذا الوجه يؤمر بالتسليم إلى الذي أقر له القاضي؛ لأنه لما أقر بالوصول إليه من جهة القاضي، فقد أقر باليد للقاضي من حيث المعنى، فلو كان في يد القاضِي حقيقة وهو يقول: إنه لفلان يؤمر بالتسليم كذا هاهنا.
الوجه الثاني: إذا بدأ بالإقرار بالملك بأن قال: المال الذي في يدي لفلان غير الذي أقر له القاضي المعزول دفعه إلى القاضي المعزول أمر بالتسليم إلى الذي أقر له صاحب اليد؛ لأن إقراره بالملك الأول قد صح لأنه أقر بما في يده، وتعلق به حق المقر له، فإذا قال بعد ذلك: دفع إلى القاضِي المعزول، فقد أقر باليد للقاضي المعزول، والقاضي المعزول يقر أنه لفلان، فقد أقر لمن أقر له القاضي به بعد ما أقر به الأول، فلا يصح إقراره للثاني في حق الأول، فإن دفع إلى الأول بغير قضاء ضمن للثاني، وإن دفع بقضاء، فكذلك عند محمد، وعند أبي يوسف لا يضمن.
(8/510)
-----
أصل المسألة: إذا أقر الرجل أن هذا المال الذي في يدي لفلان دفعه إلى فلان آخر، وقال الدافع: هو ملكي، فإن هناك يؤمر المقر بالتسليم إلى المقر له الأول، وهل يضمن للثاني؟ فهو على التفصيل والاختلاف الذي ذكرنا، والمسألة معروفة في كتاب الإقرار.
وإن قال القاضي المعزول: في يدي ألف درهم أصابه فلان اليتيم من تركة أبيه، وصدقه ذو اليد في ذلك، فإن لم يدع أحد من باقي الورثة ذلك المال فهو لليتيم؛ لأن صاحب اليد أقر للقاضي المعزول، والقاضي المعزول يقر به لليتيم، ولم ينازعه في ذلك أحد، فيكون ذلك لليتيم، وإن قال باقي الورثة: لم يستوف منا أحد حقه من تركة الميت كان ذلك المال مشتركاً بين جميع الورثة، واليتيم من جملتهم؛ لأن اليد للقاضي المعزول معنى، وهو قد أقر أن المال كان لوالد اليتيم، وما كان للإنسان يصير ميراثاً لجميع ورثته، ولا يختص به البعض إلا إذا ثبت استيفاء الباقين حقوقهم، ولم يثبت ذلك بقول القاضي المعزول لما أنكروا الاستيفاء؛ لأن القاضي المعزول بالعزل التحق بواحد من الرعايا، فقد صح إقرار القاضي المعزول أن هذا ملك والدهم باعتبار اليد المقر به، ولم يصح إقراره على سائر الورثة بالاستيفاء باعتباره يده المعنوية، وإذا لم يثبت هذا الاستيفاء، فإن هذا المال تركة الميت، فيقسم بين سائر الورثة، واليتيم من جملتهم، إلا أنه ينبغي للقاضي المقلد أن ينظر لليتيم ويحلف باقي الورثة بالله: ما استوفيتم حقوقكم من تركة والدكم فلان؛ لأنه عاجز عن النظر بنفسه فينظر له القاضي المقلد.(8/511)
-----
وإن قال القاضي المعزول: هذا المال لفلان اليتيم، ولم يقل: أصابه من تركة والده، وادعى باقي الورثة أنه من تركة والدهم فالمال لليتيم؛ لأن القاضي المعزول هاهنا ما أقر بالملك لوالد اليتيم ليصير مقراً بكونه ميراثاً لورثته، بل أقر لليتيم بالملك مطلقاً، وليس من ضرورة كونه مملوكاً لليتيم أن يكون من تركة والده، فيعمل ذلك باقي الورثة يدعون لنفسهم حقاً في هذا المال، فلا يصدقون إلا بحجة.
وإن كان مالاً بصك على رجل قد كان القاضي بين في الصك بينة، وأشهد في الصك أنه لفلان اليتيم أصابه من تركة والده فلان، وأن سائر الورثة استوفوا حقوقهم، فنقول: مجرد الصك ليس بحجة، وكذلك قول القاضي المعزول على استيفاء باقي الورثة حقوقهم ليس بحجة، وإنما الحجة شهادة شهود يشهدون على إشهاد القاضي عليهم بالاستيفاء، أو على إقرارهم بالاستيفاء، فإن شهد الشهود بذلك كان هذا المال (76أ4) لليتيم وإلا فهو لسائر الورثة.
وإذا قال القاضي المعزول: ثبت عندي بشهادة الشهود، أن فلاناً وقف ضيعة كذا على كذا، وحكمت بذلك، ووضعتها على يدي فلان، وأمرته بصرف غلاتها إلى السبيل المشروط في الوقف، وصدقه بذلك صاحب اليد، فإن أقر ورثة الواقف بذلك أنفذ القاضي المقلد هذا الوقف؛ لأن اليد على الضياع للقاضي المعزول، وهو قد أقر بوقفيته من جهة من زعمه مالكاً، وصدقه خلفاؤه في ذلك، فيعتبر تصديقهم بتصديق الميت لو كان حياً، وإن كان الورثة قد جحدوا ذلك، ولم يقم عليهم بينة كان ميراثاً بينهم؛ لأن بإقرار القاضي يثبت كون الضيعة ملكاً للميت، ولم تثبت الوقفية، فيبقى على ملكه ميراثاً بين ورثته، ولكن يستحلف الورثة على علمهم، فإن حلفوا فالأمر ماض، وإن نكلوا قضي عليهم بالوقفية بإقرارهم، وإن قامت البينة عليهم بذلك قضى القاضي عليهم بالوقفية، كما لو قامت البينة على الواقف حال حياته.(8/512)
-----
وإن قال القاضي المعزول: إنه وقف على أرباب، أو قال: على المسجد، وبين وجهاً آخر من وجوه البر، ولم يقل: وقفها فلان، فالقاضي المقلد ينفذه، ولا يسأل عن التفسير؛ لأن التفسير يضر بالوقف، عسى فإنه ربما ينكر ورثة الواقف الوقف، ولا يوجد على ذلك بينه فيردونه ميراثاً، وهذا هو السبيل في كل موضع يقع الاستفسار ضاراً، فالقاضي المقلد يتركه ويكتفي بالإجمال، وينبغي للقاضي أن يحاسب الأمناء ما جرى على أيديهم، من أموال اليتامى وغلاتهم كل ستة أشهر، وكل سنة على حسب ما يرى حتى ينظر هل أدى الأمانة فيما فوض إليه أو خان؟ فإن أدى الأمانة قرره عليه، وإن خان استبدل غيره.
بلغنا أن عمر رضي الله عنه كان يحاسب الأمناء كل سنة، وكذلك يحاسب القوام على الأوقاف، لما ذكرنا، ويقبل قولهم في مقدار ما حصل في أيديهم من الغلات والأموال، الوصي والقيم في ذلك على السواء، فإن الأصل في الشرع أن القول قول القاضي في مقدار المقبوض، وفيما يخبر من الأوقاف على اليتيم، أو على الضيعة، وما صرف منها في مؤنات الأراضي، إن كان وصياً يقبل قوله في المحتمل، وإن كان فيما لا يحتمل لا يقبل قوله، هكذا ذكر الخصاف في «أدب القاضي»، وفرق بين الوصي وبين القيم.
فالوصي: من فوض إليه الحفظ والتصرف.
والقيم: من فوض إليه الحفظ دون التصرف.(8/513)
-----
وإذا عرفت الفرق بين الوصي وبين القيم، فإذا ادعى الوصي الإنفاق، فقد ادعى ما دخل تحت ولايته، فيقبل قوله، وكثير من مشايخنا سووا بين الوصي وبين القيم فيما لم يكن للضيعة منه بد، وقالوا: يقبل قول القيم في ذلك كما يقبل قول الوصي، وقاسوا على قيم المسجد، أو واحد من أهل المسجد إذا اشترى للمسجد ما لا بد منه نحو الحصير والحشيش والدهن، أو صرف شيئاً من غلات المسجد إلى أجر الخادم، لا يضمن لكونه مأذوناً فيه دلالة، فإنه لو لم يفعل ذلك يتعطل المسجد كذا ههنا، ومشايخ زماننا قالوا: لا فرق بين الوصي والقيم في زماننا، فالقيم في زماننا من فوض إليه التصرف والحفظ جميعاً كالوصي.5
قال: وإن اتهم القاضي واحداً منهم، يريد به واحداً من الأوصياء فيما ادعى من الإنفاق على اليتيم، أو على الوقف، حلفه القاضي على ذلك، وإن كان أميناً كالمودع إذا ادعى هلاك الوديعة، أو ردها، قال بعض مشايخنا: إنما يستحلف إذا ادعى عليه شيئاً معلوماً؛ لأن الاستحلاف يصح على دعوى صحيحة ودعوى المجهول لا يصح.(8/514)
وقال بعضهم: يحلف على كل حال؛ لأنه إنما يحلف نظراً لليتيم واحتياطاً له، وفي مثله يستحلف على كل حال، وإن أخبروا أنهم أنفقوا على الضيعة واليتيم من أموال الأراضي والغلات كذا وبقي في أيدينا كذا هذا القدر إن كان منهم معروفاً بالأمانة، فالقاضي يقبل منه الإجمال، ولا يجبره على التفسير؛ لأنه لو أجبره على التفسير ربما لا يمكنه الخروج عن العهدة مع صدقه في الإخبار، والإنسان قد يعجز عن حفظ حسابه وعن الخروج منها فيتضرر، وليس للقاضي ولاية الإضرار بالغير، ومن كان منهم متهماً، فالقاضي يجبرهم على التفسير شيئاً فشيئاً، ولا يقبل منه الإجمال، وليس تفسير الجبر ههنا الجبر وإنما تفسيره أن يحضره القاضي يومين أو ثلاثة ويخوفه، ويهدده إن لم يفسر احتياطاً في حق اليتيم، فإن فعل ذلك، ومع هذا لم يفسر، فالقاضي يكتفي منه باليمين ويتركه.(8/515)
-----
قال: وإن قال الوصي للقاضي المقلد إن القاضي المعزول حاسبه، فالقاضي المقلد: لا يكف عنه إلا بالبينة؛ لأنه يدعي بطلان حق المحاسبة على القاضي، فلا يصدق عليه إلا بحجة، وإن قال الوصي أو القيم: أنفقت على اليتيم، أو قال: على الوقف كذا من مالي وأراد أن يرجع بذلك في مال اليتيم، والوقف، لا يقبل قوله بخلاف ما ادعى الإنفاق من مال اليتيم أو من مال الوقف، حيث يقبل قوله في المحتمل؛ لأنه أمين فيما في يديه من مال اليتيم والوقف، ويدعي الخروج عن عهدة الأمانة بدعوى الإنفاق، من غير أن يثبت لنفسه استحقاق شيء، وقول الأمين في مثل هذا مقبول، فأما إذا ادعى الإنفاق من مال نفسه، فما ادعى الخروج عن عهدة الأمانة، بل ادعى الاستحقاق لنفسه على الصغير والوقف، ودعوى الاستحقاق لا يقبل من غير حجة.
قال: وإن ادعى القيم أو الوصي أن القاضي المعزول أجرى له مشاهرة في كل شهر كذا وكذا، في كل سنة كذا وكذا، وصدقه القاضي المعزول في ذلك، أو لم يصدقه، فالقاضي لا ينفذ ذلك؛ لأن مجرد الدعوى ليس بحجة، وكذلك قول القاضي المعزول في الحال ليس بحجة، فإن قامت له بينة على فعل القاضي في حال قضائه قبلت، وأنفذ القاضي المقلد ذلك، لأن للقاضي ولاية تقدير كفايته، وأجراها له في مال اليتيم والوقف، فهذه البينة قامت على إثبات فعل القاضي المعزول في حال قضائه، وفيما هو داخل تحت ولايته، وقوله في حال قضائه فيما هو داخل تحت ولايته مقبول، فهذه البينة قامت على ما هو حجة، فقبلت.
بعد هذا القاضي المقلد ينظر في ذلك إن كان ذلك مقدار أجر عمله أو دونه أنفذ ذلك كله، وإن كان أكثر أنفذ مقدار أجر مثل عمله، وأبطل الزيادة؛ لأنه لم يكن للقاضي المعزول أن يزيد على أجر مثل عمله، فلا يكون للمقلد تنفيذ الزيادة.(8/516)
-----
وإن كان القيم قد استوفى الزيادة، أمره القاضي بالرد علي اليتيم؛ لأنه استوفى ما ليس له ذلك، قال في «الأصل»: وما وجد في ديوان القاضي المعزول من شهادة، أو قضاء أو إقرار، فهو باطل لا يعمل به القاضي المقلد، إلا أن يقوم بينة أنه قضى به وأنفذه، وهو قاض يومئذ؛ لأن القاضي الثاني لا يعلم حقيقة شيء من ذلك، فلا بد من طريق يقع العلم له بحقيقة تلك البينة، ويشرط أن يشهدوا أنه قضى به، وهو يومئذ قاض لجواز أنه قضى به بعد العزل، وقضاؤه بعد العزل باطل.
الفصل التاسع عشر: في القضاء في المجتهدات
قال في «أدب القاضي»: وما اختلف فيه القضاة، وقضى فيه قاض بقضية ثم رجع إلى قاض آخر، يرى خلاف ذلك أمضى قضاء الأول ولا ينقضه، ولو نقضه كان باطلاً، والأصل فيه: ما روي أنه لما انتهت الخلافة إلي علي رضي الله عنه رفع إليه قضايا عمر وقضايا عثمان رضى الله عنهما، وطلب منه نقضها، لما أن رأي علي رضى الله عنه في تلك القضايا كان بخلاف ذلك، فلم ينقض علي رضى الله عنه شيئاً من ذلك، وحين قدم الكوفة قام خطيباً وقال: إني لم أقدم عليكم لأحل عقدة عقدها عمر، أو لأعقد عقدة حلها عمر رضي الله عنه، والمعنى في ذلك أن قضاء القاضي في موضع الاجتهاد نافد بالإجماع، فكان القضاء الثاني ينقض الأول مخالفاً للإجماع، ومخالفة الإجماع ضلال وباطل؛ ولأن القضاء إذا جعل في محل الاجتهاد، فقد يرجح الجانب الذي اتصل به القضاء بالقضاء، فلا يعارض من الجانب الآخر؛ ولأنه لو جاز للثاني نقض الأول يجوز للثالث نقض الثاني إذا كان رأيه بخلافه، وكذا للرابع والخامس إلى ما لا يتناهى وليس في أحكام الله تعالى ما لا يتناهى.(8/517)
-----
واعلم (76ب4) بأن قضاء القضاة التي يرفع إلى قاض آخر لا يخلو، إما أن يكون جوراً بخلاف الكتاب والسنة والإجماع، أو يكون في محل الاجتهاد، واجتهد فيه الفقهاء، واختلف فيه العلماء أو يكون بقول مهجور، فإن كان في محل الاجتهاد وحكمه ما ذكرنا، وإن كان جوراً فالقاضي الذي رفع إليه لا ينفذه وينقضه، ولو نفذه كان لقاضي آخر أن يبطله، لأن ما يخالف الكتاب والسنة والإجماع باطل، ولا يجوز تقرير الباطل والضلال، وإن كان بقول مهجور، فالقاضي الذي يرفع إليه ينقضه، ولا ينفذه، ولو نفذه كان لقاض آخر بعد ذلك أن يبطله، وسيأتي بعد هذا بيانه إن شاء الله تعالى.
وبعد هذا يحتاج إلى بيان محل الاجتهاد، قال ابن سماعة عن محمد رحمهما الله: كل أمر جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله، وجاء عنه غير ذلك الفعل، أو جاء عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء عن ذلك الرجل، أو غيره من الصحابة بخلافه وعمل في الناس بأحد الأمرين دون الآخر، أو عمل بأحد القولين، ولم يعمل بالأخر، ولم يحكم به أحد، فهو متروك منسوخ، فإن حكم به حاكم من أهل زماننا لم يجز، أشار إلى أنه وإن قضى بالنص لكن ثبت بإجماع الأمة انتساخه، حيث لم يعمل به أحد من الأمة، والعمل بالمنسوخ باطل غير جائز.
قال: وإنما يجز من ذلك ما اختلف فيه الناس، وحكم به حاكم من حكام أهل الأمصار، فأخذ بعضهم بقوله، وأخذ بعضهم بقول الآخر، يعني بعض الحكام أشار إلى أن بمجرد خلاف بعض العلماء لا يصير المحل محل الاجتهاد ما لم يعتبر العلماء، وسوغوا له الاجتهاد فيه.
(8/518)
-----
ألا ترى أن عبد الله ابن عباس كان من الفقهاء، ثم لما لم يسوغوا الاجتهاد له في ربا النقد، حتى أنكر عليه أبو سعيد الخدري رضى الله عنه لم يعتبر خلافه على ما بينا قبل هذا، ثم قوله: وإنما يجز من ذلك ما اختلف فيه الناس، يشير إلى أن العبرة بحقيقة الاختلاف في صيرورة المحل مجتهداً فيه، وفي بعض المواضع يشير إلى أن العبرة لإنشاء الدليل، وهكذا ذكر محمد رحمه الله في «السير الكبير» في أبواب الأنفال، وسيأتي بيان ذلك بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ثم إن الخصاف لم يعتبر الخلاف بيننا وبين الشافعي رحمه الله، وإنما اعتبر الخلاف بين المتقدمين، والمراد من المتقدمين الصحابة ومن معهم، ومن بعدهم من السلف.
قال صاحب «الأقضية»: فإذا زنى رجل بأم امرأته، ولم يدخل بها، فجلده القاضي، ورأى أن لا يحرمها عليه فأقرها معه، وقضى بذلك نفذ قضاؤه؛ لأنه قضى في فصل مجتهد فيه، فإن بين الصحابة اختلافاً في هذه الصورة، فعلي وابن مسعود وعمران بن الحصين وأبي بن كعب رضي الله عنهم قالوا بالحرمة، وابن عباس كان لا يقول بالحرمة، وكان يقول: الحرام لا يحرم الحلال، وربما كان برواية مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نفا، وهذا القضاء في حق هذا المقضي عليه متفق عليه، وفي حق المقضي له إن كان جاهلاً فكذلك، وإن كان عالماً فعلى الخلاف لما مر.
وحكى القدوري في «شرحه»، فيمن تزوج امرأة زنى بها أبوه أو ابنه، وقضى القاضي بنفاذ هذا النكاح، وفي نفاذ هذا خلاف بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، فعلى قول أبي يوسف لا ينفذ قضاؤه، لأن الحادثة منصوص عليها في «الكتاب»، فإن النكاح في اللغة الوطء، ولا ينفذ حكم الحاكم على خلاف النص، وعلى قول محمد رحمه الله ينفذ؛ لأن هذا النص ظاهر وللتأويل فيه مشاع، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما على ما روينا يؤيده فكان محل الاجتهاد، فينفذ قضاؤه فيه.(8/519)
-----
وإذا خير الرجل امرأته فاختارت زوجها، أو اختارت نفسها فهذه المسألة مختلفة في الصدر الأول، فعلى قول عمر وابن مسعود رضى الله عنهما إن اختارت زوجها فهي امرأته، وإن اختارت نفسها فهي تطليقة بائنة، وعلى قول أهل المدينة إن اختارت زوجها فقد بانت منه، وإذا كانت المسألة مختلفة في الصدر الأول من هذا الوجه، فبأي قول من هذه الأقوال قضى كان قضاؤه في فصل مجتهد فيه فينفذ، وإذا قضى القاضي بجواز بيع أمهات الأولاد لا ينفذ قضاؤه.
واعلم بأن جواز بيع أمهات الأولاد مختلف في الصدر الأول، فعمر وعلي رضى الله عنهما أولاً كانا لا يجوزان بيعها، وهكذا روي عن عائشة رضى الله عنها، وقال علي رضى الله عنه آخراً: يجوز بيعها. ثم أجمع المتأخرون على أنه لا يجوز بيعها، وتركوا قول علي آخراً بعد هذا.
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: ما ذكر في «الكتاب» أنه لا ينفذ قضاؤه قول محمد رحمه الله، أما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف ينبغي أن ينفذ، فكأنه مال إلى قول من قال: إن المتقدمين إذا اختلفوا في شيء على قولين، ثم أجمع من بعدهم على أحد القولين، فهذا الإجماع رفع الخلاف المتقدم عند محمد رحمه الله خلافاً لأبي حنيفة وأبي يوسف، وإذا ارتفع الخلاف المتقدم على قول محمد لم يكن قضاء هذا القاضي في فصل مجتهد فيه، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا لم يرتفع الخلاف المتقدم كان هذا قضاء في فصل مجتهد فيه فنفذ.(8/520)
-----
هما يقولان: لو ثبت الإجماع باتفاق من بعدهم لا بد من تعليل؛ لأن مخالفة الإجماع ضلال، وتضليل بعض الصحابة أو بعض السلف محال، يوضحه أن المخالف لو كان حياً لا ينعقد الإجماع مع مخالفته، فكذا إذا مات؛ لأن بالموت فات المستدل لا الدليل، والمانع الدليل دون المستدل والدليل قائم، فيمنع انعقاد الإجماع حجة لا يوجب الفصل بينما إذا سبقه مخالف، وبين ما إذا لم يسبقه مخالف، ألا ترى أنه لو اجتمع علماء عصر على حكم واحد، وانعقد إجماعهم على ذلك، ثم اجتمع أهل عصر بعدهم على خلاف ذلك يصح؟ وانتسخ الأول بالثاني كأنه ورد آية مضادة لحكم آية قبلها.
ثم قول الكل لم يصلح مانعاً انعقاد الإجماع والإجماع، فقول الواحد أولى وقولهما: بأنه يودي إلى تضليل بعض السلف، فليس كذلك؛ لأن الإجماع إنما انعقد الآن والتضليل في مخالفة الإجماع، فإذا انعقد الإجماع لا تتحقق المخالفة، فلا يؤدي إلى الإضلال، كان الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي رحمه الله يقول: لا خلاف بين أصحابنا رحمهم الله، أن إجماع المتأخرين يرفع الخلاف المتقدم؛ لأن حد الإجماع قد وجد والدليل الموجب لكون الإجماع حجة لا يوجب الفصل، فكان هذا القضاء في غير محل الاجتهاد، فلا ينفذ عند الكل، فكان ما ذكر في «الكتاب» أنه لا ينفذ قضاؤه قول الكل، وما يقول بأنه يؤدي إلى تضليل بعض السلف.
قلنا: لا يؤدي لأنا نجعل هذا الإجماع بمنزلة البيان، أن ما أدى إليه اجتهاد المخالف في الصدر الأول يبدل الآن، وصار بمنزلة ما لو كان حياً، وتحول رأيه إلى خلاف ذلك، وإنما حملنا على هذا حملاً لأمر المسلمين على إجماعهم على ما يحل لهم على تعين الحق والصواب في قولهم، وصيانة لهم عن تضليل من كان قبلهم، قال القاضي الإمام الكبير أبو زيد رحمه الله في «تقويمه» في آخر فصول الإجماع: إن محمداً رحمه الله روى عنهم أنه لا ينفذ القضاء أنه لا ينفذ من غير ذكر خلاف.
(8/521)
-----
وفي الباب الأول من أقضية «الجامع الكبير» أن قضاء القاضي بجواز بيع أم الولد يتوقف على إمضاء قاض آخر، وهو الأصح، والوجه في ذلك: أن العلماء اختلفوا على أن بيع أم الولد هل بقي مختلفاً فيه؟ قال أصحابنا: لم يبق مختلفاً فيه كما ذكره شمس الأئمة السرخسي رحمه الله أن الإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم.
ومن العلماء من قال: لا يرفع، فبقي مختلفاً، فكان في كونه مختلفاً فيه اختلاف، فيتوقف على قضاء قاض آخر، فإن أمضاه قاض آخر بعده لا يكون لأحد بعد ذلك إبطاله، وإن أبطل قاض آخر بطل، لا يكون لأحد بعد ذلك أمضاؤه، وهو كذلك هذا الحكم في كل حادثة اختلف (77أ4) الناس فيها أنها مختلفة، أو ليست بمختلفة أن قضاء القاضي فيها يتوقف على إمضاء قاض آخر، إن إمضاه قاض آخر ينفذ، وليس لأحد بعد ذلك إبطاله، وإن أبطل قاض آخر بطل، وليس لأحد بعد ذلك إمضاؤه.
وفي «الزيادات»: لو أن المسلمين أسروا أسارى من أهل الحرب، وأحرزوهم بدار الإسلام، ثم يظهر عليهم المشركون، ولم يحرزوهم بدار الحرب حتى ظهر عليهم قوم آخرون من المسلمين، وأخذوهم من أيديهم في دار الإسلام، فإنهم يردون على الطريق الأول اقتسم الفريق الثاني، أو لم يقتسموا؛ لأنه لم يثبت للكفار فيهم ملك ولاحق ما داموا في دار الإسلام، لبقائهم في أيدي الفريق الأول من حيث الحكم والاعتبار، فصار أخذ الفريق الثاني من الكفار في دار الإسلام كأخذهم من الفريق الأول على الفريق الأول.
قال: في «الكتاب»: إلا أن يكون الذي قسم بين الفريق الثاني يرى ما صنع المشركون ملكاً وإحرازاً فحينئذ كان الفريق الثاني أولى بملك فقال: لأن هذا مما يختلف فيه الفقهاء.
ومعناه أن العلماء اختلفوا في أن مجرد الاستيلاء من الكفار ملكاً، وقسم بين الفريق الثاني بناء على ذلك حصل قسمة في محل مجتهد فيه، فينفذ كقسمة الغنائم في دار الحرب.(8/522)
-----
وذكر في «السير الكبير» إذا استولى المشركون على مال المسلمين وأحرزوه بعسكرهم في دار الإسلام، ثم استنقذه منهم جيش من المسلمين قبل الإحراز بدار الحرب، فذلك مردود على صاحبه، وكذلك لو لم يقل الإمام بذلك حتى قسم المال بين من أصابه فالقسمة باطلة والمال، وهو المتاع مردود عل صاحبه.
وإن علم الإمام للحال ورأى إحرازهم بالعسكر إحرازاً يأمر فخمسه وقسمه مع غنائم المشركين بين من أصابه من المسلمين، ثم رفع إلى قاض يرى ذلك غير إحراز جاز ما صنع الأول، ولم يبطل، لأن هذا مما يختلف فيه الفقهاء ومعناه ما ذكرنا.
فإن قيل كيف يستقيم هذا ومن قال بأن نفس الاستيلاء سبب الملك، ومن قال بأن مال المسلمين محل لتملك الكفار بالاستيلاء، وهو أصحابنا ما جعلوا مجرد الاستيلاء سبباً؟ قلنا: كون مال المسلمين محلاً بالاستيلاء مختلف فيه، وكون مجرد الاستيلاء سبباً مختلف فيه أيضاً، والإمام في هذه المسألة أخذ بقول من قال بأن مال المسلمين محل لتملك الكفار بالاستيلاء، وبقول من قال: بأن مجرد الاستيلاء سبب، فكان اجتهاده من الطرفين مصادفاً محلا مجتهداً فيه.(8/523)
-----
ونظير هذا ما قلنا فيمن قضى بشهادة الفاسق على الغائب، أو شهادة رجل وامرأتين بالنكاح على الغائب ينفذ قضاؤه، وإن كان من يجوز القضاء على الغائب يقول: ليس للنسوان شهادة في باب النكاح، وليس للفساق شهادة أصلاً، ولكن قيل كل واحد من الفصلين مجتهد فيه، فينفذ القضاء من القاضي باجتهاده فيهما، فكذا في مسألتنا والمعنى فيه أن المجتهد يتبع الدليل القائل به ما ذكر، ثم في «الزيادات» وفي «السير الكبير» نص على أن قضاء القاضي بالملك للكافر بمجرد الاستيلاء، وقبل الإحراز بدار الحرب نافذ، قيل: وقد ذكر في «سير الجامع الكبير»: أنه لا ينفذ، لأنه لم يثبت فيه اختلاف المتقدمين، قال: ولو قضى قاض بشاهد ويمين لا ينفذ قضاؤه، قال: لأنه خلاف التنزيل؛ لأن ظاهر قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} (البقرة: 282) يقتضي أن يكون حجة الاستحقاق من جانب المدعي بشهادة رجلين، أو شهادة رجل وامرأتين، ومن جعل الحجة شهادة شاهد واحد ويمين المدعي، فقد خالف النص.
وإنما قال الزهري: إنه بدعة؛ لأنه لم يعمل به أحد من الصحابة، وإنما أحدثه معاوية، فكان بدعة منه، وذكر في كتاب الاستحلاف أن على قول أبي حنيفة، وسفيان الثوري رحمهما الله ينفذ قضاؤه لما روي عن رسول الله عليه السلام، «أنه قضى بشاهد ويمين الطالب»، وقد أخذ به بعض العلماء، فكان قضاء في فصل مجتهد فيه فينفذ، وعلى قول أبي يوسف لا ينفذ؛ لأنه خلاف التنزيل.(8/524)
-----
وفي «أقضية الجامع» من تعليقي أن القضاء بشاهد ويمين يتوقف على إمضاء قاض آخر، ولو قضى كل متروك التسمية عمداً ذكر في «النوادر» أن على قول أبي حنيفة ومحمد ينفذ قضاؤه، وعلى قول أبي يوسف لا ينفذ؛ لأنه خلاف التنزيل، ولو قضى في حد أو قصاص بشهادة رجل وامرأتين، ثم رفع إلى قاض آخر يرى خلاف رأيه، فإنه ينفذ قضاؤه، ولا يبطله، وليس طريق نفاذ القضاء الأول في هذه الصورة حصول في محل مجتهد فيه؛ لأنه لم يبلغنا الاختلاف فيه إلا ما روي شاذاً عن شريح رضي الله عنه، وإنما طريقه أن القضاء الأول حصل في موضع اشتباه الدليل.
بيانه أن المرأة من أهل الشهادة شهادة مطلقة، لأن الأهلية بمعان قائمة بها وتلك المعاني لا تختلف وظاهر قوله تعالى: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} (البقرة: 282) يدل على قبول شهادة النساء مع الرجال مطلقاً، نظراً إلى اللفظ وأنه وإن ورد في باب المداينة، إلا أن العبرة عندنا لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، ولو لم يرد نص قاطع في إبطال شهادة النساء مع الرجال في هذه الصورة، وما روي عن الزهري، وهو قوله: مضت السنة الحديث ليس بدليل قطعي، فكان موضع الاجتهاد، فكان قضاؤه في فصل مجتهد فيه.(8/525)