من
خصائص شريعتنا الإسلامية
تأليف:
أحمد أبو وائل أكرم أيمن عمير
غارداية
به ثقتي ، وعليه اعتمادي ، وإليه معادي
...
من خصائص شريعتنا الإسلامية
الحمد لله حمد الشاكرين والشكر لله المعترفين وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا ثم أما بعد :
فهذه وريقات في مقاصد شريعة الإسلامية الغراء موضحين من خلالها صلاحية الشريعة في كل مكان وزمان وشموليتها..فأقول كعادتنا مؤصلين الموضوع في نقاط محددة:
أولا- تعريف الشريعة.
ثانيا- أهم خصائص شريعتنا الإسلامية .
لا شك أن شريعتنا تتميز عن الشرائع الأخرى بمجموعة من الخصائص هي: الربانية والإنسانية, والشمول، والوسطية، والواقعية،والجمع بين الثبات والمرونة ،واليسر ورفع الحرج..إلى غير ذلك.
وسنقتصر على بعضها فيما يلي:
أ - الربانية.
ب - الشمولية.
ج - العمومة.
د- الواقعية.
و- الديمومة.
ثالثا: الأمرين اللذان إتفق عليهما جميع الشرائع السابقة .
رابعا: أهداف شريعتنا الإسلامية الغراء السمحاء.
يقول فضيلة الشيخ أحمد أبو وائل أكرم عمير في تعريفه واستجماعه للمعنى الحقيقي للإسلام ،فقال:أن الإسلام عقيدة وشريعة، دين ودولة.
الإسلام " عقيدة وشريعة".
لقد نظم الإسلام علاقات البشر الخاصة و العامة.
نعم فقد نظم و بيَّن علاقة العبد بربه ،واتصاله به ، وآدابه معه سبحانه و تعالى..
بيّن و نظم أنواع التصرفات و المعاملات في حياة البشر سواء في باب العقائد أو التشريعات أو المعاملات .
نظم العلاقات بين الناس في أسواقهم ، و أشغالهم ، و أشغالهم ، وأسفارهم ، وشوارعهم ، بل حتى في بيوتهم ، موضحا ما للآباء من حقوق وما للزوجة وما للإخوة والأولاد، كل هذا من أجل أن تحيا البشرية في دنيا يسودها الأمن والأمان .(1/1)
فيكون الإسلام بهذه الأحكام والتشريعات وخاصة التي سنّ بها المعاملات وآدابها ، أعطى كل ذي حق حقه ، بالقسط والعدل والإنصاف.
بعد هذا كله يأتي من يهرف بما لا يعرف، و ينعق بما لا يسمع ، يرمي الإسلام و يتهمه بالجهل ، و بأن نظمه غير كافية للحياة المدنية ، و التقدم الحضاري المزعوم ، ويطالب باستبدال قوانين وأنظمة الإسلام العظيم ،أو تطعيمها ،بشيء من القوانين البشرية الوضعية المصطنعة من زبالة أذهان البشر العفنة .
يريدون بذلك حكم الجاهلية الأولى
حكم الجاهلية التي تبح سفك الدماء، وقتل الأبرياء ، وأيموا النساء ، واستعباد الفقراء .
حكم الجاهلية التي تبيح للآباء وأد بناتهم ، بل إننا نرى اليوم في عصر الذرة و الإنترنت بعض الدول التي تزعم الرقي والحضارة المزعومة حين يموت الفرد من أفرادها يأمر القانون لديهم بحرق أمواتهم ونسف رفاتهم .
حياة القوي يأكل الضعيف الحياة التي تبنى على قاعدة '' كن ذئباً قبل أن يأكلك الذئاب ". هذه هي شريعة الغاب وحكم الطاغوت .
هذه هي شريعة التي يبغيها هؤلاء المجرمون والتي يرونها ملائمة للوقت الحاضر، بل الصالحة لمقتضيات الحياة الحديثة ، والأوضاع المتجددة .
هؤلاء الذين شرعوا البرلمانات والمنظمات لتشرع للناس مالم ينزل به الله سلطانا ، وهؤلاء هم الخبثاء الذين قال الله فيهم: وإذا قيل لهم تعالو إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا(1/2)
قال أبو جعفر : يعني بذلك - جل ثناؤه - : ألم تر يا محمد إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك من المنافقين ، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبلك من أهل الكتاب يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ، يعني بذلك : وإذا قيل لهم تعالوا هلموا إلى حكم الله الذي أنزله في كتابه ، وإلى الرسول ليحكم بيننا رأيت المنافقين يصدون عنك ، يعني بذلك : يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم ، ويمنعون من المصير إليك كذلك غيرهم " صدودا " .
وقال ابن جريج في ذلك بما : - [ ص: 514 ]
9903 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج : وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قال : دعا المسلم المنافق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليحكم ، قال : رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا .
وأما على تأويل قول من جعل الداعي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - اليهودي ، والمدعو إليه المنافق على ما ذكرت من أقوال من قال ذلك في تأويل قوله : ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك فإنه على ما بينت قبل .
ولاشك أن الإنسان مخلوق فطر على العيش الجماعي ، ولا يكتب النجاح للحياة الجامعية إلا إذا كان لها منهجاً وشريعة تضع الحلول للمشكلات التي تواجه الإنسانية لا سيما العصر الحاضر .
والمتتبع للتاريخ البشري يجد الكثير من الشرائع التي حكمت المجتمعات الإنسانية على تعددها وكثرتها تنقسم إلى:
- شرائع سماوية منزلية من عند الله العليم الحليم .
- شرائع وضعية من صنع زبالة الإنسان .
وآخره هذه الشرائع شريعة الإسلام المنزلة على الرسول محمد وهي شريعة من صنع الله الذي أتقن كل شيء و من أحسن من الله حكماَ لقوم يوقنون .
و الفرق بينهما و بين شرائع البشر ،كالفرق بين وضوح ضياء الصباح المشرق والليل الدامس المظلم.(1/3)
إلا أن الضلال و الابتعاد عن نور الله جعل الكثير في هدا الزمان يألفوا الظلام ولا يريدون أن يبصروا النور فأصبح الكثير يعتقد أنه لم يبق من الشريعة الإسلامية إلا صلوات تقام ، وقرآن يتغن به في كثير من المناطق على الأموات فحسب ؟
و لكن نعود فتقول إن شريعتنا الإسلامية كلها محاسن و مزايا ،و هي الوحيدة التي من حقها أن تسود و تحكم الناس
في سلوكهم و معاملاتهم في كل زمان و مكان ، لذا سنتحدث عن هذه الشريعة و خصائصها في ساعتها هذه:
1- تعريف الشريعة :
الشريعة لغة : الموضع الذي ينحدر إلى الماء منه، كما في اللسان. [لسان العرب لابن المنظور مادة (شرع) ].
(الشريعة) إداَ في أصل اللغة : هي مورد الشارية الماء ،ثم استعير لكل طريقة موضوعة بوضع إلهي ثابت و إشتق منه الشزعة في الدين و الشريعة قال تعالى : لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجا [ المائدة 48] وقال سبحانه : ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ] الجاثية 18 [. و قال الشاعر :
و لما رأت أن الشريعة همها و أن البياض من فرائصها دامي
و من الباب : أشرعت الرمح نحوه إشراعاَ.
و الإبل الشروع: التي شرعت و رأيت ،و يقال : أشرعت طريقا ، إذا أنقدته و فتحته ،و شرعت الإبل ، إذا أمكنت من الشريعة أي : من مورد شرب الماء.
والشريعة اصطلاحا: ما شرعه الله لعباده من الدين ، مثل الصوم و الصلاة و الحج ...وغير ذلك ، و إنما سمى شريعة لأنه يقصد ويلجأ إليه كما يلجأ الماء عند العطش ومنه قوله تعالى : ثم جعلناك على شريعةمن الأمر فاتبعها ] الجاثية 18 [، وقوله تعالى: لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجا [ المائدة 48].والشرع والتشريع هو ما يسن من الأحكام . [ أنظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ص 5984 ، طبعة الشعب] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :<< الشريعة هي كل ما شرعه الله من العقائد والأعمال >> إ هـ .(1/4)
و ( الشريعة) و( الشًّرعة) : ما سنًّ الله من الدّين وأمر به، كالصوم ، والصلاة ، والحج ، والزكاة، وسائر أعمال البّر ، ومنه قوله تعالى : ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها [ الجاثية: 18] .
وتفسير قوله تعالى : لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجا [ المائدة 48] روي عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير الآية ، قال : ( الشرعة : ماورد في القرآن ، والمنهاج : ماورد في السنة ) وروي عنه معنى الآية أيضا : قال ( شرعة : ومنهاجا : سبيلاً وسنةً ) .
قال قتادة : شرعة ومنهاجا ، الدّين واحد ، والشريعة مختلفة ، وقيل في تفسيره : ( الشّرعة ) : الدّين ، و
( المنهاج) : الطريق .
وقيل : ( الشرعة ) و ( المنهاج) جميعا : الطريق ، هاهنا : الدّين .
وقال بعضهم : ( شرعةً) معناها : ابتداء الطريق ، و( المنهاج ) : الطريق المستقيم والواضح .
و( شرع) الدّين يشرعه شرعا : سنه، وفي التنزيل العزيز : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا [ الشورى :13] .
قال : إبن الأعرابي : ( شرع) أي أظهر ، وقال في تفسير قوله تعالى : شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله [ الشورى :21] قال : أظهروا لهم .
وقوله عزوجل في قصة أصحاب السبت : إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا [ الأعراف : 163] .قيل في تفسير ها : إنها رافعة رؤوسها ، ومنه قولهم ، رمح شراعيُّ ، أي : طويل .
ونستطيع أن نلخص جميع ما تقدم إلى التعريف الاصطلاحي لتعريف الشريعة كالتالي :
[ الشريعة هي كل ما شرعه الله لعباده من الأحكام الإعتقادية والأخلاقية والعلمية ] . هذا والله أعلم .
2- أهم خصائص شريعتنا الإسلامية :
إن شريعتنا الإسلامية لها سمات عامة تجعلها صالحة لكل زمان ومكان .(1/5)
صالحة لحل مشاكل الحياة العصيبة ، وتنظيم العلاقات بين البشر على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وبيئاتهم وعصورهم تنظيماً يوفر العدالة بينهم ، وهذا ما نفتقر إليه اليوم في عصرنا الحاضر ، يؤمن لهم مصالحهم على أحسن وجه، مما يجعل الحياة سعيدة مادام الجميع محتكمين إليها .
وأهم هذه الخصائص :
أ – الربانية :
إخوة الإيمان بربكم هل توجد على وجه الأرض – اليوم – شريعة يملك أصحابها هذه الميزة ؟
كلا ورب الكعبة لا توجد غير شريعتنا الإسلامية التي أنزلت من عند خالقنا سبحانه وتعالى .. فهي شريعة إلهية ربانية .
والسؤال الذي قد يقفز إلى أذهان كثير من ضعاف الإيمان واليقين والقليل الفهم على شريعة دين ربّ العالمين .
وماذا عن الشرائع الأخرى ؟
والجواب: إن شرائع البشر صناعة إنسانية ، كم يقول << شيشرون الروماني>> << القانون الوضعي من خلق الإنسان >> .
سبحان الله وهل جوز للبشر أن يضع شريعة يحتكم إليها ؟؟؟
كيف ذلك والله خالق البشر وتعهده بشريعة تحكمه وتنظمه وعليه اعتبر الاحتكام إلى شرائع البشر ، دون شريعته سبحانه وتعالى شرك كبير وعظيم قال تعالى : أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدّين ما لم يأذن به الله [ الشورى :21] .
فإن لها في نفسه شئنا عظيماً وهيبةً واحتراما كبير .
وقد تترك هذه القدسية الأثر الكبير في حياة المسلم بحيث تجعله يحرص على تنفيذ أحكام الشريعة بصدق وأخلاق ويحذر كل الحذر من مخالفتها ولو كان في ستر من أعين الناس لا يطلع عليه أحد ، لأنه يعلم أن الله العليم الخبير يطلع عليه ويراه ، ولكن بياناً لذلك أن المسلم تقع منه فاحشة الزنا في لحظة ضعف، فيأتي للحاكم ويعترف بجريمته وهو يعلم أ ن عقوبته الرجم حتى الموت ، ولكن خشية الله ملأت قلبه فدفعته إلى تزكية نفسه بإقامة الحد [ أنظر قصة ماعز والمرأة الغامدية ] .
وبهذا نكون قد عرفنا خاصية الربانية فما هي الخاصية الثانية ؟(1/6)
ومن هنا نستطيع أن نعرف الأمران المتعلقان بخاصية الربانية وهما: ربانية المصدر، وربانية الغاية.
-ربانية المصدر : أي أن شريعة الإسلام مصدرها الوحي ، وهذا أمر جلي ، فشريعة الإسلام لم تأت نتيجة إرادة فرد أو شعب ، وإنما جاءت بإرادة الله تعالى ، وهو الذي وضع أسسها ومبادئها قال تعالى : تبارك الذي نزل على عبده الفرقان على عبده ليكون للعالمين [ الفرقان : 1] .
وربانية المصدر أكسبت الشريعة الإسلامية العصمة من التناقض والتطرف ، والبعد عن التحيز والهوى، وحررت الإنسان من عبوديته لبشر مثله أو مخلوق شبهه .
- ربانية الغاية : أي أن هدف شريعتنا الإسلامية هو الحصول على مرضاة الله تعالى ، ففطرة الإنسان فراغ لا يملأه علم و لا ثقافة ولا فلسفة ، وإنما يملأه الإيمان بالله والتوجه إليه ، قال الله تعالى: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين [ الأنعام : 162] .وربانية الغاية ولّدت في الإنسان احترامه للنظام وسهوله انقياده للأحكام ، مما يشيع الطمأنينة في المجتمع وينشر العدل والمساواة .
ب – الشمولية:
لو أخذنا على سبيل المثال شريعة نابليون التي صدرت قوانينها في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي ، والتي سبح بحمدها المشرعون ، ورجال القانون الذين زعموا أنها فوق مستوى النقد، وأنها شاملة لكل نواحي الحياة . لوجدنا أن هذا القانون لم يمض نصف قرن على وضعه وتحكيمه حتى تبين للعقول أنه قانون قاصر لا يسع الحياة الإنسانية والاجتماعية لذلك غيره .
الشيوعية كان لها ملايين الأتباع ، في كل بلاد الدنيا ، فانسحقت قبل سنوات ، ولعنت على ألسنة معتنقيها .
وهل يعقل كما يتبجح أعداء الإسلام أن القصور موجود في دين الإسلام ؟؟؟(1/7)
أعذ بالله العلي العظيم كبرت كلمة تخرج من أفواههم [ الكهف : ] ، إن الشريعة الإسلامية نزلت من عند الله تسع حياة الإنسان من كل أطرافها ، وحياة المجتمع بكل أبعاده ، فهي شريعة شاملة لكل مناحي الحياة فلقد عنيت بأمور الدنيا عنايتها بأمور الآخرة .
ومن هنا نحقق كون شريعتنا من عند الله سبحانه وتعالى فيتضح هذا لنا من أنها قائمة على أساس العقيدة – أي أنها الشريعة – ممتزجة بالعقيدة فيتحقق الجزء الأول من قولها أن الإسلام عقيدة وشريعة .دين ودولة .
ومن هذه القاعدة تصبح حياة الفرد المسلم وحدة مترابطة منسجمة لا تعارض فيها ، فعقيدة المسلم تحكم باطنه وشريعة الإسلام تحكم ظاهره .
ولاشك من أن هذا المسلم سينعم بحياة مطمئنة مستقرة مادامت تحكمه شريعة كان أساس مصدرها الوحي الالهي ، فلما كان الأمر كذلك ترتبت عليها هذه الخاصية وهي خاصية العصمة .
عصمة شريعتنا الإسلامية : أي أن شريعتنا كاملة وخالية من كل النقائص اليوم أكملت لكم دينكم كيف لاتكون معصومة كاملة وهي من عند الله الذي لا ينسى ولا يسهى ..
و كيف لا تكون كاملة ومعصومة وقد تكفل الله بحفظها وحفظ دستورها فقال تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له حافظون [الحجر:9] وقال تعال : ألر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير [هود:1].
وهذه العصمة مستمرة باقية ما بقيت الأرض والسماء .
*قدّسية شريعتنا الإسلامية : والسؤال الذي يفرض طرح نفسه وهو من أين اكتسبت الشريعة الإسلامية هذه القديسة ؟.
والجواب: مادام الإنسان يعتقد أن هذه الشريعة من عند إلهه ومعبوده .
فما هي الأدلة على سعة الشريعة الإسلامية ؟.
والجواب:من الأدلة على سعة الشريعة وشمولها ،أنها بداية اعتنت بإصلاح روح العبد وعقله ،وقوله وعمله بل وسلوكه كلّه ،وعنايتها بالفرد ثم الأسرة ثم المجتمع .(1/8)
وأنها وضعت نظاماًً اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا .أنها رسمت الأركان التي تقوم عليها الدولة الإسلامية وحددت معاملها .ونظمت العلاقة الكاملة بين الراعي والمرعي الحاكم والمحكوم ، وعلاقة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم في حالتي السلم والحرب .
وقد يسأل مجرم علمانياً ولما لا ترقى الشرائع الوضعية لتحقيق ذلك ؟
وجوابه لا يمكن للشرائع الوضعية –الأرضية – أن تطلع إلى هذا الأفق السامي فهي محكومة بعالم الدنيا ، الذي تستطيع أن تصلحه .
وخلاصة كلامنا أن شريعة الإسلام تصل الدنيا بالآخرة ، وترسم لأفرادها طريق السعادة الأبدية .
ج- العموم:
أحبتي في الله إن البشر على اختلاف أجناسهم وألوانهم وأزمنتهم وأمكنتهم تجمعهم خصائص واحدة ، لذلك جعل الله لجميع البشر شريعة واحدة ، يحتكمون ّإليها ورغم اختلاف أشكالهم وعاداتهم وأعرافهم ومصداق ذلك قوله تعالى تعالى : قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا [ الأعراف:158] وقوله تعالى : وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا [ سبأ : 28 ] وقوله تعالى : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [ الأنبياء : 107] إن خاصية عموم الشريعة الاسلام تشمل كل العصور والأزمنة من يوم مبعثه عليه الصلاة والسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، فهي خالدة لا يلحقها تبديل ولا تغيير قال تعالى : لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم [ يونس :64] وقال أيضا : والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب [ الرعد: 4] .
فهي إذا تتماشى مع الواقع البشري المتغير عبر الأزمنة والأمكنة ومسايرة لواقعهم فهي مرنة وذلك ما نجده في خاصية .
و- الواقعية:
ونعني بهذه الخاصية أن الشريعة الإسلامية مسايرة للظروف والواقع البشري مهما تطورت الحياة الإنسانية ، فأحكام الشرع لاتتعارض ولا تصطدم بمصالح الناس ولا بواقعهم السليم.(1/9)
من هذا المنطلق جاء العجب إذ كيف لا تتعارض شريعة الإسلام التي أسست منذ أربعة عشر قرن مع تطورات القرن العشرين ؟ ويقال إذا عرف السبب زال العجب إذ أن شريعتنا الغراء لا تتعارض مع الواقع البشري المغري، لأنَّ أحكامها تخاطب فطرة الإنسان التي لا تتبدل ولا تتحور ولا ينالها التغيير ، فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبذيل لخلق الله ذلك الدين القيم [ الروم :30].
والفطرة وصف كشترك بين سائر البشر مهما اختلف زمانهم مكانهم، فهي صالحة لكل زمان ومكان.
ج- الديمومة:
إن الشريعة الإسلامية حكمت الأمة الإسلامية في كل القرون الماضية وهي باقية ودائمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها دون تبذيل أو تغيير .
وأما الشرائع الوضعية – البشرية – فلا يكاد يجف مداد الحبر الذي وضعت به القوانين حتى يبدأ من جديد التفكير في تعديل تلك القوانين وتغييرها فهي متغيرة غير ثابتة.
والسر في دوام شريعة الاسلام يعود إلى :
* إرادة الله وقدره، فقد ضمن حفظ وإستمرار الشريعة، إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون .
* كمال الشريعة وخلوها من النقائص .
* ترك الأحكام الفرعية إلى اجتهاد العقل البشري .
* وضع القواعد العامة التي تتلاءم مع كل الظروف والأحوال .
خ- الوسطية:(1/10)
وسطية الشريعة معناها أنها لا إفراط فيها ولا تفريط ، وازنت بين الروح والجسد، لأن الإنسان نفخة من روح وقبضة من تراب ، فكماله رغبات جسدية، له أشواق روحية ن فشرعت له ما يلي له التطلعات الروحية، من عبادات وأذكار ، حتى تملأ له الفراغ الروحي، وتشعره بالأنس والطمأنينة ، قال تعالى وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان [ البقرة: من الآية 186] . وقال تعالى يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون [ البقرة: 183] . كما شرعت له ما يلبي له رغباته الجسدية ، فأباحت التملك بالبيع والشراء ونحوه، قالى تعالى : وأحل الله البيع وحرم الربا [ البقرة : 275] . كما شرعت له الزواج ، فقال تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع [ النساء:3] .إلى غير ذلك من الأحكام .
- اليسر ورفع الحرج :
تيسير شريعتنا لعلنا إن استطعنا أن نستجمعه في أمرين هما :(1/11)
- اليسر الأصلي : وهو اليسر في ما شرع من الأحكام من أصله ميسرا لاعنت فيه ، فالتيسير الأصلي صفة عامة للشريعة في أحكامها الأصلية التي تلزم المكلفين، والشارع الحكيم لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه، ويستدل لذلك بالنصوص الكثيرة التي تبين ذلك صراحة، كقوله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [ اليقرة : 286]. وكقوله تعالى : لا نكلف نفسا إلا وسعها [ الأنعام : 152] . ومن اليسر الأصلي إعفاء الصغير والمجنون من سريان الأحكام التكلفية عليهما ، ومنها ما علم في مواضع كثيرة من السنة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتفادى ما يكون سببا لتكاليف قد تشق على المسلمين ، وكان يتجنب أن يضع شيئا يكون فيه مشقة على أصحابه إذا اقتدوا فيه ، فمن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يحث أصحابه على ترك السؤال لئلا تفرض عليهم فرائض بسب سؤالهم .فقد سأله رجل عن الحج؟؟ أفي كل عام هو ؟ فقال : (( لو قلت نعم لوجبت ، ولما استطعتم ، دروني ما تركتكم)) .[ رواه البخاري] .
وقال بحر الرحمة صلى الله عليه وسلم : (( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة )) [ راوه مسلم] .
وفي رواية (( مع كل وضوء)) . والله أعلم .
* إجماع العلماء على أن الشرائع السماوية السابقة متفقة على أمرين وهما:
1- الأمور الاعتقادية : من حيث الإقرار بوجود إله خالق رازق محيي مميت موجد لهذا العالم، وواضع لنضمه ونواميسه ، ومرسل رسله وما يحملون من الشرائع .
ودعوة الرسل جميعاًَ واحدة فكل نبي جاء ليحقق حياة التوحيد والإذعان لله عزوجل ، والكل يدعو قومه بدعوة معروفة لدى المؤمنين : يقوم اعبدوا الله [ المؤمنون : 23] .
2- الدعوة إلى الأحكام الأخلاقية : مثل خلق لوفاء بالعهود والعقود، والإخلاص مع الصدق في جميع الأقوال والأفعال ، ومثل أداء الأمانات ...وغير ذلك مما تدعوا إليه هذه الشرائع .
تنبيه:(1/12)
جميع الشرائع السماوية تفق على هذين الأمرين، لكنها تختلف من حيث الأحكام العملية كالعبادات والمعاملات ، وكالأقضية والشهادات ، ونظم المواريث إلى غير ذلك كالجنايات أيضا، لأن لكل شريعة أحكامها الخاصة بها .
* أهداف شريعتنا الغراء:
من أهداف شريعتنا وقانون ديننا وهي مقاصد في الحقيقة :
1- حفظ الضرورات الخمس: وهي حفظ الدين ، حفظ النفس ، حفظ العقل ، حفظ النسل أو النسب ، حفظ المال مع مراعاتها رفع الحرج والمشقة في مجال الحاجيات ، كشريعة القرض ، والمساقات ، والسلم ونحو ذلك من التصرفات التي تشتد الحاجة إليها .
مع الأخذ بما يليق في جانبه التحسينات كالطاهرات ، وستر العورات ، وأخذ أنواع الزينة، وآداب الأكل ، وهكذا جاءت شريعة كاملة وافية بكل حاجات البشر في كل زمان ومكان .[ انظر تاريخ التشريع الإسلامي (ص2-22) بتصرف ، والموافقات للشاطبي (2/8-10) بتصرف].
خلاصة بحثنا :
الشريعة هي الطريقة الظاهرة التي يتوصل بها إلى النجاة ، والشريعة في اصطلاح علماء الأصول هي : ماسنه الله من أحكام إعتقادية وأخلاقية وعملية .
وتميزت الشريعة الإسلامية عن باقي الشرائع الوضعية بالخصائص التالية :
1- الربانية : أي أن شرائع الشريعة الإسلامية مصدرها الوحي فهي إلهية ، ربانية ويترتب عن هذه الخاصية أمران:
* عصمة الشريعة الإسلامية .
* قدسية الشريعة الإسلامية .
2- الشمولية : أي أن الشريعة وسعت حياة الإنسان كلها بحيث تعايشه جنينا ، وطفلاً، وشاباً، وشيخاً، ثم تكرسه ميتاً، وتنظم انتقال تركته إلى من بعده.
3- العمو م: أي أنها شريعة عالمية زماناً ومكاناً .
4- الواقعية : الشريعة مسايرة للواقع البشري دون أي تعارض مع مصالح وحاجات العباد.
5- الديمومة : بمعنى أن الشريعة الإسلامية باقية إلى يوم الدّين وهي غير قابلة للتغيير أو التحويل مهما كانت الظروف والأحوال .
كتبه:
أحمد أبووائل أكرم عمير
حي مرماد – ولاية غارداية(1/13)