عن سعيد مرسلاً كما روى البزار عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) نهى عن بيع الملاقيح والمضامين (والملامسة) فقد روى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) نهى عن بيع الملامسة والمنابذة، وعن أبي سعيد أنه نهى عن بيعتين المنابذة والملامسة (بأن يلمس ثوباً مطوياً) أو في ظلمة (ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه) اكتفاءً بلمسه عن رؤيته (أو يقول إذا لَمَستَهُ فقد بعتكه) اكتفاءً باللمس عن الصيغة، أو على أنه متى لمسه فقد انقطع خيار المجلس وخيار الشرط (والمنابذة بأن يجعل النبذ بيعاً) اكتفاءً به عن الصيغة وعلى أن إذا رماه إليه بالثمن المتفق عليه لزم البيع وانقطع الخيار، والبطلان فيهما لعدم الرؤية وللشرط الفاسد (وبيع الحصاة بأن يقول بعتُكَ من هذه الأثواب ما تقع هذه الحصاة عليه أو يجعلا الرمي بيعاً) اكتفاءً به عن الصيغة، أو يقول بعتك من هذه الأرض إلى ما انتهت إليه هذه الحصاة فإذا رماها أحدهما فالمبيع من مكان وقوفهما إلى موضع سقوطها فقد روى الإمام مسلم من طريق حفص بن عاصم أن النبي (ص) نهى عن بيع الحصاة (أو بعتك ولك الخيار بلا رميها) أي أن يكون زمن الخيار إلى رمي الحصاة من أحدنا والبطلان في ذلك للجهل بالمبيع أو بزمن الخيار أو لعدم الصيغة (وعن بيعتين في بيعة) فقد روى الترمذي عن أبي سلمة من حديث محمد بن عمرو أنه (ص) نهى عن بيعتين في بيعة و روى أحمد والبزار وغيرهما عن ابن عمر: "مطل الغني ظلم وإذا أُحلت على ملئ فاتبعه ولا بيعتين في واحدة" وفي لفظ البزار: نهى عن بيعتين في بيعة (بأن يقول بعتك بألف نقداً وبألفين إلى سنة) فخذ بأيهما شئتَ أو شئتُ أنا (او بعتك هذا العبدَ بألف على أن تبيعني دارك بكذا) أو تشتري مني داري بكذا والبطلان للجهل بالعوض في الأول وللشرط الفاسد في الثاني (وعن بيع وشرط كبيع بشرط بيع أو قرض) فقد روى أصحاب السنن إلا ابنَ ماجة والحاكمُ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي (ص) قال: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع" وفي رواية نهى عن بيع وشرط، كأن يقول أبيعك عبدي بألف بشرط أن تقرضني خمسمائة (ولو اشترى زرعاً بشرط أن يحصده البائع أو ثوباً ويخيطه فالأصح بطلانه) أي بطلان الشراء لاشتماله على شرط، ولتضمنه الزامه بالعمل فيما لم يملكه بعد والثاني يصح ويلزم الشرط وهو في المعنى بيع وإجارة يوزيع المسمّى عليهما باعتبار القيمة (ويستثنى) من النهي عن بيع وشرط (صور) يصح البيع مع الشرط (كالبيع بشرط الخيار أو البراءة من العيب أو بشرط قطع الثمر) فالبيع صحيح (والأجل) في غير الربوي. قال تعالى: [يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمّى] البقرة:282 أي إلى أجل معين (والرهن والكفيل) للحاجة إليه في معاملة من لا يعرف حاله وشرطه العلم به بالمشاهدة والرهن وشرطه أن يكون معلوماً إما بالمشاهدة كما ذكرنا أو الوصف بصفات السلم وأما الكفيل فلا يشترط معرفة حاله لأن ذلك لمصلحة العاقد فعليه أن يتعرف حاله فإذا عدم ذلك فلتقصيره فيتحمل تبعاته (والإشهاد) للأمر به قال تعالى: [واشهدوا إذا تبايعتم] البقرة:282 (ولا يشترط تعيين الشهود في الأصح) لأن المطلوب إثبات الحق وهو يثبت بأي عدول وقيل يشترط لتفاوت الأغراض فيهما كالوجاهة والملاءة والقوة وغير ذلك (فإن لم يرهن) المشتري أو جاء يرهن غير المعين أو لم يشهد (أو لم يتكفل المعين) بأن مات قبل الضمان أو ظهر أنه معسر (فللبائع الخيار) لفوات ما شرَطَهُ لضمان حقه ومثله إذا عين شاهدين فامتنعا من التحمل ثبت له الخيار أيضاً إن قلنا باشراط تعين الشهود (ولو باع عبداً بشرط اعتاقه فالمشهور صحة البيع والشرط) لتشوف الشارع إلى العتق وعلى أن للمشتري مصلحة في عتقه بالولاء في الدنيا والثواب في الآخرة وللبائع ثواب بالتسبب بالعتق (والأصح أن للبائع مطالبة المشتري بالإعتاق) بناءً على أن الحق له فإن لم يعتق فللبائع الفسخ وإن قلنا إن الحق في العتق لله تعالى كالملتزم بالنذر ففي هذه الحالة فليس للبائع المطالبة بالإعتاق لأنه لا ولاية له في حق الله تعالى.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/210)
(وإنه لو شرط مع العتق الولاء له) أي للبائع لم يصح البيع لمخالفة الشرط لما استقر عليه الشرع من أن الولاء لمن اعتق لما روى الشيخان عن عائشة في حديث بريرة "خذيها واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن اعتق" أي لا معنى للشرط (أو شرط تدبيره أو كتابته أو اعتاقه بعد شهر) مثلاً (لم يصح البيع) لأنه بيع وشرط ولم يظهر في التدبير أو الكتابة أو العتق ما تشوف إليه الشارع من العتق المنجز.
(ولو شرط مقتضى العقد كالقبض والرد بعيب) لم يضر الشرط فهو تصريح بما أوجبه الشارع (أو ما لا غرض فيه كشرط أن لا يأكل إلا كذا) أو لا يلبس إلا كذا (صح) البيع ولغا الشرط لخبر الشيخين في حديث عائشة قالت: ثم قام رسول الله (ص) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاءُ الله أحقُ وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق".
(ولو شرط وصفاً يُقْصَدُ ككون العبد كاتباً أو الدابة حاملاً أو لبوناً صح) الشرط مع العقد لأنه شرط يتعلق بمصلحة العقد وهو العلم بصفات المبيع التي تختلف بها الأغراض ولأنه التزم موجوداً عند العقد ولا يتوقف التزامه على إنشاء أمر مستقبل فلابد يدخل في النهي عن بيع وشرط وإنما سمي شرطاً تجوزاً فإن الشرط لا يكون إلا مستقبلاً ويكفي في الصفة المشروطة ما يطلق عليه الاسم (وله الخيار إن أخلف) أي للمشتري الخيار على الفور إن أخلف الشرط الذي شرطه (وفي قول يبطل العقد في الدابة) إن شرط فيها ما ذكر لأنه مجهول أما اختبار الكتابة ممكن معرفته قبل الشراء وكذلك حسن الخط وإجادة الصنعة وغير ذلك.
(ولو قال بعتُكَهَا وحملها) أو مع حملها (بطل في الأصح) لأن ما لا يصح بيعه وحده وهو هنا الحمل لا يصح مقصوداً مع غيره ومثله قوله بعتكها ولبنها لجعل اللبن المجهول مبيعاً مع المعلوم بخلاف بيعها بشرط الحمل أو حلوباً لكون الحمل والحلب وصفاً للمبيع (ولا يصح بيع الحمل وحده) لبطلان بيع الملاقيح فهو غير معلوم ولا مقدور عليه (ولا الحامل دونه) لتعذر استثنائه لأنه كالعضو من أمه (ولا الحامل بحر) لأن الحر لا يباع فهو مستثنى شرعاً والاستثناء الشرعي كالاستثناء الحسي أي في وجه تباع الحامل ويكون الحر مستثنى (ولو باع حاملاً مطلقاً) من غير ذكر حمل معها ولا نفيه (دخل الحمل في البيع) تبعاً لها.
فصل في المنهيات التي لا يقتضي النهي فسادها
(ومن المنهي عنه ما لا يبطل) أي لا يبطل النهيُ عنه البيعَ بخلافه فيما تقدم حيث يَبْطَلُ البيعُ لرجوعه أي لرجوع النهي (إلى معنى يقترن به) أي ليس النهي عن البيع بل لأمر آخر كالتضييق والإيذاء والتغرير (كبيع حاضر لباد بأن يقدم غريب بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه فيقول بلديٌ اتركه عندي لأبيعه على التدريج بأغلى) من بيعه حالاً وذلك لأخبار منها:
- روى مسلم عن جابر أن النبي (ص) قال: " دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض.
- وروى الشيخان عن أبي هريرة "لا يبيع حاضرٌ لباد".
- ومثله عند مسلم عن أبي الزبير "لا يبيع حاضر لباد".
- وروى الشيخان عن ابن عباس "نهى رسول الله (ص) أن تُتَلقى الركبان وأن يبيع حاضر لبادٍ"
فبيع الحاضر للباد يؤدي غالباً إلى التضييق على الناس خاصة إذا كان المتاع مما تعمُ الحاجة إليه كالأطعمة وأما إذا كان المتاع مما لا تعم الحاجة إليه فلا يدخل في النهي وكذلك إذا جاء البائع ليبيع بسعر اليوم فإن هذا يضييق على الناس أما إذا جاء ليبيع على التدريج أو ليضعه أصلاً عند من يبيعه له على التدريج فلا بأس بالبيع إن طلب البلديُ تفويضَ البيع على التدريج إليه والنهي للتحريم ويصحُ البيعُ لتكامل شروطه وأركانه ويأثمُ البلديُ دون البدويُ.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/211)
(وتلقى الركبان بأن يتلقى طائفةً يحملون متاعاً إلى البلد فيشتريه قبل قدومهم ومعرفتهم بالسعر ولهم الخيار إذا عرفوا الغبن) فقد روى الشيخان: عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "لا تتلقوا الركبان للبيع" وزاد مسلم فمن تلقاها فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يَقْدُمَ السوقَ والعلة في المنع مقصود فيه مصلحة الجالب فلو هبط السوق وتبين له أنه قد غُبِنَ في السعر ولو غَبْناً يسيراً فهو بالخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أمضاه وليس له الفسخ إلا إذا تبين أنه مغبون ولو كان البيع باطلاً لما جعل النبي (ص) الخيار فيه لأن الخيار لا يكون إلا في بيع صحيح. وحيث ثبت لهم الخيار فهو على الفور أما تلقى الركبان لبيعهم ما يقصدون شراءه من البلد فلا شيء فيه إذا كان برغبتهم وطلبهم لتحقق شروطه ولعدم المانع الشرعي.
(والسوم على سوم أخيه) فقد روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي قال: "لا يسوم الرجل على سوم أخيه" وروى الشيخان عن ابن عمر "لا يبع بعضكم على بيع بعض" وهو خبر بمعنى النهي فيأثم فاعله إذا ان عالماً به (وإنما يحرم ذلك بعد استقرار الثمن) بأن يصرحا بالتوافق على ثمن معين فيأتي ثالث فيقول لمن أخذ شيئاً ليشتريه ردّهُ حتى أبيعك خيراً منه بهذا الثمن أو مثله أو خيراً منه بأقل أو يقول لمالكه استرده لاشترَيهُ منك بأكثر مما بعت فلو باع أو اشترى صح البيع لأن التراضي صريح أما إذا لم يصرحا بالبيع أو سكت أحدهما أو كلاهما فإن السوم لا يحرم وأكثر المبيع إنما يكون بالمساومة. فقد روى أحمد وأبو داود عن أنس أنه (ص) نادى على قدح وَحلْس لبعض أصحابه فقال رجل هما عليَّ بدرهم ثم قال الآخر عليَّ بدرهمين ورواه النسائي والترمذي وقال حسن (والبيع على بيع غيره قبل لزومه) لبقاء خيار مجلس أو شرط أو اطلاع على عيب في وقت يصعب الردُّ فيه كليل أو قيلولة أو شدة حرٍّ أو شدة برد (بأن يأمر المشتري بالفسخ ليبيعه مثله) أي مثل المبيع بأقل من ثمنه (والشراء على الشراء) قبل لزومه (بأن يأمر البائع بالفسخ ليشتريه) بأكثر مما باعه. فقد روى الشيخان عن ابن عمر "لا يبيع بعضكم على بيع بعض" وزاد النسائي حتى يبتاع أو يذر. وروى مسلم عن عقبة بن عامر "المؤمن أخو المؤمن فلا يحل لمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه حتى يذر ولا يخطب على خطبته حتى يذر". والمعنى في تحريم ذلك الإيذاء أما لو أذن البائع في البيع على بيعه عن رضا لا لنحو ضجر وضيق فقد ارتفع التحريم ولو باع أو اشترى دون إذن صح البيع والشراء لوجود شروط البيع كاملة.
(والنجش بان يزيد في الثمن لا لرغبة بل ليخدع غيره) فيشتريها أي غيره وهو محرم ولو كان المال ليتيم أو فقير أو محتاج لعموم النهي فقد روى الشيخان عن ابن عمر أن النبي (ص) نهى عن النجش.
(والأصح أنه لا خيار) للمشتري لتفريطه بعد تأمله للسلعة ولعدم سؤال أهل الخبرة والاستعانة بهم والثاني له الخيار أن ثبت أن النجش كان بمواطأة من البائع لأنه في هذه الحالة مدلس كحكم التصرية أما إذا لم يثبت فلا خيار جزماً.
(وبيع الرُطب والعنب لعاصر الخمر) أي لمن يظن منه عصره خمراً أو مسكراً فإن توهم اتخاذه إياهما من المبيع فالبيع مكروه أو تحقق فحرام فقد روى البخاري عن ابن عباس قال: "بلغ عمر أن فلاناً باع خمراً فقال: قاتل الله فلاناً ألم يعلم أن رسول الله (ص) قال: قاتل الله اليهود حُرمت عليهم الشحوم فجملوها [أذابوها] فباعوها".
وفي رواية مسلم: أن سمرة بن جندب باع خمراً فقال عمر: قاتل الله سمرة" قيل أخذها جزية فباعها وقد علم تحريمها ولم يعلم تحريم بيعها وقال الخطابي: يجوز أن يكون باع العصير ممن يتخذه خمراً والعصير يسمى خمراً كما أن العنب قد يسمى خمراً لأنه يؤول إليه كما أن الطبراني روى في الأوسط عن بُرَيدة مرفوعاً "من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يتخذه خمراً فقد تقحم النار على بصيرة" وقد لعن رسول الله (ص) في الخمر عشرة منهم عاصرها ومعتصرها قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن بيع الخمر غير جائز ومن المنهي عنه احتكار القوت بأن يشتريه وقت الغلاء والعبرة في الغلاء العرف ليبيعه بأكثر من ثمنه للتضيق حينئذ فقد روى أحمد والحاكم وأبن أبي شيبة من حديث أبن عمر "من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه" وزاد الحاكم "وإيما أهل
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/212)
عرصة أصبح منهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله".
وروى ابن ماجة من حديث عمر بن الخطاب "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون".
وروى مسلم من حديث معمر بن عبد الله بن نضلة العدوي "لا يحتكر إلا خاطئ".
(ويحرم التفريق بين الأم وولدها) أي بين الرقيقة وولدها الرقيق في البيع أو الهبة أو الميراث (حتى يميز) لسبع سنين أو ثمانٍ (وفي قول حتى يبلغ) فقد روى الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن أبي أيوب "من فرق والدةً وولدَهَا فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة".
وروى أبو داود والترمذي والبيهقي عن علي "أنه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبي (ص) ورد البيع ولا يحرم التفريق بالعتق والوصية فلعل الموت لا يحدث إلا بعد سن التمييز ولو كانت الأم رقيقة والولد حراً أو العكس فلا منع من بيع الرقيق منهما وإذا كان فيه نقص في التمييز فلا يباع حتى يبلغ ويحرم التفريق في السفر بين زوجة حرة وولدها غير المميز لا المطلقة (وإذا فرق ببيع أو هبة بطلا في الأظهر) لعدم القدرة على التسليم شرعاً أما قبل سقية اللبأ فيبطل جزماً وقيل يجوز إذا كان المشتري ممن يعتق عليه المُشْتَرى فالظاهر عدم الحرمة لتحصيل مصلحة الحرية فهي صفة كمال.
(ولا يصح بيع العُرْبون بأن يشتري ويعطيه دراهم لتكون من الثمن إن رضي السلعة وإلا فهبةً) لما روى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أنه (ص) نهى عن بيع العُربان لأن فيه شرطين فاسدين أحدهما شرط الهبة والثاني شرط الرد على تقدير أن لا يرضى بالشراء وقيل إن التفريق بين الأم والولد وبيع العربون كان ينبغي أن يذكر في فصل البيوع الباطلة قال الرملي جواباً على ذلك بأنه لما كان مُخْتَلَفاً بالبطلان في التفريق ولم يثبت في العربون نهي صحيح كان نوعاً ثالثاً فأخر عن النوعين قبلهما لذلك. أ. هـ تتمة: البيع تعتريه الأحكام الخمسة فيجب كما في بيع القاضي مال المفلس والمحجور عليه وفي حالة الاضطرار كبيع الولي مال اليتيم إذا تعين بيعه، ويندب في نحو زمن الغلاء وفي المحاباة للعالم بها ويكره في نحو بيع مصحف ودور مكة وفي سوق اختلط فيه الحرام بغيره وممن أكثر ماله حرام، ويحرم في بيع نحو العنب لعاصر الخمر وبيع السلاح للحربي، ومما يجب بيعه ما زاد على قوته سنة إذا احتاج الناس إليه، ولا يكره إمساكه سنين مع عدم الحاجة إليه، ومما يحرم التسعير على الحاكم ولو في غير المطعومات لكن للحاكم ان يعزر من خالف أمره إذا بلغه لشق عصا الطاعة، ومن المحرم بيع العينة وذلك بأن يبيعه عيناً بثمن كثير مؤجل ويسلمها إليه ثم يشتريها منه بنقد يسير ليبقى الكثير في ذمته، وغالب البيوع من المباح.
فصل في تفريق الصفقة وتعددها
(باع خلاً وخمراً أو عبده وحراً أو عبد غيره أو مشتركاً بغير إذن الآخر) ومثله شاة وخنزيراً (صح في ملكه في الأظهر) وبطل في الآخر وإعطاء لكل منهما حكمه، والثاني يبطل في الجميع تغليباً للحرام على الحلال، أما إذا أذن الشريك في البيع فقد صح جزماً وأما إذا أذن مالك العبد بالبيع فإنه لا يصح بيع العبدين للجهل بما يخص كل منهما وقيل يصح على أن يوزع الثمن على قدر قيمتيهما (فيتخير المشتري إن جهل) بناءً على قولنا بالصحة وجهل أن بعض المبيع خمراً فيتخير بين الفسخ والأجازة لتبعيض الصفقة عليه أما إذا علم فلا خيار له لتقصيره وعليه في حال علمه كامل الثمن (فإن أجاز فبحصته من المسمى باعتبار قيمتهما) لعدم علمه وذلك بأن يقدر الخمر خلاً والحر رقيقاً فإذا كانت قيمتهما ثلاثمائة والمسمى مئة وخمسين وقيمة المملوك مئة فحصته من المسمى خمسون (وفي قول بجميعه) لأنه بإجازته رضي بجميع الثمن في مقابله المملوك فكان الآخر كالمعدوم (ولا خيار للبائع) لأنه المفرط حيث باع مالاً يملكه وطمع فيما لا يستحقه (ولو باع عبديه فتلف أحدهما قبل قبضه) فينفسخ العقد في التالف وتستمر صحته في الباقي بقسطه من المسمى إذا وزع على قيمته وقيمة التالف (لم ينفسخ في الآخر على المذهب) وإن لم يقبض الثمن مع جهالة ثمن التالف لأنهما طارئة فلا تضر كما لا يضر سقوط بعض الثمن لأرش العيب بل يتخير المشتري فوراً بين فسخ العقد والإجازة لتبعيض الصفقة عليه (فإن أجاز فبالحصة قطعاً) وقيل بجميع الثمن وهو مردود لأن الثمن غير منظور إليه أصالة فاغتفر تفريقه دواماً لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء خلافاً
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/213)
للمُثْمَنِ فإنه المقصود بالعقد فأثر تفريقه دواماً (ولو جمع) العقد (في صفقة مختلفي الحكم كإجارة وبيع أو) إجارة و (سلعة) كبعتك هذه وآجرتك هذه سفرة بألف أو آجرتك هذه وبعتك كذا في ذمتي سلماً بألف دينار مثلاً (صح في الأظهر ويوزيع المسمى على قيمتهما) كل منهما بقسطه بالمسمى أي قيمة المؤجر من حيث الأجرة وقيمة المبيع أو المسلم فيه من حيث القيمة وقيل يبطلان لأنه قد يَعْرِضُ فسخ لأحدهما مما يقتضي التوزيع لأنهما دخلا تحت عقد واحد وقد جهلنا ما يخص كلاً منهما أو بيع ونكاح كقوله بعتك داري وزوجتك ابنتي (صح النكاح) لأن النكاح لا يفسد بفساد الصداق (وفي البيع والصداق القولان) السابقان وأظهرهما الصحة في البيع والصداق ويوزع المسمى على قيمة المبيع ومهر المثل (وتتعدد الصفقة بتفصيل الثمن كبعتك ذا بكذا وذا بكذا) فيقبل فيهما وله ردُّ نصيب أحدهما بالعيب (وبتعدد البائع) كقولهم حالة كون المبيع مشترك بينهما بعناك هذا بكذا فيقبل منهما وله ردُّ نصيب أحدهما بالبيع (وكذا بتعدد المشتري) به نحو بعتكما هذا بكذا فيقبلان (في الأظهر) قياساً على البائع، فلو وفى أحد المشترين نصيبه من الثمن فيجب على قولنا بالصحة على البائع أن يسلمه قسطه من المبيع وقيل لا حتى يوفي الآخر نصيبه كما لو اتحد المشتري لثبوت حق الحبس (ولو وكلاه أو وكلهما) في البيع أو الشراء (فالأصح اعتبار الوكيل) في اتحاد الصفقة وتعددها لأنه العاقد وأحكام العقد من خيار وغيره تتعلق به سواء في ذلك اتحاد الصفقة أو تعددها.
? باب الخيار ?
والخيار هو طلب خير الأمرين من إمضاء العقد أو فسخه، والأصل في البيع اللزوم لأن القصد من البيع نقل الملك وحَلَّ التصرف مع الأمن من نقض صاحبه له وهما فرعا اللزوم ولأن الشارع الحكيم أثبت فيه الخيار رفقاً بالمتعاقدين إما لدفع الضرر وهو خيار النقص وإما للتروي وهو ما يسمَّى خيار التشهي وهو الرغبة الخالصة من غير توقف على فوات أمر في المبيع وله سببان المجلس والشرط.
يثبت خيار المجلس في أنواع البيع كالصرفوهو بيع النقد بالنقد والطعام بالطعام والتوليةأي بيع الشيء بثمنه السابق والتشريك أي المشاركةوصلح المفاوضة على عين فقط بخلاف صلح الحطيطة فإنه على الدين إبراء وعلى العين هبة ولا خيار فيهما.
روى الشيخان عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار. قال ابن المبارك هو أثبت من الجبال.
وفي رواية لهما عن ابن عمر: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما للآخر اختر. قال نافع وكان ابن عمر إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق صاحبه.
وروى البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما مُحِقَتْ بركة بيعهما.
وروى البخاري عن ابن عمر قال: بعتُ من أمير المؤمنين عثمان بن عفان مالاً بالوادي بمالٍ له بخيبر فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادَّ في البيع. وفي رواية أيوب بن سويد فطفقت أنكص على عقبي القهقرى.
فإذا اشترى من يعتق عليه من أصوله أو فروعه فإن قلنا الملك في زمن الخيار للبائعوهو القول الضعيف أو المرجوع أو موقوف وهو الأصح فلهما الخيار جميعاً على الأصل في الخيار وإن قلنا للمشتري. على الضعيف تخير البائع دونه أي دون المشتري ولا ضرر على البائع هنا إذ لا يتمكن المشتري من إزالة الملك ولا يحكم بعتق الرقيق حتى يلزم العقد فيبيِّنُ أنه عتقَ من حين الشراء وأصح الأقوال الثلاثة القول الثاني أي أن يكون الخيار لهما ولا يعتق بحال إلا عند لزوم العقد.
ولا خيار في الإبراء والنكاح والهبة بلا ثواب لأنها ليست بيوعاً والحديث ورد في البيع ولا خيار أيضاً في الوقف والعتق والطلاق لأنها ليست بيوعاً أيضاً. وكذا الهبة ذات الثواب في الأصح ولكن المعتمد خلاف هذا فهي بيع ثبت الخيار فيه.
وكذا الشفعة لا يثبت فيها الخيار لأن الخيار يثبت فيما ملك بالاختيار فلا معنى فيما أُخذ بالقهر ولكن قول الأكثرين أنه معاوضة تلحق بالمبيع كما أنه يثبت فيه الردُّ بالعيب.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/214)
والإجارة لا يثبت فيها الخيار لأنها عقد غرر والخيار غرر ولا يضم غرر إلى غرر ومقابله يثبت فيها الخيار لأنها عقد معاوضة سواء كانت إجارة عين كدار مثلاً أو إجارة ذمة كإيصال رسالة أو مال إلى مكان معين أو بناء دار أو حفر بئر ... الخ.
والمساقاة لا يثبت فيها الخيار ويقال فيها ما قيل في إجارة الذمة.
والصداق لا خيار فيه في الأصح ووجه من قال أنه لا يثبت فيها الخيار أن المال تبع في النكاح لا استقلال ومقابله أن العوض مستقل ومثله الخلع وقال في الأصح في هذه الخمسة لأن فيها وجهين خيار ولا خيار.
وينقطع الخيار بالتخاير بأن يختارا لزومه أي يختار لزوم العقد بصيغة تدل على القبول كقولهم اخترنا أو أمضينا أو قبلنا لأن الخيار حقٌ لهما فيسقط بإسقاطهما فلو اختار أحدهما لزومه أي لزوم العقد وإمضاءه سقط حقه من الخيار وبقي الخيار للآخر.
وإذا قال أحدهما للآخر اختر فقد سقط حقه أي القائل من الخيار لتضمن قوله الرضا وبقي حق الآخر في الخيار لحديث ابن عمر السابق (أو يقول أحدهما للآخر اختر) متفق عليه.
وبالتفرق بينهما- منهما جميعاً أو من أحدهما لحديث ابن عمر (رجعت على عقبي حتى خرجت) رواه البخاري.
وقول نافع: وكان ابن عمر إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق المجلس: البخاري.
فلو طال مكثهما أو قاما وتماشيا منازل دام خيارهما وإن زادت المدة على ثلاثة أيام والأصح ينقطع بعد ثلاثة أيام لأنها نهاية الخيار المشروط شرعاً. فقد روى أبو برزة بسند صحيح عن أبي الوضيء قال: عزونا غزوة لنا فنزلنا منزلاً فباع صاحب لنا فرساً بغلام ثم أقاما بقية يومهما وليلتيهما فلما أصبحنا من الغد وحضر الرحيل قام إلى فرسه يسرجه فندم فأتى الرجل وأخذه بالبيع فأبى الرجل أن يدفعه إليه فقال بيني وبينك أو برزة صاحب رسول الله فأتيا أبا برزة في ناحية العسكر فقالوا له هذه القصة فقال أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) وما أراكما افترقتما. ويعتبر في التفرق العرف أي ما يعده الناس تفرقاً فهو التفرق فإن كان في دار صغيرة فالتفرق بأن يخرج أحدهما منها أو يصعد سطحها أو كبته كأن ينتقل أحدهما من صحنها إلى صفتها أو بيت من بيوتها إما في الصحراء أو السوق كأن يولي أحدهما ظهره ويمشي قليلاً.
ولو مات أحدهما في المجلس أو جُنَّ فالأصح انتقاله أي الخيار إلى الوارث والولي ويتولى الولي أو الوارث ما فيه المصلحة من فسخ أو إمضاء وقيل يسقط الخيار لأن مفارقة الحياة أعظم من مفارقة المكان ومثلها لو جُنَّ أحدهما لأنه فارق عقله فسقط عنه التكليف ولكل من المتبايعين فسخ العقد قبل لزومه (ولو تنازعا في التفرق أو الفسخ قبله) أي في فسخ العقد قبل التفرق أو اتفقا على التفرق ولكن قال أحدهما أجزنا وقال الآخر فسخنا صدق النافي بيمينه لموافقته الأصل وهو دوام الاجتماع وعدم الفسخ أما لو اتفقا على عدم التفرق وادعي أحدهما الفسخ فإن دعوى الفسخ فسخٌ لأن الحق له في الفسخ ما داما في المجلس.
? فصل في خيار الشرط ?
لهما ولأحدهما شرط الخيار أي لأحد المتعاقدين أن يشرط على الآخر مدة لأجازة العقد مع موافقة الآخر إجماعاً. إلا إذا كان المبيع عبداً يعتق على المشتري كأن يكون أصلاً أو فرعاً له وشرط المشتري الخيار لنفسه فقط لم يجز لأن العتق يستعقب الملك فلزم من ثبوت الخيار عدم الخيار وهي ما تسمى مسألة الدور ويجوز التفاضل في مدة الخيار كأن يشرط لأحدهما يوم وللآخر ثلاثة مثلاً ويجوز للعاقد لنفسه أن يجعل الخيار لغيره كأن اشترى سيارة فقال بشرط موافقة فلان لكونه أعرف بالمبيع أو لغرض آخر يقصده المتعاقد في أنواع البيع إلا أن يُشْترَطَ في بعضها القبض في المجلس كربوي ومُسْلَمٍ فلا يجوز شرط الخيار فيها لأن الربوي والمسلم عقدان لا يحتملان التأجيل بالقصد منها أن يفترقا ولا علاقة بينهما والخيار يؤدي إلى علاقة بينهما بعد التفرق.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/215)
وإنما يجوز في مدة معلومة لا تزيد على ثلاثة أيام فلو كانت المدة مجهولة أو زائدة على ثلاثة أيام بطل العقد والأصل في ذلك خبر الشيخين عن ابن عمر قال: ذكر رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنْ بايعت فقل له لا خلابة وفي رواية البيهقي: ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال. رواه الحميدي في مسنده والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه من حديث محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر والرجل هو منقذ بن عمر أو حبان.
ولأحمد وأصحاب السنن من حديث أنس أن رجلاً من الأنصار كان يبايع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في عقدته ضعف فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بايعت فقل لا خلابة) والخلابة: أي الخداع والعرب تقول طَلقٌ خُلَّبٌ أي لا ضرر فيه ولا حقيقة له. والعقدة: أي الرأي – أي كان ضعيف الرأي لعلة في رأسه والواقعة في الحديث الاشتراط من المشتري وقيس عليه الاشتراط من البائع وتحسب من العقد الذي وقع فيه الشرط وقيل من التفرق أو التخاير وهو الأصح لأن المشترط يريد زيادة المدة هذا إذا أطلقا أو أحدهما وقبلا الشرط أما إذا اشترطا الخيار بعد العقد وقبل التفرق حسبت من العقد ولا اعتبار بالتفرق ولو شرطا أن الخيار يبدأ من غد مثلاً بطل العقد والأظهر أنه إن كان الخيار المشروط للبائع فملك المبيع زمن الخيار له وإن كان للمشتري فله أي للمشتري وإن كان لهما فموقوف أي الملك موقوف ولا يتصرف فيه أحدهما لأنه ليس أحد الجانبين أولى من الآخر فإذا تمَّ البيع بان أنه للمشتري من حين العقد أي ملك المبيع وإلا فللبائع لأنه لم يتم البيع فكأن المبيع لم يخرج من ملك البائع وحيث حكمنا بملك المبيع لأحد الطرفين حكمنا بملك الثمن للآخر.
ويحصل الفسخ والإجازة بلفظ يدل عليهما أي في زمن الخيار ففي الفسخ كفسخت البيع ورفعته واسترجعت المبيع وفي الإجازة أجزته أي البيع وأمضيته وألزمته إلى غير ذلك من التعابير الدالة عرفاً على إمضاء العقد أو فسخه.
ووطء البائع وإعتاقه المبيع في زمن الخيار المشروط له أو لهما فسخ البيع وكذا بيعُهُ وإجارته وتزويجه فسخ البيع في زمن الخيار لإشعاره بالإعراض عن البيع.
والأصح أن هذه التصرفات من المشتري في زمن الخيار المشروط له أو لهما إجازة للشراء لأشعارها بقبول الشراء والأصح أن العرض على البيع والتوكيل فيه ليس فسخاً من البائع ولا إجازة من المشتري لأنه قد يقصد من ذلك تبين الحال وقيل هو فسخ من البائع وإجازة من المشتري قياساً على الوصية حيث هذه التصرفات تُبطِلُ الوصية.
قلنا هذا في الوصية لضعفها ولأنه لا يوجد في الوصية حَالَ حياة الموصي إلا طرف واحد هو الموصي أما الموصَى له فلا حق له في شيء حال حياة الموصي لأن الموصي قادر على التنجيز والرفع دون الرجوع إلى أحد.
? فصل في خيار النقص ?
وهو المتعلق بفوات مقصود مظنون نشأ الظن فيه من:
1 - قضاء عرفي: وهو ما يظن وجوده في البيع عرفاً وهو السلامة من العيب.
2 - التزام شرطي.
3 - تغرير فعلي.
للمشتري الخيار في رد المبيع بظهور عيب قديم ونقصد بالقديم الذي كان موجوداً قبل العقد أو بعد العقد وقبل التسليم كمضاء رقيق بقطع خصيته أو سلِّ لها أو كان مخلوقاً بغير خصيتين ومثله جبُّ ذكره لنقصه المفوت للجماع الذي قد يكون مقصوراً في الشراء. فقد أخرج الشافعي وأحمد وأصحاب السنن والحاكم عن طريق عروة عن عائشة (أن رجلاً اشترى غلاماً في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان عنده ما شاء الله ثم رده من عيب وجده فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم برده بالعيب فقال المقضي عليه: قد استغله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الخراج بالضمان (أو زناه وسرقته وإباقه أي كل منها وإن لم يتكرر وألحق به اللواط وإتيان البهائم وتمكين من نفسه والمساحقة وهذه كلها عيوب شنيعة تجيز الردَّ بالعيب لأن صاحبها قد يألفها كما أنها عارٌ في المجتمع النظيف ولأن تهمتها لا تزول عادة في مجتمع لم يعهد الشر وتربّى على أخلاق المؤمنين وبوله بالفراش في غير أوانه كأن بلغ ست أو سبع سنين وما زال يتبول في فراشه لأن ذلك يقلل الرغبة فيه وبخره وهو الناشئ من تغير المعدة وليس الناتج من تغير الفمَّ لسهولة تنظيفه وإزالته وسواء في ذلك الذكر والأنثى ومن
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/216)
العيوب أيضاً الصمم والعمى والخرس والبلاهة أو يكون أخفشاً وهو الذي لا يبصر في الضوء أو أعمشاً وهو الذي يسيل دمعه دائماً مع ضعف في البصر وصنانه وهي الرائحة الكريهة التي تخرج مع العرق فما كان لعارض كحرارة جو أو ترك غسل فلا يردُّ أما إذا كان صنانه مستحكماً لا ينفع معه غسيل فيردُّ به ومن العيوب التي يردُّ بها العبد أن يكون ساحراً أو تاركاً للصلاة أو شارباً للخمر أو تكون الأمة قرنا بأن يوجد في فرجها ما يمنع الجماع أورتقاء وهي التي انسدَّ عندها موضع الجماع وغير ذلك من العيوب.
وجماح الدابة. أي صعوبة ركوبها ومثله هربها فما تراه وعضها ورمحها لمن يقترب منها فكلُّ ما ينقصُ العين أو القيمة نقصاً يُفَوٍّتُ به غرضٌ صميمٌ إذا غلب في جنس المبيع عدمه في العادة بخلاف ما لا يفوت به غرض صميم – كجرح قديم اندمل أو شيب في كبر سنٍّ أو قلع بعض أسنانه فلا يضر في البيع سوءا في ثبوت الخيار قارن العيب العقد بأن كان موجوداً قبل العقد أم حدث بعد العقد وقبل القبض لأن المبيع ما زال في ضمان البائع ولو حدث العيب بعده أي بعد القبض فلا خيار للمشتري في الردِّ إلا أن يستند العيب إلى سبب متقدم أي يستند إلى سبب متقدم على العقد أو القبض وقد جهله المشتري كقطعه بجنابة سابقة. إذا كان المبيع عبداً أو أمةً وقد وجب عليه القطع قصاصاً أو حداً لأن وجوب القطع عليه كبيعه مقطوعاً يثبت الرد بالعيب ومثله زوال بكارتها بزواج متقدم لم يعلمه المشتري فيثبت الردُّ في الأصح لأن تقدم السبب كتقدم الفعل بخلاف موته بمرض سابق في الأصح فلا ردَّ لثمنه لتعذر رده بالموت لأن المرض يزداد شيئاً فشيئاً إلى الموت فلم يتحقق ردُّ سبب الموت إلى المرض السابق كما أن الموت يأتي عرض وغيره هذا إذا لم يعلمه مريضاً أما إذا علمه مريضا فلا ردَّ قطعاً. نعم إذا لم يعلم فله أرش الثمن مابين قيمته صحيحاً ومريضاً وقت القبض.
ولو قبل بردة سابقة ضمنه البائع في الأصح فيسترد المشتري جميع الثمن لأن قتله لسبب متقدم فينفسخ البيع من قبل قتله إن جهل ذلك المشتري ولو باع حيواناً أو غيره بشرط براءته من العيوب والضمير في براءته يعود على البائع أو المبيع والذي جرى عليه المصنف أن البائع لا يتحمل أي شيء يظهر في المبيع أي لا يردُّ عليه بالعيب صح العقد مطلقاً لأنه عقد مشروط بظاهر الحال من السلامة من العيوب كما يقولون عادة: أني برئ من كل عيب فيه أو يقول كله عيوب أو يقول تحت كل شعرة عيب أو يقول: بعته جلدٌ وعظم أو قرن وحبل أو لحم في قفة أو صندوق مغلقة فالأظهر أنهيبرأ عن كل عيب باطن بالحيوان لم يعلمه البائع دون غيره فلا يبرأ عن عيب ظاهر بالحيوان أو عيب باطن فيه وقد علمه. لما روى مالك في الموطأ: أن ابن عمر باع غلاماً بثمانمائة درهم وباعه بالبراءة فقال الذي ابتاعه وهو زيد ابن ثابت بالعبد عيب لم تسمه لي فاختصما إلى عثمان فقضى على ابن عمر أن يحلف لقد باعه العبد وما به داءٌ يعلمه فأبى عبد الله أن يحلف وارتجع العبد فباعه بألف وخمسمائة فكان ابن عمر يقول: تركت اليمين لله فعوضني الله عنها دلّ قضاء عثمان على البراءة من عيب باطن لا يعلمه ولكن لم يبرأ عن عيب علمه ولا عن عيبه الظاهر مطلقاً لندرة خفائه. قال الشافعي الحيوات يتغذى في الصحة والسقم وتحول طبائعه فقلما ينفك عن عيب خفي أو ظاهر فيحتاج البائع فيه إلى شرط البراءة ليثق بلزوم البيع فيما لا يعلمه من الخفي دون ما يعلمه لتلبيس فيه ومالا يعلمه من الظاهر لندرة خفائه عليه والبيع صحيح ويؤكد قضاء عثمان وقد اشتهر بين الصحابة ولم ينكروه أما في غير الحيوان فلا يبرأ مطلقاً لأن العيب لا يخفى وله مع هذا الشرط الردُّ بعيب حدث قبل القبض وبعد العقد لانصراف الشرط إلى العيب الموجود عند العقد ولو شرط البراءة عما يحدث لم يصح الشرط في الأصح وكذا لو شرط البراءة من الموجود وما يحدث لم يصح لأنه إسقاط للشيء قبل ثبوته ولو شرط البائع البراءة من عيب لا يعاين كالزنا والسرقة والكذب برئ منها قطعاً لأن ذكرها إعلام بها. ولو هلك المبيع عند المشتري أي بعد قبضه من البائع أو أعتقه أو استولدها أو أوقفه ثم علم العيب الذي ينقص القيمة رجع بالأرش لعدم إمكانية الرد وهو أي الأرش جزء من ثمنه أي من ثمن المبيع نسبته أي نسبة الجزء إلى الثمن نسبة أي مثل نسبه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/217)
ما نقص العيب من القيمة لو كان سليماً فإن كانت القيمة بلا عيب مائة وبالعيب تسعين فنسبة النقص إليها عُشرها فالأرش عُشْر الثمن لأن المبيع مضمون على البائع فيكون جزؤه مضمونا عليه بجزء الثمن والأصح اعتبار أقل قيمة للمبيع من يوم البيع إلى القبض ووجه أقل القيمتين أي القيمة إن كانت يوم البيع أقل في ملك المشتري وإن كانت يوم القبض أقل فما نقص فيمن ضمان البائع ولو تلف الثمن أو خرج عن ملك البائع دون المبيع أي والمبيع المعيبُ موجوداً رده وأخذ مثل الثمن إن كان مثلياً أو قيمته إن كان متقوماً ولو علم العيب بعد زوال ملكه عن المبيع إلى غيره بعوض أو بغير عوض فلا أرش له في الأصح لأنه لم ييأس من الرد فإذا رُدَّ عليه فله الردُّ فإن عاد الملك له فله الردُّ سواء رُدَّ عليه بالعيب أو بغيره لإمكانية الرد وقيل إن عاد بغير الردِّ بعيب فلا ردَّ والأصح لو تعذر الردُّ لتلف أو إعتاق فيعود المشتري الثاني على المشتري الأول بالأرش ويعود الأولى على البائع وللأول الرجوع على البائع قبل الغرم للثاني وله الرجوع أيضاًً إذا أبرأه الثاني. والردُّ على الفور إجماعاً فيبطل حق الردِّ بالتأخير من غير غرر.
فليبادر على العادة فلو علمه وهو يصلي أو يأكل أو يقضي حاجته فله تأخيره حتى يفرغ أي إذا علم بالعيب أو علمه ليلاًفحتى يصبح ولا يكلف الإسراع في المشي فإن كان البائع بالبلد ردَّه عليه بنفسه أو وكيله أو على وكيله لقيام الوكيل مقام موكله ولو تركه – أي ترك المشتري الردَّ على البائع أو وكيله ورفع الأمر إلى الحاكم فهو آكد في الردِّ لأنه ربما احتاج في النهاية إلى الربع إلى القاضي لامتناع البائع عن الردِّ وإن كان البائع غائباً عن البلد ولم يكن له وكيل بالبلد رفع الأمر إلى الحاكم فيدعي شراء ذلك لاشيء من فلان الغائب وقد ظهر به العيب وأنه فسخ البيع ويقيم البينة أمام شخص يعينه القاضي ويحلف لأنه قضاء على غائب ويحكم بالردِّ على الغائب ويأخذ المبيع ويضعه عند عدلِ ويقضي الدين من مال الغائب إن كان له مال. وإلا فيبقي الثمن ديناً على الغائب والأصح أنه يلزمه الإشهاد على الفسخ إن أمكنه حتى ينهيه إلى البائع أو الحاكم ومقابله يكفيه الفسخُ عند أحدهما فإن عجز عن الإشهاد لم يلزمه التلفظ بالفسخ في الأصح إذ لا معنى للتلفظ بالفسخ من غير سامع يعتدُّ به وقيل يجب ليبادر بحسب الإمكان.
ويشترط ترك الاستعمال عند الردِّ فلو استخدم العبدَ حتى ولو بقوله اسقني أو ناولني الثوب أو أغلق الباب أو ترك على الدابة سرجها أو إكافها والإكاف هو البرذعة بَطَلَ حَقهُ في الردِّ للإشعار بالرضا والصحيح لا يضر الاستخدام الخفيف وإنما يضر الاستخدام الطويل ولا يضر علف الدابة وسقيها لأن ذلك لمصلحتها.
ويعذر في ركوب جَمُوح يعسر سوقها وقودُها حين ذهابه لردها للحاجة إلى الركوب.
وإذا سقط رده بتقصير منه فلا أرش له ولا ردَّ. ولو حدث عنده عيب مرضٌ وغيره ثم اطلع على عيب قديم سقط الردُّ قهراً أي أن البائع لا يقهر على الردِّ وقهراً هنا حال من الردِّ أو تميزاً له وذلك لأن المشتري أخذه بعيب فلا يرده بعيبين والضرر لا يزال بالضرر وعلى هذا لو زال الحادث كان له حق الردِّ ثم إن رضي به أي المبيع البائعُ معيباً رده المشتري بلا أرش عن الحادث أو اقتنع به المشتري بلا أرش عن القديم وإلا أي إذا لم يرضَ البائع به معيباً (فليضم المشتري أرش الحادث إلى المبيع ويردَّ أو يغرم البائع أرشَ القديم ولا يردُّ المشتري المبيع رعاية لحق الجانبين فإن اتفقا على أحدهما فذاك لأن الحق لهما فإما أن يشترط البائع بأرشه الجديد وإما أن يستبقيه المشتري بأرشه القديم وإلا فالأصح إجابة من طلب الإمساك والرجوع بالأرش لما في ذلك من إمضاء العقد ويجب أن يُعْلَِمَ المشتري البائع على الفور بالحادث مع القديم ليختار شيئاً مما تقدم من أخذ المبيع أو تركه ودفع أرش فإن أخر إعلامه بلا عذر فلا ردَّ ولا أرش لإشعار التأخر بالرضا وإمضاء البيع أما إذا كان العيب سريع الزوال عادة فيعذر بالتأخير في الردِّ ولو حدث عيب لا يعرف القديم إلا به ككسر بيض ورار فج أي جوز الهند حيث لم يتأت معرفة عيبه إلى بكسره وتتوير بطيخ مدوِّد ونشر ثرب بفتح صندوقه وفتح صفيحة زيت أو سمن أو عسل وشق كيس قمح أو أرز ونحو ذلك رُدَّ ما ذكر بالقديم
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/218)
ولا أرش عليه في الأظهر لأن علمه متوقف على ما أحدث فيه من كسر أو تفوير أو فتح أو شق فإن أمكن معرفة القديم بأقل مما أحدثه كغرز إبرة أو شمِّ رائحة أو هزٍ فكسائر العيوب الحادثة عند الشدى المشتري فيمتنع الردُّ القهري.
فرع: في تفريق الصفقة بالردِّ اشترى من واحدٍ عبدين معيبين صفقة ردَّهما إن شاء قهراً لا أحدهما للإضرار بالبائع في تفريق الصفقة عليه من غير ضرورة ولو ظهر عيب أحدهما دون الآخر ردهما لا المعيب وحده في الأظهر منعاً للإضرار لما فيه من تفريق الصفقة فإن رضي البائع بردِّ أحدهما فلا بأس في ذلك وسبيل التوزيع بتقديرهما سليمين وتقويمها ويقسط الثمن عليها هذا إذا كان الشيئان لا تتعلق منفعة أحدهما بالآخر أما إذا تعلقت منفعة أحدهما بالآخر فيردان جميعاً كمصراعي باب أو زوجي خف أو طقم آنية أو طقم لباس.
ولو اشترى عبد رجلين معيباً فله ردُّ بعيب أحدهما بتفضيل ثمن كل واحد منهما فله الردُّ لتعدد الصفقة بتعدد البائع في الأولى وبتعدد المبيع وتحديد ثمنه في الثانية.
ولو اشترياه أي لو اشترى اثنان عبد رجل واحد فلإحدهما الردُّ لنصيبه في الأظهر لأن الأظهر تعدد الصفة بتعدد المشتري كما في تعدد البائع.
ولو اختلفا في قدم العيب وكان صدق كل منهما محتملاً صدق البائع بيمينه لأن الأصل لزوم العقد والبراءة من العيب على حسب جوابه أي على مثل بأن يقول ليس له الردُّ أو لا يلزمني الردُّ لأن المشتري قد يكون اطلع على العيب ورضيه قبل العقد أو بعده أما لو قال البائع قد علم العيب ورضيه كلف هنا البينة ولا يمين عليه.
والزيادة المتصلة كالثمن تتبع الأصل – إن كان ذلك في المبيع أو الثمن ومثل ذلك تعلم الرقيق صنعة أو حفظه قرآناً أو كبر الشجرة لتعذر الفصل ولأنه قد يقع نزاع في مقدار ما لكل منهما فلذا جُعلت الزيادة المتصلة تابعة للأصل.
والمنفصلة كالولد والأجرة لا تمنع الردُّ أي الزيادة العينية أو المنفعة لا تمنع الردِّ عملاً بمقتضى العيب وهي للمشتري إن ردِّ المبيع بعد القبض للحديث السابق عن عائشة (الخراج بالضمان) ومعنى ذلك أن ما يخرج من المبيع من غلة تكون للمشتري في مقابلة أنه لو تلف لكان من ضمانه لأنه حدث في ملكه وكذا قبله في الأصح قيل لأن الفسخ يرفع العقد من حين الردِّ لا من أصله ومقابله أن الردَّ قبل القبض يرفع العقد من أصله.
ولو باعها حاملاً فانفصل رده معها في الأظهر / الجارية أو البهيمة وكانت معيبة فيردها وولدها لأن ولدها من جملة المبيع والولادة نماء متصل وأن الحمل يقابل بقسط من الثمن. أما إذا نقصت الحامل بالولادة فيمتنع الرد لأنه عيب حادث في ملك المشتري فهو كسائر العيوب أما إذا كان جاهلاً بالحمل عند الشراء ونقصت بالولادة فله الردُّ بناءً على أن العيب الحادث بسبب متقدم كالمتقدم.
ولا يمنع الردُّ الاستخدام ووطء الثيب قبل علم العيب من المشتري ووطء الثيب لا يمنع الردَّ لأن له حكم الاستخدام وافتضاض البكر (بالفاء والقاف) من المشتري أو غيره الذي أدى إلى زوال بكارتها بعد القبض نقص حدث ما لم يستند إلى سبب متقدم كزواج سابق أو مرض لم يعلمه المشتري وقبله جناية على المبيع قبل قبضه فإن كان من المشتري فلا ردَّ له بالعيب أو من غيره وأجاز هو المبيع فله الردُّ بالعيب ولا شيء له بافتضاض البائع أو بزواج سابق أما لو كان الزوال بافتضاض أجنبي فله مهر بكر مثلها.
? فصل: التغرير الفعلي بالتصرية وغيرها ?
التصرية: من صرّى الماء في الحوض أي جمعه وجوّز الشافعي أن تكون من العد وهو الرابط ويقال للمصراة محفَّلة من الحفل وهو الجمع وهي أن تربط أخلاف الناقة أو يمنع عنها ولا تحلب يومين أو أكثر فيجتمع اللبن في ضرعها فيظن الجاهل بحالها كثرة الحلب فيرغب في شرائها والإخلاف جمع خلفة وهي صلحة الضرع والتصرية حرام لما روى الشيخان عن أبي هريرة: لا تُصَرّوا الإبل والغنم للبيع فيمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين من بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر. وروى أبو داوود وابن ماجة والبيهقي عن ابن عمر (من ابتاع محفّلة أي مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها ردّ معها مثلها أو مثلي لبنها تمراً.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/219)
تثبت الخيار على الفور: أي التصرية لأنها عيب فلها حكمه فترد فوراً بعد الإطلاع على التصرية وقيل يمتد ثلاثة أيام: لحديث مسلم من حديث ابن سرين عن أبي هريرة (من اشترى مصرَّاة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها ردّ صاعاً من تمر لا سمراء) والسمراء هي الحنطة لأن التصرية لا تظهر غالباً إلا بعد ثلاثة أيام لاختلاف العلف أو المأوى وابتداء الثلاثة من العقد وقيل من التفرق ولا يتجاوز الخيار ثلاثة أيام لامتناع مجاوزة الثلاثة في الخيار.
فإن ردَّ المصرّاة بعد تلف اللبن ردّ معها صاع تمر للحديث السابق وقيل يكفي صاع قوت لما روى أبو داوود والترمذي (ردها وردَّ صاعاً من طعام) قيل يتعين غالب قوت البلد وقيل يكفي القيمة عند فقد التمر حساً أو شرعاً ولو علم المشتري التصرية قبل الحلب ردها ولاشيء عليه والأصح أن الصاع لا يختلف بكثرة اللبن وقلته لظاهر الحديث وقيل يختلف فيقدر التمر أو غيره بقدر اللبن فقد يزيد عن الصاع وقد ينقص وأن خيارها لا يختص بالنعم وهي الإبل والبقرة والغنم بل يعمُّ كل مأكول من الحيوان (والجارية والأتان) وهي الأنثى من الحمر الأهلية ومثلها الفرس لعموم قوله صلى الله عليه وسلم (من اشترى مصرَّاة. ولأنها تصرية يختلف بها الثمن فأثبت الخيار كتصرية بهيمة الأنعام (ولا يردّ معها شيئاً) بدل اللبن لأن لبن الآدميات لا يباع عادةً ولبن الأتان نجس لا عوض له، وفي الجارية وجه أنه يردُّ بلد اللبن معها لطهارته ومقابله أن الخيار في النعم ولأن الجارية لا يقصد لبنها عادة.
وحبس ماء القناة والرحا المرسل عند البيع وتحمير الوجه وتسويد الشعر وتجعيده يثبت الخيار للمشتري عند علمه به لأنه كالتصرية بجامع التلبيس والإضرار.
لا لطخ ثوبه أي الرقيق تخييلاً لكتابته أو إلباسه ثوب خباز أو حداد أو نجار في الأصح إذ ليس فيه كبير غرر لتقصير المشتري بعدم امتحانه والبحث عنه ولا أثر لمجرد التوهم فلو اشترى قلادة من نحاس يظنها ذهباً نفذ البيع إلا من بائع مختص يبيع الذهب لأنه مقصر بالفحص وسؤال أهل الخبرة والله أعلم.
? باب في حكم المبيع قبل قبضه وبعده والتصرف فيه?
المبيع قبل قبضه من ضمان البائع فإن تلف انفسخ البيع وسقط الثمن عن المشتري ولو أبرأه المشتري عن الضمان لم يبرأ في الأظهر ولم يتغير الحكم لأنه إبراء عما لم يحدث وإتلاف المشتري للمبيع حساً أو شرعاً قبضٌ ومثله إتلاف المغصوب في يد الغاصب من قبل مالكه إن علم المشتري أنه المبيع حال إتلافه وإلا إن جهل أنه المبيع فقولانكأكل المالك طعامه المغصوب ضيفاً أي أن المغصوب منه إذا نزل ضيفاً عند الغاصب فقد له المغصوب صيافة قيل يبرأ لأنه كإتلاف من المشتري فأشبه القبض ومقابله إنه كإتلاف البائع.
والمذهب أن إتلاف البائع للمبيع كتلفه فينفسخ به البيع ويسقط الثمن عن المشتري ومقابله يتخير المشتري فإما يفسخ فيسقط الثمن وإن أجاز المشتري البيع غَرِمَ البائع قيمة المبيع عند تلفه ويؤدي المشتري الثمن ويجوز التقاص والأظهر أن إتلاف الأجنبي لا يفسخ البيع بليتخير المشتري بين أن يجيز ويغرم الأجنبي القيمة أو يفسخ فيغرم البائعُ الأجنبيَّ البدل ولو تعيّبَ المبيع بآفة سماوية قبل قبضه فرضيه المشتري وأجاز البيع أخذه بكل الثمن لقدرته على الفسخ فأجاز البيع أي رضيه بكل الثمن ولو عيّبَه المشتري فلا خيار له لحصول التلف بفعله فيمتنع بسبب إتلافه الردُّ القهري حتى ولو كان فيه عيوب قديمة أو عيبه الأجنبي فالخيار للمشتري لكونه مضموناً على البائع فلو أجاز غرم الأجنبي الأرش لأنه الجاني ولكن بعد قبض المبيع لا قبله لجواز تلفه بيد البائع فينفسخ عندئذ المبيع ولو عيّبه البائع فالمذهب ثبوت الخيار لا التغريم للمشتري بناء على أن فعل البائع كالآفة لا كفعل الأجنبي ولا يصح بيع المبيع قبل قبضه إجماعاً في الطعام، وقيل في غيره، وإن أذن البائع وقبض الثمن لما روى البيهقي عن حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبيعنَّ شيئاً حتى تقبضه) ولخبر الشيخين عن ابن عمر من ابتاع طعاماً فلا يبيعه حتى يستوفيه ولخبر الشيخين عن ابن عباس أنه قال: أما الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الطعام أن يباع حتى يُستوفى وفي لفظ البخاري قبل أن يقبض وفي لفظ مسلم وأحسب كل شي بمنزلة الطعام، وأخرج البيهقي عن
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/220)
عتاب بن أسيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما بعثه لأهل مكة إنههم عن بيع مالم يقبضوا وربح مالم يضمنوا وعن الصفقتين في البيع الواحد أن يبيع أحدهم ما ليس عنده والأصح أن بيعه للبائع كغيره لعموم النهي السابق ومقابله يصح كبيع المغصوب من الغاصب والمقصود من البيع هو بغير جنس الثمن أو بزيادة أو نقص، وإلا فهو إقالة بلفظ البيع فهي جائزة قطعاً والأصح أن الإجارة والرهن والهبة كالبيع) فلا تصح لوجود المعنى المٌعَلَّلُ به النهي وهو ضعف الملك والأصح أن الإعتاق بخلافه فيصح لشتوف الشارع إليه ومثله الإستيلاد والتدبير والتزويج والوقف والإباحة إن كان طعاماً للفقراء وفارق التصدق لأن التصدق تمليك لا الكتابة إذ ليس للكتابة قوة العتق والثمن المعين دراهم أو دنانير أو غيرهما كالمبيع فلا يبيعه البائع قبل قبضه أي لا يتصرف به قبل قبضه لعموم النهي، ولو تلف الثمن انفسخ البيع وله بيع ما في يد غيره أمانة كوديعة ومشترك وقراض ومرهون بعد انفكاكه وموروث باق في يد وليه بعد رشده وكذا عارية ومأخوذ بسوم لتمام الملك في المذكورات جميعاً، والمأخوذ بسوم هو ما يأخذه مريد الشراء ليتأمله فيشتريه أو يتركه، ومثله ما رجع إليه ولو بفسخٍ أو إفلاس وليستثنى من الموروث ما اشتراه المورِّث ولم يقبضه فلا يملك الوارث بيعه كالموروث ولا يصحبيع المُسْلَم فيه قبل قبضه ولا الإعتياض عنه قبل قبضه لعموم النهي عن بيع مالم يقبض والجديد جواز الاستبدال عن الثمن الثابت في الذمة وإن لم يكن نقداً لخبر الترمذي عن ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالدنانير وآخذ مكانها الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ مكانها الدنانير فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال: لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء والقديم المنع لعموم النهي السابق والثمن عادة النقد والمثمن مقابله فإن كان الثمن والمثمن نقدين فالثمن ما دخلته الباء والمثمن مقابله وتسمَّى هذه الباء باء السببية، فلو قال بعتك هذه الدراهم بهذه السيارة ووصفها فالسيارة مبلغٌ لا يجوز الاستبدال عنه والدراهم ثمن. ولو قال بعتك هذه الثلاجة بهذه الدراهم فالدراهم ثمن يجوز الاستبدال عنه ولا يجوز الاستبدال عن الثلاجة لأنها ثمن فإن استبدل موافقاً في علة الربا بدراهم عن دنانير أو عكسه اشترط قبض البدل في المجلس كما دل عليه الخبر السابق حذراً من الربا، ولا يكفي التعيين والأصح أنه لا يشترط التعيين في العقد أي عقد الاستبدال لجواز الصرف عما في الذمة ومقابله يشترط ليخرج عن بيع الدين بالدين وكذا لا يشترط القبض في المجلس وإن استبدل ما لا يوافق في العلة أي على الربا كثوب عن دراهم فلا يشترط قبض الثوب في المجلس لكن يشترط تعيينه في المجلس فيصفه ثم يعيّنه ولو استبدل عن المُقْرِض أي ثمن المُقْرضِ جاز ولو لم يتلف وقيمة المتلف جاز أي لو استبدل عن قيمة المتلف بمثله صح. وكذا يصح الاستبدال عن كل دين ليس بثمن ولا مثمن كالدين الموصى به أو الواجب في المتعة أو بسبب الضمان أو عن زكاة الفطر وفي اشتراط قبضه أي قبض البدل في المجلس ما سبق أي إذا كان موافقاً في علة الربا اشتُرط والإ فلا يشترط وبيع الدين بعين لغير من عليه باطل في الأظهر بأن يشتري عبدَ زيد بمائة له على عمرو لأنه لا يقدر على تسليمه، والمعتمد خلافه لأنه مستقر فحكمه كبيعه ممن عليه، وهو الاستبدال عن القرض وقد قلنا بجوازه، وقيل يشترط أن يكون المديون ملياً مُقرِّاً وأن يكون الدين حالاً مستقراً ولو كان لزيد وعمرو دينان على شخص فباع زيد عمراً ديناً بدينه بطل قطعاً اتفق الجنس أو اختلف لنهيه صلى الله عليه وسلم بيع الكالئ بالكالئ فقد روى الدار قطني عن ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن بيع الكالئ بالكاليء) وقال الحاكم إنه على شرط مسلم، وفُسِّرَ بأنه بيع الدين بالدين كما ورد صريحاً وفي رواية البيهقي.
وقبض العقار تخليته للمشتري وتمكينه من التصرف فيه بتسليم المفتاح إليه وعدم وجود أي مانع يمنع المشتري من التصرف بشرط فراغه من أمتعة غير المشتري من البائع والمستأجر والمستعير والغاصب فإن لم يَحْضُر العاقدون المبيع العقار المنقول الذي في يد المشتري بأن غابا عن محل العقد حالة القبض اعتبر في صحة قبضه إذن البائع ومضى زمن يمكن فيه المضي إليه من العقد
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/221)
ـ[محمد عبدالكريم محمد]ــــــــ[20 - 07 - 07, 11:43 م]ـ
الجزء الرابع
كتاب البيع
أفرد المصنف لفظ البيع تأسياً بقوله تعالى: [وأحل الله البيع وحرم الربا] البقرة:275 والعرب تقول: بعت بمعنى ما كنت ملكته وبعت بمعنى اشتريت ويقال لكل من المتابعين بائع وبيّع ومشتر وشار قال تعالى: [وشروه بثمن بخس] يوسف:20 أي باعوه وقال تعالى: [وبئس ما شروا به أنفسهم] البقرة:102.
وأما الصرف فهو بيع الأثمان بعضها ببعض والأصل في الباب قبل الإجماع قوله تعالى: [وأحل الله البيع وحرم الربا] البقرة:275، وقوله تعالى: [اشهدوا إذا تبايعتم] البقرة:282، وقوله تعالى: [رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله] النور:37.
وأحاديث:
(1) حديث رافع بن خديج: أن النبي (ص) سُئِلَ عن أطيب الكسب فقال: "عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور" رواه الحاكم.
(2) حديث ابن عمر: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منها بالخيار ما لم يتفرقا" متفق عليه.
(3) حديث قتادة: كان القوم يتبايعون ويتجرون ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال ابن عمر فيهم نزلت [رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله] النور:3.
(4) حديث ابن عمر: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافاً فنهانا رسول الله (ص): أن نبيعه حتى ننقله من مكانه – متفق عليه
(شرطه الإيجاب كبعتك وملكتك والقبول كاشتريت وتملكت وقبلت) ومثله رضيت وأجبت وفعلت ونعم فلا يصح البيع بدونهما لأن البيع منوط بالرضا لخبر ابن ماجة وغيره: إنا البيع عن تراض قال تعالى: [يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم] النساء:29.
وأما المعاطاة بأن يتفق المتبايعان على ثمن ومثمن ويعطيا من غير إيجاب وقبول وقد يوجد لفظ من أحدهما واختار المصنف وجماعة من الفقهاء الانعقاد بها في كل ما يعده الناس بيعاً لأنه لم يثبت اشتراط لفظ معين فيرجع إلى العرف وما تكتبه الشركات والأسواق على السلعة من ثمن هو بمثابة لفظ خاصة وأن الأسواق إنماوضعت للبيع فما يعرض فيها هو بمثابة الإيجاب من البائع وأخذ السلعة بالثمن الموسومة به بمثابة القبول خاصة وأن الخيار موجود ما دام المشتري في السوق والبضاعة معروضة ما لم ترفع أما من لم يعرف منه البيع فلا يصح منه البيع إلا باللفظ وأما إذا كان المشتري يأخذ السلعة من البائع ويحاسبه بعد مدة دون علم بثمنها ولا رضا به فإنه باطل لأنه لا يحمل معنى البيع باللفظ ولا معنى المعاطاة.
(ويجوز تقديم لفظ المشتري) لحصول المقصود كأن يقول قبلت شراء هذا منك بمئة فيقول البائع قبلت أو بعت أو رضيت أو هات المبلغ.
(ولو قال بعني فقال بعتك انعقد) البيع (في الأظهر) لدلاة بعني علي رضا المشتري ومثله اجعله لي أو ملكه لي فقال البائع بعتك انعقد البيع ومثله لو قال اشتر مني بكذا فقال اشتريت.
(وينعقد بالكناية) والكناية ما يحتمل البيع وغيره على أن ينويه فقد روى الشيخان عن جابر أن النبي (ص) قال له بعني جملك قلت إن لرجل علىَّ أوقيةٌ فهو لك بها فقال (ص) قد أخذته وقد روى مسلم عن سلمة بن الأكوع أن النبي (ص) قال له في جارية هب لي المرأة فقال هي لك – وقضية الكناية هنا أنها تحمل معنى البيع ومعنى الهدية أو الهبة.
(كجعلته لك بكذا في الأصح) أو خذه بكذا وقضية الكناية هنا أن اللفظ يحمل معنى البيع ومعنى الإجارة فهو بيع صحيح وقيل لا ينعقد بها لأن المخاطب لا يدري أهو ببيع أم بغيره وأجيب عليه بأن ذكر العرض دليل على البيع وذكر القرائن في الكناية يوجب القطع بصحته.
(ويشترط ألا يطول الفصل بين الفظيهما) أو بين إشارتيهما أو بين كتابتيهما فوجب لانعقاد البيع أن لا يتخلل الكلام أو الكتابة كلام أجنبي عن العقد أو سكوت طويل أو نوم ولا يضر اليسير إلا من مريد إفساد العقد ولو باع من غائب كأن قال بعت داري لفلان بكذا فقال حين بلغه الخبر قبلت أو ما في معناها صح البيع ومثله لو كاتبه فقبل كما يصح البيع ونحوه من المعاملات بالأعجمية مع قدرة الطرفين على العربية بلا خلاف وفي النكاح يصح مع مخالفة الأَوْلَى لوجود معنى العبادة في النكاح ويشترط في صحة البيع أن لا يكون معلقاً بما لا يقتضيه العقد
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/222)
أو فيه مصلحة للعقد فإذا قال بعتك إذا جاء زيد لم يصح أما لو قال بعتك بشرط قبولك أو بعتك بشرط الكفيل أو بعتك بشرط أن يراه فلان (وأن يقبل على وفق الإيجاب) من جنس كأن يقول بعتك البُرَ فيقول اشتريت الشعير أو صفة كأن يقول بدينار فيقول اشتريت بريال أو نوع وكأن يقول بعتك السيارة فيقول اشتريت الدار فكل هذه البيوع باطلة.
(فلو قال بعتك بألف مكسرة فقال قبلت بألف صحيحة لم يصح) وكذا عكسه أو قال حالّة قال مؤجلة أو قال إلى سنة فقال إلى سنتين لم يصح البيع لأنه غير الذي خوطب به فاختلف المعنى.
(وإشارة الأخرس بالعقد كالنطق) به من غير الأخرس على أن تكون الإشارة مفهمة وكتابته مثل إشارته وكذا بالحلف والنذر أما إذا كانت غير مفهمة إلا لنوع معين من الناس فهي كالكناية (وشرط العاقد الرشد) سواء البائع أو المشتري والرشد أن يبلغ مصلحاً لدينه بأن لا يفعل محرماً يبطل العدالة من فعل الفواحش والمعاصي ومصلحاً لماله بأن لا ينفقه في حرام أو يرميه في بحر أو يحرقه أو يشتري به ما لا ينفع له فيه. وألا يكون محجوراً عليه بسفه أو فلس فيما يضيع المال.
(قلت وعدم الإكراه بغير حق) فلا يصح عقد المكره لعدم الرضا أما الإكراه بحق فجائز كأن وجب عليه أداء دين أو نفقة زوجة ولا أثر لقول المكره إنه بغير حق إلا في الصلاة فإن تكلم فيها بطلت ولا لفعله إلا في الرضاع والحدث والتحول عن القبلة وترك القيام في الفريضة مع القدرة والإكراه على القتل.
(ولا يصح شراء الكافر المصحف) لنفسه أو لغيره كله أو بعضه ولا أن يمتلكه بسلم أو هبة أو وصية لما في ذلك من الإهانة والاستهزاء ولا يسلم المصحف إلى الكافر لأنه لا أمانة له ولأن فيه إهانة للمصحف أما لو رُجِيَ إسلامه فيمكّن من القراءة أما تملكهم العملة التي عليها آيات أو أحاديث فقيل يسامح في ذلك للحاجة.
(و) لا يصح شراء الكافر العبدَ (المسلم) لنفسه ولا لأحد من ملته لما في ذلك من إذلال للمسلم وامتهان لكرامته قال تعالى: [ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً] النساء:141 (إلا أن يعتق عليه فيصح) كأن كان أباً له أو ابناً أو إذا قال للمسلم اعتق عبدك عني بكذا أو إذا أقر بحرية عبد (في الأصح) لإنتفاء الإذلال في هذه الصور حيث يعتق وجوباً فلا يوجد إذلال وللكافر استئجار العبد المسلم ولو إجارة عين وقد أجر عليٌّ نفسه لكافر قال الزركشي بشرط ألا تكون الأعمال ممتهنة.
(ولا الحربي سلاحاً والله أعلم) لأنه يستعين به على قتالنا والمقصود بالسلاح كلُّ آلة الحرب كسيف وترس ورمح وفرس وسفينة وطائرة واجهزة مراقبة ورصد وأجهزة تنصت وسوءا في ذلك الفرد أو الجماعة.
(وللمبيع شروط) خمسة أحدها.
(طهارة عينه فلا يصح بيع الكلب والخمر) وغيرهما من نجس العين فقدروى الشيخان عن جابر أن رسول الله (ص) حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. وزاد أبو داود في روايته عن ابن عباس "وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه" وروى الشيخان عن حديث أبي مسعود البدري أنه (ص) "نهى عن ثمن الكلب" والمعنى في هذه المذكورات نجاسة عينها فألحق بها باقي نجس العين.
(والمتنجس الذي لا يمكن تطهيره) لأنه في معنى نجس العين (كالخل واللبن وكذا الدهن) كالزيت والسمن ومثله الدبس وسائر المائعات (في الأصح) إلا إذا كان جامداً فقد روى ابن حبان في صحيحة عن أبي هريرة أنه (ص) سئل عن الفأرة تقع في السمن فقال "إن كان جامداً فألقوها وما حولها وإن كان ذائباً فأريقوه" فلو أمكن تطهير الموائع لما أمر بإراقته لأن ذلك تضيع للمال.
(الثاني) من شروط المبيع (النفع) أي ينتفع به حالاً أو مآلاً فما لا نفع فيه ليس بمال وأخذ المال مقابله كأكل المال بالباطل.
(فلا يصح بيع الحشرات) وهي صغار دواب الأرض كالخنفساء والفأرة والحية والعقرب والنمل ولا عبرة ببعض المنافع التافهة إذ لا نفع فيها يقابل المال.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/223)
(وكل سبع لا ينفع) كالأسد والذئب والنمر غير المعلم بخلاف نمر يمكن تعليمه أو فهد يرجى منه الصيد أو فيل لقتال أو عندليب للانس بصوته أو طاووس للأنس بلونه أما الهر المتوحش فلا يصح بيعه فقد روى أبو داود عن ابن عباس: "لا يحل ثمن الكلب" (ولا حبتي الحنطة ونحوها) أو الزبيب لأن ذلك لا يُقابل بمال عرفاً لانتفاء النفع بقلته ولذا لا يضمن ويمنع اغتصابه ويحرم بيع السم إن قتل كثيره وقليله وأما إذا نفع قليله وقتل كثيره فقد جاز بيعه لوجود النفع (وآلة اللهو) المحرم كالطنبور والمزمار إذ لا نفع بها شرعاً ولو صنعت من ذهب أو فضة (وقيل يصح في الآلة إن عُدَّ رضاضها مالاً) أي إن كان مكسرها فيه نفع متوقع كالخشب والحديد والفضة والذهب (ويصح بيع الماء على الشط والتراب في الصحراء في الأصح) فمن حازهما وامتلكهما لوجود المنفعة فيهما (الثالث) من شروط المبيع (إمكان تسليمه) أي قدرة البائع حساً وشرعاً على تسليم المبيع للمشتري من غير كبير كلفة ليخرج عن بيع الغرر المنهي عنه، والغرر ما تردد بين متضادين أغلبهما أخوفهما وقيل ما انطوت عنا عاقبته، فقد روى مسلم عن أبي هريرة وابن ماجة وأحمد من حديث ابن عباس أن النبي (ص) "نهى عن بيع الغرر"، وقد يصح مع عجز البائع عن التسليم لكون المشتري قادراً على التسلم كبيع المغصوب ممن قدر على استرداده من غاصبه (فلا يصح بيع الضال والآبق والمغصوب) للعجز عن تسليمها في الحال، والآبق: هو الهارب من سيده (فإن باعه لقادر على انتزاعه صح على الصحيح) فإن باع المغصوب أو الآبق أو الضال ممن يقدر على الوصول إليه جاز وصح البيع وكذا بيع المغصوب من الغاصب، فإن اختلفا في العجز فقال المشتري: كنت أظن القدرة فبان عدمها حلف على ذلك وبان عدم انعقاد البيع (ولا يصح بيع نصف معين من الإناء والسيف ونحوهما) وكذلك الثلث والربع وغير ذلك من أي شيء نفيس ينتقص بقطعة أو يفسد لأن التسليم لا يمكن إلا بالكسر أو القطع وفي ذلك نقص وتضييع للمال ومثله لا يصح بيع عمود معين في بناءٍ لأن الهدم يوجب النقص (ويصح في الثوب الذي لا ينقص بقطعهن في الاصح) والأرض الواسعة لانتفاء الضرر ويصح بيع باب في دار لإمكان إبداله (ولا المرهون بغير إذن مرتهنه) للعجز عن تسليمه شرعاً لأن الرهن وثيقة بالدين فتعلق به حق المرتهن (ولا الجاني المتعلق برقبته مال في الأظهر) كمن جنى خطأ أو شبه عمد أو عمد وعفي عن مال أو أتلف مالاً لتعلق حق المجني عليه به فلا يمكن تسليمه شرعاً، أما إذا أذن المجني عليه، وقبل اختيار السيد الفداء فقد جاز بيعه (ولا يضر تعلقه بذمته) لأن الدين بالذمة لا تعلق له بالرقبة وذلك كأن اشترى بغير إذن سيده وأتلفه، والبيع إنما يرد على الرقبة أما في الذمة فيؤديه بعد عتقه إن عتق، (وكذا تعلق القصاص في الأظهر) لأنه مرجو سلامته بالعفو عنه، والثاني يضر لأن المجني عليه قد يعفو على مال وتعلق المال برقبته مانع للبيع (الرابع) من شروط المبيع (المِلْك) أي ملك التصرف التام فدخل الوكيل وخرج ما قبل القبض (لمن له العقد) وهو العاقد أو موكله أو موليه فدخل الحاكم في بيع مال الممتنع عن الأداء والملتقط لمن خالف تلف الملتقط والمراد أنه لابد أن يكون مملوكاً لأحد الثلاثة (فبيع الفضولي باطل) وشراءه وسائر عقوده، والفضولي هو البائع لملك غيره بغير إذنه ولا ولاية، لما روى أحد والترمذي وأصحاب السنن عن حكيم بن حزام أن النبي (ص) قال له: "لا تبع ما ليس عندك" وفي رواية أبي داود "لا بيع إلا في ما تملك" (وفي القديم موقوف إن أجازه مالكه نفذ وإلا فلا) أي إن أجاز المالك بعد علمه بالبيعِ البيعَ صحَّ، ودليل ذلك ما رواه البخاري مرسلاً وأبو داوود والترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح أنه (ص) دفع إلى عروة البارقي ديناراً ليشتري به شاة فاشترى به شاتين وباع إحداهما بدينار وجاء بشاة ودينار فقال له النبي (ص): "بارك الله لك في صفقة يمينك" قال الشافعي: "إن صح حديث عروة فكل من باع أو أعتق ثم رضي فالبيع والعتق جائز" (ولو باع ملك مورثه ظاناً حياته وكان ميتاً صح في الأظهر) لصدور البيع من المالك وقيل لا لأن البائع حين باع كان يظن أنه ليس ملكاً له والأول أظهر لأن العبرة بما في نفس الأمر لا بالظن ومثله لو باع شيئاً ظاناً أنه لغيره فبان لنفسه صح البيع وصورة المسألة وجميع
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/224)
نظائرها أنه إذا علق البيع على أمر وعلما حال التعليق وجود المعلق عليه فقد صح البيع وإلا فلا.
(الخامس) من شروط المبيع (العلم به) عيناً وقدراً وصفة للنهي عن بيع الغرر لما روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي (ص) "نهى عن بيع الغرر" (فبيع أحد الثوبين باطل) ومثله بيع أحدى السيارتين أو أحدى الدارين ونحوهما ومثله البيع بأحد المالين أو أحدى السيارتين للجهل بعين المبيع في الأولى والجهل بالثمن في الثانية (ويصح بيع صاع من صُبْرَة علم صيعانها) للمتعاقدين لانتفاء الغرر وقالوا إنه ينزل منزلة المشاع فلو اشترى ثلاثة من عشرة فيملك المشتري ثلاثة أعشار الصبرة مشاعاً فلو تلف بعضاها تلف على المشتري بقدر حصته.
(وكذا إن جهلت في الأصح) اي الصيعان لأحد المتعاقدين أولهما للتماثل في اجزائها أما لو اختلفت فلا يصح البيع كبيع ذراع مربع من أرض أو شاة من الشياه لفتاوت الأجزاء.
(ولو باع بملء ذا البيت حنطة أو بزنة الحصاة ذهباً أو بما باع فلان فرسه أو بألف دراهم ودنانير لم يصح البيع) للجهل بقدر الثمن أما لو علما قبل العقد سعة البيت أو زنة الحصاة وثمن الفرس صح البيع.
(ولو باع بنقد) ريالات أو دنانير أو دراهم أو دولارات (وفي البلد نقد غالب تعين) النقد الغالب ولو كان غير عملة البلد لأن الظاهر أن المتعاقدين أراداه.
(أو نقدان لم يغلب أحدهما اشترط التعين) لأحدهما في العقد إذا تفاوتت قيمتهما كدينار ودرهم أو درهم وريال أو دولار وجنيه أماإذا استوت قيمتها صح البيع بدون التعين وسلم المشتري ما شاء منها.
(ويصح بيع الصبرة المجهولة الصيعان) للمتعاقدين (كلَّ صاع بدرهم) لأن تفصيل الثمن معلوم فلا يضر الجهل بجملته ومثله الأرض المجهولة المساحة أو القطيع المجهول العدد ومثله كل سلعة متماثلة وقالوا العلم بجملة المبيع أوجملة الثمن معلومة تخميناً في هذه الحالة.
(لو باعها) الصبرة أو الأرض أو القطيع (بمائة درهم كل صاع بدرهم صح إن خرجت مائة) للتوافق بين جملة الثمن وتفصيله فانتفى الغرر (وإلا فلا على الصحيح) لتعذر الجمع بين الجملة والتفصيل ألا ترى أنه لو كان محتاجاً إلى مائة طاولة من نوع واحد فكان العدد مئة وعشرة أو كان العدد تسعين طاولة ألا يُحْدِثُ ذلك ضرراً بالمشتري وقيل يصح البيع إن اختاره المشتري ولا خيار للبائع لأن المشتري اعلم بما ينتفع به.
(ومتى كان العوض معيناً كفت معاينته) ويقصد بالمعين المشاهد فتكفي المشاهدة وإن جهلا القدر لأن التخمين قد يحيط به كما ذكرنا كما لو باعه أرضاً شاهدها أو طعاماً رآه أو غير ذلك ولكن إذا باعه صبرة فكان تحتها دكة أو اختلفت صفتها فالمشتري بالخيار ولو باعه كتباً وظاهرها بالعربية وبان أن بعضها بالإنجليزية أو كتباً دينية وبان أن بعضها كتب علوم فالمشتري بالخيار أيضاً.
(والأظهر أنه لا يصح بين الغائب) وهو ما لم يره المتعاقدان أو احدهما وسواء في ذلك الثمن أو المثمن ومثله الرؤية عن بعد أو من خلف مانع للرؤية أو مغير لصفتها لوجود الغرر.
(والثاني يصح ويثبت الخيار عند الرؤية) قال ابن الصلاح لأن الرؤية العرفية كافية وهي الرؤية المطردة عند الناس ويثبت الخيار للمشتري عند الرؤية لأن الخبر ليس كالمعاينة ولا خيار للبائع لأنه هو الذي وصف الجنس والنوع والمشتري أحق بمطابقة الأوصاف بما يَرْغَبُ به.
(وتكفي الرؤية قبل العقد فيما لا يتغير غالباً إلى وقت العقد) كالأراضي والأواني والدور والأشجار.
(دون ما يتغير غالباً) كالأطعمة التي يسرع الفساد إليها ومنها ما يحتمل تغيره إذا طال الوقت وإن قصر فالتغير طفيف كالحيوان والثمار فالأصح صحة البيع لأن الظاهر بقاء المرئي على حالته فإن وجده المشتري متغيراً فله الخيار فإن نازعه البائع فالقول قول المشتري بيمينه.
(وتكي رؤية بعض المبيع إن دلَّ على باقيه كظاهر الصٌّبْرةِ) كالحنطة والشعير والجوز واللوز والأدقة والسمن في ظرف والزيت والتمر في نحو عنبر أو غرفة ولو من كوة نافذة إليه وفي كل الصُّبَر المتماثلة أما ما ليمكن تماثله كالبطيخ والرمان والسفرجل فلابد من رؤية الجميع.
(وأنموذج المتماثل) أي المتساوي الأجزاء كالحبوب وهو ما يُسمَّى العِّينة لأن رؤية العينة كرؤية ظاهر الصبرة وأعلى المائع الذي في ظرفه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/225)
(أو كان حيواناً للباقي خلقة كقشر الرمان والبيض والقشرة السفلى للجوز واللوز) فتكفي رؤية قشرة المذكور لأن صلاح باطنه ببقائه أما ما كان له قشران فلا يكفي رؤية قشرته الخارجية لاستتاره فيما ليس من مصلحته والصوان هو الوعاء أو الغلاف الذي يحفظ فيه الشيء ومثله الجبة المحشوة وغيرها فيكفي رؤية ظاهرها أما إذا كانت الحشوة مقصودة كالفرش والألحفة والمسك واللؤلؤ فلابد من رؤية باطنها ولا تكفي رؤية صوانها.
(وتعتبر رؤية كلِّ شيء على ما يليق به) عرفاً لأن ما لا ضابط له في الشرع يرجع فيه إلى العرف وقالوا هو ما كان المقصود الأصلي في البيع أي ما تختلف معظم القيمة باختلافه ففي البستان رؤية الأشجار وسعة الأرض وموارد الماء وفي الدور السقوف ونوعية البناء وسعة البيوت ومنطقة المسكن وسهولة الوصول ونوعية السكان وفي السيارة نوعها وسنة صنعها ولونها وفي الكتب نوع الورق والطباعة وفي الثياب لابد من نشرها لمعرفة لونها ونوع قماشها وسعتها.
(والأصح أن وصفه بصفة السلم لا تكفي) أي وصف المباع لأن المطلوب في الرؤية الإحاطة بما لم تحط به العبارة وأما السلم فهو بيع موصوف في الذمة أبيح للضرورة فمعتمده الوصف.
(ويصح سلم الأعلمى) مُسَلِّمِاً أو مسَلَّماً إليه على أن يوكل في القبض أو يقبض له رأس المال في المجلس (وقيل إن عمي قبل تميزه فلا) أي إذا كان أعمى قبل التمييز بين الأشياء فلا يصح سلمه لانتفاء معرفته بالأشياء وهذا مردوده بأنه يعرفها بالسماع ويستطيع التميز بينها أما غير السلم مما يعتمد الرؤية كالبيع والإجارة والرهن وسبيله إلى ذلك أن يوكل فيها ولو كان رأى قبل العمى شيئاً لا يتغير عادة صح بيعه وشراؤه فيه.
باب الربا
الربا لغة الزيادة وشرعاً الزيادة في أشياء مخصوصة والأصل في تحريمه قبل الإجماع قوله تعالى: [وأحل الله البيع وحرم الربا] البقرة:275 وقوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا] البقرة:278 وأخبار منها:
(1) حديث أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل ما ل اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" متفق عليه.
(2) وحديث ابن مسعود: "لعن رسول الله (ص) آكل الربا وموكله" رواه مسلم وزاد الترمذي بسند صحيح وشاهديه وكاتبه.
(3) روى مسلم عن عبادة بن الصامت أن النبي (ص) قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق ولا البُرَّ بالبُرَّ ولا الشعير بالشعير ولا الملح بالملح إلا سواءً بسواءً عيناً بعين يداً بيد".
وهو ثلاثة أنواع:
- ربا الفضل وهو البيع مع زيادة أحد العرضين على الآخر.
- ربا اليد: وهو البيع مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما.
- ربا النساء: وهو البيع لأجل مع تحديد الأجل في العقد.
قال الماوردي: ولم يكن حلالاً في شريعة من الشرائع وهو من أكبر الكبائر ولم يُؤْذِنُ الله تعالى في كتابه عاصياً بالحرب غير آكله وتحريمهُ تعبدي وما أبدي لسبب التحريم يصح أن يكون حكمة لا علة قال عمر بن الخطاب: لا يبع في سوقنا إلا من فقه وإلا أكل الربا.
(إذا بيع الطعام بالطعام إن كانا) أي الطعام (جنساً) واحداً كحنطة وحنطة مثلاً (اشترط) لصحة البيع ثلاثة أمور (الحلول) من الطرفين بأن لا يذكر في العقد أجل مطلقاً لاشتراط التقابض في خبر مسلم ومن لوازم التقابض الحلول فمتى اقترن بأحدهما تأجيل ولو لحظة بعد العقد حرم ولم يصح.
(والمماثلة) أي في متحد الجنس مع العلم بالمماثلة وزناً أو كيلاً.
(والتقابض) أي القبض الحقيقي للعوضين ممن له ولاية القبض عن نفسه أو غيره فلا يكفي الإبراء أو الحوالة أو الضمان حتى وإن قبض الضامن في المجلس.
(قبل التفرق) حتى ولو وقع العقد في دار الحرب. روى الإمام مسلم عن عبادة بن الصامت عن النبي (ص) أنه قال [الذهب بالذهب مثلاً بمثل والفضة بالفضة كلاً بمثل والتمر بالتمر مثلاً بمثل والبر بالبر مثلاً بمثل والملح بالملح مثلاً بمثل والشعير بالشعير مثلاً بمثل فمن زاد أو ازداد فقد أربى، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد وبيعوا البرَّ بالتمر كيف شئتم يداً بيد وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يداً بيد.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/226)
وفي رواية لمسلم فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد أي مقابضة ويؤخذ من المقابضة الحلول. ولقد اتفق القائلون بالقياس على أن ثبوت الربا في هذه المذكورات بعلة وعلى هذا يثبت الربا في كل ما وجدت فيه علتها لأن القياس دليل شرعي فيجب استخراج علة هذا الحكم وإثباته في كل موضع وجدت علته فيه واتفق أهل العلم على أن ربا الفضل لا يثبت إلا في الجنس الواحد كالبر بالبر والشعير بالشعير فقال الشافعي –رحمه الله- العلة الطُّعْمُ والجنس شرط والعلة في الذهب والفضة جوهرية الثمنية غالباً لما روى مسلم عم معمر بن عبد الله أن النبي (ص) نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل ولأن الطعم وصف شرف إذ به قوام الأبدان والثمنية وصف شرف إذ بها قوام الأموال فيقتضى التعليل بها ولأنه لو كانت العلة في الأثمان الوزن لم يجز إسلام النقد في شيء من الموزونات لأنه أحد وصفي علة الربا.
(أو جنسين كحنطة وشعير جاز التفاضل) بينها كخمسة أطنان حنطة بستة أطنان شعير (واشترط الحلول والتقابض) للخبر السابق. وفي رواية لمسلم عيناً بعين وهي واضحة في اشتراط الحلول وما اقتضاه من وجوب التقابض.
(والطَعَامَ ما قصد للطُّعْمِ) أي ما قصد للأكل.
(إقتياتاً أو تفكهاً أو تداوياً) وهذه الثلاثة مأخوذة من الحديث السابق فإنه نص على البر والشعير والمقصود منهما القوت فألحق بهما ما يشاركهما في ذلك كالأرز والذرة كما نص على التمر والمقصود منه التأدم والتفكه فالحق به ما يشاركه كالزبيب والتين وكسائر الفواكه ونص على الملح والمقصود منه الاصلاح وتجنب الفساد فألحق به كل مصلح من الأبازير والبهارات وسائر الأدوية والأدهان نحو دهن الخروع والورد والصمغ فإذا كان الملح مصلحاً للطعام فلا فرق بينه وبين ما يصلح البدن وقوله اقتياتاً أي اقتياتاً مقصوداً عادة للآدميين فلا ربا فيما تتناوله البهائم.
(وأدقه الأصول المختلفة الجنس وخلولها أجناس) كأصولها فيجوز بيع دقيق الحنطة بدقيق الشعير متفاضلاً وخلِّ العنب بخل التفاح ودهن الخروع بدهن الورد متفاضلاً. أما أدقة الحنطة خشنة أو ناعمة أو مكسرة فكلها جنس واحد.
(واللحوم والألبان في الأظهر) هي أجناس كأصولها فليست اللحوم جنساً واحداً فيجوز بيع لحم البقر بلحم الضأن متفاضلاً ولبن البقر بلبن الضأن متفاضلاً أما البقر والجواميس فجنس واحد وكذلك الضأن والمعز جنس واحد.
(والمماثلة تعتبر في المكيل كيلاً وفي الموزون وزناً) لما روى البيهقي والنسائي عن عبادة بن الصامت الذهب بالذهب وزناً بوزن والبر بالبر كيلاً بكيل فالمكيل لا يجوز بيع بعضه ببعض وزناً ولا يضر إذا استويا في الكيل أيضاً والموزون لا يجوز بيع بعضه ببعض كيلا ًولا يضر مع الاستواء في الوزن التفاوت في الكيل.
(والمعتبر) في كون الشيء مكيلاً أو موزوناً (عادة أهل الحجاز في عهد رسول الله (ص)) لأنه من المعروف أن النبي (ص) اطلع على ذلك وأقره فلو أحدث الناس خلاف ذلك فلا اعتبار لما احدثوا (وما جهل) كأن لم يكن موجوداً أو كان موجوداً ولم نطلع عليه أو استعمل الكيل فيه والوزن سواء (يراعى فيه عادة بلد البيع) حالة بيعه لأن الشيء إذا لم يكن محدوداً في الشرع ولا في اللغة كان الرجوع فيه إلى عادة الناس كالقبض في البيع والحرز في السرقة والأمانات فإن لم توجد عادة أو لم تعرف لهم عادة فقد جاز الوزن فيه والكيل.
(وقيل الكيل) لأنه الأغلب فيما ورد (وقيل الوزن) لأنه الأضبط والأحوط (وقيل يتخير) لأنه لا فرق بين الكيل والوزن.
(وقيل إن كان له أصل اعتبر) أصله المعلوم إن كان موزوناً فيباع الفرع موزوناً وإن كان مكيلاً فيباع الفرع مكيلاً كدبس التمر فيباع مكيلاً لأن التمر يباع مكيلاً ودبس الرمان موزون (والنقد بالنقد كطعام بطعام) أي إذا بيع بجنسه كذهب بذهب أو فضة بفضة اشترط المماثلة والحلول والتقابض قبل التفرق للحديث السابق وعلة الربا في الذهب والفضة الثمنية وهي منتفية عن الفلوس وهي المصنوعة من معادن خسيسة كالحديد والنحاس لتفاهة قيمتها ولا أثر لقيمة الصنعة فيها لأنها تبقى خسيسة (ولو باع) طعاماً أو نقداً (جزافاً تخميناً لم يصح وإن خرجا سواءً) للجهل بالمماثلة حال البيع لقولهم الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة والجزاف أي من غير كيل ولا وزن.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/227)
(وتعتبر المماثلة) في الثمار والحبوب (وقت الجفاف) لأنه وقت الكمال (وقد يعتبر الكمال أولاً) وهي مسألة العرايا فهي رخصة أبيحت مع عدم الكمال فيها وقيل المعنى أن العرايا وهو بيع الرطب على الشجر بتمر جاف أعتبر حالة كمال لأنه يؤكل هكذا فهي حالة كمال له.
(فلا يباع رُطِبٌ بُرطَبٍ ولا بتمر ولا عنب بعنب ولا بزبيب) لجهلنا الآن بالمماثلة وقت الجفاف فقد أخرج مالك والشافعي والترمذي وصححه عن سعد بن أبي وقاص أن النبي (ص) سُئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم قال: فلا إذن فالمماثلة المعتبرة عند الجفاف وألحق بالرطب التين فلا يباع الرطب باليابس ولا الرطب بالرطب وألحق به أيضاً طري اللحم فلا يباع بطريه ولا بقديده أي جافه.
(وما لا جفاف له كالقثاء والعنب الذي لا يتزبب لا يباع) بعضه ببعض (أصلاً) كالرطب بالرطب (وفي قول تكفي مماثلته رطباً) كاللبن باللبن فيباع وزناً وإن أمكن كيله لأن ذلك أدق ومما لا جفاف له الزيتون فيباع بعضه ببعض قيل لأن رطوبته دهنية وليست مائية (ولا تكفي مماثلة الدقيق والسويق) وهو دقيق الشعير (والخبز) فلا يباع شيء منها بأصله ولا بمثله ولا بأصله لتفاوت نعومة الدقيق وتأثير النار على الخبز.
(بل تعتبر المماثلة في الحبوب حباً) بعد كمال جفافها وتنقيتها من تبن ونحوه لتحقيق المماثلة (وفي حبوب الدهن كالسمسم حباً أو دهناً) أو كسباً بعدعصر دهنه فيجوز بيع السمسم بمثله والشيرج أي دهن السمسم بمثله وأما كسب غير السمسم وهو ما لا تأكله إلا البهائم فليس بربوي ولا يباع سمسم بشيرج ويجوز بيع خلِّ العنب ببعض وبيع بعض عصير العنب ببعض ومثله عصير الرمان والقصب.
(وفي اللبن لبناً) أي باعتبار المماثلة بشرط أن يكون كلٌ منها صافياً لم يضف إليه الماء (أو سمناً أو مخيضاً صافياً) من الماء لأن منفعته كاملة والمخيض اللبن إذا نزع منه الزُّبد فيجوز بيع بعض السمن ببعض وزناً على النص وقيل كيلاً وأما المشوب بالماء فلا يجوز بيعه بمثله ولا بخالص للجهل بالمماثلة.
(ولا تكفي المماثلة في سائر أحواله كالجبن والأقط) أي أن المماثلة في باقي الصفات لا تكفي ومثل الجبن والأقط المصل والزبد لأنها مخالطةٌ لأشياء أخرى فهي ليست صافية فالجبن تخالطه الأنفحة والأقط يخالطه الملح والمصل يخالطه الدقيق والزبد لا يخلو من المخيض فلا تتحقق فيها المماثلة المعتبرة فلا يجوز بيع كل منها ببعضه ولا بيع واحد منها باللبن ولا بما فيه شيء منه أما بيع واحد منها بواحد من البقية فقيل يجوز لأنها أجناس وإن قلنا جنس واحد فلا يصح البيع مطلقاً ولا يجوز بيع الزبد بالسمن ولا بغيره لاشتمال الزبد على المخيض كما ذكرنا المانع من العلم بالمماثلة.
(ولا تكفي مماثلة ما أثرت فيه النار بالطبخ أو القلي أو الشي) لأن تأثير النار لا ضابط له فيؤدي إلى الجهل بالمماثلة فمن المطبوخ اللحم مثلاً ومن المقلي السمسم مثلاً من المشوي البيض مثلاً وفيما أثرت فيه بالعقد كالدبس والسكر ايضاً لا يصح بيع بعضه ببعض (ولا يضر تأثير تميز كالعسل والسمن) لتميز العسل عن الشمع والسمن عن اللبن فيباع كل منها بمثله بعد التصفيه للجهل به قبل التصفية قيل لأن ناره ضعيفة.
(وإذا جَمَعَتِ الصفقةُ ربوياً من الجانبيين واختلف الجنس منهما) المقصود بالصفقة عقد البيع لأنهم كانوا يصفقون بأيدي بعضهم عند إبرام عقد البيع فإن اشتمل أحدهما على ربوي وآخر ربوي أو غير ربوي واشتمل طرف العقد الآخر على مثل الأول (كمد عجوة ودرهم بمد ودرهم وكمد ودرهم بدرهمين أو مدين) وكثوب ودرهم بثوب ودرهم أو كثوب مطرز بذهب بذهب أو قلادة فيها ذهب وخرز بذهب فالبيع باطل في جميع تلك الحالات.
(أو اختلف النوع) أي نوع الربوي باختلاف الصفة من الجانبين بأن اشتمل أحدهما من الدراهم والدنانيير على موصوفين بصفتين اشتمل الآخر عليهما أو على أحدهما فقط (كصحاح ومكسرة بها) أي بصحاح ومكسرة (أو بأحدهما) أي بصحاح فقط أو مكسرة فقط وقيمة المكسرة دون قيمة الصحيح في الجميع (فباطلة) لأن قضية اشتمال أحد طرفي العقد على مالين مختلفين أن يوزع ما في الطرف الآخر عليهما باعتبار القيمة. مثاله: باع جزءا ًمن دار وسيارة بمئة ألف والجزء بضعف قيمة السيارة فيأخذ الشفيع الشقص بثلثي المئة ألف والتوزيع في مسألتنا يؤدي إلى المفاضلة
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/228)
فلما كان أحد طرفي العقد مشتمل على مالين مختلفين فوجب أن يوزع ما في الطرف الآخر عليهما باعتبار القيمة والتوزيع يتم بالتقويم والتقويم هو التخمين والتخمين قد يخطئ ففي مسألة مُدّ عجوة ودرهم بدرهمين المذكورة إذا زادت قيمة المدِّ على الدرهم أو نقصت تلزم المفاضلة وإذا ساوته لزم الجهل بالمماثلة ولهما نفس الحكم. فقد نهى رسول الله (ص) عن بيع مالم يفصل فقد روى مسلم وأبو داود وغيرهم عن فضالة بن عبيد قال: أُتي النبي (ص) بقلادة فيها حرز وذهب تباع بتسعة دنانير فأمر النبي (ص) بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده ثم قال الذهب بالذهب وزناً بوزن وفي روابة لا تباع حتى تفصل وهذه المسألة تسمى عند الفقهاء بقاعدةُ مدِّ عجوة ودرهم.
(ويحرم بيع اللحم بالحيوان من جنسه) ولو لحم سمك بسمك ومنه بيع لحم البقر بالبقر ولحم البقر بالجاموس لأنهما جنس ولحم الضأن بالمعز باطل لأنهما جنس (وكذا بغير جنسه من مأكول وغيره) كبيع لحم البقر بالشاة ولحم البقر بالحمار (في الأظهر) لما روى مالك من حديث سعيد بن المسيب مرسلاً أن النبي (ص) نهى عن بيع اللحم بالحيوان. وأكثر أهل العلم على أن مرسل سعيد بين المسيب بمنزلة المسند على نزاع في ذلك وهو مشهور مذهب الشافعي. على أن الترمذي روى الحديث عن زيد بن سلمة الساعدي. ومقابل الأظهر الجواز أما في المأكول لأننا حكمنا أن اللحم أجناس فإذا أختلفت الأجناس جاز البيع وفي غير المأكول هو أن الممنوع بيع مال الربا بأصله المشتمل عليه وهو هنا غير موجود. ويؤيد الأول ما روى الشافعي عن ابن عباس: أن جزوراً نحرت على عهد أبي بكر فجاء رجل بعناق فقال: اعطوني منها فقال أبو بكر: لا يصلح هذا.
باب البيوع المنهي عنها
(نهى رسول الله (ص) عن عسب الفحل وهو ضرابه) وهو طروق الفحل للأنثى (ويقال ماؤه) والمقصود النهي عن أجرة ضرابه لأن فعل الضراب غير مقدور عليه كما أن العسب وهو الضراب ليس من أفعال المكلفين حتى يكون فيه حرمة وإباحة. فقد روى البخاري والشافعي في المختصر وغيرهما من حديث ابن عمر أنه (ص) نهى عن عسب الفحل، ولمسلم عن أبي هريرة أنه (ص) نهى عن بيع ضراب الجمل.
وللنسائي من حديث أبي هريرة "نهى عن ثمن الكلب وعسب التيس" (ويقال أجرة ضرابه) أي نهى عن بدل عسب الفحل من أجرة ضرابه أو ثمن مائة، أي استئجاره للضراب (فيحرم ثمن مائه وكذا أجرته في الأصح) عملاً بأصل التحريم، والبيع باطل لأن الضراب غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه ومقابل الأصح جواز استئجاره للضراب كالاستئجار لتلقيح النخل باعتبار أن المستأْجَرَ عليه هو فعل الأجير الذي هو قادر عليه ولا بأس بالإهداء لصاحب الفحل بل قيل يندب كما تسن إعارة الفحل للضراب (وعن حَبَلِ الحَبَلَةِ) لما روى الشيخان عن ابن عمر أن النبي (ص) نهى عن بيع حبل الحبلة. قال البزار (وهو نتاج النتاج) والأصل في الحَبَلِ الاختصاص بالآدميات (بأن يبيع نتاج النتاج أو بثمن إلى نتاج النتاج) أي إلى أن تلد هذه الدابة ويلد ولدها، ووجه البطلان انعدام شروط البيع ومنها هنا جهالة الأصل (وعن الملاقيح وهي ما في البطون) من الأجنة (والمضامين وهي ما في أصلاب الفحول) من الماء، فقد رواه مالك في الموطأ عن سعيد مرسلاً كما روى البزار عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) نهى عن بيع الملاقيح والمضامين (والملامسة) فقد روى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) نهى عن بيع الملامسة والمنابذة، وعن أبي سعيد أنه نهى عن بيعتين المنابذة والملامسة (بأن يلمس ثوباً مطوياً) أو في ظلمة (ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه) اكتفاءً بلمسه عن رؤيته (أو يقول إذا لَمَستَهُ فقد بعتكه) اكتفاءً باللمس عن الصيغة، أو على أنه متى لمسه فقد انقطع خيار المجلس وخيار الشرط (والمنابذة بأن يجعل النبذ بيعاً) اكتفاءً به عن الصيغة وعلى أن إذا رماه إليه بالثمن المتفق عليه لزم البيع وانقطع الخيار، والبطلان فيهما لعدم الرؤية وللشرط الفاسد (وبيع الحصاة بأن يقول بعتُكَ من هذه الأثواب ما تقع هذه الحصاة عليه أو يجعلا الرمي بيعاً) اكتفاءً به عن الصيغة، أو يقول بعتك من هذه الأرض إلى ما انتهت إليه هذه الحصاة فإذا رماها أحدهما فالمبيع من مكان وقوفهما إلى موضع سقوطها فقد روى الإمام مسلم من طريق حفص بن عاصم أن النبي (ص) نهى عن بيع الحصاة
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/229)
(أو بعتك ولك الخيار بلا رميها) أي أن يكون زمن الخيار إلى رمي الحصاة من أحدنا والبطلان في ذلك للجهل بالمبيع أو بزمن الخيار أو لعدم الصيغة (وعن بيعتين في بيعة) فقد روى الترمذي عن أبي سلمة من حديث محمد بن عمرو أنه (ص) نهى عن بيعتين في بيعة و روى أحمد والبزار وغيرهما عن ابن عمر: "مطل الغني ظلم وإذا أُحلت على ملئ فاتبعه ولا بيعتين في واحدة" وفي لفظ البزار: نهى عن بيعتين في بيعة (بأن يقول بعتك بألف نقداً وبألفين إلى سنة) فخذ بأيهما شئتَ أو شئتُ أنا (او بعتك هذا العبدَ بألف على أن تبيعني دارك بكذا) أو تشتري مني داري بكذا والبطلان للجهل بالعوض في الأول وللشرط الفاسد في الثاني (وعن بيع وشرط كبيع بشرط بيع أو قرض) فقد روى أصحاب السنن إلا ابنَ ماجة والحاكمُ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي (ص) قال: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع" وفي رواية نهى عن بيع وشرط، كأن يقول أبيعك عبدي بألف بشرط أن تقرضني خمسمائة (ولو اشترى زرعاً بشرط أن يحصده البائع أو ثوباً ويخيطه فالأصح بطلانه) أي بطلان الشراء لاشتماله على شرط، ولتضمنه الزامه بالعمل فيما لم يملكه بعد والثاني يصح ويلزم الشرط وهو في المعنى بيع وإجارة يوزيع المسمّى عليهما باعتبار القيمة (ويستثنى) من النهي عن بيع وشرط (صور) يصح البيع مع الشرط (كالبيع بشرط الخيار أو البراءة من العيب أو بشرط قطع الثمر) فالبيع صحيح (والأجل) في غير الربوي. قال تعالى: [يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمّى] البقرة:282 أي إلى أجل معين (والرهن والكفيل) للحاجة إليه في معاملة من لا يعرف حاله وشرطه العلم به بالمشاهدة والرهن وشرطه أن يكون معلوماً إما بالمشاهدة كما ذكرنا أو الوصف بصفات السلم وأما الكفيل فلا يشترط معرفة حاله لأن ذلك لمصلحة العاقد فعليه أن يتعرف حاله فإذا عدم ذلك فلتقصيره فيتحمل تبعاته (والإشهاد) للأمر به قال تعالى: [واشهدوا إذا تبايعتم] البقرة:282 (ولا يشترط تعيين الشهود في الأصح) لأن المطلوب إثبات الحق وهو يثبت بأي عدول وقيل يشترط لتفاوت الأغراض فيهما كالوجاهة والملاءة والقوة وغير ذلك (فإن لم يرهن) المشتري أو جاء يرهن غير المعين أو لم يشهد (أو لم يتكفل المعين) بأن مات قبل الضمان أو ظهر أنه معسر (فللبائع الخيار) لفوات ما شرَطَهُ لضمان حقه ومثله إذا عين شاهدين فامتنعا من التحمل ثبت له الخيار أيضاً إن قلنا باشراط تعين الشهود (ولو باع عبداً بشرط اعتاقه فالمشهور صحة البيع والشرط) لتشوف الشارع إلى العتق وعلى أن للمشتري مصلحة في عتقه بالولاء في الدنيا والثواب في الآخرة وللبائع ثواب بالتسبب بالعتق (والأصح أن للبائع مطالبة المشتري بالإعتاق) بناءً على أن الحق له فإن لم يعتق فللبائع الفسخ وإن قلنا إن الحق في العتق لله تعالى كالملتزم بالنذر ففي هذه الحالة فليس للبائع المطالبة بالإعتاق لأنه لا ولاية له في حق الله تعالى.
(وإنه لو شرط مع العتق الولاء له) أي للبائع لم يصح البيع لمخالفة الشرط لما استقر عليه الشرع من أن الولاء لمن اعتق لما روى الشيخان عن عائشة في حديث بريرة "خذيها واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن اعتق" أي لا معنى للشرط (أو شرط تدبيره أو كتابته أو اعتاقه بعد شهر) مثلاً (لم يصح البيع) لأنه بيع وشرط ولم يظهر في التدبير أو الكتابة أو العتق ما تشوف إليه الشارع من العتق المنجز.
(ولو شرط مقتضى العقد كالقبض والرد بعيب) لم يضر الشرط فهو تصريح بما أوجبه الشارع (أو ما لا غرض فيه كشرط أن لا يأكل إلا كذا) أو لا يلبس إلا كذا (صح) البيع ولغا الشرط لخبر الشيخين في حديث عائشة قالت: ثم قام رسول الله (ص) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاءُ الله أحقُ وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق".
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/230)
(ولو شرط وصفاً يُقْصَدُ ككون العبد كاتباً أو الدابة حاملاً أو لبوناً صح) الشرط مع العقد لأنه شرط يتعلق بمصلحة العقد وهو العلم بصفات المبيع التي تختلف بها الأغراض ولأنه التزم موجوداً عند العقد ولا يتوقف التزامه على إنشاء أمر مستقبل فلابد يدخل في النهي عن بيع وشرط وإنما سمي شرطاً تجوزاً فإن الشرط لا يكون إلا مستقبلاً ويكفي في الصفة المشروطة ما يطلق عليه الاسم (وله الخيار إن أخلف) أي للمشتري الخيار على الفور إن أخلف الشرط الذي شرطه (وفي قول يبطل العقد في الدابة) إن شرط فيها ما ذكر لأنه مجهول أما اختبار الكتابة ممكن معرفته قبل الشراء وكذلك حسن الخط وإجادة الصنعة وغير ذلك.
(ولو قال بعتُكَهَا وحملها) أو مع حملها (بطل في الأصح) لأن ما لا يصح بيعه وحده وهو هنا الحمل لا يصح مقصوداً مع غيره ومثله قوله بعتكها ولبنها لجعل اللبن المجهول مبيعاً مع المعلوم بخلاف بيعها بشرط الحمل أو حلوباً لكون الحمل والحلب وصفاً للمبيع (ولا يصح بيع الحمل وحده) لبطلان بيع الملاقيح فهو غير معلوم ولا مقدور عليه (ولا الحامل دونه) لتعذر استثنائه لأنه كالعضو من أمه (ولا الحامل بحر) لأن الحر لا يباع فهو مستثنى شرعاً والاستثناء الشرعي كالاستثناء الحسي أي في وجه تباع الحامل ويكون الحر مستثنى (ولو باع حاملاً مطلقاً) من غير ذكر حمل معها ولا نفيه (دخل الحمل في البيع) تبعاً لها.
فصل في المنهيات التي لا يقتضي النهي فسادها
(ومن المنهي عنه ما لا يبطل) أي لا يبطل النهيُ عنه البيعَ بخلافه فيما تقدم حيث يَبْطَلُ البيعُ لرجوعه أي لرجوع النهي (إلى معنى يقترن به) أي ليس النهي عن البيع بل لأمر آخر كالتضييق والإيذاء والتغرير (كبيع حاضر لباد بأن يقدم غريب بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه فيقول بلديٌ اتركه عندي لأبيعه على التدريج بأغلى) من بيعه حالاً وذلك لأخبار منها:
- روى مسلم عن جابر أن النبي (ص) قال: " دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض.
- وروى الشيخان عن أبي هريرة "لا يبيع حاضرٌ لباد".
- ومثله عند مسلم عن أبي الزبير "لا يبيع حاضر لباد".
- وروى الشيخان عن ابن عباس "نهى رسول الله (ص) أن تُتَلقى الركبان وأن يبيع حاضر لبادٍ"
فبيع الحاضر للباد يؤدي غالباً إلى التضييق على الناس خاصة إذا كان المتاع مما تعمُ الحاجة إليه كالأطعمة وأما إذا كان المتاع مما لا تعم الحاجة إليه فلا يدخل في النهي وكذلك إذا جاء البائع ليبيع بسعر اليوم فإن هذا يضييق على الناس أما إذا جاء ليبيع على التدريج أو ليضعه أصلاً عند من يبيعه له على التدريج فلا بأس بالبيع إن طلب البلديُ تفويضَ البيع على التدريج إليه والنهي للتحريم ويصحُ البيعُ لتكامل شروطه وأركانه ويأثمُ البلديُ دون البدويُ.
(وتلقى الركبان بأن يتلقى طائفةً يحملون متاعاً إلى البلد فيشتريه قبل قدومهم ومعرفتهم بالسعر ولهم الخيار إذا عرفوا الغبن) فقد روى الشيخان: عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "لا تتلقوا الركبان للبيع" وزاد مسلم فمن تلقاها فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يَقْدُمَ السوقَ والعلة في المنع مقصود فيه مصلحة الجالب فلو هبط السوق وتبين له أنه قد غُبِنَ في السعر ولو غَبْناً يسيراً فهو بالخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أمضاه وليس له الفسخ إلا إذا تبين أنه مغبون ولو كان البيع باطلاً لما جعل النبي (ص) الخيار فيه لأن الخيار لا يكون إلا في بيع صحيح. وحيث ثبت لهم الخيار فهو على الفور أما تلقى الركبان لبيعهم ما يقصدون شراءه من البلد فلا شيء فيه إذا كان برغبتهم وطلبهم لتحقق شروطه ولعدم المانع الشرعي.
(والسوم على سوم أخيه) فقد روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي قال: "لا يسوم الرجل على سوم أخيه" وروى الشيخان عن ابن عمر "لا يبع بعضكم على بيع بعض" وهو خبر بمعنى النهي فيأثم فاعله إذا ان عالماً به (وإنما يحرم ذلك بعد استقرار الثمن) بأن يصرحا بالتوافق على ثمن معين فيأتي ثالث فيقول لمن أخذ شيئاً ليشتريه ردّهُ حتى أبيعك خيراً منه بهذا الثمن أو مثله أو خيراً منه بأقل أو يقول لمالكه استرده لاشترَيهُ منك بأكثر مما بعت فلو باع أو اشترى صح البيع لأن التراضي صريح أما إذا لم يصرحا بالبيع أو سكت أحدهما أو كلاهما فإن السوم لا يحرم وأكثر المبيع إنما يكون بالمساومة. فقد روى أحمد وأبو
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/231)
داود عن أنس أنه (ص) نادى على قدح وَحلْس لبعض أصحابه فقال رجل هما عليَّ بدرهم ثم قال الآخر عليَّ بدرهمين ورواه النسائي والترمذي وقال حسن (والبيع على بيع غيره قبل لزومه) لبقاء خيار مجلس أو شرط أو اطلاع على عيب في وقت يصعب الردُّ فيه كليل أو قيلولة أو شدة حرٍّ أو شدة برد (بأن يأمر المشتري بالفسخ ليبيعه مثله) أي مثل المبيع بأقل من ثمنه (والشراء على الشراء) قبل لزومه (بأن يأمر البائع بالفسخ ليشتريه) بأكثر مما باعه. فقد روى الشيخان عن ابن عمر "لا يبيع بعضكم على بيع بعض" وزاد النسائي حتى يبتاع أو يذر. وروى مسلم عن عقبة بن عامر "المؤمن أخو المؤمن فلا يحل لمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه حتى يذر ولا يخطب على خطبته حتى يذر". والمعنى في تحريم ذلك الإيذاء أما لو أذن البائع في البيع على بيعه عن رضا لا لنحو ضجر وضيق فقد ارتفع التحريم ولو باع أو اشترى دون إذن صح البيع والشراء لوجود شروط البيع كاملة.
(والنجش بان يزيد في الثمن لا لرغبة بل ليخدع غيره) فيشتريها أي غيره وهو محرم ولو كان المال ليتيم أو فقير أو محتاج لعموم النهي فقد روى الشيخان عن ابن عمر أن النبي (ص) نهى عن النجش.
(والأصح أنه لا خيار) للمشتري لتفريطه بعد تأمله للسلعة ولعدم سؤال أهل الخبرة والاستعانة بهم والثاني له الخيار أن ثبت أن النجش كان بمواطأة من البائع لأنه في هذه الحالة مدلس كحكم التصرية أما إذا لم يثبت فلا خيار جزماً.
(وبيع الرُطب والعنب لعاصر الخمر) أي لمن يظن منه عصره خمراً أو مسكراً فإن توهم اتخاذه إياهما من المبيع فالبيع مكروه أو تحقق فحرام فقد روى البخاري عن ابن عباس قال: "بلغ عمر أن فلاناً باع خمراً فقال: قاتل الله فلاناً ألم يعلم أن رسول الله (ص) قال: قاتل الله اليهود حُرمت عليهم الشحوم فجملوها [أذابوها] فباعوها".
وفي رواية مسلم: أن سمرة بن جندب باع خمراً فقال عمر: قاتل الله سمرة" قيل أخذها جزية فباعها وقد علم تحريمها ولم يعلم تحريم بيعها وقال الخطابي: يجوز أن يكون باع العصير ممن يتخذه خمراً والعصير يسمى خمراً كما أن العنب قد يسمى خمراً لأنه يؤول إليه كما أن الطبراني روى في الأوسط عن بُرَيدة مرفوعاً "من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يتخذه خمراً فقد تقحم النار على بصيرة" وقد لعن رسول الله (ص) في الخمر عشرة منهم عاصرها ومعتصرها قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن بيع الخمر غير جائز ومن المنهي عنه احتكار القوت بأن يشتريه وقت الغلاء والعبرة في الغلاء العرف ليبيعه بأكثر من ثمنه للتضيق حينئذ فقد روى أحمد والحاكم وأبن أبي شيبة من حديث أبن عمر "من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه" وزاد الحاكم "وإيما أهل عرصة أصبح منهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله".
وروى ابن ماجة من حديث عمر بن الخطاب "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون".
وروى مسلم من حديث معمر بن عبد الله بن نضلة العدوي "لا يحتكر إلا خاطئ".
(ويحرم التفريق بين الأم وولدها) أي بين الرقيقة وولدها الرقيق في البيع أو الهبة أو الميراث (حتى يميز) لسبع سنين أو ثمانٍ (وفي قول حتى يبلغ) فقد روى الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن أبي أيوب "من فرق والدةً وولدَهَا فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة".
وروى أبو داود والترمذي والبيهقي عن علي "أنه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبي (ص) ورد البيع ولا يحرم التفريق بالعتق والوصية فلعل الموت لا يحدث إلا بعد سن التمييز ولو كانت الأم رقيقة والولد حراً أو العكس فلا منع من بيع الرقيق منهما وإذا كان فيه نقص في التمييز فلا يباع حتى يبلغ ويحرم التفريق في السفر بين زوجة حرة وولدها غير المميز لا المطلقة (وإذا فرق ببيع أو هبة بطلا في الأظهر) لعدم القدرة على التسليم شرعاً أما قبل سقية اللبأ فيبطل جزماً وقيل يجوز إذا كان المشتري ممن يعتق عليه المُشْتَرى فالظاهر عدم الحرمة لتحصيل مصلحة الحرية فهي صفة كمال.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/232)
(ولا يصح بيع العُرْبون بأن يشتري ويعطيه دراهم لتكون من الثمن إن رضي السلعة وإلا فهبةً) لما روى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أنه (ص) نهى عن بيع العُربان لأن فيه شرطين فاسدين أحدهما شرط الهبة والثاني شرط الرد على تقدير أن لا يرضى بالشراء وقيل إن التفريق بين الأم والولد وبيع العربون كان ينبغي أن يذكر في فصل البيوع الباطلة قال الرملي جواباً على ذلك بأنه لما كان مُخْتَلَفاً بالبطلان في التفريق ولم يثبت في العربون نهي صحيح كان نوعاً ثالثاً فأخر عن النوعين قبلهما لذلك. أ. هـ تتمة: البيع تعتريه الأحكام الخمسة فيجب كما في بيع القاضي مال المفلس والمحجور عليه وفي حالة الاضطرار كبيع الولي مال اليتيم إذا تعين بيعه، ويندب في نحو زمن الغلاء وفي المحاباة للعالم بها ويكره في نحو بيع مصحف ودور مكة وفي سوق اختلط فيه الحرام بغيره وممن أكثر ماله حرام، ويحرم في بيع نحو العنب لعاصر الخمر وبيع السلاح للحربي، ومما يجب بيعه ما زاد على قوته سنة إذا احتاج الناس إليه، ولا يكره إمساكه سنين مع عدم الحاجة إليه، ومما يحرم التسعير على الحاكم ولو في غير المطعومات لكن للحاكم ان يعزر من خالف أمره إذا بلغه لشق عصا الطاعة، ومن المحرم بيع العينة وذلك بأن يبيعه عيناً بثمن كثير مؤجل ويسلمها إليه ثم يشتريها منه بنقد يسير ليبقى الكثير في ذمته، وغالب البيوع من المباح.
فصل في تفريق الصفقة وتعددها
(باع خلاً وخمراً أو عبده وحراً أو عبد غيره أو مشتركاً بغير إذن الآخر) ومثله شاة وخنزيراً (صح في ملكه في الأظهر) وبطل في الآخر وإعطاء لكل منهما حكمه، والثاني يبطل في الجميع تغليباً للحرام على الحلال، أما إذا أذن الشريك في البيع فقد صح جزماً وأما إذا أذن مالك العبد بالبيع فإنه لا يصح بيع العبدين للجهل بما يخص كل منهما وقيل يصح على أن يوزع الثمن على قدر قيمتيهما (فيتخير المشتري إن جهل) بناءً على قولنا بالصحة وجهل أن بعض المبيع خمراً فيتخير بين الفسخ والأجازة لتبعيض الصفقة عليه أما إذا علم فلا خيار له لتقصيره وعليه في حال علمه كامل الثمن (فإن أجاز فبحصته من المسمى باعتبار قيمتهما) لعدم علمه وذلك بأن يقدر الخمر خلاً والحر رقيقاً فإذا كانت قيمتهما ثلاثمائة والمسمى مئة وخمسين وقيمة المملوك مئة فحصته من المسمى خمسون (وفي قول بجميعه) لأنه بإجازته رضي بجميع الثمن في مقابله المملوك فكان الآخر كالمعدوم (ولا خيار للبائع) لأنه المفرط حيث باع مالاً يملكه وطمع فيما لا يستحقه (ولو باع عبديه فتلف أحدهما قبل قبضه) فينفسخ العقد في التالف وتستمر صحته في الباقي بقسطه من المسمى إذا وزع على قيمته وقيمة التالف (لم ينفسخ في الآخر على المذهب) وإن لم يقبض الثمن مع جهالة ثمن التالف لأنهما طارئة فلا تضر كما لا يضر سقوط بعض الثمن لأرش العيب بل يتخير المشتري فوراً بين فسخ العقد والإجازة لتبعيض الصفقة عليه (فإن أجاز فبالحصة قطعاً) وقيل بجميع الثمن وهو مردود لأن الثمن غير منظور إليه أصالة فاغتفر تفريقه دواماً لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء خلافاً للمُثْمَنِ فإنه المقصود بالعقد فأثر تفريقه دواماً (ولو جمع) العقد (في صفقة مختلفي الحكم كإجارة وبيع أو) إجارة و (سلعة) كبعتك هذه وآجرتك هذه سفرة بألف أو آجرتك هذه وبعتك كذا في ذمتي سلماً بألف دينار مثلاً (صح في الأظهر ويوزيع المسمى على قيمتهما) كل منهما بقسطه بالمسمى أي قيمة المؤجر من حيث الأجرة وقيمة المبيع أو المسلم فيه من حيث القيمة وقيل يبطلان لأنه قد يَعْرِضُ فسخ لأحدهما مما يقتضي التوزيع لأنهما دخلا تحت عقد واحد وقد جهلنا ما يخص كلاً منهما أو بيع ونكاح كقوله بعتك داري وزوجتك ابنتي (صح النكاح) لأن النكاح لا يفسد بفساد الصداق (وفي البيع والصداق القولان) السابقان وأظهرهما الصحة في البيع والصداق ويوزع المسمى على قيمة المبيع ومهر المثل (وتتعدد الصفقة بتفصيل الثمن كبعتك ذا بكذا وذا بكذا) فيقبل فيهما وله ردُّ نصيب أحدهما بالعيب (وبتعدد البائع) كقولهم حالة كون المبيع مشترك بينهما بعناك هذا بكذا فيقبل منهما وله ردُّ نصيب أحدهما بالبيع (وكذا بتعدد المشتري) به نحو بعتكما هذا بكذا فيقبلان (في الأظهر) قياساً على البائع، فلو وفى أحد المشترين نصيبه من الثمن فيجب على قولنا
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/233)
بالصحة على البائع أن يسلمه قسطه من المبيع وقيل لا حتى يوفي الآخر نصيبه كما لو اتحد المشتري لثبوت حق الحبس (ولو وكلاه أو وكلهما) في البيع أو الشراء (فالأصح اعتبار الوكيل) في اتحاد الصفقة وتعددها لأنه العاقد وأحكام العقد من خيار وغيره تتعلق به سواء في ذلك اتحاد الصفقة أو تعددها.
? باب الخيار ?
والخيار هو طلب خير الأمرين من إمضاء العقد أو فسخه، والأصل في البيع اللزوم لأن القصد من البيع نقل الملك وحَلَّ التصرف مع الأمن من نقض صاحبه له وهما فرعا اللزوم ولأن الشارع الحكيم أثبت فيه الخيار رفقاً بالمتعاقدين إما لدفع الضرر وهو خيار النقص وإما للتروي وهو ما يسمَّى خيار التشهي وهو الرغبة الخالصة من غير توقف على فوات أمر في المبيع وله سببان المجلس والشرط.
يثبت خيار المجلس في أنواع البيع كالصرفوهو بيع النقد بالنقد والطعام بالطعام والتوليةأي بيع الشيء بثمنه السابق والتشريك أي المشاركةوصلح المفاوضة على عين فقط بخلاف صلح الحطيطة فإنه على الدين إبراء وعلى العين هبة ولا خيار فيهما.
روى الشيخان عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار. قال ابن المبارك هو أثبت من الجبال.
وفي رواية لهما عن ابن عمر: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما للآخر اختر. قال نافع وكان ابن عمر إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق صاحبه.
وروى البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما مُحِقَتْ بركة بيعهما.
وروى البخاري عن ابن عمر قال: بعتُ من أمير المؤمنين عثمان بن عفان مالاً بالوادي بمالٍ له بخيبر فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادَّ في البيع. وفي رواية أيوب بن سويد فطفقت أنكص على عقبي القهقرى.
فإذا اشترى من يعتق عليه من أصوله أو فروعه فإن قلنا الملك في زمن الخيار للبائعوهو القول الضعيف أو المرجوع أو موقوف وهو الأصح فلهما الخيار جميعاً على الأصل في الخيار وإن قلنا للمشتري. على الضعيف تخير البائع دونه أي دون المشتري ولا ضرر على البائع هنا إذ لا يتمكن المشتري من إزالة الملك ولا يحكم بعتق الرقيق حتى يلزم العقد فيبيِّنُ أنه عتقَ من حين الشراء وأصح الأقوال الثلاثة القول الثاني أي أن يكون الخيار لهما ولا يعتق بحال إلا عند لزوم العقد.
ولا خيار في الإبراء والنكاح والهبة بلا ثواب لأنها ليست بيوعاً والحديث ورد في البيع ولا خيار أيضاً في الوقف والعتق والطلاق لأنها ليست بيوعاً أيضاً. وكذا الهبة ذات الثواب في الأصح ولكن المعتمد خلاف هذا فهي بيع ثبت الخيار فيه.
وكذا الشفعة لا يثبت فيها الخيار لأن الخيار يثبت فيما ملك بالاختيار فلا معنى فيما أُخذ بالقهر ولكن قول الأكثرين أنه معاوضة تلحق بالمبيع كما أنه يثبت فيه الردُّ بالعيب.
والإجارة لا يثبت فيها الخيار لأنها عقد غرر والخيار غرر ولا يضم غرر إلى غرر ومقابله يثبت فيها الخيار لأنها عقد معاوضة سواء كانت إجارة عين كدار مثلاً أو إجارة ذمة كإيصال رسالة أو مال إلى مكان معين أو بناء دار أو حفر بئر ... الخ.
والمساقاة لا يثبت فيها الخيار ويقال فيها ما قيل في إجارة الذمة.
والصداق لا خيار فيه في الأصح ووجه من قال أنه لا يثبت فيها الخيار أن المال تبع في النكاح لا استقلال ومقابله أن العوض مستقل ومثله الخلع وقال في الأصح في هذه الخمسة لأن فيها وجهين خيار ولا خيار.
وينقطع الخيار بالتخاير بأن يختارا لزومه أي يختار لزوم العقد بصيغة تدل على القبول كقولهم اخترنا أو أمضينا أو قبلنا لأن الخيار حقٌ لهما فيسقط بإسقاطهما فلو اختار أحدهما لزومه أي لزوم العقد وإمضاءه سقط حقه من الخيار وبقي الخيار للآخر.
وإذا قال أحدهما للآخر اختر فقد سقط حقه أي القائل من الخيار لتضمن قوله الرضا وبقي حق الآخر في الخيار لحديث ابن عمر السابق (أو يقول أحدهما للآخر اختر) متفق عليه.
وبالتفرق بينهما- منهما جميعاً أو من أحدهما لحديث ابن عمر (رجعت على عقبي حتى خرجت) رواه البخاري.
وقول نافع: وكان ابن عمر إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق المجلس: البخاري.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/234)
فلو طال مكثهما أو قاما وتماشيا منازل دام خيارهما وإن زادت المدة على ثلاثة أيام والأصح ينقطع بعد ثلاثة أيام لأنها نهاية الخيار المشروط شرعاً. فقد روى أبو برزة بسند صحيح عن أبي الوضيء قال: عزونا غزوة لنا فنزلنا منزلاً فباع صاحب لنا فرساً بغلام ثم أقاما بقية يومهما وليلتيهما فلما أصبحنا من الغد وحضر الرحيل قام إلى فرسه يسرجه فندم فأتى الرجل وأخذه بالبيع فأبى الرجل أن يدفعه إليه فقال بيني وبينك أو برزة صاحب رسول الله فأتيا أبا برزة في ناحية العسكر فقالوا له هذه القصة فقال أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) وما أراكما افترقتما. ويعتبر في التفرق العرف أي ما يعده الناس تفرقاً فهو التفرق فإن كان في دار صغيرة فالتفرق بأن يخرج أحدهما منها أو يصعد سطحها أو كبته كأن ينتقل أحدهما من صحنها إلى صفتها أو بيت من بيوتها إما في الصحراء أو السوق كأن يولي أحدهما ظهره ويمشي قليلاً.
ولو مات أحدهما في المجلس أو جُنَّ فالأصح انتقاله أي الخيار إلى الوارث والولي ويتولى الولي أو الوارث ما فيه المصلحة من فسخ أو إمضاء وقيل يسقط الخيار لأن مفارقة الحياة أعظم من مفارقة المكان ومثلها لو جُنَّ أحدهما لأنه فارق عقله فسقط عنه التكليف ولكل من المتبايعين فسخ العقد قبل لزومه (ولو تنازعا في التفرق أو الفسخ قبله) أي في فسخ العقد قبل التفرق أو اتفقا على التفرق ولكن قال أحدهما أجزنا وقال الآخر فسخنا صدق النافي بيمينه لموافقته الأصل وهو دوام الاجتماع وعدم الفسخ أما لو اتفقا على عدم التفرق وادعي أحدهما الفسخ فإن دعوى الفسخ فسخٌ لأن الحق له في الفسخ ما داما في المجلس.
? فصل في خيار الشرط ?
لهما ولأحدهما شرط الخيار أي لأحد المتعاقدين أن يشرط على الآخر مدة لأجازة العقد مع موافقة الآخر إجماعاً. إلا إذا كان المبيع عبداً يعتق على المشتري كأن يكون أصلاً أو فرعاً له وشرط المشتري الخيار لنفسه فقط لم يجز لأن العتق يستعقب الملك فلزم من ثبوت الخيار عدم الخيار وهي ما تسمى مسألة الدور ويجوز التفاضل في مدة الخيار كأن يشرط لأحدهما يوم وللآخر ثلاثة مثلاً ويجوز للعاقد لنفسه أن يجعل الخيار لغيره كأن اشترى سيارة فقال بشرط موافقة فلان لكونه أعرف بالمبيع أو لغرض آخر يقصده المتعاقد في أنواع البيع إلا أن يُشْترَطَ في بعضها القبض في المجلس كربوي ومُسْلَمٍ فلا يجوز شرط الخيار فيها لأن الربوي والمسلم عقدان لا يحتملان التأجيل بالقصد منها أن يفترقا ولا علاقة بينهما والخيار يؤدي إلى علاقة بينهما بعد التفرق.
وإنما يجوز في مدة معلومة لا تزيد على ثلاثة أيام فلو كانت المدة مجهولة أو زائدة على ثلاثة أيام بطل العقد والأصل في ذلك خبر الشيخين عن ابن عمر قال: ذكر رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنْ بايعت فقل له لا خلابة وفي رواية البيهقي: ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال. رواه الحميدي في مسنده والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه من حديث محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر والرجل هو منقذ بن عمر أو حبان.
ولأحمد وأصحاب السنن من حديث أنس أن رجلاً من الأنصار كان يبايع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في عقدته ضعف فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بايعت فقل لا خلابة) والخلابة: أي الخداع والعرب تقول طَلقٌ خُلَّبٌ أي لا ضرر فيه ولا حقيقة له. والعقدة: أي الرأي – أي كان ضعيف الرأي لعلة في رأسه والواقعة في الحديث الاشتراط من المشتري وقيس عليه الاشتراط من البائع وتحسب من العقد الذي وقع فيه الشرط وقيل من التفرق أو التخاير وهو الأصح لأن المشترط يريد زيادة المدة هذا إذا أطلقا أو أحدهما وقبلا الشرط أما إذا اشترطا الخيار بعد العقد وقبل التفرق حسبت من العقد ولا اعتبار بالتفرق ولو شرطا أن الخيار يبدأ من غد مثلاً بطل العقد والأظهر أنه إن كان الخيار المشروط للبائع فملك المبيع زمن الخيار له وإن كان للمشتري فله أي للمشتري وإن كان لهما فموقوف أي الملك موقوف ولا يتصرف فيه أحدهما لأنه ليس أحد الجانبين أولى من الآخر فإذا تمَّ البيع بان أنه للمشتري من حين العقد أي ملك
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/235)
المبيع وإلا فللبائع لأنه لم يتم البيع فكأن المبيع لم يخرج من ملك البائع وحيث حكمنا بملك المبيع لأحد الطرفين حكمنا بملك الثمن للآخر.
ويحصل الفسخ والإجازة بلفظ يدل عليهما أي في زمن الخيار ففي الفسخ كفسخت البيع ورفعته واسترجعت المبيع وفي الإجازة أجزته أي البيع وأمضيته وألزمته إلى غير ذلك من التعابير الدالة عرفاً على إمضاء العقد أو فسخه.
ووطء البائع وإعتاقه المبيع في زمن الخيار المشروط له أو لهما فسخ البيع وكذا بيعُهُ وإجارته وتزويجه فسخ البيع في زمن الخيار لإشعاره بالإعراض عن البيع.
والأصح أن هذه التصرفات من المشتري في زمن الخيار المشروط له أو لهما إجازة للشراء لأشعارها بقبول الشراء والأصح أن العرض على البيع والتوكيل فيه ليس فسخاً من البائع ولا إجازة من المشتري لأنه قد يقصد من ذلك تبين الحال وقيل هو فسخ من البائع وإجازة من المشتري قياساً على الوصية حيث هذه التصرفات تُبطِلُ الوصية.
قلنا هذا في الوصية لضعفها ولأنه لا يوجد في الوصية حَالَ حياة الموصي إلا طرف واحد هو الموصي أما الموصَى له فلا حق له في شيء حال حياة الموصي لأن الموصي قادر على التنجيز والرفع دون الرجوع إلى أحد.
? فصل في خيار النقص ?
وهو المتعلق بفوات مقصود مظنون نشأ الظن فيه من:
1 - قضاء عرفي: وهو ما يظن وجوده في البيع عرفاً وهو السلامة من العيب.
2 - التزام شرطي.
3 - تغرير فعلي.
للمشتري الخيار في رد المبيع بظهور عيب قديم ونقصد بالقديم الذي كان موجوداً قبل العقد أو بعد العقد وقبل التسليم كمضاء رقيق بقطع خصيته أو سلِّ لها أو كان مخلوقاً بغير خصيتين ومثله جبُّ ذكره لنقصه المفوت للجماع الذي قد يكون مقصوراً في الشراء. فقد أخرج الشافعي وأحمد وأصحاب السنن والحاكم عن طريق عروة عن عائشة (أن رجلاً اشترى غلاماً في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان عنده ما شاء الله ثم رده من عيب وجده فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم برده بالعيب فقال المقضي عليه: قد استغله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الخراج بالضمان (أو زناه وسرقته وإباقه أي كل منها وإن لم يتكرر وألحق به اللواط وإتيان البهائم وتمكين من نفسه والمساحقة وهذه كلها عيوب شنيعة تجيز الردَّ بالعيب لأن صاحبها قد يألفها كما أنها عارٌ في المجتمع النظيف ولأن تهمتها لا تزول عادة في مجتمع لم يعهد الشر وتربّى على أخلاق المؤمنين وبوله بالفراش في غير أوانه كأن بلغ ست أو سبع سنين وما زال يتبول في فراشه لأن ذلك يقلل الرغبة فيه وبخره وهو الناشئ من تغير المعدة وليس الناتج من تغير الفمَّ لسهولة تنظيفه وإزالته وسواء في ذلك الذكر والأنثى ومن العيوب أيضاً الصمم والعمى والخرس والبلاهة أو يكون أخفشاً وهو الذي لا يبصر في الضوء أو أعمشاً وهو الذي يسيل دمعه دائماً مع ضعف في البصر وصنانه وهي الرائحة الكريهة التي تخرج مع العرق فما كان لعارض كحرارة جو أو ترك غسل فلا يردُّ أما إذا كان صنانه مستحكماً لا ينفع معه غسيل فيردُّ به ومن العيوب التي يردُّ بها العبد أن يكون ساحراً أو تاركاً للصلاة أو شارباً للخمر أو تكون الأمة قرنا بأن يوجد في فرجها ما يمنع الجماع أورتقاء وهي التي انسدَّ عندها موضع الجماع وغير ذلك من العيوب.
وجماح الدابة. أي صعوبة ركوبها ومثله هربها فما تراه وعضها ورمحها لمن يقترب منها فكلُّ ما ينقصُ العين أو القيمة نقصاً يُفَوٍّتُ به غرضٌ صميمٌ إذا غلب في جنس المبيع عدمه في العادة بخلاف ما لا يفوت به غرض صميم – كجرح قديم اندمل أو شيب في كبر سنٍّ أو قلع بعض أسنانه فلا يضر في البيع سوءا في ثبوت الخيار قارن العيب العقد بأن كان موجوداً قبل العقد أم حدث بعد العقد وقبل القبض لأن المبيع ما زال في ضمان البائع ولو حدث العيب بعده أي بعد القبض فلا خيار للمشتري في الردِّ إلا أن يستند العيب إلى سبب متقدم أي يستند إلى سبب متقدم على العقد أو القبض وقد جهله المشتري كقطعه بجنابة سابقة. إذا كان المبيع عبداً أو أمةً وقد وجب عليه القطع قصاصاً أو حداً لأن وجوب القطع عليه كبيعه مقطوعاً يثبت الرد بالعيب ومثله زوال بكارتها بزواج متقدم لم يعلمه المشتري فيثبت الردُّ في الأصح لأن تقدم السبب كتقدم الفعل بخلاف موته بمرض سابق في الأصح فلا ردَّ لثمنه لتعذر رده بالموت لأن المرض يزداد
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/236)
شيئاً فشيئاً إلى الموت فلم يتحقق ردُّ سبب الموت إلى المرض السابق كما أن الموت يأتي عرض وغيره هذا إذا لم يعلمه مريضاً أما إذا علمه مريضا فلا ردَّ قطعاً. نعم إذا لم يعلم فله أرش الثمن مابين قيمته صحيحاً ومريضاً وقت القبض.
ولو قبل بردة سابقة ضمنه البائع في الأصح فيسترد المشتري جميع الثمن لأن قتله لسبب متقدم فينفسخ البيع من قبل قتله إن جهل ذلك المشتري ولو باع حيواناً أو غيره بشرط براءته من العيوب والضمير في براءته يعود على البائع أو المبيع والذي جرى عليه المصنف أن البائع لا يتحمل أي شيء يظهر في المبيع أي لا يردُّ عليه بالعيب صح العقد مطلقاً لأنه عقد مشروط بظاهر الحال من السلامة من العيوب كما يقولون عادة: أني برئ من كل عيب فيه أو يقول كله عيوب أو يقول تحت كل شعرة عيب أو يقول: بعته جلدٌ وعظم أو قرن وحبل أو لحم في قفة أو صندوق مغلقة فالأظهر أنهيبرأ عن كل عيب باطن بالحيوان لم يعلمه البائع دون غيره فلا يبرأ عن عيب ظاهر بالحيوان أو عيب باطن فيه وقد علمه. لما روى مالك في الموطأ: أن ابن عمر باع غلاماً بثمانمائة درهم وباعه بالبراءة فقال الذي ابتاعه وهو زيد ابن ثابت بالعبد عيب لم تسمه لي فاختصما إلى عثمان فقضى على ابن عمر أن يحلف لقد باعه العبد وما به داءٌ يعلمه فأبى عبد الله أن يحلف وارتجع العبد فباعه بألف وخمسمائة فكان ابن عمر يقول: تركت اليمين لله فعوضني الله عنها دلّ قضاء عثمان على البراءة من عيب باطن لا يعلمه ولكن لم يبرأ عن عيب علمه ولا عن عيبه الظاهر مطلقاً لندرة خفائه. قال الشافعي الحيوات يتغذى في الصحة والسقم وتحول طبائعه فقلما ينفك عن عيب خفي أو ظاهر فيحتاج البائع فيه إلى شرط البراءة ليثق بلزوم البيع فيما لا يعلمه من الخفي دون ما يعلمه لتلبيس فيه ومالا يعلمه من الظاهر لندرة خفائه عليه والبيع صحيح ويؤكد قضاء عثمان وقد اشتهر بين الصحابة ولم ينكروه أما في غير الحيوان فلا يبرأ مطلقاً لأن العيب لا يخفى وله مع هذا الشرط الردُّ بعيب حدث قبل القبض وبعد العقد لانصراف الشرط إلى العيب الموجود عند العقد ولو شرط البراءة عما يحدث لم يصح الشرط في الأصح وكذا لو شرط البراءة من الموجود وما يحدث لم يصح لأنه إسقاط للشيء قبل ثبوته ولو شرط البائع البراءة من عيب لا يعاين كالزنا والسرقة والكذب برئ منها قطعاً لأن ذكرها إعلام بها. ولو هلك المبيع عند المشتري أي بعد قبضه من البائع أو أعتقه أو استولدها أو أوقفه ثم علم العيب الذي ينقص القيمة رجع بالأرش لعدم إمكانية الرد وهو أي الأرش جزء من ثمنه أي من ثمن المبيع نسبته أي نسبة الجزء إلى الثمن نسبة أي مثل نسبه ما نقص العيب من القيمة لو كان سليماً فإن كانت القيمة بلا عيب مائة وبالعيب تسعين فنسبة النقص إليها عُشرها فالأرش عُشْر الثمن لأن المبيع مضمون على البائع فيكون جزؤه مضمونا عليه بجزء الثمن والأصح اعتبار أقل قيمة للمبيع من يوم البيع إلى القبض ووجه أقل القيمتين أي القيمة إن كانت يوم البيع أقل في ملك المشتري وإن كانت يوم القبض أقل فما نقص فيمن ضمان البائع ولو تلف الثمن أو خرج عن ملك البائع دون المبيع أي والمبيع المعيبُ موجوداً رده وأخذ مثل الثمن إن كان مثلياً أو قيمته إن كان متقوماً ولو علم العيب بعد زوال ملكه عن المبيع إلى غيره بعوض أو بغير عوض فلا أرش له في الأصح لأنه لم ييأس من الرد فإذا رُدَّ عليه فله الردُّ فإن عاد الملك له فله الردُّ سواء رُدَّ عليه بالعيب أو بغيره لإمكانية الرد وقيل إن عاد بغير الردِّ بعيب فلا ردَّ والأصح لو تعذر الردُّ لتلف أو إعتاق فيعود المشتري الثاني على المشتري الأول بالأرش ويعود الأولى على البائع وللأول الرجوع على البائع قبل الغرم للثاني وله الرجوع أيضاًً إذا أبرأه الثاني. والردُّ على الفور إجماعاً فيبطل حق الردِّ بالتأخير من غير غرر.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/237)
فليبادر على العادة فلو علمه وهو يصلي أو يأكل أو يقضي حاجته فله تأخيره حتى يفرغ أي إذا علم بالعيب أو علمه ليلاًفحتى يصبح ولا يكلف الإسراع في المشي فإن كان البائع بالبلد ردَّه عليه بنفسه أو وكيله أو على وكيله لقيام الوكيل مقام موكله ولو تركه – أي ترك المشتري الردَّ على البائع أو وكيله ورفع الأمر إلى الحاكم فهو آكد في الردِّ لأنه ربما احتاج في النهاية إلى الربع إلى القاضي لامتناع البائع عن الردِّ وإن كان البائع غائباً عن البلد ولم يكن له وكيل بالبلد رفع الأمر إلى الحاكم فيدعي شراء ذلك لاشيء من فلان الغائب وقد ظهر به العيب وأنه فسخ البيع ويقيم البينة أمام شخص يعينه القاضي ويحلف لأنه قضاء على غائب ويحكم بالردِّ على الغائب ويأخذ المبيع ويضعه عند عدلِ ويقضي الدين من مال الغائب إن كان له مال. وإلا فيبقي الثمن ديناً على الغائب والأصح أنه يلزمه الإشهاد على الفسخ إن أمكنه حتى ينهيه إلى البائع أو الحاكم ومقابله يكفيه الفسخُ عند أحدهما فإن عجز عن الإشهاد لم يلزمه التلفظ بالفسخ في الأصح إذ لا معنى للتلفظ بالفسخ من غير سامع يعتدُّ به وقيل يجب ليبادر بحسب الإمكان.
ويشترط ترك الاستعمال عند الردِّ فلو استخدم العبدَ حتى ولو بقوله اسقني أو ناولني الثوب أو أغلق الباب أو ترك على الدابة سرجها أو إكافها والإكاف هو البرذعة بَطَلَ حَقهُ في الردِّ للإشعار بالرضا والصحيح لا يضر الاستخدام الخفيف وإنما يضر الاستخدام الطويل ولا يضر علف الدابة وسقيها لأن ذلك لمصلحتها.
ويعذر في ركوب جَمُوح يعسر سوقها وقودُها حين ذهابه لردها للحاجة إلى الركوب.
وإذا سقط رده بتقصير منه فلا أرش له ولا ردَّ. ولو حدث عنده عيب مرضٌ وغيره ثم اطلع على عيب قديم سقط الردُّ قهراً أي أن البائع لا يقهر على الردِّ وقهراً هنا حال من الردِّ أو تميزاً له وذلك لأن المشتري أخذه بعيب فلا يرده بعيبين والضرر لا يزال بالضرر وعلى هذا لو زال الحادث كان له حق الردِّ ثم إن رضي به أي المبيع البائعُ معيباً رده المشتري بلا أرش عن الحادث أو اقتنع به المشتري بلا أرش عن القديم وإلا أي إذا لم يرضَ البائع به معيباً (فليضم المشتري أرش الحادث إلى المبيع ويردَّ أو يغرم البائع أرشَ القديم ولا يردُّ المشتري المبيع رعاية لحق الجانبين فإن اتفقا على أحدهما فذاك لأن الحق لهما فإما أن يشترط البائع بأرشه الجديد وإما أن يستبقيه المشتري بأرشه القديم وإلا فالأصح إجابة من طلب الإمساك والرجوع بالأرش لما في ذلك من إمضاء العقد ويجب أن يُعْلَِمَ المشتري البائع على الفور بالحادث مع القديم ليختار شيئاً مما تقدم من أخذ المبيع أو تركه ودفع أرش فإن أخر إعلامه بلا عذر فلا ردَّ ولا أرش لإشعار التأخر بالرضا وإمضاء البيع أما إذا كان العيب سريع الزوال عادة فيعذر بالتأخير في الردِّ ولو حدث عيب لا يعرف القديم إلا به ككسر بيض ورار فج أي جوز الهند حيث لم يتأت معرفة عيبه إلى بكسره وتتوير بطيخ مدوِّد ونشر ثرب بفتح صندوقه وفتح صفيحة زيت أو سمن أو عسل وشق كيس قمح أو أرز ونحو ذلك رُدَّ ما ذكر بالقديم ولا أرش عليه في الأظهر لأن علمه متوقف على ما أحدث فيه من كسر أو تفوير أو فتح أو شق فإن أمكن معرفة القديم بأقل مما أحدثه كغرز إبرة أو شمِّ رائحة أو هزٍ فكسائر العيوب الحادثة عند الشدى المشتري فيمتنع الردُّ القهري.
فرع: في تفريق الصفقة بالردِّ اشترى من واحدٍ عبدين معيبين صفقة ردَّهما إن شاء قهراً لا أحدهما للإضرار بالبائع في تفريق الصفقة عليه من غير ضرورة ولو ظهر عيب أحدهما دون الآخر ردهما لا المعيب وحده في الأظهر منعاً للإضرار لما فيه من تفريق الصفقة فإن رضي البائع بردِّ أحدهما فلا بأس في ذلك وسبيل التوزيع بتقديرهما سليمين وتقويمها ويقسط الثمن عليها هذا إذا كان الشيئان لا تتعلق منفعة أحدهما بالآخر أما إذا تعلقت منفعة أحدهما بالآخر فيردان جميعاً كمصراعي باب أو زوجي خف أو طقم آنية أو طقم لباس.
ولو اشترى عبد رجلين معيباً فله ردُّ بعيب أحدهما بتفضيل ثمن كل واحد منهما فله الردُّ لتعدد الصفقة بتعدد البائع في الأولى وبتعدد المبيع وتحديد ثمنه في الثانية.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/238)
ولو اشترياه أي لو اشترى اثنان عبد رجل واحد فلإحدهما الردُّ لنصيبه في الأظهر لأن الأظهر تعدد الصفة بتعدد المشتري كما في تعدد البائع.
ولو اختلفا في قدم العيب وكان صدق كل منهما محتملاً صدق البائع بيمينه لأن الأصل لزوم العقد والبراءة من العيب على حسب جوابه أي على مثل بأن يقول ليس له الردُّ أو لا يلزمني الردُّ لأن المشتري قد يكون اطلع على العيب ورضيه قبل العقد أو بعده أما لو قال البائع قد علم العيب ورضيه كلف هنا البينة ولا يمين عليه.
والزيادة المتصلة كالثمن تتبع الأصل – إن كان ذلك في المبيع أو الثمن ومثل ذلك تعلم الرقيق صنعة أو حفظه قرآناً أو كبر الشجرة لتعذر الفصل ولأنه قد يقع نزاع في مقدار ما لكل منهما فلذا جُعلت الزيادة المتصلة تابعة للأصل.
والمنفصلة كالولد والأجرة لا تمنع الردُّ أي الزيادة العينية أو المنفعة لا تمنع الردِّ عملاً بمقتضى العيب وهي للمشتري إن ردِّ المبيع بعد القبض للحديث السابق عن عائشة (الخراج بالضمان) ومعنى ذلك أن ما يخرج من المبيع من غلة تكون للمشتري في مقابلة أنه لو تلف لكان من ضمانه لأنه حدث في ملكه وكذا قبله في الأصح قيل لأن الفسخ يرفع العقد من حين الردِّ لا من أصله ومقابله أن الردَّ قبل القبض يرفع العقد من أصله.
ولو باعها حاملاً فانفصل رده معها في الأظهر / الجارية أو البهيمة وكانت معيبة فيردها وولدها لأن ولدها من جملة المبيع والولادة نماء متصل وأن الحمل يقابل بقسط من الثمن. أما إذا نقصت الحامل بالولادة فيمتنع الرد لأنه عيب حادث في ملك المشتري فهو كسائر العيوب أما إذا كان جاهلاً بالحمل عند الشراء ونقصت بالولادة فله الردُّ بناءً على أن العيب الحادث بسبب متقدم كالمتقدم.
ولا يمنع الردُّ الاستخدام ووطء الثيب قبل علم العيب من المشتري ووطء الثيب لا يمنع الردَّ لأن له حكم الاستخدام وافتضاض البكر (بالفاء والقاف) من المشتري أو غيره الذي أدى إلى زوال بكارتها بعد القبض نقص حدث ما لم يستند إلى سبب متقدم كزواج سابق أو مرض لم يعلمه المشتري وقبله جناية على المبيع قبل قبضه فإن كان من المشتري فلا ردَّ له بالعيب أو من غيره وأجاز هو المبيع فله الردُّ بالعيب ولا شيء له بافتضاض البائع أو بزواج سابق أما لو كان الزوال بافتضاض أجنبي فله مهر بكر مثلها.
? فصل: التغرير الفعلي بالتصرية وغيرها ?
التصرية: من صرّى الماء في الحوض أي جمعه وجوّز الشافعي أن تكون من العد وهو الرابط ويقال للمصراة محفَّلة من الحفل وهو الجمع وهي أن تربط أخلاف الناقة أو يمنع عنها ولا تحلب يومين أو أكثر فيجتمع اللبن في ضرعها فيظن الجاهل بحالها كثرة الحلب فيرغب في شرائها والإخلاف جمع خلفة وهي صلحة الضرع والتصرية حرام لما روى الشيخان عن أبي هريرة: لا تُصَرّوا الإبل والغنم للبيع فيمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين من بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر. وروى أبو داوود وابن ماجة والبيهقي عن ابن عمر (من ابتاع محفّلة أي مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها ردّ معها مثلها أو مثلي لبنها تمراً.
تثبت الخيار على الفور: أي التصرية لأنها عيب فلها حكمه فترد فوراً بعد الإطلاع على التصرية وقيل يمتد ثلاثة أيام: لحديث مسلم من حديث ابن سرين عن أبي هريرة (من اشترى مصرَّاة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها ردّ صاعاً من تمر لا سمراء) والسمراء هي الحنطة لأن التصرية لا تظهر غالباً إلا بعد ثلاثة أيام لاختلاف العلف أو المأوى وابتداء الثلاثة من العقد وقيل من التفرق ولا يتجاوز الخيار ثلاثة أيام لامتناع مجاوزة الثلاثة في الخيار.
فإن ردَّ المصرّاة بعد تلف اللبن ردّ معها صاع تمر للحديث السابق وقيل يكفي صاع قوت لما روى أبو داوود والترمذي (ردها وردَّ صاعاً من طعام) قيل يتعين غالب قوت البلد وقيل يكفي القيمة عند فقد التمر حساً أو شرعاً ولو علم المشتري التصرية قبل الحلب ردها ولاشيء عليه والأصح أن الصاع لا يختلف بكثرة اللبن وقلته لظاهر الحديث وقيل يختلف فيقدر التمر أو غيره بقدر اللبن فقد يزيد عن الصاع وقد ينقص وأن خيارها لا يختص بالنعم وهي الإبل والبقرة والغنم بل يعمُّ كل مأكول من الحيوان (والجارية والأتان) وهي الأنثى من الحمر الأهلية ومثلها الفرس لعموم قوله صلى الله عليه وسلم (
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/239)
من اشترى مصرَّاة. ولأنها تصرية يختلف بها الثمن فأثبت الخيار كتصرية بهيمة الأنعام (ولا يردّ معها شيئاً) بدل اللبن لأن لبن الآدميات لا يباع عادةً ولبن الأتان نجس لا عوض له، وفي الجارية وجه أنه يردُّ بلد اللبن معها لطهارته ومقابله أن الخيار في النعم ولأن الجارية لا يقصد لبنها عادة.
وحبس ماء القناة والرحا المرسل عند البيع وتحمير الوجه وتسويد الشعر وتجعيده يثبت الخيار للمشتري عند علمه به لأنه كالتصرية بجامع التلبيس والإضرار.
لا لطخ ثوبه أي الرقيق تخييلاً لكتابته أو إلباسه ثوب خباز أو حداد أو نجار في الأصح إذ ليس فيه كبير غرر لتقصير المشتري بعدم امتحانه والبحث عنه ولا أثر لمجرد التوهم فلو اشترى قلادة من نحاس يظنها ذهباً نفذ البيع إلا من بائع مختص يبيع الذهب لأنه مقصر بالفحص وسؤال أهل الخبرة والله أعلم.
? باب في حكم المبيع قبل قبضه وبعده والتصرف فيه?
المبيع قبل قبضه من ضمان البائع فإن تلف انفسخ البيع وسقط الثمن عن المشتري ولو أبرأه المشتري عن الضمان لم يبرأ في الأظهر ولم يتغير الحكم لأنه إبراء عما لم يحدث وإتلاف المشتري للمبيع حساً أو شرعاً قبضٌ ومثله إتلاف المغصوب في يد الغاصب من قبل مالكه إن علم المشتري أنه المبيع حال إتلافه وإلا إن جهل أنه المبيع فقولانكأكل المالك طعامه المغصوب ضيفاً أي أن المغصوب منه إذا نزل ضيفاً عند الغاصب فقد له المغصوب صيافة قيل يبرأ لأنه كإتلاف من المشتري فأشبه القبض ومقابله إنه كإتلاف البائع.
والمذهب أن إتلاف البائع للمبيع كتلفه فينفسخ به البيع ويسقط الثمن عن المشتري ومقابله يتخير المشتري فإما يفسخ فيسقط الثمن وإن أجاز المشتري البيع غَرِمَ البائع قيمة المبيع عند تلفه ويؤدي المشتري الثمن ويجوز التقاص والأظهر أن إتلاف الأجنبي لا يفسخ البيع بليتخير المشتري بين أن يجيز ويغرم الأجنبي القيمة أو يفسخ فيغرم البائعُ الأجنبيَّ البدل ولو تعيّبَ المبيع بآفة سماوية قبل قبضه فرضيه المشتري وأجاز البيع أخذه بكل الثمن لقدرته على الفسخ فأجاز البيع أي رضيه بكل الثمن ولو عيّبَه المشتري فلا خيار له لحصول التلف بفعله فيمتنع بسبب إتلافه الردُّ القهري حتى ولو كان فيه عيوب قديمة أو عيبه الأجنبي فالخيار للمشتري لكونه مضموناً على البائع فلو أجاز غرم الأجنبي الأرش لأنه الجاني ولكن بعد قبض المبيع لا قبله لجواز تلفه بيد البائع فينفسخ عندئذ المبيع ولو عيّبه البائع فالمذهب ثبوت الخيار لا التغريم للمشتري بناء على أن فعل البائع كالآفة لا كفعل الأجنبي ولا يصح بيع المبيع قبل قبضه إجماعاً في الطعام، وقيل في غيره، وإن أذن البائع وقبض الثمن لما روى البيهقي عن حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبيعنَّ شيئاً حتى تقبضه) ولخبر الشيخين عن ابن عمر من ابتاع طعاماً فلا يبيعه حتى يستوفيه ولخبر الشيخين عن ابن عباس أنه قال: أما الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الطعام أن يباع حتى يُستوفى وفي لفظ البخاري قبل أن يقبض وفي لفظ مسلم وأحسب كل شي بمنزلة الطعام، وأخرج البيهقي عن عتاب بن أسيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما بعثه لأهل مكة إنههم عن بيع مالم يقبضوا وربح مالم يضمنوا وعن الصفقتين في البيع الواحد أن يبيع أحدهم ما ليس عنده والأصح أن بيعه للبائع كغيره لعموم النهي السابق ومقابله يصح كبيع المغصوب من الغاصب والمقصود من البيع هو بغير جنس الثمن أو بزيادة أو نقص، وإلا فهو إقالة بلفظ البيع فهي جائزة قطعاً والأصح أن الإجارة والرهن والهبة كالبيع) فلا تصح لوجود المعنى المٌعَلَّلُ به النهي وهو ضعف الملك والأصح أن الإعتاق بخلافه فيصح لشتوف الشارع إليه ومثله الإستيلاد والتدبير والتزويج والوقف والإباحة إن كان طعاماً للفقراء وفارق التصدق لأن التصدق تمليك لا الكتابة إذ ليس للكتابة قوة العتق والثمن المعين دراهم أو دنانير أو غيرهما كالمبيع فلا يبيعه البائع قبل قبضه أي لا يتصرف به قبل قبضه لعموم النهي، ولو تلف الثمن انفسخ البيع وله بيع ما في يد غيره أمانة كوديعة ومشترك وقراض ومرهون بعد انفكاكه وموروث باق في يد وليه بعد رشده وكذا عارية ومأخوذ بسوم لتمام الملك في المذكورات جميعاً، والمأخوذ بسوم هو ما يأخذه مريد الشراء ليتأمله فيشتريه أو يتركه،
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/240)
ومثله ما رجع إليه ولو بفسخٍ أو إفلاس وليستثنى من الموروث ما اشتراه المورِّث ولم يقبضه فلا يملك الوارث بيعه كالموروث ولا يصحبيع المُسْلَم فيه قبل قبضه ولا الإعتياض عنه قبل قبضه لعموم النهي عن بيع مالم يقبض والجديد جواز الاستبدال عن الثمن الثابت في الذمة وإن لم يكن نقداً لخبر الترمذي عن ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالدنانير وآخذ مكانها الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ مكانها الدنانير فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال: لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء والقديم المنع لعموم النهي السابق والثمن عادة النقد والمثمن مقابله فإن كان الثمن والمثمن نقدين فالثمن ما دخلته الباء والمثمن مقابله وتسمَّى هذه الباء باء السببية، فلو قال بعتك هذه الدراهم بهذه السيارة ووصفها فالسيارة مبلغٌ لا يجوز الاستبدال عنه والدراهم ثمن. ولو قال بعتك هذه الثلاجة بهذه الدراهم فالدراهم ثمن يجوز الاستبدال عنه ولا يجوز الاستبدال عن الثلاجة لأنها ثمن فإن استبدل موافقاً في علة الربا بدراهم عن دنانير أو عكسه اشترط قبض البدل في المجلس كما دل عليه الخبر السابق حذراً من الربا، ولا يكفي التعيين والأصح أنه لا يشترط التعيين في العقد أي عقد الاستبدال لجواز الصرف عما في الذمة ومقابله يشترط ليخرج عن بيع الدين بالدين وكذا لا يشترط القبض في المجلس وإن استبدل ما لا يوافق في العلة أي على الربا كثوب عن دراهم فلا يشترط قبض الثوب في المجلس لكن يشترط تعيينه في المجلس فيصفه ثم يعيّنه ولو استبدل عن المُقْرِض أي ثمن المُقْرضِ جاز ولو لم يتلف وقيمة المتلف جاز أي لو استبدل عن قيمة المتلف بمثله صح. وكذا يصح الاستبدال عن كل دين ليس بثمن ولا مثمن كالدين الموصى به أو الواجب في المتعة أو بسبب الضمان أو عن زكاة الفطر وفي اشتراط قبضه أي قبض البدل في المجلس ما سبق أي إذا كان موافقاً في علة الربا اشتُرط والإ فلا يشترط وبيع الدين بعين لغير من عليه باطل في الأظهر بأن يشتري عبدَ زيد بمائة له على عمرو لأنه لا يقدر على تسليمه، والمعتمد خلافه لأنه مستقر فحكمه كبيعه ممن عليه، وهو الاستبدال عن القرض وقد قلنا بجوازه، وقيل يشترط أن يكون المديون ملياً مُقرِّاً وأن يكون الدين حالاً مستقراً ولو كان لزيد وعمرو دينان على شخص فباع زيد عمراً ديناً بدينه بطل قطعاً اتفق الجنس أو اختلف لنهيه صلى الله عليه وسلم بيع الكالئ بالكالئ فقد روى الدار قطني عن ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن بيع الكالئ بالكاليء) وقال الحاكم إنه على شرط مسلم، وفُسِّرَ بأنه بيع الدين بالدين كما ورد صريحاً وفي رواية البيهقي.
وقبض العقار تخليته للمشتري وتمكينه من التصرف فيه بتسليم المفتاح إليه وعدم وجود أي مانع يمنع المشتري من التصرف بشرط فراغه من أمتعة غير المشتري من البائع والمستأجر والمستعير والغاصب فإن لم يَحْضُر العاقدون المبيع العقار المنقول الذي في يد المشتري بأن غابا عن محل العقد حالة القبض اعتبر في صحة قبضه إذن البائع ومضى زمن يمكن فيه المضي إليه من العقد
ـ[محمد عبدالكريم محمد]ــــــــ[21 - 07 - 07, 12:02 ص]ـ
الجزء الرابع
أو الإذن مع زمن يسع تفريغه مما فيه لغير المشتري في الأصح على اعتبار قولنا لا يشترط حضور العاقدين للمشقة لكن لا مشقة في اعتبار مضي زمن يسع نقله وتفريغه.
وقبض المنقول تحويله الأصل في المنقول المتناول باليد ولو كان سفينةً يمكن جرها. وتحويله أي تحويل المشتري أو نائبه للمنقول وإن اشتُريَ مع محله في وجه إذ لا حاجة للتبعية والتبعية يجري فيها العرف المعتاد. روى الشيخان عن ابن عمر قال: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافاً فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من محمله. دلَّ على أن القبض لا يتم إلا بتحويله.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/241)
فإن جرى البيع والمبيع بموضع لا يختص بالبائع كشارع أو ساحة مباحة أو دار للمشتري كفى نقله إلى حيِّز ليتمَّ القبض أي نقله من موضعه إلى موضع آخر وإن جرى البيع والمبيع في دار البائع لم يكفِ في قبضه ذلك النقل إلا بإذن البائع فيه فيكون مع حصول القبض به مغيراً للبقعة التي أذن في النقل إليها أما إذا نقل المشتري من غير إذن البائع فقد دخل المبيع في ضمانه لاستيلائه عليه ومن المنقول الدابة والسيارة والسفينة فيسوقها أو يدفعها أو يجرها ومن المنقول الثوب فيكفي لقبضه أن يتناوله.
فرع: للمشتري قبض المبيع من غير إذن البائع إن لم يكن له حق الحبس بأن كان الثمن مؤجلاً أو سلمه الثمن الحالَّ وإلا أي وإن لم يسلمه الثمن فلا يستقل به أي بالقبض وعليه إن استقل به أن يرده لأن من حق البائع حبس المبيع حتى بقبض الثمن ولا ينفذ تصرف المشتري فيه لكن يدخل في ضمانه أما لو كان الثمن مؤجلاً وحلَّ قبل القبض استقل البائع به كما قال الأسنوي وقال غيره: لا يستقل لأنه من حق المشتري لأن البيع مؤجل وقد رضي البائع بالتأجيل ابتداءً له أن يطالب بالثمن لا أن يحبس المبيع.
ولو بيع الشيء تقديراً كثوب ذرعاً وحفظة كيلاً أو وزناً اشترط في قبضه مع النقل في المنقول ذرعه إن كان مذروعاً أو كيله إن كان بيع مكيلاً أو وزنه إن كان بيع موزوناً أو عدَّه إن كان بيع معدوداً وهو ما يُعَدُّ عادة لخبر مسلم (من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله) وأخرج البيهقي وغيره عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصَّاعان: صاع البائع وصاع المشتري، فدل ذلك على أنه لا يحصل البيع إلا بالكيل وليس ذك معتبراً لمن يبع الجزاف إجماعاً فتعين ما قدر بكيل وقيس عليه الباقي وأجرة الكيال أو الوزان أو من ذرعه أو عده على البائع وأجرة النقل على المشتري مثاله في المكيل بعتُكَها أي العبرة كلَّ صاع بدرهم أو بعتُكها بكذا على أنها عشرة آصع فلو قبض ما ذكر جزافاً لم يصح لكن يدخل المقبوض في ضمانه ولو كان لبكر مثلاً طعام مُقَدَّرٍ على زيد كعشرة آصع سلماً ولعمرو عليه مثله فليكن لنفسه من زيد حتى يدخل المكيل في ملكه ثم يكيل لعمرو لأن الإقباض هنا متعدد ومن شَرْطِ صحتِهِ الكيلُ فلزم تعدد الكيل لأن الكيلين قد يقع بينهما تفاوت، نعم لوكان قبضه في المكيال وسلمه لغريمه صح لأن استدامة المكيال من الأول إلى الثاني ومن الثاني إلى الثالث كابتدائه ومن الأول إلى الثالث. ويقال في الوزن والذرع كذلك. لأمر النبي صلي الله عليه وسلم يجريان صاع البائع وصاع المشتري فلو قال بكر لعمرو اقبض من زيد مالي عليه لنفسك عن نفسي ففعل فالقبض فاسدٌ بالنسبة له أما بالنسبة إلى القائل فصحيح تبرأ به ذمة زيد لإذنه في القبض منه ووجه فساده لعمرو كونه قابضاً لنفسه من نفسه فقبض عمرو مشروط بتقدم قبض بكر الذي له الطعام ولم يوجد ولا يمكن حصولهما.
فرع: قال البائع لا أُسلِّم المبيعَ حتى اقبض ثمنه وقال المشتري في الثمن مثله أي لا أسلِّمه الثمن حتى اقبض المبيع وترافعا إلى الحاكم أجبر البائع لرضاه بتعلق حقه بالذمة ولأن ملك البائع مستقر وملك المبيع للمشتري غير مستقر فعلى البائع تسليمه المبيع للمشتري ليستقر ملكه وفي قول المشتري لأن حق المشتري يتعلق بالعين لا يفوت وحق البائع غير متعين في الثمن فأجبر المشتري ليتساويا في التعيين وفي قول لا إجبار فمن سلم أُجْبِر صاحبه على التسليم وفي قول يجبران فيُلزِم الحاكم كلَّ واحد منهما بإحضار ما عليه إلى الحاكم أو إلى عدلٍ فإن أحضراه سلم الثمن إلى البائع والمبيع إلى المشتري ويبدأ بأيهما شاء قلت فإن كان الثمن معيناً سقط القولان الأولان وأجبرا في الأظهر والله أعلم أي من الأقوال الأربعة السابقة لاستواء الجانبين لأن الثمن في المبيع كالمبيع في تعلق الحق بالعين وإذا سلم البائع المبيعَ أُجبِرَ المشتري إن حضر الثمن على تسليمه للبائع وإلا يكن الثمن حاضراً في مجلس العقد فإن كان معسراً فللبائع الفسخ بالفَلَس وأخذ المبيع أو موسراً وماله بالبلد أو بمسافة قريبة أي دون مسافة القصر حجر عليه في أمواله كلها حتى يُسلّم الثمن لئلا يتصرف فيها بما بفوت حق البائع ويسمى هذا الحجرُ الحجرَ الغريبَ فإن كان ماله بمسافة القصر لم يكلف البائع الصبر إلى إحضاره لتضرره
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/242)
بتأخير حقه والأصح أن له الفسخ وأخذ المبيع لتعذر تحصيل الثمن كالإفلاس فإن صبر أي البائع لإحضار المال فالحجر على المشتري كما ذكرناه أي يحجر على المشتري في أمواله كلها إلى أن يسلم الثمن لئلا يفوت حق البائع وللبائع حبس مبيعه حتى يقبض ثمنه الحالّ وللمشتري حبس ثمنه حتى يقبض المبيع الحالّ كذلك إن خاف فوته بنحو هرب أو تفليس أو نقل ماله إلى غيره بلا خلاف لما في ذلك التسليم من ضرر وإنما الأقوال إذا لم يخف فَوْتَهُ وتنازعا في مجرد الابتداء بالتسليم أما الثمن المؤجل فليس للبائع حبس المبيع لرضاه بالتأخير.
? باب التولية والإشراك والمرابحة ?
ومعنى التولية هي نقل جميع المبيع إلى الموليَّ بمثل الثمن بلفظ وليتك والإشراك نقل بعضه بنسبته من الثمن بلفظ أشركتك والمرابحة بمثل الثمن أو بمثل ما قام عليه به مع ربح موزع على الأجزاء والمحاطة عكسه اشترى شيئاً ثم قال لعالم بالثمن أي قال المشتري لشخص وليتك هذا العقد فقبل كقوله قبلته أو توليته لزمه مثل الثمن جنساً وقدراً وصفةً وهو أي عقد التولية بيع في شرط أي في شروطه كلها كقدره على التسليم وقبض في المجلس إن كان ربوياً وترتيب أحكامه كتجدد الشفعة إذا كان المبيع شفعاً مشفوعاً.
ومنها لو اطلع المتولِّي على عيب تقدم على التولية رده على الموَلِّي لا على البائع الأول للمولي مطالبة البائع (لكن لا يحتاج أي عقد التولية إلى ذكر الثمن ولو حط عن المولِّي بعض الثمن بعد التولية انحط عن المولَّى لأن خاصة التولية وإن كانت بيعاً التنزيل على الثمن الأول فلو أُسْقِطَ من الثمن شيءُ أُسْقِطَ عن المتولِّي أيضاً والإشراك في بعضه أي في بعض المبيع كالتولية في كله في الأحكام المذكورة سابقاً إن بين البعض بأن صرح بالمناصفة أو غيرها من الكسور كالربع والثلث والسدس والثمن .... فلو أَطْلَق الإشراك بدون تحديد نسبة صح العقد وكان المُشْتَرَى مناصفة بينهما وقيل لا يصح العقد للجهل بقدر المبيع وثمنه ويصح بيع المرابحة بأن يشتريه بمائة ثم يقول لغيره وهما عالمان بذلك بعتك بما اشتريت أي بمثل ما اشتريت وربح درهم لكل عشرة أو في كل عشرة أو ربح ده ياز ده وكلمة دَه بالفارسية عشرة وكلمة ياز واحد فهي بمعنى ما قبلها فكأنه قد قال له أبيعك ما اشتريته بمائة وعشرة فيقبله المخاطب وآثروا ذكر هذه الكلمة الفارسية لاشتهارها بين الصحابة ويصح بيع المحاطة كبعت بما اشتريت وحط ده ياز ده فيقبل ويُحَطُّ من كل أحد عشر واحدٌ كما أن الربح في المرابحة واحدٌ على كل عشرة أي واحد من أحد عشر وقيل يحط من كل عشرة واحد كما زيد في المرابحة على كل عشرة واحد، فإذا كان اشترى بمائة وعشرة فالمحطوط منه على الأول عشرة وعلى الثاني أحد عشر وإذا قال بعت بما اشتريت به لم يدخل فيه سوى الثمن وهو ما استقر عليه العقد عند لزومه وذلك صادق بما فيه حطٌّ بعد العقد أو زيادة عليه في زمن الخيار ولو قال بما قام عليَّ دخل مع ثمنه أجرة الكيال الذي يكيل الثمن والمبيع معاً والدلال هو المنادي والحارس والقصار وهو من يدق الثياب لتتماسك وتبيض والرفاء هو من يصلح الثياب والصباغ وقيمة الصَّبْغ للمبيع وسائر المؤن المرداة للاسترباح كأجرة المكان والضرائب التي تدفع وقيمة علف تسمين. وفي معنى قوله قام عليَّ قوله ثبتَّ عليَّ بكذا ولو قَصَر بنفسه أو كال أو طين أوحمل أو تطوع به شخص لم تدخل أجرته لم تدخل أجرته مع الثمن لأن الذي يزاد على الثمن ليس جهده وما تبرع به آخرون إنما ما دفعه من قال أما إذا أراد زيادة أتعابه فيقول بعتكه بكذا وأجرة عملي وعمل المتطوع عنيّ كذا وليعلما ثمنه أي البائع والمشتري ثمن المبيع في صورة البيع أو ما قام به في صورة بعت بما قام عليَّ فلو جهله أحدهما بطل على الصحيح وقيل لا يبطل لسهولة معرفته فلو قال بعتك برأس المال وربح كذا وقال الآخر اشتريت صح إن علم المشتري ثمن الشراء في الصورة الأولى وفي الصورة الثانية لا يشترط معرفة رأس المال في الحال وليُصَدَّقْ البائعُ في قَدْر الثمن وجوباً لأن كتمه غش وخديعة والمقصود بقدر الثمن الذي استقر عليه العقد أو قام به المبيع عليه وقت الإخبار والأجل إن كان متعارفاً عليه فلا بأس بعدم ذكره أما إذا لم يكن متعارفاً عليه أو زاد أو نقص فلابد من إخبار المشتري به والشراء بالعَرْضِ والعَرْضُ هو
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/243)
جمع صنوف المال غير الذهب والفضة فيذكر البائع أنه اشتراه بعرض قيمته كذا ولا يقتصر على ذكر قيمة العرض ليتبين المشتري الحال وبيان العيب القديم والحادث عنده بآفة أو جناية تنقص القيمة أو العين ولا يكفي ذكر العيب فقط بل لا بد من تبين إن كان قديماً قبل الشراء أو حديثاً بعد الشراء لأن المشتري يعتمد أمانته فيما يخبر به فقد روى أحمد وغيره عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم لا يحل لمن باع من أخيه بيعاً يعلم فيه عيباً إلا بيّنَهُ) وروى مسلم وأبو داوود من حديث أبي هريرة (ليس منَّا من غشَّنا).
فلو قال اشتريته بمائة وباعه مرابحة فبان أنه اشتراه بتسعين بينه أو إقرار فالأظهر أنه يحطُّ الزيادة وربحها لكذبه ولا خيار للمشتري لأنه قد رضي بالأكثر فالأولى أن يرضي بالأقل ولو زعم أنه أي الثمن الذي اشترى به مائة وعشرة وأنه غلط بقوله أولاً مائة وصدقه المشتري في قوله لم يصح البيع الواقع بينهما مرابحة في الأصح لتعذر قبول العقد للزيادة بخلاف النقص لأن العقد يقبلها بدليل قبوله الأرش وهو عن نقص.
قلت الأصح الصحة والله أعلم كما لو غلط بالزيادة لكن يتخير بالبائع والأصح تقبل الزيادة بربحها والخيار للمشتري. وإن كذبه المشتري ولم يبين لغلطه البائع وجهاً محتملاً يمكن تصديقه لم يُقْبَلْ قوله ولا بينته إن أقامها لتكذيب قوله الأول لقوله الثاني وبينته فهو تراجع عن إقرار في حق لآدمي فلا يقبل.
وله تحليف المشتري بأنه لا يعرف ذلك في الأصح لأنه بعرض اليمين عليه قد يُقِِرُُّ فأن حلف فذاك وإلا ردت اليمين على البائع بناءاً على أن اليمين المردودة كالإقرار وللمشتري بعد ذلك الخيار بين إمضاء العقد بما حلف عليه أو فسخه.
وإن بين لغلطه وجهاً محتملاً بأن قال راجعت حساباتي أو أخبرني كاتبي أو وكيلي بهذا الثمن فله التحليف لأنّ ما قاله شبهة في صدق قوله والأصح سماع بيّنته التي يقيمها على صحة قوله الثاني والثاني لا لتكذيبه نفسه كما قال ابن الرفعة وهو المعتمد والمنصوص عليه.
? باب الأصول والثمار ?
وهي الأرض والشجر والثمار فإذا (قال بعتك هذه الأرض أو الساحة أو البقعة وفيها بناء وشجر فالمذهب أنه يدخل البناء والشجر في البيع دون الرهن لضعف الرهن ولأن الملك للدوام والرهن للتأقيت وحاصله أنه يلحق البيع كل ناقل للملك كهبة ووقف ووصية وإصداق وعوض خلع وصلح ويلحق بالرهن كل مالا ينقله كالإقرار والعارية والإجارة. وأما النبات المقلوع فلا يدخل في المبيع جزماً كالشتل الذي ينقل والشجر المقطوع والنبات اليابس لأنها لا تراد للدوام فهي كمتاع البيت لا يَردُ عليها البيع.
وأصول البقل التي تبقى في الأرض سنتين أو أكثر وكل ما يؤخذ هو أو ثمرته مرةً بعد أخرى كالقت ويسمّى أيضاً القضب وهو النصيعيفه والهنذبا وهو المعروف بالبقل وله ورق صغير يطبخ ويؤكل كما يستخدم للزينة وتسمى أيضاً الحمقاء والنعناع وغير ذلك أو تؤخذ ثمرته مرة بعد أخرى كالنرجس والبنفسج والقثاء والبطيخ والبامية كالشجر فيدخل في المبيع دون الرهن كما ذكرنا ولا يدخل في المبيع ما يؤخذ دفعة واحدة كالحنطة والشعير وسائر الزروع كالجزر والفجل والبصل والثوم لأنه ليس للدوام والثبات فهو كالمنقولات ويصح بيع الأرض المزروعة بهذا الزرع الذي لا يدخل في المبيع على المذهب كبيع الدار المشحونة بالأمتعة وللمشتري الخيار إن جهله وجود الزرع في الأرض حيث ظهر على وجه الأرض بين رؤيته الأولى وامتلاكه الأرض أما إذا كان عالماً بالزرع فلا خيار له ولا يمنع الزرع المذكور سابقاً دخول الأرض في يد المشتري وضمانه إذا حصلت التخلية في الأصح لوجود تسليم عين المبيع مع عدم إمكانية تفريغها خلافاً للدار المشحونة بالأمتعة حيث أن التخلية ممكنة في الحال والبذر كالزرع فيما ذكر فإن كان زرعه يدوم كنوى النخل دخل وإلا فلا يدخل في المبيع وللمشتري الخيار إن جهله والبقول حكمه في المبيع حكم الشجر بأنواعه والأصح أنه لا أجرة للمشتري مدة بقاء الزرع الذي علمه أو جهله وأجاز ولو باع أرضاً مع بذر أو زرع لا يفرد بالبيع أي لا يمكن ورود البيع عليه كبذر لم يره أو كفجل أو جزر مستور بطل في الجميع أي بطل البيع في الجميع للجهل بأحد المبيعين الموجب لتعذر التوزيع بناء على الأصح في تفريق الصفقة كما سبق أما ما يفرد
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/244)
كقصيل أي نبات الشعير الذي يقطع لأكل البهائم قبل أن يسنبل أو سنبل ورآه كذرة وشعير وبذر رآه لم يتغير فيصح جزماً وقيل في الأرض قولان أحدهما: الصحة بجميع الثمن أما البذر الذي لا يباع مع الأرض والذي هو للدوام عادة كبذر الشجر فيباع وينعقد البيع صحيحاً.
ويدخل في بيع الأرض الحجارة المخلوقة فيها لأنها من أجزائها دون المدفونة من غير ثبات فيها كالكنوز فلا تدخل في المبيع ولا خيار للمشتري إن علمها ولو تضرر بقلعها كسائر العيوب في المبيع إلا إذا كان لنقلها وقت تستغرقه فمن حقه أن يطلب الأجرة ويلزمُ البائعَ النقلُ وتسوية الأرض وله النقل من دون إذن المشتري وللمشتري إجاره على القلع حتى ولو وهبه إياها بخلاف الزرع لأن له أمدٌ يُرْجَعُ إليه وكذا إن جهل ولم يضره أي إذا جهل وجود الحجارة ولم يضره قلعها فللمشتري إجباره على نقلها وتسوية الأرض وإن ضرَّ قلعها بأن انقص قيمتها أو طال زمن قلعها وتسوية الأرض فله الخيار دفعاً للضرر ولكن إذا رضي بقاءها ولا ضرر عليه بوجودها سقط خياره فإن أجاز البيع لزم البائع النقل وتسوية الأرض وذلك بإعادة التراب المزال بالقلع إلى مكانه وفي وجوب أجرة المثل مدة النقل أوجه أصحها تجب إن نقل بعد القبض لا قبله لأن الجناية على المبيع من ضمان البائع بعد تسليم المبيع لا قبله ويدخل في بيع البستان الأرض والشجر والحيطان المحيطة بالبستان لدخولها في مسمى البستان بل لا يسمى بستاناً بدون حائط. وكذا البناء على المذهب أي يدخل في المبيع البناء داخل البستان وتدخل عرائش العنب ويدخل في بيع القرية عند الإطلاق الأبنية وساحات يحيط بها السور المبني للقرية بخلاف الخارج عن السور لا المزارع والأشجار التي حول القرية على الصحيح ولا تدخل الأبنية الخارجة عن السور والمتصلة به وكذلك يدخل السور كما ذكرنا ذلك في البستان ويدخل في بيع الدار على الإطلاق الأرضُ التي أقيم عليها البناء وكلُ بناء من علو وسفل لأن الدار اسم للبناء والأرض وتدخل الأجنحة والدرج ولو باع علو أعلى سقف كما في بناء الطوابق فإن السقف ليس له وله الانتفاع به على العُرف لأن نسبته إلى السفل وليس للعلو حتى حمامها لأن الحمام من مرافق الدار ولكونه من بنائها وتدخل الأشجار في المبيع وإن كثرت لا المنقول كالدلو والبكْرة والسرير والرفوف غير المسمرة وتدخل الأبواب المنصوبة وحِلَقُهَا وكل باب مخلوع ينتظر إصلاحه وتدخل الأقفال ومفاتيحها والإجَّانات أي الأحواض المثبتة للغسيل وللسباحة والرف والسلم المسمران والمبنيان سواء من حجر أو خشب أو معدن وكذا يدخل الأسفلمن حجري الرحى على الصحيح لأنه مثبت بالأرض فأشبه الجزء منها وقيل لا يدخل لأن له تتمه هو الحجر العلوي. والمعتمد الأول لأنه كالدرج في حكمه. والأعلى ومفتاح غلق مثبت في الأصح لتبعيتها لشيء مثبت أما إذا كان الباب يغلق بقفل متحرك فلا يدخل في المبيع لأنه منقول.
ويدخل في بيع الدابة نعلها وبرتها وهي الحلقة التي تجعل في أنفها وكذا يدخل ثياب العبد في بيعه في الأصح تبعاً للعرف قلت الأصح لا تدخل ثياب العبد والله أعلم. للعرف غير المطرد فالعرف في هذه الحالة مختلف فيه ولذا اختلف الحكم فيتبع في ذلك العرف.
فرع: باع شجرة رطبة منفردة أو مع أرضها دخل عروقها وورقها إن كانا رطبين أو يابسين وفي ورق التوت وجه أنه لا يدخل لأنه كالثمرة ومثله كل ورق يقطف مستقلاً وينتفع به مستقلاً عرفاً والثاني يدخل لأنه تبع وهو المعتمد. وأغصانها إلا اليابس المنفصل عنها أما المتصل بها فهو مبيع معها كما مرَّ واليابسة يتبعها غصنها فلا يدخل في المبيع ويصح بيعها أي بيع الشجرة رطبة ويابسة بشرط القلع أو القطع وبشرط الإبقاء والإطلاق بدون شرط يقتضي الإبقاء في الشجرة الرطبة دون اليابسة والأصح أنه لا يدخل في بيعها المَغْرِسُ لكن يستحق منفعته ما بقيت الشجرة وقيل يدخل ولكن إلى غاية زوالها وقيل يدخل مطلقاً وله إذا انقلعت أو قلعها أن يغرس مكانها ولو كانت الشجرة يابسة لزم المشتري القلع ولو شرط بقاءها بطل البيع للعرف المقتضي القلع ولما في ذلك من ضرر على البائع وثمرة النخل مثلاً المبيع بعد وجودها إن شرطت كلها أو بعضها المعين كالربع والنصف للبائع أو المشتري عمل به أي بالشرط تأبر أم لا وإلا أي وإن لم تشترط لواحد منهما فإن لم يتأبر منها
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/245)
شيء فهي للمشتري وإلا أي وإن تأبر منها شيء فهي للبائع جميعها وإن كان المؤبر يسيراً فقد روى الشيخان عن ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من باع نخلاً قد أبرت فتمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع). قال الإمام الشافعي وهذا الحديث ثابت عندنا وبه نأخذ – وتأبير النخل تلقيحه. ومفهوم الحديث أنها إذا لم تؤبر فهي للمشتري.
وما يخرج ثمره إلا نَوْرٍ أي بلا زهر كتين وعنب إنْ برزَ ثمره أي ظهر فللبائع وإلا فللمشتري وكذلك إذ ظهر بعض التين وبعض العنب إلحاقاً بتشقق الطلع في النخل والمعتمد أن ما ظهر من تين وعنب وكل ثمر يتجدد فهو للبائع وما لم يظهر فهو للمشتري وما خرج في نوره ثم سقط أي سقط زهره كمشمش وتفاح فللمشتري إن لم تنعقد الثمرة وكذا إن انعقدت ولم يتناثر النور في الأصح إلحاقاً له بالطلع قبل تشققه ومقابله يلحق بالطلع بعد تشققه أي هو من نصيب البائع وبعد التناثر ولو للبعض فهو للبائع جزماً ولو باع نخلات بستان مُطْلِعَةً وبعضها مؤبرٌ فللبائع أي خرج طلع بعضها وأُبِِّرَ البعض دون الآخر فهي للبائع اتحد النوع أو اختلف فإن أفردَ ما لم يؤبر بالبيع فللمشتري في الأصح لمفهوم الحديث السابق (من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع). ولو كانت النخلات في بستانين أي كان المؤبر في بستان وغير المؤبر في بستان فالأصح إفراد كل بستان بحكمه لاختلاف البقاع وإذا بقيت الثمرة للبائع بالشرط بينهما أو بدون شرط فإن شَرَطَ القطعَ لزمه وفاء بالشرط ويكون هذا فيما ينتفع به أما ما لا ينتفع به فيبطل به البيع لأن في ذلك إتلاف للمال وهو محرم.
وإلا يشترط القطع فله تركها إلى الجذاذ للعادة ومثله إذا اشترط بقاءها فتبقى إلى حين أخذها وإذا جاء وقت الجذاذ لم يمكّن من أخذها على التدريج إنما يكلف قطعها مرة واحدة.
ولكل منهما السقي إن انتفع به الشجر والثمر أو أحدهما ولا منع للآخر لعدم تضرره بالسقي وإن ضرهما لم يجز إلا برضاهما. معاً فليس لإحدهما الانفراد بالسقي دون رضا الآخر لأنه يدخل عليه ضرراً وإن ضر أحدهما وتنازعا أي تنازع المتعاقدان فسخ العقد لتعذر إمضائه إلا بإضرار والذي يفسخ المتضرر قيل استقلالاً وقيل بالحاكم. إلا أن يسامح المتضرر فلا فسخ حينئذ لزوال النزاع ولا ضياع للمال في منفعة الغير فإنما هو الإيثار والمسامحة والإحسان وقيل لطالب السقي أن يسقي ولا يبالي بضرر الآخر لأن العقد يتضمن عرفاً استمرار السقي. ولو كان الثمر يمتص رطوبة الشجر والسقي ممكن لزم البائع أن يقطع الثمر أو يسقي الشجر دفعاً لضرر المشتري.
? فصل في بيان بيع الثمر والزرع وبِدُو صلاحهما ?
يجوز بيع الثمر بعد بدو صلاحه مطلقاً أي من غير شرط القطع وبشرطقطعه وبشرط إبقائه فقد روى الشيخان عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبايعوا الثمر حتى يبدو صلاها). وفي لفظ لمسلم: (تبيعوا) وفي لفظ آخر (تبتاعوا)، أي أن البيع بعد بدو الصلاح جائز وشرط الإبقاء أن يبقى إلى أوان الجداد (الجذاذ) للعرف وقبل الصلاح إن بيع منفرداً عن الشجر لا يجوز إلا بشرط القطع فيجوز إجماعاً وأن يكون المقطوع منتفعاً به كحصرم ولوز وبلح لا ككمثرى وهو ما يسمى الإجاص أوالبرقوق وجوز لأنه لا ينتفع به قبل صلاحه وقيل إن كان الشجر للمشتري جاز بلا شرط كأن يكون قد اشترى الشجر بعد ظهور الثمر فيصح البيع لأنهما يجتمعان في ملكه كما لو اشتراهما جميعاً قلت فإن كان الشجرُ للمشتري وشرطنا القطع لم يجب الوفاء به والله أعلم. إذ لا معنى لتكليفه قطع ثمره من شجره، ولو قطع شجرة عليها ثمرة ثم باع الثمرة وهي عليها جاز من غير شرط القطع لأن الثمرة لا تبقى عليها فيصير كشرط القطع وإن بيع مع الشجر جاز بلا شرط أي بيع الثمر مع الشجر بثمن واحد ولا يجوز بشرط قطعه لأن في ذلك حجر على المالك في ملكه لأن الثمرة أصلاً تابعة للشجرة، أما لو قال بعتك الشجرة بعشرة والثمر باثنين لم يجز إلا بشرط القطع لأنه فصل بين المبيعين فانتفت التبعية ويحرم بيع الزرع الأخضر في الأرض إلا بشرط قطعه كالثمر قبل بدو صلاحه للنهي عن ذلك كما في حديث مسلم عن ابن عمر: (حتى يبدوا صلاحه حمرته وصفرته) وفي رواية له قال: وما صلاحه قال: تذهب عاهته وفي البخاري مثله عن سهل بن أبي حثمة عن زيد بن ثابت قال: كان الناس في
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/246)
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون الثمار فإذا جدَّ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب الثمر الدُّمَّان (مرضٌ معينٌ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لماكثرت عنده الخصومة في ذلك فإمّا فلا تتبايعوا حتى يبدوا صلاح الثمر. فإن بيع معها أو بعد اشتداد الحب جاز بلا شرط أي إذا كان البيع مع الأرض أو بدو صلاح الحبوب جاز لأنه في الحالة الأولى تبع للأرض وفي الحالة الثانية بيع بعد الصلاح ويشترط لبيعه وبيع الثمر بعد بدو الصلاح ظهور المقصود من الحب والثمر لئلا يكون في حكم الغائب كتين وعنب وشعير لأنه يعرف في سنبله وما لا يرى حبه كالحنطة والعدس في السنبل لا يصح بيعه دون سنبله (ومثله جوز القطن قبل تشققه وبيان صلاحه) ولا معه في الجديد لاستتار المقصود بما ليس من مصلحته لما روى مسلم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن بيع السنبل حتى بيض أي يشتد وهو في القديم أي الجواز، وجمعوا بين القديم والجديد أن الحديث في سنبل الشعير ونحوه والأرز كالشعير ولا بأس بكِمَامٍ أي وعاء لا يُزَالَ إلا عند الأكل كالرمان والموز والبطيخ والباذنجان والأرز في سنبله لأن بقاءه فيه من مصلحته وماله كمامان كاللوز والجوز والباقلاء وهو الفول يباع في قشره الأسفل ولا يصح في الأعلى لاستتاره بما ليس من صلاحه وفي قول يصح بيعه في الأعلى إن كان رطباً لأن كمامه الأعلى يحفظ رطوبته فهو من مصلحته بل قيل الإجماع الفعلي عليه ومثله اللوبيا وبدو صلاح الثمر ظهور مبادئ النضج والحلاوة بأن يلين ويجري الماء فيه فيما لا يتلون وفي غيره وهو ما يتلون يكون بدو الصلاح فيه بأن يأخذ في الحمرة أو السواد أو الصفرة كالبلح والمشمش والإجاص وفي غير التمر بدو صلاح الحب باشتداده ويكفي بدو صلاح بعضه وإن قلَّ أي أن يظهر صلاح بعض ثمر جنسه ولو حبة واحدة ولو من أنواع مختلفة كعنب أو بُسْر لأن من نعم الله سبحانه أن الثمار لا تطيب دفعة واحدة وذلك لإطالة زمن التفكه.
ولو باع ثمرة بستان أو بساتين بدا صلاح بعضه فعلى ما سبق من التأبير فيتبع مالم يبدُ صلاحُهُ ما بدا صلاحه في البستان أو في كل من البساتين وإذا اختلف النوع أما الأجناس فلا يتبع بعضها بعضاً في اعتبار الصلاح أي لا يتبع التمرُ العنبَ ولا العنب التفاح لأنها أجناس أما أنواع التمر أو أنواع العنب فيتبع بعضها بعضاً لأن التمر جنس والعنب جنس والبرَّ جنسٌ ولكل واحد منها أنواع ومن باع ما بدا صلاحه لزمه سقيه قبل التخلية وبعدها. إن كان مما يسقى قدر ما ينمو به ويسلم من التلف والفساد لأنه من تتمة التسليم الواجب كالكيل والوزن. فلو شُرِطَ كونه على المشتري بطل العقد لأنه مخالف لمقتضاه أما لو باعه بشرط القطع فلا يلزمه سقيه بعد التخلية. ويتصرف مشتريه بعدها لحصول القبض بالتخلية.
ولو عرض مهلك بعدها أي بعد التخلية أصاب الثمر متلف كبرد أو حر أو عاصفة أو مرض فالجديد أنه من ضمان المشتري لحصول القبض بالتخلية فقد روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك. وبما أن التخلية كافية في جواز التصرف فهي كافية في وجوب الضمان وأما القديم من مذهب الشافعي فهي من ضمان البائع لما روى مسلم عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح. وفي لفظ النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع الجوائح. وأجيب أن هذا الأمر محمول على الاستحباب أما لو عرض المهلك قبل التخلية فالتالف من ضمان البائع، فإن تلف الجميع انفسخ العقد وإن تلف البعض انفسخ فيه فلو تعيب بترك السقي فله أي المشتري الخيار لأن الشرع ألزم البائع التنمية بالسقي فالتعيب بتركه كالتعيب قبل القبض.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/247)
ولو بيع قبل صلاحه بشرط قطعه ولم يقطع حتى هلك فأولى بكونه من ضمان المشتري لتفريط المشتري وعناده ولو بيع ثمر يغلب تلاحقه أي ينتج جديداً غير الموجود حال البيع واختلاط حادثه بالموجود حيث لا يمكن التمييز كتين وقثاء وبطيخ لم يصح البيع إلا أن يشترط على المشتري قطع ثمره أن يشترط أحدهما على الآخر القطع ويوافق الآخر ولو حصل الاختلاط فيما يندر أي قبل التخلية فالأظهر أنه لا يفسخ البيع بل يتخير المشتري بين الفسخ والإجازة لعدم التمييز بين الحادث والمبيع فإن سمح له البائع أي للمشتري بما حدث سقط خياره لأنه حصل على حقه وزيادة.
ولا يصح بيع الحنطة في سنبلها بصافيه من غير تبن وهي المحافلة ولا يصح بيع الرطب على النخل بتمر وهي المزابنة فقد روى الشيخان عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المحافلة والمزابنة والمعنى في البطلان عدم المماثلة وعدم معرفة الحب لخفائه بكمامه.
ويرخص في العرايا وهو بيع الرطب على النخل بتمر في الأرض أو العنب في الشجر بزبيب فقد روى الشيخان عن سهل بن أبي حثمة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع التمر بالتمر ورخص في بيع العرايا أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطباً) وقيس العنب على الرطب بجامع كونها زكوين وكل منهما يمكن خرصه ويدخر جافاً فيما دون خمسة أوسق بتقدير الجفاف بمثله فيباع مثلاً رُطَبُ نخلات يعدل إذا جفَّ ثلاثة أوسق خرصاً بثلاثة أوسق من تمر لما روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق الوِسقُ ستون صاعاً أي أن جملتها ثلاثمائة من الصيعان. ولو زاد على الخمسة أوسق في صفقتين كل منها دون الخمسة أوسق جاز ومثله لو باع في صفقة واحدة لرجلين أو أكثر وكان ما يخص كل واحد منهم دون الخمسة أوسق.
ويشترط التقابض في المجلس بتسليم التمر كيلاً والتخلية في النخل الذي عليه الرطب أو الكرم الذي عليه العنب وإذا لم يكن النخل في مجلس العقد فيجب بقاءُهما فيه حتى يمضي زمن يمكن الوصول إليه لأن قبضه إنما يحصل حينئذ.
والأظهر أنه لا يجوز بيع مثل العرايا في سائر الثمار مما لا يدخر ولأنه يصعب خرصها لاستتارها كالجوز واللوز ونحوهما والأظهر أن بيع العرايا لا يختص بالفقراء لإطلاق الأحاديث السابقة وقيل يختص بهم لما روى الشافعي من غير إسناد إلى زيد بن ثابت أن رجالاً محتاجين شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطباً يأكلونه مع الناس وعندهم فضل قوتهم من التمر فرخص لهم أن يتبايعوا العرايا بخرصها من التمر والراجح عموم الرخصة في بيع العرايا ولعل ما ذكر في حديث زيد هو الحكمة من إباحة بيع العرايا.
? باب اختلاف المتبايعين ?
إذا اتفقا على صحة البيع ثم اختلفا في كيفيته كقدر الثمن كألف أو ألف ومئة مثلاً وصفته ريال أو درهم مثلاً أو الأجل بأن قال المشتري اشتريته مؤجلاً وقال البائع حالاً أو قدره فقال البائع ستة شهور وقال المشتري سبعة شهور مثلاً أو قدر المبيع فقال المشتري المنزل والسيارة وقال البائع المنزل فقط ولا بيّنة لأحدهما تحالفا فيحلف كلٌ على نفي قوله صاحبه وإثبات قوله لما روى عبد الله بن أحمد في زيادات المسند عن ابن مسعود (إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بيّنة لأحدهما تحالفا) .. ولخبر مسلم (اليمن على المدعى عليه) فكلٌ منهما مدعٍ ومدعىً عليه وَيَبْدَأ بالبائع وفي قول بالمشتري وفي قول يتساويان وفي حالة التساوي فيتخير الحاكم فيمن يبدأ به منهما وقيل يقرع بينهما فيبدأ بمن خرجت قرعته والصحيح أنه يكفي كلَّ واحد يمين تجمع نفياً لقول صاحبه وإثباتاً لقوله لأن الدعوى واحدة فكفاها يمين واحدة فيقول البائع في قدر الثمن مثلاً والله (ما بعت بكذا ولقد بعت بكذا) ويقول المشتري والله ما اشتريت بكذا ولقد اشتريت بكذا ويكفي أن يقول البائع والله ما بعته إلا بكذا وأن يقول المشتري والله ما اشتريت إلا بكذا.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/248)
وإذا تحالفا فالصحيح أن العقد لا ينفسخ بل إن تراضيا فإن العقد لا ينفسخ بمجرد اليمين لأن اليمين أضعف البيِّنات فإن أعرضا عن الخصومة وتراضيا على قول أحدهما أو عدل بينهما صح العقد وأجيز وإلا أي إذا لم يتراضيا واستمر النزاع فيفسخانه أو أحدهما أو الحاكم أي لكل واحد منهما الفسخ دون رضا الآخر أو برضاه وأما فسخ الحاكم فهو لقطع النزاع.
وقيل إنما يفسخه الحاكم دونهما ومقابله إنما ينفسخ بمجرد التحالف ثم بعد الفسخ فإنَّ على المشتري ردُّ المبيع إن كان باقياً في ملكه فإن كان وقَفَه أو أعتقه أو مات لزمه قيمته وهي قيمته يوم التلف إن كان متقوماً وإن زادت على ثمنه وثمن مثله حال التنازع. في أظهر الأقوال والقول الثاني يوم قبضه المشتري لأنه يوم دخوله في ضمانه والقول الثالث أقل قيمة من يوم العقد إلى يوم التلف لأن الزيادة حدثت في ملك المشتري.
وإن تعيب رده مع أرشه وهو ما نقص من قيمته لأنه كما ضمن القيمة كاملة يضمن النقص بالأرش واختلاف ورثتهما كهما أي كاختلافهما فيما تقدم من أحكام فيحلف الوارث لقيامه مقام المورث.
ولو قال بعتكه بكذا فقال بل وهبتنيه فلا تحالف لاختلاف العقد بل يحلف كل واحد منهما على نفي دعوى الآخر كسائر الدعاوى فإذا حلفا ردّه مدعي الهبة بزوائده المتصلة والمنفصلة لأنه لا ملك له وقيل المتصلة فقط.
ولو ادعى صحة البيع والآخر فساده كأن ادعى أحدهما رؤية المبيع والآخر عدم رؤيته أو ادعى عدم البلوغ أو الإغماء أو الجنون حال العقد فالأصح تصديق مدعي الصحة بيمينه لأن الأصل عدم الفساد ولو اشترى عبداً وقبضه فجاء بعبد معيب ليرده فقال البائع ليس هذا المبيع صدق البائع بيمينه لأن الأصل صحة العقد وفي مثله في البيع في الذمة والسلم بأن قبض المشتري أو المُسَلِّم المؤدي عما في ذمته فقال البائع أو المُسَلَّمُ إليه ليس هذا هو المقبوض يصدق المشتري و المُسلِّم بيمينه في الأصح لأصل بقاء شغل ذمة البائع والمسلم إليه حتى يوجد قبض صحيح.
? باب في معاملة العبد ?
العبد أو الأمة إن لم يؤذن له في التجارة لا يصح شراؤه بغير إذن سيده في الأصح لأنه محجور عليه لحق سيده ولو كان لرجلين عبد وأذن أحدهما له في التجارة ولم يأذن الآخر لم يصح هذا إذا لم يكن بينهما مهايأة أما إذا كان لكل واحد منهما وقت يخدمه فيه فأذن أحدهما في نوبته جاز. قال الأذرعي: يصح شراؤه فيما تمس الحاجة إليه إذا امتنع سيده من الإنفاق عليه أو تعذرت مراجعة سيده ويسترده أي المبيع بغير إذن السيد البائعُ سواءٌ كان في يد العبد أو وضعه عندسيده أو عند غيرهما لأنه باقٍ على ملك البائع ِ فإن تلف المبيع في يده أي بيد العبد وبائعه رشيد تعلق الضمان بذمته أي ذمة العبد لا ذمة سيده فيتبع بالثمن بعد العتق إن عتق لتبين رضا البائع أو إهماله والقاعدة في معاملة الرقيق أن ما لزمه بغير رضا مستحقه كتلف بغصب يتعلق برقبته فقط أو برضا مستحقه يتعلق برقبته وما كان برضا السيد يتعلق بذمته وما بيده وكسبه. أو تلف في يد السيد فللبائع تضمينه أي السيد لوضع يده على المبيع وله مطالبة العبد أيضاً ولكن بعد العتق لأنه لا مال له. واقتراضه كشرائه وكذلك سائر المعاوضات إلا النكاح فيما مرَّ من أحكام.
وإن أذن له في التجارة تصرف بحسب الأذن فإن أذن السيد لعبده في نوع لم يتجاوزه كالوكيل لأن سيده قد يعرف إمكانية عمله في شيء دون شيء لكن يستفيد بالإذن له في التجارة وما هو من توابعها كالطي والحمل والردِّ بالعيب والمخاصمة فيما عهد إليه والمماكسة وليس له بإذن التجارة النكاح لأن الإذن لا يتناول النكاح ولا يؤجر لنفسه بغير سيده لأنه لا يملك التصرف في رقبته فكذا لا يملك التصرف في منفعته وله أن يؤجر مال للتجارة كسيارتها وآلياتها.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/249)
ولا يأذن لعبده في التجارة لأن السيد رفع الحجر عنه فقط ولم يرفعه عن غيره وأذن له بالبيع والشراء في عمل معين فلا يتجاوزه إلى غيره كالإذن للعبد الذي اشتراه للتجارة بالتجارة إلا إذا أذن له السيد بذلك ولا يتصدق لأن المال ملك السيد ولا يعامل سيده لأن المال للسيد فيكون كمن باع لنفسه ولا ينعزل بإباقه أي خروجه من البلد إلى بلد أخرى لأنها معصية لاتوجب الحجر وله التصرف فيما أذن له به إلا إذا اشترط عليه سيده ألا يتصرف إلا في بلدته ولا يصير العبد مأذوناً بسكوت سيده على تصرفه وإنما يصير مأذوناً باللفظ الدال على ذلك ويقبل إقراره أي المأذون بديون المعاملة التي أذن له بها.
ومن عرف رقَّ عبد لم يعامله حتى يعلم الإذن بسماع سيده أو بيّنة كإخبار عدلين بذلك أو وثيقة توكيل تشهد له بالإذن أو شيوع بين الناس لأن الأصل عدم الإذن ليحفظ المتعامل معه ماله وفي الشيوع وجه أنه لا يكفي لتيقن الحجر على الرقيق فلا يرفع إلا بيقين.
ولا يكفي في جواز المعاملة قول العبد أنه مأذون له في التجارة وإن ظننا صدقه لأنه متهم في ذلك. فإن باع مأذونٌ له وقبض الثمن من المشتري فتلف الثمن في يده فخرجت السلعة مستحقة للغير رجع المشتري يبدلها أي يبدل ثمنها على العبد لأنه المباشر للعقد فتتعلق به العهدة كاملة كعامل المضاربة والوكيل وله مطالبة السيد أيضاً لأن المال له فكأنه البائع والمشتري. وقيل لا يطالبه لأنه بالإذن أعطاه استقلالاً وقَصَرَ المعاملة على ما في يده وما في ذمته فقط. وقيل إن كان في يد العبد وفاءٌ فلا يطالب السيد لإمكان الرقيق الوفاء بالتزاماته وإن لم يكن في يد الرقيق وفاء طالب سيدَهَ ولو اشترى المأذون له سلعة ففي مطالبة السيد بثمنها هذا الخلاف المذكور ووجه مطالبة السيد لأن العقد له فيأمر المأذون له بالسداد مما في يده ولا يعني إمكانية مطالبة السيد تعلق السداد بذمته إذ لا يلزم من المطالبة بشيء ثبوته في الذمة.
ولا يتعلق دين التجارة برقبته أي برقبة المأذون لأن الدين وجب برضا مستحقه ولا ذمة سيده ولو بيع العبد أو عتق لأن المأذون هو المباشر للعقد بل يؤدي من مال التجارة ربحاً ورأس مالٍ فيمتنع على السيد التصرف به من غير إذن العبد والغرماء فإن أبلغه السيد غرم وإن أذن العبد صح وتعلق الدين بذمته. وكذا من كسبه بالاصطياد ونحوه في الأصح فإن بقي بعد الأداء شيء من الدين يكون في ذمة العبد إلى أن يعتق ولا يملك العبد بتمليك سيده في الأظهر الجديد لأنه ليس أهلاً للملك فهو مملوك فأشبه المتاع والقديم يملك لما روى الشيخان عن ابن عمر: (من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع). فدل أن المال إليه أي أنه يملك ولكن أجيب عليه بأن الإضافة للاختصاص لا للملك إذ لو كان للمك لأصبح المال مملوكاً للعبد وسيده وعلى قول من قال يملك فهو ملك ضعيف لأن لسيده انتزاعه منه متى شاء وليس له التصرف فيه إلا بإذن سيده ولو وهب للرقيق هبة أو أوصى له بشيء جاز له قبوله وهو لسيده.
? كتاب السلم ?
ويقال له السلف أيضاً فيقال أسلم وسلّمَ وأسلَف وسلّفَ وسمِّيَ سلماً لتسليم رأس المال في المجلس وسلفاً لتقديم رأس المال والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى:?يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه? [البقرة 282]. قال ابن عباس: اشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى مما أحل الله في الكتاب وأذن فيه ثم قرأ? يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين? أخرجه الشافعي في الأم والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في السنن وذكره السيوطي في الدر المنثور ونسبه إلى عبد الرزاقوعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وأحاديث منها:
- حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهو يسلفون في التمر السنة والسنتين وربما قال والثلاث فقال: (من أسلف فليسلف في كل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) رواه البخاري ومسلم والشافعي.
- حديث عبد الله بن أبي أوفى: قال: كنا نسلف نبيط أهل الشام في الحنطة والشعير والزيت في كيل معلوم إلى أجل معلوم. رواه البخارى عن محمد بن أبى المجالد. والنبط أو النبيط أو الأنباط هو اسم لقوم من العرب اختلطوا بالعجم فقوت ألسنتهم وأنسابهم وعملوا في الزراعة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/250)
السلم:هو بيع موصوف في الذمة أي عقد على شيء يصح بيعه بلفظ السلم أو السلف قال الزركشي: وليس لنا عقد يختص بصيغة إلا هذا أي السلم والنكاح. يشترط له مع شروط البيع التي تتوقف عليها صحة البيع أمور سبعة أخرى اختص بها عند السلم.
أحدها: تسليم رأس المال وهو الثمن في المجلس الذي وقع فيه العقد قبل التفرق فلو أطلق رأس المال عن التعيين في العقد كأسلمت إليك ألفاً في ذمتي في طن من قمح ثم عين وسلم في المجلس جاز ذلك لأن للعقد حربم هو مجلس العقد ويشترط في رأس المال الذي في الذمة بيان وصفه وعدده إلا إذا كان من نقد البلد فينصرف إليه ولو أحال المُسْلِم والمُسْلَم إليه به أي رأس المال وقبضه المُحَالُ وهو المسلم إليه في المجلس فلا يصح العقد لأنه بالحوالة يتحول الحق إلى ذمة المحال عليه فهو حين يؤديه إنما يؤديه عن جهة نفسه لا عن المُسْلِم ولو قبضه المُسْلَمُ إليه أي قبض رأس المال في المجلس وأودعه المُسْلِمَ في ذات المجلس جاز ذلك وصح العقد.
ويجوز كونه أي رأس المال منفعة معلومة كما يجوز جعلها ثمناً أو صداقاً أو أجرة كأن يقول أسلمت إليك منفعة هذه الدار سنة في كذا وتقبض بقبض العين لأنه إذا امتنع القبض الحقيقي اكتفي بهذا لأنها المُنْتَفَعُ بها.
وإذا فسخ السلم بسبب من الأسباب كانقطاع المُسْلَمِ فيه عند حلول وقت التسليم ورأس المال باقٍ ولم يتعلق به حقٌ لغيرهما استرده بعينه أي استرده المُسْلِمُ بذاته وليس للمُسْلَمٍ إليه إبداله.
وقيل للمُسْلَم إليه ردَّ بدله إن عين في المجلس دون العقد لأن العقد لم يتناوله أما إذا تلف فيرجع بمثل المثلي وقيمته المتقوّم ويُرَدُّ هذا القول بأن المعين في المجلس كالمعين في العقد سواءً بسواء. ورؤية رأس المال تكفي عن معرفة قدره في الأظهر في المثلي كالثمن ولا عبرة بالجهل به لو تلف ورجعنا إلى رأس المال لسبب من الأسباب لأن ذا اليد مصدق في قدر المال لأنه غارم أما لو علماه قبل التفرق فقد صح العقد جزماً.
الثاني: من الشروط كون المسلم فيه ديناً لأن السلم إنما شرع ليتحقق به الرفق الذي شرع من أجله السلم على أن يكون الأجل منضبطاً. قال ابن عباس (لا تبايعوا إلى الحصاد والدياس ولا تتبايعوا إلا إلى أجل معلوم) فلو قال أسلمت إليك هذا الثوب في هذا العبد فقبل فليس بسلم قطعاً ولا ينعقد بيعاً في الأظهر لاختلال الصيغة فإن لفظ السلم يقتضي الدَينيّة وقيل ينعقد بيعاً نظراً للمعنى لأن الأصل ترجيح اللفظ ولكنهم أحياناً يغلبون المغنى إذا كان قوياً.
الثالث: من الشروط ما يتضمنه قوله المذهب إذا أسلم بموضع لا يصلح للتسليم أو يصلح ولحمله مؤنة اشترط بيان محل التسليم أي للعين المسلم فيها مؤنة نقل فيجب تحديد مكان التسليم ومؤنة النقل وإلا فلا بأن صلح للتسليم ولم يكن لحمله مؤنة فلا يشترط التحديد ويتعين مكان العقد مكاناً للتسليم. أما لو قال التسليم في أي بلاد شئتُ أو في أي مكان شئتَ فسد العقد ويصح السلم مع التصريح بكونه حالّاً إذا كان المسلم فيه موجوداً حال العقد وإلا تعين المؤجل و يصح كونه مؤجلاً إجماعاً وأما صحة كون السلم حالّاً فلأنه أقل غرراً من المؤجل خلافاً للأئمة الثلاثة فإن أطلق فلم يذكر حلولاً ولا تأجيلاً انعقد حالّاًكالثمن في المبيع وقيل لا ينعقد لأن المعتاد في السلم التأجيل فَيُحْمَلُ المطلق عليه ويشترط في المؤجل العلم بالأجل للعاقدين فإن عين شهور العرب أو الفرس أو الروم جاز لأنها معلومة منضبطة وإن أطلق الشهر حمل على الهلالي أي أشهر العرب لأنها عُرْفُ الشرعِ فإن انكسر شهر بأن وقع العقد فى أثنائه حسب الباقي بعد شهر العقد المنكسر بالأهلة وتمم الأول ثلاثين يوماً مما بعدها ولا يُلغَى المنكسر لئلا يتأخر ابتداء الأجل عن العقد والأصح صحة تأجيله بالعيد وجمادي وربيع والنفر في الحج ويحمل على الأول من ذلك لتحقق الاسم به وقيل لا يصح لعدم ثبوت الأجل وتردده بينهما.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/251)
فصل: يشترط كون المسلم فيه مقدوراً على تسليمه عند وجوب التسليم لأن المعجوز عن تسليمه يمتنع بيعه فيمتنع السلم فيه فإن كان يوجد ببلد آخر صح السلم فيه إن اعتيد نقله للبيع للقدرة عليه بالنقل لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه أسلف إليه رجل من اليهود دنانير في تمر مسمّى فقال اليهودي من تمر حائط بني فلان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما من حائط بني فلان فلا ولكن كيل مسمّى إلى أجل مسمّى) رواه ابن ماجة.
وإلا أي وإن لم يعتد نقله للبيع أو أن نقله نادر أو إذا نقل فهو للهدية لا للبيع فلا يصح البيع فيه لعدم القدرة عليه. ولو أسلم فيما يعم فانقطع في محله لنحو جائحة أفسدته أو وجد ببلد آخر لكن مُنع نقله أو إذا نقل فسد أو لا يوجد إلا عند محتكر يرفض بيعه لم ينفسخ في الأظهر كما لو أفلس المشتري بالثمن وقيل ينفسخ كما لو تلف المبيع قبل القبض والأول أصح لأن المبيع عين موجودة والسلم في موصوف في الذمة. فيتخير المُسْلِمُ بين فسخه والصبر حتى يوجد فيطالب به فإن أجاز ثم بدا له أن يفسخ مُكِّنْ من ذلك لأنه حق ثبت فله المطالبة به في أي وقت ولو علم قبل المَحِل انقطاعه عنده فلا خيار في الأصح لأنه لم يدخل وقت التسليم فلم يتحقق العجز. وكونه معلوم القدر كيلاً ووزناً أو عدّاً أو ذرعاً فيما يذرع للحديث السابق (من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) وقد خص الحديث الكيل والوزن لغلبتهما على ما سواهما ويصح في المكيل وزناً وعكسه لأن المقصود هو الضبط خلافاً للربويات لأن الغالب فيها التعبد ولو أسلم في مائة صاع حنطة على أن وزنها كذا لم يصح لتعذر الجمع بين الكيل والوزن ويشترط الوزن في البطيخ والباذنجان والسفرجل والرمان ونحوها ولا يكفي الكيل لسعة الفراغات بينها فلا يمكن ضبط ذلك ولا يصلح العد فيها لكثرة التفاوت في حجمها بين الصغر والكبر ولا يجمع بين العد والوزن لتعذر ذلك ويصح السلم في الجوز ومثله اللبن والفستق لأنه لا يسرع إليه الفساد بنزع قشره واللوز ومثله البندق في نوع يقل اختلافه بأن يتقارب حجم حباته ولا يختلف قشره غلظه ورقه أما إذا كثر اختلافه فلا يصح السلم فيه لاختلاف أغراض الناس وكذا كيلاً في الأصح قياساً على الحبوب والتمر لتقارب الحجوم وقلة التجافي بين الحبات ويجمع في اللّبِن بلبن العد والوزن فيقول مثلاً: ألف لَِبَنة وزن الواحدة كذا لأنها تصنع عن اختيار فلا يؤدي ذلك على عزة الوجود وواجبها الأصلي العد أما الوزن فعلى التقريب لأنه لا ينضبط ولو عين مكيالاً أو ميزاناً أو ذراعاً فسد السلم الحال والمؤجل إن لم يكن معتاداً وإلا بأن اعتيد ذلك وعرف مقداره فلا يفسد السلم في الأصح ويلغو شرط ذلك الكيل ويقوم مثله مقامه ولو أسلم في تمر قرية صغيرة لم يصح لاحتمال تلفه فلا يحصل منه شيء أو عظيمة صح في الأصح لأن ثمر القرية العظيمة لا ينقطع غالباً ومعرفة الأوصاف التي يختلف بها الغرض اختلافاً ظاهراً أي التي ينضبط بها المسلم فيه ولا ينعدم في وقت التسليم كاللون والكبر والطعم والوزن والقيمة إلا ما يتسامح به عادة وذكرها في العقد على وجه لا يؤدي إلى عزة الوجود فلا يصح السلم فيما لا ينضبط مقصوده كالمختلط المقصود الأركان لأن السلم غرر فامتنع إضافة غرر آخر إليه كهريسة سميت بذلك لأنها تدق وهي عادة خليط سكر ودقيق وسمن ومعجونٍ أي مركب من جزأين أو أكثر وغالية: وهي مركبة من مسك وعنبر أو عود وكافور وخف لاشتماله على الظهارة والبطانة والحشوة وكذلك كل النعال المركبة من أجزاء.
وترياق مخلوط وهو الدواء المؤلف من مجموعة نباتات أو غيرها والأصح صحته في المختلط المنضبط عند أهل الصنعة كيلاً أو وزناً فكل مختلط انضبطت أجزاؤه ولم تتفاوت صح السلم فيه كعتاب وهو المركب من قطن وحرير وخَزٍّ وهو مركب من إبريسم وصوف لسهولة ضبط كل جزء من هذه الأجزاء وفي كافة المنسوجات التي يضبط وزن مكوناتها وجبن وأقط فكل منهما فيه مع اللبن الملح والأنفحة وهي لصناعته وحفظه وشهد وهو مؤلف من عسل النحل وشمعه خلقة فهو شبيه بالتمر وفيه النواة وخل تمر وزبيب ولا يضر الماء فيهما لأنه من مصلحة الخل لا الخبز فلا يصلح السلم فيه في الأصح عند الأكثرين لأن ملحه يزيد وينقص وتأثير النار غير منضبط فيه وقيل يصح لأن الملح من مصلحته وهو مستهلك فيه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/252)
وتأثير النار منضبط فيه و لا يصح فيما يندر وجوده كلحم الصيد بموضع العِزَّة أي في الموضع الذي لا يوجد فيه عادة أو يوجد قليلاً إذ لا وثوق بتسليمه ولا فيما لو استقصي وصفه فلا يصح السلم فيما يندر الوفاء به ولو لغرض مقصود عزَّ وجوده للعجز عن تسليمه عادة كاللآليء الكبار واليواقيت وغيرها من الجواهر النفيسة لأنه لا بد فيها من ذكر الحجم والوزن والشكل والصفاء واجتماع هذه الأمور مما يندر واحترز بالكدار عن الصفار فلا بأس بالسلم فيهما وجارية وأختها أو ولدها. لندور اجتماع الجارية وأختها وقت الوفاء وكذلك الجارية وولدها بالصفات المطلوبة في السلم.
فرع: يصح السلم في الحيوان لأنه ثبت في الذمة قرضاً وكل ما ثبت في الذمة قرضاً جاز السلم فيه. فقد أخرج مسلم عن أبي رافع أنه صلى الله عليه وسلم استلف من رجل بكراً) فقيس على البكر غيرها من الحيوان فيشترط في الرقيق ذكر نوعه كتركي أو رومي أو زنجي لاختلاف أغراض الناس بذلك وإن اختلفت الأصناف ذكر الصنف ولونه كأبيض وذكر لونه أيضاً أبيض أو أسود ويصف بياضه بسمرة أو شقرة فإن لم يختلف لون الصنف الواحد لم يجب ذكره وذكورته وأنوثتُهُ أي ويذكر أذكر هو أم أنثى وسنه كابن ست أو سبع أو محتلم وقده طولاً وقصراً أي طول قامته طويل أم قصير أم ربعة أي يذكر ذلك لاختلاف الغرض وكله على التقريب أي الوصف والسن والقدُّ فلو اشترط ابن سبع سنين بالتمام والكمال لم يصح السلم للندورة ويعتمد قول العبد في سنه وفي احتلامه وإلا فقول سيده إن ولد في الإسلام وإلا فقول النخاسين أي البياعين والدلالين.
ولا يشترط ذكر الكَحَل وهو أن يعلو العيون سواد خلقي كالكحل والسَمِنِ في الرقيق ونحوهما كالدعج وهو سعة العين مع شدة سوادها أو التكلثم وهو استدارة الوجه ومنه تفلج الأسنان وتجعد الشعر الدال على الصلابة والقوة في الأصح لتسامح الناس في هذه الأشياء عادة، وقيل تشترط لأنها مقصودة وتؤدي على ارتفاع الأسعار وانخفاضها.
وفي الماشبة كالبقر والغنم والإبل والخيل والبغال والحمير الذكورة والأنوثة والسن واللون والنوع لاختلاف أغراض الناس وحاجاتهم ففي الإبل بخاتي أو عراب ونتاج بني فلان وبلد كذا وفي الصنف الواحد أرجيةٌ أو مهرية وفي الخيل عربية أو تركية وفي الغنم أسترالي أو بلغاري أو هندي أو غير ذلك.
وفي الطير والسمك ولحمهما ذكر النوع والصغر وكبر الجثة ففي السمك يذكر النوع وبحري أو نهري وفي الطير صيد أو حي وفي الحي لونه إذا كان مقصوداً وفي اللحم ذكر لحم بقر أو ضأن أو معز ذكر أو خصي رضيع معلوف أو ضدها أي أنثى فحل فطيم سائم وأما إذا كان كبيراً فذكر الجذع والثني وغير ذلك من فخذ أو كتف أو جَنْبٍ لاختلاف أغراض الناس وحاجاتهم ويقبل وجوباً عظمه على العادة عند الإطلاق كقبول التمر مع النوى ويجوز بشرط نزع عظمه وفي الثياب بشرط ذكر الجنس كقطن أو كتان أو حرير والنوع والبلد الذي ينسج فيه إن اختلف فيه الغرض والطول والعرض والغلظ والدقة أي من حيث خيط الغزل ونوعه مما يؤثر على المنسوج ونوعه والصفاقة وهي التصاق الخيوط ببعضها وشدة تماسكها والرقة وهو خلاف الصفاقة أي عدم التماسك وتلاصق الخيوط وقد يطلق الرقة على الدقة والعكس والمعروف أن الرقة والدقة عكس الغلظ والنعومة والخشونة أي ذكر أحدهما وكذا ذكر اللون ومطلقه من دون ذكر العقد والتنعيم يحمل على الخام دون صفات زائدة والمقصود بالخام أي كما خرج من النسج ويجوز السلم في المقصور لأن القصر وصف زائد ولكنه منضبط ومقصود وما صبغ غزله قبل النسج فيجوز السلم فيه كالبرود إذا بيّن اللون والخطوط والأقيس صحته في المصبوغ بعده أي يصح السلم فيما صبغ بعد النسخ قياساً على بيع الغزل المصبوغ قلت الأصح منعه لأن الصبغ يسد الفُرَجَ في الثياب فلا يظهر تماسكها أو تباعد خيطانها أي أن الصبغ يخفي صفات الثوب وبه قطع الجمهور والله أعلم فقد ذكر في الروضة في المحرر وفي البويطي عن الشافعي وتوجيه ذلك أنه لو أسلم في الثياب بعد الصبغ فكأنما أسلم في الثوب والصبغ معاً والصبغ مجهول ولكن قلنا سابقاً أنه يجوز السلم في المختلطات إذا انضبط مقدار الخلط وهنا أولى. ويجوز السلم في القمص والسراويلات إذا ضبطت طولاً وعرضاً وسعة وضيقاً ويصح السلم في البقول كالكراث والبصل والثوم والفجل والسَّلق والنعنع وزناً
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/253)
فيذكر جنسها ونوعها ولونها وكبرها وصغرها وبلدها ويصح بالسلجم وهو جذور كالفجل ويطبخ ويشوى والجزر بشرط قطع الورق ويصح في الأشعار والأصواف والأوبار فيذكر نوع أصله من الأنعام وذكورته وأنوثته لأن صوف الإناث أكثر نعومة من صوف الذكور والطول والقصر ولا يجوز إلا مُنقّى من بعر وشوك ونحو ذلك ويصح في القطن محلوجاً وخاماً وفي غزله مع رقته ونعومته وخشونته وإذا أطلق الطن فيعني الخام أي الجاف بحبه وغي الكتان بشرط دقه ونفضه ويصح في القز بدون دوده ويصح في أنواع العطر كالمسك والعنبر والعود والكافور والزغفران ويصح السلم في الأدقة فيذكر حبها ويذكر النعومة والخشونة ويصح في النخالة لأنها مقصودة ويصح من دونها ويصح في التبن والنشاء ويصح السلم في قصب السكر بقشره الأسفل لا الأعلى. ويصح السلم في الشمندر أو البنجر وهو نبات يستخرج السكر من جذوره وبعضها يأكلها الإنسان ويشترط نزع أوراقه.
وفي التمر يشترط للسلم أن يذكر لونه ونوعه كمعقلي أو برني وبلده كبغدادي أو بصري وصغر الحبات وكبرها أي يذكر المطلوب منها وعتقه وحداثته وكون جفافه على أمه أم على الأرض لاختلاف الأغراض والحنطة والشعير وسائر الحبوب كالتمر في شروطه المذكورة. وفي العسل يشترط لصحة السلم أن يقول جبلي أو بلدي صيفي أو خريفي أبيض أو أصفر ولا يشترط العتق والحداثة لأنه لا يختلف الغرض بالعسل بين القديم والجديد ولا يجب أن يذكر الرقة لغير الحرارة والقوة وأن يذكر غذاءه لأن النحل يقع على الكمون والصعتر (الزعتر) ويقع على أنواع الزهور لاختلاف الأغراض والفوائد. ولا يصح السلم في المطبوخ والمشوي أي كل ما تأثر بالنار وكان التأثير غير منضبط لاختلاف أغراض الناس في المطبوخ والمشوي فيزيدون النار وينقصونها وعلى هذا لو انضبطت النار أو لطفت صح على المعتمد وفارق السلم الربا لتضيق باب الربا وسعة باب السلم ولا يضر تأثير الشمس في العسل وغيره ويجوز بالنار الخفيفة ومثله يجوز السلم في الصابون والفانيد واللبأ والدبس لأن نارها لطيفة قريبة من الضبط ومثل العسل السمن والأظهر منعه السلم في رؤوس الحيوان لاشتمالها على أجزاء مقصوده لا تنضبط ومثل الرؤوس الكوارع وقيل يصح السلم فيها وزناً قياساً على اللحم بشرط تنقيتها من الشعر والصوف وفرقها عن اللحم أن عظمها أكثر من لحمها. ولا يصح السلم في مختلف كبُرمة معمولة أي قدر مصنوعة اختلفت سماكة أجزائها نتيجة الصنعة لما فيه من الغرر وعدم الضبط وجلد وكوز وطَس أو طست وهو إناء لغسل اليدين أو إناء لا أذان له ولا قاعدة ويسمى طاسة وقمقم وهو إناء يستخدم لوضع ماء الورد فيه أو الطيب ومنارة أي لإدخال النور جمعها مناور وطِنجير أو الطنجرة أو الدست وهو القدر أو الصحن من النحاس ونحوها كالحُبِّ وهو الخابية والإبريق والسطل ولا يجوز السلم فيها لتعذر ضبطها إما لاختلاف الأجزاء في الدقة والغلظ كالجلد أو لمخالفة أعلاها أوسطها وأسفلها أما قطع الجلد فيجوز السلم فيها وزناً لانتفاء الغرر. ويصح السلم في الأسطال المربعة وفيما ضُبَّ منها ذكر الأسطال المربعة ومثلها المدورة لانضباطها بخلاف المختلفة الصنعة كضيقة الرؤوس أو الأسافل ويصح السلم في الدرهم والدينار ونحوها بشرط كون رأس المال غيرها ولا يجوز إسلام الدرهم بالدينار ولا عكسه حالّاًً ولا مؤجلاً ويجب التنبه إلى ذلك فإنه من الحرام الذي يقع فيه أكثر الناس اليوم فيأخذ جنيهاً ويعطي ديناراً أو ريالاً فذلك من الربا إلا إذا كانا حاضرين ولا يشترط ذكر الجودة والرداءة فيما يُسْلَمُ فيه في الأصح ويحمل مطلقه على الجيد للعرف إلا إذا تفاوت درجات الجيد فيلزم ذكر درجة الجودة ويشترط معرفة العاقدين الصفات أي صفات المسلم فيه فلو جهلاها أو أحدهما لم يصح كالبيع وكذا غيرهما في الأصح أي ومعرفة آخرين للصفات للرجوع إليهم عند الاختلاف والتنازع وهو عدلان على الأقل.
? فصل في بيان أخذ غير المُسْلَمِ فيه عنه ووقت أداء المُسْلَمِ فيه ومكانه ?
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/254)
ولا يصح أن يستبدل عن المسلم فيه غير جنسه كشعير عن القمح وأن يأخذ غير نوعه كالتمر البراني عن المعقلي أما إذا فسخ السلم واعتاض عن الثمن فذلك جائز وقيل يجوز في نوعه لأن الجنس يجمعها ولا يجب على المُسْلِمِ قبوله لاختلاف الأغراض ويجوز إعطاء أردأ من المشروط بتراضيهما لأن فيه مسامحة بصفة ولا يجب قبوله لأنه دون حقه ويجوز أجدد منه من كل وجه لحديث أبي رافع (أن النبي صلى الله عليه وسلم استلف من رجل بكراً فقدمت إبلُ الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكرة فرجع أبو رافع فقال: يا رسول الله لم أجد فيها إلا خياراً ربَاعياً فقال (أعطه فإن خير الناس أحسنهم قضاءً)) رواه مسلم. ويجب قبوله في الأصح لأنها زيادة غير متميزة ولخفة أمر المنة في هذا الأمر والامتناع عن قبوله عناد وتضيق ولو أحضره قبل مَحِلِّه أي أحضر المُسْلَمُ إليه المُسَلَمَ فيه قبل وقت تسليمه فامتنع المُسْلِمُ من قبوله لغرض صحيح بأن كان حيواناً يحتاج إلى علف ورعاية أما إذا كانت المدة قصيرة كيوم أو يومين فلا يضر ذلك استعمالاً لبراءة ذمته أو وقت غارة أي وقت نهب فيخشى عليه أو تمر أو لحم يريد أكله طرياً في وقته لم يجبر على قبوله وإلا أي إذا لم يكن له غرض صحيح في الامتناع فإن كان للمؤدي غرض صحيح في التعجيل كفك رهن أو براءة ذمته أو ذمة كفيله أجبر المُسْلِمُ على القبول وكذا لمجرد غرض البراءة مخافة انقطاع المسلم فيه وقت الحلول في الأظهر لأن الأجل هو حق المدين فله التنازل عنه ولو وجد المُسْلِمُ المُسْلمَ إليه بعد المَحِلِّ في غير مَحَلِّ التسليم أي وجده بعد وقت التسليم في غير مكان التسليم المتعين بالشرط لم يلزمه الأداء إن كان لنقله من موضع التسليم مؤنة كأن أسلم إليه في دمشق ووجده في القاهرة ولا يطالبه بقيمته للحيلولة على الصحيح لاستحالة الاعتياض عن المُسْلَمِ فيه لكن له فسخ السلم واستعادة رأس المال كما لو انقطع رأس المال فقد روى أبو داوود (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره)). وإذا امتنع المُسْلِم من قبوله هناك أي في موضع التسليم لم يجب عليه ذلك إن كان لنقله مؤنة أو كان الموضع الذي أحضر فيه المُسْلَمُ فيه مخوفاً لوجود لصوص أو مكاسين وإلا أي إن لم يكن لنقله مؤنة ولا كان الموضع مخوفاً فالأصح إجباره على القبول لتحصل براءة ذمة المُسْلَمِ إليه.
? فصل في القرض ?
هو نوع من السلف وهو جائز بالسنة والإجماع أما السنة فحديث أبي رافع السابق. وروى مسلم عن ابن مسعود (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقة مرة)). وروى أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رأيت ليلة أُسْرِيَ بي على باب الجنة مكتوباً الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقلت يا جبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من جاجة) رواه ابن ماجة.
الإقراض ويطلق على الشيء المقرض وهو تملك الشيء على أن يرد بدله وسمي بذلك لأن المقرض يقطع من ماله قطعة للمقترض ويسمى أيضاً بالسلف مندوب للأحاديث السابقة ولما روى مسلم عن أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه)، وروى نفَّسَ بدلاً من كشف وهما بمعنىً واحد. وقال أبو الدرداء لأن أقرض دينارين فيردان عليََّ ثم أقرضهما أحبَّ إليَّ من التصدق بهما.
وصيغته أقرضتك أو أسلفتك هذا أو خذه بمثله أو ملكتُكَهُ على أن تردَّ بدله أو خذه واصرفه في حوائجك ورد بدله وإن قال: خذه فقط فهو كفاية أما إذا سبقه أقرضني فقال خذ هذا المال فهو قرض ويشترط قبوله في الأصح كسائر المعاوضات وشرط القبول الموافقة في المعنى كالبيع والأصح أنه لو قال له خذ هذه الألف قرضاً فقال يكفي خمسمائة صح القرض لأن المقرض متبرع فلا يضر قبول بعض المسمّى أو الزائد عليه، والإلتماس من المقرض كاقترض مني كذا يقوم مقام الإيجاب والالتماس من المقترض كقوله أقرضني يقوم مقام القبول ويكفي بدلاً من الإيجاب والقبول أقرضني كذا فأعطاه أو بعث إليه رسولاً أن أقرضني كذا أو أنا محتاج لكذا إلى مدة كذا فأرسل إليه صح القرض وفي المُقْرض أهليةُ التبرع ويشترط في
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/255)
المقرض أهلية التبرع فيما يقرضه لأن في القرض شائبة التبرع ولذا امتنع تأجيله ووجب تنجيزه وإلا بطل وكذلك لا يصح إقراض الولي مالُ موليه من غير ضرورة ويجوز إقراض ما يُسْلَمُ فيه من حيوان وغيره لصحة ثبوته في الذمة ولحديث أبي رافع (أن النبي صلى الله عليه وسلم اقترض بكراً) وقيس عليه غيره ويجوز إقراض العملات جميعاً إذا كانت متداولة ومعروفة القيمة لأنها مثليّة فكل ما يتداوله الناس من عملات يجوز قرضه واقتراضه على أن يكون الوفاء منها لا من غيرها فإن اقترض عدداً ردَّ عدداً وإن اقترض وزناً ردَّ وزناً فقد اقترض أيوب بن حماد بن زيد دراهم بمكة عدداً وأعطاه بالبصرة عدداً فقد وفاه مثل ما اقترض فيما يتعامل به الناس فأشبه ما لو كانوا يتعاملون به وزناً فردَّ وزناً إلا الجارية التي تحل للمقترض فلا يجوز إقراضها له في الأظهر لأنه يخلو بها فربما استمتع بها فيكون بمعنى إعارة الجواري للوطء وهو باطل وحرام. خلافاً للسلم فإنه يجوز أن يكون رأس المال جارية فيملكها المُسْلَم إليه وما لا يسلم فيه لا يجوز إقراضه في الأصح لأن ما لا ينضبط أو يندر وجوده يتعذر أو يعسر رد مثله واستثني قرض الخبز لأنه مما تعم الحاجة إليه ولإطباق أهل الأمصار على اقتراضه وإقراضه على أن يكون وزناً للضرورة وَيُرَدُّ المثل في المثلي ولو نقداً أبطله السلطان لأنه أقرب إلى حقه والمثلي هو ما حصره وزن أو كيل وجاز السلم فيه وفي المُتَقَوّم المثل صورة أي يرد مثلَ صورته فقد استلف الرسول صلى الله عليه وسلم بكراً وهي صغيرة السن وردَّ رباعياً وهي التي أتممت ست سنين وقال: إن خياركم أحسنكم قضاءً. ومن لازم اعتبار الصورة اعتبار ما فيه من المعاني التي تزيد بها القيمة فيردّ ما يجمع تلك المعاني كفراهة الدابة ودقة الصنعة وجوده الثمرة ونقاء العسل والزيت والسمن ونظافة القمح والشعير والأرز والذرة ... الخ. وقيل القيمة أي يرد القيمة كالمتلف وتعتبر القيمة يوم الإقراض أي يوم قبض القرض وإذا اختلفا في قدر القيمة أو في صفة المثل فالقول قول المستقرض وأداء القرض في الصفة والزمان والمكان كالمُسْلَم فيه ولو ظفر المُقْرضُ به أي بالمقتَرِضِ في غير محل الإقراض وللنقل من محله إلى غيره مؤنة طالبه بقيمة بلد الإقراض وليس له المطالبة بالمثل لوجود المؤنة أما إذا لم يكن لنقله مؤنة كالنقد فله مطالبته به في أي موضع وجده فيه إذا حلَّ وقت الوفاء.
ولا يجوز الإقراض في نقد وغيره بشرط ردِّ صحيح غير مكسر أو أن يردَّ زيادةً على القدر المُقْرَضِ أوردِّ جيد عن رديء أو غير ذلك من كل شرط جر منفعة للمقرض فإن فعل فسد العقد لما روى البيهقي عن جمع من الصحابة فيهم علي وابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام (كل قرض يجرُّ منفعة فهو ربا)، وهو مع ضعفه فقد ورد معناه عند جمع من الصحابة ومعنى النهي أن موضوع عقد القرض الإرفاق فإذا شرط فيه لنفسه حقاً فقد خرج عن معناه فمنع صحته. ولو ردَّ هكذا زائداً على القدر أو الصفة بلا شرط فحسنٌ بل مستحب للحديث السابق (إن خياركم أحسنكم قضاءً)، رواه مسلم. ولا يُكْرَهُ للمقرض أخذه ولا أخذ هدية المستقرض بغير شرط فقد بوّب له البخاري فقال: باب إذا أقرضه إلى أجل مسمى أو أجله في البيع ثم قال: وقال ابن عمر في القرض إلى أجل لا بأس به وإن أعطى أفضل من دراهمه ما لم يشترط.
ولو شرط مكسراً عن صحيح وأن يقرضه غيره أي أن يقرض المُقْرضُ المقترض قرضاً آخر لغا الشرط فيهما ولم يجب الوفاء به لأنه وعد تبرع والأصح أنه لا يفسد العقد إذ ليس فيه منفعة للمقرض كما أنه زيادة في الإرفاق والإحسان.
ولو شرط أجلاً فهو كشرط مكسر عن صحيح إن لم يكن للمقرض غرضٌ أي لا يعتبر الأجل ويصح العقد وإن كان للمقرض غرض كزمن نهب فكشرط صحيح عن مكسر في الأصح فيفسد العقد وقيل يصح ولكن يلغو الشرط.
وله أي يحق للمقرض شرط رهن وكفيل وإشهاد وإقرار عند حاكم لأنه مجرد توثيق حق لا منافع زائدة فيها فإن أبى المقترض ذلك فللمقرض الفسخ وفي الحقيقة للمقرض الفسخ مطلقاً ويملك المقترض القرض بالقبض كالهبة وفي قول يملك بالتصرف الذي يزيل الملك من يد المقرض وله أي للمقرض الرجوع في عينه ما دام باقياً بحاله في الأصح ويلزم المقترض رده أما إذا فقده أو أتلفه فللمقرض المطالبة بمثله.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/256)
خاتمة: روى ابن عدي في الكامل والبزار والبيهقي وأبو داود في المراسيل (لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة وحث عليها قال أبو ضمضم: اللهم إني أتصدق بعرضي على من ناله من خلقك، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً فنادى: أين المتصدق بعرضه؟ فقام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد قبل صدقتك).
ولو أقرض ذمي ذمياً خمراً ثم أسلما أو أحدهما بطل القرض ولم يجب على المقترض شيء سواء كان هو المقترض أو المقرض لأنه إذا أسلم لم تجز أن يجب عليه خمر لعدم ماليتها ولا يجب بدلها لأنها لا قيمة لها ولذلك لا يضمنُها إذا أتلفها وإن كان المقرض لم يجب له شيء لذلك.
? كتاب الرهن ?
الرهن في اللغة الثبوت والدوام ومنه الحالة الراهنة أي الثابتة وتقول العرب ماء راهن أي راكدٌ ونعم راهنة أي نعمة دائمة وقيل هي الحبس قاله الماوردي ومنه قوله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة).
قال الشاعر: وفارقتك برهن لا فكاك له يوم الوداع فأضحى الرهن قد غلقا، فقلبه مرهون لها وغلق الرهن أي استحق لعجز الراهن عن فكاكه.
وشرعاً: جعل عين مال وثيقة بدين يُستوفي منها عند تعذر وفائه ويفهم من ذلك أنه لا يلزم كون المرهون على قدر الدين.
والرهن ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: (فرهان مقبوضة) البقرة 283. وروت عائشة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاماً ورهنه درعه فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عنده)، رواه الشيخان، واليهودي اسمه أبو الشحم. وروى البخاري عن عائشة (أنه رهن درعه عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيراً لأهله) أ. هـ.
ولا يصح إلا بإيجاب وقبول أي بشروطهما المعروفة في البيع لأنه عقد مالي، وفي المعاطاة كقوله دفعت إليه هذا وثيقة بحقك علي فقال: قبلت ما سبق من خلاف في البيع والمعتمد الصحة. فإن شرط فيه مقتضاه كتقدم المرتَهَن به أي المرهون عند تزاحم الغرماء ليستوفي منه حقه أو مصلحة للعقد كالأشهاد أي شرط الإشهاد على العقد أو ما لا غرض فيه كأن لا يأكل المرهون إلا كذا صح العقد في الأقسام الثلاثة ولغا الشرط في الأخير كالبيع وإن شرط ما ضر المرتهن بطل الرهن لإخلال الشرط بالغرض منه كشرط ألّا يبيعه إلا بعد شهر أو لا يبيعه إلا بضعف ثمنه وإن نفع الشرطُ المرتَهَن وضرَّ الراهنَ كشرط أن تكون زوائد المرهون أو منفعته للمرتَهِن بطل الشرط لقول النبي صلى الله عليه وسلم (كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل) وكذا الرهن في الأظهر أي ويبطل الرهن أيضاً لمخالفة الشرط لمقتضى العقد ولو شرط أن تحدث زوائده مرهونة فالأظهر فساد الشرط كالثمرة والنتاج والأجرة لانعدامها عند العقد مع الجهل بها والأظهر أنه متى فسدَ الشرط المذكور فسد العقد يعني أنه يفسد بفساد الشرط ومثله فساد عقد البيع المشروط وشرط العاقد مِنْ راهن ومرتهن الاختيار وكونه مطلَق التصرف أي غير مقيد بتصرف لأنه عقد مالي وذلك بأن يكون من أهل التبرع كما في البيع فلا يرهن الولي مال الصبي والمجنون ولا يرتهن لهما إلا لضرورة أو غبطة ظاهرة فيجوز له الرهن والارتهان في هاتين الحالتين دون غيرهما سواء كان أبا أم جداً أم وصياً أم حاكماً أو وكيلاً للحاكم كأن يرهن على حاجة النفقة أو الكسوة منتظراً حلول دين أو بيع متاع كاسد أو يرهن خوفاً من نهب أو يرهن على ثمن ما يبيعه نسيئة بغبطة واضحة وشرط الرهن أي المرهون كونه عيناً يصح بيعها في الأصح فلا يصح رهن الدين لعدم القدرة على تسليمه ولا يصح رهن المنفعة لأنها تتلف شيئاً فشيئاً ويصح رهن المُشَاع وهو المشترك من الشريك وغيره ولا يحتاج إلى إذن الشريك ويصح رهن الأم من الرقيق دون ولدها غير المميز وعكسه أي رهنه دونها لأن الملك فيهما بَاقٍ فلا تفريق بينهما وعند الحاجة إلى قضاء الدين من ثمن المرهون يباعان معاً حذراً من التفريق المنهي عنه ويوزع الثمن عليهما ثم يتقدم المرتهن بما يخص المرهون منهما والأصح في حالة رهن الأم أن تقوّم الأم وحدها ثم مع الولد فالزائد على قيمتها قيمته وقيل تنسب قيمة الأم إلى المجموع ويوزع الثمن على تلك النسبة فإذا كانت قيمة الأم ألفاً وقيمة الود خمسمائة فيتعلق حق المرتهن بثلثي الثمن وإذا كان قيمتها ألفاً ومائتين وقيمة الولد مائتان فيتعلق حق المرتهن بستة أسباع الثمن ورهن الجاني
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/257)
والمرتد كبيعهما السابق على أنه لا يصح بيع الجاني المتعلق برقبته مال بخلاف المتعلق برقبته قصاص كما أن بيع المرتد يصح على الصحيح وإن تحتم قتله ورهن المدبر أي المعلق حريته بموت سيده ومعلق العتق بصفة يمكن سبقها حلول الدين باطل على المذهب لما فيه من الغرر لأن السيد قد يموت فجأة فيبطل مقصود الرهن وكذلك احتمال حدوث الصفة فيبطل مقصود الرهن أما إذا شرط بيعه قبل وجود الصفة فيجوز الرهن به ولو رهن ما يسرعُ فسادُه فإن أمكن تجفيفه كرطب فعل فصح الرهن إن لم يَحِلَّ الدين قبل فساه وإلا بِيعَ ووفّيَ منه الدين والذي يجففه هو المالك وتجب عليه مؤنة تجفيفه وإلا أي وإن لم يمكن تجفيفه فإن رهنه بدين حالٍّ أو مؤجل يحل قبل فساده أو بعد فساده لكن شَرَطَ في هاتين الصورتين بيعه عند إشرافه على الفساد وجعل الثمن رهناً فكأنه صح الرهن في الصور جميعها وأبيح هنا جعل الثمن رهناً للحاجة ويباع المرهون وجوباً عند خوف فساده حفظاً للوثيقة وعملاً بالشرط ويكون ثمنه رهناً عملاً بالشرط وإن شرط منع بيعه قبل الفساد لم يصح الرهن لمنافاة الشرط المقصود منه التوثق وإن أطلق فلم يشرط بيعاً ولا عدمه فسد الرهن في الأظهر لأنه لا يمكن استيفاء الحق من المرهون عند وقت الاستيفاء وقيل يصح ويباع عند تعرض المرهون للفساد لأن الظاهر عدم إفساد المال فلا يقبل بذلك عاقل سوي وإن لم يعلم هل يفسد المرهون قبل حلول الأجل صح الرهن المطلق في الأظهر لأن الأصل عدم الفساد وإن رهن ما لا يسرع فسادُهُ فَطَرَأ ما عرضه للفساد قبل حلول أجل الدين كحنطة ابتلت لم ينفسخ الرهن بحال بل يجبر الراهن على بيعه وجعل ثمنه رهناً حفظاً للدين ويجوز أن يستعير شيئاً ليرهنه بدنيه وهو عقد الاستعارة بعد الرهن في قول عارية أي تبقى على صفتها والأظهر أنه ضمان دين من المعير في رقبة ذلك الشيء المرهون لأنه كما يستطيع إلزام نفسه ضمان دين غيره يملك إلزام ذلك عين ماله لأن كلاً منهما حق نفسه وتحت تصرفه فيشترط عندئذ ذكر جنس الدين وقدره وصفته كأن يقول هو ذهب وقدره مائة وصفته دينار عثماني حالٌّ أو مؤجل وكذا المرهون عنده في الأصح لاختلاف الأغراض أما باعتباره عارية فلا يلزم ذكر شيء مما ذكر فلو تلف المرهون المعار بعد رهنه في يد المرتهن فلا ضمان على المرتهن بحال لأن يده يد أمانة ولا على الراهن إن قلنا إن العين المسعتارة ضمان ويضمنه على القول إن المستعار عارية ولا رجوع للمالك بعد قبض المرتَهَنِ بالشيء المعار وإلا لم يكن لهذا الرهن معنى إذ لا وثوق به ويجوز في الإعارة قبل القبض لعدم لزوم الإعارة.
فإذا حلَّ الدين أو كان حالّاً وامتنع الراهن من أداء الدين روجع المالك للبيع فقد يؤدي هو ليخلص العين المرهونة أو يمتنع وبعد ذلك يباع المعار إذا لم يَقْضِ الدينَ المالكُ أو الراهنُ ولا يشترط إذن المالك وسواء في ذلك كان الراهن معسراً أم موسراً ثم يرجع المالك بما بيع به أي يرجع المالك على الراهن بالثمن الذي بيعت به العين المرهونة.
? فصل في شروط المرهون به ولزوم الرهن ?
شرط المرهون به ليصح الرهن كونه ديناً ثابتاً أي أن يكون الحق ثابتاً عند عقد الرهن لأنه سيثبت ولو وجد سببه كنفقة على زوجته بعد سفره ولا على ما سيقرضه مستقبلاً لأن الرهن هو وثيقة حق فلا تتقدم على الحق لازماً أي لازم الأداء غير معرض للإسقاط كنجوم الكتابة ومثله الثمن قبل قبض المبيع لأنه يمكن إسقاطه بإتلاف السلعة والأجرة قبل استيفاء المنفعة أما الثمن في حدة الخيار فيصح الرهن به لقربه من اللزوم فلا يصح الرهن بالعين المغصوبة والمستعارة ومثله المأخوذ بالسوم لاستحالة الاستيفاء من ثمن المرهون وذلك مخالف لغرض الرهن من البيع عند الحاجة وإنما صح ضمان هذه الأشياء المغصوبة والمستعارة والمأخوذة بالسوم لتردَّ فيحصل المقصود بردِّ القادر عليه ولا يصح الرهن بما سيقرضه ولا بثمن ما يشتريه لنه وثيقة حق فلا يقدم على الحق ولو قال أقرضتك هذه الدراهم وارتهنت بها عبدك فقال اقترضت ورهنت أو قال بعتكه بكذا وارتهنت الثوب به فقال اشتريت ورهنت صح في الأصح لأنه يلتمس من الإقراض أو البيع الرهن فاغتفر تقدم أحد شقيه وهما عقد القرض والبيع على ثبوت الدين ولا يصح بنجوم الكتابة لعدم لزوم النجوم لأن المكاتب قادر على إسقاطها في أي وقت بتعجيز نفسه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/258)
ولا يجعل الجعالة قبل الفراغ لأن الفسخ فيها ممكن من الطرفين وقيل يجوز بعد الشروع في العمل لن الأمر آيل إلى اللزوم ومثله بعد الانتهاء من العمل فيجوز للزوم الجعل بانتهاء العمل. ويجوز بالثمن في مدة الخيار لأن الأصل في وضعه اللزوم وهو آيل إليه ويجوز بالدين رهن بعد رهن لأنه زيادة توثيق فيصيران رهناً واحداً ولا يجوز أن يرهنه المرهون عنده بدين آخر في الجديد وإن وفّى بالدينين لأن الرهن مشغول بدين والزيادة في الدين شغلُ مشغول بغيره ولا يلزم الرهن إلا بقبضه أي قبض المرهون ممن يصح منه عقده أي ممن يصح منه عقد الرهن ويصح منه القبض وتجري فيه النيابة كالعقد لكن لا يستنيب راهناً لأن الواحد لا يتولى طرفي العقد كما مرَّ ولا عبده أي عبد الراهن لأن يده كيده وفي المأذون له وجه أنه يصح استنابته لانفراده باليد ومقابله لا، لأن السيد قادر على منعه متى شاء ويستنيب مكاتبه أي يصح استنابة مكاتب الراهن لاستقلاله بالتصرف واليد كالأجنبي ولا يستطيع الحجر عليه إلا عند العجز ولو رهن وديعة عن مودع أو مغصوباً عند غاصب لم يلزم هذا الرهن ما لم زمن إمكان قبضه أي قبض المرهون كنظيره في البيع لن لو لم يكن في يده لكان اللزوم متوقفاً على هذا الزمن وابتداء زمن إمكان القبض من وقت الإذن بالقبض والأظهر اشتراط إذنه أي الراهن في قبضه لأن اليد كانت عن غير جهة الرهن، وقيل لا يشترط لأن العقد مع صاحب اليد يتضمن الإذن ولا يبرئه ارتهانه عن الغصب لأنه وإن كان عقد أمانة فالغرض منه التوثق وهو لا ينافي الضمان ويبرئه الإيداع في الأصح كقوله: أذنت لك في حفظه لأنه محض ائتمان والائتمان ينافي الضمان بدليل أنه لو تعدّى في الوديعة لم يبق أميناً ويحصل الرجوع عن الرهن قبل القبض بتصرف يزيل الملك كهبة مقبوضة وإعتاق وبيع لزوال وثيقة الرهن وبرهن مقبوض وكتابة وكذا تدبيره في الأظهر لأن التدبير تعليق عتق بصفة فيحصل الرجوع عن الرهن في هذه الثلاثة ولأن مقصود الكتابة والتدبير العتق وهو مناف للرهن وبإحبالها لا الوطء لأنه بغير الإحبال لا يزول الملك ولو مات العاقد أي أحد العاقدين الراهن أو المرتهن قبل القبض أو جُنَّ أو تخمر العصير أو أبق العبد لم يبطل الرهن في الأصح أما ارتفاعه بالموت فلأنه عقد جائز فيرتفع به وَرُدَّ ذلك بأن مصيره على اللزوم كالبيع في زمن الخيار وعلى هذا تقوم ورثة الراهن والمرتهن مقامها في الإقباض والقبض أما بطلان الرهن بالتخمر فلخروج المرهون عن القيمة المالية ورُدَّ بارتفاع التخمر فارتفع حكم الرهن ثم عاد لما انقلب الخمر خلاً وليس للراهن المقبض تصرفٌ يزيل الملك كالهبة والبيع والوقف لكن في إعتاقه أقوال أظهرها ينفذ من الموسر ويغرم قيمته يوم عتقه أي قيمة المرهون حالة الإعتاق ويغرم قيمته وجوباً لحق المرتهن وتعتبر قيمته يوم عتقه لأنه وقت الإتلاف وتصير رهناً مكانه فإن لم ينفذه لإعساره فانفك الرهن بإبراء أو غيره لم ينفذ في الأصح لأنه أعتقه وهو لا يمكن إعتاقه ولو علقه أي علق عتق المرهون بصفة فوجدت وهو رهن فكالإعتاق فينفذ العتق من الموسر كما تقدم لأن التعليق مع وجود الصفة كالتنجيز أو بعده أي وجوب الصفة بعد فك الرهن نفذ على الصحيح ولارهْنةٌ معطوفة على تصرف يزيل الملك لغيره أي لغير المرتهن ولا التزويج للعبد أو الأمة فإنه ينقص القيمة ويقلل الرغبة فلو خالف وزوّج العبد أو الأمة فالنكاح باطل ولا الإجارة إن كان الدين حالّاً أو يحلّ قبلها أي يحلّ قبل انقضاء مدة الإجارة لأن في التأخير تقل الرغبة أما إذا كان الدين يحلّ بعدها فيجوز الإجارة وتجوز للمرتهن مطلقاً ولا الوطء خوف الحبل لأنها إن كانت بكراً نقص ثمنها وإن حملت أصبحت أم ولد فلا تباع فإن وطئ ولو عالماً بالتحريم فلا حدّ عليه ولا مهر فإن أحبل فالولد حر نسيب لأنها علقت به في ملكه نعم في البكر عليه أرش البكارة يقضيه من الدين أو يجعله رهناً معها وفي نفوذ الاستيلاد أقوال الإعتاق أي إذا استولد الراهن المرهونة فأظهر الأقوال نفوذاً استيلاده من الموسر فليزمه قيمتها وتكون رهناً مكانها فإن لم ينفذ فالرهن بحاله ولا تباع حاملاً لحرية حملها فإن لم ينفذه فانفك الرهن من غير بيع نفذ الاستيلاد في الأصح والفرق بين الإعتاق والاستيلاد أن الإعتاق قول يقتضي العتق حالاً فإن رُدِّ لغى من أصله
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/259)
والإيلاد فعلٌ لا يمكن ردُّه وإنما يمنع حكمه في الحال لحق الغير فإذا زال حق الغير ثبت حكم الاستيلاد فلو ماتت بالولادة أي الأمة التي وطئها الراهن أو نقصت قيمتها غرم قيمتها وتكون القيمة رهناً مكانها في الأصح لتسببه بهلاكها أو نقصها بالاستيلاد بلا حق وله أي للراهن كل انتفاع لا ينقصه أي لا ينقص المرهون كالركوب والسكنى لما روى البخاري من حديث الشعبي عن أبي هريرة: يركب بنفقته إن كان مرهوناً ولبن الدر يشرب بنفقته إن كان مرهوناً وعلى الذي يركب ويشرب النفقة. وفي رواية أبي داوود يحلب مكان يشرب. وروى ابن ماجة والدار قطني والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة: لا يغلق الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه] قال الشافعي غنمه زيادته وغرمه هلاكه. ومعنى لا يغلق أي لا يدفع إلى الرجل رهناً ويقول إن جئتك بالدراهم إلى كذا وكذا وإلا فالرهن لك فإذا شرط ها الشرط فسد الرهن. لا البناء والغراس لإنقاصمها قيمة الأرض فإن فعل بنى أو غرس لم يقلع قبل حلول الأجل وبعده يقلع إن لم تفسد الأرض أي قيمتها بالدين وزادت به بالقلع ثم إن أمكن الانتفاع بالمرهون بغير استرداد لم يسترد إذ لا ضرورة ولا استرداده من المرتهن وإلا أي وإن لم يكن الانتفاع به ممكناً من غير استرداد كأن كان المرهون داراً ليسكنها أو سيارة يركبها فيستردُّ للضرورة والحاجة تدفع لذلك ويشهد المرتهن على الراهن بأنه استردَّ الرهن للانتفاع به إن اتهمه فيشهد شاهدين رجلين أو رجلاً وامرأتين لأنه شهادة على مال وله أي للراهن بإذن المرتهن ما منعناه من التصرفات والانتفاعات من غير بدل لأن المنع كان لحقه فأذن به وله أي المرتهن الرجوع عن الأذن قبل تصرف الراهن لأنه حق له كالمالك يرجع عن التوكيل قبل تصرف الوكيل فإن تصرف جاهلاً برجوعه فكتصرف وكيل جهل عزله فلا ينفذ تصرفه ولو أذن في بيعه ليعجل المؤجل من ثمنه أي كان شرط إذن المرتهن للراهن بالبيع بشرط تعجيل دفع الدين لم يصح البيع في الأظهر لفساد الأذن سواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً وكذا لو شرط رهن الثمن في الأظهر أي شرط عند الإذن بالبيع أن يجعل الراهن الثمن رهناً فسد البيع أيضاً لجهالة الثمن عند الإذن وقيل يصح ولا تضر الجهالة بالثمن فكما انتقل إليه بالإتلاف جاز أن ينتقل إليه بالبيع.
? فصل في الأمور المترتبة على لزوم الرهن ?
إذا لزم الرهن فاليد فيه أي في المرهون للمرتهن ولا تزال إلا للانتفاع كما سبق لأن المرهون هو وثيقة حفظ حق المرتهن.
ولو شرطا وضعه عند عدل جاز أي اتفق العاقدان على وضع المرهون عند عدل جاز الرهن أو عند اثنين ونصا على اجتماعهما على حفظه أو الانفراد به فذاك معلوم أنه يتبع الشرط وإن أطلقا فليس لأحدهما الانفراد بحفظه في الأصح لعدم الرضا بيد أحدهما على الانفراد فيجعل في حرزهما إن أمكن وإلا في حرز أحدهما إن اتفقا وألّا يقسم إن كان قابلاً للقسمة وإن لم ينقسم ولم يتفقا جعل عند هذا مرة وعند هذا مرة.
ولو مات العدل الذي عنده المرهون أو فُسِّقَ جعلاه حيث يتفقان على عدل غيره وإن تشاقا أي تنازعا فيه وضعه الحاكم عند عدل يراه لأنه العدل قطعاً للنزاع.
ويستحق بيع المرهون عند الحاجة بأن حل وقت أداء الدين ولم يوفِ أو أشرف المبيع على الهلاك أو الفساد قبل الحلول. ويقدم المرتهن بثمنه بعد البيع على سائر الغرماء لأن حقه تعلق به وكان وثيقة فيه وحقهم مرسل في ذمة الراهن.
ويبيعه الراهن أو وكيله بإذن المرتهن لأن له الحق فإن لم يأذن المرتهن في البيع قال له الحاكم ألزمك بأن تأذن له في المبيع أو تبرئه: من الدين دفعاً لضرر الرهن. ولو طلب المرتهن بيعه فأبى الراهن ألزمه القاضي قضاء الدين من محل آخر أو يبعه ليوفي ما عليه من دين فإن أصرَّ على الامتناع باعه الحاكم وقضى الدين من ثمنه دفعاً لضرر المرتهن. ولو باعه المرتهن بإذن الراهن فالأصح أنه إن باعه بحضرته صح البيع وإلا فلا لأنه إنما يبيعه لغرض نفسه فيتهم بالاستعجال وترك التحفظ أما لو قال له بعه بكذا فجاز البيع وانتفت التهمة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/260)
ولو شُرِّطَ أن يبيعه العدل جاز هذا الشرط ولا يشترط في هذه الحالة مراجعة الراهن في البيع في الأصح لأن الأصل بقاء الأذن فإذا باع المأذون له في البيع فالثمن عنده من ضمان الراهن لبقاء ملكه حتى يقبضه المرتهن والعدل أمين فيه ومن ثم صدق في تلفه ولا يصدق بتسليمه للمرتهن فإن أنكر المرتهن صدق بيمينه وعاد في حقه على الراهن.
ولو تلف ثمنه في يد العدل ثم استحق الموهون الذي بيع فإن شاء المشتري رجع على العدل المأذون له بالبيع لأن يده على المرهون وإن شاء رجع على الراهن لأنه هو الذي إذن للعدل في البيع فكأنه ألجأ المشتري بتسليم الثمن للعدل والقرار عليه فيرجع العدل الغارم عليه أي الراهن ما لم يقصر العدل في تلف المبيع ولو مات الراهن فأمر الحاكم العدل ببيع المرهون فباع وتلف الثمن ثم خرج المبيع مستحقاً للغير رجع المشتري في مال الراهن ولا يكون العدل طريقاً في الضمان حيث لا تقصير لأنه نائب الحاكم والحاكم لا يضمن فكذا منصوبه.
ولا يبيع العدل إلا بثمن مثله حالّاً من نقد بلده كالوكيل فإن أخل بشيء مما ذكر لم يصح البيع لكنّ النقص القليل الذي يتسامح به الناس عن ثمن المثل لا يضر.
فإن زاد راغب قبل انقضاء الخيار فليفسخ وليبعه للراغب أو المشتري إن شاء قبل انقضاء مدة الخيار أي خيار المجلس أو خيار الشرط ومؤنة المرهون من علف دابة أو أجرة سقي وتجفيف ثمر وجواده على الراهن لأنه المالك ويجبر عليها لحق المرتهن على الصحيح حفظاً لوثيقة الرهن وقيل إذا امتنع يباع جزء من المرهون ونفق عليه ولا يمنع الراهن من مصلى المرهون كقصر وجماعة ومعالجة بالأدوية والمراهم حفظاً لملكه وهو أمانة في يد المرتهن ومعنى كونه أمانة أنه لا يضمن تلفه إلا بالتعدي كالوديع لحديث الدار قطني عن أبي هريرة (لا يغلق الرهن من راهنه) وفي رواية (لا يغلق الرهن على راهنه) ومعناه كما ذكرنا لا يملكه المرتهن عند تأخر الحق أو لا يكون غلقاً يتلف الحق بتلفه والغلق ضد الفك وقوله الرهن من راهنه أي من ضمانه فالعرب تقول الشيء من فلان أي من ضمانه، قال الشافعي وهذا أفصح ما قاله العرب ولا يسقط بتلفه شيء من دينه أي دين المرتهن وحكمه كمن كفل إنساناً بمال ثم مات الكفيل فلا يسقط عن المدين شيء وحكم فاسد العقودحكم صحيحها في الضمان وفي عدم الضمان وهي قاعدة أغلبية إن كانت العقود صادرةً من رشيد لأن العقد إذا اقتضى صحيحُهُ الضمانَ بعد التسليم كالبيع والإعارة ففاسده أولى وإذا اقتضى عدم الضمان كما في الرهن والهبة والعين المستأجرة ففاسده كذلك أولى لأن واضع اليد إنما وضعها بناءً على إذن مالكها ولم يلتزم بالعقد ضماناً ولو شرط كون المرهون مبيعاً له عند الحلول فسدا أي الرهن والبيع. الرهن لتأقيته والبيع لتعليقه لأنهما شرطا ارتفاع الرهن بحلول الأجل ففسد ولو قال: رهنتك وإذا لم اقضِ عند الحلول فهو مبيع منك كان الفاسد البيع للتأقيت وللحديث (لا يغلق الرهن على راهنه).
وهو قبل المَحِلِ أمانة أي قبل حلول الأجل لأنه رهن فاسد كما ذكرنا وبعد الأجل مضمون لأنه بيع فاسد. ويصدق المرتهن في دعوى التلف بيمينه إن لم يذكر سبباً فإن ذكر سبباً طُلبت البيّنة به.
ولا يصدق في الردِّ عند الأكثرين أي لو ادعى المرتهنُ أنه ردَّ المرهون إلى الراهن فلا يصدق عند الأكثرين لأن قبضه لغرض نفسه كالمستعير ومثله المستأجر لا يصدق بالردّ على المؤجر لأن قبضَه للعين المؤجرة لمصلحة نفسه ولذلك قالوا: كلُّ من ادعى الردَّ على من ائتمنه يصدق بيمينه إلا المرتهن والمستأجر.
ولو وطيء المرتهنُ المرهونة من غير إذن الراهن بلا شبهة منه فزانٍ فعليه الحدُّ ويجب المهر إن أكرهها بخلاف المطاوِعة ولا يقبل قوله: جهلت تحريمه أي الوطء إلا أن يقرب إسلامه أو ينشأ ببادية بعيدة عن العلماء فيقبل قوله درءاً للحد لأنه قد يخفى عليه.
وإن وطيء بإذن الراهن قُبلت دعواه جهل التحريم مطلقاً في الأصح لأن ذلك قد يخفى على العوام حيث قد خفي مثله على بعضِ أهلِ العلم. فلاحدَّ عليه ويجب المهر إن أكرهها وقيل لا يجب لوجود الإذن من المالك ولكنّ الحدَّ لحق الشرع فلا يدفعه إذن مَنْ لا يملكه وهو المالك كجميع أحكام الشرع والولد حرٌ نسيب للشبهة لأن الشبهة كما تدرأ الحدَّ تثبت الحرية والنسب وعليهقيمته للراهن لتفويته الرقَّ عليه وإذا ملك المرتهن هذه الأمَةَ بعد ذلك لم تصبح أمَّ ولد لأنها علقت بالولد في غير ملكه.
ولو أتلف المرهونَ وقبض بدله صار رهناً أي أتلفه الراهن أو المرتهن أو أجنبي مكانه وجُعِلَ في يد من كان المرهون في يده والخصم في البدل الراهن لأنه هو المالك فإن لم يخاصم الراهَنُ في ذلك لم يخاصم المرتهن في الأصح لأنه ليس مالكاً وقيل يخاصم لتعلق حقه بالبدل.
فلو وجب قصاص في المرهون المُتْلَفِ اقتص الراهن أي كان له الحق في القصاص وفات الرهن هلاك المرهون فإن وجب المالُ بعفوه أي الانتقال من القصاص إلى المال أو بجناية خطأ أو شبه عمد توجب المال لم يصح عفوه أي الراهن عنه لتعلق حق المرتهن به ولا يصح إبراءُ المرتهنِ الجانيَ لأنه غير مالك كما لا يسقط بإبرائه حقه من الوثيقة إلا إذا أسقطه منها ولا يسري الرهن إلى زيادته أي إلى زيادة المرهون المنفصلة كثمرة وولد بخلاف المتصلة كسمن الدابة وكبر الشجرة فلو رهن حاملاً وحلَّ الأجل وهي حامل ومستْ الحاجةُ لبيعها بيعت لأنا إن قلنا إن الحمل معلوم فقد رهنه معها وإن قلنا غير معلوم فهو صفة تابعة لها وإن ولدته بيع معها في الأظهر بناءً على أنه رُهِنَ معها لكونه معلوماً.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/261)
ـ[محمد عبدالكريم محمد]ــــــــ[21 - 07 - 07, 12:10 ص]ـ
الجزء الخامس
? فصل في جناية المرهون ?
إذا جنى المرهونُ على أجنبي جناية تتعلق برقبته قدم المجني عليه لتعلق حقه برقبة الجاني فلو قدم غيره لفات حقه بخلاف المرتهن فحقه بالذمة والرهن وثيقة حفظ الحق فإن اقتص صاحب الحق أو بيع المرهون له أي لهذا الحق بأن عُفِيَ على مالٍ بطلالرهن فلو عاد المرهون إلى ملك الراهن لم يعد رهناً وإن جنى على سيده فاقتُصَ منه بطل الرهنُ وإن عفى على مال لم يثبت المالُ لأنه السيد لا يثبتُ له على عبده مال على الصحيح فيبقى رهناً كما كان وإن قَتَلَ المرهونُ مرهوناً لسيده عند آخر فاقتصَ السيد منه بطلالرهنان لفوات محلهما.
وإن وجب مال كأن كان القتل خطأً أو عفي على مالٍ تعلق به حق مرتهن القتيل والمال متعلق برقبة القاتل فيباع إن طلب مرتهن القتيل ذلك وثمنه إن لم يزد على الواجب رهن فإن زاد فقدر الواجب منه وقيليعيدرهناً وَرُدَّ بأن حق المرتهن في ثمنه لا في عينه.
فإن كانا مرهونين عند شخص بدين واحد نقصتالوثيقة أي إذا كان القاتل والمقتول مرهونين عند شخص واحد بدين واحد فقد نقصت وثيقة الرهن ولا جبر لها. أوبدينين عند شخص واحد ووجب مال يتعلق برقبة القاتل وفينقلالوثيقة أي وثيقة الرهن غرض أي فائدة للمرتهن نقلت أي الوثيقة بأن يباع القاتل فيصير ثمنه وثيقةَ رهنٍ بدل القتيل. وإذا لم يكن هناك غرض للمرتهن فلا نقل للوثيقة ويبقى القاتل بحاله وتسقط وثيقة المقتول.
ولو تلف مرهونٌ بآفة بَطَلَ الرهن لفوات محله وينفك الرهن بفسخالمرتهن وحده أو بفسخهما معاً وبالبراءة من الدين بقضاء أو صلح على عين أو حوالة فإن بقي شيء منه أي من الدين لم ينفكَّ شيء من الرهن بالإجماع. ولو رهن نصف عبدٍ بدين ونصفه بآخر فبريء من أحدهما انفك قسطه لتعدد الصفقة بتعدد العقد وإن كان العقدان لواحد. ولورهناه أي رهنا عبدهما بدين فبريءأحدهما مما عليه انفكنصيبه لتعدد الصفقة بتعدد العاقد حتى ولو كان لهما وكيل واحد فعقد عقدين لهما خلافاً للبيع لأن البيع عقد ضمان يُنْظَرُ فيه إلى المباشر إن تعدد أو اتحد.
? فصل في الاختلاف في الرهن وما يتبعه ?
اختلفا في أصل الرهن فقال رهنتني فأنكر أو قدره كأن قال رهنتني الأرض والشجر فقال رهنتك الأرض فقط صدق الراهن بيمينه لأن الأصل براءة الذمّة مما يدعيه المرتهن إن كان رهن تبرع أي من غير شرط في بيع وإن شُرِطَ الرهن المُخْتَلَفُ فيه في بيع تحالفا كما لو اختلفا في سائر كيفيات البيع كما سبق ولو ادعى على اثنين أنهما رهناه عبدهما بمائة وأقبضاه إياه وصدقه أحدهما فنصيب المصدق رهن بخمسين مؤاخذة له بإقراره والقول في نصيب الذي قوله بيمينه لأنه منكر الأصل الرهن لما مرِّ. وتقبل شهادة المصدق عليه فإن شهد معه آخر أو حلف المدعي ثبت رهن الجميع الأول بقوله والثاني بيمين المرتهن وشهادة واحدة أو شهادة اثنين.
ولو اختلفا في قبضه أي المرهون فإن كان في يد الراهن أو في يد المرتهن وقال الراهن غصبتَه صدق الراهن بيمينه لأن الأصل البراءة وعدم الإذن في القبض وكذا إن قال اقبضته على جهة أخرى كإيداع أو إجارة أو إعارة في الأصح لأن الأصل عدم الرهن والبراءة منه.
ولو أقرَّ الراهن بقبضه أي بقبض المرتهن للمرهون ثم قال: لم يكن إقراري عن حقيقة فله تحليفه أي للراهن تحليف المرتهن أن المرهون في يده وأنه قبضه قبضاً صحيحاً. وقيل لا يحلف إلا أن يذكر لإقراره تأويلاً كقوله: أشهدت على رسم القبالة كأن يقول شهدت على الكتابة التي في الوثيقة لكي أقبض بعد ذلك أو قال نقل وكيلي أنه قبض فتبين أن قوله مزوّرٌ أو أرسلت وكيلي ليقبض فحدث له مانع منعه من القبض.
ولو قال أحدهما جنى المرهون أي أحد المتعاقدين وأنكر الآخر صدق المنكر بيمينه لأن الأصل عدم الجناية وبقاء الرهن. ولو قال الراهن بعد قبضه المرهون جنى قبل القبض فالأظهر تصديق المرتهن بيمينه في إنكاره الجناية صيانة لحقه فيحلف على نفي العلم لأن الراهن قد يتواطؤ مع مدعي الجناية لإبطال الرهن.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/262)
والأصح أنه إذا حلف المرتهن غرم الراهن للمجني عليه لأنه برهن الجاني حَالَ بين المجني عليه وحقه. والأصح أنه يغرم له الأقلَ من قيمة العبد المرهون وأرش الجناية لامتناع البيع بسبب الرهن ومثله امتناع بيع أم الولد إذا جنت فيضمن الأقل من قيمتها وأرش الجناية.
وأنه لو نكل المرتهن رُدَّتِ اليمين على المجني عليه لأن الحق له لا على الراهن لأنه لا يدعي لنفسه شيئاً فالأمر بين المرتهن والمجني عليه فإذا حلف المجني عليه بيع الجاني في الجناية إن استغرقت قيمته وإلا بيع منه بقدر الجناية ولا يبقى الباقي رهناً لأن حكم اليمين المردودة كحكم البينة فما حكمنا أن الجناية قبل الرهن بطل الرهن به.
ولو أذن المرتهن في بيع المرهون فبيع ورجع عن الإذن وقال بعد بيعه رجعت قبل البيع وقال الراهن بل رجعتَ بعده فالأصح تصديق المرتهن بيمينه لأن الأصل بقاء الرهن ومن عليه ألفان مثلاً بأحدهما رهن أي بألف رهن فأدى ألفاً وقال: أديته عن ألف الرهن صدق بيمينه لأنه أعرف بقصده حين أدى الألفَ وإن لم ينوِ عند الأداء شيئاً جعله مما يشاء منهما لأنه المؤدي وله الاختيار وقيل يقسط بينهما إذ لا أولوية لأحد الألفين على الآخر وإذا كانا مختلفين فيقسط عليهما.
? فصل في تعلق الدين بالتركة ?
من مات وعليه دين تعلق بتركته سواء كان الدين لله تعالى أو لآدمي تعلقه بالمرهون لا تعلقه بأرش الجناية ليتمكن الورثة من إبراء ذمة الوارث لامتناع التصرف عليهم فيها جزماً.
وفي قول: كتعلق الأرش بالجاني لأن كلاً منهما ثبت بالشرع من غير اختيار فعلى الأظهر أي كتعلق المرهون يستوي الدين المستغرق وغيره في الأصح وما علمه الوارث وما جهله فترهن جميع التركة بالدين ولا يصح التصرف من الوارث بأي جزء منها مراعاة لبراءة ذمة الميت ولو تصرف الوارث ولا دينٌ ظاهرٌ ولا خفي فظهر دين أي طرأ دين بسبب من الأسباب بردِّ مبيع بعيب قبض ثمنه فالأصح أنه لا يتبين فساد تصرفه لأنه عندما تصرف الوارث كان صاحب الحق في التصرف لأنه المالك كما ظهر له. لكن إذ لم يُقْضَ الدينُ فَسَخَ تصرفه ليصل المستحق إلى حقه وسواء كان الذي قضى الدين الوارث أو الأجنبي.
ولا خلاف أن للوارث إمساك عين التركة وقضاء الدين من ماله لأن للمورث فعل ذلك ووارثه خليفته فله أن يفعل ذلك.
والصحيح أن تعلق الدين بالتركة لا يمنع الإرث الذي يلزمه قضاؤه وهو الأقل من قيمة الموروث والدين فإن استويا تخير أو نقصت القيمة لم يلزمه أكثرَ منها لأن تعلق الدين بالميراث مثل حق المرتهن بالمرهون. قال تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) النساء11. فلا يتعلق الدين بزوائد التركة ككسب ونتاج لأنها حدثت في ملك الوارث.
? كتاب التفليس ?
هو لغة: النداء على المدين الذي لا يملك وفاءً وشهره بصفة الإفلاس المأخوذ من الفلوس التي هي أحسن الأموال. وشرعا: إيقاع وصف الإفلاس من الحاكم على الشخص الذي لا يملك وفاءً. فقد روى مسلم عن أبي هريرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فَيُعْطَى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإذا فنيت حسناته قبل أن يُقْضَى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار)).
فالمفلس إذن هو الذي لا مال له ولا ما يدفع به حاجته وأما عند الفقهاء فهو من دينُهُ أكثر من ماله وخرجه أكثر من دخله والأصل فيه ما رواه الدار قطني وغيره عن كعب بن مالك (أنه صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ وباع عليه ماله وقسمه بين غرمائه فأصابهم خمسة أسباع حقوقهم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ليس لكم إلا ذاك).
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: أٌُصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال: (تصدقوا عليه) فلم يبلغ وفاءَ دينِهِ، فقال: (خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك).
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/263)
مَنْ عليه ديون حالّة زائدةٌ على ماله يُحْجَرُ عليه في ماله بسؤال الغرماء من الحاكم بلفظ حجرت ومنعت فقد حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم على معاذ رضي الله عنه بسؤال العلماء ولا حجر بدين الله تعالى من نذر وكفارة ولا بالمؤجل إذ لا مطالبة به في الحال وإذا حُجِرَ بحالٍّ لم يحلَّ المؤجل في الأظهر لأن الأجل مقصود فلا يفوّت عليه وقيل يحل لتعلق الدين بالمال فسقط الأجل كالموت ولو كانت الديون بقدر المال فإن كان كسوباً ينفق من كسبه فلا حجر لعدم الحاجة إلى الحجر بل يلزمه الحاكم بقضاء الدين فإن امتنع باع عليه وإن لم يكن كسوباً وكانت نفقتُهُ من ماله فكذا أي فلا حجر عليه في الأصح وقيل يحجر عليه لحق الغرماء حتى لا يضيع ماله في النفقة. ولا يحجر بغير طلب من الغرماء فلو طلب بعضهم الحجر ودينُه قدر يحجر به بأن كان زائداً على مال المدين حُجِرَ وإلا أي إن لم يزد الدين على ماله فلا حجر فإذا حجرنا عليه فإن أثر الحجر لا يختص بالطالب بل يعم جميع الغرماء ويحجر بطلب المفلس في الأصح لكن بعد دعوى الغرماء بالدين وثبوته ببينة أو إقرار ولا يكفي علم القاضي وقيل بدون دعوى الغرماء لأن له فيه غرضاً ظاهراً وهو التخلص من الدين وصرف ماله فيه فإذا حُجِرَ عليه بطلب أو بدونه تعلق حق الغرماء بماله كالرهن عيناً كان ماله أو ديناً حتى لا ينفذ تصرفه في المال بما بضر الغرماء وحتى لا تزاحمهم الديون الحادثة بعد الحجر. وأشهد الحاكم ندباً على حجره على المفلس ليحذر الناس معاملته ويسن أن يعلن الحاكم في وسائل الإعلام الحجر عليه وبالحجر عليه يمتنع عليه التصرف في أمواله وحينئذ لو باع أو وهب أو أبرأ من دين ولو مؤجلاً أوأعتق أو وقف أو آجر ففي قول يوقف تصرفه مع إثمه فإن فضل ذلك عن الدين لارتفاع القيمة أو إبراء بعض الغرماء نفذ تصرفه وإلايفضل شيء لغا تصرفه والأظهر بطلانه حالاً لتعلق حق الغرماء بما تصرف فيه فلو باع ماله لغرمائه بدينهم من غير إذن القاضي بطل في الأصح مخافة أن يظهر غريم آخر أما البيع بإذن الحاكم فجائز. وقيل يصح لأن الأصل عدم وجود غرماء آخرين فلو باع سلماً أو اشترى شيئاً في الذمة فالصحيح صحة سلمه وشرائه ومثله لو اقترض أم استأجر ويثبت المبيع والثمن ونحوهما في ذمته إذ لا ضرر على الغرماء فيه ويصح نكاحه وطلاقه وخلعه ورجعته واقتصاصه إذا طلب استيفاء القصاص وإسقاطه القصاص ولو مجازاً لأنه لا ضرر في ذلك على الغرماء.
ولو أقرَّ بعين أو دين وجب قبل الحجر بمعاملة أو إتلاف أو غير ذلك فالأظهر قبوله في حق الغرماء فيزاحم المُقَرُّ له الغرماء في الدين كما لو ثبت بالبيّنة لأن في الإقرار ضرر عليه أكثر منه في حق الغرماء فتبعد التهمة بالمواطأة وإن أسند وجوبه إلى ما بعد الحجر بمعاملة أو مطلقاً أي لم يقيده بشيء لم يقبل في حقهم فلا يشاركهم في المال لأنه قصر في معاملة المفلس وبالإطلاق نزل إلى أدنى مراتب الحق وهي المعاملة أيضاً فهو حين أطلق لم يصرح إن كان الدين قبل الحجر أو بعده وإن قال عن جناية بعد وقوع الحجر قُبِلَ في الأصح لعدم تفريط المُقَرِ له فيشارك الغرماء وله أن يردَّ بالعيب ما كان اشتراه قبل الحجر إن كانت الغِبْطةُ لأن الردَّ بالعيب من توابع البيع السابق وليس ابتداء بيع جديد والأصح تعدي الحجرُ إلى ما حدث بعده بالاصطياد والهبة والوصية والشراء بالذمة إن صححناه وهو المعتمد والأصح أنه ليس لبائعه أي بائع المفلس في الذمة أن يفسخ ويتعلق بعين متاعه إن علم الحال لتقصيره وإن جهل فله ذلك لعدم تقصيره لأن الإفلاس كالعيب يفرق فيه بين العلم والجهل وإن لم يمكن التعلق بها بعين متاعه بأن علم الحال لا يزاحم الغرماء بالثمن لأنه دين حدث برضاه فإن فضل شيء بعد قضاء دينهم أخذه وإلا انتظر اليسار. أما الإتلاف وأرش الجناية فيزاحم المجني عليه الغرماء في الدين لعدم تقصير المجني عليه.
? فصل في بيع مال المفلس وقسمته ?
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/264)
يبادر القاضي بعد الحجر على المفلس ببيع ماله وقسمته أي قسمة الثمن بين الغرماء بنسبة ديونهم لئلا يطول الحجر ولا يفرط في الاستعجال حتى لا يُطمعُ فيه بثمن بخس ويبادر إلى بيع ما يخشى فساده ويقدم ما يخشى فساده كالفواكه والخضار ثم الحيوان لحاجته إلى النفقة وكونه معرضاً للتلف ثم المنقول مخافة السرقة ثم العقار للأمن عليه من التلف والسرقة وليبع بحضرة المفلس وغرمائه أو وكلائهم لأن ذلك أنفى للتهمة وأطيب للنفوس.
كل شيء في سوقه لأنه مكان اجتماع طالبيه ويشهر بيع العقار استحباباً في وسائل الإعلام بثمن مثله حالاً من نقد البلد وجوباً لأن الثمن يتعلق به حقوق الغرماء فمن مصلحتهم أن يكون حالاً من نقد البلد ثم إن كان الدين من غير جنس النقد الذي بيع به مال المفلس ولم يرضَ الغريمُ إلا بجنس حقه اشترى له جنس حقه وجوباً لأنه واجبه وإن رضي بغير جنس حقه جاز صرف النقد إليه إلا في السلم لامتناع الاعتياض عن السلم فيه وهو يشمل النقد وغيره وقد علمنا سابقاً جواز السلم في النقد ولا يسلِّم الحاكم أو مندوبه مبيعاً قبل قبض ثمنه احتياطاً لحفظ مال الغرماء وإذا تلف الحق ضمنه الحاكم أو مندوبه وما قبض الحاكم أو مندوبه قسمه بين الغرماء بنسبة ديونهم مسارعة لبراءة الذمة إلا أن يعسر قسمه لقلته وكثرة الديون فيؤخر ليجتمع فإن أبى الغرماء قسمه بينهم ولا يكلفون عند القسمة ببيّنة بأن لا غريم غيرهم لأن الحجر اشتهر ولو وجد غريم آخر لظهر فلو قسم فظهر غريم شارك بالحصة لأنه بمشاركتهم حصل المقصود وقيل تنقض القسمة كما لو قسمت التركة فظهر وارث وهو مردود بأن حق الغريم حاصل بالمشاركة دون النقض ولو خرج شيء باعه قبل الحجر مُسْتَحقاً والثمن الذي قبضه المفلس تالف فكدين أي أنه حكم دين ظهر بعد القسمة فيشارك الغرماء من غير نقض القسمة كما ذكرنا وإن استحق شيء باعه الحاكم أو مندوبه وثمنه تالف بتوزيعه على أصحاب الاستحقاق قدم المشتري بالثمن على باقي الغرماء حتى لا يرغب الناس على شراء مال المفلس مخافة أن يخرج مستحقاً فتقديم مشتري العين المستحقة من مصلحة العقد وفي قول يحاصر الغرماء كسائر الغرماء وهذا مدفوع بما ذكر من رغبة الناس عن شراء مال المفلس وينفق الحاكم على المفلس و على من عليه نفقته من الزوجات والأقارب من طعام وكسوة وسكن إلا أن يستغني بكسب فإن لم يَفِ كسبُه كُمِّلَ له ما يكفيه من النفقة ويباع مسكنه إن كان محتاجاً إليه وخادمه ومركوبه في الأصح وإن احتاج إلى مركوب وخادم لزمانته ومنصبه حتى ولو كان محتاجاً لهما أو لأحدهما لضيق حق الآدمي مع إمكان استئجار مسكن أو مركوب أو خادم. وقيل يترك المسكن فقط وهو بعيد إذ حق الغرماء شاغل لجميع ماله.
ويترك له دست ثوب يليق به أي كسوة كاملة ولو مستعملة فإن كانت عنده اكتفينا بها وإلا اشْتُرِيَ له ثياب كاملة لأن الحاجة إلى الكسوة كالحاجة إلى الطعام. ودست الثوب هو قميص وسراويل وعمامة ومِكْعَب وهو ما يلبس في الرجل ويزاد في الشتاء جبة محشوة ترد البرد هذا بالنسبة للرجل وللمرأة ما يليق بها ولا بأس بفروة إذا كان البرد شديداً وهي ثوب سابغة لها ظهارة من القماش وبطانة من جلد الأنعام ولا بأس بالطيلسان إن اعتاد لباسه.
ويترك قوت يوم القسمة للمفلس ولمن عليه نفقتُهُ من زوجات وأقارب وليس عليه بعد القسمة أن يكتسب أو يؤجر نفسه لبقية الدين لأن الله سبحانه وتعالى إنما أمر بإنظار المعسر ولم يأمره باكتساب قال تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) البقرة280. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرماء معاذ (ليس لكم إلا ذلك) فخرج لكل واحد خمسة أسباع دينه.
والأصح وجوب إجارة أمِّ ولده والأرض الموقوفة عليه لبقية الدين لأن المنفعة كالعين في الوفاء وقيل المنفعة لا تعد مالاً حاصلاً ولو قلنا بهذا لأوجبنا دوام الحجر إلى قضاء الدين وهو مستبعد.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/265)
وإذا ادعى المدين أنه معسر أو قسم ماله بين غرمائه وزعم أنه لا يملك غيره وأنكروا أي أنكر الغرماء زعمه فإن لزمه الدين في معاملة مال كشراء أو قرض فعليه البيّنة فعليه البينة بالإعسار وبأنه لا يملك غيره وإلا فيصدق بيمينه في الأصح كأرش جناية أو ضمان مُتْلَفٍ لأن لزوم المال عليه من غير اختياره ومن المسائل كثيرة الوقوع أن يحلف أن يؤدي دين فلان يوم كذا من شهر كذا ثم ادعى الإعسار قبل الأجل فلا يحنث إلا أن يكون له مال ولو كان بعيداً يمكن إحضاره أو بيعه أو استبداله. وتقبل بينة الإعسار في الحال وهي رجلان وشرط شاهده أي الإعسار خبرة باطنه لطول مجاورة وطول مخالطة لأن الأقوال تخفى فلا يكتفي بمجرد الظاهر وهو أمر يقع فيه الكثيرون بالحكم على حال إنسان ناسين تصنعه وكذبه وبخله وعدم اهتمامه بلباسه أو بيته أو مأكله وأولاده. وليقل الشاهد هو معسر ولا يمحض النفي كقوله: لا يملك شيئاً بل يقيده كقوله لا يملك إلا قوت يوم أو يومين وليس عنده إلا لباسَ بدنه لأن الإجمال ليس من وظيفة الشاهد بل وظيفته التفصيل ليرى فيه القاضي ويحكم على حسب ما يراه وإذا ثبت إعساره عند القاضي لم يجز حبسه ولا ملازمته بل يمهل حتى يوسر للآية (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) بخلاف من لم يثبت إعساره فيجوز جبسه وملازمته ولا يعامل الناس بصفة واحدة بل لا بد من التمييز بين أهل الصدق وأهل الخديعة وبين من قدم بينة لقوله ومن لا بينة له. ولا يحبس المريض ولا المخدرة وهي التي لم تعتد الخروج من دارها ولا ابن السبيل بل يوكل بهم من يعرف حالهم وعلى الموسر أداء ما عليه فوراً فإن امتنع وله مال ظاهر وفّى منه وإن كان الدين من غير جنسه باع عليه الحاكم وأدى عنه وإن كان في غير محل ولايته ألزمه القاضي بالبيع بحبسٍ أو تعزير لما روى أحمد وغيره عن عمر بن الشريد عن أبيه (ليُّ الواجدِ ظلم يحل عرضه وعقوبته) وفي رواية أخرى (مطل الغني ظلم) ولا يكون الحبس ولا التعزير ولا المضايقة إلا بعد مطالبة لأنه لا يكون مطل إلا بعد مطالبة.
والغريب العاجز عن بينة الإعسار لا يُحْبَسُ بل يوكل القاضي به وجوباً مَنْ أي شاهدين أو أكثر يبحث عن حاله فإذا غلب ظنه إعساره شهد به لئلا يتخلد في الحبس والأصح يوكل به قبل حبسه وإن خاف هربه أو اختفاءه فليوكل من يراقبه ولو حبست المرأة في دين من غير إذن زوجها سقطت نفقتها مدة الحبس لأنها معتدية على حق الزوج.
? فصل في رجوع بائع المفلس بما باعه قبل الحجر ولم يقبض ثمنه ?
من باع شيئاً في الذمة ولم يقبض الثمن أي لم يقبض شيئاً ولو قليلاً من قيمته حتى حجر على المشتري بالفلس أي بسبب إفلاسه فله أي البائع فسخ البيع من غير إذن حاكم لوجود إذن الشرع. فقد روى الشيخان عن أبي هريرة (إذا أفلس الرجل ووجد البائع سلعته بعينها فهو أحق بها من الغرماء)، وفي رواية لهما (من أدرك ماله بعينه عند رجل وقد أفلس فهو أحق به من غيره). ولا فسخ قبل الحجر على المشتري بالفلس والأصح أن خياره أي خيار البائع بالفسخ على الفور كخيار العيب بجامع دفع الضرر والأصح أنه لا يحصل الفسخ بالوطء إن كان المبيع أمه والإعتاق للرقيق من البائع والبيع والهبة من البائع وتلغو كل هذه التصرفات وإنما يحصل بقوله أي البائع بعد امتناع المشتري عن السداد أو ثبوت الحجر فسخت البيع أو نقضته وله أي للبائع الرجوع أي الفسخ في سائر المعاوضات التي كالبيع كالإجارة والقرض والسلم على أن يكون الرجوع بالقول ثم إن المعاوضات حصلت قبل حجر على المشتري وأن العين المباعة لم يتعلق بها حق لأحد وأن الثمن دين حالٌّ وقد تعذر حصوله بسبب الإفلاس ولذا قال وله أي الرجوع في المبيع شروط منها كون الثمن حالّاً في أصل البيع أو حلَّ قبل الحجر وأن يتعذر حصوله أي حصول الثمن بالإفلاس أي بسبب الإفلاس فلو لم يكن مفلساً ولكن امتنع من دفع الثمن مع يساره أو هرب أو مات وليئاً وامتنع الوارث من التسليم فلا فسخ في الأصح لإمكان الاستيفاء بالسلطان إن كان عادلاً يقيم الحق وإلا ثبت له الفسخ لتعذر الوصول إلى حقه حالاً وتوقعه مآلاً فأشبه المفلس ولو قال الغرماء لمن له حق الفسخ لا تفسخ ونقدمك بالثمن فله الفسخ إن شاء لما في التقديم من المنة ولأنه قد يظهر غريم آخر فلا يرجى بتقديمه فتقع المنازعة ومن الشروط كون المبيع باقياً في ملك
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/266)
المشتري فلو فات ملكه بتلف أو بيع أو إعتاق أو وقف أو هبة أو كاتب العبد أو الأمة كتابة صحيحة لا فاسدة فلا رجوع لخروج العين عن ملك المفلس ولايمنع من الرجوع التزويج والإجارة فيأخذ البائع المبيع مسلوب النفعة أو يضارب الغرماء ومن الشروط أن لا تتعلق به جناية أو رهن وأن لا يكون البائع محرماً والمبيع صيدٌ. ولو تعيب المبيع بما لا يضمن كأن تعيب بآفة أو جناية حربي أخذه البائع ناقصاً بلا أرش أو ضارب بالثمن كبقية الغرماء أو كان العيب بجناية أجنبي يضمن أرشَ الجناية أو عيبه البائع بعد قبض المشتري فله إما المضاربة بثمنه كاملاً أو أخذه ويضارب من ثمنه بنسبة نقص القيمة الذي استحقه المشتري نسبة إلى قيمة المبيع.
و حكم جناية المشتري كآفة في الأصح لأن العيب وقع في ملكه ولو تلف ما يمكن أن يفرد بعقد كأن تلف أحد العبدين أو أحد الثوبين ثم أفلس وحجر عليه أخذ الباقي وضارب بحقه التالف بشرط أن لا يكون أخذ شيئاً من ثمنهما فلو كان قبض بعض الثمن رجع في الجديد لأنه ثبت له الرجوع في كل منهما ولا نظر لتفريق الصفقة لأن مال المفلس كله مبيع والقديم يمنع الرجوع ويضارب الغرماء. فإن تساوت قيمتهما وقبض نِصْفَ الثمن أخذ الباقي بباقي الثمن ويكون ما قبضه من مال هو مقابل التالف وفي قول يأخذ نصفه أي نصف الباقي بنصف باقي الثمن ويضارب بنصفه فيكون المقبوض في مقابلة نصف التالف ونصف الباقي. والقديم أظهر وإن كان حديثه مرسلاً فقد وصله بعضهم فقد روى الدار قطني وأبو داود والبيهقي من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (أيما رجل باع متاعاً فأفلس الذي ابتاعه ولم يقضِ البائع من ثمنه شيئاً فوجده بعينه فهو أحق به وإن كان قد اقتضى من ثمنه شيئاً فهو أسوة بالغرماء)، ووصله عبد الرزاق في مصنفه عن مالك.
وعلى الجديد لو لم يتلف شيء من المبيع وكان قبض بعض الثمن رجع في المبيع بقسط الباقي من الثمن فإن كان قبض نصفه رجع في النصف وعلى القديم يضارب كما ذكرنا.
ولو زاد المبيع زيادة متصلة كسمن وصنعة فاز البائع بها فيرجع فيها مع الأصل والمنفصلة كالثمرة والولد الحادثين بعد البيع للمشتري ويرجع البائع في الأصل فإن كان الولد صغيراً أو بذل البائع قيمته أخذه مع أمه لأن التفريق ممتنع ومال المفلس كله مبيع وإلا أي إذا لم يبذل البائع قيمة الولد فيباعان معاً وتصرف إليه حصةُ الأمِ من الثمن وحصة الولد للغرماء حتى لا تفرق الصفقة وحتى يصل كلٌ إلى حقه وقيل لا رجوع إن أبى بذل قيمة الولد بل يضارب الغرماء في قيمتها ولو كانت حاملاً عند الرجوع دون البيع أو عكسه أي كانت حاملاً عند البيع دون الرجوع بأن انفصل الولد قبل الرجوع فالأصح تعدي الرجوع إلى الولد لأنه لما تبع الولد في البيع فيتبع في الردِّ والحمل عادة يُعْلم فكأنه باع عينين فإذا فسخ رجع بهما.
واستتار الثمر بكِمَامه أي بأوعية الطلع وظهوره بالتأبير أي بتشقق الطلع قريبٌ من استتار الجنين وانفصاله فإذا كانت الثمرة على النخيل عند المبيع غير مؤبرة وعند الفسخ مؤبرة فهي كالحمل عند البيع رجع فيها أي يتعدى الرجوع إلى الثمرة المؤبرة وهي حينئذ أولى بتعدي الرجوع إليها من الحمل لرؤيتها دونه وعلى هذا كان الحكم جازماً بأنها للبائع ولم يكن ذلك الحكم موجوداً في الحمل ولو غرس المشتري الأرض المبيعة له أو بنى فيها ثم أفلس فحجر عليه فإن اتفق الغرماء والمفلس على تفريغها مما فيها فعلوا لأن الحق لهم وأخذها البائع لأنها عين ماله وإن امتنعوا من القلع لم يجبروا عليه لأنه وضع بحق فيحترم حقه بل له أي البائع أن يرجع في البيع ويتملك الغراس والبناء بقيمته وقت التملك دون أجرة القلع لأننا لم نقلع وله أن يقلع ويغرم أرش نقصِهِ مقلوعاً عنها قائماً مستحق القلع لا الإبقاء والأظهر أنه ليس له أن يرجع فيها أي في الأرض ويبقى الغراس والبناء للمفلس لما في ذلك من ضرر لأن قيمة الغراس أو البناء تنقص بلا أرض وإنما جاز الرجوع لدفع الضرر ولا يزال الضرر بالضرر.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/267)
ولو كان المبيع حنطة فخلطها بمثلها أو دونها ثم حجر عليه فله أي البائع بعد الفسخ أخذ قدر المبيع من المخلوط ويكون مسامحاً في أخذه الدون كما يسامح بالنقص الحادث في العيب أو بأجود منها فلا رجوع للبائع في الأظهر ضرراً من الأضرار بالمفلس وقيل يباعان ويوزع الثمن على نسبة قيمتيهما ولو طحنها أي الحنطة المبيعة له أو قَصَرَ الثوب المبيع له ثم حجر عليه قبل أداء الثمن فإن لم تزد القيمة أي بقيت على حالها أو نقصت رجع البائع ولا شيء للمفلس لأن المبيع موجود من غير زيادة. وإن زادت بالقصر أو الطحن فالأظهر أنه يباع وللمفلس مِنْ ثمنه نسبة ما زاد لأنها زيادة حصلت بفعل متقوَّم فوجب أن لا يضيع عليه فإن كانت قيمته خمسة وبلغت بما فعل ستة كان للمفلس سُدُسُ الثمن في صورة البيع أو سدس القيمة إذا أخذه البائع. ولو صبغه المشتري بصبغة فإن زادت القيمة بسبب الصبغ قدر قيمة الصبغ كأن كانت قيمة الثوب ستين وقيمة الصبغ عشرين فقد صار ثمن الثوب مصبوغاً ثمانين رجع البائع في الثوب والمفلس شريك بالصبغ فيباع الثوب ويكون الثمن بينهما أرباعاً أو كانت الزيادة أقلَّ من قيمة الصبغ كأن صارت سبعين فالنقص على الصبغ لأن الصبغ مستهلك في الثوب والثوب قائم بحاله فيباع ويكون للبائع ستة أسباع وللمفلس سُبُعُهُ فقط. أو زادت القيمة أكثر من قيمة الصبغ كأن صارت مائةً وعشرين فالأصح أن الزيادة للمفلس فيباع ويكون الثمن بينهما نصفين ولو اشترى منه الصبغ والثوب وصبغه به ثم حُجِرَ عليه رجع فيهما الصبغ والثوب إلا ألا تزيد قيمتهما على قيمة الثوب قبل الصبغ فيكون فاقداً للصبغ فيضارب بثمن الصبغ ولو اشتراهما من اثنين أي اشترى الثوب من واحد والصبغ من واحد فصبغ الثوب ثم حجر عليه وأراد البائعان الرجوع فإن لم تزد قيمته مصبوغاً على قيمة الثوب قبل الصبغ فصاحب الصبغ فاقدٌ له فيضارب بثمنه وصاحب الثوب واجد له فيرجع فيه وإن زادت بقدر قيمة الصبغ اشتركا في الرجوع في الثوب والصبغ فإن لم تزد بقدر قيمة الصبغ فالنقص عليه فإن شاء رجع به ناقصاً أو ضارب بثمنه، وأما صاحب الثوب فواجدٌ له فيأخذه ولا شيء عليه وإن زادت على قيمتهما كأن كانت قيمة الثوب ستين والصبغ عشرين وصار قيمته مائة فالأصح أن المفلس شريط لهما بالزيادة وهي الخُمُسُ في مثالنا، ولو كان المُشْترى هو الصبغ وحده وزادت قيمته مصبوغاً على قيمته غير مصبوغ فهو شريك به.
? باب الحجر ?
وهو لغة: المنع، وشرعاً: منع من تصرف خاص بسبب خاص، وتقول العرب: احتجر الأرض عن غيره أي جعل لها معالم في حدودها ليحرزها ويمنعها به عن الغير، والأصل فيه قوله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح) النساء6، وقوله تعالى: (فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً ... ) وفسَّر الشافعي السفيه بالمبذر والضعيف بالصبي والكبير بالمختل والذي لا يستطع أن يملَّ بالمغلوب على عقله فأخبر الله تعالى أن هؤلاء ينوب عنهم أولياؤهم فدل على ثبوت الحجر عليهم.
والحجر المقصود بالباب الحجر عن التصرفات المالية. والحجر نوعان حجر شرع لغير المحجور عليه، وحجر لمصلحة نفس المحجور عليه. الأول خمسة أضرب حجر الراهن لحق المرتهن، وحجر المفلس الغرماء، وحجر المريض لحق الورثة، وحجر العبد والمكاتب لحق السيد، وحجر المرتد لحق المسلمين. الثاني: ثلاثة أضرب، حجر المجنون ويثبت بمجرد الجنون ويرتفع بالإفاقة وتنسلب منه الولايات واعتبار الأقوال، فمن عامله فهو المضيّع لماله وما دام باقياً يجوز استرداده، وحجر الصبي، والثالث حجر السفيه المبذر لماله ومقصود الباب.
هذه الأضرب الثلاثة: منه حجر المفلس لحق الغرماء والراهن للمرتهن والمريض للورثة بالنسبة لتبرع بما زاد عن ثلث التركة وللغرماء مطلقاً والعبد لسيده والمرتد للمسلمين ولها أبواب تقدم بعضها ومقصود الباب حجر المجنون والصبي والمبذر وأعمها الحجر على المبذر فبالجنون تنسلب الولايات الثابتة شرعاً كولاية النكاح والوصية والقضاء لأنه إذا لم يلِ أمر نفسه فأمر غيره أولى واعتبار الأقوال له وعليه من دينية ودنيوية كالمعاملات لعدم وجود القصد منه ويرتفع حجر المجنون بالإفاقة من الجنون من غير فك قاضٍ لأنه ثبت من غير قاضٍ وحجر الصبي يرتفع ببلوغه رشيداً لقوله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/268)
رشداً) النساء6. والابتلاء الاختبار والامتحان والرشد ضد الغي والبلوغ يحصل باستكمال خمس عشرة سنة هلالية أو خروج المني ووقت إمكانه استكمال تسع سنين. قال الإمام الشافعي: ردَّ النبي صلى الله عليه وسلم سبعة عشر صحابياً وهم أبناء أربع عشرة سنة لأنه لم يرهم بلغوا وعرضوا عليه وهم أبناء خمس عشرة سنة فأجازهم منه زيد بن ثابت ورافع بن خديج وعبد الله بن عمر. قال ابن عمر: (عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم في جيش وأنا ابن أربع عشرة فلم يقبلني وعُرضت عليه من قابل وأنا ابن خمس عشرة فأجازني ورآني بلغت) رواه الشيخان.
وأما البلوغ بالاحتلام وخروج المني فقد قال تعالى: (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلُمَ) النور59. ولما روى أبوداود وغيره (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم ... ) وروى أبوداود أيضاً (لا يُتْمَ بعد احتلام).
ونبات العانة يقتضي الحكم ببلوغ ولد الكافر فقد روى أصحاب السنن عن عطية القرظي قال: (عُرضنا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة وكان من أنبت قُتل ومن لم ينبت خُليَّ سبيله فكنت ممن لم ينبت فَخُليَّ سبيلي) صححه الترمذي وقال الحاكم على شرط الشيخين. قال البغوي ويلحق بالعانة الإبط دون اللحية والشارب لا المسلم في الأصح لسهولة مراجعة أقاربه المسلمين والمسلم قد يستعجل الإنبات لرفع الحجر عنه ورغبته في تولي أموره وغيرها من الولايات العامة خلافاً للكافر لأنه يفضي به إلى القتل أو الجزية.
أما إذا تعذر مراجعة أقارب المسلم لموت ونحوه فيحكم عليه بالإنبات أيضاً وتزيد المرأة حيضاًً أي على ما ذكر من أسباب البلوغ الحيض فهو من أسباب البلوغ إجماعاً إلى جانب أسباب بلوغ الذكر وهي السن وخروج المني ونبات العانة.
والرشد صلاح الدين والمال أي حسن التصرف وقيل في المال فقط وهو تفسير قوله تعالى: (فإن آنستم منهم رشداً) فلا يفعل محرماً يبطل العدالة من فعل كبيرة أو إصرار على صغيرة ولم تغلب طاعاته معاصيه ولا يبذر بأن يضيع المال باحتمال غَبْنٍ فاحش في المعاملة وهو مالا يحتمل عادة بخلاف اليسير فلا يضر كبيع ما يساوي عشرة بتسعة أو رمية في بحر أو إنفاقه في محرم ولو مبلغاً زهيداً لأن ذلك يدل على خفة العقل وسوء التصرف والأصح أن صرفه في الصدقة ووجوه الخير بأنواعها والمطاعم والملابس والهدايا التي لا تليق به ليس بتبذير لأنه له فيه غرضاً صحيحاً هو الثواب أو التمتع ومن أقوالهم: لا سرف في الخير ولا خير في السرف. قال الماوردي: التبذير هو الجهل بمواقع الحقوق والسرف هو الجهل بمقاديرها ويختبر رشد الصبي في الدين والمال لقوله تعالى: (وابتلوا اليتامى) أي اختبروهم أما في الدين فبملاحظة حاله في أداء العبادات وتجنب المحظورات ومخالطة أهل الخير وتجنب أهل السوء وأما في المال فإنه يختلف بالمراتب فيختبر ولد التاجر بالبيع والشراء بأن يعرف كيفية البيع وكيفية الشراء وكيفية عرض السلعة وضمها وكيفية نشر الثياب وطيها والمماكسة فيها أي يحسن المساومة فيطلب أكثر مما يريد المشتري وأنقص مما يريد البائع وولد البقال والعطار كولد التاجر وولد الزرَّاع بالزراعة والنفقة على القُوَّام بها أي كيفية الزراعة ودفع الأجر لمن يقوم بمصالح الزراعة والمحترف يختبر بما يتعلق بحرفته أي حرفة أبية وأهله ويختبر من لا مهنة لأبيه بطريقة الإنفاق على الأسرة واختيار الطعام والثياب المناسبة والمرأة تختبر بما يتعلق بالغزل والقطن والخياطة وحفظ الأولاد وكل امرأة تختبر بالمهنة التي تلائمها والوضع الذي يناسبها وصون الأطعمة عن الهرة ونحوها كحفظ الطعام في الثلاجة وإبعاده عن أماكن الفساد وإحسان التصرف فيه وإحسان التصرف بثيابها وثياب زوجها وأولادها وأثاث بيتها فإذا ثبت رشدها فلا تحتاج في تصرفها لإذن زوجها.
أما الخبر: لا تتصرف المرأة إلا بإذن زوجها فهو حديث ضعيف وعلى افتراض صحته فقد حملوه على الندب لمزيد الأنس والمودة وصيانة لقوامة الرجل فقد اعتقت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ولم تُعْلِمْهُ فما عاب عليها ذلك مما يدل على أنها لا تحتاج إلى أذن زوجها.
ويشترط تكرر الاختيار مرتين أو أكثر بحيث يفيد غلبة الظن برشد المُخْتَبَرِ ووقته أي الاختبار قبلَ البلوغ وقيل بعده ليصح تصرفه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/269)
فعلى الأول أي قبل البلوغ الأصح أنه لا يصح عقده لعدم بلوغه بل يمتحن في المماكسة فقط فإذا أراد العقد عقد الولي لبطلان تصرفه قبل البلوغ فلو بلغ غير رشيد لاختلال صلاح الدين أو المال دام الحجر عليه لقوله تعالى:?فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم? سورة النساء آية6، إذا لم تبصروا منهم الرشد فلا تدفعوا لهم أموالهم.
وأما القول بأن المرأة لا تعطى مالها حتى تتزوج ولا تتصرف فيما يزيد على الثلث بغير إذن زوجها ما لم تصر عجوزاً فإن قائله استأنس له بأخبار منها أن امرأةً حلفت بعتق جارية ليس لها غيرها فحنثت ولها زوج فرد ذلك عليها زوجها فسأل النبي فأجاز له الرد وروي أن امرأة كعب بن مالك أتت النبي بحلي فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يجوز للمرأة عطية حتى يأذن لها زوجها، فهل استأذنت كعباً؟ فقالت نعم فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كعب فقال له: هل قبلت لها أن تتصدق بحليها قال: نعم فقبله) رواه ابن ماجه. وروى أبو داوود عن عبد الله بن عمرو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها) ولأن للزوج حق متعلق بمال المرأة فقال صلى الله عليه وسلم: (تنكح المرأة لمالها ولجمالها ولدينها) والعادة أن يزيد الزوج في مهرها من أجل مالها ويتبسط فيه وينتفع، والحق أن ذلك ليس للزوج إلا في ماله أما مالها في طليقة التصرف فيه ما لم يوجد مانع شرعي من ذلك، فقد قال تعالى:? فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ? وهو ظاهر في إطلاق التصرف وقد قال صلى الله عليه وسلم: (يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن) فتصدقن وقبل منهن ولم يسأل ولا استفصل هل رضي الزوج أم لم يرضَ، وأتته زينب امرأة عبد الله وامرأة أخرى فوقفتا ببابه وسألتاه عن الصدقة وهل يجزئهن أن يتصدقن على أزواجهن وأيتام لهن فقال: (نعم) والمرأة من أهل التصرف ولا حق لزوجها في مالها فلا يملك الحجر عليها فيه وأما ما استدل المانع به فهي أخبار لم يصّح شيء منها كما أن تحديدهم المنع بالثلث لم يرد في أي خبر أوردوه فهو تحكم ليس فيه توقيف ولا عليه دليل وأما فياسهم على المريض فمردود لأن تصرف المريض موقوف فإن برئ من مرضه صح تبرعه.
وإن بلغ رشيداً انفك بنفس البلوغ وأعطي ماله ولو امرأة لأنها كاملة التصرف بالرشد وقيل يشترط فك القاضي لأن الرشد يحتاج إلى نظر واجتهاد فلو بذَّر بعد ذلك أي بعد رشده حُجِرَ عليه أي يحجر عليه القاضي وقيل يعود الحجر بلا إعادة أي يعود بنفس التبذير وعدم الصلاح من غير حجر القاضي فيحجر عليه وليه لقوله تعالى: ? ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ? ولخبر الطبراني: خذوا على أيدي سفهائكم. ولو فُسِّق لم يحجر عليه في الأصح لأنه لم يثبت أنهم حجروا على الفسقة ولأن الفسق ليس مشروطاً بتضييع المال ومن حُجِرَ عليه بسفه أي تبذير طرأ فوليه القاضي لأنه وحده الذي يحجر ويسن إشهار الحجر ليمتنع الناس عن معاملته ويُرَدُّ أمره لأبيه فجده فسائر عصباته وقيل وليه في الصغر هو وليه بعد طروء السفه وهو الأب والجدُّ كما لو بلغ سفيهاً ولو طرأ جنون فوليه في الصغر لأن السفه يحتاج إلى اجتهاد ونظر أما الجنون فظاهر لا يحتاج إلى نظر. وقيل القاضي وليه كالسفيه ولا يصح من المحجور عليه لسفه حساً أو شرعاً بيع ولا شراء لغير طعام عند الاضطرار ومثله الصبي.
ولا إعتاق في حالة حياته أما أن يعتق بعد موته أو يوصي فذلك جائز ولا ينافي الحجر عليه ولا هبة لشيء من ماله ويقبل الهبة من الغير و لا نكاح بغير إذن وليه فلا يقبل النكاح لنفسه لأن ذلك إتلاف للمال أو مظنة الإتلاف وأما إذن الولي فمطلوب في جميع ما مر من بيع وشراء وإعتاق وهبة ونكاح فلو اشترى أو اقترض من رشيد وقبض بإذنه وتلف المأخوذ في يده أي في يد المحجور عليه أو أتلفه فلا ضمان في الحال ولا بعد فك الحجر سواء علم حالة مَنْ عامله أو جَهِلَ لتقصيره بعدم البحث مع تسليطه على إتلافه بإقباضه المبيع ونص في الأمِّ أنه يضمن بعد فك الحجر عنه أما لو قبضه من غير رشيد أو من رشيد بغير إذنه أو تلف بعد المطالبة فإنه يضمنه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/270)
ويصح بإذن الولي نكاحه أما لو نكح من غير إذن وليه ووطيء لم يلزمه شيء كما في معاملته لا التصرف المالي في الأصح لا بإذن وليه ولا بدونه وقيل يصح بإذن وليه إذا قدَّرَ الوليُ العوضَ أما من غير عوض كالهبة فلا يصح قطعاً.
ولا يصح إقراره بدين قبل الحجر أو بعده لعدم اعتبار عبارته وكذا لا يقبل إقراره بإتلاف المال في الأظهر لذلك فلا يطالب بذلك ولو بعد رشده ظاهراً أما باطناً فيلزمه إن صَدَقَ وقيل أيضاً إذا أقرَّ بعد رشده أنه أتلف في حال سفهه أنه يلزمه ويصح إقراره بالحدِّ إذ لا مال ولا تهمة فيقطع في السرقةوالقصاص وسائر العقوبات فإن عُفِيَ على مال ثبت المال لأنه باختيار الغير. وطلاقه وخلعه وظهاره وإيلاؤه ونفيه النسب لما ولدته زوجته بلعان واستلحاقه النسب يصح وإن كان له عوض دفع إلى وليه وحكمه في العبادة كالرشيد فيؤديها لأنها حقوق اجتمعت عليه، نعم نذره لا يصح إلا في الذمة وكفارته لا تكون إلا بالصوم أما صدقة التطوع فيحجر فيها عليه.
لكن لا يفرق الزكاة ولا غيرها كالنذر بنفسه فإنه تصرف مالي ولكن يجوز تفريقها بإذن وليه وقيل لا بد من حضور وليه مخافة إتلافه.
وإذا أحرم بحج فرض ولو نذراً أو قضاءً لما أفسده حال رشده أو سفهه أعطى الولي كفايته لثقة ينفق عليه في طريقه أو يخرج الولي معه لينفق عليه وإن حكم العمرة كالحج. وإن أحرم بتطوع من حج أو عمرة وزادت مؤنة سفره لإتيانه بالنسك على نفقته المعهودة في الحضر فللولي منعه من الإتمام والإتيان بالنسك. قال ابن الرفعة ليس له ولاية على ذاته فليس له المنع من أصل السفر بل ولايته على ما يفضي لضياع ماله.
والمذهب أنه كمحصر فيتحلل بعمل عمرة لأنه ممنوع من المضي في نسكه. قلت: ويتحلل بالصوم والحق مع النية إن قلنا لزم الإحصار يدل في أصح القولين لأنه ممنوع من المال. ولو كان في طريقه كسبٌ قَدْرَ زيادة المؤنة لم يجز منعه، والله أعلم لأن الإتمام بدون التعرض للمال ممكن.
? فصل فيمن يلي الصبي وكيفية التصرف في ماله ?
ولي الصبي أبوه إجماعاً ثم جده لأبيه ثم وصيهما أي وصي الأب إن لم يكن جدٌّ ووصي الجدِّ وشرطه العدالة ثم القاضي أو من ينصبه لما روى الترمذي وحسنه (السلطان ولي من لا ولي له). ورواه الحاكم وصححه ولا تلي الأم في الأصح كما في النكاح. قال الجرجاني إذا لم يوجد للصبي وليٌ أو وجد حاكم جائر وجب على المسلمين النظر في مال المحجور وتولي حفظه له. كما أنه من خاف على مال غائب ولم يمكن تخليصُهُ إلا بالبيع جاز له بيعه لوجوب حفظه على المسلمين وقيل تلي الأمُّ بعد الأب والجد وقيل وصيهما. ومثل الأم بقية الأقارب كالعم وابن العم لكن لهم حال غيبة الولي أو إذنه الانفاق على الصبي من ماله في تأديبه وتعليمه للمسامحة فيه ومثل الصبي المجنون الذي له نوع تمييز والسفيه كما مرَّ.
ويتصرف الولي بالمصلحة قال الله تعالى: ? ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ? [سورة الإسراء آية 34]. أي لا يتصرف تصرفاً لا نفع فيه ولو كان لا شرَّ فيه ويلزمه تنميته إن أمكن وخاصة شراء العَقار وتأدية الزكاة وإصلاح ماله من تقديم المؤن والصيانة والحفظ.
ويبني دوره بالطين والآجر أي الطوب المحروق لا اللبَِنَ أي الطوب الذي لم يحرق لضعفه وقلة دوامه والجِص وهو الجبس لقوته وتماسكه ولا يبيع عقاره لأن العقار أنفع مما سواه وأثبت للملك إلا لحاجة كخوف خرابه أو غصبه أو لإصلاح عقار غيره أو لكونه في غير بلده ويحتاج لمؤنة ومتابعة وقبض غلة أو غِبْطَةٍ كرغبة جار مضطر أو وجود غيره مثله بأرخص منه أو لثقل خراجه وكثرة مؤنته وله بيع ماله بعرض ونسيئة للمصلحة إذا رأى في ذلك مصلحة وإذا باع نسيئة أي لأجل اشترط يسار المشتري وعدالته وعدم مماطلته وزيادة معتبرة تليق بالتأجيل. وأشهد على البيع وارتهنبه أي يعمل من الأمور ما يحفظ الحق ويصونه ويأخذ له بالشفعة أو يترك بحسب المصلحة التي يراها فيأخذ بالشفعة إذا كانت الغبطة ظاهرة ويترك إذا كانت الفائدة مظنونة أو غير موجودة ويزكي ماله ويدفع زكاة الفطر عنه لأنه قائم مقامه وينفق عليه بالمعروف في جميع ما يلزمه من طعام وكسوة وتعليم وتأديب بما يليق بحاله من يسار وإعسار وينفق على أقاربه الذين تجب عليه نفقتهم بعد الطلب لا قبله لأن هؤلاء تسقط نفقتهم بمضي الزمان إلا إذا كان المُنفقُ عليه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/271)
مجنوناً أو طفلاً أوزمناً يعجز عن طلب حقه وإثباته فإذا ادعى بعد بلوغه على الأب والجد بيعاً أي ادعى الصغير بيعاً لماله ولو عقاراً بلا مصلحة صُدّقا باليمين لأن شفقتهما ظاهرة ومثله الأم إن كانت وصية وإن ادعاه أي الصبي على الوصي والأمين الذي نصبه القاضي صدق هو بيمينه لإمكان ذلك وقيل يصدق الولي مطلقاً لأن الأصل الأمانة وعدم الخيانة.
مسألة: سئل السبكي عن امرأة سفيهة كانت تحت الحجر فأقامت بيّنة برشدها ثم أحضر وليها بيّنة بسفهها أيهما تقدم؟ قال تقدم بيّنة السفه لأنها معها زيادة علم وهو ما كانت عليه وصورة المسألة أن تشهد بينة الرشد في الوقت الفلاني فتشهد بينةٌ بأنها كانت تشرب الخمر في ذلك الوقت أما إذا أطلقت البينةُ ولم تحدد الوقت فالوجه تقديم الرشد.
? باب الصلح والتنازع على الحقوق ?
الصلح لغة قطع النزاع وشرعاً: عقد يقتضي قطع النزاع وهو رخصة من المحضور وهو أنواع: صلح بين المسلمين والكفار وبين الإمام والبغاة وبين الزوجين عن الشقاق وصلح في المعاملة وهو مقصود الباب والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: ?والصلح خير ? [سورة النساء آية 128].
وأخبار منها:
- حديث أبي هريرة: الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حَرَّمَ حلالاً أو أحل حراماً رواه أبو داوود والبيهقي وابن حبان وصححه.
- وحديث ابن عمر: لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه. رواه الشيخان.
- وحديث أبو هريرة: لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبة على جداره، قال: فنكس القوم، فقال أبو هريرة: ما لي أراكم معرضين؟ والله لأرعينها بين أكتفافكم-أ] قال أبو هريرة: إني أعلن هذه السنة لتعلموها ولا تتركوها.
وأما قوله الأصلي: ألا صلحاً أحل حراماً كالصلح على خمر أو خنزير أو زناً، ومن الذي يحرّمُ حلالاً أن يصالح زوجته على أن لا يطلقها أو أن لا يسافر بها.
هو قسمان أحدهما يجري بين المتداعيين وبين المدعي والأجنبي أحدهما صلح على إقرار والآخر صلح على إنكار فإن جرى على عين غير المدعاة: كأن ادعى عليه داراً أو سيارة فأقر له بها، وصالحه على دكانٍ أو على سيارة غيرها. فهو بيع للعين المدعاة بلفظ الصلح فثبتت فيه أحكامه أي تثبت فيه أحكام البيع كالشفعة والرد بالعيب ومنع تصرفه في المصالح عليه قبل قبضه واشتراط التقابض للمصالح عنه والمصالح عليه إن اتفقا في علة الربا واشتراط التساوي بين المصالح والمصالح عليه إن كانا من جنس واحد أو جرى الصلح على منفعة دار فإجارة لمحل المنفعة تثبت أحكامها أي أحكام الإجارة أو جرى الصلح على بعض العين المدعاة كنصفها فهبة لبعضها لصاحب اليد عليها فتثبت أحكامها أي أحكام الهبة من إيجاب وقبول وإذن في القبض ولا يصح بلفظ البيع لعدم وجود الثمن والأصح صحته بلفظ الصلح كصالحتك من الدار على نصفها أو ثلثها لأن الخاصية التي يفقتر إليها لفظ الصلح هي سبق الخصومة، وقد حصلت، ويسمى هذا صلح المطيطة، وهو الصلح الجاري على بعض العين المدعاة، كمن صالح من الدار على نصفها، أو ثلثها كما ذكرنا، أو صالح من السيارتين على إحداهما.
ولو قال من غير سبق خصومة صالحني على دارك بكذا فأجابه فالأصح بطلانه لأن لفظ الصلح يستدعي سبق الخصومة، ولو عند غير قاضٍ، لأن اشتراط سبق الخصومة إنما هو ليوجد مسمى الصلح عرفاً، وذلك لا يتعلق بدعوى عند القاضي ولو صالح من دين على عين أو دين من ذهب أو فضة أو منفعة صح الصلح أو المصالح من عين على دين ذهب أو فضة فهو بيع تجري أحكامه أو على عين فهو سلم تجري أحكامه أيضاً فإن تواقفا في علة الربا كالصلح عن الذهب بفضه أو العكس اشترط قبض العوض في المجلس لتجنب الربا، فإن تفرقا قبل التقابض بطل الصلح وإلا أي وإن لم يتفقا في علة الربا المُصَالَحُ عليه، المُصَالَحُ به، كالصلح عن فضة بحنطة أو سيارة (فإن كان العوض عيناً لم يشترط قبضه في المجلس في الأصح) كبيع سيارة بدنانير ديناً في الذمة. وقيل يشترط لأن أحد العوضين دين، فيشترط قبض الآخر في المجلس، كرأس مال السلم أو ديناً اشترط تعيينه في المجلس كقوله صالحتك من الألف التي لي عليك على ثلاجة صفتها كذا وكذا، فيشترط التعيين في المجلس ليخرج عن بيع الدين بالدين المنهي عنه. وإن صالح من دين على بعضه كنصفه مثلاً فهو إبراء عن باقيه فقيل هو إسقاط وقيل هو تمليك ويصح بلفظ الإبراء والحط ونحوهما كأُسْقِطُ منك
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/272)
أو أُبْرَأْتُكَ أو وضعت عنك نصف الألف الذي لي عليك أو صالحتك من الألف على نصفه ومثله أحللتك وعفوت عنك وسامحتُكَ و يصح بلفظ الصلح في الأصح ولا يصح بلفظ البيع كنظيره في الصلح على العين، فقد روى الشيخان عن كعب بن مالك أنه طلب من عبد الله بن أبي حدود ديناً له عليه فارتفعت أصواتهما في المسجد حتى سمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهما ونادى: يا كعب، فقال لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشطر، فقال: قد فعلت، فقال صلى الله عليه وسلم: قم فاقضه. ولو صالح من حال على مؤجل مثله جنساً وقدراً وصفة أو عكس أي صالح من مؤجل على حال مثله كذلك لغا الصلح لأن الأجل لا يلحق ولا يسقط فلا يلزم الأجل في الأول، ولا إسقاطه في الثاني فإن عجّلَ المدينُ المؤجلَ صح الأداء وسقط الأجل لأنه حق لهما ولو صالح من عشرة حالّة على خمسة مؤجلة برأ من خمسة وبقيت خمسة حالّة لأنه سامح ببعض حقه، ووعده بتأجيل الباقي، والوعد لا يلزم لأن الأجل لا يسقط ولا يلحق كما ذكرنا ولا عكس أي صالح من عشرة مؤجلة على خمسة حالة لغا الصلح لأنه ترك الخمسة في مقابلة حلول الباقي، وهو لا يحل فلما لم يحصل الحلول فلا يصح الترك.
النوع الثاني: الصلح على الإنكار أو السكوت من المدعَى عليه، كأن ادعى عليه شيئاً فأنكره أو سكت فصالح عنه فيبطل للخبر السابق: إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً فإن المدعِي إن كان كاذباً فقد استحل مال المدعَى عليه، وهو من تحليل الحرام، وإن كان صادقاً فقد حرّمَ على نفسه ماله الذي هو حلال له وكذا إن جرى الصلح على بعضه أي على بعض المُدّعَى كنصف الدار في الأصح كما لو كان على غير المدعى، وقيل يصح لاتفاقهما على أن البعض مُسْتَحِقٌ للمدعي، ولكنهما مختلفان في جهة الاستحقاق، واختلافهما في جهة الاستحقاق لا يمنع الأخذ، أما لو تصالحا من دين مقداره ألف على خمسمائة في الذمة فإنه لا يصح جزماً لأنه لا يمكن تقدير الهبة لأن الهبة لا تجب إلا بالقبض وليس في الذمة، بخلاف الصلح على خمسمائة معينة فإنه لا يصح في قول وقيل يصح وقوله صالحني على الدار التي تدعيها ليس إقراراً في الأصح لاحتمال قطع الخصومة فقط، وهو لا يأتي عادة إلا بعد إنكار، أما إذا قال ابتداءً صالحني على الدار التي تدعيها فليس إقراراً قطعاً.
القسم الثاني من الصلح يجري بين المدعي والأجنبي فإن قال الأجنبي للمدعي وكّلَني المدّعَى عليه في الصلح عن المُدّعَي به وهو قولك به أو أخبرني أنه لك، أو وأنا أعلم أنه لك، وقد فهمت ذلك من كلامه صح الصلح بينهما لأن دعوى الإنسان الوكالة في المعاملات مقبولة إذا لم يدعِي المدّعى عليه الإنكار بعد دعوى الوكالة فإن أنكر عليه كان عزلاً فلا يصح الصلح عنه ولو صالح الأجنبي لنفسه بعين ماله أو بدينٍ في ذمته والحالة هذه أي وأن المدعَى عليه مقر صح الصلح للأجنبي وإن لم تجر معه خصومة لأن الصلح ترتب على دعوى وجواب وكأنه اشتراه بلفظ الشراء، ويجوز قضاء دين الغير من غير إذنه، فلو قال صالحني عن الألف الذي لك على فلان على خمسمائة صح وإن كان المُدّعَى عليه منكراً وقال الأجنبي هو مبطل في إنكاره وأنا على يقين أنك صادق فصالحني لنفسي بهذا أو بخمسة آلاف في ذمتي أو بديني الذي على فلان إذا أجزنا بيع الدين لمن ليس عليه. يريد بذلك أخذ العين المدعَى بها مِنْ المدعَى عليه فهو شراءٌ مغصوب فيفرق بين قدرته على انتزاعه فيصح وعدمها فلا يصح وإن لم يقل هو مبطل أو قال أنا لا أعلم صدقك، وصالح لنفسه أو للمدعَى عليه لغا الصلح لأنه شراء ما لم يثبت ملكه أو ما لم يعترف بتملكه. ولو كان المدعَى به ديناً وقال الأجنبي للمدعِي وكلني المُدّعى عليه لمصالحتك على نصف المدعَى أو على هذه الدار أو هذه السيارة فصالحه بذلك صح الصلح للموكِّل ولو صالح الأجنبي لنفسه في هذه الحالة فهو ابتياع دين في ذمة غير المصالح فالأصح عدم الصحة.
? فصل في التزاحم على الحقوق المشتركة ?
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/273)
الطريق النافذ ويعبر عنه بالشارع لا يُتَصرف فيه لعدم الاختصاص به بما يضر المارة لأن الحق فيه للمسلمين كافة ولا يشرع أي يخرجوا فيه جناح أي روشن وهو امتداد من البناء إلى الخارج، وهو ما يسمى البلكون، وهو يطلق على النافذة والكوة أيضاً، وسمي جناحاً لأنه يشبه جناح الطائر. ولا ساباط وهو سقيفة بين جدارين يضرهم وهو أن يكون له داران يكتنفان الطريق، فيصل بين سقفيهما بأخشاب أو غيرها، ثم يسقِّفها، ومثله أن يحفر سرداباً بينهما وتحت الطريق من واحدة إلى أخرى ما لم يطمئن إلى أنه لن ينهدم فيقطع الطريق أو يغوص به المارة بل يشترط لجواز فعله ارتفاعه بحيث ينتفي إضلام الموضع تحته وبحيث يمر تحته الماشي ومن على رأسه حمولة منتصباً إذا كان ممراً للمشاة فقط وإن كان ممر الفرسان والقوافل والسيارات فليرفعه وجوباً بحيث يمر تحته المحمل على البعير مع أخشاب المظلة فوق المحمل وهو ما يسمى المحارة، وكذا مرور السيارات بأنواعها وما تحمل فوقها عادة، وأما الذمي فيمنع من إخراج الجناح في شارع المسلمين لأنه كإعلاء بنائه على بنائهم بل هو أبلغ من ذلك. ويحرم الصلح على إشراع الجناح أو الساباط بعوض ولو مع الإمام لأن الهواء لا يفرد بالعقل وإنما يتبع القرار أي الأرض وما لا يضر المارة في الطريق يستحق الإنسان فعله من غير عوض كالمرور وكما يمتنع بناء الضار يمتنع إرسال ماء المجاري أو غيره للضرر، لما روى ابن ماجه عن ابن عباس وحسنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ضرر ولا ضرار).
ولما روى الإمام أحمد والبيهقي عن عبد الله بن عباس قال: كان للعباس ميزاب على طريق عمر فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة فأصابه ماءٌ بدم فأمر بقلعه فأتاه العباس فقال: والله إنه للموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أعزم عليك لما صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن جميع طرقه ضعيفة.
و يحرم أن يبنى في الطريق دَكَّةً أي مصطبة أو عتبة أو يغرس شجرة ولو اتسع الطريق وأذن الإمام وانتفى الضرر لأنه منع الناس من استحقاق الطروق الذي هو لهم من ذلك المكان، ولأنه إذا طال الزمان أصبح يشبه الأملاك فيملك، أما زراعة الشجر في المسجد فهو لجميع المسلمين، لذلك لا يمنعون ثمرها كالانتفاع بالمسجد، وأما غرس الشجر في الطريق فإن اتسعت وتحقق عدم الضرر أو زرع في موضع اختص به أصلاً فلا بأس بذلك. وقيل إن لم يضر جاز كإشراع الجناح، وهذا مردود بما تعلل من قبل. وغير النافذ يحرم الإشراع للجناح إليه لغير أهله بلا خلاف، وإن لم يضر لأنه ملكهم فأشبه الإشراع إلى الدور وكذا لبعض أهله في الأصح إلا برضا الباقين أي لا يصح الإشراع تضرروا به أم لم يتضرروا، وقيل له حق الانتفاع لأنه له حق الارتفاق بقراره فكذا بهوائه كالشارع، وفي الحالين يحرم الصلح على إشراعه بمال كما تقدم.
وأهله أي الدرب غير النافذ هم (من نفذ باب داره إليه لا من لاصقه جداره) من غير نفوذ بابه فيه لأن أولئك هم المستحقون الانتفاع به، فهم الملاك دون غيرهم وهل الاستحقاق في كلها أي في كل الطريق أم بجزء منها لكلهم لأنهم ربما احتاجوا إلى التردد أم تختص شركةُ كل واحد بما بين رأس الدرب وباب داره وجهان أصحها الثاني لأن المقدار هو محل تردده ومروره، وما بعده فهو فيه كالأجنبي، فعلم من ذلك أن من بابه آخر الدرب يملك وجميع ما بعد باب داره من الدرب فيمكن ضمه إلى بيته كما ويجوز له تقديم بابه لأنه مستحق الانتفاع بجميع الدرب. وليس لغيرهم فتح باب إليه للاستطراق إلا برضاهم لتضررهم بمرور الفاتح أو مرورهم عليه ولهم بعد الفتح برضاهم الرجوع متى شاءوا وإذا رجعوا امتنع مرور الفاتح ولا غرم عليهم بالرجوع متى شاءوا ولو واحد منهم لاشتراك الملك بينهم وأن الواحد كالجميع كما أنه لا يختص به وله فتحه إذا سَمَرَهُ في الأصح أي إذا أغلقه ودق عليه المسامير فله بعد ذلك فتحه لأن حق الاستطراق ثابت له فإذا سمره فقد امتنع من حقه مدة من الوقت ثم عاد إلى حقه ومن له فيه أي في الدرب باب ففتح أو أراد فتح باب آخر لم يكن موجوداً أبعد من رأس الدرب من بابه الأول فلشركائه أي الذين أبوابهم أبعد من القديم منعه أو أي واحد منهم لأنه بمثابة الجميع في حق الانتفاع والمنع حتى ولو أراد إغلاق الأول لأنه شاركهم
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/274)
الاستطراق في ملكهم فبما بعد بابه الأول ملك مَنْ أبوابُهم أبعدُ من بابه عن رأس الدرب. وإن كان أقرب إلى رأسه ولم يسد الباب القديم بل بقي يدخل منه ويخرج فكذلك لأن انضمام الثاني للأول يضرهم بتعدد المنفذ الذي يعطي صفة التميز له عليهم.
وإن سده أي القديم فلا منع لأنه تركٌ لبعض حقه، وكذلك لو كان في آخر الدرب بابان متقابلان وأراد أحدهما تأخير بابه فللآخر منعه لأن ما بعد بابيهما مشترك بينهما، فقد يؤدي ذلك إلى ضرر الشريك حيث يحكم بملك بقيتها لذي الباب المتأخر.
وقوله داران تفتحان إلى دربين مسدودين أو مسدود وشارع ففتح باباً بينهما لم يمنع في الأصح لأنه يستحق المرور في الدرب، ورفع الحائل بين الدارين تصرف في ملكه فلا يستطيع أحدٌ منعه حقه وحيث مُنِع فتح الباب فصالحه أهل الدرب بمال صح. فإن شرطوا مدة للفتح فهي إجارة في ملكهم فهي جائزة وإن أطلقوا أو شرطوا التأبيد فهو بيع جزء شائع من الدرب له فينزل في هذه الحالة منزلة واحد منهم ويجوز لمالك الدار فتح الكوَّات في جداره في الدرب سواءً أكان نافذاً أم لا، بل يجوز إزالة بعضه وتحويله إلى شباك سواء أأذنوا أم لم يأذنوا على أن لا يخرج من الشباك شيء إلى الدرب، وإلا كان كالجناح حتى وإن كان الخارج غطاءً للشباك، لأنه يؤدي إلى تضييق وإزعاج والجدار بين مالكين قد يختص بهما أحدهما ويكون ساتراً للآخر فقط وقد يشتركان فيه فالمختص به أحدهما ليس للآخر وضع الجذوع وهي أعمدة الخشب التي تحمل السقف ومثله أعمدة الحديد والأسمنت، حتى ولو كان الموضوع جذعاً واحداً عليه أي الجدار بغير إذن من مالكه هذا هو الجديد أما في القديم فيجوز ذلك لما روى الشيخان عن أبي هريرة لا يمنعنَّ أحدُكُم جاره أن يضع خشبةً على جداره وهو محمول على الحض على عمل الخير وليس على الوجود لأنه لا يحل مال امرئٍ مسلم إلا بطيب نفسه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: (إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم)، ثم قال: (لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس). رواه الحاكم وصححه. فلو رضي المالك بناءً على الجديد في المذهب وهو المعتمد بلا عوض فهو إعارة له الرجوع قبل البناء عليه فالعارية لا تلزم إلا بالتسليم وكذا بعده في الأصح حيث أن لصاحب العارية أن يعود فيها متى شاء وفائدة الرجوع تخييره أي المستعير بين أن يبقيه أي يبقي الجذوع في المكان الذي بنى عليه بأجرة أو يقلع ويغرم إرش نقصه الذي أحدثه لبناء المستعير ولذا قالوا بين قيمة الجذوع قائمة وقيمتها مقلوعة والمقصود هو البناء وقيل ليس له أن يقلع بل له أن يطلب الأجرة فقط، فإن أداها فلا قلع لأن القلع يتعدى إلى خالص ملك المستعير لأن الجذوع إذا رفعت أطرافها لم تتماسك على الجدار الثاني، وقيل ليس له الرجوع حتى ينهدم البناء لأن مضمون الإعارة هنا التأبيد كالإعارة لدفن الميت فإنه لا ينبش ولا أجرة حتى يعلم فناء الجثة ولكن لو رفع صاحبُ الجذوعِ الجذوعَ أو سقطت بنفسها فلا حق له بإعادتها والأول هو المعتمد أنها عارية فلصاحبها استردادها متى شاء وإلا امتنع الناس عن العارية.
وقيل فائدته طلب الأجرة فقط لأن القلع يضر المستعير كما ذكرنا ولو رضي بوضع الجذوع والبناء عليها بعوض فإن أجر رأس الجدار للبناء فهو إجارة كسائر الأعيان التي تستأجرُ للمنافع لكن لا يشترط فيه بيان المدة في الأصح لأنه عقد يَرِدُ عليه المنفعة وتدعو الحاجة إلى دوامه فلم يشترط التأقيت كالنكاح يشترط فيه التأقيت وإن قال بعته للبناء عليه أو قال بعت حق البناء أو الوضع عليه أو قال صالحتك على أن تضع الجذوع على الجدار ولم يقدر مدّة فالأصح أن هذا العقد فيه شوب بيع نظراً للفظه المقتضي كونه مؤبداً و شوب إجارة لأن المستحق به منفعة فقط إذ لا يملك المشتري فيه عيناً، فلو كانت إجارة محضة لاشترطنا الأجل أو بيعاً محضاً لكان رأس الجدار لصاحب الجذوع فإن بنى فليس لمالك الجدار نقضه بمال لأن العقد مستحق الدوام فلا يقلع لا مجاناً ولا بأرش ولو انهدم الجدار بعد أن بنى المشتري عليه فأعاده مالكه فللمشتري إعادة البناء لأنه حق ثابت له ولو لم يُعِدْ المالك بنائه فأراد صاحب الجذوع إعادته من ماله مُكِّن من ذلك وسواء كان الإذن بوضع الجذوع أو البناء عليه بعوض أو بغيره ويشترط بيان الموضع المبني عليه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/275)
طولاً وعرضاً وسَمْكِ الجدران أي ارتفاع الجدران إذا أخذ من أسفل إلى أعلى، أما إذا أخذ القياس من أعلى إلى أسفل فهو العمق وكيفيتها أي كيفية الجدران أهي مجوفة تحوي على عيون وفراغات منضدة حجرها بعضها فوق بعض وكيفية السقف المحمول عليها أو هو من خشب أو أسمنت أو حديد لأن الأغراض تختلف ولا يشترط معرفة وزن الأخشاب أو الحديد أو الأحجار، بل يكفي العرف في كل سقف متفق عليه ولو أذن في البناء على أرضه كفى بيان قدر محل البناء ولم يشترط تحديد سَمْكِ الجدار وعرضه ووزنه لأن الأرض تحمل كل شيء. فلا يختلف الغرض إلا بمساحة الأرض. وأما الجدار المشترك وبين اثنين مثلاً فليس لأحدهما وضع جذوعه عليه بغير إذن من الآخر في الجديد والقديم له ذلك كما ذكرنا وليس له أي لأحدهما أن يَتِدَ فيه وتداً أي يدق أو يثبت فيه ما يُعَلِّق عليه حاجاته أو يربط به بهائمه أو يفتح كوة أو شباكاً إلا بإذنه أو علمه برضاه كسائر المشتركات وإذا فتح بالإذن فليس له السد إلا بالإذن لأنه تصرف في ملك الغير وله أن يستند إليه وأن يسند إليه متاعاً لا يضر الجدار وله ذلك في جدار الأجنبي وكذلك لغيره لأنه لا ضرر على المالك في ذلك فلو منعه المالك فعليه الامتناع ولكن يكون ذلك تعنتاً وعناداً وليس له إجبار شريكه على العمارة في الجديد إذا انهدم الجدار أو هدماه كما لا يجبره على زراعة الأرض المشتركة لأن الممتنع يتضرر أيضاً والضرر لا يُزَالُ بالضرر نعم إن رغب في تأجيرها فيجبر شريكه على الإجارة إن امتنع عن الزراعة صيانة للأملاك المشركة.
فإن أراد الشريك إعادة مُنهَدم بآلة لم يمنع أي أراد إعادة البناء بمواد منه فلا يمنع في ذلك ويكون المعاد ملكه يضع عليه ما شاء وينقضه إذا شاء وإذا كان الأساس مشتركاً لأن له حق في الحمل على الأساس المشترك ولأنه أتم بناءَه بآلة نفسه ولم يحتج إلى آلة شريكه، نعم لو كان لشريكه جذع على الجدار مُكِّنَ شريكه من وضع جذعه عليه وإذا امتنع فيمكّن من نقض البناء ليعيداه مشتركاً. ولو قال الآخر لا تنقضه وأغرم لك حصتي أي أدفع لك نصف القيمة لم يلزم إجابته كابتداء العمارة فقد بناهُ بماله واختياره. وإن أراد إعادته بنقضه المشترك فلآخر منعه لما فيه من الضرر وإتلاف المال. ولو تعاونا على إعادته بنقضه عاد مشتركاًكما كان ولا تصح زيادةٌ لأحدهما لأنه شرط عوض من غير مُعَوَّضٍ ولو انفرد أحدهما بنقضه وإعادة بنائه وشرط له الآخر زيادة في حصته جاز وكانت في مقابلة عمله في نصيب الآخر أي عمله في نصيب شريكه ولابدَّ من علم شريكه بالمواد المستعملة وبصفات الجدران.
ويجوز أن يصالح على إجراء الماء وإلقاء الثلج في ملكه أي في ملك المُصَالحَ معه على مالٍ فقد يحتاج الإنسان إلى إجراء ماء المطر أو الثلج من سطحه إلى سطح غيره أو إجراء ماءٍ في أرض آخر لتصل إلى منزله أو بستانه أو مزرعته فليس له إجبار صاحب السطح والأرض على ذلك فإن أذن له في ذلك بإجارة أو إعارة أو بيع جاز ولا بأس بالجهل بقدر ماء المطر لأنه لا يمكن معرفته فيجوز للمساحة وفي حالة إجراء الماء فليس له دخول الأرض بغير إذن مالكها وكذا في كل موضع يستأجره. ولا يصح الصلح على إجراء ماء الغسالة على السطح لأن الحاجة لا تدعو إليه بخلاف ماء المطر والثلج.
ولو تنازعا جداراً بين ملكيهما فإن اتصل ببناء أحدهما بحيث يعلم أنهما بنيا معاً بأن دخل بعض لبنات أحدهما في بناء الآخر وهذا التداخل لا يكون في الأطراف لأنه لا يمكن إحداثه متأخراً إنما يكون في الأمكنة التي يعتمد عليها البناء كالزوايا أو بنى الجدار على خشبة طرفها في ملكه وليس منها شيء في ملك الآخر أو كان له على الجدار أقواس معقودة والعقد عنده فله اليد عليه لظهور أمارة الملك فيحلفُ ويحكم له بالجدار إلا أن تقوم بينةٌ بخلافه وإلا أي إذا لم يتصل ببنائه أو كان منفصلاً عنهما أو اتصل ببنائيهما اتصالاً مستاوياً أو اتصل ببناء أحدهما ولكن الاتصال يمكن إحداثه بعد البناء فلهما أي هو في أيديهما معاً. فإن أقام أحدهما بينة قضي له بالجدار والإ حلفا أي يحلف كل واحد منهما للآخر فإذا حلفا معاً أو نكلا معاً جُعِلَ الجدار بينهما بظاهر اليد وإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضي له بجميع الجدار.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/276)
ولو كان لأحدهما عليه جذوع لم يُرَجَّحْ قوله لأنه لا يدل على الملك كما لو تنازعا داراً في يدهما ولأحدهما فيها متاع فلو حلفا معاً بقيت الجذوع بحالها لأنها قد تكون وضعت بحق.
والسقف بين علوه أي علو شخص وسفل غيره آخر أي السقف المتوسط كجدار بين ملكين فَيُنْظَرُ أيمكن إحداثه بعد العلو كأن يكون السقف عالياً فيثقب وسط الجدار وتوضع رؤوس الجذوع في الثقب فيصير البيت بيتين فيكون في يدهما لاشتراكهما في الانتفاع به أو لا يمكن إحداثه بعد العلو كالأقواس التي لا يمكن عقدها في وسط الجدار بعد امتداده في العلو فلصاحب السُّفْلِ أي يجعل في يده لاتصاله ببنائه. ولو كانا في بناء وكان الدور الأول لأحدهما والدور الثاني لآخر وتنازعا في المدخل أو العرصة فمن الباب إلى بداية الدرج أو السلم بينهما لأن لكل منها يداً وتصرفاً بالاستطراق ووضع الأمتعة والباقي للأسفل لاختصاصه به يداً وتصرفاً فإن كان المرقى مَبْنيّاً أو مثبتاً فهو لصاحب الدور العلوي لأنه المنتفع به حتى ولو كان عليه موضع أزهار أو نباتات أو جرة ماء فهو له أما لو كان تحته بناء فهو مشترك بينهما كسائر المشتركات.
? باب الحوالة ?
هي بفتح الحاء أو كسرها لغة: التحول والانتقال وشرعاً: الحوالة عقد يقتضي تحول دين من ذمة إلى ذمة وأصلها قبل الإجماع أخبار منها.
حديث أبي هريرة (مطلُ الغني ظلمٌ وإذا أُتّبع أحدكم على مليء فليتّبع) وفي رواية (من أحيل بحقه على مليء فليحتل) رواه الشيخان. وحديث سلمة بن الأكوع قال: (كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أوتي بجنازة فقالوا: صَلِّ عليها، فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا، قال: فهل ترك شيئاً؟ قالوا: لا، فصلّى عليه ثم أُتي بجنازة أخرى، فقالوا: يا رسول الله صلِّ عليها. قال: هل عليه دين؟ قيل: نعم، قال: فهل ترك شيئاً؟ قالوا: ثلاثة دنانير. فصلَّى عليها، ثم أُتي بالثالثة، فقالوا: صلِّ عليها، قال: هل ترك شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فهل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلوا عليه صاحبكم، قال أبو قتادة: صَلِّ عليه يا رسول الله وعليَّ دينه فصلى عليه) رواه البخاري وغيره، وزاد أحمد والدار قطني والحاكم (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال لما قُضِيَ دينُهُ الآن بَرَّدت عليه جلدَهُ أو قال قبرَه).
ويشترط لها أي لصحة عقدها رضا المحيل لأن الحق في ذمته فلم يتعين لقضائه محل والمحتال لأنه صاحب الحق فلا ينتقل من ذمة إلى ذمة إلا بإذن لتفاوت الناس بالوفاء وتفاوتهم بين الليونة والعسر لا المحال عليه في الأصح لأن عليه أداء الحق فلصاحبه أن يستوفيه بنفسه أو بغيره.
ولا تصح علي من لا دين عليه بناءً على قولنا إنها بيع دين بدين أُبيحت للضرورة. وقيل يصح برضاه بناءً على أنها استيفاء. فقبوله ضمان لا يَبْرأُ به المحيل وقيل يبرأ وتصح بالدين اللازم وعليه وهو ما لا خيار فيه أما في زمن الخيار فقيل هو آيل إلى اللزوم وتصح الحوالة به ولكن إذا فسخ العقد بطلت الحوالة.
وتصح بالدين المثلي كالنقود والحبوب وكذا المتقوِّم كالسيارة والدار في الأصح لثبوته في الذمة وتصح بالثمن في مدة الخيار بأن يحيل المشتري البائع على إنسان وعليه بأن يحيل البائع إنساناً على المشتري لأنه آيل إلى اللزوم بنفسه كما ذكرنا.
والأصح صحة حوالة المكاتب سيدَهُ بالنجوم أي الأقساط التي أوجبها عليه لعتقه لأنها دين لازم من جهة السيد والمحال عليه دون حوالة السيد إنساناً عليه أي على المكاتب لأن دين الكتابة غير لازم من جهة المكاتب فهو قادر على تعجيز نفسه في كل وقت فيسقط الدين ويشترط العلم بما يحال به وعليه أي علم المحتال والمحال عليه بالدين قدراً كألف وصفة معتبرة في السلم كدارهم إمارتية أو دنانير أردنية وفي قول تصح بإبل الدية وعليها رغم الجهل بصفتها والأظهر المنع ويشترط تساويهما أي المحال به والمحال عليه جنساً وقدراً وكذا حلولاً وأجلاً وصحة وكسراً في الأصح وقيل تجوز الحوالة بالقليل على الكثير وبالصحيح على المكسر وبالجديد على الرديء وبالمؤجل على الحالّ وبالأبعد أجلاً على الأقرب أجلاً ويكون المحيل متبرعاً بالزيادة والمعتمد الأول ويبرأ بالحوالة المحيل عن دين المحتال والمحال عليه عن دين المحيل ويتحول حق المحتال إلى ذمة المحال عليه لأن هذه قائدة الحوالة ولهذا أجيزت سواءً قلنا
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/277)
إن الحوالة بيع أو استيفاء حتى لو أفلس المحال عليه أو مات أو حجر وحلف لم يكن للمحتال الرجوع إلى المحيل كما لو أخذ عوضاً عن دينه فتلف في يده والمذهب أنه لا يجوز له شرط الرجوع. فإن تعذر أخذ الحقِّ من المحال عليه بفلس طرأ بعد الحوالة أو جحد منه للدين أو الحوالة وحلفٍ ونحوها كموت أو ضياع بينة أو امتناع لنحو قوة ومنعة لم يرجع على المحيل كما ذكرنا فلو كان مفلساً عند الحوالة وجهله المحتال فلا رجوع له كمن اشترى شيئاً وهو مغبونٌ فيه وقيل له الرجوع إن شرط يساره وَرُدَّ بأنه مقصِرٌ بترك البحث عن حاله فالحوالة صحيحة والشرط باطل لمخالفته لمعنى الحوالة ومقصودها ولو أحال المشتري البائعَ بالثمن فردَّ المبيع بعيب أو إقالة أو فسخ بيمين بطلت الحوالة في الأظهر لأنه ثمن إذا انفسخ البيع فلا حوالة إذن أو أحال البائعُ المشتريَ بالثمن فَوجد الردُّ للمبيع بعيب لم تبطل على المذهب سواء قبض المحتال مال الحوالة من المشتري أم لا بل يرجع المشتري على البائع فيطالبه أن كان قبض منه المحتال المال. فهذه الحالة تختلف عن سابقتها بوجود شخص ثالث وهو الذي انتقل إليه الثمن فلا يبطل حقه بفسخ المتعاقدين.
ولو باع عبداً ذكراً أو أثنى وأحال بثمنه آخر على المشتري ليقبض الثمن بدلاً من دينه ثم اتفق المتبايعان والمحتال على حريته وقت البيع أو ثبتت حريتُهُ ببينة أو بشهادة حسبة بطلت الحوالة لبطلان البيع فيرد المحتال ما أخذه على المشتري ويبقى حقه كما كان وإن كذبهما المحتال في الحرية ولا بينة بالحرية حلفاه على نفي العلم أي لكل من المتبايعين تحليفه المحتالَ أنه لا يعلم الحريةَ فإذا حلفه أحدهما امتنع على الثاني تحليفه لأنها قضية واحدة ثم بعد حلفه بأخذ المال من المشتري ويرجع المشتري على البائع بحقه لنه قضى دينه بإذنه ولو قال المستَحِقُ عليه أي المدين للمستحق وهو الدائن وكلتك لتقبض لي وقال المستحِقُ بل أردتَ الحوالة صُدِّقَ المُسْتَحَق عليه بيمينه لأن الأصل بقاء الحقين على ما كانا عليه مع كونه أعرف بنيته وفي الصورة الثانية وَجهٌ بتصديق المستحِقِ باعتبار أن الوكالة لا تصح بلفظ الحوالة والمعتمد الأول.
وإن اختلفا في أصل اللفظ الصادر كأن قال المستحَقُ عليه أحلتُكَ فقال المستَحِقُ بل وكلتني أو اختلفا في لفظ محتمل كاقبض أو احتل صدق الثاني بيمينه لأن الأصل بقاء حقه في ذمة المستحَق عليه ويظهر أثر هذا النزاع عند إفلاس المحال عليه وإذا حلف المستحِقُ في الحالتين اندفعت الحوالة وثبت حقه من الآخر ويعود الآخر على المحال عليه.
? باب الضمان?
الضمان لغة الالتزام وشرعا: حق ثابت في ذمة الغير ويشمل كفالة الدين والعين والبدن ويسمى الملتزم لذلك ضامناً وحميلاً وزعيماً وكفيلاً قال الماوردي: لكن العرف خصص الضمين بالمال والحميل بالديات والأصل فيه قبل الإجماع أخبار منها: حديث أبي أمامة (العارية مردودة والدين مقضي الزعيم غارم) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي وصححه ابن حبان. خبر الصحيحين عن سلمة بن الأكوع وغيره (أنه صلى الله عليه وسلم أُتي بجنازة، فقال: هل ترك شيئاً؟ قالوا: لا، قال: هل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، فقال: صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله وعليَّ دينه). ويستأنس له بقول الله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم).
وأركانه: ضامن، مضمون له، ومضمون عنه، ومضمون به، وصيغة. وبدأ بشرط الضامن فقال: شرط الضامن ليصح ضمانه الرشد وهو كما ذُكر سابقاً في باب الحجر صلاح الدين والمال ولا يوجد ذلك بدون البلوغ والعقل فلا يصح ضمان الصبي والمجنون والمغمى عليه والمحجور عليه بسفه.
وضمان محجور عليه بفلس كشرائه فيصح في ذمته ويطالب بما ضمنه إذا انفك عنه الحجر وأيسر وضمان عبد بغير إذن سيده مأذوناً له في التجارة أم لا باطل في الأصح لأنه إثبات مال في الذمة وقيل يصح ويتبع به إذا أعتق لأنه لا ضر على سيده.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/278)
ويصح بإذنه أي بإذن السيد فإن عين للأداء كسبَهُ أو غيره أي قال لعبده: اقضه من كسبك أو قال للمأذون له بالتجارة: اقضه مما في يدك قضى منه وإلا أي وإن لم يذكر الأداء واقتصر على الإذن في الضمان فالأصح إن كان مأذوناً له في التجارة تعلق أي غرم الضمان بما في يده وقت الإذن من رأس المال والربح وما يكسبه بعد الإذن كاصطياد واحتطاب وإلا أي إن لم يكن مأذوناً له في التجارة فبما أي يتعلق الدين بما يكسبه بعد الإذن لا قبله لأنه لم يكن مأذوناً له بالضمان.
والأصح اشتراط المضمون له أي أن يعرف الضامنُ صاحبَ الدينِ لتفاوت الناس تسهيلاً وتسديداً في الاقتضاء والأصح أنه لا يشترط قبوله ورضاه لعدم ذكر ذلك في حديث أبي قتادة السابق.
ولا يشترط رضا المضمون عنه وهو المدين قطعاً لأن قضاء دين الغير بغير إذنه جائز فالتزامه أولى كما يصح الضمان عن الميت وإن لم يخلف وفاءً ولا معرفته في الأصح إذا لم نشترط رضاه فاشتراط معرفته أي المكفول غير مطلوبة إذ لا معاملة أصلاً بينه وبين كافله بغير إذنه وقيل يلزم معرفته لتفاوت الناس في اليسر والعسر وتفاوتهم في اللين والشدة وتفاوتهم في رغبة الناس في كفالتهم وعدمها ويشترط في الدين المضمون كونه حقاً ثابتاً حال العقد فلا يصح ضمان ما لم يجب سواءً أوجد سبب وجوبه أم لم يوجد كما ذكرنا سابقاً وصحح القديم ضمان ما سيجب لأن الحاجة قد تدعو إليه كثمن ما سيبيعه أو ما سيقرضه والمذهب صحة ضمان الدَرَكِ أي ضمان التبعة أو العهدة أي أنه يضمن إذا كان المبيع ليس للبائع فيضمن حق المشتري أو إذا كان الثمن ليس للمشتري فيضمن حق البائع ونقول إذا خرج المبيع مُسْتَحَقَاً للغير أي إذا أدرك الغريم عين حقه عند الغير يباع أو يشتري به فيأخذه ونقول أيضاً ضمان العهدة والعهدة هي الوثيقة التي كتب فيها البيع وضمان العهدة أو التبعة أن يرد لصاحب الحق حقه إذا كان المبيع مُسْتَحَقَاً للغير أو مخالفاً لشروط وثيقة البيع. وقوله صحة ضمان الدرك هو ضمان ما سيجب ليؤكد أن لضمان ما سيجب وجه في الصحة.
بعد قبض الثمن وهو أن يضمن للمشتري الثمن إن خرج المبيع مستحقاً أو معيباً فردّه المشتري أو ناقصاً لنقص الصنجة والصنجة ما يوزن به أي إذا كان ما يوزن به ناقصاً عن الوزن المعتبر ويضمن أيضاً الصفة كأن اشتراه حريراً فبان قطناً أو مصنوعاً في دولة كذا فبان صناعة دولة أخرى وأن السيارة قد قطعت عشرة آلاف فبان أنها قطعت مائة ألف أو أنها صنع سنة كذا فبان قبل ذلك بما لا يتسامح فيه الناس عادة. وضمان المرأة صحيح مزوجة كانت أو غير مزوجة ولا حاجة لإذن الزوج كسائر تصرفاتها.
ولا يجوز ضمان نفقة القريب لمدة مستقبلة لأن سبيلها سبيل البرِّ والصلة فتسقط بمضي الزمن وبكفالة الغير. وكونُه لازماً وإن لم يستقر بعد كثمن المبيع الذي لم يقبض فلا يستقر الثمن إلا بعد القبض والمهر قبل الوطء لأنه دين لازم الأداء ولا يستقر كامل المهر إلا بالدخول فيصح ضمانها لا كنجوم الكتابة لقدرة المكاتب على إسقاطها متى شاء فهي ليست لازمة ولا مستقرة. ويصح ضمان الثمن للبائع في مدة الخيار للمشتري في الأصح لأنه آيل للزوم بنفسه أما إذا كان الخيار لهما فالثمن موقوف.
وضمان الجُعْلِ كالرهن به أي حكم ضمان الجعل للقيام بعمل ما هو ذات حكم الرهن بالجعل وقد قلنا لا يصح قبل تأدية العمل والفراغ منه حتى يستقر الجعل وكونه معلوماً للضامن من جنساً وقدراً وصفة في الجديد لأنه إثبات مال في الذمة لأجنبي فوجب العلم به والجهل به يبطله. والقديم يجيزه إن كان مما يمكن معرفته كضمنت مالَكَ على فلان أمّا ما لا يمكن معرفته كضمنت لك شيئاً مما لك على فلان فباطل قطعاًً والإبراء من المجهول باطل في الجديد على اعتبار أنه تمليك ولا يصح تمليك ما لا يُعْلم وفي القديم يصح بناءً على أن الإبراء إسقاط كالإعتاق فلا يحتاج إلى معرفة ولا إلى قبول إلا من إبل الدية فيصح الإبراء منها لأنه قد اغتفر إثباتها في ذمة الجاني وذلك عند الانتقال من القصاص أو بالرضا منه بها فيغتفر الجهل بصفتها تبعاً لإثباتها في ذمة الجاني ويصح ضمانها في الأصح لأنها معلومة السنِّ والعدد ويرجع في صفتها إلى غالب إبل البلد ويغتفر التفاوت اليسير للضرورة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/279)
ولو قال: ضمنتُ مالك على زيد من درهم إلى عشرة لانتفاء الغرر ببيان الغاية وهي العشرة فالأصح صحته وقيل لا لعدم التعيين والصحيح الأول وأنه يكون ضامناً لعشرة إن كانت عليه لأنها غاية الضمان. قلت: الأصح لتسعة والله أعلم إدخالاً للطرف الأول لأنه مبدأ الالتزام وإخراجاً للغاية وهو العشرة. وقيل يضمن ثمانية فقط إخراجاً للطرفين من الضمان والأصح الأول وهو ضمان العشرة للعرف.
? فصل في كفالة البدن ?
المذهب صحة كفالة البدن وتسمى أيضاً كفالة الوجه ومعناها إحضار المكفول إلى المكفول له وفيه خلاف فقد قال الشافعي: إنها ضعيفة. وفي قول لا تصح لأن الحرَّ لا يدخل تحت يد ولا يقدر على تسليمه والمشهور الأول لمسيس الحاجة إلى ذلك فإن كفل بدن من عليه مال لم يشترط العلم بقدره لأن متكفل بإحضار البدن لا المال ولكن يشترط في المال كونه مما يصح ضمانه فلا تصح الكفالة ببدن المكاتب للنجوم التي عليه لأنها غير لازمة أصلاً.
والمذهب صحتها ببدن من عليه عقوبة لآدمي كقصاص وحَدِّ قذف وتعزير لأنه حق لازم فأشبه المال اللازم. ومنعها في حدود الله تعالى كحد الخمر والزنا والسرقة لأنها مبنية على المسامحة والدفع ما أمكن وتصح ببدن صبي ومجنون لأنه قد يستحق إحضارهما لشهادة على نسب أو شهادة على إتلاف ويشرتط إذن وليهما ومحبوس وغائب وإن تعذر الإحضار الآن لوجود الحبس والغياب كمن يضمن مالاً عن غيره وهو معسر الآن وكفالة إحضار بدن ميت قبل دفنِهِ ليحضره فيشهَدَ على صورته إذا عرفوا صورته ولم يعرفوا اسمه ولا نسبه والأصح اشتراط إذن الوارث بذلك ثم إن عيّن مكان التسليم في الكفالة تعيّن والإ أي وإن لم يعين فمكانُها يتعينُ ويبرأ الكفيل بتسليمه المكفول في مكان التسليم المذكور بلا حائل كمتغلب يأخذ المكفول ويمنع المكفول له حقه وبأن يحضرَ المكفولُ ويقولَ للمكفول له سلمت نفسي عن جهة الكفيل فلان ولا يكفي مجرد حضوره لأنه قد لا يعرفه ولأنه قد لا يسلم نفسه.
فإن غاب المكفول لم يلزم الكفيل إحضارُه إن جهل مكانه لعدم الإمكان فأشبه المعسر بالدين لا يستطيع الوفاء وإلا بأن علم مكانه فيلزمه إحضاره من مسافة القصر فما دونها كغيبة مال المديون إلى هذه المسافة فإنه يؤمر بإحضاره لأداء ما عليه ويمهل مدة ذهابٍ وإيابٍ على العادة وتجهيز المكفول واستعداده للسفر مع الكافل فإن مضت مدة الذهاب والإياب ولم يحضره حبس إلا إذا كان المطلوب ديناً فأدّاه الكافل فلا يحبس وقيل إن غاب إلى مسافة القصر أي ما بعدها لم يلزمه إحضاره والأصح أنه إذا مات ودفن لا يطالب الكفيل بالمال لأنه لم يلزمه ابتداءً أما قبل الدفن فيلزم الكفيل بإحضاره لإقامة الشهادة عليه والأصح أنه لو شرط في الكفالة أن يغرم المال إن فات التسليم بطلت لأنه شرط ينافي مقتضاها وهو إحضار المكفول والأصح أنها لا تصح بغير رضا المكفول أو إذن وليه لأنه مع عدم إذنه بالحضور أو إذن وليه بطل مقصودها.
? فصل في صيغتي الضمان والكفالة ومطالبة الضامن ?
يشترط في الضمان للمال والكفالة للبدن والعين لفظ غالباً أو إشارة مفهمة لأخرس أو كناية مع نية يشعر بالالتزام للعقد كضمنت لك مالك أو تحملته أو تقلدته أي أُلْزِمْتُ مالك على فلان أو تكفلت ببدنه أي بإحضاره في الوقت المحدد والمكان المحدد أو أنا بالمال المطلوب أو بإحضار الشخص المعين ضامن أو كفيل أو زعيم أو حميل وكلها من صرائح الكفالة ومثله قوله وعليَّ ما على فلان أو مالُكَ عندَ فلان عليَّ.
ولو قال أؤدي المال أو أحضر الشخص فهو وعد بالالتزام وليس التزاماً فلا يجب الوفاء به إلا إذا صحبته قرينه تدل على الالتزام والأصح أنه لا يجوز تعليقها أي ضمان المال وكفالة البدن بشرط كأن قال ولي الخيار في الدفع أو الإحضار أو كإذا جاء العبد فقد ضمنت ما على فلان أو تكفلت ببدنه لأنهما عقدان فلا يقبلان التعليق كالبيع والأصح أنه لا يجوز توقيت الكفالة بالبدن كأن قال: إنّي كفيل بإحضار فلان لأسبوع وبعده أنا بريء وقيل يجوز لأنه قد يكون له غرض في تسليمه خلال أسبوع واحد ولو نجزها أي قال: أنا كفيل بإحضار فلان وشرط تأخير الإحضار شهراً كأن قال: أحضره بعد شهر جاز لأنه التزام لعمل في الذمة فكان كعمل الإجارة يجوز حالاً أو مؤجلاً والأصح أنه يصح ضمان الحالِّ مؤجلاً أجلاً معلوماً فيثبت الأجل في حق الضامن
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/280)
لأن الضامن متبرع فكان تبرعه على حسب التزامه والأصح أنه يصح ضمان المؤجل حالاً لتبرعه بالتزام التعجيل وهو على خلاف الرهن لأن الرهن وثيقة بعين وهي لا تقبل تأجيلاً ولا حلولاً والضمان ضمُّ ذمة إلى ذمة والذمة قابلة للالتزام الحال مؤجلاً والمؤجل حالاً والأصح أنه لا يلزمه التعجيل أي لا يلزم الوفاء به كما لو التزمه الأصيل
وللمستحِقِ أي صاحب الدين مطالبة الضامن والأصيل اجتماعاً وانفراداً وأن يطالب كلاً ببعض الدين لبقاء أصل الدين على المكفول للخبر السابق (الزعيم غارم) والأصح أنه لا يصح الضمان بشرط براءة الأصيل لمنافاة الشرط المقتضي الضمان وقيل يصح لخبر جابر في قصة أبي قتادة قال: (فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (هما عليك في مالك والميت منها بريء) فقال: نعم، فصلّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم) قال الحاكم صحيح الإسناد، قيل هذا في الميت وقيل هذا في المستقبل وقيل يصح الضمان فقط ولا يبرأ ولو أبرأ المستحَقُ الأصيلَ من الدين بريء الضامن منه لسقوطه ولا عكس أي لو أبرا المستحق الكفيل من الضمان لم يبرئ الأصيل من الدين لأنه قبول دين من غير وثيقة كفك الرهن ولو مات أحدهما والدين مؤجل حلَّ عليه لخراب ذمته دون الآخر فلا يحل عليه لأنه ينتفع بالأجل فإن كان الميت هو الأصيل فللضامن أن يطالب المستحق بأخذ الدين من تركته أو إبرائهِ لأن التركة قد تهلك فلا يجدُ وفاءً لدينه وإن كان الميتُ الضامن وأخذ المستحِق الدين من تركته لم يكن لو رثته الرجوع في الدين على المضمون عنه قبل حلول أجل الدين لأنه قوت الوفاء به.
وإذا طالبَ المستحِقُ الضامنَ فله أي الضامن مطالبة الأصيل بتخليصه بالأداء للدين المضمون له ليبرأ الضامن هذا إن ضمن بإذنه لأنه هو المسبب له في ما هو فيه والأصح أنه لا يطالبه بالدين الحالِّ قبل أن يُطالبَ هو بالدين كما لا يغرمه الدين قبل أن يغرم هو.
وللضامن الرجوع على الأصيل إن وُجِدَ إذنه في الضمان والأداء لأنه إنما صرف ماله لغيره بإذنه وإن انتفى فيهما أي الضمان والأداء فلا رجوع له لأنه متبرع فإن إذن له في الضمان فقط أي دون الأداء رجع في الأصح لأن الضمان هو الأصل فالإذن فيه إذن فيما يترتب عليه ولا عكس في الأصح أي إذا ضمن بلا إذن وأدى بالإذن لأن وجوب الأداء كان بسبب الضمان ولو أدى مكسراً عن صحاح أو صالح على مائة بثوب قيمته خمسون فالأصح أنه لا يرجع إلا بما غرم لأن المدفوع فلا يأخذ إلا ما دفع وقيل يجوز لأنه أبرأ ذمة المدين والمسامحة جاءت له فهو أحق بها ومن أدى دين غيره بلا ضمان ولا إذن فلا رجوع له على المدين لأنه متبرع وإن أذن له بالأداء بشرط الرجع رجع عليه وفاء بالشرط وكذا إن أذن له إذناً مطلقاً على شرط الرجوع رجع في الأصح فلو قال له: ادفع عني ديني أو أدِ عني أقساط سيارتي وهي كذا وكذا فله الرجوع للعرف بذلك ولأن الأداء كان بإذن المدين أما لو قال: اشترِ لي رغيفاً أو زجاجة عصير فلا رجوع لأنه مما يتسامح فيه الناس عادة والأصح أن مصالحته أي المأذون له بالأداء على غير جنس الدين لا تمنع الرجوع لأن الإذن إنما مقصوده البراءة وقد حصلت ويرجع بالأقل من قيمة الدين أو المؤدى فلو صالح عن ثوب قيمة عشرة بخمسة أو عن عشرة بثوب قيمة خمسة رجع بخمسة في الحالتين.
ثم إنما يرجع الضامن والمؤدي إذا أشهد بالأداء رجلين أو رجلاً وامرأتين لأنه الذي تثبت به الحقوق المالية وكذا رجل ليحلف معه في الأصح إذ الشاهد مع اليمين بينة بالحق فإن لم يشهد أي الضامن بالأداء فلا رجوع إن أنكر ربُّ الدين الأداء إن أدى في غيبة الأصيل وكذبه الأصيل لأن الأصل عدم الأداء وهو مقصر بعدم الإشهاد وكذا إن صدقه في الأصح وكذبه ربُّ الدين لأن المطالبة باقية فلم ينتفع من دفعه عن دينه فإن صدقه المضمونُ له وكذبه المضمون عنه أو أدى الدينَ بحضرة الأصيل المدين رجع على المذهب في الحالتين لسقوط الحق في الأولى باعتراف صاحب الدين ولأنه أدى بحضرة المدين في الثانية.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/281)
وإذا ضمن شخصٌ آخرَ بثمن سلعة فهلك المبيع أو وجد به عيباً فرده أو ضمن الصداق فارتدت المرأة قبل الدخول أو فسخت بعيب نظر إذا كان ذلك قبل أن يؤدي الضامن بريء الضامن والأصيل وإن كان بعده فإن كان بحيث يثبت الرجوع رجع الضامن المؤدي بدينه على الأصيل وضمن ربُّ الدين للأصيل ما أخذه إن كان هالكاً وإن كان باقياً رده بعينه.
? فصل في جناية المرهون ?
إذا جنى المرهونُ على أجنبي جناية تتعلق برقبته قدم المجني عليه لتعلق حقه برقبة الجاني فلو قدم غيره لفات حقه بخلاف المرتهن فحقه بالذمة والرهن وثيقة حفظ الحق فإن اقتص صاحب الحق أو بيع المرهون له أي لهذا الحق بأن عُفِيَ على مالٍ بطلالرهن فلو عاد المرهون إلى ملك الراهن لم يعد رهناً وإن جنى على سيده فاقتُصَ منه بطل الرهنُ وإن عفى على مال لم يثبت المالُ لأنه السيد لا يثبتُ له على عبده مال على الصحيح فيبقى رهناً كما كان وإن قَتَلَ المرهونُ مرهوناً لسيده عند آخر فاقتصَ السيد منه بطلالرهنان لفوات محلهما.
وإن وجب مال كأن كان القتل خطأً أو عفي على مالٍ تعلق به حق مرتهن القتيل والمال متعلق برقبة القاتل فيباع إن طلب مرتهن القتيل ذلك وثمنه إن لم يزد على الواجب رهن فإن زاد فقدر الواجب منه وقيليعيدرهناً وَرُدَّ بأن حق المرتهن في ثمنه لا في عينه.
فإن كانا مرهونين عند شخص بدين واحد نقصتالوثيقة أي إذا كان القاتل والمقتول مرهونين عند شخص واحد بدين واحد فقد نقصت وثيقة الرهن ولا جبر لها. أوبدينين عند شخص واحد ووجب مال يتعلق برقبة القاتل وفينقلالوثيقة أي وثيقة الرهن غرض أي فائدة للمرتهن نقلت أي الوثيقة بأن يباع القاتل فيصير ثمنه وثيقةَ رهنٍ بدل القتيل. وإذا لم يكن هناك غرض للمرتهن فلا نقل للوثيقة ويبقى القاتل بحاله وتسقط وثيقة المقتول.
ولو تلف مرهونٌ بآفة بَطَلَ الرهن لفوات محله وينفك الرهن بفسخالمرتهن وحده أو بفسخهما معاً وبالبراءة من الدين بقضاء أو صلح على عين أو حوالة فإن بقي شيء منه أي من الدين لم ينفكَّ شيء من الرهن بالإجماع. ولو رهن نصف عبدٍ بدين ونصفه بآخر فبريء من أحدهما انفك قسطه لتعدد الصفقة بتعدد العقد وإن كان العقدان لواحد. ولورهناه أي رهنا عبدهما بدين فبريءأحدهما مما عليه انفكنصيبه لتعدد الصفقة بتعدد العاقد حتى ولو كان لهما وكيل واحد فعقد عقدين لهما خلافاً للبيع لأن البيع عقد ضمان يُنْظَرُ فيه إلى المباشر إن تعدد أو اتحد.
? فصل في الاختلاف في الرهن وما يتبعه ?
اختلفا في أصل الرهن فقال رهنتني فأنكر أو قدره كأن قال رهنتني الأرض والشجر فقال رهنتك الأرض فقط صدق الراهن بيمينه لأن الأصل براءة الذمّة مما يدعيه المرتهن إن كان رهن تبرع أي من غير شرط في بيع وإن شُرِطَ الرهن المُخْتَلَفُ فيه في بيع تحالفا كما لو اختلفا في سائر كيفيات البيع كما سبق ولو ادعى على اثنين أنهما رهناه عبدهما بمائة وأقبضاه إياه وصدقه أحدهما فنصيب المصدق رهن بخمسين مؤاخذة له بإقراره والقول في نصيب الذي قوله بيمينه لأنه منكر الأصل الرهن لما مرِّ. وتقبل شهادة المصدق عليه فإن شهد معه آخر أو حلف المدعي ثبت رهن الجميع الأول بقوله والثاني بيمين المرتهن وشهادة واحدة أو شهادة اثنين.
ولو اختلفا في قبضه أي المرهون فإن كان في يد الراهن أو في يد المرتهن وقال الراهن غصبتَه صدق الراهن بيمينه لأن الأصل البراءة وعدم الإذن في القبض وكذا إن قال اقبضته على جهة أخرى كإيداع أو إجارة أو إعارة في الأصح لأن الأصل عدم الرهن والبراءة منه.
ولو أقرَّ الراهن بقبضه أي بقبض المرتهن للمرهون ثم قال: لم يكن إقراري عن حقيقة فله تحليفه أي للراهن تحليف المرتهن أن المرهون في يده وأنه قبضه قبضاً صحيحاً. وقيل لا يحلف إلا أن يذكر لإقراره تأويلاً كقوله: أشهدت على رسم القبالة كأن يقول شهدت على الكتابة التي في الوثيقة لكي أقبض بعد ذلك أو قال نقل وكيلي أنه قبض فتبين أن قوله مزوّرٌ أو أرسلت وكيلي ليقبض فحدث له مانع منعه من القبض.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/282)
ولو قال أحدهما جنى المرهون أي أحد المتعاقدين وأنكر الآخر صدق المنكر بيمينه لأن الأصل عدم الجناية وبقاء الرهن. ولو قال الراهن بعد قبضه المرهون جنى قبل القبض فالأظهر تصديق المرتهن بيمينه في إنكاره الجناية صيانة لحقه فيحلف على نفي العلم لأن الراهن قد يتواطؤ مع مدعي الجناية لإبطال الرهن.
والأصح أنه إذا حلف المرتهن غرم الراهن للمجني عليه لأنه برهن الجاني حَالَ بين المجني عليه وحقه. والأصح أنه يغرم له الأقلَ من قيمة العبد المرهون وأرش الجناية لامتناع البيع بسبب الرهن ومثله امتناع بيع أم الولد إذا جنت فيضمن الأقل من قيمتها وأرش الجناية.
وأنه لو نكل المرتهن رُدَّتِ اليمين على المجني عليه لأن الحق له لا على الراهن لأنه لا يدعي لنفسه شيئاً فالأمر بين المرتهن والمجني عليه فإذا حلف المجني عليه بيع الجاني في الجناية إن استغرقت قيمته وإلا بيع منه بقدر الجناية ولا يبقى الباقي رهناً لأن حكم اليمين المردودة كحكم البينة فما حكمنا أن الجناية قبل الرهن بطل الرهن به.
ولو أذن المرتهن في بيع المرهون فبيع ورجع عن الإذن وقال بعد بيعه رجعت قبل البيع وقال الراهن بل رجعتَ بعده فالأصح تصديق المرتهن بيمينه لأن الأصل بقاء الرهن ومن عليه ألفان مثلاً بأحدهما رهن أي بألف رهن فأدى ألفاً وقال: أديته عن ألف الرهن صدق بيمينه لأنه أعرف بقصده حين أدى الألفَ وإن لم ينوِ عند الأداء شيئاً جعله مما يشاء منهما لأنه المؤدي وله الاختيار وقيل يقسط بينهما إذ لا أولوية لأحد الألفين على الآخر وإذا كانا مختلفين فيقسط عليهما.
? فصل في تعلق الدين بالتركة ?
من مات وعليه دين تعلق بتركته سواء كان الدين لله تعالى أو لآدمي تعلقه بالمرهون لا تعلقه بأرش الجناية ليتمكن الورثة من إبراء ذمة الوارث لامتناع التصرف عليهم فيها جزماً.
وفي قول: كتعلق الأرش بالجاني لأن كلاً منهما ثبت بالشرع من غير اختيار فعلى الأظهر أي كتعلق المرهون يستوي الدين المستغرق وغيره في الأصح وما علمه الوارث وما جهله فترهن جميع التركة بالدين ولا يصح التصرف من الوارث بأي جزء منها مراعاة لبراءة ذمة الميت ولو تصرف الوارث ولا دينٌ ظاهرٌ ولا خفي فظهر دين أي طرأ دين بسبب من الأسباب بردِّ مبيع بعيب قبض ثمنه فالأصح أنه لا يتبين فساد تصرفه لأنه عندما تصرف الوارث كان صاحب الحق في التصرف لأنه المالك كما ظهر له. لكن إذ لم يُقْضَ الدينُ فَسَخَ تصرفه ليصل المستحق إلى حقه وسواء كان الذي قضى الدين الوارث أو الأجنبي.
ولا خلاف أن للوارث إمساك عين التركة وقضاء الدين من ماله لأن للمورث فعل ذلك ووارثه خليفته فله أن يفعل ذلك.
والصحيح أن تعلق الدين بالتركة لا يمنع الإرث الذي يلزمه قضاؤه وهو الأقل من قيمة الموروث والدين فإن استويا تخير أو نقصت القيمة لم يلزمه أكثرَ منها لأن تعلق الدين بالميراث مثل حق المرتهن بالمرهون. قال تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) النساء11. فلا يتعلق الدين بزوائد التركة ككسب ونتاج لأنها حدثت في ملك الوارث.
? كتاب التفليس ?
هو لغة: النداء على المدين الذي لا يملك وفاءً وشهره بصفة الإفلاس المأخوذ من الفلوس التي هي أحسن الأموال. وشرعا: إيقاع وصف الإفلاس من الحاكم على الشخص الذي لا يملك وفاءً. فقد روى مسلم عن أبي هريرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فَيُعْطَى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإذا فنيت حسناته قبل أن يُقْضَى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار)).
فالمفلس إذن هو الذي لا مال له ولا ما يدفع به حاجته وأما عند الفقهاء فهو من دينُهُ أكثر من ماله وخرجه أكثر من دخله والأصل فيه ما رواه الدار قطني وغيره عن كعب بن مالك (أنه صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ وباع عليه ماله وقسمه بين غرمائه فأصابهم خمسة أسباع حقوقهم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ليس لكم إلا ذاك).
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/283)
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: أٌُصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال: (تصدقوا عليه) فلم يبلغ وفاءَ دينِهِ، فقال: (خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك).
مَنْ عليه ديون حالّة زائدةٌ على ماله يُحْجَرُ عليه في ماله بسؤال الغرماء من الحاكم بلفظ حجرت ومنعت فقد حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم على معاذ رضي الله عنه بسؤال العلماء ولا حجر بدين الله تعالى من نذر وكفارة ولا بالمؤجل إذ لا مطالبة به في الحال وإذا حُجِرَ بحالٍّ لم يحلَّ المؤجل في الأظهر لأن الأجل مقصود فلا يفوّت عليه وقيل يحل لتعلق الدين بالمال فسقط الأجل كالموت ولو كانت الديون بقدر المال فإن كان كسوباً ينفق من كسبه فلا حجر لعدم الحاجة إلى الحجر بل يلزمه الحاكم بقضاء الدين فإن امتنع باع عليه وإن لم يكن كسوباً وكانت نفقتُهُ من ماله فكذا أي فلا حجر عليه في الأصح وقيل يحجر عليه لحق الغرماء حتى لا يضيع ماله في النفقة. ولا يحجر بغير طلب من الغرماء فلو طلب بعضهم الحجر ودينُه قدر يحجر به بأن كان زائداً على مال المدين حُجِرَ وإلا أي إن لم يزد الدين على ماله فلا حجر فإذا حجرنا عليه فإن أثر الحجر لا يختص بالطالب بل يعم جميع الغرماء ويحجر بطلب المفلس في الأصح لكن بعد دعوى الغرماء بالدين وثبوته ببينة أو إقرار ولا يكفي علم القاضي وقيل بدون دعوى الغرماء لأن له فيه غرضاً ظاهراً وهو التخلص من الدين وصرف ماله فيه فإذا حُجِرَ عليه بطلب أو بدونه تعلق حق الغرماء بماله كالرهن عيناً كان ماله أو ديناً حتى لا ينفذ تصرفه في المال بما بضر الغرماء وحتى لا تزاحمهم الديون الحادثة بعد الحجر. وأشهد الحاكم ندباً على حجره على المفلس ليحذر الناس معاملته ويسن أن يعلن الحاكم في وسائل الإعلام الحجر عليه وبالحجر عليه يمتنع عليه التصرف في أمواله وحينئذ لو باع أو وهب أو أبرأ من دين ولو مؤجلاً أوأعتق أو وقف أو آجر ففي قول يوقف تصرفه مع إثمه فإن فضل ذلك عن الدين لارتفاع القيمة أو إبراء بعض الغرماء نفذ تصرفه وإلايفضل شيء لغا تصرفه والأظهر بطلانه حالاً لتعلق حق الغرماء بما تصرف فيه فلو باع ماله لغرمائه بدينهم من غير إذن القاضي بطل في الأصح مخافة أن يظهر غريم آخر أما البيع بإذن الحاكم فجائز. وقيل يصح لأن الأصل عدم وجود غرماء آخرين فلو باع سلماً أو اشترى شيئاً في الذمة فالصحيح صحة سلمه وشرائه ومثله لو اقترض أم استأجر ويثبت المبيع والثمن ونحوهما في ذمته إذ لا ضرر على الغرماء فيه ويصح نكاحه وطلاقه وخلعه ورجعته واقتصاصه إذا طلب استيفاء القصاص وإسقاطه القصاص ولو مجازاً لأنه لا ضرر في ذلك على الغرماء.
ولو أقرَّ بعين أو دين وجب قبل الحجر بمعاملة أو إتلاف أو غير ذلك فالأظهر قبوله في حق الغرماء فيزاحم المُقَرُّ له الغرماء في الدين كما لو ثبت بالبيّنة لأن في الإقرار ضرر عليه أكثر منه في حق الغرماء فتبعد التهمة بالمواطأة وإن أسند وجوبه إلى ما بعد الحجر بمعاملة أو مطلقاً أي لم يقيده بشيء لم يقبل في حقهم فلا يشاركهم في المال لأنه قصر في معاملة المفلس وبالإطلاق نزل إلى أدنى مراتب الحق وهي المعاملة أيضاً فهو حين أطلق لم يصرح إن كان الدين قبل الحجر أو بعده وإن قال عن جناية بعد وقوع الحجر قُبِلَ في الأصح لعدم تفريط المُقَرِ له فيشارك الغرماء وله أن يردَّ بالعيب ما كان اشتراه قبل الحجر إن كانت الغِبْطةُ لأن الردَّ بالعيب من توابع البيع السابق وليس ابتداء بيع جديد والأصح تعدي الحجرُ إلى ما حدث بعده بالاصطياد والهبة والوصية والشراء بالذمة إن صححناه وهو المعتمد والأصح أنه ليس لبائعه أي بائع المفلس في الذمة أن يفسخ ويتعلق بعين متاعه إن علم الحال لتقصيره وإن جهل فله ذلك لعدم تقصيره لأن الإفلاس كالعيب يفرق فيه بين العلم والجهل وإن لم يمكن التعلق بها بعين متاعه بأن علم الحال لا يزاحم الغرماء بالثمن لأنه دين حدث برضاه فإن فضل شيء بعد قضاء دينهم أخذه وإلا انتظر اليسار. أما الإتلاف وأرش الجناية فيزاحم المجني عليه الغرماء في الدين لعدم تقصير المجني عليه.
? فصل في بيع مال المفلس وقسمته ?
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/284)
يبادر القاضي بعد الحجر على المفلس ببيع ماله وقسمته أي قسمة الثمن بين الغرماء بنسبة ديونهم لئلا يطول الحجر ولا يفرط في الاستعجال حتى لا يُطمعُ فيه بثمن بخس ويبادر إلى بيع ما يخشى فساده ويقدم ما يخشى فساده كالفواكه والخضار ثم الحيوان لحاجته إلى النفقة وكونه معرضاً للتلف ثم المنقول مخافة السرقة ثم العقار للأمن عليه من التلف والسرقة وليبع بحضرة المفلس وغرمائه أو وكلائهم لأن ذلك أنفى للتهمة وأطيب للنفوس.
كل شيء في سوقه لأنه مكان اجتماع طالبيه ويشهر بيع العقار استحباباً في وسائل الإعلام بثمن مثله حالاً من نقد البلد وجوباً لأن الثمن يتعلق به حقوق الغرماء فمن مصلحتهم أن يكون حالاً من نقد البلد ثم إن كان الدين من غير جنس النقد الذي بيع به مال المفلس ولم يرضَ الغريمُ إلا بجنس حقه اشترى له جنس حقه وجوباً لأنه واجبه وإن رضي بغير جنس حقه جاز صرف النقد إليه إلا في السلم لامتناع الاعتياض عن السلم فيه وهو يشمل النقد وغيره وقد علمنا سابقاً جواز السلم في النقد ولا يسلِّم الحاكم أو مندوبه مبيعاً قبل قبض ثمنه احتياطاً لحفظ مال الغرماء وإذا تلف الحق ضمنه الحاكم أو مندوبه وما قبض الحاكم أو مندوبه قسمه بين الغرماء بنسبة ديونهم مسارعة لبراءة الذمة إلا أن يعسر قسمه لقلته وكثرة الديون فيؤخر ليجتمع فإن أبى الغرماء قسمه بينهم ولا يكلفون عند القسمة ببيّنة بأن لا غريم غيرهم لأن الحجر اشتهر ولو وجد غريم آخر لظهر فلو قسم فظهر غريم شارك بالحصة لأنه بمشاركتهم حصل المقصود وقيل تنقض القسمة كما لو قسمت التركة فظهر وارث وهو مردود بأن حق الغريم حاصل بالمشاركة دون النقض ولو خرج شيء باعه قبل الحجر مُسْتَحقاً والثمن الذي قبضه المفلس تالف فكدين أي أنه حكم دين ظهر بعد القسمة فيشارك الغرماء من غير نقض القسمة كما ذكرنا وإن استحق شيء باعه الحاكم أو مندوبه وثمنه تالف بتوزيعه على أصحاب الاستحقاق قدم المشتري بالثمن على باقي الغرماء حتى لا يرغب الناس على شراء مال المفلس مخافة أن يخرج مستحقاً فتقديم مشتري العين المستحقة من مصلحة العقد وفي قول يحاصر الغرماء كسائر الغرماء وهذا مدفوع بما ذكر من رغبة الناس عن شراء مال المفلس وينفق الحاكم على المفلس و على من عليه نفقته من الزوجات والأقارب من طعام وكسوة وسكن إلا أن يستغني بكسب فإن لم يَفِ كسبُه كُمِّلَ له ما يكفيه من النفقة ويباع مسكنه إن كان محتاجاً إليه وخادمه ومركوبه في الأصح وإن احتاج إلى مركوب وخادم لزمانته ومنصبه حتى ولو كان محتاجاً لهما أو لأحدهما لضيق حق الآدمي مع إمكان استئجار مسكن أو مركوب أو خادم. وقيل يترك المسكن فقط وهو بعيد إذ حق الغرماء شاغل لجميع ماله.
ويترك له دست ثوب يليق به أي كسوة كاملة ولو مستعملة فإن كانت عنده اكتفينا بها وإلا اشْتُرِيَ له ثياب كاملة لأن الحاجة إلى الكسوة كالحاجة إلى الطعام. ودست الثوب هو قميص وسراويل وعمامة ومِكْعَب وهو ما يلبس في الرجل ويزاد في الشتاء جبة محشوة ترد البرد هذا بالنسبة للرجل وللمرأة ما يليق بها ولا بأس بفروة إذا كان البرد شديداً وهي ثوب سابغة لها ظهارة من القماش وبطانة من جلد الأنعام ولا بأس بالطيلسان إن اعتاد لباسه.
ويترك قوت يوم القسمة للمفلس ولمن عليه نفقتُهُ من زوجات وأقارب وليس عليه بعد القسمة أن يكتسب أو يؤجر نفسه لبقية الدين لأن الله سبحانه وتعالى إنما أمر بإنظار المعسر ولم يأمره باكتساب قال تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) البقرة280. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرماء معاذ (ليس لكم إلا ذلك) فخرج لكل واحد خمسة أسباع دينه.
والأصح وجوب إجارة أمِّ ولده والأرض الموقوفة عليه لبقية الدين لأن المنفعة كالعين في الوفاء وقيل المنفعة لا تعد مالاً حاصلاً ولو قلنا بهذا لأوجبنا دوام الحجر إلى قضاء الدين وهو مستبعد.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/285)
وإذا ادعى المدين أنه معسر أو قسم ماله بين غرمائه وزعم أنه لا يملك غيره وأنكروا أي أنكر الغرماء زعمه فإن لزمه الدين في معاملة مال كشراء أو قرض فعليه البيّنة فعليه البينة بالإعسار وبأنه لا يملك غيره وإلا فيصدق بيمينه في الأصح كأرش جناية أو ضمان مُتْلَفٍ لأن لزوم المال عليه من غير اختياره ومن المسائل كثيرة الوقوع أن يحلف أن يؤدي دين فلان يوم كذا من شهر كذا ثم ادعى الإعسار قبل الأجل فلا يحنث إلا أن يكون له مال ولو كان بعيداً يمكن إحضاره أو بيعه أو استبداله. وتقبل بينة الإعسار في الحال وهي رجلان وشرط شاهده أي الإعسار خبرة باطنه لطول مجاورة وطول مخالطة لأن الأقوال تخفى فلا يكتفي بمجرد الظاهر وهو أمر يقع فيه الكثيرون بالحكم على حال إنسان ناسين تصنعه وكذبه وبخله وعدم اهتمامه بلباسه أو بيته أو مأكله وأولاده. وليقل الشاهد هو معسر ولا يمحض النفي كقوله: لا يملك شيئاً بل يقيده كقوله لا يملك إلا قوت يوم أو يومين وليس عنده إلا لباسَ بدنه لأن الإجمال ليس من وظيفة الشاهد بل وظيفته التفصيل ليرى فيه القاضي ويحكم على حسب ما يراه وإذا ثبت إعساره عند القاضي لم يجز حبسه ولا ملازمته بل يمهل حتى يوسر للآية (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) بخلاف من لم يثبت إعساره فيجوز جبسه وملازمته ولا يعامل الناس بصفة واحدة بل لا بد من التمييز بين أهل الصدق وأهل الخديعة وبين من قدم بينة لقوله ومن لا بينة له. ولا يحبس المريض ولا المخدرة وهي التي لم تعتد الخروج من دارها ولا ابن السبيل بل يوكل بهم من يعرف حالهم وعلى الموسر أداء ما عليه فوراً فإن امتنع وله مال ظاهر وفّى منه وإن كان الدين من غير جنسه باع عليه الحاكم وأدى عنه وإن كان في غير محل ولايته ألزمه القاضي بالبيع بحبسٍ أو تعزير لما روى أحمد وغيره عن عمر بن الشريد عن أبيه (ليُّ الواجدِ ظلم يحل عرضه وعقوبته) وفي رواية أخرى (مطل الغني ظلم) ولا يكون الحبس ولا التعزير ولا المضايقة إلا بعد مطالبة لأنه لا يكون مطل إلا بعد مطالبة.
والغريب العاجز عن بينة الإعسار لا يُحْبَسُ بل يوكل القاضي به وجوباً مَنْ أي شاهدين أو أكثر يبحث عن حاله فإذا غلب ظنه إعساره شهد به لئلا يتخلد في الحبس والأصح يوكل به قبل حبسه وإن خاف هربه أو اختفاءه فليوكل من يراقبه ولو حبست المرأة في دين من غير إذن زوجها سقطت نفقتها مدة الحبس لأنها معتدية على حق الزوج.
? فصل في رجوع بائع المفلس بما باعه قبل الحجر ولم يقبض ثمنه ?
من باع شيئاً في الذمة ولم يقبض الثمن أي لم يقبض شيئاً ولو قليلاً من قيمته حتى حجر على المشتري بالفلس أي بسبب إفلاسه فله أي البائع فسخ البيع من غير إذن حاكم لوجود إذن الشرع. فقد روى الشيخان عن أبي هريرة (إذا أفلس الرجل ووجد البائع سلعته بعينها فهو أحق بها من الغرماء)، وفي رواية لهما (من أدرك ماله بعينه عند رجل وقد أفلس فهو أحق به من غيره). ولا فسخ قبل الحجر على المشتري بالفلس والأصح أن خياره أي خيار البائع بالفسخ على الفور كخيار العيب بجامع دفع الضرر والأصح أنه لا يحصل الفسخ بالوطء إن كان المبيع أمه والإعتاق للرقيق من البائع والبيع والهبة من البائع وتلغو كل هذه التصرفات وإنما يحصل بقوله أي البائع بعد امتناع المشتري عن السداد أو ثبوت الحجر فسخت البيع أو نقضته وله أي للبائع الرجوع أي الفسخ في سائر المعاوضات التي كالبيع كالإجارة والقرض والسلم على أن يكون الرجوع بالقول ثم إن المعاوضات حصلت قبل حجر على المشتري وأن العين المباعة لم يتعلق بها حق لأحد وأن الثمن دين حالٌّ وقد تعذر حصوله بسبب الإفلاس ولذا قال وله أي الرجوع في المبيع شروط منها كون الثمن حالّاً في أصل البيع أو حلَّ قبل الحجر وأن يتعذر حصوله أي حصول الثمن بالإفلاس أي بسبب الإفلاس فلو لم يكن مفلساً ولكن امتنع من دفع الثمن مع يساره أو هرب أو مات وليئاً وامتنع الوارث من التسليم فلا فسخ في الأصح لإمكان الاستيفاء بالسلطان إن كان عادلاً يقيم الحق وإلا ثبت له الفسخ لتعذر الوصول إلى حقه حالاً وتوقعه مآلاً فأشبه المفلس ولو قال الغرماء لمن له حق الفسخ لا تفسخ ونقدمك بالثمن فله الفسخ إن شاء لما في التقديم من المنة ولأنه قد يظهر غريم آخر فلا يرجى بتقديمه فتقع المنازعة ومن الشروط كون المبيع باقياً في ملك
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/286)
المشتري فلو فات ملكه بتلف أو بيع أو إعتاق أو وقف أو هبة أو كاتب العبد أو الأمة كتابة صحيحة لا فاسدة فلا رجوع لخروج العين عن ملك المفلس ولايمنع من الرجوع التزويج والإجارة فيأخذ البائع المبيع مسلوب النفعة أو يضارب الغرماء ومن الشروط أن لا تتعلق به جناية أو رهن وأن لا يكون البائع محرماً والمبيع صيدٌ. ولو تعيب المبيع بما لا يضمن كأن تعيب بآفة أو جناية حربي أخذه البائع ناقصاً بلا أرش أو ضارب بالثمن كبقية الغرماء أو كان العيب بجناية أجنبي يضمن أرشَ الجناية أو عيبه البائع بعد قبض المشتري فله إما المضاربة بثمنه كاملاً أو أخذه ويضارب من ثمنه بنسبة نقص القيمة الذي استحقه المشتري نسبة إلى قيمة المبيع.
و حكم جناية المشتري كآفة في الأصح لأن العيب وقع في ملكه ولو تلف ما يمكن أن يفرد بعقد كأن تلف أحد العبدين أو أحد الثوبين ثم أفلس وحجر عليه أخذ الباقي وضارب بحقه التالف بشرط أن لا يكون أخذ شيئاً من ثمنهما فلو كان قبض بعض الثمن رجع في الجديد لأنه ثبت له الرجوع في كل منهما ولا نظر لتفريق الصفقة لأن مال المفلس كله مبيع والقديم يمنع الرجوع ويضارب الغرماء. فإن تساوت قيمتهما وقبض نِصْفَ الثمن أخذ الباقي بباقي الثمن ويكون ما قبضه من مال هو مقابل التالف وفي قول يأخذ نصفه أي نصف الباقي بنصف باقي الثمن ويضارب بنصفه فيكون المقبوض في مقابلة نصف التالف ونصف الباقي. والقديم أظهر وإن كان حديثه مرسلاً فقد وصله بعضهم فقد روى الدار قطني وأبو داود والبيهقي من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (أيما رجل باع متاعاً فأفلس الذي ابتاعه ولم يقضِ البائع من ثمنه شيئاً فوجده بعينه فهو أحق به وإن كان قد اقتضى من ثمنه شيئاً فهو أسوة بالغرماء)، ووصله عبد الرزاق في مصنفه عن مالك.
وعلى الجديد لو لم يتلف شيء من المبيع وكان قبض بعض الثمن رجع في المبيع بقسط الباقي من الثمن فإن كان قبض نصفه رجع في النصف وعلى القديم يضارب كما ذكرنا.
ولو زاد المبيع زيادة متصلة كسمن وصنعة فاز البائع بها فيرجع فيها مع الأصل والمنفصلة كالثمرة والولد الحادثين بعد البيع للمشتري ويرجع البائع في الأصل فإن كان الولد صغيراً أو بذل البائع قيمته أخذه مع أمه لأن التفريق ممتنع ومال المفلس كله مبيع وإلا أي إذا لم يبذل البائع قيمة الولد فيباعان معاً وتصرف إليه حصةُ الأمِ من الثمن وحصة الولد للغرماء حتى لا تفرق الصفقة وحتى يصل كلٌ إلى حقه وقيل لا رجوع إن أبى بذل قيمة الولد بل يضارب الغرماء في قيمتها ولو كانت حاملاً عند الرجوع دون البيع أو عكسه أي كانت حاملاً عند البيع دون الرجوع بأن انفصل الولد قبل الرجوع فالأصح تعدي الرجوع إلى الولد لأنه لما تبع الولد في البيع فيتبع في الردِّ والحمل عادة يُعْلم فكأنه باع عينين فإذا فسخ رجع بهما.
واستتار الثمر بكِمَامه أي بأوعية الطلع وظهوره بالتأبير أي بتشقق الطلع قريبٌ من استتار الجنين وانفصاله فإذا كانت الثمرة على النخيل عند المبيع غير مؤبرة وعند الفسخ مؤبرة فهي كالحمل عند البيع رجع فيها أي يتعدى الرجوع إلى الثمرة المؤبرة وهي حينئذ أولى بتعدي الرجوع إليها من الحمل لرؤيتها دونه وعلى هذا كان الحكم جازماً بأنها للبائع ولم يكن ذلك الحكم موجوداً في الحمل ولو غرس المشتري الأرض المبيعة له أو بنى فيها ثم أفلس فحجر عليه فإن اتفق الغرماء والمفلس على تفريغها مما فيها فعلوا لأن الحق لهم وأخذها البائع لأنها عين ماله وإن امتنعوا من القلع لم يجبروا عليه لأنه وضع بحق فيحترم حقه بل له أي البائع أن يرجع في البيع ويتملك الغراس والبناء بقيمته وقت التملك دون أجرة القلع لأننا لم نقلع وله أن يقلع ويغرم أرش نقصِهِ مقلوعاً عنها قائماً مستحق القلع لا الإبقاء والأظهر أنه ليس له أن يرجع فيها أي في الأرض ويبقى الغراس والبناء للمفلس لما في ذلك من ضرر لأن قيمة الغراس أو البناء تنقص بلا أرض وإنما جاز الرجوع لدفع الضرر ولا يزال الضرر بالضرر.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/287)
ولو كان المبيع حنطة فخلطها بمثلها أو دونها ثم حجر عليه فله أي البائع بعد الفسخ أخذ قدر المبيع من المخلوط ويكون مسامحاً في أخذه الدون كما يسامح بالنقص الحادث في العيب أو بأجود منها فلا رجوع للبائع في الأظهر ضرراً من الأضرار بالمفلس وقيل يباعان ويوزع الثمن على نسبة قيمتيهما ولو طحنها أي الحنطة المبيعة له أو قَصَرَ الثوب المبيع له ثم حجر عليه قبل أداء الثمن فإن لم تزد القيمة أي بقيت على حالها أو نقصت رجع البائع ولا شيء للمفلس لأن المبيع موجود من غير زيادة. وإن زادت بالقصر أو الطحن فالأظهر أنه يباع وللمفلس مِنْ ثمنه نسبة ما زاد لأنها زيادة حصلت بفعل متقوَّم فوجب أن لا يضيع عليه فإن كانت قيمته خمسة وبلغت بما فعل ستة كان للمفلس سُدُسُ الثمن في صورة البيع أو سدس القيمة إذا أخذه البائع. ولو صبغه المشتري بصبغة فإن زادت القيمة بسبب الصبغ قدر قيمة الصبغ كأن كانت قيمة الثوب ستين وقيمة الصبغ عشرين فقد صار ثمن الثوب مصبوغاً ثمانين رجع البائع في الثوب والمفلس شريك بالصبغ فيباع الثوب ويكون الثمن بينهما أرباعاً أو كانت الزيادة أقلَّ من قيمة الصبغ كأن صارت سبعين فالنقص على الصبغ لأن الصبغ مستهلك في الثوب والثوب قائم بحاله فيباع ويكون للبائع ستة أسباع وللمفلس سُبُعُهُ فقط. أو زادت القيمة أكثر من قيمة الصبغ كأن صارت مائةً وعشرين فالأصح أن الزيادة للمفلس فيباع ويكون الثمن بينهما نصفين ولو اشترى منه الصبغ والثوب وصبغه به ثم حُجِرَ عليه رجع فيهما الصبغ والثوب إلا ألا تزيد قيمتهما على قيمة الثوب قبل الصبغ فيكون فاقداً للصبغ فيضارب بثمن الصبغ ولو اشتراهما من اثنين أي اشترى الثوب من واحد والصبغ من واحد فصبغ الثوب ثم حجر عليه وأراد البائعان الرجوع فإن لم تزد قيمته مصبوغاً على قيمة الثوب قبل الصبغ فصاحب الصبغ فاقدٌ له فيضارب بثمنه وصاحب الثوب واجد له فيرجع فيه وإن زادت بقدر قيمة الصبغ اشتركا في الرجوع في الثوب والصبغ فإن لم تزد بقدر قيمة الصبغ فالنقص عليه فإن شاء رجع به ناقصاً أو ضارب بثمنه، وأما صاحب الثوب فواجدٌ له فيأخذه ولا شيء عليه وإن زادت على قيمتهما كأن كانت قيمة الثوب ستين والصبغ عشرين وصار قيمته مائة فالأصح أن المفلس شريط لهما بالزيادة وهي الخُمُسُ في مثالنا، ولو كان المُشْترى هو الصبغ وحده وزادت قيمته مصبوغاً على قيمته غير مصبوغ فهو شريك به.
? باب الحجر ?
وهو لغة: المنع، وشرعاً: منع من تصرف خاص بسبب خاص، وتقول العرب: احتجر الأرض عن غيره أي جعل لها معالم في حدودها ليحرزها ويمنعها به عن الغير، والأصل فيه قوله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح) النساء6، وقوله تعالى: (فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً ... ) وفسَّر الشافعي السفيه بالمبذر والضعيف بالصبي والكبير بالمختل والذي لا يستطع أن يملَّ بالمغلوب على عقله فأخبر الله تعالى أن هؤلاء ينوب عنهم أولياؤهم فدل على ثبوت الحجر عليهم.
والحجر المقصود بالباب الحجر عن التصرفات المالية. والحجر نوعان حجر شرع لغير المحجور عليه، وحجر لمصلحة نفس المحجور عليه. الأول خمسة أضرب حجر الراهن لحق المرتهن، وحجر المفلس الغرماء، وحجر المريض لحق الورثة، وحجر العبد والمكاتب لحق السيد، وحجر المرتد لحق المسلمين. الثاني: ثلاثة أضرب، حجر المجنون ويثبت بمجرد الجنون ويرتفع بالإفاقة وتنسلب منه الولايات واعتبار الأقوال، فمن عامله فهو المضيّع لماله وما دام باقياً يجوز استرداده، وحجر الصبي، والثالث حجر السفيه المبذر لماله ومقصود الباب.
هذه الأضرب الثلاثة: منه حجر المفلس لحق الغرماء والراهن للمرتهن والمريض للورثة بالنسبة لتبرع بما زاد عن ثلث التركة وللغرماء مطلقاً والعبد لسيده والمرتد للمسلمين ولها أبواب تقدم بعضها ومقصود الباب حجر المجنون والصبي والمبذر وأعمها الحجر على المبذر فبالجنون تنسلب الولايات الثابتة شرعاً كولاية النكاح والوصية والقضاء لأنه إذا لم يلِ أمر نفسه فأمر غيره أولى واعتبار الأقوال له وعليه من دينية ودنيوية كالمعاملات لعدم وجود القصد منه ويرتفع حجر المجنون بالإفاقة من الجنون من غير فك قاضٍ لأنه ثبت من غير قاضٍ وحجر الصبي يرتفع ببلوغه رشيداً لقوله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/288)
رشداً) النساء6. والابتلاء الاختبار والامتحان والرشد ضد الغي والبلوغ يحصل باستكمال خمس عشرة سنة هلالية أو خروج المني ووقت إمكانه استكمال تسع سنين. قال الإمام الشافعي: ردَّ النبي صلى الله عليه وسلم سبعة عشر صحابياً وهم أبناء أربع عشرة سنة لأنه لم يرهم بلغوا وعرضوا عليه وهم أبناء خمس عشرة سنة فأجازهم منه زيد بن ثابت ورافع بن خديج وعبد الله بن عمر. قال ابن عمر: (عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم في جيش وأنا ابن أربع عشرة فلم يقبلني وعُرضت عليه من قابل وأنا ابن خمس عشرة فأجازني ورآني بلغت) رواه الشيخان.
وأما البلوغ بالاحتلام وخروج المني فقد قال تعالى: (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلُمَ) النور59. ولما روى أبوداود وغيره (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم ... ) وروى أبوداود أيضاً (لا يُتْمَ بعد احتلام).
ونبات العانة يقتضي الحكم ببلوغ ولد الكافر فقد روى أصحاب السنن عن عطية القرظي قال: (عُرضنا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة وكان من أنبت قُتل ومن لم ينبت خُليَّ سبيله فكنت ممن لم ينبت فَخُليَّ سبيلي) صححه الترمذي وقال الحاكم على شرط الشيخين. قال البغوي ويلحق بالعانة الإبط دون اللحية والشارب لا المسلم في الأصح لسهولة مراجعة أقاربه المسلمين والمسلم قد يستعجل الإنبات لرفع الحجر عنه ورغبته في تولي أموره وغيرها من الولايات العامة خلافاً للكافر لأنه يفضي به إلى القتل أو الجزية.
أما إذا تعذر مراجعة أقارب المسلم لموت ونحوه فيحكم عليه بالإنبات أيضاً وتزيد المرأة حيضاًً أي على ما ذكر من أسباب البلوغ الحيض فهو من أسباب البلوغ إجماعاً إلى جانب أسباب بلوغ الذكر وهي السن وخروج المني ونبات العانة.
والرشد صلاح الدين والمال أي حسن التصرف وقيل في المال فقط وهو تفسير قوله تعالى: (فإن آنستم منهم رشداً) فلا يفعل محرماً يبطل العدالة من فعل كبيرة أو إصرار على صغيرة ولم تغلب طاعاته معاصيه ولا يبذر بأن يضيع المال باحتمال غَبْنٍ فاحش في المعاملة وهو مالا يحتمل عادة بخلاف اليسير فلا يضر كبيع ما يساوي عشرة بتسعة أو رمية في بحر أو إنفاقه في محرم ولو مبلغاً زهيداً لأن ذلك يدل على خفة العقل وسوء التصرف والأصح أن صرفه في الصدقة ووجوه الخير بأنواعها والمطاعم والملابس والهدايا التي لا تليق به ليس بتبذير لأنه له فيه غرضاً صحيحاً هو الثواب أو التمتع ومن أقوالهم: لا سرف في الخير ولا خير في السرف. قال الماوردي: التبذير هو الجهل بمواقع الحقوق والسرف هو الجهل بمقاديرها ويختبر رشد الصبي في الدين والمال لقوله تعالى: (وابتلوا اليتامى) أي اختبروهم أما في الدين فبملاحظة حاله في أداء العبادات وتجنب المحظورات ومخالطة أهل الخير وتجنب أهل السوء وأما في المال فإنه يختلف بالمراتب فيختبر ولد التاجر بالبيع والشراء بأن يعرف كيفية البيع وكيفية الشراء وكيفية عرض السلعة وضمها وكيفية نشر الثياب وطيها والمماكسة فيها أي يحسن المساومة فيطلب أكثر مما يريد المشتري وأنقص مما يريد البائع وولد البقال والعطار كولد التاجر وولد الزرَّاع بالزراعة والنفقة على القُوَّام بها أي كيفية الزراعة ودفع الأجر لمن يقوم بمصالح الزراعة والمحترف يختبر بما يتعلق بحرفته أي حرفة أبية وأهله ويختبر من لا مهنة لأبيه بطريقة الإنفاق على الأسرة واختيار الطعام والثياب المناسبة والمرأة تختبر بما يتعلق بالغزل والقطن والخياطة وحفظ الأولاد وكل امرأة تختبر بالمهنة التي تلائمها والوضع الذي يناسبها وصون الأطعمة عن الهرة ونحوها كحفظ الطعام في الثلاجة وإبعاده عن أماكن الفساد وإحسان التصرف فيه وإحسان التصرف بثيابها وثياب زوجها وأولادها وأثاث بيتها فإذا ثبت رشدها فلا تحتاج في تصرفها لإذن زوجها.
أما الخبر: لا تتصرف المرأة إلا بإذن زوجها فهو حديث ضعيف وعلى افتراض صحته فقد حملوه على الندب لمزيد الأنس والمودة وصيانة لقوامة الرجل فقد اعتقت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ولم تُعْلِمْهُ فما عاب عليها ذلك مما يدل على أنها لا تحتاج إلى أذن زوجها.
ويشترط تكرر الاختيار مرتين أو أكثر بحيث يفيد غلبة الظن برشد المُخْتَبَرِ ووقته أي الاختبار قبلَ البلوغ وقيل بعده ليصح تصرفه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/289)
فعلى الأول أي قبل البلوغ الأصح أنه لا يصح عقده لعدم بلوغه بل يمتحن في المماكسة فقط فإذا أراد العقد عقد الولي لبطلان تصرفه قبل البلوغ فلو بلغ غير رشيد لاختلال صلاح الدين أو المال دام الحجر عليه لقوله تعالى:?فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم? سورة النساء آية6، إذا لم تبصروا منهم الرشد فلا تدفعوا لهم أموالهم.
وأما القول بأن المرأة لا تعطى مالها حتى تتزوج ولا تتصرف فيما يزيد على الثلث بغير إذن زوجها ما لم تصر عجوزاً فإن قائله استأنس له بأخبار منها أن امرأةً حلفت بعتق جارية ليس لها غيرها فحنثت ولها زوج فرد ذلك عليها زوجها فسأل النبي فأجاز له الرد وروي أن امرأة كعب بن مالك أتت النبي بحلي فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يجوز للمرأة عطية حتى يأذن لها زوجها، فهل استأذنت كعباً؟ فقالت نعم فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كعب فقال له: هل قبلت لها أن تتصدق بحليها قال: نعم فقبله) رواه ابن ماجه. وروى أبو داوود عن عبد الله بن عمرو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها) ولأن للزوج حق متعلق بمال المرأة فقال صلى الله عليه وسلم: (تنكح المرأة لمالها ولجمالها ولدينها) والعادة أن يزيد الزوج في مهرها من أجل مالها ويتبسط فيه وينتفع، والحق أن ذلك ليس للزوج إلا في ماله أما مالها في طليقة التصرف فيه ما لم يوجد مانع شرعي من ذلك، فقد قال تعالى:? فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ? وهو ظاهر في إطلاق التصرف وقد قال صلى الله عليه وسلم: (يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن) فتصدقن وقبل منهن ولم يسأل ولا استفصل هل رضي الزوج أم لم يرضَ، وأتته زينب امرأة عبد الله وامرأة أخرى فوقفتا ببابه وسألتاه عن الصدقة وهل يجزئهن أن يتصدقن على أزواجهن وأيتام لهن فقال: (نعم) والمرأة من أهل التصرف ولا حق لزوجها في مالها فلا يملك الحجر عليها فيه وأما ما استدل المانع به فهي أخبار لم يصّح شيء منها كما أن تحديدهم المنع بالثلث لم يرد في أي خبر أوردوه فهو تحكم ليس فيه توقيف ولا عليه دليل وأما فياسهم على المريض فمردود لأن تصرف المريض موقوف فإن برئ من مرضه صح تبرعه.
وإن بلغ رشيداً انفك بنفس البلوغ وأعطي ماله ولو امرأة لأنها كاملة التصرف بالرشد وقيل يشترط فك القاضي لأن الرشد يحتاج إلى نظر واجتهاد فلو بذَّر بعد ذلك أي بعد رشده حُجِرَ عليه أي يحجر عليه القاضي وقيل يعود الحجر بلا إعادة أي يعود بنفس التبذير وعدم الصلاح من غير حجر القاضي فيحجر عليه وليه لقوله تعالى: ? ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ? ولخبر الطبراني: خذوا على أيدي سفهائكم. ولو فُسِّق لم يحجر عليه في الأصح لأنه لم يثبت أنهم حجروا على الفسقة ولأن الفسق ليس مشروطاً بتضييع المال ومن حُجِرَ عليه بسفه أي تبذير طرأ فوليه القاضي لأنه وحده الذي يحجر ويسن إشهار الحجر ليمتنع الناس عن معاملته ويُرَدُّ أمره لأبيه فجده فسائر عصباته وقيل وليه في الصغر هو وليه بعد طروء السفه وهو الأب والجدُّ كما لو بلغ سفيهاً ولو طرأ جنون فوليه في الصغر لأن السفه يحتاج إلى اجتهاد ونظر أما الجنون فظاهر لا يحتاج إلى نظر. وقيل القاضي وليه كالسفيه ولا يصح من المحجور عليه لسفه حساً أو شرعاً بيع ولا شراء لغير طعام عند الاضطرار ومثله الصبي.
ولا إعتاق في حالة حياته أما أن يعتق بعد موته أو يوصي فذلك جائز ولا ينافي الحجر عليه ولا هبة لشيء من ماله ويقبل الهبة من الغير و لا نكاح بغير إذن وليه فلا يقبل النكاح لنفسه لأن ذلك إتلاف للمال أو مظنة الإتلاف وأما إذن الولي فمطلوب في جميع ما مر من بيع وشراء وإعتاق وهبة ونكاح فلو اشترى أو اقترض من رشيد وقبض بإذنه وتلف المأخوذ في يده أي في يد المحجور عليه أو أتلفه فلا ضمان في الحال ولا بعد فك الحجر سواء علم حالة مَنْ عامله أو جَهِلَ لتقصيره بعدم البحث مع تسليطه على إتلافه بإقباضه المبيع ونص في الأمِّ أنه يضمن بعد فك الحجر عنه أما لو قبضه من غير رشيد أو من رشيد بغير إذنه أو تلف بعد المطالبة فإنه يضمنه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/290)
ويصح بإذن الولي نكاحه أما لو نكح من غير إذن وليه ووطيء لم يلزمه شيء كما في معاملته لا التصرف المالي في الأصح لا بإذن وليه ولا بدونه وقيل يصح بإذن وليه إذا قدَّرَ الوليُ العوضَ أما من غير عوض كالهبة فلا يصح قطعاً.
ولا يصح إقراره بدين قبل الحجر أو بعده لعدم اعتبار عبارته وكذا لا يقبل إقراره بإتلاف المال في الأظهر لذلك فلا يطالب بذلك ولو بعد رشده ظاهراً أما باطناً فيلزمه إن صَدَقَ وقيل أيضاً إذا أقرَّ بعد رشده أنه أتلف في حال سفهه أنه يلزمه ويصح إقراره بالحدِّ إذ لا مال ولا تهمة فيقطع في السرقةوالقصاص وسائر العقوبات فإن عُفِيَ على مال ثبت المال لأنه باختيار الغير. وطلاقه وخلعه وظهاره وإيلاؤه ونفيه النسب لما ولدته زوجته بلعان واستلحاقه النسب يصح وإن كان له عوض دفع إلى وليه وحكمه في العبادة كالرشيد فيؤديها لأنها حقوق اجتمعت عليه، نعم نذره لا يصح إلا في الذمة وكفارته لا تكون إلا بالصوم أما صدقة التطوع فيحجر فيها عليه.
لكن لا يفرق الزكاة ولا غيرها كالنذر بنفسه فإنه تصرف مالي ولكن يجوز تفريقها بإذن وليه وقيل لا بد من حضور وليه مخافة إتلافه.
وإذا أحرم بحج فرض ولو نذراً أو قضاءً لما أفسده حال رشده أو سفهه أعطى الولي كفايته لثقة ينفق عليه في طريقه أو يخرج الولي معه لينفق عليه وإن حكم العمرة كالحج. وإن أحرم بتطوع من حج أو عمرة وزادت مؤنة سفره لإتيانه بالنسك على نفقته المعهودة في الحضر فللولي منعه من الإتمام والإتيان بالنسك. قال ابن الرفعة ليس له ولاية على ذاته فليس له المنع من أصل السفر بل ولايته على ما يفضي لضياع ماله.
والمذهب أنه كمحصر فيتحلل بعمل عمرة لأنه ممنوع من المضي في نسكه. قلت: ويتحلل بالصوم والحق مع النية إن قلنا لزم الإحصار يدل في أصح القولين لأنه ممنوع من المال. ولو كان في طريقه كسبٌ قَدْرَ زيادة المؤنة لم يجز منعه، والله أعلم لأن الإتمام بدون التعرض للمال ممكن.
? فصل فيمن يلي الصبي وكيفية التصرف في ماله ?
ولي الصبي أبوه إجماعاً ثم جده لأبيه ثم وصيهما أي وصي الأب إن لم يكن جدٌّ ووصي الجدِّ وشرطه العدالة ثم القاضي أو من ينصبه لما روى الترمذي وحسنه (السلطان ولي من لا ولي له). ورواه الحاكم وصححه ولا تلي الأم في الأصح كما في النكاح. قال الجرجاني إذا لم يوجد للصبي وليٌ أو وجد حاكم جائر وجب على المسلمين النظر في مال المحجور وتولي حفظه له. كما أنه من خاف على مال غائب ولم يمكن تخليصُهُ إلا بالبيع جاز له بيعه لوجوب حفظه على المسلمين وقيل تلي الأمُّ بعد الأب والجد وقيل وصيهما. ومثل الأم بقية الأقارب كالعم وابن العم لكن لهم حال غيبة الولي أو إذنه الانفاق على الصبي من ماله في تأديبه وتعليمه للمسامحة فيه ومثل الصبي المجنون الذي له نوع تمييز والسفيه كما مرَّ.
ويتصرف الولي بالمصلحة قال الله تعالى: ? ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ? [سورة الإسراء آية 34]. أي لا يتصرف تصرفاً لا نفع فيه ولو كان لا شرَّ فيه ويلزمه تنميته إن أمكن وخاصة شراء العَقار وتأدية الزكاة وإصلاح ماله من تقديم المؤن والصيانة والحفظ.
ويبني دوره بالطين والآجر أي الطوب المحروق لا اللبَِنَ أي الطوب الذي لم يحرق لضعفه وقلة دوامه والجِص وهو الجبس لقوته وتماسكه ولا يبيع عقاره لأن العقار أنفع مما سواه وأثبت للملك إلا لحاجة كخوف خرابه أو غصبه أو لإصلاح عقار غيره أو لكونه في غير بلده ويحتاج لمؤنة ومتابعة وقبض غلة أو غِبْطَةٍ كرغبة جار مضطر أو وجود غيره مثله بأرخص منه أو لثقل خراجه وكثرة مؤنته وله بيع ماله بعرض ونسيئة للمصلحة إذا رأى في ذلك مصلحة وإذا باع نسيئة أي لأجل اشترط يسار المشتري وعدالته وعدم مماطلته وزيادة معتبرة تليق بالتأجيل. وأشهد على البيع وارتهنبه أي يعمل من الأمور ما يحفظ الحق ويصونه ويأخذ له بالشفعة أو يترك بحسب المصلحة التي يراها فيأخذ بالشفعة إذا كانت الغبطة ظاهرة ويترك إذا كانت الفائدة مظنونة أو غير موجودة ويزكي ماله ويدفع زكاة الفطر عنه لأنه قائم مقامه وينفق عليه بالمعروف في جميع ما يلزمه من طعام وكسوة وتعليم وتأديب بما يليق بحاله من يسار وإعسار وينفق على أقاربه الذين تجب عليه نفقتهم بعد الطلب لا قبله لأن هؤلاء تسقط نفقتهم بمضي الزمان إلا إذا كان المُنفقُ عليه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/291)
مجنوناً أو طفلاً أوزمناً يعجز عن طلب حقه وإثباته فإذا ادعى بعد بلوغه على الأب والجد بيعاً أي ادعى الصغير بيعاً لماله ولو عقاراً بلا مصلحة صُدّقا باليمين لأن شفقتهما ظاهرة ومثله الأم إن كانت وصية وإن ادعاه أي الصبي على الوصي والأمين الذي نصبه القاضي صدق هو بيمينه لإمكان ذلك وقيل يصدق الولي مطلقاً لأن الأصل الأمانة وعدم الخيانة.
مسألة: سئل السبكي عن امرأة سفيهة كانت تحت الحجر فأقامت بيّنة برشدها ثم أحضر وليها بيّنة بسفهها أيهما تقدم؟ قال تقدم بيّنة السفه لأنها معها زيادة علم وهو ما كانت عليه وصورة المسألة أن تشهد بينة الرشد في الوقت الفلاني فتشهد بينةٌ بأنها كانت تشرب الخمر في ذلك الوقت أما إذا أطلقت البينةُ ولم تحدد الوقت فالوجه تقديم الرشد.
? باب الصلح والتنازع على الحقوق ?
الصلح لغة قطع النزاع وشرعاً: عقد يقتضي قطع النزاع وهو رخصة من المحضور وهو أنواع: صلح بين المسلمين والكفار وبين الإمام والبغاة وبين الزوجين عن الشقاق وصلح في المعاملة وهو مقصود الباب والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: ?والصلح خير ? [سورة النساء آية 128].
وأخبار منها:
- حديث أبي هريرة: الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حَرَّمَ حلالاً أو أحل حراماً رواه أبو داوود والبيهقي وابن حبان وصححه.
- وحديث ابن عمر: لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه. رواه الشيخان.
- وحديث أبو هريرة: لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبة على جداره، قال: فنكس القوم، فقال أبو هريرة: ما لي أراكم معرضين؟ والله لأرعينها بين أكتفافكم-أ] قال أبو هريرة: إني أعلن هذه السنة لتعلموها ولا تتركوها.
وأما قوله الأصلي: ألا صلحاً أحل حراماً كالصلح على خمر أو خنزير أو زناً، ومن الذي يحرّمُ حلالاً أن يصالح زوجته على أن لا يطلقها أو أن لا يسافر بها.
هو قسمان أحدهما يجري بين المتداعيين وبين المدعي والأجنبي أحدهما صلح على إقرار والآخر صلح على إنكار فإن جرى على عين غير المدعاة: كأن ادعى عليه داراً أو سيارة فأقر له بها، وصالحه على دكانٍ أو على سيارة غيرها. فهو بيع للعين المدعاة بلفظ الصلح فثبتت فيه أحكامه أي تثبت فيه أحكام البيع كالشفعة والرد بالعيب ومنع تصرفه في المصالح عليه قبل قبضه واشتراط التقابض للمصالح عنه والمصالح عليه إن اتفقا في علة الربا واشتراط التساوي بين المصالح والمصالح عليه إن كانا من جنس واحد أو جرى الصلح على منفعة دار فإجارة لمحل المنفعة تثبت أحكامها أي أحكام الإجارة أو جرى الصلح على بعض العين المدعاة كنصفها فهبة لبعضها لصاحب اليد عليها فتثبت أحكامها أي أحكام الهبة من إيجاب وقبول وإذن في القبض ولا يصح بلفظ البيع لعدم وجود الثمن والأصح صحته بلفظ الصلح كصالحتك من الدار على نصفها أو ثلثها لأن الخاصية التي يفقتر إليها لفظ الصلح هي سبق الخصومة، وقد حصلت، ويسمى هذا صلح المطيطة، وهو الصلح الجاري على بعض العين المدعاة، كمن صالح من الدار على نصفها، أو ثلثها كما ذكرنا، أو صالح من السيارتين على إحداهما.
ولو قال من غير سبق خصومة صالحني على دارك بكذا فأجابه فالأصح بطلانه لأن لفظ الصلح يستدعي سبق الخصومة، ولو عند غير قاضٍ، لأن اشتراط سبق الخصومة إنما هو ليوجد مسمى الصلح عرفاً، وذلك لا يتعلق بدعوى عند القاضي ولو صالح من دين على عين أو دين من ذهب أو فضة أو منفعة صح الصلح أو المصالح من عين على دين ذهب أو فضة فهو بيع تجري أحكامه أو على عين فهو سلم تجري أحكامه أيضاً فإن تواقفا في علة الربا كالصلح عن الذهب بفضه أو العكس اشترط قبض العوض في المجلس لتجنب الربا، فإن تفرقا قبل التقابض بطل الصلح وإلا أي وإن لم يتفقا في علة الربا المُصَالَحُ عليه، المُصَالَحُ به، كالصلح عن فضة بحنطة أو سيارة (فإن كان العوض عيناً لم يشترط قبضه في المجلس في الأصح) كبيع سيارة بدنانير ديناً في الذمة. وقيل يشترط لأن أحد العوضين دين، فيشترط قبض الآخر في المجلس، كرأس مال السلم أو ديناً اشترط تعيينه في المجلس كقوله صالحتك من الألف التي لي عليك على ثلاجة صفتها كذا وكذا، فيشترط التعيين في المجلس ليخرج عن بيع الدين بالدين المنهي عنه. وإن صالح من دين على بعضه كنصفه مثلاً فهو إبراء عن باقيه فقيل هو إسقاط وقيل هو تمليك ويصح بلفظ الإبراء والحط ونحوهما كأُسْقِطُ منك
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/292)
أو أُبْرَأْتُكَ أو وضعت عنك نصف الألف الذي لي عليك أو صالحتك من الألف على نصفه ومثله أحللتك وعفوت عنك وسامحتُكَ و يصح بلفظ الصلح في الأصح ولا يصح بلفظ البيع كنظيره في الصلح على العين، فقد روى الشيخان عن كعب بن مالك أنه طلب من عبد الله بن أبي حدود ديناً له عليه فارتفعت أصواتهما في المسجد حتى سمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهما ونادى: يا كعب، فقال لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشطر، فقال: قد فعلت، فقال صلى الله عليه وسلم: قم فاقضه. ولو صالح من حال على مؤجل مثله جنساً وقدراً وصفة أو عكس أي صالح من مؤجل على حال مثله كذلك لغا الصلح لأن الأجل لا يلحق ولا يسقط فلا يلزم الأجل في الأول، ولا إسقاطه في الثاني فإن عجّلَ المدينُ المؤجلَ صح الأداء وسقط الأجل لأنه حق لهما ولو صالح من عشرة حالّة على خمسة مؤجلة برأ من خمسة وبقيت خمسة حالّة لأنه سامح ببعض حقه، ووعده بتأجيل الباقي، والوعد لا يلزم لأن الأجل لا يسقط ولا يلحق كما ذكرنا ولا عكس أي صالح من عشرة مؤجلة على خمسة حالة لغا الصلح لأنه ترك الخمسة في مقابلة حلول الباقي، وهو لا يحل فلما لم يحصل الحلول فلا يصح الترك.
النوع الثاني: الصلح على الإنكار أو السكوت من المدعَى عليه، كأن ادعى عليه شيئاً فأنكره أو سكت فصالح عنه فيبطل للخبر السابق: إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً فإن المدعِي إن كان كاذباً فقد استحل مال المدعَى عليه، وهو من تحليل الحرام، وإن كان صادقاً فقد حرّمَ على نفسه ماله الذي هو حلال له وكذا إن جرى الصلح على بعضه أي على بعض المُدّعَى كنصف الدار في الأصح كما لو كان على غير المدعى، وقيل يصح لاتفاقهما على أن البعض مُسْتَحِقٌ للمدعي، ولكنهما مختلفان في جهة الاستحقاق، واختلافهما في جهة الاستحقاق لا يمنع الأخذ، أما لو تصالحا من دين مقداره ألف على خمسمائة في الذمة فإنه لا يصح جزماً لأنه لا يمكن تقدير الهبة لأن الهبة لا تجب إلا بالقبض وليس في الذمة، بخلاف الصلح على خمسمائة معينة فإنه لا يصح في قول وقيل يصح وقوله صالحني على الدار التي تدعيها ليس إقراراً في الأصح لاحتمال قطع الخصومة فقط، وهو لا يأتي عادة إلا بعد إنكار، أما إذا قال ابتداءً صالحني على الدار التي تدعيها فليس إقراراً قطعاً.
القسم الثاني من الصلح يجري بين المدعي والأجنبي فإن قال الأجنبي للمدعي وكّلَني المدّعَى عليه في الصلح عن المُدّعَي به وهو قولك به أو أخبرني أنه لك، أو وأنا أعلم أنه لك، وقد فهمت ذلك من كلامه صح الصلح بينهما لأن دعوى الإنسان الوكالة في المعاملات مقبولة إذا لم يدعِي المدّعى عليه الإنكار بعد دعوى الوكالة فإن أنكر عليه كان عزلاً فلا يصح الصلح عنه ولو صالح الأجنبي لنفسه بعين ماله أو بدينٍ في ذمته والحالة هذه أي وأن المدعَى عليه مقر صح الصلح للأجنبي وإن لم تجر معه خصومة لأن الصلح ترتب على دعوى وجواب وكأنه اشتراه بلفظ الشراء، ويجوز قضاء دين الغير من غير إذنه، فلو قال صالحني عن الألف الذي لك على فلان على خمسمائة صح وإن كان المُدّعَى عليه منكراً وقال الأجنبي هو مبطل في إنكاره وأنا على يقين أنك صادق فصالحني لنفسي بهذا أو بخمسة آلاف في ذمتي أو بديني الذي على فلان إذا أجزنا بيع الدين لمن ليس عليه. يريد بذلك أخذ العين المدعَى بها مِنْ المدعَى عليه فهو شراءٌ مغصوب فيفرق بين قدرته على انتزاعه فيصح وعدمها فلا يصح وإن لم يقل هو مبطل أو قال أنا لا أعلم صدقك، وصالح لنفسه أو للمدعَى عليه لغا الصلح لأنه شراء ما لم يثبت ملكه أو ما لم يعترف بتملكه. ولو كان المدعَى به ديناً وقال الأجنبي للمدعِي وكلني المُدّعى عليه لمصالحتك على نصف المدعَى أو على هذه الدار أو هذه السيارة فصالحه بذلك صح الصلح للموكِّل ولو صالح الأجنبي لنفسه في هذه الحالة فهو ابتياع دين في ذمة غير المصالح فالأصح عدم الصحة.
? فصل في التزاحم على الحقوق المشتركة ?
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/293)
الطريق النافذ ويعبر عنه بالشارع لا يُتَصرف فيه لعدم الاختصاص به بما يضر المارة لأن الحق فيه للمسلمين كافة ولا يشرع أي يخرجوا فيه جناح أي روشن وهو امتداد من البناء إلى الخارج، وهو ما يسمى البلكون، وهو يطلق على النافذة والكوة أيضاً، وسمي جناحاً لأنه يشبه جناح الطائر. ولا ساباط وهو سقيفة بين جدارين يضرهم وهو أن يكون له داران يكتنفان الطريق، فيصل بين سقفيهما بأخشاب أو غيرها، ثم يسقِّفها، ومثله أن يحفر سرداباً بينهما وتحت الطريق من واحدة إلى أخرى ما لم يطمئن إلى أنه لن ينهدم فيقطع الطريق أو يغوص به المارة بل يشترط لجواز فعله ارتفاعه بحيث ينتفي إضلام الموضع تحته وبحيث يمر تحته الماشي ومن على رأسه حمولة منتصباً إذا كان ممراً للمشاة فقط وإن كان ممر الفرسان والقوافل والسيارات فليرفعه وجوباً بحيث يمر تحته المحمل على البعير مع أخشاب المظلة فوق المحمل وهو ما يسمى المحارة، وكذا مرور السيارات بأنواعها وما تحمل فوقها عادة، وأما الذمي فيمنع من إخراج الجناح في شارع المسلمين لأنه كإعلاء بنائه على بنائهم بل هو أبلغ من ذلك. ويحرم الصلح على إشراع الجناح أو الساباط بعوض ولو مع الإمام لأن الهواء لا يفرد بالعقل وإنما يتبع القرار أي الأرض وما لا يضر المارة في الطريق يستحق الإنسان فعله من غير عوض كالمرور وكما يمتنع بناء الضار يمتنع إرسال ماء المجاري أو غيره للضرر، لما روى ابن ماجه عن ابن عباس وحسنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ضرر ولا ضرار).
ولما روى الإمام أحمد والبيهقي عن عبد الله بن عباس قال: كان للعباس ميزاب على طريق عمر فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة فأصابه ماءٌ بدم فأمر بقلعه فأتاه العباس فقال: والله إنه للموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أعزم عليك لما صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن جميع طرقه ضعيفة.
و يحرم أن يبنى في الطريق دَكَّةً أي مصطبة أو عتبة أو يغرس شجرة ولو اتسع الطريق وأذن الإمام وانتفى الضرر لأنه منع الناس من استحقاق الطروق الذي هو لهم من ذلك المكان، ولأنه إذا طال الزمان أصبح يشبه الأملاك فيملك، أما زراعة الشجر في المسجد فهو لجميع المسلمين، لذلك لا يمنعون ثمرها كالانتفاع بالمسجد، وأما غرس الشجر في الطريق فإن اتسعت وتحقق عدم الضرر أو زرع في موضع اختص به أصلاً فلا بأس بذلك. وقيل إن لم يضر جاز كإشراع الجناح، وهذا مردود بما تعلل من قبل. وغير النافذ يحرم الإشراع للجناح إليه لغير أهله بلا خلاف، وإن لم يضر لأنه ملكهم فأشبه الإشراع إلى الدور وكذا لبعض أهله في الأصح إلا برضا الباقين أي لا يصح الإشراع تضرروا به أم لم يتضرروا، وقيل له حق الانتفاع لأنه له حق الارتفاق بقراره فكذا بهوائه كالشارع، وفي الحالين يحرم الصلح على إشراعه بمال كما تقدم.
وأهله أي الدرب غير النافذ هم (من نفذ باب داره إليه لا من لاصقه جداره) من غير نفوذ بابه فيه لأن أولئك هم المستحقون الانتفاع به، فهم الملاك دون غيرهم وهل الاستحقاق في كلها أي في كل الطريق أم بجزء منها لكلهم لأنهم ربما احتاجوا إلى التردد أم تختص شركةُ كل واحد بما بين رأس الدرب وباب داره وجهان أصحها الثاني لأن المقدار هو محل تردده ومروره، وما بعده فهو فيه كالأجنبي، فعلم من ذلك أن من بابه آخر الدرب يملك وجميع ما بعد باب داره من الدرب فيمكن ضمه إلى بيته كما ويجوز له تقديم بابه لأنه مستحق الانتفاع بجميع الدرب. وليس لغيرهم فتح باب إليه للاستطراق إلا برضاهم لتضررهم بمرور الفاتح أو مرورهم عليه ولهم بعد الفتح برضاهم الرجوع متى شاءوا وإذا رجعوا امتنع مرور الفاتح ولا غرم عليهم بالرجوع متى شاءوا ولو واحد منهم لاشتراك الملك بينهم وأن الواحد كالجميع كما أنه لا يختص به وله فتحه إذا سَمَرَهُ في الأصح أي إذا أغلقه ودق عليه المسامير فله بعد ذلك فتحه لأن حق الاستطراق ثابت له فإذا سمره فقد امتنع من حقه مدة من الوقت ثم عاد إلى حقه ومن له فيه أي في الدرب باب ففتح أو أراد فتح باب آخر لم يكن موجوداً أبعد من رأس الدرب من بابه الأول فلشركائه أي الذين أبوابهم أبعد من القديم منعه أو أي واحد منهم لأنه بمثابة الجميع في حق الانتفاع والمنع حتى ولو أراد إغلاق الأول لأنه شاركهم
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/294)
الاستطراق في ملكهم فبما بعد بابه الأول ملك مَنْ أبوابُهم أبعدُ من بابه عن رأس الدرب. وإن كان أقرب إلى رأسه ولم يسد الباب القديم بل بقي يدخل منه ويخرج فكذلك لأن انضمام الثاني للأول يضرهم بتعدد المنفذ الذي يعطي صفة التميز له عليهم.
وإن سده أي القديم فلا منع لأنه تركٌ لبعض حقه، وكذلك لو كان في آخر الدرب بابان متقابلان وأراد أحدهما تأخير بابه فللآخر منعه لأن ما بعد بابيهما مشترك بينهما، فقد يؤدي ذلك إلى ضرر الشريك حيث يحكم بملك بقيتها لذي الباب المتأخر.
وقوله داران تفتحان إلى دربين مسدودين أو مسدود وشارع ففتح باباً بينهما لم يمنع في الأصح لأنه يستحق المرور في الدرب، ورفع الحائل بين الدارين تصرف في ملكه فلا يستطيع أحدٌ منعه حقه وحيث مُنِع فتح الباب فصالحه أهل الدرب بمال صح. فإن شرطوا مدة للفتح فهي إجارة في ملكهم فهي جائزة وإن أطلقوا أو شرطوا التأبيد فهو بيع جزء شائع من الدرب له فينزل في هذه الحالة منزلة واحد منهم ويجوز لمالك الدار فتح الكوَّات في جداره في الدرب سواءً أكان نافذاً أم لا، بل يجوز إزالة بعضه وتحويله إلى شباك سواء أأذنوا أم لم يأذنوا على أن لا يخرج من الشباك شيء إلى الدرب، وإلا كان كالجناح حتى وإن كان الخارج غطاءً للشباك، لأنه يؤدي إلى تضييق وإزعاج والجدار بين مالكين قد يختص بهما أحدهما ويكون ساتراً للآخر فقط وقد يشتركان فيه فالمختص به أحدهما ليس للآخر وضع الجذوع وهي أعمدة الخشب التي تحمل السقف ومثله أعمدة الحديد والأسمنت، حتى ولو كان الموضوع جذعاً واحداً عليه أي الجدار بغير إذن من مالكه هذا هو الجديد أما في القديم فيجوز ذلك لما روى الشيخان عن أبي هريرة لا يمنعنَّ أحدُكُم جاره أن يضع خشبةً على جداره وهو محمول على الحض على عمل الخير وليس على الوجود لأنه لا يحل مال امرئٍ مسلم إلا بطيب نفسه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: (إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم)، ثم قال: (لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس). رواه الحاكم وصححه. فلو رضي المالك بناءً على الجديد في المذهب وهو المعتمد بلا عوض فهو إعارة له الرجوع قبل البناء عليه فالعارية لا تلزم إلا بالتسليم وكذا بعده في الأصح حيث أن لصاحب العارية أن يعود فيها متى شاء وفائدة الرجوع تخييره أي المستعير بين أن يبقيه أي يبقي الجذوع في المكان الذي بنى عليه بأجرة أو يقلع ويغرم إرش نقصه الذي أحدثه لبناء المستعير ولذا قالوا بين قيمة الجذوع قائمة وقيمتها مقلوعة والمقصود هو البناء وقيل ليس له أن يقلع بل له أن يطلب الأجرة فقط، فإن أداها فلا قلع لأن القلع يتعدى إلى خالص ملك المستعير لأن الجذوع إذا رفعت أطرافها لم تتماسك على الجدار الثاني، وقيل ليس له الرجوع حتى ينهدم البناء لأن مضمون الإعارة هنا التأبيد كالإعارة لدفن الميت فإنه لا ينبش ولا أجرة حتى يعلم فناء الجثة ولكن لو رفع صاحبُ الجذوعِ الجذوعَ أو سقطت بنفسها فلا حق له بإعادتها والأول هو المعتمد أنها عارية فلصاحبها استردادها متى شاء وإلا امتنع الناس عن العارية.
وقيل فائدته طلب الأجرة فقط لأن القلع يضر المستعير كما ذكرنا ولو رضي بوضع الجذوع والبناء عليها بعوض فإن أجر رأس الجدار للبناء فهو إجارة كسائر الأعيان التي تستأجرُ للمنافع لكن لا يشترط فيه بيان المدة في الأصح لأنه عقد يَرِدُ عليه المنفعة وتدعو الحاجة إلى دوامه فلم يشترط التأقيت كالنكاح يشترط فيه التأقيت وإن قال بعته للبناء عليه أو قال بعت حق البناء أو الوضع عليه أو قال صالحتك على أن تضع الجذوع على الجدار ولم يقدر مدّة فالأصح أن هذا العقد فيه شوب بيع نظراً للفظه المقتضي كونه مؤبداً و شوب إجارة لأن المستحق به منفعة فقط إذ لا يملك المشتري فيه عيناً، فلو كانت إجارة محضة لاشترطنا الأجل أو بيعاً محضاً لكان رأس الجدار لصاحب الجذوع فإن بنى فليس لمالك الجدار نقضه بمال لأن العقد مستحق الدوام فلا يقلع لا مجاناً ولا بأرش ولو انهدم الجدار بعد أن بنى المشتري عليه فأعاده مالكه فللمشتري إعادة البناء لأنه حق ثابت له ولو لم يُعِدْ المالك بنائه فأراد صاحب الجذوع إعادته من ماله مُكِّن من ذلك وسواء كان الإذن بوضع الجذوع أو البناء عليه بعوض أو بغيره ويشترط بيان الموضع المبني عليه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/295)
طولاً وعرضاً وسَمْكِ الجدران أي ارتفاع الجدران إذا أخذ من أسفل إلى أعلى، أما إذا أخذ القياس من أعلى إلى أسفل فهو العمق وكيفيتها أي كيفية الجدران أهي مجوفة تحوي على عيون وفراغات منضدة حجرها بعضها فوق بعض وكيفية السقف المحمول عليها أو هو من خشب أو أسمنت أو حديد لأن الأغراض تختلف ولا يشترط معرفة وزن الأخشاب أو الحديد أو الأحجار، بل يكفي العرف في كل سقف متفق عليه ولو أذن في البناء على أرضه كفى بيان قدر محل البناء ولم يشترط تحديد سَمْكِ الجدار وعرضه ووزنه لأن الأرض تحمل كل شيء. فلا يختلف الغرض إلا بمساحة الأرض. وأما الجدار المشترك وبين اثنين مثلاً فليس لأحدهما وضع جذوعه عليه بغير إذن من الآخر في الجديد والقديم له ذلك كما ذكرنا وليس له أي لأحدهما أن يَتِدَ فيه وتداً أي يدق أو يثبت فيه ما يُعَلِّق عليه حاجاته أو يربط به بهائمه أو يفتح كوة أو شباكاً إلا بإذنه أو علمه برضاه كسائر المشتركات وإذا فتح بالإذن فليس له السد إلا بالإذن لأنه تصرف في ملك الغير وله أن يستند إليه وأن يسند إليه متاعاً لا يضر الجدار وله ذلك في جدار الأجنبي وكذلك لغيره لأنه لا ضرر على المالك في ذلك فلو منعه المالك فعليه الامتناع ولكن يكون ذلك تعنتاً وعناداً وليس له إجبار شريكه على العمارة في الجديد إذا انهدم الجدار أو هدماه كما لا يجبره على زراعة الأرض المشتركة لأن الممتنع يتضرر أيضاً والضرر لا يُزَالُ بالضرر نعم إن رغب في تأجيرها فيجبر شريكه على الإجارة إن امتنع عن الزراعة صيانة للأملاك المشركة.
فإن أراد الشريك إعادة مُنهَدم بآلة لم يمنع أي أراد إعادة البناء بمواد منه فلا يمنع في ذلك ويكون المعاد ملكه يضع عليه ما شاء وينقضه إذا شاء وإذا كان الأساس مشتركاً لأن له حق في الحمل على الأساس المشترك ولأنه أتم بناءَه بآلة نفسه ولم يحتج إلى آلة شريكه، نعم لو كان لشريكه جذع على الجدار مُكِّنَ شريكه من وضع جذعه عليه وإذا امتنع فيمكّن من نقض البناء ليعيداه مشتركاً. ولو قال الآخر لا تنقضه وأغرم لك حصتي أي أدفع لك نصف القيمة لم يلزم إجابته كابتداء العمارة فقد بناهُ بماله واختياره. وإن أراد إعادته بنقضه المشترك فلآخر منعه لما فيه من الضرر وإتلاف المال. ولو تعاونا على إعادته بنقضه عاد مشتركاًكما كان ولا تصح زيادةٌ لأحدهما لأنه شرط عوض من غير مُعَوَّضٍ ولو انفرد أحدهما بنقضه وإعادة بنائه وشرط له الآخر زيادة في حصته جاز وكانت في مقابلة عمله في نصيب الآخر أي عمله في نصيب شريكه ولابدَّ من علم شريكه بالمواد المستعملة وبصفات الجدران.
ويجوز أن يصالح على إجراء الماء وإلقاء الثلج في ملكه أي في ملك المُصَالحَ معه على مالٍ فقد يحتاج الإنسان إلى إجراء ماء المطر أو الثلج من سطحه إلى سطح غيره أو إجراء ماءٍ في أرض آخر لتصل إلى منزله أو بستانه أو مزرعته فليس له إجبار صاحب السطح والأرض على ذلك فإن أذن له في ذلك بإجارة أو إعارة أو بيع جاز ولا بأس بالجهل بقدر ماء المطر لأنه لا يمكن معرفته فيجوز للمساحة وفي حالة إجراء الماء فليس له دخول الأرض بغير إذن مالكها وكذا في كل موضع يستأجره. ولا يصح الصلح على إجراء ماء الغسالة على السطح لأن الحاجة لا تدعو إليه بخلاف ماء المطر والثلج.
ولو تنازعا جداراً بين ملكيهما فإن اتصل ببناء أحدهما بحيث يعلم أنهما بنيا معاً بأن دخل بعض لبنات أحدهما في بناء الآخر وهذا التداخل لا يكون في الأطراف لأنه لا يمكن إحداثه متأخراً إنما يكون في الأمكنة التي يعتمد عليها البناء كالزوايا أو بنى الجدار على خشبة طرفها في ملكه وليس منها شيء في ملك الآخر أو كان له على الجدار أقواس معقودة والعقد عنده فله اليد عليه لظهور أمارة الملك فيحلفُ ويحكم له بالجدار إلا أن تقوم بينةٌ بخلافه وإلا أي إذا لم يتصل ببنائه أو كان منفصلاً عنهما أو اتصل ببنائيهما اتصالاً مستاوياً أو اتصل ببناء أحدهما ولكن الاتصال يمكن إحداثه بعد البناء فلهما أي هو في أيديهما معاً. فإن أقام أحدهما بينة قضي له بالجدار والإ حلفا أي يحلف كل واحد منهما للآخر فإذا حلفا معاً أو نكلا معاً جُعِلَ الجدار بينهما بظاهر اليد وإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضي له بجميع الجدار.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/296)
ولو كان لأحدهما عليه جذوع لم يُرَجَّحْ قوله لأنه لا يدل على الملك كما لو تنازعا داراً في يدهما ولأحدهما فيها متاع فلو حلفا معاً بقيت الجذوع بحالها لأنها قد تكون وضعت بحق.
والسقف بين علوه أي علو شخص وسفل غيره آخر أي السقف المتوسط كجدار بين ملكين فَيُنْظَرُ أيمكن إحداثه بعد العلو كأن يكون السقف عالياً فيثقب وسط الجدار وتوضع رؤوس الجذوع في الثقب فيصير البيت بيتين فيكون في يدهما لاشتراكهما في الانتفاع به أو لا يمكن إحداثه بعد العلو كالأقواس التي لا يمكن عقدها في وسط الجدار بعد امتداده في العلو فلصاحب السُّفْلِ أي يجعل في يده لاتصاله ببنائه. ولو كانا في بناء وكان الدور الأول لأحدهما والدور الثاني لآخر وتنازعا في المدخل أو العرصة فمن الباب إلى بداية الدرج أو السلم بينهما لأن لكل منها يداً وتصرفاً بالاستطراق ووضع الأمتعة والباقي للأسفل لاختصاصه به يداً وتصرفاً فإن كان المرقى مَبْنيّاً أو مثبتاً فهو لصاحب الدور العلوي لأنه المنتفع به حتى ولو كان عليه موضع أزهار أو نباتات أو جرة ماء فهو له أما لو كان تحته بناء فهو مشترك بينهما كسائر المشتركات.
? باب الحوالة ?
هي بفتح الحاء أو كسرها لغة: التحول والانتقال وشرعاً: الحوالة عقد يقتضي تحول دين من ذمة إلى ذمة وأصلها قبل الإجماع أخبار منها.
حديث أبي هريرة (مطلُ الغني ظلمٌ وإذا أُتّبع أحدكم على مليء فليتّبع) وفي رواية (من أحيل بحقه على مليء فليحتل) رواه الشيخان. وحديث سلمة بن الأكوع قال: (كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أوتي بجنازة فقالوا: صَلِّ عليها، فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا، قال: فهل ترك شيئاً؟ قالوا: لا، فصلّى عليه ثم أُتي بجنازة أخرى، فقالوا: يا رسول الله صلِّ عليها. قال: هل عليه دين؟ قيل: نعم، قال: فهل ترك شيئاً؟ قالوا: ثلاثة دنانير. فصلَّى عليها، ثم أُتي بالثالثة، فقالوا: صلِّ عليها، قال: هل ترك شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فهل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلوا عليه صاحبكم، قال أبو قتادة: صَلِّ عليه يا رسول الله وعليَّ دينه فصلى عليه) رواه البخاري وغيره، وزاد أحمد والدار قطني والحاكم (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال لما قُضِيَ دينُهُ الآن بَرَّدت عليه جلدَهُ أو قال قبرَه).
ويشترط لها أي لصحة عقدها رضا المحيل لأن الحق في ذمته فلم يتعين لقضائه محل والمحتال لأنه صاحب الحق فلا ينتقل من ذمة إلى ذمة إلا بإذن لتفاوت الناس بالوفاء وتفاوتهم بين الليونة والعسر لا المحال عليه في الأصح لأن عليه أداء الحق فلصاحبه أن يستوفيه بنفسه أو بغيره.
ولا تصح علي من لا دين عليه بناءً على قولنا إنها بيع دين بدين أُبيحت للضرورة. وقيل يصح برضاه بناءً على أنها استيفاء. فقبوله ضمان لا يَبْرأُ به المحيل وقيل يبرأ وتصح بالدين اللازم وعليه وهو ما لا خيار فيه أما في زمن الخيار فقيل هو آيل إلى اللزوم وتصح الحوالة به ولكن إذا فسخ العقد بطلت الحوالة.
وتصح بالدين المثلي كالنقود والحبوب وكذا المتقوِّم كالسيارة والدار في الأصح لثبوته في الذمة وتصح بالثمن في مدة الخيار بأن يحيل المشتري البائع على إنسان وعليه بأن يحيل البائع إنساناً على المشتري لأنه آيل إلى اللزوم بنفسه كما ذكرنا.
والأصح صحة حوالة المكاتب سيدَهُ بالنجوم أي الأقساط التي أوجبها عليه لعتقه لأنها دين لازم من جهة السيد والمحال عليه دون حوالة السيد إنساناً عليه أي على المكاتب لأن دين الكتابة غير لازم من جهة المكاتب فهو قادر على تعجيز نفسه في كل وقت فيسقط الدين ويشترط العلم بما يحال به وعليه أي علم المحتال والمحال عليه بالدين قدراً كألف وصفة معتبرة في السلم كدارهم إمارتية أو دنانير أردنية وفي قول تصح بإبل الدية وعليها رغم الجهل بصفتها والأظهر المنع ويشترط تساويهما أي المحال به والمحال عليه جنساً وقدراً وكذا حلولاً وأجلاً وصحة وكسراً في الأصح وقيل تجوز الحوالة بالقليل على الكثير وبالصحيح على المكسر وبالجديد على الرديء وبالمؤجل على الحالّ وبالأبعد أجلاً على الأقرب أجلاً ويكون المحيل متبرعاً بالزيادة والمعتمد الأول ويبرأ بالحوالة المحيل عن دين المحتال والمحال عليه عن دين المحيل ويتحول حق المحتال إلى ذمة المحال عليه لأن هذه قائدة الحوالة ولهذا أجيزت سواءً قلنا
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/297)
إن الحوالة بيع أو استيفاء حتى لو أفلس المحال عليه أو مات أو حجر وحلف لم يكن للمحتال الرجوع إلى المحيل كما لو أخذ عوضاً عن دينه فتلف في يده والمذهب أنه لا يجوز له شرط الرجوع. فإن تعذر أخذ الحقِّ من المحال عليه بفلس طرأ بعد الحوالة أو جحد منه للدين أو الحوالة وحلفٍ ونحوها كموت أو ضياع بينة أو امتناع لنحو قوة ومنعة لم يرجع على المحيل كما ذكرنا فلو كان مفلساً عند الحوالة وجهله المحتال فلا رجوع له كمن اشترى شيئاً وهو مغبونٌ فيه وقيل له الرجوع إن شرط يساره وَرُدَّ بأنه مقصِرٌ بترك البحث عن حاله فالحوالة صحيحة والشرط باطل لمخالفته لمعنى الحوالة ومقصودها ولو أحال المشتري البائعَ بالثمن فردَّ المبيع بعيب أو إقالة أو فسخ بيمين بطلت الحوالة في الأظهر لأنه ثمن إذا انفسخ البيع فلا حوالة إذن أو أحال البائعُ المشتريَ بالثمن فَوجد الردُّ للمبيع بعيب لم تبطل على المذهب سواء قبض المحتال مال الحوالة من المشتري أم لا بل يرجع المشتري على البائع فيطالبه أن كان قبض منه المحتال المال. فهذه الحالة تختلف عن سابقتها بوجود شخص ثالث وهو الذي انتقل إليه الثمن فلا يبطل حقه بفسخ المتعاقدين.
ولو باع عبداً ذكراً أو أثنى وأحال بثمنه آخر على المشتري ليقبض الثمن بدلاً من دينه ثم اتفق المتبايعان والمحتال على حريته وقت البيع أو ثبتت حريتُهُ ببينة أو بشهادة حسبة بطلت الحوالة لبطلان البيع فيرد المحتال ما أخذه على المشتري ويبقى حقه كما كان وإن كذبهما المحتال في الحرية ولا بينة بالحرية حلفاه على نفي العلم أي لكل من المتبايعين تحليفه المحتالَ أنه لا يعلم الحريةَ فإذا حلفه أحدهما امتنع على الثاني تحليفه لأنها قضية واحدة ثم بعد حلفه بأخذ المال من المشتري ويرجع المشتري على البائع بحقه لنه قضى دينه بإذنه ولو قال المستَحِقُ عليه أي المدين للمستحق وهو الدائن وكلتك لتقبض لي وقال المستحِقُ بل أردتَ الحوالة صُدِّقَ المُسْتَحَق عليه بيمينه لأن الأصل بقاء الحقين على ما كانا عليه مع كونه أعرف بنيته وفي الصورة الثانية وَجهٌ بتصديق المستحِقِ باعتبار أن الوكالة لا تصح بلفظ الحوالة والمعتمد الأول.
وإن اختلفا في أصل اللفظ الصادر كأن قال المستحَقُ عليه أحلتُكَ فقال المستَحِقُ بل وكلتني أو اختلفا في لفظ محتمل كاقبض أو احتل صدق الثاني بيمينه لأن الأصل بقاء حقه في ذمة المستحَق عليه ويظهر أثر هذا النزاع عند إفلاس المحال عليه وإذا حلف المستحِقُ في الحالتين اندفعت الحوالة وثبت حقه من الآخر ويعود الآخر على المحال عليه.
? باب الضمان?
الضمان لغة الالتزام وشرعا: حق ثابت في ذمة الغير ويشمل كفالة الدين والعين والبدن ويسمى الملتزم لذلك ضامناً وحميلاً وزعيماً وكفيلاً قال الماوردي: لكن العرف خصص الضمين بالمال والحميل بالديات والأصل فيه قبل الإجماع أخبار منها: حديث أبي أمامة (العارية مردودة والدين مقضي الزعيم غارم) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي وصححه ابن حبان. خبر الصحيحين عن سلمة بن الأكوع وغيره (أنه صلى الله عليه وسلم أُتي بجنازة، فقال: هل ترك شيئاً؟ قالوا: لا، قال: هل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، فقال: صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله وعليَّ دينه). ويستأنس له بقول الله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم).
وأركانه: ضامن، مضمون له، ومضمون عنه، ومضمون به، وصيغة. وبدأ بشرط الضامن فقال: شرط الضامن ليصح ضمانه الرشد وهو كما ذُكر سابقاً في باب الحجر صلاح الدين والمال ولا يوجد ذلك بدون البلوغ والعقل فلا يصح ضمان الصبي والمجنون والمغمى عليه والمحجور عليه بسفه.
وضمان محجور عليه بفلس كشرائه فيصح في ذمته ويطالب بما ضمنه إذا انفك عنه الحجر وأيسر وضمان عبد بغير إذن سيده مأذوناً له في التجارة أم لا باطل في الأصح لأنه إثبات مال في الذمة وقيل يصح ويتبع به إذا أعتق لأنه لا ضر على سيده.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/298)
ويصح بإذنه أي بإذن السيد فإن عين للأداء كسبَهُ أو غيره أي قال لعبده: اقضه من كسبك أو قال للمأذون له بالتجارة: اقضه مما في يدك قضى منه وإلا أي وإن لم يذكر الأداء واقتصر على الإذن في الضمان فالأصح إن كان مأذوناً له في التجارة تعلق أي غرم الضمان بما في يده وقت الإذن من رأس المال والربح وما يكسبه بعد الإذن كاصطياد واحتطاب وإلا أي إن لم يكن مأذوناً له في التجارة فبما أي يتعلق الدين بما يكسبه بعد الإذن لا قبله لأنه لم يكن مأذوناً له بالضمان.
والأصح اشتراط المضمون له أي أن يعرف الضامنُ صاحبَ الدينِ لتفاوت الناس تسهيلاً وتسديداً في الاقتضاء والأصح أنه لا يشترط قبوله ورضاه لعدم ذكر ذلك في حديث أبي قتادة السابق.
ولا يشترط رضا المضمون عنه وهو المدين قطعاً لأن قضاء دين الغير بغير إذنه جائز فالتزامه أولى كما يصح الضمان عن الميت وإن لم يخلف وفاءً ولا معرفته في الأصح إذا لم نشترط رضاه فاشتراط معرفته أي المكفول غير مطلوبة إذ لا معاملة أصلاً بينه وبين كافله بغير إذنه وقيل يلزم معرفته لتفاوت الناس في اليسر والعسر وتفاوتهم في اللين والشدة وتفاوتهم في رغبة الناس في كفالتهم وعدمها ويشترط في الدين المضمون كونه حقاً ثابتاً حال العقد فلا يصح ضمان ما لم يجب سواءً أوجد سبب وجوبه أم لم يوجد كما ذكرنا سابقاً وصحح القديم ضمان ما سيجب لأن الحاجة قد تدعو إليه كثمن ما سيبيعه أو ما سيقرضه والمذهب صحة ضمان الدَرَكِ أي ضمان التبعة أو العهدة أي أنه يضمن إذا كان المبيع ليس للبائع فيضمن حق المشتري أو إذا كان الثمن ليس للمشتري فيضمن حق البائع ونقول إذا خرج المبيع مُسْتَحَقَاً للغير أي إذا أدرك الغريم عين حقه عند الغير يباع أو يشتري به فيأخذه ونقول أيضاً ضمان العهدة والعهدة هي الوثيقة التي كتب فيها البيع وضمان العهدة أو التبعة أن يرد لصاحب الحق حقه إذا كان المبيع مُسْتَحَقَاً للغير أو مخالفاً لشروط وثيقة البيع. وقوله صحة ضمان الدرك هو ضمان ما سيجب ليؤكد أن لضمان ما سيجب وجه في الصحة.
بعد قبض الثمن وهو أن يضمن للمشتري الثمن إن خرج المبيع مستحقاً أو معيباً فردّه المشتري أو ناقصاً لنقص الصنجة والصنجة ما يوزن به أي إذا كان ما يوزن به ناقصاً عن الوزن المعتبر ويضمن أيضاً الصفة كأن اشتراه حريراً فبان قطناً أو مصنوعاً في دولة كذا فبان صناعة دولة أخرى وأن السيارة قد قطعت عشرة آلاف فبان أنها قطعت مائة ألف أو أنها صنع سنة كذا فبان قبل ذلك بما لا يتسامح فيه الناس عادة. وضمان المرأة صحيح مزوجة كانت أو غير مزوجة ولا حاجة لإذن الزوج كسائر تصرفاتها.
ولا يجوز ضمان نفقة القريب لمدة مستقبلة لأن سبيلها سبيل البرِّ والصلة فتسقط بمضي الزمن وبكفالة الغير. وكونُه لازماً وإن لم يستقر بعد كثمن المبيع الذي لم يقبض فلا يستقر الثمن إلا بعد القبض والمهر قبل الوطء لأنه دين لازم الأداء ولا يستقر كامل المهر إلا بالدخول فيصح ضمانها لا كنجوم الكتابة لقدرة المكاتب على إسقاطها متى شاء فهي ليست لازمة ولا مستقرة. ويصح ضمان الثمن للبائع في مدة الخيار للمشتري في الأصح لأنه آيل للزوم بنفسه أما إذا كان الخيار لهما فالثمن موقوف.
وضمان الجُعْلِ كالرهن به أي حكم ضمان الجعل للقيام بعمل ما هو ذات حكم الرهن بالجعل وقد قلنا لا يصح قبل تأدية العمل والفراغ منه حتى يستقر الجعل وكونه معلوماً للضامن من جنساً وقدراً وصفة في الجديد لأنه إثبات مال في الذمة لأجنبي فوجب العلم به والجهل به يبطله. والقديم يجيزه إن كان مما يمكن معرفته كضمنت مالَكَ على فلان أمّا ما لا يمكن معرفته كضمنت لك شيئاً مما لك على فلان فباطل قطعاًً والإبراء من المجهول باطل في الجديد على اعتبار أنه تمليك ولا يصح تمليك ما لا يُعْلم وفي القديم يصح بناءً على أن الإبراء إسقاط كالإعتاق فلا يحتاج إلى معرفة ولا إلى قبول إلا من إبل الدية فيصح الإبراء منها لأنه قد اغتفر إثباتها في ذمة الجاني وذلك عند الانتقال من القصاص أو بالرضا منه بها فيغتفر الجهل بصفتها تبعاً لإثباتها في ذمة الجاني ويصح ضمانها في الأصح لأنها معلومة السنِّ والعدد ويرجع في صفتها إلى غالب إبل البلد ويغتفر التفاوت اليسير للضرورة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/299)
ولو قال: ضمنتُ مالك على زيد من درهم إلى عشرة لانتفاء الغرر ببيان الغاية وهي العشرة فالأصح صحته وقيل لا لعدم التعيين والصحيح الأول وأنه يكون ضامناً لعشرة إن كانت عليه لأنها غاية الضمان. قلت: الأصح لتسعة والله أعلم إدخالاً للطرف الأول لأنه مبدأ الالتزام وإخراجاً للغاية وهو العشرة. وقيل يضمن ثمانية فقط إخراجاً للطرفين من الضمان والأصح الأول وهو ضمان العشرة للعرف.
? فصل في كفالة البدن ?
المذهب صحة كفالة البدن وتسمى أيضاً كفالة الوجه ومعناها إحضار المكفول إلى المكفول له وفيه خلاف فقد قال الشافعي: إنها ضعيفة. وفي قول لا تصح لأن الحرَّ لا يدخل تحت يد ولا يقدر على تسليمه والمشهور الأول لمسيس الحاجة إلى ذلك فإن كفل بدن من عليه مال لم يشترط العلم بقدره لأن متكفل بإحضار البدن لا المال ولكن يشترط في المال كونه مما يصح ضمانه فلا تصح الكفالة ببدن المكاتب للنجوم التي عليه لأنها غير لازمة أصلاً.
والمذهب صحتها ببدن من عليه عقوبة لآدمي كقصاص وحَدِّ قذف وتعزير لأنه حق لازم فأشبه المال اللازم. ومنعها في حدود الله تعالى كحد الخمر والزنا والسرقة لأنها مبنية على المسامحة والدفع ما أمكن وتصح ببدن صبي ومجنون لأنه قد يستحق إحضارهما لشهادة على نسب أو شهادة على إتلاف ويشرتط إذن وليهما ومحبوس وغائب وإن تعذر الإحضار الآن لوجود الحبس والغياب كمن يضمن مالاً عن غيره وهو معسر الآن وكفالة إحضار بدن ميت قبل دفنِهِ ليحضره فيشهَدَ على صورته إذا عرفوا صورته ولم يعرفوا اسمه ولا نسبه والأصح اشتراط إذن الوارث بذلك ثم إن عيّن مكان التسليم في الكفالة تعيّن والإ أي وإن لم يعين فمكانُها يتعينُ ويبرأ الكفيل بتسليمه المكفول في مكان التسليم المذكور بلا حائل كمتغلب يأخذ المكفول ويمنع المكفول له حقه وبأن يحضرَ المكفولُ ويقولَ للمكفول له سلمت نفسي عن جهة الكفيل فلان ولا يكفي مجرد حضوره لأنه قد لا يعرفه ولأنه قد لا يسلم نفسه.
فإن غاب المكفول لم يلزم الكفيل إحضارُه إن جهل مكانه لعدم الإمكان فأشبه المعسر بالدين لا يستطيع الوفاء وإلا بأن علم مكانه فيلزمه إحضاره من مسافة القصر فما دونها كغيبة مال المديون إلى هذه المسافة فإنه يؤمر بإحضاره لأداء ما عليه ويمهل مدة ذهابٍ وإيابٍ على العادة وتجهيز المكفول واستعداده للسفر مع الكافل فإن مضت مدة الذهاب والإياب ولم يحضره حبس إلا إذا كان المطلوب ديناً فأدّاه الكافل فلا يحبس وقيل إن غاب إلى مسافة القصر أي ما بعدها لم يلزمه إحضاره والأصح أنه إذا مات ودفن لا يطالب الكفيل بالمال لأنه لم يلزمه ابتداءً أما قبل الدفن فيلزم الكفيل بإحضاره لإقامة الشهادة عليه والأصح أنه لو شرط في الكفالة أن يغرم المال إن فات التسليم بطلت لأنه شرط ينافي مقتضاها وهو إحضار المكفول والأصح أنها لا تصح بغير رضا المكفول أو إذن وليه لأنه مع عدم إذنه بالحضور أو إذن وليه بطل مقصودها.
? فصل في صيغتي الضمان والكفالة ومطالبة الضامن ?
يشترط في الضمان للمال والكفالة للبدن والعين لفظ غالباً أو إشارة مفهمة لأخرس أو كناية مع نية يشعر بالالتزام للعقد كضمنت لك مالك أو تحملته أو تقلدته أي أُلْزِمْتُ مالك على فلان أو تكفلت ببدنه أي بإحضاره في الوقت المحدد والمكان المحدد أو أنا بالمال المطلوب أو بإحضار الشخص المعين ضامن أو كفيل أو زعيم أو حميل وكلها من صرائح الكفالة ومثله قوله وعليَّ ما على فلان أو مالُكَ عندَ فلان عليَّ.
ولو قال أؤدي المال أو أحضر الشخص فهو وعد بالالتزام وليس التزاماً فلا يجب الوفاء به إلا إذا صحبته قرينه تدل على الالتزام والأصح أنه لا يجوز تعليقها أي ضمان المال وكفالة البدن بشرط كأن قال ولي الخيار في الدفع أو الإحضار أو كإذا جاء العبد فقد ضمنت ما على فلان أو تكفلت ببدنه لأنهما عقدان فلا يقبلان التعليق كالبيع والأصح أنه لا يجوز توقيت الكفالة بالبدن كأن قال: إنّي كفيل بإحضار فلان لأسبوع وبعده أنا بريء وقيل يجوز لأنه قد يكون له غرض في تسليمه خلال أسبوع واحد ولو نجزها أي قال: أنا كفيل بإحضار فلان وشرط تأخير الإحضار شهراً كأن قال: أحضره بعد شهر جاز لأنه التزام لعمل في الذمة فكان كعمل الإجارة يجوز حالاً أو مؤجلاً والأصح أنه يصح ضمان الحالِّ مؤجلاً أجلاً معلوماً فيثبت الأجل في حق الضامن
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/300)
لأن الضامن متبرع فكان تبرعه على حسب التزامه والأصح أنه يصح ضمان المؤجل حالاً لتبرعه بالتزام التعجيل وهو على خلاف الرهن لأن الرهن وثيقة بعين وهي لا تقبل تأجيلاً ولا حلولاً والضمان ضمُّ ذمة إلى ذمة والذمة قابلة للالتزام الحال مؤجلاً والمؤجل حالاً والأصح أنه لا يلزمه التعجيل أي لا يلزم الوفاء به كما لو التزمه الأصيل
وللمستحِقِ أي صاحب الدين مطالبة الضامن والأصيل اجتماعاً وانفراداً وأن يطالب كلاً ببعض الدين لبقاء أصل الدين على المكفول للخبر السابق (الزعيم غارم) والأصح أنه لا يصح الضمان بشرط براءة الأصيل لمنافاة الشرط المقتضي الضمان وقيل يصح لخبر جابر في قصة أبي قتادة قال: (فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (هما عليك في مالك والميت منها بريء) فقال: نعم، فصلّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم) قال الحاكم صحيح الإسناد، قيل هذا في الميت وقيل هذا في المستقبل وقيل يصح الضمان فقط ولا يبرأ ولو أبرأ المستحَقُ الأصيلَ من الدين بريء الضامن منه لسقوطه ولا عكس أي لو أبرا المستحق الكفيل من الضمان لم يبرئ الأصيل من الدين لأنه قبول دين من غير وثيقة كفك الرهن ولو مات أحدهما والدين مؤجل حلَّ عليه لخراب ذمته دون الآخر فلا يحل عليه لأنه ينتفع بالأجل فإن كان الميت هو الأصيل فللضامن أن يطالب المستحق بأخذ الدين من تركته أو إبرائهِ لأن التركة قد تهلك فلا يجدُ وفاءً لدينه وإن كان الميتُ الضامن وأخذ المستحِق الدين من تركته لم يكن لو رثته الرجوع في الدين على المضمون عنه قبل حلول أجل الدين لأنه قوت الوفاء به.
وإذا طالبَ المستحِقُ الضامنَ فله أي الضامن مطالبة الأصيل بتخليصه بالأداء للدين المضمون له ليبرأ الضامن هذا إن ضمن بإذنه لأنه هو المسبب له في ما هو فيه والأصح أنه لا يطالبه بالدين الحالِّ قبل أن يُطالبَ هو بالدين كما لا يغرمه الدين قبل أن يغرم هو.
وللضامن الرجوع على الأصيل إن وُجِدَ إذنه في الضمان والأداء لأنه إنما صرف ماله لغيره بإذنه وإن انتفى فيهما أي الضمان والأداء فلا رجوع له لأنه متبرع فإن إذن له في الضمان فقط أي دون الأداء رجع في الأصح لأن الضمان هو الأصل فالإذن فيه إذن فيما يترتب عليه ولا عكس في الأصح أي إذا ضمن بلا إذن وأدى بالإذن لأن وجوب الأداء كان بسبب الضمان ولو أدى مكسراً عن صحاح أو صالح على مائة بثوب قيمته خمسون فالأصح أنه لا يرجع إلا بما غرم لأن المدفوع فلا يأخذ إلا ما دفع وقيل يجوز لأنه أبرأ ذمة المدين والمسامحة جاءت له فهو أحق بها ومن أدى دين غيره بلا ضمان ولا إذن فلا رجوع له على المدين لأنه متبرع وإن أذن له بالأداء بشرط الرجع رجع عليه وفاء بالشرط وكذا إن أذن له إذناً مطلقاً على شرط الرجوع رجع في الأصح فلو قال له: ادفع عني ديني أو أدِ عني أقساط سيارتي وهي كذا وكذا فله الرجوع للعرف بذلك ولأن الأداء كان بإذن المدين أما لو قال: اشترِ لي رغيفاً أو زجاجة عصير فلا رجوع لأنه مما يتسامح فيه الناس عادة والأصح أن مصالحته أي المأذون له بالأداء على غير جنس الدين لا تمنع الرجوع لأن الإذن إنما مقصوده البراءة وقد حصلت ويرجع بالأقل من قيمة الدين أو المؤدى فلو صالح عن ثوب قيمة عشرة بخمسة أو عن عشرة بثوب قيمة خمسة رجع بخمسة في الحالتين.
ثم إنما يرجع الضامن والمؤدي إذا أشهد بالأداء رجلين أو رجلاً وامرأتين لأنه الذي تثبت به الحقوق المالية وكذا رجل ليحلف معه في الأصح إذ الشاهد مع اليمين بينة بالحق فإن لم يشهد أي الضامن بالأداء فلا رجوع إن أنكر ربُّ الدين الأداء إن أدى في غيبة الأصيل وكذبه الأصيل لأن الأصل عدم الأداء وهو مقصر بعدم الإشهاد وكذا إن صدقه في الأصح وكذبه ربُّ الدين لأن المطالبة باقية فلم ينتفع من دفعه عن دينه فإن صدقه المضمونُ له وكذبه المضمون عنه أو أدى الدينَ بحضرة الأصيل المدين رجع على المذهب في الحالتين لسقوط الحق في الأولى باعتراف صاحب الدين ولأنه أدى بحضرة المدين في الثانية.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/301)
وإذا ضمن شخصٌ آخرَ بثمن سلعة فهلك المبيع أو وجد به عيباً فرده أو ضمن الصداق فارتدت المرأة قبل الدخول أو فسخت بعيب نظر إذا كان ذلك قبل أن يؤدي الضامن بريء الضامن والأصيل وإن كان بعده فإن كان بحيث يثبت الرجوع رجع الضامن المؤدي بدينه على الأصيل وضمن ربُّ الدين للأصيل ما أخذه إن كان هالكاً وإن كان باقياً رده بعينه.
ـ[محمد عبدالكريم محمد]ــــــــ[21 - 07 - 07, 12:24 ص]ـ
الجزء الخامس
إما بالمشاهدة كما ذكرنا أو الوصف بصفات السلم وأما الكفيل فلا يشترط معرفة حاله لأن ذلك لمصلحة العاقد فعليه أن يتعرف حاله فإذا عدم ذلك فلتقصيره فيتحمل تبعاته (والإشهاد) للأمر به قال تعالى: [واشهدوا إذا تبايعتم] البقرة:282 (ولا يشترط تعيين الشهود في الأصح) لأن المطلوب إثبات الحق وهو يثبت بأي عدول وقيل يشترط لتفاوت الأغراض فيهما كالوجاهة والملاءة والقوة وغير ذلك (فإن لم يرهن) المشتري أو جاء يرهن غير المعين أو لم يشهد (أو لم يتكفل المعين) بأن مات قبل الضمان أو ظهر أنه معسر (فللبائع الخيار) لفوات ما شرَطَهُ لضمان حقه ومثله إذا عين شاهدين فامتنعا من التحمل ثبت له الخيار أيضاً إن قلنا باشراط تعين الشهود (ولو باع عبداً بشرط اعتاقه فالمشهور صحة البيع والشرط) لتشوف الشارع إلى العتق وعلى أن للمشتري مصلحة في عتقه بالولاء في الدنيا والثواب في الآخرة وللبائع ثواب بالتسبب بالعتق (والأصح أن للبائع مطالبة المشتري بالإعتاق) بناءً على أن الحق له فإن لم يعتق فللبائع الفسخ وإن قلنا إن الحق في العتق لله تعالى كالملتزم بالنذر ففي هذه الحالة فليس للبائع المطالبة بالإعتاق لأنه لا ولاية له في حق الله تعالى.
(وإنه لو شرط مع العتق الولاء له) أي للبائع لم يصح البيع لمخالفة الشرط لما استقر عليه الشرع من أن الولاء لمن اعتق لما روى الشيخان عن عائشة في حديث بريرة "خذيها واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن اعتق" أي لا معنى للشرط (أو شرط تدبيره أو كتابته أو اعتاقه بعد شهر) مثلاً (لم يصح البيع) لأنه بيع وشرط ولم يظهر في التدبير أو الكتابة أو العتق ما تشوف إليه الشارع من العتق المنجز.
(ولو شرط مقتضى العقد كالقبض والرد بعيب) لم يضر الشرط فهو تصريح بما أوجبه الشارع (أو ما لا غرض فيه كشرط أن لا يأكل إلا كذا) أو لا يلبس إلا كذا (صح) البيع ولغا الشرط لخبر الشيخين في حديث عائشة قالت: ثم قام رسول الله (ص) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاءُ الله أحقُ وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق".
(ولو شرط وصفاً يُقْصَدُ ككون العبد كاتباً أو الدابة حاملاً أو لبوناً صح) الشرط مع العقد لأنه شرط يتعلق بمصلحة العقد وهو العلم بصفات المبيع التي تختلف بها الأغراض ولأنه التزم موجوداً عند العقد ولا يتوقف التزامه على إنشاء أمر مستقبل فلابد يدخل في النهي عن بيع وشرط وإنما سمي شرطاً تجوزاً فإن الشرط لا يكون إلا مستقبلاً ويكفي في الصفة المشروطة ما يطلق عليه الاسم (وله الخيار إن أخلف) أي للمشتري الخيار على الفور إن أخلف الشرط الذي شرطه (وفي قول يبطل العقد في الدابة) إن شرط فيها ما ذكر لأنه مجهول أما اختبار الكتابة ممكن معرفته قبل الشراء وكذلك حسن الخط وإجادة الصنعة وغير ذلك.
(ولو قال بعتُكَهَا وحملها) أو مع حملها (بطل في الأصح) لأن ما لا يصح بيعه وحده وهو هنا الحمل لا يصح مقصوداً مع غيره ومثله قوله بعتكها ولبنها لجعل اللبن المجهول مبيعاً مع المعلوم بخلاف بيعها بشرط الحمل أو حلوباً لكون الحمل والحلب وصفاً للمبيع (ولا يصح بيع الحمل وحده) لبطلان بيع الملاقيح فهو غير معلوم ولا مقدور عليه (ولا الحامل دونه) لتعذر استثنائه لأنه كالعضو من أمه (ولا الحامل بحر) لأن الحر لا يباع فهو مستثنى شرعاً والاستثناء الشرعي كالاستثناء الحسي أي في وجه تباع الحامل ويكون الحر مستثنى (ولو باع حاملاً مطلقاً) من غير ذكر حمل معها ولا نفيه (دخل الحمل في البيع) تبعاً لها.
فصل في المنهيات التي لا يقتضي النهي فسادها
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/302)
(ومن المنهي عنه ما لا يبطل) أي لا يبطل النهيُ عنه البيعَ بخلافه فيما تقدم حيث يَبْطَلُ البيعُ لرجوعه أي لرجوع النهي (إلى معنى يقترن به) أي ليس النهي عن البيع بل لأمر آخر كالتضييق والإيذاء والتغرير (كبيع حاضر لباد بأن يقدم غريب بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه فيقول بلديٌ اتركه عندي لأبيعه على التدريج بأغلى) من بيعه حالاً وذلك لأخبار منها:
- روى مسلم عن جابر أن النبي (ص) قال: " دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض.
- وروى الشيخان عن أبي هريرة "لا يبيع حاضرٌ لباد".
- ومثله عند مسلم عن أبي الزبير "لا يبيع حاضر لباد".
- وروى الشيخان عن ابن عباس "نهى رسول الله (ص) أن تُتَلقى الركبان وأن يبيع حاضر لبادٍ"
فبيع الحاضر للباد يؤدي غالباً إلى التضييق على الناس خاصة إذا كان المتاع مما تعمُ الحاجة إليه كالأطعمة وأما إذا كان المتاع مما لا تعم الحاجة إليه فلا يدخل في النهي وكذلك إذا جاء البائع ليبيع بسعر اليوم فإن هذا يضييق على الناس أما إذا جاء ليبيع على التدريج أو ليضعه أصلاً عند من يبيعه له على التدريج فلا بأس بالبيع إن طلب البلديُ تفويضَ البيع على التدريج إليه والنهي للتحريم ويصحُ البيعُ لتكامل شروطه وأركانه ويأثمُ البلديُ دون البدويُ.
(وتلقى الركبان بأن يتلقى طائفةً يحملون متاعاً إلى البلد فيشتريه قبل قدومهم ومعرفتهم بالسعر ولهم الخيار إذا عرفوا الغبن) فقد روى الشيخان: عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "لا تتلقوا الركبان للبيع" وزاد مسلم فمن تلقاها فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يَقْدُمَ السوقَ والعلة في المنع مقصود فيه مصلحة الجالب فلو هبط السوق وتبين له أنه قد غُبِنَ في السعر ولو غَبْناً يسيراً فهو بالخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أمضاه وليس له الفسخ إلا إذا تبين أنه مغبون ولو كان البيع باطلاً لما جعل النبي (ص) الخيار فيه لأن الخيار لا يكون إلا في بيع صحيح. وحيث ثبت لهم الخيار فهو على الفور أما تلقى الركبان لبيعهم ما يقصدون شراءه من البلد فلا شيء فيه إذا كان برغبتهم وطلبهم لتحقق شروطه ولعدم المانع الشرعي.
(والسوم على سوم أخيه) فقد روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي قال: "لا يسوم الرجل على سوم أخيه" وروى الشيخان عن ابن عمر "لا يبع بعضكم على بيع بعض" وهو خبر بمعنى النهي فيأثم فاعله إذا ان عالماً به (وإنما يحرم ذلك بعد استقرار الثمن) بأن يصرحا بالتوافق على ثمن معين فيأتي ثالث فيقول لمن أخذ شيئاً ليشتريه ردّهُ حتى أبيعك خيراً منه بهذا الثمن أو مثله أو خيراً منه بأقل أو يقول لمالكه استرده لاشترَيهُ منك بأكثر مما بعت فلو باع أو اشترى صح البيع لأن التراضي صريح أما إذا لم يصرحا بالبيع أو سكت أحدهما أو كلاهما فإن السوم لا يحرم وأكثر المبيع إنما يكون بالمساومة. فقد روى أحمد وأبو داود عن أنس أنه (ص) نادى على قدح وَحلْس لبعض أصحابه فقال رجل هما عليَّ بدرهم ثم قال الآخر عليَّ بدرهمين ورواه النسائي والترمذي وقال حسن (والبيع على بيع غيره قبل لزومه) لبقاء خيار مجلس أو شرط أو اطلاع على عيب في وقت يصعب الردُّ فيه كليل أو قيلولة أو شدة حرٍّ أو شدة برد (بأن يأمر المشتري بالفسخ ليبيعه مثله) أي مثل المبيع بأقل من ثمنه (والشراء على الشراء) قبل لزومه (بأن يأمر البائع بالفسخ ليشتريه) بأكثر مما باعه. فقد روى الشيخان عن ابن عمر "لا يبيع بعضكم على بيع بعض" وزاد النسائي حتى يبتاع أو يذر. وروى مسلم عن عقبة بن عامر "المؤمن أخو المؤمن فلا يحل لمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه حتى يذر ولا يخطب على خطبته حتى يذر". والمعنى في تحريم ذلك الإيذاء أما لو أذن البائع في البيع على بيعه عن رضا لا لنحو ضجر وضيق فقد ارتفع التحريم ولو باع أو اشترى دون إذن صح البيع والشراء لوجود شروط البيع كاملة.
(والنجش بان يزيد في الثمن لا لرغبة بل ليخدع غيره) فيشتريها أي غيره وهو محرم ولو كان المال ليتيم أو فقير أو محتاج لعموم النهي فقد روى الشيخان عن ابن عمر أن النبي (ص) نهى عن النجش.
(والأصح أنه لا خيار) للمشتري لتفريطه بعد تأمله للسلعة ولعدم سؤال أهل الخبرة والاستعانة بهم والثاني له الخيار أن ثبت أن النجش كان بمواطأة من البائع لأنه في هذه الحالة مدلس كحكم التصرية أما إذا لم يثبت فلا خيار جزماً.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/303)
(وبيع الرُطب والعنب لعاصر الخمر) أي لمن يظن منه عصره خمراً أو مسكراً فإن توهم اتخاذه إياهما من المبيع فالبيع مكروه أو تحقق فحرام فقد روى البخاري عن ابن عباس قال: "بلغ عمر أن فلاناً باع خمراً فقال: قاتل الله فلاناً ألم يعلم أن رسول الله (ص) قال: قاتل الله اليهود حُرمت عليهم الشحوم فجملوها [أذابوها] فباعوها".
وفي رواية مسلم: أن سمرة بن جندب باع خمراً فقال عمر: قاتل الله سمرة" قيل أخذها جزية فباعها وقد علم تحريمها ولم يعلم تحريم بيعها وقال الخطابي: يجوز أن يكون باع العصير ممن يتخذه خمراً والعصير يسمى خمراً كما أن العنب قد يسمى خمراً لأنه يؤول إليه كما أن الطبراني روى في الأوسط عن بُرَيدة مرفوعاً "من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يتخذه خمراً فقد تقحم النار على بصيرة" وقد لعن رسول الله (ص) في الخمر عشرة منهم عاصرها ومعتصرها قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن بيع الخمر غير جائز ومن المنهي عنه احتكار القوت بأن يشتريه وقت الغلاء والعبرة في الغلاء العرف ليبيعه بأكثر من ثمنه للتضيق حينئذ فقد روى أحمد والحاكم وأبن أبي شيبة من حديث أبن عمر "من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه" وزاد الحاكم "وإيما أهل عرصة أصبح منهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله".
وروى ابن ماجة من حديث عمر بن الخطاب "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون".
وروى مسلم من حديث معمر بن عبد الله بن نضلة العدوي "لا يحتكر إلا خاطئ".
(ويحرم التفريق بين الأم وولدها) أي بين الرقيقة وولدها الرقيق في البيع أو الهبة أو الميراث (حتى يميز) لسبع سنين أو ثمانٍ (وفي قول حتى يبلغ) فقد روى الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن أبي أيوب "من فرق والدةً وولدَهَا فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة".
وروى أبو داود والترمذي والبيهقي عن علي "أنه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبي (ص) ورد البيع ولا يحرم التفريق بالعتق والوصية فلعل الموت لا يحدث إلا بعد سن التمييز ولو كانت الأم رقيقة والولد حراً أو العكس فلا منع من بيع الرقيق منهما وإذا كان فيه نقص في التمييز فلا يباع حتى يبلغ ويحرم التفريق في السفر بين زوجة حرة وولدها غير المميز لا المطلقة (وإذا فرق ببيع أو هبة بطلا في الأظهر) لعدم القدرة على التسليم شرعاً أما قبل سقية اللبأ فيبطل جزماً وقيل يجوز إذا كان المشتري ممن يعتق عليه المُشْتَرى فالظاهر عدم الحرمة لتحصيل مصلحة الحرية فهي صفة كمال.
(ولا يصح بيع العُرْبون بأن يشتري ويعطيه دراهم لتكون من الثمن إن رضي السلعة وإلا فهبةً) لما روى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أنه (ص) نهى عن بيع العُربان لأن فيه شرطين فاسدين أحدهما شرط الهبة والثاني شرط الرد على تقدير أن لا يرضى بالشراء وقيل إن التفريق بين الأم والولد وبيع العربون كان ينبغي أن يذكر في فصل البيوع الباطلة قال الرملي جواباً على ذلك بأنه لما كان مُخْتَلَفاً بالبطلان في التفريق ولم يثبت في العربون نهي صحيح كان نوعاً ثالثاً فأخر عن النوعين قبلهما لذلك. أ. هـ تتمة: البيع تعتريه الأحكام الخمسة فيجب كما في بيع القاضي مال المفلس والمحجور عليه وفي حالة الاضطرار كبيع الولي مال اليتيم إذا تعين بيعه، ويندب في نحو زمن الغلاء وفي المحاباة للعالم بها ويكره في نحو بيع مصحف ودور مكة وفي سوق اختلط فيه الحرام بغيره وممن أكثر ماله حرام، ويحرم في بيع نحو العنب لعاصر الخمر وبيع السلاح للحربي، ومما يجب بيعه ما زاد على قوته سنة إذا احتاج الناس إليه، ولا يكره إمساكه سنين مع عدم الحاجة إليه، ومما يحرم التسعير على الحاكم ولو في غير المطعومات لكن للحاكم ان يعزر من خالف أمره إذا بلغه لشق عصا الطاعة، ومن المحرم بيع العينة وذلك بأن يبيعه عيناً بثمن كثير مؤجل ويسلمها إليه ثم يشتريها منه بنقد يسير ليبقى الكثير في ذمته، وغالب البيوع من المباح.
فصل في تفريق الصفقة وتعددها
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/304)
(باع خلاً وخمراً أو عبده وحراً أو عبد غيره أو مشتركاً بغير إذن الآخر) ومثله شاة وخنزيراً (صح في ملكه في الأظهر) وبطل في الآخر وإعطاء لكل منهما حكمه، والثاني يبطل في الجميع تغليباً للحرام على الحلال، أما إذا أذن الشريك في البيع فقد صح جزماً وأما إذا أذن مالك العبد بالبيع فإنه لا يصح بيع العبدين للجهل بما يخص كل منهما وقيل يصح على أن يوزع الثمن على قدر قيمتيهما (فيتخير المشتري إن جهل) بناءً على قولنا بالصحة وجهل أن بعض المبيع خمراً فيتخير بين الفسخ والأجازة لتبعيض الصفقة عليه أما إذا علم فلا خيار له لتقصيره وعليه في حال علمه كامل الثمن (فإن أجاز فبحصته من المسمى باعتبار قيمتهما) لعدم علمه وذلك بأن يقدر الخمر خلاً والحر رقيقاً فإذا كانت قيمتهما ثلاثمائة والمسمى مئة وخمسين وقيمة المملوك مئة فحصته من المسمى خمسون (وفي قول بجميعه) لأنه بإجازته رضي بجميع الثمن في مقابله المملوك فكان الآخر كالمعدوم (ولا خيار للبائع) لأنه المفرط حيث باع مالاً يملكه وطمع فيما لا يستحقه (ولو باع عبديه فتلف أحدهما قبل قبضه) فينفسخ العقد في التالف وتستمر صحته في الباقي بقسطه من المسمى إذا وزع على قيمته وقيمة التالف (لم ينفسخ في الآخر على المذهب) وإن لم يقبض الثمن مع جهالة ثمن التالف لأنهما طارئة فلا تضر كما لا يضر سقوط بعض الثمن لأرش العيب بل يتخير المشتري فوراً بين فسخ العقد والإجازة لتبعيض الصفقة عليه (فإن أجاز فبالحصة قطعاً) وقيل بجميع الثمن وهو مردود لأن الثمن غير منظور إليه أصالة فاغتفر تفريقه دواماً لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء خلافاً للمُثْمَنِ فإنه المقصود بالعقد فأثر تفريقه دواماً (ولو جمع) العقد (في صفقة مختلفي الحكم كإجارة وبيع أو) إجارة و (سلعة) كبعتك هذه وآجرتك هذه سفرة بألف أو آجرتك هذه وبعتك كذا في ذمتي سلماً بألف دينار مثلاً (صح في الأظهر ويوزيع المسمى على قيمتهما) كل منهما بقسطه بالمسمى أي قيمة المؤجر من حيث الأجرة وقيمة المبيع أو المسلم فيه من حيث القيمة وقيل يبطلان لأنه قد يَعْرِضُ فسخ لأحدهما مما يقتضي التوزيع لأنهما دخلا تحت عقد واحد وقد جهلنا ما يخص كلاً منهما أو بيع ونكاح كقوله بعتك داري وزوجتك ابنتي (صح النكاح) لأن النكاح لا يفسد بفساد الصداق (وفي البيع والصداق القولان) السابقان وأظهرهما الصحة في البيع والصداق ويوزع المسمى على قيمة المبيع ومهر المثل (وتتعدد الصفقة بتفصيل الثمن كبعتك ذا بكذا وذا بكذا) فيقبل فيهما وله ردُّ نصيب أحدهما بالعيب (وبتعدد البائع) كقولهم حالة كون المبيع مشترك بينهما بعناك هذا بكذا فيقبل منهما وله ردُّ نصيب أحدهما بالبيع (وكذا بتعدد المشتري) به نحو بعتكما هذا بكذا فيقبلان (في الأظهر) قياساً على البائع، فلو وفى أحد المشترين نصيبه من الثمن فيجب على قولنا بالصحة على البائع أن يسلمه قسطه من المبيع وقيل لا حتى يوفي الآخر نصيبه كما لو اتحد المشتري لثبوت حق الحبس (ولو وكلاه أو وكلهما) في البيع أو الشراء (فالأصح اعتبار الوكيل) في اتحاد الصفقة وتعددها لأنه العاقد وأحكام العقد من خيار وغيره تتعلق به سواء في ذلك اتحاد الصفقة أو تعددها.
? باب الخيار ?
والخيار هو طلب خير الأمرين من إمضاء العقد أو فسخه، والأصل في البيع اللزوم لأن القصد من البيع نقل الملك وحَلَّ التصرف مع الأمن من نقض صاحبه له وهما فرعا اللزوم ولأن الشارع الحكيم أثبت فيه الخيار رفقاً بالمتعاقدين إما لدفع الضرر وهو خيار النقص وإما للتروي وهو ما يسمَّى خيار التشهي وهو الرغبة الخالصة من غير توقف على فوات أمر في المبيع وله سببان المجلس والشرط.
يثبت خيار المجلس في أنواع البيع كالصرفوهو بيع النقد بالنقد والطعام بالطعام والتوليةأي بيع الشيء بثمنه السابق والتشريك أي المشاركةوصلح المفاوضة على عين فقط بخلاف صلح الحطيطة فإنه على الدين إبراء وعلى العين هبة ولا خيار فيهما.
روى الشيخان عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار. قال ابن المبارك هو أثبت من الجبال.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/305)
وفي رواية لهما عن ابن عمر: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما للآخر اختر. قال نافع وكان ابن عمر إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق صاحبه.
وروى البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما مُحِقَتْ بركة بيعهما.
وروى البخاري عن ابن عمر قال: بعتُ من أمير المؤمنين عثمان بن عفان مالاً بالوادي بمالٍ له بخيبر فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادَّ في البيع. وفي رواية أيوب بن سويد فطفقت أنكص على عقبي القهقرى.
فإذا اشترى من يعتق عليه من أصوله أو فروعه فإن قلنا الملك في زمن الخيار للبائعوهو القول الضعيف أو المرجوع أو موقوف وهو الأصح فلهما الخيار جميعاً على الأصل في الخيار وإن قلنا للمشتري. على الضعيف تخير البائع دونه أي دون المشتري ولا ضرر على البائع هنا إذ لا يتمكن المشتري من إزالة الملك ولا يحكم بعتق الرقيق حتى يلزم العقد فيبيِّنُ أنه عتقَ من حين الشراء وأصح الأقوال الثلاثة القول الثاني أي أن يكون الخيار لهما ولا يعتق بحال إلا عند لزوم العقد.
ولا خيار في الإبراء والنكاح والهبة بلا ثواب لأنها ليست بيوعاً والحديث ورد في البيع ولا خيار أيضاً في الوقف والعتق والطلاق لأنها ليست بيوعاً أيضاً. وكذا الهبة ذات الثواب في الأصح ولكن المعتمد خلاف هذا فهي بيع ثبت الخيار فيه.
وكذا الشفعة لا يثبت فيها الخيار لأن الخيار يثبت فيما ملك بالاختيار فلا معنى فيما أُخذ بالقهر ولكن قول الأكثرين أنه معاوضة تلحق بالمبيع كما أنه يثبت فيه الردُّ بالعيب.
والإجارة لا يثبت فيها الخيار لأنها عقد غرر والخيار غرر ولا يضم غرر إلى غرر ومقابله يثبت فيها الخيار لأنها عقد معاوضة سواء كانت إجارة عين كدار مثلاً أو إجارة ذمة كإيصال رسالة أو مال إلى مكان معين أو بناء دار أو حفر بئر ... الخ.
والمساقاة لا يثبت فيها الخيار ويقال فيها ما قيل في إجارة الذمة.
والصداق لا خيار فيه في الأصح ووجه من قال أنه لا يثبت فيها الخيار أن المال تبع في النكاح لا استقلال ومقابله أن العوض مستقل ومثله الخلع وقال في الأصح في هذه الخمسة لأن فيها وجهين خيار ولا خيار.
وينقطع الخيار بالتخاير بأن يختارا لزومه أي يختار لزوم العقد بصيغة تدل على القبول كقولهم اخترنا أو أمضينا أو قبلنا لأن الخيار حقٌ لهما فيسقط بإسقاطهما فلو اختار أحدهما لزومه أي لزوم العقد وإمضاءه سقط حقه من الخيار وبقي الخيار للآخر.
وإذا قال أحدهما للآخر اختر فقد سقط حقه أي القائل من الخيار لتضمن قوله الرضا وبقي حق الآخر في الخيار لحديث ابن عمر السابق (أو يقول أحدهما للآخر اختر) متفق عليه.
وبالتفرق بينهما- منهما جميعاً أو من أحدهما لحديث ابن عمر (رجعت على عقبي حتى خرجت) رواه البخاري.
وقول نافع: وكان ابن عمر إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق المجلس: البخاري.
فلو طال مكثهما أو قاما وتماشيا منازل دام خيارهما وإن زادت المدة على ثلاثة أيام والأصح ينقطع بعد ثلاثة أيام لأنها نهاية الخيار المشروط شرعاً. فقد روى أبو برزة بسند صحيح عن أبي الوضيء قال: عزونا غزوة لنا فنزلنا منزلاً فباع صاحب لنا فرساً بغلام ثم أقاما بقية يومهما وليلتيهما فلما أصبحنا من الغد وحضر الرحيل قام إلى فرسه يسرجه فندم فأتى الرجل وأخذه بالبيع فأبى الرجل أن يدفعه إليه فقال بيني وبينك أو برزة صاحب رسول الله فأتيا أبا برزة في ناحية العسكر فقالوا له هذه القصة فقال أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) وما أراكما افترقتما. ويعتبر في التفرق العرف أي ما يعده الناس تفرقاً فهو التفرق فإن كان في دار صغيرة فالتفرق بأن يخرج أحدهما منها أو يصعد سطحها أو كبته كأن ينتقل أحدهما من صحنها إلى صفتها أو بيت من بيوتها إما في الصحراء أو السوق كأن يولي أحدهما ظهره ويمشي قليلاً.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/306)
ولو مات أحدهما في المجلس أو جُنَّ فالأصح انتقاله أي الخيار إلى الوارث والولي ويتولى الولي أو الوارث ما فيه المصلحة من فسخ أو إمضاء وقيل يسقط الخيار لأن مفارقة الحياة أعظم من مفارقة المكان ومثلها لو جُنَّ أحدهما لأنه فارق عقله فسقط عنه التكليف ولكل من المتبايعين فسخ العقد قبل لزومه (ولو تنازعا في التفرق أو الفسخ قبله) أي في فسخ العقد قبل التفرق أو اتفقا على التفرق ولكن قال أحدهما أجزنا وقال الآخر فسخنا صدق النافي بيمينه لموافقته الأصل وهو دوام الاجتماع وعدم الفسخ أما لو اتفقا على عدم التفرق وادعي أحدهما الفسخ فإن دعوى الفسخ فسخٌ لأن الحق له في الفسخ ما داما في المجلس.
? فصل في خيار الشرط ?
لهما ولأحدهما شرط الخيار أي لأحد المتعاقدين أن يشرط على الآخر مدة لأجازة العقد مع موافقة الآخر إجماعاً. إلا إذا كان المبيع عبداً يعتق على المشتري كأن يكون أصلاً أو فرعاً له وشرط المشتري الخيار لنفسه فقط لم يجز لأن العتق يستعقب الملك فلزم من ثبوت الخيار عدم الخيار وهي ما تسمى مسألة الدور ويجوز التفاضل في مدة الخيار كأن يشرط لأحدهما يوم وللآخر ثلاثة مثلاً ويجوز للعاقد لنفسه أن يجعل الخيار لغيره كأن اشترى سيارة فقال بشرط موافقة فلان لكونه أعرف بالمبيع أو لغرض آخر يقصده المتعاقد في أنواع البيع إلا أن يُشْترَطَ في بعضها القبض في المجلس كربوي ومُسْلَمٍ فلا يجوز شرط الخيار فيها لأن الربوي والمسلم عقدان لا يحتملان التأجيل بالقصد منها أن يفترقا ولا علاقة بينهما والخيار يؤدي إلى علاقة بينهما بعد التفرق.
وإنما يجوز في مدة معلومة لا تزيد على ثلاثة أيام فلو كانت المدة مجهولة أو زائدة على ثلاثة أيام بطل العقد والأصل في ذلك خبر الشيخين عن ابن عمر قال: ذكر رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنْ بايعت فقل له لا خلابة وفي رواية البيهقي: ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال. رواه الحميدي في مسنده والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه من حديث محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر والرجل هو منقذ بن عمر أو حبان.
ولأحمد وأصحاب السنن من حديث أنس أن رجلاً من الأنصار كان يبايع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في عقدته ضعف فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بايعت فقل لا خلابة) والخلابة: أي الخداع والعرب تقول طَلقٌ خُلَّبٌ أي لا ضرر فيه ولا حقيقة له. والعقدة: أي الرأي – أي كان ضعيف الرأي لعلة في رأسه والواقعة في الحديث الاشتراط من المشتري وقيس عليه الاشتراط من البائع وتحسب من العقد الذي وقع فيه الشرط وقيل من التفرق أو التخاير وهو الأصح لأن المشترط يريد زيادة المدة هذا إذا أطلقا أو أحدهما وقبلا الشرط أما إذا اشترطا الخيار بعد العقد وقبل التفرق حسبت من العقد ولا اعتبار بالتفرق ولو شرطا أن الخيار يبدأ من غد مثلاً بطل العقد والأظهر أنه إن كان الخيار المشروط للبائع فملك المبيع زمن الخيار له وإن كان للمشتري فله أي للمشتري وإن كان لهما فموقوف أي الملك موقوف ولا يتصرف فيه أحدهما لأنه ليس أحد الجانبين أولى من الآخر فإذا تمَّ البيع بان أنه للمشتري من حين العقد أي ملك المبيع وإلا فللبائع لأنه لم يتم البيع فكأن المبيع لم يخرج من ملك البائع وحيث حكمنا بملك المبيع لأحد الطرفين حكمنا بملك الثمن للآخر.
ويحصل الفسخ والإجازة بلفظ يدل عليهما أي في زمن الخيار ففي الفسخ كفسخت البيع ورفعته واسترجعت المبيع وفي الإجازة أجزته أي البيع وأمضيته وألزمته إلى غير ذلك من التعابير الدالة عرفاً على إمضاء العقد أو فسخه.
ووطء البائع وإعتاقه المبيع في زمن الخيار المشروط له أو لهما فسخ البيع وكذا بيعُهُ وإجارته وتزويجه فسخ البيع في زمن الخيار لإشعاره بالإعراض عن البيع.
والأصح أن هذه التصرفات من المشتري في زمن الخيار المشروط له أو لهما إجازة للشراء لأشعارها بقبول الشراء والأصح أن العرض على البيع والتوكيل فيه ليس فسخاً من البائع ولا إجازة من المشتري لأنه قد يقصد من ذلك تبين الحال وقيل هو فسخ من البائع وإجازة من المشتري قياساً على الوصية حيث هذه التصرفات تُبطِلُ الوصية.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/307)
قلنا هذا في الوصية لضعفها ولأنه لا يوجد في الوصية حَالَ حياة الموصي إلا طرف واحد هو الموصي أما الموصَى له فلا حق له في شيء حال حياة الموصي لأن الموصي قادر على التنجيز والرفع دون الرجوع إلى أحد.
? فصل في خيار النقص ?
وهو المتعلق بفوات مقصود مظنون نشأ الظن فيه من:
1 - قضاء عرفي: وهو ما يظن وجوده في البيع عرفاً وهو السلامة من العيب.
2 - التزام شرطي.
3 - تغرير فعلي.
للمشتري الخيار في رد المبيع بظهور عيب قديم ونقصد بالقديم الذي كان موجوداً قبل العقد أو بعد العقد وقبل التسليم كمضاء رقيق بقطع خصيته أو سلِّ لها أو كان مخلوقاً بغير خصيتين ومثله جبُّ ذكره لنقصه المفوت للجماع الذي قد يكون مقصوراً في الشراء. فقد أخرج الشافعي وأحمد وأصحاب السنن والحاكم عن طريق عروة عن عائشة (أن رجلاً اشترى غلاماً في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان عنده ما شاء الله ثم رده من عيب وجده فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم برده بالعيب فقال المقضي عليه: قد استغله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الخراج بالضمان (أو زناه وسرقته وإباقه أي كل منها وإن لم يتكرر وألحق به اللواط وإتيان البهائم وتمكين من نفسه والمساحقة وهذه كلها عيوب شنيعة تجيز الردَّ بالعيب لأن صاحبها قد يألفها كما أنها عارٌ في المجتمع النظيف ولأن تهمتها لا تزول عادة في مجتمع لم يعهد الشر وتربّى على أخلاق المؤمنين وبوله بالفراش في غير أوانه كأن بلغ ست أو سبع سنين وما زال يتبول في فراشه لأن ذلك يقلل الرغبة فيه وبخره وهو الناشئ من تغير المعدة وليس الناتج من تغير الفمَّ لسهولة تنظيفه وإزالته وسواء في ذلك الذكر والأنثى ومن العيوب أيضاً الصمم والعمى والخرس والبلاهة أو يكون أخفشاً وهو الذي لا يبصر في الضوء أو أعمشاً وهو الذي يسيل دمعه دائماً مع ضعف في البصر وصنانه وهي الرائحة الكريهة التي تخرج مع العرق فما كان لعارض كحرارة جو أو ترك غسل فلا يردُّ أما إذا كان صنانه مستحكماً لا ينفع معه غسيل فيردُّ به ومن العيوب التي يردُّ بها العبد أن يكون ساحراً أو تاركاً للصلاة أو شارباً للخمر أو تكون الأمة قرنا بأن يوجد في فرجها ما يمنع الجماع أورتقاء وهي التي انسدَّ عندها موضع الجماع وغير ذلك من العيوب.
وجماح الدابة. أي صعوبة ركوبها ومثله هربها فما تراه وعضها ورمحها لمن يقترب منها فكلُّ ما ينقصُ العين أو القيمة نقصاً يُفَوٍّتُ به غرضٌ صميمٌ إذا غلب في جنس المبيع عدمه في العادة بخلاف ما لا يفوت به غرض صميم – كجرح قديم اندمل أو شيب في كبر سنٍّ أو قلع بعض أسنانه فلا يضر في البيع سوءا في ثبوت الخيار قارن العيب العقد بأن كان موجوداً قبل العقد أم حدث بعد العقد وقبل القبض لأن المبيع ما زال في ضمان البائع ولو حدث العيب بعده أي بعد القبض فلا خيار للمشتري في الردِّ إلا أن يستند العيب إلى سبب متقدم أي يستند إلى سبب متقدم على العقد أو القبض وقد جهله المشتري كقطعه بجنابة سابقة. إذا كان المبيع عبداً أو أمةً وقد وجب عليه القطع قصاصاً أو حداً لأن وجوب القطع عليه كبيعه مقطوعاً يثبت الرد بالعيب ومثله زوال بكارتها بزواج متقدم لم يعلمه المشتري فيثبت الردُّ في الأصح لأن تقدم السبب كتقدم الفعل بخلاف موته بمرض سابق في الأصح فلا ردَّ لثمنه لتعذر رده بالموت لأن المرض يزداد شيئاً فشيئاً إلى الموت فلم يتحقق ردُّ سبب الموت إلى المرض السابق كما أن الموت يأتي عرض وغيره هذا إذا لم يعلمه مريضاً أما إذا علمه مريضا فلا ردَّ قطعاً. نعم إذا لم يعلم فله أرش الثمن مابين قيمته صحيحاً ومريضاً وقت القبض.
ولو قبل بردة سابقة ضمنه البائع في الأصح فيسترد المشتري جميع الثمن لأن قتله لسبب متقدم فينفسخ البيع من قبل قتله إن جهل ذلك المشتري ولو باع حيواناً أو غيره بشرط براءته من العيوب والضمير في براءته يعود على البائع أو المبيع والذي جرى عليه المصنف أن البائع لا يتحمل أي شيء يظهر في المبيع أي لا يردُّ عليه بالعيب صح العقد مطلقاً لأنه عقد مشروط بظاهر الحال من السلامة من العيوب كما يقولون عادة: أني برئ من كل عيب فيه أو يقول كله عيوب أو يقول تحت كل شعرة عيب أو يقول: بعته جلدٌ وعظم أو قرن وحبل أو لحم في قفة أو صندوق مغلقة فالأظهر أنهيبرأ عن كل عيب باطن بالحيوان لم يعلمه البائع
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/308)
دون غيره فلا يبرأ عن عيب ظاهر بالحيوان أو عيب باطن فيه وقد علمه. لما روى مالك في الموطأ: أن ابن عمر باع غلاماً بثمانمائة درهم وباعه بالبراءة فقال الذي ابتاعه وهو زيد ابن ثابت بالعبد عيب لم تسمه لي فاختصما إلى عثمان فقضى على ابن عمر أن يحلف لقد باعه العبد وما به داءٌ يعلمه فأبى عبد الله أن يحلف وارتجع العبد فباعه بألف وخمسمائة فكان ابن عمر يقول: تركت اليمين لله فعوضني الله عنها دلّ قضاء عثمان على البراءة من عيب باطن لا يعلمه ولكن لم يبرأ عن عيب علمه ولا عن عيبه الظاهر مطلقاً لندرة خفائه. قال الشافعي الحيوات يتغذى في الصحة والسقم وتحول طبائعه فقلما ينفك عن عيب خفي أو ظاهر فيحتاج البائع فيه إلى شرط البراءة ليثق بلزوم البيع فيما لا يعلمه من الخفي دون ما يعلمه لتلبيس فيه ومالا يعلمه من الظاهر لندرة خفائه عليه والبيع صحيح ويؤكد قضاء عثمان وقد اشتهر بين الصحابة ولم ينكروه أما في غير الحيوان فلا يبرأ مطلقاً لأن العيب لا يخفى وله مع هذا الشرط الردُّ بعيب حدث قبل القبض وبعد العقد لانصراف الشرط إلى العيب الموجود عند العقد ولو شرط البراءة عما يحدث لم يصح الشرط في الأصح وكذا لو شرط البراءة من الموجود وما يحدث لم يصح لأنه إسقاط للشيء قبل ثبوته ولو شرط البائع البراءة من عيب لا يعاين كالزنا والسرقة والكذب برئ منها قطعاً لأن ذكرها إعلام بها. ولو هلك المبيع عند المشتري أي بعد قبضه من البائع أو أعتقه أو استولدها أو أوقفه ثم علم العيب الذي ينقص القيمة رجع بالأرش لعدم إمكانية الرد وهو أي الأرش جزء من ثمنه أي من ثمن المبيع نسبته أي نسبة الجزء إلى الثمن نسبة أي مثل نسبه ما نقص العيب من القيمة لو كان سليماً فإن كانت القيمة بلا عيب مائة وبالعيب تسعين فنسبة النقص إليها عُشرها فالأرش عُشْر الثمن لأن المبيع مضمون على البائع فيكون جزؤه مضمونا عليه بجزء الثمن والأصح اعتبار أقل قيمة للمبيع من يوم البيع إلى القبض ووجه أقل القيمتين أي القيمة إن كانت يوم البيع أقل في ملك المشتري وإن كانت يوم القبض أقل فما نقص فيمن ضمان البائع ولو تلف الثمن أو خرج عن ملك البائع دون المبيع أي والمبيع المعيبُ موجوداً رده وأخذ مثل الثمن إن كان مثلياً أو قيمته إن كان متقوماً ولو علم العيب بعد زوال ملكه عن المبيع إلى غيره بعوض أو بغير عوض فلا أرش له في الأصح لأنه لم ييأس من الرد فإذا رُدَّ عليه فله الردُّ فإن عاد الملك له فله الردُّ سواء رُدَّ عليه بالعيب أو بغيره لإمكانية الرد وقيل إن عاد بغير الردِّ بعيب فلا ردَّ والأصح لو تعذر الردُّ لتلف أو إعتاق فيعود المشتري الثاني على المشتري الأول بالأرش ويعود الأولى على البائع وللأول الرجوع على البائع قبل الغرم للثاني وله الرجوع أيضاًً إذا أبرأه الثاني. والردُّ على الفور إجماعاً فيبطل حق الردِّ بالتأخير من غير غرر.
فليبادر على العادة فلو علمه وهو يصلي أو يأكل أو يقضي حاجته فله تأخيره حتى يفرغ أي إذا علم بالعيب أو علمه ليلاًفحتى يصبح ولا يكلف الإسراع في المشي فإن كان البائع بالبلد ردَّه عليه بنفسه أو وكيله أو على وكيله لقيام الوكيل مقام موكله ولو تركه – أي ترك المشتري الردَّ على البائع أو وكيله ورفع الأمر إلى الحاكم فهو آكد في الردِّ لأنه ربما احتاج في النهاية إلى الربع إلى القاضي لامتناع البائع عن الردِّ وإن كان البائع غائباً عن البلد ولم يكن له وكيل بالبلد رفع الأمر إلى الحاكم فيدعي شراء ذلك لاشيء من فلان الغائب وقد ظهر به العيب وأنه فسخ البيع ويقيم البينة أمام شخص يعينه القاضي ويحلف لأنه قضاء على غائب ويحكم بالردِّ على الغائب ويأخذ المبيع ويضعه عند عدلِ ويقضي الدين من مال الغائب إن كان له مال. وإلا فيبقي الثمن ديناً على الغائب والأصح أنه يلزمه الإشهاد على الفسخ إن أمكنه حتى ينهيه إلى البائع أو الحاكم ومقابله يكفيه الفسخُ عند أحدهما فإن عجز عن الإشهاد لم يلزمه التلفظ بالفسخ في الأصح إذ لا معنى للتلفظ بالفسخ من غير سامع يعتدُّ به وقيل يجب ليبادر بحسب الإمكان.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/309)
ويشترط ترك الاستعمال عند الردِّ فلو استخدم العبدَ حتى ولو بقوله اسقني أو ناولني الثوب أو أغلق الباب أو ترك على الدابة سرجها أو إكافها والإكاف هو البرذعة بَطَلَ حَقهُ في الردِّ للإشعار بالرضا والصحيح لا يضر الاستخدام الخفيف وإنما يضر الاستخدام الطويل ولا يضر علف الدابة وسقيها لأن ذلك لمصلحتها.
ويعذر في ركوب جَمُوح يعسر سوقها وقودُها حين ذهابه لردها للحاجة إلى الركوب.
وإذا سقط رده بتقصير منه فلا أرش له ولا ردَّ. ولو حدث عنده عيب مرضٌ وغيره ثم اطلع على عيب قديم سقط الردُّ قهراً أي أن البائع لا يقهر على الردِّ وقهراً هنا حال من الردِّ أو تميزاً له وذلك لأن المشتري أخذه بعيب فلا يرده بعيبين والضرر لا يزال بالضرر وعلى هذا لو زال الحادث كان له حق الردِّ ثم إن رضي به أي المبيع البائعُ معيباً رده المشتري بلا أرش عن الحادث أو اقتنع به المشتري بلا أرش عن القديم وإلا أي إذا لم يرضَ البائع به معيباً (فليضم المشتري أرش الحادث إلى المبيع ويردَّ أو يغرم البائع أرشَ القديم ولا يردُّ المشتري المبيع رعاية لحق الجانبين فإن اتفقا على أحدهما فذاك لأن الحق لهما فإما أن يشترط البائع بأرشه الجديد وإما أن يستبقيه المشتري بأرشه القديم وإلا فالأصح إجابة من طلب الإمساك والرجوع بالأرش لما في ذلك من إمضاء العقد ويجب أن يُعْلَِمَ المشتري البائع على الفور بالحادث مع القديم ليختار شيئاً مما تقدم من أخذ المبيع أو تركه ودفع أرش فإن أخر إعلامه بلا عذر فلا ردَّ ولا أرش لإشعار التأخر بالرضا وإمضاء البيع أما إذا كان العيب سريع الزوال عادة فيعذر بالتأخير في الردِّ ولو حدث عيب لا يعرف القديم إلا به ككسر بيض ورار فج أي جوز الهند حيث لم يتأت معرفة عيبه إلى بكسره وتتوير بطيخ مدوِّد ونشر ثرب بفتح صندوقه وفتح صفيحة زيت أو سمن أو عسل وشق كيس قمح أو أرز ونحو ذلك رُدَّ ما ذكر بالقديم ولا أرش عليه في الأظهر لأن علمه متوقف على ما أحدث فيه من كسر أو تفوير أو فتح أو شق فإن أمكن معرفة القديم بأقل مما أحدثه كغرز إبرة أو شمِّ رائحة أو هزٍ فكسائر العيوب الحادثة عند الشدى المشتري فيمتنع الردُّ القهري.
فرع: في تفريق الصفقة بالردِّ اشترى من واحدٍ عبدين معيبين صفقة ردَّهما إن شاء قهراً لا أحدهما للإضرار بالبائع في تفريق الصفقة عليه من غير ضرورة ولو ظهر عيب أحدهما دون الآخر ردهما لا المعيب وحده في الأظهر منعاً للإضرار لما فيه من تفريق الصفقة فإن رضي البائع بردِّ أحدهما فلا بأس في ذلك وسبيل التوزيع بتقديرهما سليمين وتقويمها ويقسط الثمن عليها هذا إذا كان الشيئان لا تتعلق منفعة أحدهما بالآخر أما إذا تعلقت منفعة أحدهما بالآخر فيردان جميعاً كمصراعي باب أو زوجي خف أو طقم آنية أو طقم لباس.
ولو اشترى عبد رجلين معيباً فله ردُّ بعيب أحدهما بتفضيل ثمن كل واحد منهما فله الردُّ لتعدد الصفقة بتعدد البائع في الأولى وبتعدد المبيع وتحديد ثمنه في الثانية.
ولو اشترياه أي لو اشترى اثنان عبد رجل واحد فلإحدهما الردُّ لنصيبه في الأظهر لأن الأظهر تعدد الصفة بتعدد المشتري كما في تعدد البائع.
ولو اختلفا في قدم العيب وكان صدق كل منهما محتملاً صدق البائع بيمينه لأن الأصل لزوم العقد والبراءة من العيب على حسب جوابه أي على مثل بأن يقول ليس له الردُّ أو لا يلزمني الردُّ لأن المشتري قد يكون اطلع على العيب ورضيه قبل العقد أو بعده أما لو قال البائع قد علم العيب ورضيه كلف هنا البينة ولا يمين عليه.
والزيادة المتصلة كالثمن تتبع الأصل – إن كان ذلك في المبيع أو الثمن ومثل ذلك تعلم الرقيق صنعة أو حفظه قرآناً أو كبر الشجرة لتعذر الفصل ولأنه قد يقع نزاع في مقدار ما لكل منهما فلذا جُعلت الزيادة المتصلة تابعة للأصل.
والمنفصلة كالولد والأجرة لا تمنع الردُّ أي الزيادة العينية أو المنفعة لا تمنع الردِّ عملاً بمقتضى العيب وهي للمشتري إن ردِّ المبيع بعد القبض للحديث السابق عن عائشة (الخراج بالضمان) ومعنى ذلك أن ما يخرج من المبيع من غلة تكون للمشتري في مقابلة أنه لو تلف لكان من ضمانه لأنه حدث في ملكه وكذا قبله في الأصح قيل لأن الفسخ يرفع العقد من حين الردِّ لا من أصله ومقابله أن الردَّ قبل القبض يرفع العقد من أصله.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/310)
ولو باعها حاملاً فانفصل رده معها في الأظهر / الجارية أو البهيمة وكانت معيبة فيردها وولدها لأن ولدها من جملة المبيع والولادة نماء متصل وأن الحمل يقابل بقسط من الثمن. أما إذا نقصت الحامل بالولادة فيمتنع الرد لأنه عيب حادث في ملك المشتري فهو كسائر العيوب أما إذا كان جاهلاً بالحمل عند الشراء ونقصت بالولادة فله الردُّ بناءً على أن العيب الحادث بسبب متقدم كالمتقدم.
ولا يمنع الردُّ الاستخدام ووطء الثيب قبل علم العيب من المشتري ووطء الثيب لا يمنع الردَّ لأن له حكم الاستخدام وافتضاض البكر (بالفاء والقاف) من المشتري أو غيره الذي أدى إلى زوال بكارتها بعد القبض نقص حدث ما لم يستند إلى سبب متقدم كزواج سابق أو مرض لم يعلمه المشتري وقبله جناية على المبيع قبل قبضه فإن كان من المشتري فلا ردَّ له بالعيب أو من غيره وأجاز هو المبيع فله الردُّ بالعيب ولا شيء له بافتضاض البائع أو بزواج سابق أما لو كان الزوال بافتضاض أجنبي فله مهر بكر مثلها.
? فصل: التغرير الفعلي بالتصرية وغيرها ?
التصرية: من صرّى الماء في الحوض أي جمعه وجوّز الشافعي أن تكون من العد وهو الرابط ويقال للمصراة محفَّلة من الحفل وهو الجمع وهي أن تربط أخلاف الناقة أو يمنع عنها ولا تحلب يومين أو أكثر فيجتمع اللبن في ضرعها فيظن الجاهل بحالها كثرة الحلب فيرغب في شرائها والإخلاف جمع خلفة وهي صلحة الضرع والتصرية حرام لما روى الشيخان عن أبي هريرة: لا تُصَرّوا الإبل والغنم للبيع فيمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين من بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر. وروى أبو داوود وابن ماجة والبيهقي عن ابن عمر (من ابتاع محفّلة أي مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها ردّ معها مثلها أو مثلي لبنها تمراً.
تثبت الخيار على الفور: أي التصرية لأنها عيب فلها حكمه فترد فوراً بعد الإطلاع على التصرية وقيل يمتد ثلاثة أيام: لحديث مسلم من حديث ابن سرين عن أبي هريرة (من اشترى مصرَّاة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها ردّ صاعاً من تمر لا سمراء) والسمراء هي الحنطة لأن التصرية لا تظهر غالباً إلا بعد ثلاثة أيام لاختلاف العلف أو المأوى وابتداء الثلاثة من العقد وقيل من التفرق ولا يتجاوز الخيار ثلاثة أيام لامتناع مجاوزة الثلاثة في الخيار.
فإن ردَّ المصرّاة بعد تلف اللبن ردّ معها صاع تمر للحديث السابق وقيل يكفي صاع قوت لما روى أبو داوود والترمذي (ردها وردَّ صاعاً من طعام) قيل يتعين غالب قوت البلد وقيل يكفي القيمة عند فقد التمر حساً أو شرعاً ولو علم المشتري التصرية قبل الحلب ردها ولاشيء عليه والأصح أن الصاع لا يختلف بكثرة اللبن وقلته لظاهر الحديث وقيل يختلف فيقدر التمر أو غيره بقدر اللبن فقد يزيد عن الصاع وقد ينقص وأن خيارها لا يختص بالنعم وهي الإبل والبقرة والغنم بل يعمُّ كل مأكول من الحيوان (والجارية والأتان) وهي الأنثى من الحمر الأهلية ومثلها الفرس لعموم قوله صلى الله عليه وسلم (من اشترى مصرَّاة. ولأنها تصرية يختلف بها الثمن فأثبت الخيار كتصرية بهيمة الأنعام (ولا يردّ معها شيئاً) بدل اللبن لأن لبن الآدميات لا يباع عادةً ولبن الأتان نجس لا عوض له، وفي الجارية وجه أنه يردُّ بلد اللبن معها لطهارته ومقابله أن الخيار في النعم ولأن الجارية لا يقصد لبنها عادة.
وحبس ماء القناة والرحا المرسل عند البيع وتحمير الوجه وتسويد الشعر وتجعيده يثبت الخيار للمشتري عند علمه به لأنه كالتصرية بجامع التلبيس والإضرار.
لا لطخ ثوبه أي الرقيق تخييلاً لكتابته أو إلباسه ثوب خباز أو حداد أو نجار في الأصح إذ ليس فيه كبير غرر لتقصير المشتري بعدم امتحانه والبحث عنه ولا أثر لمجرد التوهم فلو اشترى قلادة من نحاس يظنها ذهباً نفذ البيع إلا من بائع مختص يبيع الذهب لأنه مقصر بالفحص وسؤال أهل الخبرة والله أعلم.
? باب في حكم المبيع قبل قبضه وبعده والتصرف فيه?
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/311)
المبيع قبل قبضه من ضمان البائع فإن تلف انفسخ البيع وسقط الثمن عن المشتري ولو أبرأه المشتري عن الضمان لم يبرأ في الأظهر ولم يتغير الحكم لأنه إبراء عما لم يحدث وإتلاف المشتري للمبيع حساً أو شرعاً قبضٌ ومثله إتلاف المغصوب في يد الغاصب من قبل مالكه إن علم المشتري أنه المبيع حال إتلافه وإلا إن جهل أنه المبيع فقولانكأكل المالك طعامه المغصوب ضيفاً أي أن المغصوب منه إذا نزل ضيفاً عند الغاصب فقد له المغصوب صيافة قيل يبرأ لأنه كإتلاف من المشتري فأشبه القبض ومقابله إنه كإتلاف البائع.
والمذهب أن إتلاف البائع للمبيع كتلفه فينفسخ به البيع ويسقط الثمن عن المشتري ومقابله يتخير المشتري فإما يفسخ فيسقط الثمن وإن أجاز المشتري البيع غَرِمَ البائع قيمة المبيع عند تلفه ويؤدي المشتري الثمن ويجوز التقاص والأظهر أن إتلاف الأجنبي لا يفسخ البيع بليتخير المشتري بين أن يجيز ويغرم الأجنبي القيمة أو يفسخ فيغرم البائعُ الأجنبيَّ البدل ولو تعيّبَ المبيع بآفة سماوية قبل قبضه فرضيه المشتري وأجاز البيع أخذه بكل الثمن لقدرته على الفسخ فأجاز البيع أي رضيه بكل الثمن ولو عيّبَه المشتري فلا خيار له لحصول التلف بفعله فيمتنع بسبب إتلافه الردُّ القهري حتى ولو كان فيه عيوب قديمة أو عيبه الأجنبي فالخيار للمشتري لكونه مضموناً على البائع فلو أجاز غرم الأجنبي الأرش لأنه الجاني ولكن بعد قبض المبيع لا قبله لجواز تلفه بيد البائع فينفسخ عندئذ المبيع ولو عيّبه البائع فالمذهب ثبوت الخيار لا التغريم للمشتري بناء على أن فعل البائع كالآفة لا كفعل الأجنبي ولا يصح بيع المبيع قبل قبضه إجماعاً في الطعام، وقيل في غيره، وإن أذن البائع وقبض الثمن لما روى البيهقي عن حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبيعنَّ شيئاً حتى تقبضه) ولخبر الشيخين عن ابن عمر من ابتاع طعاماً فلا يبيعه حتى يستوفيه ولخبر الشيخين عن ابن عباس أنه قال: أما الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الطعام أن يباع حتى يُستوفى وفي لفظ البخاري قبل أن يقبض وفي لفظ مسلم وأحسب كل شي بمنزلة الطعام، وأخرج البيهقي عن عتاب بن أسيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما بعثه لأهل مكة إنههم عن بيع مالم يقبضوا وربح مالم يضمنوا وعن الصفقتين في البيع الواحد أن يبيع أحدهم ما ليس عنده والأصح أن بيعه للبائع كغيره لعموم النهي السابق ومقابله يصح كبيع المغصوب من الغاصب والمقصود من البيع هو بغير جنس الثمن أو بزيادة أو نقص، وإلا فهو إقالة بلفظ البيع فهي جائزة قطعاً والأصح أن الإجارة والرهن والهبة كالبيع) فلا تصح لوجود المعنى المٌعَلَّلُ به النهي وهو ضعف الملك والأصح أن الإعتاق بخلافه فيصح لشتوف الشارع إليه ومثله الإستيلاد والتدبير والتزويج والوقف والإباحة إن كان طعاماً للفقراء وفارق التصدق لأن التصدق تمليك لا الكتابة إذ ليس للكتابة قوة العتق والثمن المعين دراهم أو دنانير أو غيرهما كالمبيع فلا يبيعه البائع قبل قبضه أي لا يتصرف به قبل قبضه لعموم النهي، ولو تلف الثمن انفسخ البيع وله بيع ما في يد غيره أمانة كوديعة ومشترك وقراض ومرهون بعد انفكاكه وموروث باق في يد وليه بعد رشده وكذا عارية ومأخوذ بسوم لتمام الملك في المذكورات جميعاً، والمأخوذ بسوم هو ما يأخذه مريد الشراء ليتأمله فيشتريه أو يتركه، ومثله ما رجع إليه ولو بفسخٍ أو إفلاس وليستثنى من الموروث ما اشتراه المورِّث ولم يقبضه فلا يملك الوارث بيعه كالموروث ولا يصحبيع المُسْلَم فيه قبل قبضه ولا الإعتياض عنه قبل قبضه لعموم النهي عن بيع مالم يقبض والجديد جواز الاستبدال عن الثمن الثابت في الذمة وإن لم يكن نقداً لخبر الترمذي عن ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالدنانير وآخذ مكانها الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ مكانها الدنانير فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال: لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء والقديم المنع لعموم النهي السابق والثمن عادة النقد والمثمن مقابله فإن كان الثمن والمثمن نقدين فالثمن ما دخلته الباء والمثمن مقابله وتسمَّى هذه الباء باء السببية، فلو قال بعتك هذه الدراهم بهذه السيارة ووصفها فالسيارة مبلغٌ لا يجوز الاستبدال عنه والدراهم ثمن. ولو قال بعتك هذه الثلاجة بهذه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/312)
الدراهم فالدراهم ثمن يجوز الاستبدال عنه ولا يجوز الاستبدال عن الثلاجة لأنها ثمن فإن استبدل موافقاً في علة الربا بدراهم عن دنانير أو عكسه اشترط قبض البدل في المجلس كما دل عليه الخبر السابق حذراً من الربا، ولا يكفي التعيين والأصح أنه لا يشترط التعيين في العقد أي عقد الاستبدال لجواز الصرف عما في الذمة ومقابله يشترط ليخرج عن بيع الدين بالدين وكذا لا يشترط القبض في المجلس وإن استبدل ما لا يوافق في العلة أي على الربا كثوب عن دراهم فلا يشترط قبض الثوب في المجلس لكن يشترط تعيينه في المجلس فيصفه ثم يعيّنه ولو استبدل عن المُقْرِض أي ثمن المُقْرضِ جاز ولو لم يتلف وقيمة المتلف جاز أي لو استبدل عن قيمة المتلف بمثله صح. وكذا يصح الاستبدال عن كل دين ليس بثمن ولا مثمن كالدين الموصى به أو الواجب في المتعة أو بسبب الضمان أو عن زكاة الفطر وفي اشتراط قبضه أي قبض البدل في المجلس ما سبق أي إذا كان موافقاً في علة الربا اشتُرط والإ فلا يشترط وبيع الدين بعين لغير من عليه باطل في الأظهر بأن يشتري عبدَ زيد بمائة له على عمرو لأنه لا يقدر على تسليمه، والمعتمد خلافه لأنه مستقر فحكمه كبيعه ممن عليه، وهو الاستبدال عن القرض وقد قلنا بجوازه، وقيل يشترط أن يكون المديون ملياً مُقرِّاً وأن يكون الدين حالاً مستقراً ولو كان لزيد وعمرو دينان على شخص فباع زيد عمراً ديناً بدينه بطل قطعاً اتفق الجنس أو اختلف لنهيه صلى الله عليه وسلم بيع الكالئ بالكالئ فقد روى الدار قطني عن ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن بيع الكالئ بالكاليء) وقال الحاكم إنه على شرط مسلم، وفُسِّرَ بأنه بيع الدين بالدين كما ورد صريحاً وفي رواية البيهقي.
وقبض العقار تخليته للمشتري وتمكينه من التصرف فيه بتسليم المفتاح إليه وعدم وجود أي مانع يمنع المشتري من التصرف بشرط فراغه من أمتعة غير المشتري من البائع والمستأجر والمستعير والغاصب فإن لم يَحْضُر العاقدون المبيع العقار المنقول الذي في يد المشتري بأن غابا عن محل العقد حالة القبض اعتبر في صحة قبضه إذن البائع ومضى زمن يمكن فيه المضي إليه من العقد أو الإذن مع زمن يسع تفريغه مما فيه لغير المشتري في الأصح على اعتبار قولنا لا يشترط حضور العاقدين للمشقة لكن لا
ـ[محمد عبدالكريم محمد]ــــــــ[21 - 07 - 07, 12:30 ص]ـ
الجزء السادس
مشقة في اعتبار مضي زمن يسع نقله وتفريغه.
وقبض المنقول تحويله الأصل في المنقول المتناول باليد ولو كان سفينةً يمكن جرها. وتحويله أي تحويل المشتري أو نائبه للمنقول وإن اشتُريَ مع محله في وجه إذ لا حاجة للتبعية والتبعية يجري فيها العرف المعتاد. روى الشيخان عن ابن عمر قال: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافاً فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من محمله. دلَّ على أن القبض لا يتم إلا بتحويله.
فإن جرى البيع والمبيع بموضع لا يختص بالبائع كشارع أو ساحة مباحة أو دار للمشتري كفى نقله إلى حيِّز ليتمَّ القبض أي نقله من موضعه إلى موضع آخر وإن جرى البيع والمبيع في دار البائع لم يكفِ في قبضه ذلك النقل إلا بإذن البائع فيه فيكون مع حصول القبض به مغيراً للبقعة التي أذن في النقل إليها أما إذا نقل المشتري من غير إذن البائع فقد دخل المبيع في ضمانه لاستيلائه عليه ومن المنقول الدابة والسيارة والسفينة فيسوقها أو يدفعها أو يجرها ومن المنقول الثوب فيكفي لقبضه أن يتناوله.
فرع: للمشتري قبض المبيع من غير إذن البائع إن لم يكن له حق الحبس بأن كان الثمن مؤجلاً أو سلمه الثمن الحالَّ وإلا أي وإن لم يسلمه الثمن فلا يستقل به أي بالقبض وعليه إن استقل به أن يرده لأن من حق البائع حبس المبيع حتى بقبض الثمن ولا ينفذ تصرف المشتري فيه لكن يدخل في ضمانه أما لو كان الثمن مؤجلاً وحلَّ قبل القبض استقل البائع به كما قال الأسنوي وقال غيره: لا يستقل لأنه من حق المشتري لأن البيع مؤجل وقد رضي البائع بالتأجيل ابتداءً له أن يطالب بالثمن لا أن يحبس المبيع.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/313)
ولو بيع الشيء تقديراً كثوب ذرعاً وحفظة كيلاً أو وزناً اشترط في قبضه مع النقل في المنقول ذرعه إن كان مذروعاً أو كيله إن كان بيع مكيلاً أو وزنه إن كان بيع موزوناً أو عدَّه إن كان بيع معدوداً وهو ما يُعَدُّ عادة لخبر مسلم (من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله) وأخرج البيهقي وغيره عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصَّاعان: صاع البائع وصاع المشتري، فدل ذلك على أنه لا يحصل البيع إلا بالكيل وليس ذك معتبراً لمن يبع الجزاف إجماعاً فتعين ما قدر بكيل وقيس عليه الباقي وأجرة الكيال أو الوزان أو من ذرعه أو عده على البائع وأجرة النقل على المشتري مثاله في المكيل بعتُكَها أي العبرة كلَّ صاع بدرهم أو بعتُكها بكذا على أنها عشرة آصع فلو قبض ما ذكر جزافاً لم يصح لكن يدخل المقبوض في ضمانه ولو كان لبكر مثلاً طعام مُقَدَّرٍ على زيد كعشرة آصع سلماً ولعمرو عليه مثله فليكن لنفسه من زيد حتى يدخل المكيل في ملكه ثم يكيل لعمرو لأن الإقباض هنا متعدد ومن شَرْطِ صحتِهِ الكيلُ فلزم تعدد الكيل لأن الكيلين قد يقع بينهما تفاوت، نعم لوكان قبضه في المكيال وسلمه لغريمه صح لأن استدامة المكيال من الأول إلى الثاني ومن الثاني إلى الثالث كابتدائه ومن الأول إلى الثالث. ويقال في الوزن والذرع كذلك. لأمر النبي صلي الله عليه وسلم يجريان صاع البائع وصاع المشتري فلو قال بكر لعمرو اقبض من زيد مالي عليه لنفسك عن نفسي ففعل فالقبض فاسدٌ بالنسبة له أما بالنسبة إلى القائل فصحيح تبرأ به ذمة زيد لإذنه في القبض منه ووجه فساده لعمرو كونه قابضاً لنفسه من نفسه فقبض عمرو مشروط بتقدم قبض بكر الذي له الطعام ولم يوجد ولا يمكن حصولهما.
فرع: قال البائع لا أُسلِّم المبيعَ حتى اقبض ثمنه وقال المشتري في الثمن مثله أي لا أسلِّمه الثمن حتى اقبض المبيع وترافعا إلى الحاكم أجبر البائع لرضاه بتعلق حقه بالذمة ولأن ملك البائع مستقر وملك المبيع للمشتري غير مستقر فعلى البائع تسليمه المبيع للمشتري ليستقر ملكه وفي قول المشتري لأن حق المشتري يتعلق بالعين لا يفوت وحق البائع غير متعين في الثمن فأجبر المشتري ليتساويا في التعيين وفي قول لا إجبار فمن سلم أُجْبِر صاحبه على التسليم وفي قول يجبران فيُلزِم الحاكم كلَّ واحد منهما بإحضار ما عليه إلى الحاكم أو إلى عدلٍ فإن أحضراه سلم الثمن إلى البائع والمبيع إلى المشتري ويبدأ بأيهما شاء قلت فإن كان الثمن معيناً سقط القولان الأولان وأجبرا في الأظهر والله أعلم أي من الأقوال الأربعة السابقة لاستواء الجانبين لأن الثمن في المبيع كالمبيع في تعلق الحق بالعين وإذا سلم البائع المبيعَ أُجبِرَ المشتري إن حضر الثمن على تسليمه للبائع وإلا يكن الثمن حاضراً في مجلس العقد فإن كان معسراً فللبائع الفسخ بالفَلَس وأخذ المبيع أو موسراً وماله بالبلد أو بمسافة قريبة أي دون مسافة القصر حجر عليه في أمواله كلها حتى يُسلّم الثمن لئلا يتصرف فيها بما بفوت حق البائع ويسمى هذا الحجرُ الحجرَ الغريبَ فإن كان ماله بمسافة القصر لم يكلف البائع الصبر إلى إحضاره لتضرره بتأخير حقه والأصح أن له الفسخ وأخذ المبيع لتعذر تحصيل الثمن كالإفلاس فإن صبر أي البائع لإحضار المال فالحجر على المشتري كما ذكرناه أي يحجر على المشتري في أمواله كلها إلى أن يسلم الثمن لئلا يفوت حق البائع وللبائع حبس مبيعه حتى يقبض ثمنه الحالّ وللمشتري حبس ثمنه حتى يقبض المبيع الحالّ كذلك إن خاف فوته بنحو هرب أو تفليس أو نقل ماله إلى غيره بلا خلاف لما في ذلك التسليم من ضرر وإنما الأقوال إذا لم يخف فَوْتَهُ وتنازعا في مجرد الابتداء بالتسليم أما الثمن المؤجل فليس للبائع حبس المبيع لرضاه بالتأخير.
? باب التولية والإشراك والمرابحة ?
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/314)
ومعنى التولية هي نقل جميع المبيع إلى الموليَّ بمثل الثمن بلفظ وليتك والإشراك نقل بعضه بنسبته من الثمن بلفظ أشركتك والمرابحة بمثل الثمن أو بمثل ما قام عليه به مع ربح موزع على الأجزاء والمحاطة عكسه اشترى شيئاً ثم قال لعالم بالثمن أي قال المشتري لشخص وليتك هذا العقد فقبل كقوله قبلته أو توليته لزمه مثل الثمن جنساً وقدراً وصفةً وهو أي عقد التولية بيع في شرط أي في شروطه كلها كقدره على التسليم وقبض في المجلس إن كان ربوياً وترتيب أحكامه كتجدد الشفعة إذا كان المبيع شفعاً مشفوعاً.
ومنها لو اطلع المتولِّي على عيب تقدم على التولية رده على الموَلِّي لا على البائع الأول للمولي مطالبة البائع (لكن لا يحتاج أي عقد التولية إلى ذكر الثمن ولو حط عن المولِّي بعض الثمن بعد التولية انحط عن المولَّى لأن خاصة التولية وإن كانت بيعاً التنزيل على الثمن الأول فلو أُسْقِطَ من الثمن شيءُ أُسْقِطَ عن المتولِّي أيضاً والإشراك في بعضه أي في بعض المبيع كالتولية في كله في الأحكام المذكورة سابقاً إن بين البعض بأن صرح بالمناصفة أو غيرها من الكسور كالربع والثلث والسدس والثمن .... فلو أَطْلَق الإشراك بدون تحديد نسبة صح العقد وكان المُشْتَرَى مناصفة بينهما وقيل لا يصح العقد للجهل بقدر المبيع وثمنه ويصح بيع المرابحة بأن يشتريه بمائة ثم يقول لغيره وهما عالمان بذلك بعتك بما اشتريت أي بمثل ما اشتريت وربح درهم لكل عشرة أو في كل عشرة أو ربح ده ياز ده وكلمة دَه بالفارسية عشرة وكلمة ياز واحد فهي بمعنى ما قبلها فكأنه قد قال له أبيعك ما اشتريته بمائة وعشرة فيقبله المخاطب وآثروا ذكر هذه الكلمة الفارسية لاشتهارها بين الصحابة ويصح بيع المحاطة كبعت بما اشتريت وحط ده ياز ده فيقبل ويُحَطُّ من كل أحد عشر واحدٌ كما أن الربح في المرابحة واحدٌ على كل عشرة أي واحد من أحد عشر وقيل يحط من كل عشرة واحد كما زيد في المرابحة على كل عشرة واحد، فإذا كان اشترى بمائة وعشرة فالمحطوط منه على الأول عشرة وعلى الثاني أحد عشر وإذا قال بعت بما اشتريت به لم يدخل فيه سوى الثمن وهو ما استقر عليه العقد عند لزومه وذلك صادق بما فيه حطٌّ بعد العقد أو زيادة عليه في زمن الخيار ولو قال بما قام عليَّ دخل مع ثمنه أجرة الكيال الذي يكيل الثمن والمبيع معاً والدلال هو المنادي والحارس والقصار وهو من يدق الثياب لتتماسك وتبيض والرفاء هو من يصلح الثياب والصباغ وقيمة الصَّبْغ للمبيع وسائر المؤن المرداة للاسترباح كأجرة المكان والضرائب التي تدفع وقيمة علف تسمين. وفي معنى قوله قام عليَّ قوله ثبتَّ عليَّ بكذا ولو قَصَر بنفسه أو كال أو طين أوحمل أو تطوع به شخص لم تدخل أجرته لم تدخل أجرته مع الثمن لأن الذي يزاد على الثمن ليس جهده وما تبرع به آخرون إنما ما دفعه من قال أما إذا أراد زيادة أتعابه فيقول بعتكه بكذا وأجرة عملي وعمل المتطوع عنيّ كذا وليعلما ثمنه أي البائع والمشتري ثمن المبيع في صورة البيع أو ما قام به في صورة بعت بما قام عليَّ فلو جهله أحدهما بطل على الصحيح وقيل لا يبطل لسهولة معرفته فلو قال بعتك برأس المال وربح كذا وقال الآخر اشتريت صح إن علم المشتري ثمن الشراء في الصورة الأولى وفي الصورة الثانية لا يشترط معرفة رأس المال في الحال وليُصَدَّقْ البائعُ في قَدْر الثمن وجوباً لأن كتمه غش وخديعة والمقصود بقدر الثمن الذي استقر عليه العقد أو قام به المبيع عليه وقت الإخبار والأجل إن كان متعارفاً عليه فلا بأس بعدم ذكره أما إذا لم يكن متعارفاً عليه أو زاد أو نقص فلابد من إخبار المشتري به والشراء بالعَرْضِ والعَرْضُ هو جمع صنوف المال غير الذهب والفضة فيذكر البائع أنه اشتراه بعرض قيمته كذا ولا يقتصر على ذكر قيمة العرض ليتبين المشتري الحال وبيان العيب القديم والحادث عنده بآفة أو جناية تنقص القيمة أو العين ولا يكفي ذكر العيب فقط بل لا بد من تبين إن كان قديماً قبل الشراء أو حديثاً بعد الشراء لأن المشتري يعتمد أمانته فيما يخبر به فقد روى أحمد وغيره عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم لا يحل لمن باع من أخيه بيعاً يعلم فيه عيباً إلا بيّنَهُ) وروى مسلم وأبو داوود من حديث أبي هريرة (ليس منَّا من غشَّنا).
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/315)
فلو قال اشتريته بمائة وباعه مرابحة فبان أنه اشتراه بتسعين بينه أو إقرار فالأظهر أنه يحطُّ الزيادة وربحها لكذبه ولا خيار للمشتري لأنه قد رضي بالأكثر فالأولى أن يرضي بالأقل ولو زعم أنه أي الثمن الذي اشترى به مائة وعشرة وأنه غلط بقوله أولاً مائة وصدقه المشتري في قوله لم يصح البيع الواقع بينهما مرابحة في الأصح لتعذر قبول العقد للزيادة بخلاف النقص لأن العقد يقبلها بدليل قبوله الأرش وهو عن نقص.
قلت الأصح الصحة والله أعلم كما لو غلط بالزيادة لكن يتخير بالبائع والأصح تقبل الزيادة بربحها والخيار للمشتري. وإن كذبه المشتري ولم يبين لغلطه البائع وجهاً محتملاً يمكن تصديقه لم يُقْبَلْ قوله ولا بينته إن أقامها لتكذيب قوله الأول لقوله الثاني وبينته فهو تراجع عن إقرار في حق لآدمي فلا يقبل.
وله تحليف المشتري بأنه لا يعرف ذلك في الأصح لأنه بعرض اليمين عليه قد يُقِِرُُّ فأن حلف فذاك وإلا ردت اليمين على البائع بناءاً على أن اليمين المردودة كالإقرار وللمشتري بعد ذلك الخيار بين إمضاء العقد بما حلف عليه أو فسخه.
وإن بين لغلطه وجهاً محتملاً بأن قال راجعت حساباتي أو أخبرني كاتبي أو وكيلي بهذا الثمن فله التحليف لأنّ ما قاله شبهة في صدق قوله والأصح سماع بيّنته التي يقيمها على صحة قوله الثاني والثاني لا لتكذيبه نفسه كما قال ابن الرفعة وهو المعتمد والمنصوص عليه.
? باب الأصول والثمار ?
وهي الأرض والشجر والثمار فإذا (قال بعتك هذه الأرض أو الساحة أو البقعة وفيها بناء وشجر فالمذهب أنه يدخل البناء والشجر في البيع دون الرهن لضعف الرهن ولأن الملك للدوام والرهن للتأقيت وحاصله أنه يلحق البيع كل ناقل للملك كهبة ووقف ووصية وإصداق وعوض خلع وصلح ويلحق بالرهن كل مالا ينقله كالإقرار والعارية والإجارة. وأما النبات المقلوع فلا يدخل في المبيع جزماً كالشتل الذي ينقل والشجر المقطوع والنبات اليابس لأنها لا تراد للدوام فهي كمتاع البيت لا يَردُ عليها البيع.
وأصول البقل التي تبقى في الأرض سنتين أو أكثر وكل ما يؤخذ هو أو ثمرته مرةً بعد أخرى كالقت ويسمّى أيضاً القضب وهو النصيعيفه والهنذبا وهو المعروف بالبقل وله ورق صغير يطبخ ويؤكل كما يستخدم للزينة وتسمى أيضاً الحمقاء والنعناع وغير ذلك أو تؤخذ ثمرته مرة بعد أخرى كالنرجس والبنفسج والقثاء والبطيخ والبامية كالشجر فيدخل في المبيع دون الرهن كما ذكرنا ولا يدخل في المبيع ما يؤخذ دفعة واحدة كالحنطة والشعير وسائر الزروع كالجزر والفجل والبصل والثوم لأنه ليس للدوام والثبات فهو كالمنقولات ويصح بيع الأرض المزروعة بهذا الزرع الذي لا يدخل في المبيع على المذهب كبيع الدار المشحونة بالأمتعة وللمشتري الخيار إن جهله وجود الزرع في الأرض حيث ظهر على وجه الأرض بين رؤيته الأولى وامتلاكه الأرض أما إذا كان عالماً بالزرع فلا خيار له ولا يمنع الزرع المذكور سابقاً دخول الأرض في يد المشتري وضمانه إذا حصلت التخلية في الأصح لوجود تسليم عين المبيع مع عدم إمكانية تفريغها خلافاً للدار المشحونة بالأمتعة حيث أن التخلية ممكنة في الحال والبذر كالزرع فيما ذكر فإن كان زرعه يدوم كنوى النخل دخل وإلا فلا يدخل في المبيع وللمشتري الخيار إن جهله والبقول حكمه في المبيع حكم الشجر بأنواعه والأصح أنه لا أجرة للمشتري مدة بقاء الزرع الذي علمه أو جهله وأجاز ولو باع أرضاً مع بذر أو زرع لا يفرد بالبيع أي لا يمكن ورود البيع عليه كبذر لم يره أو كفجل أو جزر مستور بطل في الجميع أي بطل البيع في الجميع للجهل بأحد المبيعين الموجب لتعذر التوزيع بناء على الأصح في تفريق الصفقة كما سبق أما ما يفرد كقصيل أي نبات الشعير الذي يقطع لأكل البهائم قبل أن يسنبل أو سنبل ورآه كذرة وشعير وبذر رآه لم يتغير فيصح جزماً وقيل في الأرض قولان أحدهما: الصحة بجميع الثمن أما البذر الذي لا يباع مع الأرض والذي هو للدوام عادة كبذر الشجر فيباع وينعقد البيع صحيحاً.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/316)
ويدخل في بيع الأرض الحجارة المخلوقة فيها لأنها من أجزائها دون المدفونة من غير ثبات فيها كالكنوز فلا تدخل في المبيع ولا خيار للمشتري إن علمها ولو تضرر بقلعها كسائر العيوب في المبيع إلا إذا كان لنقلها وقت تستغرقه فمن حقه أن يطلب الأجرة ويلزمُ البائعَ النقلُ وتسوية الأرض وله النقل من دون إذن المشتري وللمشتري إجاره على القلع حتى ولو وهبه إياها بخلاف الزرع لأن له أمدٌ يُرْجَعُ إليه وكذا إن جهل ولم يضره أي إذا جهل وجود الحجارة ولم يضره قلعها فللمشتري إجباره على نقلها وتسوية الأرض وإن ضرَّ قلعها بأن انقص قيمتها أو طال زمن قلعها وتسوية الأرض فله الخيار دفعاً للضرر ولكن إذا رضي بقاءها ولا ضرر عليه بوجودها سقط خياره فإن أجاز البيع لزم البائع النقل وتسوية الأرض وذلك بإعادة التراب المزال بالقلع إلى مكانه وفي وجوب أجرة المثل مدة النقل أوجه أصحها تجب إن نقل بعد القبض لا قبله لأن الجناية على المبيع من ضمان البائع بعد تسليم المبيع لا قبله ويدخل في بيع البستان الأرض والشجر والحيطان المحيطة بالبستان لدخولها في مسمى البستان بل لا يسمى بستاناً بدون حائط. وكذا البناء على المذهب أي يدخل في المبيع البناء داخل البستان وتدخل عرائش العنب ويدخل في بيع القرية عند الإطلاق الأبنية وساحات يحيط بها السور المبني للقرية بخلاف الخارج عن السور لا المزارع والأشجار التي حول القرية على الصحيح ولا تدخل الأبنية الخارجة عن السور والمتصلة به وكذلك يدخل السور كما ذكرنا ذلك في البستان ويدخل في بيع الدار على الإطلاق الأرضُ التي أقيم عليها البناء وكلُ بناء من علو وسفل لأن الدار اسم للبناء والأرض وتدخل الأجنحة والدرج ولو باع علو أعلى سقف كما في بناء الطوابق فإن السقف ليس له وله الانتفاع به على العُرف لأن نسبته إلى السفل وليس للعلو حتى حمامها لأن الحمام من مرافق الدار ولكونه من بنائها وتدخل الأشجار في المبيع وإن كثرت لا المنقول كالدلو والبكْرة والسرير والرفوف غير المسمرة وتدخل الأبواب المنصوبة وحِلَقُهَا وكل باب مخلوع ينتظر إصلاحه وتدخل الأقفال ومفاتيحها والإجَّانات أي الأحواض المثبتة للغسيل وللسباحة والرف والسلم المسمران والمبنيان سواء من حجر أو خشب أو معدن وكذا يدخل الأسفلمن حجري الرحى على الصحيح لأنه مثبت بالأرض فأشبه الجزء منها وقيل لا يدخل لأن له تتمه هو الحجر العلوي. والمعتمد الأول لأنه كالدرج في حكمه. والأعلى ومفتاح غلق مثبت في الأصح لتبعيتها لشيء مثبت أما إذا كان الباب يغلق بقفل متحرك فلا يدخل في المبيع لأنه منقول.
ويدخل في بيع الدابة نعلها وبرتها وهي الحلقة التي تجعل في أنفها وكذا يدخل ثياب العبد في بيعه في الأصح تبعاً للعرف قلت الأصح لا تدخل ثياب العبد والله أعلم. للعرف غير المطرد فالعرف في هذه الحالة مختلف فيه ولذا اختلف الحكم فيتبع في ذلك العرف.
فرع: باع شجرة رطبة منفردة أو مع أرضها دخل عروقها وورقها إن كانا رطبين أو يابسين وفي ورق التوت وجه أنه لا يدخل لأنه كالثمرة ومثله كل ورق يقطف مستقلاً وينتفع به مستقلاً عرفاً والثاني يدخل لأنه تبع وهو المعتمد. وأغصانها إلا اليابس المنفصل عنها أما المتصل بها فهو مبيع معها كما مرَّ واليابسة يتبعها غصنها فلا يدخل في المبيع ويصح بيعها أي بيع الشجرة رطبة ويابسة بشرط القلع أو القطع وبشرط الإبقاء والإطلاق بدون شرط يقتضي الإبقاء في الشجرة الرطبة دون اليابسة والأصح أنه لا يدخل في بيعها المَغْرِسُ لكن يستحق منفعته ما بقيت الشجرة وقيل يدخل ولكن إلى غاية زوالها وقيل يدخل مطلقاً وله إذا انقلعت أو قلعها أن يغرس مكانها ولو كانت الشجرة يابسة لزم المشتري القلع ولو شرط بقاءها بطل البيع للعرف المقتضي القلع ولما في ذلك من ضرر على البائع وثمرة النخل مثلاً المبيع بعد وجودها إن شرطت كلها أو بعضها المعين كالربع والنصف للبائع أو المشتري عمل به أي بالشرط تأبر أم لا وإلا أي وإن لم تشترط لواحد منهما فإن لم يتأبر منها شيء فهي للمشتري وإلا أي وإن تأبر منها شيء فهي للبائع جميعها وإن كان المؤبر يسيراً فقد روى الشيخان عن ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من باع نخلاً قد أبرت فتمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع). قال الإمام الشافعي وهذا الحديث ثابت عندنا وبه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/317)
نأخذ – وتأبير النخل تلقيحه. ومفهوم الحديث أنها إذا لم تؤبر فهي للمشتري.
وما يخرج ثمره إلا نَوْرٍ أي بلا زهر كتين وعنب إنْ برزَ ثمره أي ظهر فللبائع وإلا فللمشتري وكذلك إذ ظهر بعض التين وبعض العنب إلحاقاً بتشقق الطلع في النخل والمعتمد أن ما ظهر من تين وعنب وكل ثمر يتجدد فهو للبائع وما لم يظهر فهو للمشتري وما خرج في نوره ثم سقط أي سقط زهره كمشمش وتفاح فللمشتري إن لم تنعقد الثمرة وكذا إن انعقدت ولم يتناثر النور في الأصح إلحاقاً له بالطلع قبل تشققه ومقابله يلحق بالطلع بعد تشققه أي هو من نصيب البائع وبعد التناثر ولو للبعض فهو للبائع جزماً ولو باع نخلات بستان مُطْلِعَةً وبعضها مؤبرٌ فللبائع أي خرج طلع بعضها وأُبِِّرَ البعض دون الآخر فهي للبائع اتحد النوع أو اختلف فإن أفردَ ما لم يؤبر بالبيع فللمشتري في الأصح لمفهوم الحديث السابق (من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع). ولو كانت النخلات في بستانين أي كان المؤبر في بستان وغير المؤبر في بستان فالأصح إفراد كل بستان بحكمه لاختلاف البقاع وإذا بقيت الثمرة للبائع بالشرط بينهما أو بدون شرط فإن شَرَطَ القطعَ لزمه وفاء بالشرط ويكون هذا فيما ينتفع به أما ما لا ينتفع به فيبطل به البيع لأن في ذلك إتلاف للمال وهو محرم.
وإلا يشترط القطع فله تركها إلى الجذاذ للعادة ومثله إذا اشترط بقاءها فتبقى إلى حين أخذها وإذا جاء وقت الجذاذ لم يمكّن من أخذها على التدريج إنما يكلف قطعها مرة واحدة.
ولكل منهما السقي إن انتفع به الشجر والثمر أو أحدهما ولا منع للآخر لعدم تضرره بالسقي وإن ضرهما لم يجز إلا برضاهما. معاً فليس لإحدهما الانفراد بالسقي دون رضا الآخر لأنه يدخل عليه ضرراً وإن ضر أحدهما وتنازعا أي تنازع المتعاقدان فسخ العقد لتعذر إمضائه إلا بإضرار والذي يفسخ المتضرر قيل استقلالاً وقيل بالحاكم. إلا أن يسامح المتضرر فلا فسخ حينئذ لزوال النزاع ولا ضياع للمال في منفعة الغير فإنما هو الإيثار والمسامحة والإحسان وقيل لطالب السقي أن يسقي ولا يبالي بضرر الآخر لأن العقد يتضمن عرفاً استمرار السقي. ولو كان الثمر يمتص رطوبة الشجر والسقي ممكن لزم البائع أن يقطع الثمر أو يسقي الشجر دفعاً لضرر المشتري.
? فصل في بيان بيع الثمر والزرع وبِدُو صلاحهما ?
يجوز بيع الثمر بعد بدو صلاحه مطلقاً أي من غير شرط القطع وبشرطقطعه وبشرط إبقائه فقد روى الشيخان عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبايعوا الثمر حتى يبدو صلاها). وفي لفظ لمسلم: (تبيعوا) وفي لفظ آخر (تبتاعوا)، أي أن البيع بعد بدو الصلاح جائز وشرط الإبقاء أن يبقى إلى أوان الجداد (الجذاذ) للعرف وقبل الصلاح إن بيع منفرداً عن الشجر لا يجوز إلا بشرط القطع فيجوز إجماعاً وأن يكون المقطوع منتفعاً به كحصرم ولوز وبلح لا ككمثرى وهو ما يسمى الإجاص أوالبرقوق وجوز لأنه لا ينتفع به قبل صلاحه وقيل إن كان الشجر للمشتري جاز بلا شرط كأن يكون قد اشترى الشجر بعد ظهور الثمر فيصح البيع لأنهما يجتمعان في ملكه كما لو اشتراهما جميعاً قلت فإن كان الشجرُ للمشتري وشرطنا القطع لم يجب الوفاء به والله أعلم. إذ لا معنى لتكليفه قطع ثمره من شجره، ولو قطع شجرة عليها ثمرة ثم باع الثمرة وهي عليها جاز من غير شرط القطع لأن الثمرة لا تبقى عليها فيصير كشرط القطع وإن بيع مع الشجر جاز بلا شرط أي بيع الثمر مع الشجر بثمن واحد ولا يجوز بشرط قطعه لأن في ذلك حجر على المالك في ملكه لأن الثمرة أصلاً تابعة للشجرة، أما لو قال بعتك الشجرة بعشرة والثمر باثنين لم يجز إلا بشرط القطع لأنه فصل بين المبيعين فانتفت التبعية ويحرم بيع الزرع الأخضر في الأرض إلا بشرط قطعه كالثمر قبل بدو صلاحه للنهي عن ذلك كما في حديث مسلم عن ابن عمر: (حتى يبدوا صلاحه حمرته وصفرته) وفي رواية له قال: وما صلاحه قال: تذهب عاهته وفي البخاري مثله عن سهل بن أبي حثمة عن زيد بن ثابت قال: كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون الثمار فإذا جدَّ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب الثمر الدُّمَّان (مرضٌ معينٌ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لماكثرت عنده الخصومة في ذلك فإمّا فلا تتبايعوا حتى يبدوا صلاح الثمر. فإن بيع معها أو
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/318)
بعد اشتداد الحب جاز بلا شرط أي إذا كان البيع مع الأرض أو بدو صلاح الحبوب جاز لأنه في الحالة الأولى تبع للأرض وفي الحالة الثانية بيع بعد الصلاح ويشترط لبيعه وبيع الثمر بعد بدو الصلاح ظهور المقصود من الحب والثمر لئلا يكون في حكم الغائب كتين وعنب وشعير لأنه يعرف في سنبله وما لا يرى حبه كالحنطة والعدس في السنبل لا يصح بيعه دون سنبله (ومثله جوز القطن قبل تشققه وبيان صلاحه) ولا معه في الجديد لاستتار المقصود بما ليس من مصلحته لما روى مسلم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن بيع السنبل حتى بيض أي يشتد وهو في القديم أي الجواز، وجمعوا بين القديم والجديد أن الحديث في سنبل الشعير ونحوه والأرز كالشعير ولا بأس بكِمَامٍ أي وعاء لا يُزَالَ إلا عند الأكل كالرمان والموز والبطيخ والباذنجان والأرز في سنبله لأن بقاءه فيه من مصلحته وماله كمامان كاللوز والجوز والباقلاء وهو الفول يباع في قشره الأسفل ولا يصح في الأعلى لاستتاره بما ليس من صلاحه وفي قول يصح بيعه في الأعلى إن كان رطباً لأن كمامه الأعلى يحفظ رطوبته فهو من مصلحته بل قيل الإجماع الفعلي عليه ومثله اللوبيا وبدو صلاح الثمر ظهور مبادئ النضج والحلاوة بأن يلين ويجري الماء فيه فيما لا يتلون وفي غيره وهو ما يتلون يكون بدو الصلاح فيه بأن يأخذ في الحمرة أو السواد أو الصفرة كالبلح والمشمش والإجاص وفي غير التمر بدو صلاح الحب باشتداده ويكفي بدو صلاح بعضه وإن قلَّ أي أن يظهر صلاح بعض ثمر جنسه ولو حبة واحدة ولو من أنواع مختلفة كعنب أو بُسْر لأن من نعم الله سبحانه أن الثمار لا تطيب دفعة واحدة وذلك لإطالة زمن التفكه.
ولو باع ثمرة بستان أو بساتين بدا صلاح بعضه فعلى ما سبق من التأبير فيتبع مالم يبدُ صلاحُهُ ما بدا صلاحه في البستان أو في كل من البساتين وإذا اختلف النوع أما الأجناس فلا يتبع بعضها بعضاً في اعتبار الصلاح أي لا يتبع التمرُ العنبَ ولا العنب التفاح لأنها أجناس أما أنواع التمر أو أنواع العنب فيتبع بعضها بعضاً لأن التمر جنس والعنب جنس والبرَّ جنسٌ ولكل واحد منها أنواع ومن باع ما بدا صلاحه لزمه سقيه قبل التخلية وبعدها. إن كان مما يسقى قدر ما ينمو به ويسلم من التلف والفساد لأنه من تتمة التسليم الواجب كالكيل والوزن. فلو شُرِطَ كونه على المشتري بطل العقد لأنه مخالف لمقتضاه أما لو باعه بشرط القطع فلا يلزمه سقيه بعد التخلية. ويتصرف مشتريه بعدها لحصول القبض بالتخلية.
ولو عرض مهلك بعدها أي بعد التخلية أصاب الثمر متلف كبرد أو حر أو عاصفة أو مرض فالجديد أنه من ضمان المشتري لحصول القبض بالتخلية فقد روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك. وبما أن التخلية كافية في جواز التصرف فهي كافية في وجوب الضمان وأما القديم من مذهب الشافعي فهي من ضمان البائع لما روى مسلم عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح. وفي لفظ النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع الجوائح. وأجيب أن هذا الأمر محمول على الاستحباب أما لو عرض المهلك قبل التخلية فالتالف من ضمان البائع، فإن تلف الجميع انفسخ العقد وإن تلف البعض انفسخ فيه فلو تعيب بترك السقي فله أي المشتري الخيار لأن الشرع ألزم البائع التنمية بالسقي فالتعيب بتركه كالتعيب قبل القبض.
ولو بيع قبل صلاحه بشرط قطعه ولم يقطع حتى هلك فأولى بكونه من ضمان المشتري لتفريط المشتري وعناده ولو بيع ثمر يغلب تلاحقه أي ينتج جديداً غير الموجود حال البيع واختلاط حادثه بالموجود حيث لا يمكن التمييز كتين وقثاء وبطيخ لم يصح البيع إلا أن يشترط على المشتري قطع ثمره أن يشترط أحدهما على الآخر القطع ويوافق الآخر ولو حصل الاختلاط فيما يندر أي قبل التخلية فالأظهر أنه لا يفسخ البيع بل يتخير المشتري بين الفسخ والإجازة لعدم التمييز بين الحادث والمبيع فإن سمح له البائع أي للمشتري بما حدث سقط خياره لأنه حصل على حقه وزيادة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/319)
ولا يصح بيع الحنطة في سنبلها بصافيه من غير تبن وهي المحافلة ولا يصح بيع الرطب على النخل بتمر وهي المزابنة فقد روى الشيخان عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المحافلة والمزابنة والمعنى في البطلان عدم المماثلة وعدم معرفة الحب لخفائه بكمامه.
ويرخص في العرايا وهو بيع الرطب على النخل بتمر في الأرض أو العنب في الشجر بزبيب فقد روى الشيخان عن سهل بن أبي حثمة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع التمر بالتمر ورخص في بيع العرايا أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطباً) وقيس العنب على الرطب بجامع كونها زكوين وكل منهما يمكن خرصه ويدخر جافاً فيما دون خمسة أوسق بتقدير الجفاف بمثله فيباع مثلاً رُطَبُ نخلات يعدل إذا جفَّ ثلاثة أوسق خرصاً بثلاثة أوسق من تمر لما روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق الوِسقُ ستون صاعاً أي أن جملتها ثلاثمائة من الصيعان. ولو زاد على الخمسة أوسق في صفقتين كل منها دون الخمسة أوسق جاز ومثله لو باع في صفقة واحدة لرجلين أو أكثر وكان ما يخص كل واحد منهم دون الخمسة أوسق.
ويشترط التقابض في المجلس بتسليم التمر كيلاً والتخلية في النخل الذي عليه الرطب أو الكرم الذي عليه العنب وإذا لم يكن النخل في مجلس العقد فيجب بقاءُهما فيه حتى يمضي زمن يمكن الوصول إليه لأن قبضه إنما يحصل حينئذ.
والأظهر أنه لا يجوز بيع مثل العرايا في سائر الثمار مما لا يدخر ولأنه يصعب خرصها لاستتارها كالجوز واللوز ونحوهما والأظهر أن بيع العرايا لا يختص بالفقراء لإطلاق الأحاديث السابقة وقيل يختص بهم لما روى الشافعي من غير إسناد إلى زيد بن ثابت أن رجالاً محتاجين شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطباً يأكلونه مع الناس وعندهم فضل قوتهم من التمر فرخص لهم أن يتبايعوا العرايا بخرصها من التمر والراجح عموم الرخصة في بيع العرايا ولعل ما ذكر في حديث زيد هو الحكمة من إباحة بيع العرايا.
? باب اختلاف المتبايعين ?
إذا اتفقا على صحة البيع ثم اختلفا في كيفيته كقدر الثمن كألف أو ألف ومئة مثلاً وصفته ريال أو درهم مثلاً أو الأجل بأن قال المشتري اشتريته مؤجلاً وقال البائع حالاً أو قدره فقال البائع ستة شهور وقال المشتري سبعة شهور مثلاً أو قدر المبيع فقال المشتري المنزل والسيارة وقال البائع المنزل فقط ولا بيّنة لأحدهما تحالفا فيحلف كلٌ على نفي قوله صاحبه وإثبات قوله لما روى عبد الله بن أحمد في زيادات المسند عن ابن مسعود (إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بيّنة لأحدهما تحالفا) .. ولخبر مسلم (اليمن على المدعى عليه) فكلٌ منهما مدعٍ ومدعىً عليه وَيَبْدَأ بالبائع وفي قول بالمشتري وفي قول يتساويان وفي حالة التساوي فيتخير الحاكم فيمن يبدأ به منهما وقيل يقرع بينهما فيبدأ بمن خرجت قرعته والصحيح أنه يكفي كلَّ واحد يمين تجمع نفياً لقول صاحبه وإثباتاً لقوله لأن الدعوى واحدة فكفاها يمين واحدة فيقول البائع في قدر الثمن مثلاً والله (ما بعت بكذا ولقد بعت بكذا) ويقول المشتري والله ما اشتريت بكذا ولقد اشتريت بكذا ويكفي أن يقول البائع والله ما بعته إلا بكذا وأن يقول المشتري والله ما اشتريت إلا بكذا.
وإذا تحالفا فالصحيح أن العقد لا ينفسخ بل إن تراضيا فإن العقد لا ينفسخ بمجرد اليمين لأن اليمين أضعف البيِّنات فإن أعرضا عن الخصومة وتراضيا على قول أحدهما أو عدل بينهما صح العقد وأجيز وإلا أي إذا لم يتراضيا واستمر النزاع فيفسخانه أو أحدهما أو الحاكم أي لكل واحد منهما الفسخ دون رضا الآخر أو برضاه وأما فسخ الحاكم فهو لقطع النزاع.
وقيل إنما يفسخه الحاكم دونهما ومقابله إنما ينفسخ بمجرد التحالف ثم بعد الفسخ فإنَّ على المشتري ردُّ المبيع إن كان باقياً في ملكه فإن كان وقَفَه أو أعتقه أو مات لزمه قيمته وهي قيمته يوم التلف إن كان متقوماً وإن زادت على ثمنه وثمن مثله حال التنازع. في أظهر الأقوال والقول الثاني يوم قبضه المشتري لأنه يوم دخوله في ضمانه والقول الثالث أقل قيمة من يوم العقد إلى يوم التلف لأن الزيادة حدثت في ملك المشتري.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/320)
وإن تعيب رده مع أرشه وهو ما نقص من قيمته لأنه كما ضمن القيمة كاملة يضمن النقص بالأرش واختلاف ورثتهما كهما أي كاختلافهما فيما تقدم من أحكام فيحلف الوارث لقيامه مقام المورث.
ولو قال بعتكه بكذا فقال بل وهبتنيه فلا تحالف لاختلاف العقد بل يحلف كل واحد منهما على نفي دعوى الآخر كسائر الدعاوى فإذا حلفا ردّه مدعي الهبة بزوائده المتصلة والمنفصلة لأنه لا ملك له وقيل المتصلة فقط.
ولو ادعى صحة البيع والآخر فساده كأن ادعى أحدهما رؤية المبيع والآخر عدم رؤيته أو ادعى عدم البلوغ أو الإغماء أو الجنون حال العقد فالأصح تصديق مدعي الصحة بيمينه لأن الأصل عدم الفساد ولو اشترى عبداً وقبضه فجاء بعبد معيب ليرده فقال البائع ليس هذا المبيع صدق البائع بيمينه لأن الأصل صحة العقد وفي مثله في البيع في الذمة والسلم بأن قبض المشتري أو المُسَلِّم المؤدي عما في ذمته فقال البائع أو المُسَلَّمُ إليه ليس هذا هو المقبوض يصدق المشتري و المُسلِّم بيمينه في الأصح لأصل بقاء شغل ذمة البائع والمسلم إليه حتى يوجد قبض صحيح.
? باب في معاملة العبد ?
العبد أو الأمة إن لم يؤذن له في التجارة لا يصح شراؤه بغير إذن سيده في الأصح لأنه محجور عليه لحق سيده ولو كان لرجلين عبد وأذن أحدهما له في التجارة ولم يأذن الآخر لم يصح هذا إذا لم يكن بينهما مهايأة أما إذا كان لكل واحد منهما وقت يخدمه فيه فأذن أحدهما في نوبته جاز. قال الأذرعي: يصح شراؤه فيما تمس الحاجة إليه إذا امتنع سيده من الإنفاق عليه أو تعذرت مراجعة سيده ويسترده أي المبيع بغير إذن السيد البائعُ سواءٌ كان في يد العبد أو وضعه عندسيده أو عند غيرهما لأنه باقٍ على ملك البائع ِ فإن تلف المبيع في يده أي بيد العبد وبائعه رشيد تعلق الضمان بذمته أي ذمة العبد لا ذمة سيده فيتبع بالثمن بعد العتق إن عتق لتبين رضا البائع أو إهماله والقاعدة في معاملة الرقيق أن ما لزمه بغير رضا مستحقه كتلف بغصب يتعلق برقبته فقط أو برضا مستحقه يتعلق برقبته وما كان برضا السيد يتعلق بذمته وما بيده وكسبه. أو تلف في يد السيد فللبائع تضمينه أي السيد لوضع يده على المبيع وله مطالبة العبد أيضاً ولكن بعد العتق لأنه لا مال له. واقتراضه كشرائه وكذلك سائر المعاوضات إلا النكاح فيما مرَّ من أحكام.
وإن أذن له في التجارة تصرف بحسب الأذن فإن أذن السيد لعبده في نوع لم يتجاوزه كالوكيل لأن سيده قد يعرف إمكانية عمله في شيء دون شيء لكن يستفيد بالإذن له في التجارة وما هو من توابعها كالطي والحمل والردِّ بالعيب والمخاصمة فيما عهد إليه والمماكسة وليس له بإذن التجارة النكاح لأن الإذن لا يتناول النكاح ولا يؤجر لنفسه بغير سيده لأنه لا يملك التصرف في رقبته فكذا لا يملك التصرف في منفعته وله أن يؤجر مال للتجارة كسيارتها وآلياتها.
ولا يأذن لعبده في التجارة لأن السيد رفع الحجر عنه فقط ولم يرفعه عن غيره وأذن له بالبيع والشراء في عمل معين فلا يتجاوزه إلى غيره كالإذن للعبد الذي اشتراه للتجارة بالتجارة إلا إذا أذن له السيد بذلك ولا يتصدق لأن المال ملك السيد ولا يعامل سيده لأن المال للسيد فيكون كمن باع لنفسه ولا ينعزل بإباقه أي خروجه من البلد إلى بلد أخرى لأنها معصية لاتوجب الحجر وله التصرف فيما أذن له به إلا إذا اشترط عليه سيده ألا يتصرف إلا في بلدته ولا يصير العبد مأذوناً بسكوت سيده على تصرفه وإنما يصير مأذوناً باللفظ الدال على ذلك ويقبل إقراره أي المأذون بديون المعاملة التي أذن له بها.
ومن عرف رقَّ عبد لم يعامله حتى يعلم الإذن بسماع سيده أو بيّنة كإخبار عدلين بذلك أو وثيقة توكيل تشهد له بالإذن أو شيوع بين الناس لأن الأصل عدم الإذن ليحفظ المتعامل معه ماله وفي الشيوع وجه أنه لا يكفي لتيقن الحجر على الرقيق فلا يرفع إلا بيقين.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/321)
ولا يكفي في جواز المعاملة قول العبد أنه مأذون له في التجارة وإن ظننا صدقه لأنه متهم في ذلك. فإن باع مأذونٌ له وقبض الثمن من المشتري فتلف الثمن في يده فخرجت السلعة مستحقة للغير رجع المشتري يبدلها أي يبدل ثمنها على العبد لأنه المباشر للعقد فتتعلق به العهدة كاملة كعامل المضاربة والوكيل وله مطالبة السيد أيضاً لأن المال له فكأنه البائع والمشتري. وقيل لا يطالبه لأنه بالإذن أعطاه استقلالاً وقَصَرَ المعاملة على ما في يده وما في ذمته فقط. وقيل إن كان في يد العبد وفاءٌ فلا يطالب السيد لإمكان الرقيق الوفاء بالتزاماته وإن لم يكن في يد الرقيق وفاء طالب سيدَهَ ولو اشترى المأذون له سلعة ففي مطالبة السيد بثمنها هذا الخلاف المذكور ووجه مطالبة السيد لأن العقد له فيأمر المأذون له بالسداد مما في يده ولا يعني إمكانية مطالبة السيد تعلق السداد بذمته إذ لا يلزم من المطالبة بشيء ثبوته في الذمة.
ولا يتعلق دين التجارة برقبته أي برقبة المأذون لأن الدين وجب برضا مستحقه ولا ذمة سيده ولو بيع العبد أو عتق لأن المأذون هو المباشر للعقد بل يؤدي من مال التجارة ربحاً ورأس مالٍ فيمتنع على السيد التصرف به من غير إذن العبد والغرماء فإن أبلغه السيد غرم وإن أذن العبد صح وتعلق الدين بذمته. وكذا من كسبه بالاصطياد ونحوه في الأصح فإن بقي بعد الأداء شيء من الدين يكون في ذمة العبد إلى أن يعتق ولا يملك العبد بتمليك سيده في الأظهر الجديد لأنه ليس أهلاً للملك فهو مملوك فأشبه المتاع والقديم يملك لما روى الشيخان عن ابن عمر: (من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع). فدل أن المال إليه أي أنه يملك ولكن أجيب عليه بأن الإضافة للاختصاص لا للملك إذ لو كان للمك لأصبح المال مملوكاً للعبد وسيده وعلى قول من قال يملك فهو ملك ضعيف لأن لسيده انتزاعه منه متى شاء وليس له التصرف فيه إلا بإذن سيده ولو وهب للرقيق هبة أو أوصى له بشيء جاز له قبوله وهو لسيده.
? كتاب السلم ?
ويقال له السلف أيضاً فيقال أسلم وسلّمَ وأسلَف وسلّفَ وسمِّيَ سلماً لتسليم رأس المال في المجلس وسلفاً لتقديم رأس المال والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى:?يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه? [البقرة 282]. قال ابن عباس: اشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى مما أحل الله في الكتاب وأذن فيه ثم قرأ? يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين? أخرجه الشافعي في الأم والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في السنن وذكره السيوطي في الدر المنثور ونسبه إلى عبد الرزاقوعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وأحاديث منها:
- حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهو يسلفون في التمر السنة والسنتين وربما قال والثلاث فقال: (من أسلف فليسلف في كل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) رواه البخاري ومسلم والشافعي.
- حديث عبد الله بن أبي أوفى: قال: كنا نسلف نبيط أهل الشام في الحنطة والشعير والزيت في كيل معلوم إلى أجل معلوم. رواه البخارى عن محمد بن أبى المجالد. والنبط أو النبيط أو الأنباط هو اسم لقوم من العرب اختلطوا بالعجم فقوت ألسنتهم وأنسابهم وعملوا في الزراعة.
السلم:هو بيع موصوف في الذمة أي عقد على شيء يصح بيعه بلفظ السلم أو السلف قال الزركشي: وليس لنا عقد يختص بصيغة إلا هذا أي السلم والنكاح. يشترط له مع شروط البيع التي تتوقف عليها صحة البيع أمور سبعة أخرى اختص بها عند السلم.
أحدها: تسليم رأس المال وهو الثمن في المجلس الذي وقع فيه العقد قبل التفرق فلو أطلق رأس المال عن التعيين في العقد كأسلمت إليك ألفاً في ذمتي في طن من قمح ثم عين وسلم في المجلس جاز ذلك لأن للعقد حربم هو مجلس العقد ويشترط في رأس المال الذي في الذمة بيان وصفه وعدده إلا إذا كان من نقد البلد فينصرف إليه ولو أحال المُسْلِم والمُسْلَم إليه به أي رأس المال وقبضه المُحَالُ وهو المسلم إليه في المجلس فلا يصح العقد لأنه بالحوالة يتحول الحق إلى ذمة المحال عليه فهو حين يؤديه إنما يؤديه عن جهة نفسه لا عن المُسْلِم ولو قبضه المُسْلَمُ إليه أي قبض رأس المال في المجلس وأودعه المُسْلِمَ في ذات المجلس جاز ذلك وصح العقد.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/322)
ويجوز كونه أي رأس المال منفعة معلومة كما يجوز جعلها ثمناً أو صداقاً أو أجرة كأن يقول أسلمت إليك منفعة هذه الدار سنة في كذا وتقبض بقبض العين لأنه إذا امتنع القبض الحقيقي اكتفي بهذا لأنها المُنْتَفَعُ بها.
وإذا فسخ السلم بسبب من الأسباب كانقطاع المُسْلَمِ فيه عند حلول وقت التسليم ورأس المال باقٍ ولم يتعلق به حقٌ لغيرهما استرده بعينه أي استرده المُسْلِمُ بذاته وليس للمُسْلَمٍ إليه إبداله.
وقيل للمُسْلَم إليه ردَّ بدله إن عين في المجلس دون العقد لأن العقد لم يتناوله أما إذا تلف فيرجع بمثل المثلي وقيمته المتقوّم ويُرَدُّ هذا القول بأن المعين في المجلس كالمعين في العقد سواءً بسواء. ورؤية رأس المال تكفي عن معرفة قدره في الأظهر في المثلي كالثمن ولا عبرة بالجهل به لو تلف ورجعنا إلى رأس المال لسبب من الأسباب لأن ذا اليد مصدق في قدر المال لأنه غارم أما لو علماه قبل التفرق فقد صح العقد جزماً.
الثاني: من الشروط كون المسلم فيه ديناً لأن السلم إنما شرع ليتحقق به الرفق الذي شرع من أجله السلم على أن يكون الأجل منضبطاً. قال ابن عباس (لا تبايعوا إلى الحصاد والدياس ولا تتبايعوا إلا إلى أجل معلوم) فلو قال أسلمت إليك هذا الثوب في هذا العبد فقبل فليس بسلم قطعاً ولا ينعقد بيعاً في الأظهر لاختلال الصيغة فإن لفظ السلم يقتضي الدَينيّة وقيل ينعقد بيعاً نظراً للمعنى لأن الأصل ترجيح اللفظ ولكنهم أحياناً يغلبون المغنى إذا كان قوياً.
الثالث: من الشروط ما يتضمنه قوله المذهب إذا أسلم بموضع لا يصلح للتسليم أو يصلح ولحمله مؤنة اشترط بيان محل التسليم أي للعين المسلم فيها مؤنة نقل فيجب تحديد مكان التسليم ومؤنة النقل وإلا فلا بأن صلح للتسليم ولم يكن لحمله مؤنة فلا يشترط التحديد ويتعين مكان العقد مكاناً للتسليم. أما لو قال التسليم في أي بلاد شئتُ أو في أي مكان شئتَ فسد العقد ويصح السلم مع التصريح بكونه حالّاً إذا كان المسلم فيه موجوداً حال العقد وإلا تعين المؤجل و يصح كونه مؤجلاً إجماعاً وأما صحة كون السلم حالّاً فلأنه أقل غرراً من المؤجل خلافاً للأئمة الثلاثة فإن أطلق فلم يذكر حلولاً ولا تأجيلاً انعقد حالّاًكالثمن في المبيع وقيل لا ينعقد لأن المعتاد في السلم التأجيل فَيُحْمَلُ المطلق عليه ويشترط في المؤجل العلم بالأجل للعاقدين فإن عين شهور العرب أو الفرس أو الروم جاز لأنها معلومة منضبطة وإن أطلق الشهر حمل على الهلالي أي أشهر العرب لأنها عُرْفُ الشرعِ فإن انكسر شهر بأن وقع العقد فى أثنائه حسب الباقي بعد شهر العقد المنكسر بالأهلة وتمم الأول ثلاثين يوماً مما بعدها ولا يُلغَى المنكسر لئلا يتأخر ابتداء الأجل عن العقد والأصح صحة تأجيله بالعيد وجمادي وربيع والنفر في الحج ويحمل على الأول من ذلك لتحقق الاسم به وقيل لا يصح لعدم ثبوت الأجل وتردده بينهما.
فصل: يشترط كون المسلم فيه مقدوراً على تسليمه عند وجوب التسليم لأن المعجوز عن تسليمه يمتنع بيعه فيمتنع السلم فيه فإن كان يوجد ببلد آخر صح السلم فيه إن اعتيد نقله للبيع للقدرة عليه بالنقل لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه أسلف إليه رجل من اليهود دنانير في تمر مسمّى فقال اليهودي من تمر حائط بني فلان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما من حائط بني فلان فلا ولكن كيل مسمّى إلى أجل مسمّى) رواه ابن ماجة.
وإلا أي وإن لم يعتد نقله للبيع أو أن نقله نادر أو إذا نقل فهو للهدية لا للبيع فلا يصح البيع فيه لعدم القدرة عليه. ولو أسلم فيما يعم فانقطع في محله لنحو جائحة أفسدته أو وجد ببلد آخر لكن مُنع نقله أو إذا نقل فسد أو لا يوجد إلا عند محتكر يرفض بيعه لم ينفسخ في الأظهر كما لو أفلس المشتري بالثمن وقيل ينفسخ كما لو تلف المبيع قبل القبض والأول أصح لأن المبيع عين موجودة والسلم في موصوف في الذمة. فيتخير المُسْلِمُ بين فسخه والصبر حتى يوجد فيطالب به فإن أجاز ثم بدا له أن يفسخ مُكِّنْ من ذلك لأنه حق ثبت فله المطالبة به في أي وقت ولو علم قبل المَحِل انقطاعه عنده فلا خيار في الأصح لأنه لم يدخل وقت التسليم فلم يتحقق العجز. وكونه معلوم القدر كيلاً ووزناً أو عدّاً أو ذرعاً فيما يذرع للحديث السابق (من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/323)
وقد خص الحديث الكيل والوزن لغلبتهما على ما سواهما ويصح في المكيل وزناً وعكسه لأن المقصود هو الضبط خلافاً للربويات لأن الغالب فيها التعبد ولو أسلم في مائة صاع حنطة على أن وزنها كذا لم يصح لتعذر الجمع بين الكيل والوزن ويشترط الوزن في البطيخ والباذنجان والسفرجل والرمان ونحوها ولا يكفي الكيل لسعة الفراغات بينها فلا يمكن ضبط ذلك ولا يصلح العد فيها لكثرة التفاوت في حجمها بين الصغر والكبر ولا يجمع بين العد والوزن لتعذر ذلك ويصح السلم في الجوز ومثله اللبن والفستق لأنه لا يسرع إليه الفساد بنزع قشره واللوز ومثله البندق في نوع يقل اختلافه بأن يتقارب حجم حباته ولا يختلف قشره غلظه ورقه أما إذا كثر اختلافه فلا يصح السلم فيه لاختلاف أغراض الناس وكذا كيلاً في الأصح قياساً على الحبوب والتمر لتقارب الحجوم وقلة التجافي بين الحبات ويجمع في اللّبِن بلبن العد والوزن فيقول مثلاً: ألف لَِبَنة وزن الواحدة كذا لأنها تصنع عن اختيار فلا يؤدي ذلك على عزة الوجود وواجبها الأصلي العد أما الوزن فعلى التقريب لأنه لا ينضبط ولو عين مكيالاً أو ميزاناً أو ذراعاً فسد السلم الحال والمؤجل إن لم يكن معتاداً وإلا بأن اعتيد ذلك وعرف مقداره فلا يفسد السلم في الأصح ويلغو شرط ذلك الكيل ويقوم مثله مقامه ولو أسلم في تمر قرية صغيرة لم يصح لاحتمال تلفه فلا يحصل منه شيء أو عظيمة صح في الأصح لأن ثمر القرية العظيمة لا ينقطع غالباً ومعرفة الأوصاف التي يختلف بها الغرض اختلافاً ظاهراً أي التي ينضبط بها المسلم فيه ولا ينعدم في وقت التسليم كاللون والكبر والطعم والوزن والقيمة إلا ما يتسامح به عادة وذكرها في العقد على وجه لا يؤدي إلى عزة الوجود فلا يصح السلم فيما لا ينضبط مقصوده كالمختلط المقصود الأركان لأن السلم غرر فامتنع إضافة غرر آخر إليه كهريسة سميت بذلك لأنها تدق وهي عادة خليط سكر ودقيق وسمن ومعجونٍ أي مركب من جزأين أو أكثر وغالية: وهي مركبة من مسك وعنبر أو عود وكافور وخف لاشتماله على الظهارة والبطانة والحشوة وكذلك كل النعال المركبة من أجزاء.
وترياق مخلوط وهو الدواء المؤلف من مجموعة نباتات أو غيرها والأصح صحته في المختلط المنضبط عند أهل الصنعة كيلاً أو وزناً فكل مختلط انضبطت أجزاؤه ولم تتفاوت صح السلم فيه كعتاب وهو المركب من قطن وحرير وخَزٍّ وهو مركب من إبريسم وصوف لسهولة ضبط كل جزء من هذه الأجزاء وفي كافة المنسوجات التي يضبط وزن مكوناتها وجبن وأقط فكل منهما فيه مع اللبن الملح والأنفحة وهي لصناعته وحفظه وشهد وهو مؤلف من عسل النحل وشمعه خلقة فهو شبيه بالتمر وفيه النواة وخل تمر وزبيب ولا يضر الماء فيهما لأنه من مصلحة الخل لا الخبز فلا يصلح السلم فيه في الأصح عند الأكثرين لأن ملحه يزيد وينقص وتأثير النار غير منضبط فيه وقيل يصح لأن الملح من مصلحته وهو مستهلك فيه وتأثير النار منضبط فيه و لا يصح فيما يندر وجوده كلحم الصيد بموضع العِزَّة أي في الموضع الذي لا يوجد فيه عادة أو يوجد قليلاً إذ لا وثوق بتسليمه ولا فيما لو استقصي وصفه فلا يصح السلم فيما يندر الوفاء به ولو لغرض مقصود عزَّ وجوده للعجز عن تسليمه عادة كاللآليء الكبار واليواقيت وغيرها من الجواهر النفيسة لأنه لا بد فيها من ذكر الحجم والوزن والشكل والصفاء واجتماع هذه الأمور مما يندر واحترز بالكدار عن الصفار فلا بأس بالسلم فيهما وجارية وأختها أو ولدها. لندور اجتماع الجارية وأختها وقت الوفاء وكذلك الجارية وولدها بالصفات المطلوبة في السلم.
فرع: يصح السلم في الحيوان لأنه ثبت في الذمة قرضاً وكل ما ثبت في الذمة قرضاً جاز السلم فيه. فقد أخرج مسلم عن أبي رافع أنه صلى الله عليه وسلم استلف من رجل بكراً) فقيس على البكر غيرها من الحيوان فيشترط في الرقيق ذكر نوعه كتركي أو رومي أو زنجي لاختلاف أغراض الناس بذلك وإن اختلفت الأصناف ذكر الصنف ولونه كأبيض وذكر لونه أيضاً أبيض أو أسود ويصف بياضه بسمرة أو شقرة فإن لم يختلف لون الصنف الواحد لم يجب ذكره وذكورته وأنوثتُهُ أي ويذكر أذكر هو أم أنثى وسنه كابن ست أو سبع أو محتلم وقده طولاً وقصراً أي طول قامته طويل أم قصير أم ربعة أي يذكر ذلك لاختلاف الغرض وكله على التقريب أي الوصف والسن والقدُّ فلو اشترط ابن سبع سنين
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/324)
بالتمام والكمال لم يصح السلم للندورة ويعتمد قول العبد في سنه وفي احتلامه وإلا فقول سيده إن ولد في الإسلام وإلا فقول النخاسين أي البياعين والدلالين.
ولا يشترط ذكر الكَحَل وهو أن يعلو العيون سواد خلقي كالكحل والسَمِنِ في الرقيق ونحوهما كالدعج وهو سعة العين مع شدة سوادها أو التكلثم وهو استدارة الوجه ومنه تفلج الأسنان وتجعد الشعر الدال على الصلابة والقوة في الأصح لتسامح الناس في هذه الأشياء عادة، وقيل تشترط لأنها مقصودة وتؤدي على ارتفاع الأسعار وانخفاضها.
وفي الماشبة كالبقر والغنم والإبل والخيل والبغال والحمير الذكورة والأنوثة والسن واللون والنوع لاختلاف أغراض الناس وحاجاتهم ففي الإبل بخاتي أو عراب ونتاج بني فلان وبلد كذا وفي الصنف الواحد أرجيةٌ أو مهرية وفي الخيل عربية أو تركية وفي الغنم أسترالي أو بلغاري أو هندي أو غير ذلك.
وفي الطير والسمك ولحمهما ذكر النوع والصغر وكبر الجثة ففي السمك يذكر النوع وبحري أو نهري وفي الطير صيد أو حي وفي الحي لونه إذا كان مقصوداً وفي اللحم ذكر لحم بقر أو ضأن أو معز ذكر أو خصي رضيع معلوف أو ضدها أي أنثى فحل فطيم سائم وأما إذا كان كبيراً فذكر الجذع والثني وغير ذلك من فخذ أو كتف أو جَنْبٍ لاختلاف أغراض الناس وحاجاتهم ويقبل وجوباً عظمه على العادة عند الإطلاق كقبول التمر مع النوى ويجوز بشرط نزع عظمه وفي الثياب بشرط ذكر الجنس كقطن أو كتان أو حرير والنوع والبلد الذي ينسج فيه إن اختلف فيه الغرض والطول والعرض والغلظ والدقة أي من حيث خيط الغزل ونوعه مما يؤثر على المنسوج ونوعه والصفاقة وهي التصاق الخيوط ببعضها وشدة تماسكها والرقة وهو خلاف الصفاقة أي عدم التماسك وتلاصق الخيوط وقد يطلق الرقة على الدقة والعكس والمعروف أن الرقة والدقة عكس الغلظ والنعومة والخشونة أي ذكر أحدهما وكذا ذكر اللون ومطلقه من دون ذكر العقد والتنعيم يحمل على الخام دون صفات زائدة والمقصود بالخام أي كما خرج من النسج ويجوز السلم في المقصور لأن القصر وصف زائد ولكنه منضبط ومقصود وما صبغ غزله قبل النسج فيجوز السلم فيه كالبرود إذا بيّن اللون والخطوط والأقيس صحته في المصبوغ بعده أي يصح السلم فيما صبغ بعد النسخ قياساً على بيع الغزل المصبوغ قلت الأصح منعه لأن الصبغ يسد الفُرَجَ في الثياب فلا يظهر تماسكها أو تباعد خيطانها أي أن الصبغ يخفي صفات الثوب وبه قطع الجمهور والله أعلم فقد ذكر في الروضة في المحرر وفي البويطي عن الشافعي وتوجيه ذلك أنه لو أسلم في الثياب بعد الصبغ فكأنما أسلم في الثوب والصبغ معاً والصبغ مجهول ولكن قلنا سابقاً أنه يجوز السلم في المختلطات إذا انضبط مقدار الخلط وهنا أولى. ويجوز السلم في القمص والسراويلات إذا ضبطت طولاً وعرضاً وسعة وضيقاً ويصح السلم في البقول كالكراث والبصل والثوم والفجل والسَّلق والنعنع وزناً فيذكر جنسها ونوعها ولونها وكبرها وصغرها وبلدها ويصح بالسلجم وهو جذور كالفجل ويطبخ ويشوى والجزر بشرط قطع الورق ويصح في الأشعار والأصواف والأوبار فيذكر نوع أصله من الأنعام وذكورته وأنوثته لأن صوف الإناث أكثر نعومة من صوف الذكور والطول والقصر ولا يجوز إلا مُنقّى من بعر وشوك ونحو ذلك ويصح في القطن محلوجاً وخاماً وفي غزله مع رقته ونعومته وخشونته وإذا أطلق الطن فيعني الخام أي الجاف بحبه وغي الكتان بشرط دقه ونفضه ويصح في القز بدون دوده ويصح في أنواع العطر كالمسك والعنبر والعود والكافور والزغفران ويصح السلم في الأدقة فيذكر حبها ويذكر النعومة والخشونة ويصح في النخالة لأنها مقصودة ويصح من دونها ويصح في التبن والنشاء ويصح السلم في قصب السكر بقشره الأسفل لا الأعلى. ويصح السلم في الشمندر أو البنجر وهو نبات يستخرج السكر من جذوره وبعضها يأكلها الإنسان ويشترط نزع أوراقه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/325)
وفي التمر يشترط للسلم أن يذكر لونه ونوعه كمعقلي أو برني وبلده كبغدادي أو بصري وصغر الحبات وكبرها أي يذكر المطلوب منها وعتقه وحداثته وكون جفافه على أمه أم على الأرض لاختلاف الأغراض والحنطة والشعير وسائر الحبوب كالتمر في شروطه المذكورة. وفي العسل يشترط لصحة السلم أن يقول جبلي أو بلدي صيفي أو خريفي أبيض أو أصفر ولا يشترط العتق والحداثة لأنه لا يختلف الغرض بالعسل بين القديم والجديد ولا يجب أن يذكر الرقة لغير الحرارة والقوة وأن يذكر غذاءه لأن النحل يقع على الكمون والصعتر (الزعتر) ويقع على أنواع الزهور لاختلاف الأغراض والفوائد. ولا يصح السلم في المطبوخ والمشوي أي كل ما تأثر بالنار وكان التأثير غير منضبط لاختلاف أغراض الناس في المطبوخ والمشوي فيزيدون النار وينقصونها وعلى هذا لو انضبطت النار أو لطفت صح على المعتمد وفارق السلم الربا لتضيق باب الربا وسعة باب السلم ولا يضر تأثير الشمس في العسل وغيره ويجوز بالنار الخفيفة ومثله يجوز السلم في الصابون والفانيد واللبأ والدبس لأن نارها لطيفة قريبة من الضبط ومثل العسل السمن والأظهر منعه السلم في رؤوس الحيوان لاشتمالها على أجزاء مقصوده لا تنضبط ومثل الرؤوس الكوارع وقيل يصح السلم فيها وزناً قياساً على اللحم بشرط تنقيتها من الشعر والصوف وفرقها عن اللحم أن عظمها أكثر من لحمها. ولا يصح السلم في مختلف كبُرمة معمولة أي قدر مصنوعة اختلفت سماكة أجزائها نتيجة الصنعة لما فيه من الغرر وعدم الضبط وجلد وكوز وطَس أو طست وهو إناء لغسل اليدين أو إناء لا أذان له ولا قاعدة ويسمى طاسة وقمقم وهو إناء يستخدم لوضع ماء الورد فيه أو الطيب ومنارة أي لإدخال النور جمعها مناور وطِنجير أو الطنجرة أو الدست وهو القدر أو الصحن من النحاس ونحوها كالحُبِّ وهو الخابية والإبريق والسطل ولا يجوز السلم فيها لتعذر ضبطها إما لاختلاف الأجزاء في الدقة والغلظ كالجلد أو لمخالفة أعلاها أوسطها وأسفلها أما قطع الجلد فيجوز السلم فيها وزناً لانتفاء الغرر. ويصح السلم في الأسطال المربعة وفيما ضُبَّ منها ذكر الأسطال المربعة ومثلها المدورة لانضباطها بخلاف المختلفة الصنعة كضيقة الرؤوس أو الأسافل ويصح السلم في الدرهم والدينار ونحوها بشرط كون رأس المال غيرها ولا يجوز إسلام الدرهم بالدينار ولا عكسه حالّاًً ولا مؤجلاً ويجب التنبه إلى ذلك فإنه من الحرام الذي يقع فيه أكثر الناس اليوم فيأخذ جنيهاً ويعطي ديناراً أو ريالاً فذلك من الربا إلا إذا كانا حاضرين ولا يشترط ذكر الجودة والرداءة فيما يُسْلَمُ فيه في الأصح ويحمل مطلقه على الجيد للعرف إلا إذا تفاوت درجات الجيد فيلزم ذكر درجة الجودة ويشترط معرفة العاقدين الصفات أي صفات المسلم فيه فلو جهلاها أو أحدهما لم يصح كالبيع وكذا غيرهما في الأصح أي ومعرفة آخرين للصفات للرجوع إليهم عند الاختلاف والتنازع وهو عدلان على الأقل.
? فصل في بيان أخذ غير المُسْلَمِ فيه عنه ووقت أداء المُسْلَمِ فيه ومكانه ?
ولا يصح أن يستبدل عن المسلم فيه غير جنسه كشعير عن القمح وأن يأخذ غير نوعه كالتمر البراني عن المعقلي أما إذا فسخ السلم واعتاض عن الثمن فذلك جائز وقيل يجوز في نوعه لأن الجنس يجمعها ولا يجب على المُسْلِمِ قبوله لاختلاف الأغراض ويجوز إعطاء أردأ من المشروط بتراضيهما لأن فيه مسامحة بصفة ولا يجب قبوله لأنه دون حقه ويجوز أجدد منه من كل وجه لحديث أبي رافع (أن النبي صلى الله عليه وسلم استلف من رجل بكراً فقدمت إبلُ الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكرة فرجع أبو رافع فقال: يا رسول الله لم أجد فيها إلا خياراً ربَاعياً فقال (أعطه فإن خير الناس أحسنهم قضاءً)) رواه مسلم. ويجب قبوله في الأصح لأنها زيادة غير متميزة ولخفة أمر المنة في هذا الأمر والامتناع عن قبوله عناد وتضيق ولو أحضره قبل مَحِلِّه أي أحضر المُسْلَمُ إليه المُسَلَمَ فيه قبل وقت تسليمه فامتنع المُسْلِمُ من قبوله لغرض صحيح بأن كان حيواناً يحتاج إلى علف ورعاية أما إذا كانت المدة قصيرة كيوم أو يومين فلا يضر ذلك استعمالاً لبراءة ذمته أو وقت غارة أي وقت نهب فيخشى عليه أو تمر أو لحم يريد أكله طرياً في وقته لم يجبر على قبوله وإلا أي إذا لم يكن له غرض صحيح في الامتناع فإن كان للمؤدي غرض صحيح
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/326)
في التعجيل كفك رهن أو براءة ذمته أو ذمة كفيله أجبر المُسْلِمُ على القبول وكذا لمجرد غرض البراءة مخافة انقطاع المسلم فيه وقت الحلول في الأظهر لأن الأجل هو حق المدين فله التنازل عنه ولو وجد المُسْلِمُ المُسْلمَ إليه بعد المَحِلِّ في غير مَحَلِّ التسليم أي وجده بعد وقت التسليم في غير مكان التسليم المتعين بالشرط لم يلزمه الأداء إن كان لنقله من موضع التسليم مؤنة كأن أسلم إليه في دمشق ووجده في القاهرة ولا يطالبه بقيمته للحيلولة على الصحيح لاستحالة الاعتياض عن المُسْلَمِ فيه لكن له فسخ السلم واستعادة رأس المال كما لو انقطع رأس المال فقد روى أبو داوود (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره)). وإذا امتنع المُسْلِم من قبوله هناك أي في موضع التسليم لم يجب عليه ذلك إن كان لنقله مؤنة أو كان الموضع الذي أحضر فيه المُسْلَمُ فيه مخوفاً لوجود لصوص أو مكاسين وإلا أي إن لم يكن لنقله مؤنة ولا كان الموضع مخوفاً فالأصح إجباره على القبول لتحصل براءة ذمة المُسْلَمِ إليه.
? فصل في القرض ?
هو نوع من السلف وهو جائز بالسنة والإجماع أما السنة فحديث أبي رافع السابق. وروى مسلم عن ابن مسعود (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقة مرة)). وروى أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رأيت ليلة أُسْرِيَ بي على باب الجنة مكتوباً الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقلت يا جبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من جاجة) رواه ابن ماجة.
الإقراض ويطلق على الشيء المقرض وهو تملك الشيء على أن يرد بدله وسمي بذلك لأن المقرض يقطع من ماله قطعة للمقترض ويسمى أيضاً بالسلف مندوب للأحاديث السابقة ولما روى مسلم عن أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه)، وروى نفَّسَ بدلاً من كشف وهما بمعنىً واحد. وقال أبو الدرداء لأن أقرض دينارين فيردان عليََّ ثم أقرضهما أحبَّ إليَّ من التصدق بهما.
وصيغته أقرضتك أو أسلفتك هذا أو خذه بمثله أو ملكتُكَهُ على أن تردَّ بدله أو خذه واصرفه في حوائجك ورد بدله وإن قال: خذه فقط فهو كفاية أما إذا سبقه أقرضني فقال خذ هذا المال فهو قرض ويشترط قبوله في الأصح كسائر المعاوضات وشرط القبول الموافقة في المعنى كالبيع والأصح أنه لو قال له خذ هذه الألف قرضاً فقال يكفي خمسمائة صح القرض لأن المقرض متبرع فلا يضر قبول بعض المسمّى أو الزائد عليه، والإلتماس من المقرض كاقترض مني كذا يقوم مقام الإيجاب والالتماس من المقترض كقوله أقرضني يقوم مقام القبول ويكفي بدلاً من الإيجاب والقبول أقرضني كذا فأعطاه أو بعث إليه رسولاً أن أقرضني كذا أو أنا محتاج لكذا إلى مدة كذا فأرسل إليه صح القرض وفي المُقْرض أهليةُ التبرع ويشترط في المقرض أهلية التبرع فيما يقرضه لأن في القرض شائبة التبرع ولذا امتنع تأجيله ووجب تنجيزه وإلا بطل وكذلك لا يصح إقراض الولي مالُ موليه من غير ضرورة ويجوز إقراض ما يُسْلَمُ فيه من حيوان وغيره لصحة ثبوته في الذمة ولحديث أبي رافع (أن النبي صلى الله عليه وسلم اقترض بكراً) وقيس عليه غيره ويجوز إقراض العملات جميعاً إذا كانت متداولة ومعروفة القيمة لأنها مثليّة فكل ما يتداوله الناس من عملات يجوز قرضه واقتراضه على أن يكون الوفاء منها لا من غيرها فإن اقترض عدداً ردَّ عدداً وإن اقترض وزناً ردَّ وزناً فقد اقترض أيوب بن حماد بن زيد دراهم بمكة عدداً وأعطاه بالبصرة عدداً فقد وفاه مثل ما اقترض فيما يتعامل به الناس فأشبه ما لو كانوا يتعاملون به وزناً فردَّ وزناً إلا الجارية التي تحل للمقترض فلا يجوز إقراضها له في الأظهر لأنه يخلو بها فربما استمتع بها فيكون بمعنى إعارة الجواري للوطء وهو باطل وحرام. خلافاً للسلم فإنه يجوز أن يكون رأس المال جارية فيملكها المُسْلَم إليه وما لا يسلم فيه لا يجوز إقراضه في الأصح لأن ما لا ينضبط أو يندر وجوده يتعذر أو يعسر رد مثله واستثني قرض الخبز لأنه مما تعم الحاجة إليه ولإطباق أهل الأمصار على اقتراضه وإقراضه على أن يكون
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/327)
وزناً للضرورة وَيُرَدُّ المثل في المثلي ولو نقداً أبطله السلطان لأنه أقرب إلى حقه والمثلي هو ما حصره وزن أو كيل وجاز السلم فيه وفي المُتَقَوّم المثل صورة أي يرد مثلَ صورته فقد استلف الرسول صلى الله عليه وسلم بكراً وهي صغيرة السن وردَّ رباعياً وهي التي أتممت ست سنين وقال: إن خياركم أحسنكم قضاءً. ومن لازم اعتبار الصورة اعتبار ما فيه من المعاني التي تزيد بها القيمة فيردّ ما يجمع تلك المعاني كفراهة الدابة ودقة الصنعة وجوده الثمرة ونقاء العسل والزيت والسمن ونظافة القمح والشعير والأرز والذرة ... الخ. وقيل القيمة أي يرد القيمة كالمتلف وتعتبر القيمة يوم الإقراض أي يوم قبض القرض وإذا اختلفا في قدر القيمة أو في صفة المثل فالقول قول المستقرض وأداء القرض في الصفة والزمان والمكان كالمُسْلَم فيه ولو ظفر المُقْرضُ به أي بالمقتَرِضِ في غير محل الإقراض وللنقل من محله إلى غيره مؤنة طالبه بقيمة بلد الإقراض وليس له المطالبة بالمثل لوجود المؤنة أما إذا لم يكن لنقله مؤنة كالنقد فله مطالبته به في أي موضع وجده فيه إذا حلَّ وقت الوفاء.
ولا يجوز الإقراض في نقد وغيره بشرط ردِّ صحيح غير مكسر أو أن يردَّ زيادةً على القدر المُقْرَضِ أوردِّ جيد عن رديء أو غير ذلك من كل شرط جر منفعة للمقرض فإن فعل فسد العقد لما روى البيهقي عن جمع من الصحابة فيهم علي وابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام (كل قرض يجرُّ منفعة فهو ربا)، وهو مع ضعفه فقد ورد معناه عند جمع من الصحابة ومعنى النهي أن موضوع عقد القرض الإرفاق فإذا شرط فيه لنفسه حقاً فقد خرج عن معناه فمنع صحته. ولو ردَّ هكذا زائداً على القدر أو الصفة بلا شرط فحسنٌ بل مستحب للحديث السابق (إن خياركم أحسنكم قضاءً)، رواه مسلم. ولا يُكْرَهُ للمقرض أخذه ولا أخذ هدية المستقرض بغير شرط فقد بوّب له البخاري فقال: باب إذا أقرضه إلى أجل مسمى أو أجله في البيع ثم قال: وقال ابن عمر في القرض إلى أجل لا بأس به وإن أعطى أفضل من دراهمه ما لم يشترط.
ولو شرط مكسراً عن صحيح وأن يقرضه غيره أي أن يقرض المُقْرضُ المقترض قرضاً آخر لغا الشرط فيهما ولم يجب الوفاء به لأنه وعد تبرع والأصح أنه لا يفسد العقد إذ ليس فيه منفعة للمقرض كما أنه زيادة في الإرفاق والإحسان.
ولو شرط أجلاً فهو كشرط مكسر عن صحيح إن لم يكن للمقرض غرضٌ أي لا يعتبر الأجل ويصح العقد وإن كان للمقرض غرض كزمن نهب فكشرط صحيح عن مكسر في الأصح فيفسد العقد وقيل يصح ولكن يلغو الشرط.
وله أي يحق للمقرض شرط رهن وكفيل وإشهاد وإقرار عند حاكم لأنه مجرد توثيق حق لا منافع زائدة فيها فإن أبى المقترض ذلك فللمقرض الفسخ وفي الحقيقة للمقرض الفسخ مطلقاً ويملك المقترض القرض بالقبض كالهبة وفي قول يملك بالتصرف الذي يزيل الملك من يد المقرض وله أي للمقرض الرجوع في عينه ما دام باقياً بحاله في الأصح ويلزم المقترض رده أما إذا فقده أو أتلفه فللمقرض المطالبة بمثله.
خاتمة: روى ابن عدي في الكامل والبزار والبيهقي وأبو داود في المراسيل (لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة وحث عليها قال أبو ضمضم: اللهم إني أتصدق بعرضي على من ناله من خلقك، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً فنادى: أين المتصدق بعرضه؟ فقام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد قبل صدقتك).
ولو أقرض ذمي ذمياً خمراً ثم أسلما أو أحدهما بطل القرض ولم يجب على المقترض شيء سواء كان هو المقترض أو المقرض لأنه إذا أسلم لم تجز أن يجب عليه خمر لعدم ماليتها ولا يجب بدلها لأنها لا قيمة لها ولذلك لا يضمنُها إذا أتلفها وإن كان المقرض لم يجب له شيء لذلك.
? كتاب الرهن ?
الرهن في اللغة الثبوت والدوام ومنه الحالة الراهنة أي الثابتة وتقول العرب ماء راهن أي راكدٌ ونعم راهنة أي نعمة دائمة وقيل هي الحبس قاله الماوردي ومنه قوله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة).
قال الشاعر: وفارقتك برهن لا فكاك له يوم الوداع فأضحى الرهن قد غلقا، فقلبه مرهون لها وغلق الرهن أي استحق لعجز الراهن عن فكاكه.
وشرعاً: جعل عين مال وثيقة بدين يُستوفي منها عند تعذر وفائه ويفهم من ذلك أنه لا يلزم كون المرهون على قدر الدين.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/328)
والرهن ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: (فرهان مقبوضة) البقرة 283. وروت عائشة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاماً ورهنه درعه فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عنده)، رواه الشيخان، واليهودي اسمه أبو الشحم. وروى البخاري عن عائشة (أنه رهن درعه عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيراً لأهله) أ. هـ.
ولا يصح إلا بإيجاب وقبول أي بشروطهما المعروفة في البيع لأنه عقد مالي، وفي المعاطاة كقوله دفعت إليه هذا وثيقة بحقك علي فقال: قبلت ما سبق من خلاف في البيع والمعتمد الصحة. فإن شرط فيه مقتضاه كتقدم المرتَهَن به أي المرهون عند تزاحم الغرماء ليستوفي منه حقه أو مصلحة للعقد كالأشهاد أي شرط الإشهاد على العقد أو ما لا غرض فيه كأن لا يأكل المرهون إلا كذا صح العقد في الأقسام الثلاثة ولغا الشرط في الأخير كالبيع وإن شرط ما ضر المرتهن بطل الرهن لإخلال الشرط بالغرض منه كشرط ألّا يبيعه إلا بعد شهر أو لا يبيعه إلا بضعف ثمنه وإن نفع الشرطُ المرتَهَن وضرَّ الراهنَ كشرط أن تكون زوائد المرهون أو منفعته للمرتَهِن بطل الشرط لقول النبي صلى الله عليه وسلم (كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل) وكذا الرهن في الأظهر أي ويبطل الرهن أيضاً لمخالفة الشرط لمقتضى العقد ولو شرط أن تحدث زوائده مرهونة فالأظهر فساد الشرط كالثمرة والنتاج والأجرة لانعدامها عند العقد مع الجهل بها والأظهر أنه متى فسدَ الشرط المذكور فسد العقد يعني أنه يفسد بفساد الشرط ومثله فساد عقد البيع المشروط وشرط العاقد مِنْ راهن ومرتهن الاختيار وكونه مطلَق التصرف أي غير مقيد بتصرف لأنه عقد مالي وذلك بأن يكون من أهل التبرع كما في البيع فلا يرهن الولي مال الصبي والمجنون ولا يرتهن لهما إلا لضرورة أو غبطة ظاهرة فيجوز له الرهن والارتهان في هاتين الحالتين دون غيرهما سواء كان أبا أم جداً أم وصياً أم حاكماً أو وكيلاً للحاكم كأن يرهن على حاجة النفقة أو الكسوة منتظراً حلول دين أو بيع متاع كاسد أو يرهن خوفاً من نهب أو يرهن على ثمن ما يبيعه نسيئة بغبطة واضحة وشرط الرهن أي المرهون كونه عيناً يصح بيعها في الأصح فلا يصح رهن الدين لعدم القدرة على تسليمه ولا يصح رهن المنفعة لأنها تتلف شيئاً فشيئاً ويصح رهن المُشَاع وهو المشترك من الشريك وغيره ولا يحتاج إلى إذن الشريك ويصح رهن الأم من الرقيق دون ولدها غير المميز وعكسه أي رهنه دونها لأن الملك فيهما بَاقٍ فلا تفريق بينهما وعند الحاجة إلى قضاء الدين من ثمن المرهون يباعان معاً حذراً من التفريق المنهي عنه ويوزع الثمن عليهما ثم يتقدم المرتهن بما يخص المرهون منهما والأصح في حالة رهن الأم أن تقوّم الأم وحدها ثم مع الولد فالزائد على قيمتها قيمته وقيل تنسب قيمة الأم إلى المجموع ويوزع الثمن على تلك النسبة فإذا كانت قيمة الأم ألفاً وقيمة الود خمسمائة فيتعلق حق المرتهن بثلثي الثمن وإذا كان قيمتها ألفاً ومائتين وقيمة الولد مائتان فيتعلق حق المرتهن بستة أسباع الثمن ورهن الجاني والمرتد كبيعهما السابق على أنه لا يصح بيع الجاني المتعلق برقبته مال بخلاف المتعلق برقبته قصاص كما أن بيع المرتد يصح على الصحيح وإن تحتم قتله ورهن المدبر أي المعلق حريته بموت سيده ومعلق العتق بصفة يمكن سبقها حلول الدين باطل على المذهب لما فيه من الغرر لأن السيد قد يموت فجأة فيبطل مقصود الرهن وكذلك احتمال حدوث الصفة فيبطل مقصود الرهن أما إذا شرط بيعه قبل وجود الصفة فيجوز الرهن به ولو رهن ما يسرعُ فسادُه فإن أمكن تجفيفه كرطب فعل فصح الرهن إن لم يَحِلَّ الدين قبل فساه وإلا بِيعَ ووفّيَ منه الدين والذي يجففه هو المالك وتجب عليه مؤنة تجفيفه وإلا أي وإن لم يمكن تجفيفه فإن رهنه بدين حالٍّ أو مؤجل يحل قبل فساده أو بعد فساده لكن شَرَطَ في هاتين الصورتين بيعه عند إشرافه على الفساد وجعل الثمن رهناً فكأنه صح الرهن في الصور جميعها وأبيح هنا جعل الثمن رهناً للحاجة ويباع المرهون وجوباً عند خوف فساده حفظاً للوثيقة وعملاً بالشرط ويكون ثمنه رهناً عملاً بالشرط وإن شرط منع بيعه قبل الفساد لم يصح الرهن لمنافاة الشرط المقصود منه التوثق وإن أطلق فلم يشرط بيعاً ولا عدمه فسد الرهن في الأظهر لأنه لا يمكن استيفاء الحق
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/329)
من المرهون عند وقت الاستيفاء وقيل يصح ويباع عند تعرض المرهون للفساد لأن الظاهر عدم إفساد المال فلا يقبل بذلك عاقل سوي وإن لم يعلم هل يفسد المرهون قبل حلول الأجل صح الرهن المطلق في الأظهر لأن الأصل عدم الفساد وإن رهن ما لا يسرع فسادُهُ فَطَرَأ ما عرضه للفساد قبل حلول أجل الدين كحنطة ابتلت لم ينفسخ الرهن بحال بل يجبر الراهن على بيعه وجعل ثمنه رهناً حفظاً للدين ويجوز أن يستعير شيئاً ليرهنه بدنيه وهو عقد الاستعارة بعد الرهن في قول عارية أي تبقى على صفتها والأظهر أنه ضمان دين من المعير في رقبة ذلك الشيء المرهون لأنه كما يستطيع إلزام نفسه ضمان دين غيره يملك إلزام ذلك عين ماله لأن كلاً منهما حق نفسه وتحت تصرفه فيشترط عندئذ ذكر جنس الدين وقدره وصفته كأن يقول هو ذهب وقدره مائة وصفته دينار عثماني حالٌّ أو مؤجل وكذا المرهون عنده في الأصح لاختلاف الأغراض أما باعتباره عارية فلا يلزم ذكر شيء مما ذكر فلو تلف المرهون المعار بعد رهنه في يد المرتهن فلا ضمان على المرتهن بحال لأن يده يد أمانة ولا على الراهن إن قلنا إن العين المسعتارة ضمان ويضمنه على القول إن المستعار عارية ولا رجوع للمالك بعد قبض المرتَهَنِ بالشيء المعار وإلا لم يكن لهذا الرهن معنى إذ لا وثوق به ويجوز في الإعارة قبل القبض لعدم لزوم الإعارة.
فإذا حلَّ الدين أو كان حالّاً وامتنع الراهن من أداء الدين روجع المالك للبيع فقد يؤدي هو ليخلص العين المرهونة أو يمتنع وبعد ذلك يباع المعار إذا لم يَقْضِ الدينَ المالكُ أو الراهنُ ولا يشترط إذن المالك وسواء في ذلك كان الراهن معسراً أم موسراً ثم يرجع المالك بما بيع به أي يرجع المالك على الراهن بالثمن الذي بيعت به العين المرهونة.
? فصل في شروط المرهون به ولزوم الرهن ?
شرط المرهون به ليصح الرهن كونه ديناً ثابتاً أي أن يكون الحق ثابتاً عند عقد الرهن لأنه سيثبت ولو وجد سببه كنفقة على زوجته بعد سفره ولا على ما سيقرضه مستقبلاً لأن الرهن هو وثيقة حق فلا تتقدم على الحق لازماً أي لازم الأداء غير معرض للإسقاط كنجوم الكتابة ومثله الثمن قبل قبض المبيع لأنه يمكن إسقاطه بإتلاف السلعة والأجرة قبل استيفاء المنفعة أما الثمن في حدة الخيار فيصح الرهن به لقربه من اللزوم فلا يصح الرهن بالعين المغصوبة والمستعارة ومثله المأخوذ بالسوم لاستحالة الاستيفاء من ثمن المرهون وذلك مخالف لغرض الرهن من البيع عند الحاجة وإنما صح ضمان هذه الأشياء المغصوبة والمستعارة والمأخوذة بالسوم لتردَّ فيحصل المقصود بردِّ القادر عليه ولا يصح الرهن بما سيقرضه ولا بثمن ما يشتريه لنه وثيقة حق فلا يقدم على الحق ولو قال أقرضتك هذه الدراهم وارتهنت بها عبدك فقال اقترضت ورهنت أو قال بعتكه بكذا وارتهنت الثوب به فقال اشتريت ورهنت صح في الأصح لأنه يلتمس من الإقراض أو البيع الرهن فاغتفر تقدم أحد شقيه وهما عقد القرض والبيع على ثبوت الدين ولا يصح بنجوم الكتابة لعدم لزوم النجوم لأن المكاتب قادر على إسقاطها في أي وقت بتعجيز نفسه ولا يجعل الجعالة قبل الفراغ لأن الفسخ فيها ممكن من الطرفين وقيل يجوز بعد الشروع في العمل لن الأمر آيل إلى اللزوم ومثله بعد الانتهاء من العمل فيجوز للزوم الجعل بانتهاء العمل. ويجوز بالثمن في مدة الخيار لأن الأصل في وضعه اللزوم وهو آيل إليه ويجوز بالدين رهن بعد رهن لأنه زيادة توثيق فيصيران رهناً واحداً ولا يجوز أن يرهنه المرهون عنده بدين آخر في الجديد وإن وفّى بالدينين لأن الرهن مشغول بدين والزيادة في الدين شغلُ مشغول بغيره ولا يلزم الرهن إلا بقبضه أي قبض المرهون ممن يصح منه عقده أي ممن يصح منه عقد الرهن ويصح منه القبض وتجري فيه النيابة كالعقد لكن لا يستنيب راهناً لأن الواحد لا يتولى طرفي العقد كما مرَّ ولا عبده أي عبد الراهن لأن يده كيده وفي المأذون له وجه أنه يصح استنابته لانفراده باليد ومقابله لا، لأن السيد قادر على منعه متى شاء ويستنيب مكاتبه أي يصح استنابة مكاتب الراهن لاستقلاله بالتصرف واليد كالأجنبي ولا يستطيع الحجر عليه إلا عند العجز ولو رهن وديعة عن مودع أو مغصوباً عند غاصب لم يلزم هذا الرهن ما لم زمن إمكان قبضه أي قبض المرهون كنظيره في البيع لن لو لم يكن في يده لكان اللزوم متوقفاً على
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/330)
هذا الزمن وابتداء زمن إمكان القبض من وقت الإذن بالقبض والأظهر اشتراط إذنه أي الراهن في قبضه لأن اليد كانت عن غير جهة الرهن، وقيل لا يشترط لأن العقد مع صاحب اليد يتضمن الإذن ولا يبرئه ارتهانه عن الغصب لأنه وإن كان عقد أمانة فالغرض منه التوثق وهو لا ينافي الضمان ويبرئه الإيداع في الأصح كقوله: أذنت لك في حفظه لأنه محض ائتمان والائتمان ينافي الضمان بدليل أنه لو تعدّى في الوديعة لم يبق أميناً ويحصل الرجوع عن الرهن قبل القبض بتصرف يزيل الملك كهبة مقبوضة وإعتاق وبيع لزوال وثيقة الرهن وبرهن مقبوض وكتابة وكذا تدبيره في الأظهر لأن التدبير تعليق عتق بصفة فيحصل الرجوع عن الرهن في هذه الثلاثة ولأن مقصود الكتابة والتدبير العتق وهو مناف للرهن وبإحبالها لا الوطء لأنه بغير الإحبال لا يزول الملك ولو مات العاقد أي أحد العاقدين الراهن أو المرتهن قبل القبض أو جُنَّ أو تخمر العصير أو أبق العبد لم يبطل الرهن في الأصح أما ارتفاعه بالموت فلأنه عقد جائز فيرتفع به وَرُدَّ ذلك بأن مصيره على اللزوم كالبيع في زمن الخيار وعلى هذا تقوم ورثة الراهن والمرتهن مقامها في الإقباض والقبض أما بطلان الرهن بالتخمر فلخروج المرهون عن القيمة المالية ورُدَّ بارتفاع التخمر فارتفع حكم الرهن ثم عاد لما انقلب الخمر خلاً وليس للراهن المقبض تصرفٌ يزيل الملك كالهبة والبيع والوقف لكن في إعتاقه أقوال أظهرها ينفذ من الموسر ويغرم قيمته يوم عتقه أي قيمة المرهون حالة الإعتاق ويغرم قيمته وجوباً لحق المرتهن وتعتبر قيمته يوم عتقه لأنه وقت الإتلاف وتصير رهناً مكانه فإن لم ينفذه لإعساره فانفك الرهن بإبراء أو غيره لم ينفذ في الأصح لأنه أعتقه وهو لا يمكن إعتاقه ولو علقه أي علق عتق المرهون بصفة فوجدت وهو رهن فكالإعتاق فينفذ العتق من الموسر كما تقدم لأن التعليق مع وجود الصفة كالتنجيز أو بعده أي وجوب الصفة بعد فك الرهن نفذ على الصحيح ولارهْنةٌ معطوفة على تصرف يزيل الملك لغيره أي لغير المرتهن ولا التزويج للعبد أو الأمة فإنه ينقص القيمة ويقلل الرغبة فلو خالف وزوّج العبد أو الأمة فالنكاح باطل ولا الإجارة إن كان الدين حالّاً أو يحلّ قبلها أي يحلّ قبل انقضاء مدة الإجارة لأن في التأخير تقل الرغبة أما إذا كان الدين يحلّ بعدها فيجوز الإجارة وتجوز للمرتهن مطلقاً ولا الوطء خوف الحبل لأنها إن كانت بكراً نقص ثمنها وإن حملت أصبحت أم ولد فلا تباع فإن وطئ ولو عالماً بالتحريم فلا حدّ عليه ولا مهر فإن أحبل فالولد حر نسيب لأنها علقت به في ملكه نعم في البكر عليه أرش البكارة يقضيه من الدين أو يجعله رهناً معها وفي نفوذ الاستيلاد أقوال الإعتاق أي إذا استولد الراهن المرهونة فأظهر الأقوال نفوذاً استيلاده من الموسر فليزمه قيمتها وتكون رهناً مكانها فإن لم ينفذ فالرهن بحاله ولا تباع حاملاً لحرية حملها فإن لم ينفذه فانفك الرهن من غير بيع نفذ الاستيلاد في الأصح والفرق بين الإعتاق والاستيلاد أن الإعتاق قول يقتضي العتق حالاً فإن رُدِّ لغى من أصله والإيلاد فعلٌ لا يمكن ردُّه وإنما يمنع حكمه في الحال لحق الغير فإذا زال حق الغير ثبت حكم الاستيلاد فلو ماتت بالولادة أي الأمة التي وطئها الراهن أو نقصت قيمتها غرم قيمتها وتكون القيمة رهناً مكانها في الأصح لتسببه بهلاكها أو نقصها بالاستيلاد بلا حق وله أي للراهن كل انتفاع لا ينقصه أي لا ينقص المرهون كالركوب والسكنى لما روى البخاري من حديث الشعبي عن أبي هريرة: يركب بنفقته إن كان مرهوناً ولبن الدر يشرب بنفقته إن كان مرهوناً وعلى الذي يركب ويشرب النفقة. وفي رواية أبي داوود يحلب مكان يشرب. وروى ابن ماجة والدار قطني والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة: لا يغلق الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه] قال الشافعي غنمه زيادته وغرمه هلاكه. ومعنى لا يغلق أي لا يدفع إلى الرجل رهناً ويقول إن جئتك بالدراهم إلى كذا وكذا وإلا فالرهن لك فإذا شرط ها الشرط فسد الرهن. لا البناء والغراس لإنقاصمها قيمة الأرض فإن فعل بنى أو غرس لم يقلع قبل حلول الأجل وبعده يقلع إن لم تفسد الأرض أي قيمتها بالدين وزادت به بالقلع ثم إن أمكن الانتفاع بالمرهون بغير استرداد لم يسترد إذ لا ضرورة ولا استرداده من المرتهن وإلا أي وإن لم يكن الانتفاع به
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/331)
ممكناً من غير استرداد كأن كان المرهون داراً ليسكنها أو سيارة يركبها فيستردُّ للضرورة والحاجة تدفع لذلك ويشهد المرتهن على الراهن بأنه استردَّ الرهن للانتفاع به إن اتهمه فيشهد شاهدين رجلين أو رجلاً وامرأتين لأنه شهادة على مال وله أي للراهن بإذن المرتهن ما منعناه من التصرفات والانتفاعات من غير بدل لأن المنع كان لحقه فأذن به وله أي المرتهن الرجوع عن الأذن قبل تصرف الراهن لأنه حق له كالمالك يرجع عن التوكيل قبل تصرف الوكيل فإن تصرف جاهلاً برجوعه فكتصرف وكيل جهل عزله فلا ينفذ تصرفه ولو أذن في بيعه ليعجل المؤجل من ثمنه أي كان شرط إذن المرتهن للراهن بالبيع بشرط تعجيل دفع الدين لم يصح البيع في الأظهر لفساد الأذن سواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً وكذا لو شرط رهن الثمن في الأظهر أي شرط عند الإذن بالبيع أن يجعل الراهن الثمن رهناً فسد البيع أيضاً لجهالة الثمن عند الإذن وقيل يصح ولا تضر الجهالة بالثمن فكما انتقل إليه بالإتلاف جاز أن ينتقل إليه بالبيع.
? فصل في الأمور المترتبة على لزوم الرهن ?
إذا لزم الرهن فاليد فيه أي في المرهون للمرتهن ولا تزال إلا للانتفاع كما سبق لأن المرهون هو وثيقة حفظ حق المرتهن.
ولو شرطا وضعه عند عدل جاز أي اتفق العاقدان على وضع المرهون عند عدل جاز الرهن أو عند اثنين ونصا على اجتماعهما على حفظه أو الانفراد به فذاك معلوم أنه يتبع الشرط وإن أطلقا فليس لأحدهما الانفراد بحفظه في الأصح لعدم الرضا بيد أحدهما على الانفراد فيجعل في حرزهما إن أمكن وإلا في حرز أحدهما إن اتفقا وألّا يقسم إن كان قابلاً للقسمة وإن لم ينقسم ولم يتفقا جعل عند هذا مرة وعند هذا مرة.
ولو مات العدل الذي عنده المرهون أو فُسِّقَ جعلاه حيث يتفقان على عدل غيره وإن تشاقا أي تنازعا فيه وضعه الحاكم عند عدل يراه لأنه العدل قطعاً للنزاع.
ويستحق بيع المرهون عند الحاجة بأن حل وقت أداء الدين ولم يوفِ أو أشرف المبيع على الهلاك أو الفساد قبل الحلول. ويقدم المرتهن بثمنه بعد البيع على سائر الغرماء لأن حقه تعلق به وكان وثيقة فيه وحقهم مرسل في ذمة الراهن.
ويبيعه الراهن أو وكيله بإذن المرتهن لأن له الحق فإن لم يأذن المرتهن في البيع قال له الحاكم ألزمك بأن تأذن له في المبيع أو تبرئه: من الدين دفعاً لضرر الرهن. ولو طلب المرتهن بيعه فأبى الراهن ألزمه القاضي قضاء الدين من محل آخر أو يبعه ليوفي ما عليه من دين فإن أصرَّ على الامتناع باعه الحاكم وقضى الدين من ثمنه دفعاً لضرر المرتهن. ولو باعه المرتهن بإذن الراهن فالأصح أنه إن باعه بحضرته صح البيع وإلا فلا لأنه إنما يبيعه لغرض نفسه فيتهم بالاستعجال وترك التحفظ أما لو قال له بعه بكذا فجاز البيع وانتفت التهمة.
ولو شُرِّطَ أن يبيعه العدل جاز هذا الشرط ولا يشترط في هذه الحالة مراجعة الراهن في البيع في الأصح لأن الأصل بقاء الأذن فإذا باع المأذون له في البيع فالثمن عنده من ضمان الراهن لبقاء ملكه حتى يقبضه المرتهن والعدل أمين فيه ومن ثم صدق في تلفه ولا يصدق بتسليمه للمرتهن فإن أنكر المرتهن صدق بيمينه وعاد في حقه على الراهن.
ولو تلف ثمنه في يد العدل ثم استحق الموهون الذي بيع فإن شاء المشتري رجع على العدل المأذون له بالبيع لأن يده على المرهون وإن شاء رجع على الراهن لأنه هو الذي إذن للعدل في البيع فكأنه ألجأ المشتري بتسليم الثمن للعدل والقرار عليه فيرجع العدل الغارم عليه أي الراهن ما لم يقصر العدل في تلف المبيع ولو مات الراهن فأمر الحاكم العدل ببيع المرهون فباع وتلف الثمن ثم خرج المبيع مستحقاً للغير رجع المشتري في مال الراهن ولا يكون العدل طريقاً في الضمان حيث لا تقصير لأنه نائب الحاكم والحاكم لا يضمن فكذا منصوبه.
ولا يبيع العدل إلا بثمن مثله حالّاً من نقد بلده كالوكيل فإن أخل بشيء مما ذكر لم يصح البيع لكنّ النقص القليل الذي يتسامح به الناس عن ثمن المثل لا يضر.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/332)
فإن زاد راغب قبل انقضاء الخيار فليفسخ وليبعه للراغب أو المشتري إن شاء قبل انقضاء مدة الخيار أي خيار المجلس أو خيار الشرط ومؤنة المرهون من علف دابة أو أجرة سقي وتجفيف ثمر وجواده على الراهن لأنه المالك ويجبر عليها لحق المرتهن على الصحيح حفظاً لوثيقة الرهن وقيل إذا امتنع يباع جزء من المرهون ونفق عليه ولا يمنع الراهن من مصلى المرهون كقصر وجماعة ومعالجة بالأدوية والمراهم حفظاً لملكه وهو أمانة في يد المرتهن ومعنى كونه أمانة أنه لا يضمن تلفه إلا بالتعدي كالوديع لحديث الدار قطني عن أبي هريرة (لا يغلق الرهن من راهنه) وفي رواية (لا يغلق الرهن على راهنه) ومعناه كما ذكرنا لا يملكه المرتهن عند تأخر الحق أو لا يكون غلقاً يتلف الحق بتلفه والغلق ضد الفك وقوله الرهن من راهنه أي من ضمانه فالعرب تقول الشيء من فلان أي من ضمانه، قال الشافعي وهذا أفصح ما قاله العرب ولا يسقط بتلفه شيء من دينه أي دين المرتهن وحكمه كمن كفل إنساناً بمال ثم مات الكفيل فلا يسقط عن المدين شيء وحكم فاسد العقودحكم صحيحها في الضمان وفي عدم الضمان وهي قاعدة أغلبية إن كانت العقود صادرةً من رشيد لأن العقد إذا اقتضى صحيحُهُ الضمانَ بعد التسليم كالبيع والإعارة ففاسده أولى وإذا اقتضى عدم الضمان كما في الرهن والهبة والعين المستأجرة ففاسده كذلك أولى لأن واضع اليد إنما وضعها بناءً على إذن مالكها ولم يلتزم بالعقد ضماناً ولو شرط كون المرهون مبيعاً له عند الحلول فسدا أي الرهن والبيع. الرهن لتأقيته والبيع لتعليقه لأنهما شرطا ارتفاع الرهن بحلول الأجل ففسد ولو قال: رهنتك وإذا لم اقضِ عند الحلول فهو مبيع منك كان الفاسد البيع للتأقيت وللحديث (لا يغلق الرهن على راهنه).
وهو قبل المَحِلِ أمانة أي قبل حلول الأجل لأنه رهن فاسد كما ذكرنا وبعد الأجل مضمون لأنه بيع فاسد. ويصدق المرتهن في دعوى التلف بيمينه إن لم يذكر سبباً فإن ذكر سبباً طُلبت البيّنة به.
ولا يصدق في الردِّ عند الأكثرين أي لو ادعى المرتهنُ أنه ردَّ المرهون إلى الراهن فلا يصدق عند الأكثرين لأن قبضه لغرض نفسه كالمستعير ومثله المستأجر لا يصدق بالردّ على المؤجر لأن قبضَه للعين المؤجرة لمصلحة نفسه ولذلك قالوا: كلُّ من ادعى الردَّ على من ائتمنه يصدق بيمينه إلا المرتهن والمستأجر.
ولو وطيء المرتهنُ المرهونة من غير إذن الراهن بلا شبهة منه فزانٍ فعليه الحدُّ ويجب المهر إن أكرهها بخلاف المطاوِعة ولا يقبل قوله: جهلت تحريمه أي الوطء إلا أن يقرب إسلامه أو ينشأ ببادية بعيدة عن العلماء فيقبل قوله درءاً للحد لأنه قد يخفى عليه.
وإن وطيء بإذن الراهن قُبلت دعواه جهل التحريم مطلقاً في الأصح لأن ذلك قد يخفى على العوام حيث قد خفي مثله على بعضِ أهلِ العلم. فلاحدَّ عليه ويجب المهر إن أكرهها وقيل لا يجب لوجود الإذن من المالك ولكنّ الحدَّ لحق الشرع فلا يدفعه إذن مَنْ لا يملكه وهو المالك كجميع أحكام الشرع والولد حرٌ نسيب للشبهة لأن الشبهة كما تدرأ الحدَّ تثبت الحرية والنسب وعليهقيمته للراهن لتفويته الرقَّ عليه وإذا ملك المرتهن هذه الأمَةَ بعد ذلك لم تصبح أمَّ ولد لأنها علقت بالولد في غير ملكه.
ولو أتلف المرهونَ وقبض بدله صار رهناً أي أتلفه الراهن أو المرتهن أو أجنبي مكانه وجُعِلَ في يد من كان المرهون في يده والخصم في البدل الراهن لأنه هو المالك فإن لم يخاصم الراهَنُ في ذلك لم يخاصم المرتهن في الأصح لأنه ليس مالكاً وقيل يخاصم لتعلق حقه بالبدل.
فلو وجب قصاص في المرهون المُتْلَفِ اقتص الراهن أي كان له الحق في القصاص وفات الرهن هلاك المرهون فإن وجب المالُ بعفوه أي الانتقال من القصاص إلى المال أو بجناية خطأ أو شبه عمد توجب المال لم يصح عفوه أي الراهن عنه لتعلق حق المرتهن به ولا يصح إبراءُ المرتهنِ الجانيَ لأنه غير مالك كما لا يسقط بإبرائه حقه من الوثيقة إلا إذا أسقطه منها ولا يسري الرهن إلى زيادته أي إلى زيادة المرهون المنفصلة كثمرة وولد بخلاف المتصلة كسمن الدابة وكبر الشجرة فلو رهن حاملاً وحلَّ الأجل وهي حامل ومستْ الحاجةُ لبيعها بيعت لأنا إن قلنا إن الحمل معلوم فقد رهنه معها وإن قلنا غير معلوم فهو صفة تابعة لها وإن ولدته بيع معها في الأظهر بناءً على أنه رُهِنَ معها لكونه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/333)
معلوماً.
? فصل في جناية المرهون ?
إذا جنى المرهونُ على أجنبي جناية تتعلق برقبته قدم المجني عليه لتعلق حقه برقبة الجاني فلو قدم غيره لفات حقه بخلاف المرتهن فحقه بالذمة والرهن وثيقة حفظ الحق فإن اقتص صاحب الحق أو بيع المرهون له أي لهذا الحق بأن عُفِيَ على مالٍ بطلالرهن فلو عاد المرهون إلى ملك الراهن لم يعد رهناً وإن جنى على سيده فاقتُصَ منه بطل الرهنُ وإن عفى على مال لم يثبت المالُ لأنه السيد لا يثبتُ له على عبده مال على الصحيح فيبقى رهناً كما كان وإن قَتَلَ المرهونُ مرهوناً لسيده عند آخر فاقتصَ السيد منه بطلالرهنان لفوات محلهما.
وإن وجب مال كأن كان القتل خطأً أو عفي على مالٍ تعلق به حق مرتهن القتيل والمال متعلق برقبة القاتل فيباع إن طلب مرتهن القتيل ذلك وثمنه إن لم يزد على الواجب رهن فإن زاد فقدر الواجب منه وقيليعيدرهناً وَرُدَّ بأن حق المرتهن في ثمنه لا في عينه.
فإن كانا مرهونين عند شخص بدين واحد نقصتالوثيقة أي إذا كان القاتل والمقتول مرهونين عند شخص واحد بدين واحد فقد نقصت وثيقة الرهن ولا جبر لها. أوبدينين عند شخص واحد ووجب مال يتعلق برقبة القاتل وفينقلالوثيقة أي وثيقة الرهن غرض أي فائدة للمرتهن نقلت أي الوثيقة بأن يباع القاتل فيصير ثمنه وثيقةَ رهنٍ بدل القتيل. وإذا لم يكن هناك غرض للمرتهن فلا نقل للوثيقة ويبقى القاتل بحاله وتسقط وثيقة المقتول.
ولو تلف مرهونٌ بآفة بَطَلَ الرهن لفوات محله وينفك الرهن بفسخالمرتهن وحده أو بفسخهما معاً وبالبراءة من الدين بقضاء أو صلح على عين أو حوالة فإن بقي شيء منه أي من الدين لم ينفكَّ شيء من الرهن بالإجماع. ولو رهن نصف عبدٍ بدين ونصفه بآخر فبريء من أحدهما انفك قسطه لتعدد الصفقة بتعدد العقد وإن كان العقدان لواحد. ولورهناه أي رهنا عبدهما بدين فبريءأحدهما مما عليه انفكنصيبه لتعدد الصفقة بتعدد العاقد حتى ولو كان لهما وكيل واحد فعقد عقدين لهما خلافاً للبيع لأن البيع عقد ضمان يُنْظَرُ فيه إلى المباشر إن تعدد أو اتحد.
? فصل في الاختلاف في الرهن وما يتبعه ?
اختلفا في أصل الرهن فقال رهنتني فأنكر أو قدره كأن قال رهنتني الأرض والشجر فقال رهنتك الأرض فقط صدق الراهن بيمينه لأن الأصل براءة الذمّة مما يدعيه المرتهن إن كان رهن تبرع أي من غير شرط في بيع وإن شُرِطَ الرهن المُخْتَلَفُ فيه في بيع تحالفا كما لو اختلفا في سائر كيفيات البيع كما سبق ولو ادعى على اثنين أنهما رهناه عبدهما بمائة وأقبضاه إياه وصدقه أحدهما فنصيب المصدق رهن بخمسين مؤاخذة له بإقراره والقول في نصيب الذي قوله بيمينه لأنه منكر الأصل الرهن لما مرِّ. وتقبل شهادة المصدق عليه فإن شهد معه آخر أو حلف المدعي ثبت رهن الجميع الأول بقوله والثاني بيمين المرتهن وشهادة واحدة أو شهادة اثنين.
ولو اختلفا في قبضه أي المرهون فإن كان في يد الراهن أو في يد المرتهن وقال الراهن غصبتَه صدق الراهن بيمينه لأن الأصل البراءة وعدم الإذن في القبض وكذا إن قال اقبضته على جهة أخرى كإيداع أو إجارة أو إعارة في الأصح لأن الأصل عدم الرهن والبراءة منه.
ولو أقرَّ الراهن بقبضه أي بقبض المرتهن للمرهون ثم قال: لم يكن إقراري عن حقيقة فله تحليفه أي للراهن تحليف المرتهن أن المرهون في يده وأنه قبضه قبضاً صحيحاً. وقيل لا يحلف إلا أن يذكر لإقراره تأويلاً كقوله: أشهدت على رسم القبالة كأن يقول شهدت على الكتابة التي في الوثيقة لكي أقبض بعد ذلك أو قال نقل وكيلي أنه قبض فتبين أن قوله مزوّرٌ أو أرسلت وكيلي ليقبض فحدث له مانع منعه من القبض.
ولو قال أحدهما جنى المرهون أي أحد المتعاقدين وأنكر الآخر صدق المنكر بيمينه لأن الأصل عدم الجناية وبقاء الرهن. ولو قال الراهن بعد قبضه المرهون جنى قبل القبض فالأظهر تصديق المرتهن بيمينه في إنكاره الجناية صيانة لحقه فيحلف على نفي العلم لأن الراهن قد يتواطؤ مع مدعي الجناية لإبطال الرهن.
والأصح أنه إذا حلف المرتهن غرم الراهن للمجني عليه لأنه برهن الجاني حَالَ بين المجني عليه وحقه. والأصح أنه يغرم له الأقلَ من قيمة العبد المرهون وأرش الجناية لامتناع البيع بسبب الرهن ومثله امتناع بيع أم الولد إذا جنت فيضمن الأقل من قيمتها وأرش الجناية.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/334)
وأنه لو نكل المرتهن رُدَّتِ اليمين على المجني عليه لأن الحق له لا على الراهن لأنه لا يدعي لنفسه شيئاً فالأمر بين المرتهن والمجني عليه فإذا حلف المجني عليه بيع الجاني في الجناية إن استغرقت قيمته وإلا بيع منه بقدر الجناية ولا يبقى الباقي رهناً لأن حكم اليمين المردودة كحكم البينة فما حكمنا أن الجناية قبل الرهن بطل الرهن به.
ولو أذن المرتهن في بيع المرهون فبيع ورجع عن الإذن وقال بعد بيعه رجعت قبل البيع وقال الراهن بل رجعتَ بعده فالأصح تصديق المرتهن بيمينه لأن الأصل بقاء الرهن ومن عليه ألفان مثلاً بأحدهما رهن أي بألف رهن فأدى ألفاً وقال: أديته عن ألف الرهن صدق بيمينه لأنه أعرف بقصده حين أدى الألفَ وإن لم ينوِ عند الأداء شيئاً جعله مما يشاء منهما لأنه المؤدي وله الاختيار وقيل يقسط بينهما إذ لا أولوية لأحد الألفين على الآخر وإذا كانا مختلفين فيقسط عليهما.
? فصل في تعلق الدين بالتركة ?
من مات وعليه دين تعلق بتركته سواء كان الدين لله تعالى أو لآدمي تعلقه بالمرهون لا تعلقه بأرش الجناية ليتمكن الورثة من إبراء ذمة الوارث لامتناع التصرف عليهم فيها جزماً.
وفي قول: كتعلق الأرش بالجاني لأن كلاً منهما ثبت بالشرع من غير اختيار فعلى الأظهر أي كتعلق المرهون يستوي الدين المستغرق وغيره في الأصح وما علمه الوارث وما جهله فترهن جميع التركة بالدين ولا يصح التصرف من الوارث بأي جزء منها مراعاة لبراءة ذمة الميت ولو تصرف الوارث ولا دينٌ ظاهرٌ ولا خفي فظهر دين أي طرأ دين بسبب من الأسباب بردِّ مبيع بعيب قبض ثمنه فالأصح أنه لا يتبين فساد تصرفه لأنه عندما تصرف الوارث كان صاحب الحق في التصرف لأنه المالك كما ظهر له. لكن إذ لم يُقْضَ الدينُ فَسَخَ تصرفه ليصل المستحق إلى حقه وسواء كان الذي قضى الدين الوارث أو الأجنبي.
ولا خلاف أن للوارث إمساك عين التركة وقضاء الدين من ماله لأن للمورث فعل ذلك ووارثه خليفته فله أن يفعل ذلك.
والصحيح أن تعلق الدين بالتركة لا يمنع الإرث الذي يلزمه قضاؤه وهو الأقل من قيمة الموروث والدين فإن استويا تخير أو نقصت القيمة لم يلزمه أكثرَ منها لأن تعلق الدين بالميراث مثل حق المرتهن بالمرهون. قال تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) النساء11. فلا يتعلق الدين بزوائد التركة ككسب ونتاج لأنها حدثت في ملك الوارث.
? كتاب التفليس ?
هو لغة: النداء على المدين الذي لا يملك وفاءً وشهره بصفة الإفلاس المأخوذ من الفلوس التي هي أحسن الأموال. وشرعا: إيقاع وصف الإفلاس من الحاكم على الشخص الذي لا يملك وفاءً. فقد روى مسلم عن أبي هريرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فَيُعْطَى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإذا فنيت حسناته قبل أن يُقْضَى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار)).
فالمفلس إذن هو الذي لا مال له ولا ما يدفع به حاجته وأما عند الفقهاء فهو من دينُهُ أكثر من ماله وخرجه أكثر من دخله والأصل فيه ما رواه الدار قطني وغيره عن كعب بن مالك (أنه صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ وباع عليه ماله وقسمه بين غرمائه فأصابهم خمسة أسباع حقوقهم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ليس لكم إلا ذاك).
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: أٌُصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال: (تصدقوا عليه) فلم يبلغ وفاءَ دينِهِ، فقال: (خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك).
مَنْ عليه ديون حالّة زائدةٌ على ماله يُحْجَرُ عليه في ماله بسؤال الغرماء من الحاكم بلفظ حجرت ومنعت فقد حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم على معاذ رضي الله عنه بسؤال العلماء ولا حجر بدين الله تعالى من نذر وكفارة ولا بالمؤجل إذ لا مطالبة به في الحال وإذا حُجِرَ بحالٍّ لم يحلَّ المؤجل في الأظهر لأن الأجل مقصود فلا يفوّت عليه وقيل يحل لتعلق الدين بالمال فسقط الأجل كالموت ولو كانت الديون بقدر المال فإن كان كسوباً ينفق من كسبه فلا حجر لعدم الحاجة إلى الحجر بل يلزمه الحاكم بقضاء الدين فإن امتنع باع عليه وإن لم
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/335)
يكن كسوباً وكانت نفقتُهُ من ماله فكذا أي فلا حجر عليه في الأصح وقيل يحجر عليه لحق الغرماء حتى لا يضيع ماله في النفقة. ولا يحجر بغير طلب من الغرماء فلو طلب بعضهم الحجر ودينُه قدر يحجر به بأن كان زائداً على مال المدين حُجِرَ وإلا أي إن لم يزد الدين على ماله فلا حجر فإذا حجرنا عليه فإن أثر الحجر لا يختص بالطالب بل يعم جميع الغرماء ويحجر بطلب المفلس في الأصح لكن بعد دعوى الغرماء بالدين وثبوته ببينة أو إقرار ولا يكفي علم القاضي وقيل بدون دعوى الغرماء لأن له فيه غرضاً ظاهراً وهو التخلص من الدين وصرف ماله فيه فإذا حُجِرَ عليه بطلب أو بدونه تعلق حق الغرماء بماله كالرهن عيناً كان ماله أو ديناً حتى لا ينفذ تصرفه في المال بما بضر الغرماء وحتى لا تزاحمهم الديون الحادثة بعد الحجر. وأشهد الحاكم ندباً على حجره على المفلس ليحذر الناس معاملته ويسن أن يعلن الحاكم في وسائل الإعلام الحجر عليه وبالحجر عليه يمتنع عليه التصرف في أمواله وحينئذ لو باع أو وهب أو أبرأ من دين ولو مؤجلاً أوأعتق أو وقف أو آجر ففي قول يوقف تصرفه مع إثمه فإن فضل ذلك عن الدين لارتفاع القيمة أو إبراء بعض الغرماء نفذ تصرفه وإلايفضل شيء لغا تصرفه والأظهر بطلانه حالاً لتعلق حق الغرماء بما تصرف فيه فلو باع ماله لغرمائه بدينهم من غير إذن القاضي بطل في الأصح مخافة أن يظهر غريم آخر أما البيع بإذن الحاكم فجائز. وقيل يصح لأن الأصل عدم وجود غرماء آخرين فلو باع سلماً أو اشترى شيئاً في الذمة فالصحيح صحة سلمه وشرائه ومثله لو اقترض أم استأجر ويثبت المبيع والثمن ونحوهما في ذمته إذ لا ضرر على الغرماء فيه ويصح نكاحه وطلاقه وخلعه ورجعته واقتصاصه إذا طلب استيفاء القصاص وإسقاطه القصاص ولو مجازاً لأنه لا ضرر في ذلك على الغرماء.
ولو أقرَّ بعين أو دين وجب قبل الحجر بمعاملة أو إتلاف أو غير ذلك فالأظهر قبوله في حق الغرماء فيزاحم المُقَرُّ له الغرماء في الدين كما لو ثبت بالبيّنة لأن في الإقرار ضرر عليه أكثر منه في حق الغرماء فتبعد التهمة بالمواطأة وإن أسند وجوبه إلى ما بعد الحجر بمعاملة أو مطلقاً أي لم يقيده بشيء لم يقبل في حقهم فلا يشاركهم في المال لأنه قصر في معاملة المفلس وبالإطلاق نزل إلى أدنى مراتب الحق وهي المعاملة أيضاً فهو حين أطلق لم يصرح إن كان الدين قبل الحجر أو بعده وإن قال عن جناية بعد وقوع الحجر قُبِلَ في الأصح لعدم تفريط المُقَرِ له فيشارك الغرماء وله أن يردَّ بالعيب ما كان اشتراه قبل الحجر إن كانت الغِبْطةُ لأن الردَّ بالعيب من توابع البيع السابق وليس ابتداء بيع جديد والأصح تعدي الحجرُ إلى ما حدث بعده بالاصطياد والهبة والوصية والشراء بالذمة إن صححناه وهو المعتمد والأصح أنه ليس لبائعه أي بائع المفلس في الذمة أن يفسخ ويتعلق بعين متاعه إن علم الحال لتقصيره وإن جهل فله ذلك لعدم تقصيره لأن الإفلاس كالعيب يفرق فيه بين العلم والجهل وإن لم يمكن التعلق بها بعين متاعه بأن علم الحال لا يزاحم الغرماء بالثمن لأنه دين حدث برضاه فإن فضل شيء بعد قضاء دينهم أخذه وإلا انتظر اليسار. أما الإتلاف وأرش الجناية فيزاحم المجني عليه الغرماء في الدين لعدم تقصير المجني عليه.
? فصل في بيع مال المفلس وقسمته ?
يبادر القاضي بعد الحجر على المفلس ببيع ماله وقسمته أي قسمة الثمن بين الغرماء بنسبة ديونهم لئلا يطول الحجر ولا يفرط في الاستعجال حتى لا يُطمعُ فيه بثمن بخس ويبادر إلى بيع ما يخشى فساده ويقدم ما يخشى فساده كالفواكه والخضار ثم الحيوان لحاجته إلى النفقة وكونه معرضاً للتلف ثم المنقول مخافة السرقة ثم العقار للأمن عليه من التلف والسرقة وليبع بحضرة المفلس وغرمائه أو وكلائهم لأن ذلك أنفى للتهمة وأطيب للنفوس.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/336)
كل شيء في سوقه لأنه مكان اجتماع طالبيه ويشهر بيع العقار استحباباً في وسائل الإعلام بثمن مثله حالاً من نقد البلد وجوباً لأن الثمن يتعلق به حقوق الغرماء فمن مصلحتهم أن يكون حالاً من نقد البلد ثم إن كان الدين من غير جنس النقد الذي بيع به مال المفلس ولم يرضَ الغريمُ إلا بجنس حقه اشترى له جنس حقه وجوباً لأنه واجبه وإن رضي بغير جنس حقه جاز صرف النقد إليه إلا في السلم لامتناع الاعتياض عن السلم فيه وهو يشمل النقد وغيره وقد علمنا سابقاً جواز السلم في النقد ولا يسلِّم الحاكم أو مندوبه مبيعاً قبل قبض ثمنه احتياطاً لحفظ مال الغرماء وإذا تلف الحق ضمنه الحاكم أو مندوبه وما قبض الحاكم أو مندوبه قسمه بين الغرماء بنسبة ديونهم مسارعة لبراءة الذمة إلا أن يعسر قسمه لقلته وكثرة الديون فيؤخر ليجتمع فإن أبى الغرماء قسمه بينهم ولا يكلفون عند القسمة ببيّنة بأن لا غريم غيرهم لأن الحجر اشتهر ولو وجد غريم آخر لظهر فلو قسم فظهر غريم شارك بالحصة لأنه بمشاركتهم حصل المقصود وقيل تنقض القسمة كما لو قسمت التركة فظهر وارث وهو مردود بأن حق الغريم حاصل بالمشاركة دون النقض ولو خرج شيء باعه قبل الحجر مُسْتَحقاً والثمن الذي قبضه المفلس تالف فكدين أي أنه حكم دين ظهر بعد القسمة فيشارك الغرماء من غير نقض القسمة كما ذكرنا وإن استحق شيء باعه الحاكم أو مندوبه وثمنه تالف بتوزيعه على أصحاب الاستحقاق قدم المشتري بالثمن على باقي الغرماء حتى لا يرغب الناس على شراء مال المفلس مخافة أن يخرج مستحقاً فتقديم مشتري العين المستحقة من مصلحة العقد وفي قول يحاصر الغرماء كسائر الغرماء وهذا مدفوع بما ذكر من رغبة الناس عن شراء مال المفلس وينفق الحاكم على المفلس و على من عليه نفقته من الزوجات والأقارب من طعام وكسوة وسكن إلا أن يستغني بكسب فإن لم يَفِ كسبُه كُمِّلَ له ما يكفيه من النفقة ويباع مسكنه إن كان محتاجاً إليه وخادمه ومركوبه في الأصح وإن احتاج إلى مركوب وخادم لزمانته ومنصبه حتى ولو كان محتاجاً لهما أو لأحدهما لضيق حق الآدمي مع إمكان استئجار مسكن أو مركوب أو خادم. وقيل يترك المسكن فقط وهو بعيد إذ حق الغرماء شاغل لجميع ماله.
ويترك له دست ثوب يليق به أي كسوة كاملة ولو مستعملة فإن كانت عنده اكتفينا بها وإلا اشْتُرِيَ له ثياب كاملة لأن الحاجة إلى الكسوة كالحاجة إلى الطعام. ودست الثوب هو قميص وسراويل وعمامة ومِكْعَب وهو ما يلبس في الرجل ويزاد في الشتاء جبة محشوة ترد البرد هذا بالنسبة للرجل وللمرأة ما يليق بها ولا بأس بفروة إذا كان البرد شديداً وهي ثوب سابغة لها ظهارة من القماش وبطانة من جلد الأنعام ولا بأس بالطيلسان إن اعتاد لباسه.
ويترك قوت يوم القسمة للمفلس ولمن عليه نفقتُهُ من زوجات وأقارب وليس عليه بعد القسمة أن يكتسب أو يؤجر نفسه لبقية الدين لأن الله سبحانه وتعالى إنما أمر بإنظار المعسر ولم يأمره باكتساب قال تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) البقرة280. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرماء معاذ (ليس لكم إلا ذلك) فخرج لكل واحد خمسة أسباع دينه.
والأصح وجوب إجارة أمِّ ولده والأرض الموقوفة عليه لبقية الدين لأن المنفعة كالعين في الوفاء وقيل المنفعة لا تعد مالاً حاصلاً ولو قلنا بهذا لأوجبنا دوام الحجر إلى قضاء الدين وهو مستبعد.
وإذا ادعى المدين أنه معسر أو قسم ماله بين غرمائه وزعم أنه لا يملك غيره وأنكروا أي أنكر الغرماء زعمه فإن لزمه الدين في معاملة مال كشراء أو قرض فعليه البيّنة فعليه البينة بالإعسار وبأنه لا يملك غيره وإلا فيصدق بيمينه في الأصح كأرش جناية أو ضمان مُتْلَفٍ لأن لزوم المال عليه من غير اختياره ومن المسائل كثيرة الوقوع أن يحلف أن يؤدي دين فلان يوم كذا من شهر كذا ثم ادعى الإعسار قبل الأجل فلا يحنث إلا أن يكون له مال ولو كان بعيداً يمكن إحضاره أو بيعه أو استبداله. وتقبل بينة الإعسار في الحال وهي رجلان وشرط شاهده أي الإعسار خبرة باطنه لطول مجاورة وطول مخالطة لأن الأقوال تخفى فلا يكتفي بمجرد الظاهر وهو أمر يقع فيه الكثيرون بالحكم على حال إنسان ناسين تصنعه وكذبه وبخله وعدم اهتمامه بلباسه أو بيته أو مأكله وأولاده. وليقل الشاهد هو معسر ولا يمحض النفي كقوله: لا يملك شيئاً بل يقيده
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/337)
كقوله لا يملك إلا قوت يوم أو يومين وليس عنده إلا لباسَ بدنه لأن الإجمال ليس من وظيفة الشاهد بل وظيفته التفصيل ليرى فيه القاضي ويحكم على حسب ما يراه وإذا ثبت إعساره عند القاضي لم يجز حبسه ولا ملازمته بل يمهل حتى يوسر للآية (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) بخلاف من لم يثبت إعساره فيجوز جبسه وملازمته ولا يعامل الناس بصفة واحدة بل لا بد من التمييز بين أهل الصدق وأهل الخديعة وبين من قدم بينة لقوله ومن لا بينة له. ولا يحبس المريض ولا المخدرة وهي التي لم تعتد الخروج من دارها ولا ابن السبيل بل يوكل بهم من يعرف حالهم وعلى الموسر أداء ما عليه فوراً فإن امتنع وله مال ظاهر وفّى منه وإن كان الدين من غير جنسه باع عليه الحاكم وأدى عنه وإن كان في غير محل ولايته ألزمه القاضي بالبيع بحبسٍ أو تعزير لما روى أحمد وغيره عن عمر بن الشريد عن أبيه (ليُّ الواجدِ ظلم يحل عرضه وعقوبته) وفي رواية أخرى (مطل الغني ظلم) ولا يكون الحبس ولا التعزير ولا المضايقة إلا بعد مطالبة لأنه لا يكون مطل إلا بعد مطالبة.
والغريب العاجز عن بينة الإعسار لا يُحْبَسُ بل يوكل القاضي به وجوباً مَنْ أي شاهدين أو أكثر يبحث عن حاله فإذا غلب ظنه إعساره شهد به لئلا يتخلد في الحبس والأصح يوكل به قبل حبسه وإن خاف هربه أو اختفاءه فليوكل من يراقبه ولو حبست المرأة في دين من غير إذن زوجها سقطت نفقتها مدة الحبس لأنها معتدية على حق الزوج.
? فصل في رجوع بائع المفلس بما باعه قبل الحجر ولم يقبض ثمنه ?
من باع شيئاً في الذمة ولم يقبض الثمن أي لم يقبض شيئاً ولو قليلاً من قيمته حتى حجر على المشتري بالفلس أي بسبب إفلاسه فله أي البائع فسخ البيع من غير إذن حاكم لوجود إذن الشرع. فقد روى الشيخان عن أبي هريرة (إذا أفلس الرجل ووجد البائع سلعته بعينها فهو أحق بها من الغرماء)، وفي رواية لهما (من أدرك ماله بعينه عند رجل وقد أفلس فهو أحق به من غيره). ولا فسخ قبل الحجر على المشتري بالفلس والأصح أن خياره أي خيار البائع بالفسخ على الفور كخيار العيب بجامع دفع الضرر والأصح أنه لا يحصل الفسخ بالوطء إن كان المبيع أمه والإعتاق للرقيق من البائع والبيع والهبة من البائع وتلغو كل هذه التصرفات وإنما يحصل بقوله أي البائع بعد امتناع المشتري عن السداد أو ثبوت الحجر فسخت البيع أو نقضته وله أي للبائع الرجوع أي الفسخ في سائر المعاوضات التي كالبيع كالإجارة والقرض والسلم على أن يكون الرجوع بالقول ثم إن المعاوضات حصلت قبل حجر على المشتري وأن العين المباعة لم يتعلق بها حق لأحد وأن الثمن دين حالٌّ وقد تعذر حصوله بسبب الإفلاس ولذا قال وله أي الرجوع في المبيع شروط منها كون الثمن حالّاً في أصل البيع أو حلَّ قبل الحجر وأن يتعذر حصوله أي حصول الثمن بالإفلاس أي بسبب الإفلاس فلو لم يكن مفلساً ولكن امتنع من دفع الثمن مع يساره أو هرب أو مات وليئاً وامتنع الوارث من التسليم فلا فسخ في الأصح لإمكان الاستيفاء بالسلطان إن كان عادلاً يقيم الحق وإلا ثبت له الفسخ لتعذر الوصول إلى حقه حالاً وتوقعه مآلاً فأشبه المفلس ولو قال الغرماء لمن له حق الفسخ لا تفسخ ونقدمك بالثمن فله الفسخ إن شاء لما في التقديم من المنة ولأنه قد يظهر غريم آخر فلا يرجى بتقديمه فتقع المنازعة ومن الشروط كون المبيع باقياً في ملك المشتري فلو فات ملكه بتلف أو بيع أو إعتاق أو وقف أو هبة أو كاتب العبد أو الأمة كتابة صحيحة لا فاسدة فلا رجوع لخروج العين عن ملك المفلس ولايمنع من الرجوع التزويج والإجارة فيأخذ البائع المبيع مسلوب النفعة أو يضارب الغرماء ومن الشروط أن لا تتعلق به جناية أو رهن وأن لا يكون البائع محرماً والمبيع صيدٌ. ولو تعيب المبيع بما لا يضمن كأن تعيب بآفة أو جناية حربي أخذه البائع ناقصاً بلا أرش أو ضارب بالثمن كبقية الغرماء أو كان العيب بجناية أجنبي يضمن أرشَ الجناية أو عيبه البائع بعد قبض المشتري فله إما المضاربة بثمنه كاملاً أو أخذه ويضارب من ثمنه بنسبة نقص القيمة الذي استحقه المشتري نسبة إلى قيمة المبيع.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/338)
و حكم جناية المشتري كآفة في الأصح لأن العيب وقع في ملكه ولو تلف ما يمكن أن يفرد بعقد كأن تلف أحد العبدين أو أحد الثوبين ثم أفلس وحجر عليه أخذ الباقي وضارب بحقه التالف بشرط أن لا يكون أخذ شيئاً من ثمنهما فلو كان قبض بعض الثمن رجع في الجديد لأنه ثبت له الرجوع في كل منهما ولا نظر لتفريق الصفقة لأن مال المفلس كله مبيع والقديم يمنع الرجوع ويضارب الغرماء. فإن تساوت قيمتهما وقبض نِصْفَ الثمن أخذ الباقي بباقي الثمن ويكون ما قبضه من مال هو مقابل التالف وفي قول يأخذ نصفه أي نصف الباقي بنصف باقي الثمن ويضارب بنصفه فيكون المقبوض في مقابلة نصف التالف ونصف الباقي. والقديم أظهر وإن كان حديثه مرسلاً فقد وصله بعضهم فقد روى الدار قطني وأبو داود والبيهقي من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (أيما رجل باع متاعاً فأفلس الذي ابتاعه ولم يقضِ البائع من ثمنه شيئاً فوجده بعينه فهو أحق به وإن كان قد اقتضى من ثمنه شيئاً فهو أسوة بالغرماء)، ووصله عبد الرزاق في مصنفه عن مالك.
وعلى الجديد لو لم يتلف شيء من المبيع وكان قبض بعض الثمن رجع في المبيع بقسط الباقي من الثمن فإن كان قبض نصفه رجع في النصف وعلى القديم يضارب كما ذكرنا.
ولو زاد المبيع زيادة متصلة كسمن وصنعة فاز البائع بها فيرجع فيها مع الأصل والمنفصلة كالثمرة والولد الحادثين بعد البيع للمشتري ويرجع البائع في الأصل فإن كان الولد صغيراً أو بذل البائع قيمته أخذه مع أمه لأن التفريق ممتنع ومال المفلس كله مبيع وإلا أي إذا لم يبذل البائع قيمة الولد فيباعان معاً وتصرف إليه حصةُ الأمِ من الثمن وحصة الولد للغرماء حتى لا تفرق الصفقة وحتى يصل كلٌ إلى حقه وقيل لا رجوع إن أبى بذل قيمة الولد بل يضارب الغرماء في قيمتها ولو كانت حاملاً عند الرجوع دون البيع أو عكسه أي كانت حاملاً عند البيع دون الرجوع بأن انفصل الولد قبل الرجوع فالأصح تعدي الرجوع إلى الولد لأنه لما تبع الولد في البيع فيتبع في الردِّ والحمل عادة يُعْلم فكأنه باع عينين فإذا فسخ رجع بهما.
واستتار الثمر بكِمَامه أي بأوعية الطلع وظهوره بالتأبير أي بتشقق الطلع قريبٌ من استتار الجنين وانفصاله فإذا كانت الثمرة على النخيل عند المبيع غير مؤبرة وعند الفسخ مؤبرة فهي كالحمل عند البيع رجع فيها أي يتعدى الرجوع إلى الثمرة المؤبرة وهي حينئذ أولى بتعدي الرجوع إليها من الحمل لرؤيتها دونه وعلى هذا كان الحكم جازماً بأنها للبائع ولم يكن ذلك الحكم موجوداً في الحمل ولو غرس المشتري الأرض المبيعة له أو بنى فيها ثم أفلس فحجر عليه فإن اتفق الغرماء والمفلس على تفريغها مما فيها فعلوا لأن الحق لهم وأخذها البائع لأنها عين ماله وإن امتنعوا من القلع لم يجبروا عليه لأنه وضع بحق فيحترم حقه بل له أي البائع أن يرجع في البيع ويتملك الغراس والبناء بقيمته وقت التملك دون أجرة القلع لأننا لم نقلع وله أن يقلع ويغرم أرش نقصِهِ مقلوعاً عنها قائماً مستحق القلع لا الإبقاء والأظهر أنه ليس له أن يرجع فيها أي في الأرض ويبقى الغراس والبناء للمفلس لما في ذلك من ضرر لأن قيمة الغراس أو البناء تنقص بلا أرض وإنما جاز الرجوع لدفع الضرر ولا يزال الضرر بالضرر.
ولو كان المبيع حنطة فخلطها بمثلها أو دونها ثم حجر عليه فله أي البائع بعد الفسخ أخذ قدر المبيع من المخلوط ويكون مسامحاً في أخذه الدون كما يسامح بالنقص الحادث في العيب أو بأجود منها فلا رجوع للبائع في الأظهر ضرراً من الأضرار بالمفلس وقيل يباعان ويوزع الثمن على نسبة قيمتيهما ولو طحنها أي الحنطة المبيعة له أو قَصَرَ الثوب المبيع له ثم حجر عليه قبل أداء الثمن فإن لم تزد القيمة أي بقيت على حالها أو نقصت رجع البائع ولا شيء للمفلس لأن المبيع موجود من غير زيادة. وإن زادت بالقصر أو الطحن فالأظهر أنه يباع وللمفلس مِنْ ثمنه نسبة ما زاد لأنها زيادة حصلت بفعل متقوَّم فوجب أن لا يضيع عليه فإن كانت قيمته خمسة وبلغت بما فعل ستة كان للمفلس سُدُسُ الثمن في صورة البيع أو سدس القيمة إذا أخذه البائع. ولو صبغه المشتري بصبغة فإن زادت القيمة بسبب الصبغ قدر قيمة الصبغ كأن كانت قيمة الثوب ستين وقيمة الصبغ عشرين فقد صار ثمن الثوب مصبوغاً ثمانين رجع البائع في الثوب والمفلس شريك
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/339)
بالصبغ فيباع الثوب ويكون الثمن بينهما أرباعاً أو كانت الزيادة أقلَّ من قيمة الصبغ كأن صارت سبعين فالنقص على الصبغ لأن الصبغ مستهلك في الثوب والثوب قائم بحاله فيباع ويكون للبائع ستة أسباع وللمفلس سُبُعُهُ فقط. أو زادت القيمة أكثر من قيمة الصبغ كأن صارت مائةً وعشرين فالأصح أن الزيادة للمفلس فيباع ويكون الثمن بينهما نصفين ولو اشترى منه الصبغ والثوب وصبغه به ثم حُجِرَ عليه رجع فيهما الصبغ والثوب إلا ألا تزيد قيمتهما على قيمة الثوب قبل الصبغ فيكون فاقداً للصبغ فيضارب بثمن الصبغ ولو اشتراهما من اثنين أي اشترى الثوب من واحد والصبغ من واحد فصبغ الثوب ثم حجر عليه وأراد البائعان الرجوع فإن لم تزد قيمته مصبوغاً على قيمة الثوب قبل الصبغ فصاحب الصبغ فاقدٌ له فيضارب بثمنه وصاحب الثوب واجد له فيرجع فيه وإن زادت بقدر قيمة الصبغ اشتركا في الرجوع في الثوب والصبغ فإن لم تزد بقدر قيمة الصبغ فالنقص عليه فإن شاء رجع به ناقصاً أو ضارب بثمنه، وأما صاحب الثوب فواجدٌ له فيأخذه ولا شيء عليه وإن زادت على قيمتهما كأن كانت قيمة الثوب ستين والصبغ عشرين وصار قيمته مائة فالأصح أن المفلس شريط لهما بالزيادة وهي الخُمُسُ في مثالنا، ولو كان المُشْترى هو الصبغ وحده وزادت قيمته مصبوغاً على قيمته غير مصبوغ فهو شريك به.
? باب الحجر ?
وهو لغة: المنع، وشرعاً: منع من تصرف خاص بسبب خاص، وتقول العرب: احتجر الأرض عن غيره أي جعل لها معالم في حدودها ليحرزها ويمنعها به عن الغير، والأصل فيه قوله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح) النساء6، وقوله تعالى: (فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً ... ) وفسَّر الشافعي السفيه بالمبذر والضعيف بالصبي والكبير بالمختل والذي لا يستطع أن يملَّ بالمغلوب على عقله فأخبر الله تعالى أن هؤلاء ينوب عنهم أولياؤهم فدل على ثبوت الحجر عليهم.
والحجر المقصود بالباب الحجر عن التصرفات المالية. والحجر نوعان حجر شرع لغير المحجور عليه، وحجر لمصلحة نفس المحجور عليه. الأول خمسة أضرب حجر الراهن لحق المرتهن، وحجر المفلس الغرماء، وحجر المريض لحق الورثة، وحجر العبد والمكاتب لحق السيد، وحجر المرتد لحق المسلمين. الثاني: ثلاثة أضرب، حجر المجنون ويثبت بمجرد الجنون ويرتفع بالإفاقة وتنسلب منه الولايات واعتبار الأقوال، فمن عامله فهو المضيّع لماله وما دام باقياً يجوز استرداده، وحجر الصبي، والثالث حجر السفيه المبذر لماله ومقصود الباب.
هذه الأضرب الثلاثة: منه حجر المفلس لحق الغرماء والراهن للمرتهن والمريض للورثة بالنسبة لتبرع بما زاد عن ثلث التركة وللغرماء مطلقاً والعبد لسيده والمرتد للمسلمين ولها أبواب تقدم بعضها ومقصود الباب حجر المجنون والصبي والمبذر وأعمها الحجر على المبذر فبالجنون تنسلب الولايات الثابتة شرعاً كولاية النكاح والوصية والقضاء لأنه إذا لم يلِ أمر نفسه فأمر غيره أولى واعتبار الأقوال له وعليه من دينية ودنيوية كالمعاملات لعدم وجود القصد منه ويرتفع حجر المجنون بالإفاقة من الجنون من غير فك قاضٍ لأنه ثبت من غير قاضٍ وحجر الصبي يرتفع ببلوغه رشيداً لقوله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً) النساء6. والابتلاء الاختبار والامتحان والرشد ضد الغي والبلوغ يحصل باستكمال خمس عشرة سنة هلالية أو خروج المني ووقت إمكانه استكمال تسع سنين. قال الإمام الشافعي: ردَّ النبي صلى الله عليه وسلم سبعة عشر صحابياً وهم أبناء أربع عشرة سنة لأنه لم يرهم بلغوا وعرضوا عليه وهم أبناء خمس عشرة سنة فأجازهم منه زيد بن ثابت ورافع بن خديج وعبد الله بن عمر. قال ابن عمر: (عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم في جيش وأنا ابن أربع عشرة فلم يقبلني وعُرضت عليه من قابل وأنا ابن خمس عشرة فأجازني ورآني بلغت) رواه الشيخان.
وأما البلوغ بالاحتلام وخروج المني فقد قال تعالى: (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلُمَ) النور59. ولما روى أبوداود وغيره (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم ... ) وروى أبوداود أيضاً (لا يُتْمَ بعد احتلام).
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/340)
ونبات العانة يقتضي الحكم ببلوغ ولد الكافر فقد روى أصحاب السنن عن عطية القرظي قال: (عُرضنا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة وكان من أنبت قُتل ومن لم ينبت خُليَّ سبيله فكنت ممن لم ينبت فَخُليَّ سبيلي) صححه الترمذي وقال الحاكم على شرط الشيخين. قال البغوي ويلحق بالعانة الإبط دون اللحية والشارب لا المسلم في الأصح لسهولة مراجعة أقاربه المسلمين والمسلم قد يستعجل الإنبات لرفع الحجر عنه ورغبته في تولي أموره وغيرها من الولايات العامة خلافاً للكافر لأنه يفضي به إلى القتل أو الجزية.
أما إذا تعذر مراجعة أقارب المسلم لموت ونحوه فيحكم عليه بالإنبات أيضاً وتزيد المرأة حيضاًً أي على ما ذكر من أسباب البلوغ الحيض فهو من أسباب البلوغ إجماعاً إلى جانب أسباب بلوغ الذكر وهي السن وخروج المني ونبات العانة.
والرشد صلاح الدين والمال أي حسن التصرف وقيل في المال فقط وهو تفسير قوله تعالى: (فإن آنستم منهم رشداً) فلا يفعل محرماً يبطل العدالة من فعل كبيرة أو إصرار على صغيرة ولم تغلب طاعاته معاصيه ولا يبذر بأن يضيع المال باحتمال غَبْنٍ فاحش في المعاملة وهو مالا يحتمل عادة بخلاف اليسير فلا يضر كبيع ما يساوي عشرة بتسعة أو رمية في بحر أو إنفاقه في محرم ولو مبلغاً زهيداً لأن ذلك يدل على خفة العقل وسوء التصرف والأصح أن صرفه في الصدقة ووجوه الخير بأنواعها والمطاعم والملابس والهدايا التي لا تليق به ليس بتبذير لأنه له فيه غرضاً صحيحاً هو الثواب أو التمتع ومن أقوالهم: لا سرف في الخير ولا خير في السرف. قال الماوردي: التبذير هو الجهل بمواقع الحقوق والسرف هو الجهل بمقاديرها ويختبر رشد الصبي في الدين والمال لقوله تعالى: (وابتلوا اليتامى) أي اختبروهم أما في الدين فبملاحظة حاله في أداء العبادات وتجنب المحظورات ومخالطة أهل الخير وتجنب أهل السوء وأما في المال فإنه يختلف بالمراتب فيختبر ولد التاجر بالبيع والشراء بأن يعرف كيفية البيع وكيفية الشراء وكيفية عرض السلعة وضمها وكيفية نشر الثياب وطيها والمماكسة فيها أي يحسن المساومة فيطلب أكثر مما يريد المشتري وأنقص مما يريد البائع وولد البقال والعطار كولد التاجر وولد الزرَّاع بالزراعة والنفقة على القُوَّام بها أي كيفية الزراعة ودفع الأجر لمن يقوم بمصالح الزراعة والمحترف يختبر بما يتعلق بحرفته أي حرفة أبية وأهله ويختبر من لا مهنة لأبيه بطريقة الإنفاق على الأسرة واختيار الطعام والثياب المناسبة والمرأة تختبر بما يتعلق بالغزل والقطن والخياطة وحفظ الأولاد وكل امرأة تختبر بالمهنة التي تلائمها والوضع الذي يناسبها وصون الأطعمة عن الهرة ونحوها كحفظ الطعام في الثلاجة وإبعاده عن أماكن الفساد وإحسان التصرف فيه وإحسان التصرف بثيابها وثياب زوجها وأولادها وأثاث بيتها فإذا ثبت رشدها فلا تحتاج في تصرفها لإذن زوجها.
أما الخبر: لا تتصرف المرأة إلا بإذن زوجها فهو حديث ضعيف وعلى افتراض صحته فقد حملوه على الندب لمزيد الأنس والمودة وصيانة لقوامة الرجل فقد اعتقت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ولم تُعْلِمْهُ فما عاب عليها ذلك مما يدل على أنها لا تحتاج إلى أذن زوجها.
ويشترط تكرر الاختيار مرتين أو أكثر بحيث يفيد غلبة الظن برشد المُخْتَبَرِ ووقته أي الاختبار قبلَ البلوغ وقيل بعده ليصح تصرفه.
فعلى الأول أي قبل البلوغ الأصح أنه لا يصح عقده لعدم بلوغه بل يمتحن في المماكسة فقط فإذا أراد العقد عقد الولي لبطلان تصرفه قبل البلوغ فلو بلغ غير رشيد لاختلال صلاح الدين أو المال دام الحجر عليه لقوله تعالى:?فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم? سورة النساء آية6، إذا لم تبصروا منهم الرشد فلا تدفعوا لهم أموالهم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/341)
وأما القول بأن المرأة لا تعطى مالها حتى تتزوج ولا تتصرف فيما يزيد على الثلث بغير إذن زوجها ما لم تصر عجوزاً فإن قائله استأنس له بأخبار منها أن امرأةً حلفت بعتق جارية ليس لها غيرها فحنثت ولها زوج فرد ذلك عليها زوجها فسأل النبي فأجاز له الرد وروي أن امرأة كعب بن مالك أتت النبي بحلي فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يجوز للمرأة عطية حتى يأذن لها زوجها، فهل استأذنت كعباً؟ فقالت نعم فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كعب فقال له: هل قبلت لها أن تتصدق بحليها قال: نعم فقبله) رواه ابن ماجه. وروى أبو داوود عن عبد الله بن عمرو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها) ولأن للزوج حق متعلق بمال المرأة فقال صلى الله عليه وسلم: (تنكح المرأة لمالها ولجمالها ولدينها) والعادة أن يزيد الزوج في مهرها من أجل مالها ويتبسط فيه وينتفع، والحق أن ذلك ليس للزوج إلا في ماله أما مالها في طليقة التصرف فيه ما لم يوجد مانع شرعي من ذلك، فقد قال تعالى:? فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ? وهو ظاهر في إطلاق التصرف وقد قال صلى الله عليه وسلم: (يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن) فتصدقن وقبل منهن ولم يسأل ولا استفصل هل رضي الزوج أم لم يرضَ، وأتته زينب امرأة عبد الله وامرأة أخرى فوقفتا ببابه وسألتاه عن الصدقة وهل يجزئهن أن يتصدقن على أزواجهن وأيتام لهن فقال: (نعم) والمرأة من أهل التصرف ولا حق لزوجها في مالها فلا يملك الحجر عليها فيه وأما ما استدل المانع به فهي أخبار لم يصّح شيء منها كما أن تحديدهم المنع بالثلث لم يرد في أي خبر أوردوه فهو تحكم ليس فيه توقيف ولا عليه دليل وأما فياسهم على المريض فمردود لأن تصرف المريض موقوف فإن برئ من مرضه صح تبرعه.
وإن بلغ رشيداً انفك بنفس البلوغ وأعطي ماله ولو امرأة لأنها كاملة التصرف بالرشد وقيل يشترط فك القاضي لأن الرشد يحتاج إلى نظر واجتهاد فلو بذَّر بعد ذلك أي بعد رشده حُجِرَ عليه أي يحجر عليه القاضي وقيل يعود الحجر بلا إعادة أي يعود بنفس التبذير وعدم الصلاح من غير حجر القاضي فيحجر عليه وليه لقوله تعالى: ? ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ? ولخبر الطبراني: خذوا على أيدي سفهائكم. ولو فُسِّق لم يحجر عليه في الأصح لأنه لم يثبت أنهم حجروا على الفسقة ولأن الفسق ليس مشروطاً بتضييع المال ومن حُجِرَ عليه بسفه أي تبذير طرأ فوليه القاضي لأنه وحده الذي يحجر ويسن إشهار الحجر ليمتنع الناس عن معاملته ويُرَدُّ أمره لأبيه فجده فسائر عصباته وقيل وليه في الصغر هو وليه بعد طروء السفه وهو الأب والجدُّ كما لو بلغ سفيهاً ولو طرأ جنون فوليه في الصغر لأن السفه يحتاج إلى اجتهاد ونظر أما الجنون فظاهر لا يحتاج إلى نظر. وقيل القاضي وليه كالسفيه ولا يصح من المحجور عليه لسفه حساً أو شرعاً بيع ولا شراء لغير طعام عند الاضطرار ومثله الصبي.
ولا إعتاق في حالة حياته أما أن يعتق بعد موته أو يوصي فذلك جائز ولا ينافي الحجر عليه ولا هبة لشيء من ماله ويقبل الهبة من الغير و لا نكاح بغير إذن وليه فلا يقبل النكاح لنفسه لأن ذلك إتلاف للمال أو مظنة الإتلاف وأما إذن الولي فمطلوب في جميع ما مر من بيع وشراء وإعتاق وهبة ونكاح فلو اشترى أو اقترض من رشيد وقبض بإذنه وتلف المأخوذ في يده أي في يد المحجور عليه أو أتلفه فلا ضمان في الحال ولا بعد فك الحجر سواء علم حالة مَنْ عامله أو جَهِلَ لتقصيره بعدم البحث مع تسليطه على إتلافه بإقباضه المبيع ونص في الأمِّ أنه يضمن بعد فك الحجر عنه أما لو قبضه من غير رشيد أو من رشيد بغير إذنه أو تلف بعد المطالبة فإنه يضمنه.
ويصح بإذن الولي نكاحه أما لو نكح من غير إذن وليه ووطيء لم يلزمه شيء كما في معاملته لا التصرف المالي في الأصح لا بإذن وليه ولا بدونه وقيل يصح بإذن وليه إذا قدَّرَ الوليُ العوضَ أما من غير عوض كالهبة فلا يصح قطعاً.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/342)
ولا يصح إقراره بدين قبل الحجر أو بعده لعدم اعتبار عبارته وكذا لا يقبل إقراره بإتلاف المال في الأظهر لذلك فلا يطالب بذلك ولو بعد رشده ظاهراً أما باطناً فيلزمه إن صَدَقَ وقيل أيضاً إذا أقرَّ بعد رشده أنه أتلف في حال سفهه أنه يلزمه ويصح إقراره بالحدِّ إذ لا مال ولا تهمة فيقطع في السرقةوالقصاص وسائر العقوبات فإن عُفِيَ على مال ثبت المال لأنه باختيار الغير. وطلاقه وخلعه وظهاره وإيلاؤه ونفيه النسب لما ولدته زوجته بلعان واستلحاقه النسب يصح وإن كان له عوض دفع إلى وليه وحكمه في العبادة كالرشيد فيؤديها لأنها حقوق اجتمعت عليه، نعم نذره لا يصح إلا في الذمة وكفارته لا تكون إلا بالصوم أما صدقة التطوع فيحجر فيها عليه.
لكن لا يفرق الزكاة ولا غيرها كالنذر بنفسه فإنه تصرف مالي ولكن يجوز تفريقها بإذن وليه وقيل لا بد من حضور وليه مخافة إتلافه.
وإذا أحرم بحج فرض ولو نذراً أو قضاءً لما أفسده حال رشده أو سفهه أعطى الولي كفايته لثقة ينفق عليه في طريقه أو يخرج الولي معه لينفق عليه وإن حكم العمرة كالحج. وإن أحرم بتطوع من حج أو عمرة وزادت مؤنة سفره لإتيانه بالنسك على نفقته المعهودة في الحضر فللولي منعه من الإتمام والإتيان بالنسك. قال ابن الرفعة ليس له ولاية على ذاته فليس له المنع من أصل السفر بل ولايته على ما يفضي لضياع ماله.
والمذهب أنه كمحصر فيتحلل بعمل عمرة لأنه ممنوع من المضي في نسكه. قلت: ويتحلل بالصوم والحق مع النية إن قلنا لزم الإحصار يدل في أصح القولين لأنه ممنوع من المال. ولو كان في طريقه كسبٌ قَدْرَ زيادة المؤنة لم يجز منعه، والله أعلم لأن الإتمام بدون التعرض للمال ممكن.
? فصل فيمن يلي الصبي وكيفية التصرف في ماله ?
ولي الصبي أبوه إجماعاً ثم جده لأبيه ثم وصيهما أي وصي الأب إن لم يكن جدٌّ ووصي الجدِّ وشرطه العدالة ثم القاضي أو من ينصبه لما روى الترمذي وحسنه (السلطان ولي من لا ولي له). ورواه الحاكم وصححه ولا تلي الأم في الأصح كما في النكاح. قال الجرجاني إذا لم يوجد للصبي وليٌ أو وجد حاكم جائر وجب على المسلمين النظر في مال المحجور وتولي حفظه له. كما أنه من خاف على مال غائب ولم يمكن تخليصُهُ إلا بالبيع جاز له بيعه لوجوب حفظه على المسلمين وقيل تلي الأمُّ بعد الأب والجد وقيل وصيهما. ومثل الأم بقية الأقارب كالعم وابن العم لكن لهم حال غيبة الولي أو إذنه الانفاق على الصبي من ماله في تأديبه وتعليمه للمسامحة فيه ومثل الصبي المجنون الذي له نوع تمييز والسفيه كما مرَّ.
ويتصرف الولي بالمصلحة قال الله تعالى: ? ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ? [سورة الإسراء آية 34]. أي لا يتصرف تصرفاً لا نفع فيه ولو كان لا شرَّ فيه ويلزمه تنميته إن أمكن وخاصة شراء العَقار وتأدية الزكاة وإصلاح ماله من تقديم المؤن والصيانة والحفظ.
ويبني دوره بالطين والآجر أي الطوب المحروق لا اللبَِنَ أي الطوب الذي لم يحرق لضعفه وقلة دوامه والجِص وهو الجبس لقوته وتماسكه ولا يبيع عقاره لأن العقار أنفع مما سواه وأثبت للملك إلا لحاجة كخوف خرابه أو غصبه أو لإصلاح عقار غيره أو لكونه في غير بلده ويحتاج لمؤنة ومتابعة وقبض غلة أو غِبْطَةٍ كرغبة جار مضطر أو وجود غيره مثله بأرخص منه أو لثقل خراجه وكثرة مؤنته وله بيع ماله بعرض ونسيئة للمصلحة إذا رأى في ذلك مصلحة وإذا باع نسيئة أي لأجل اشترط يسار المشتري وعدالته وعدم مماطلته وزيادة معتبرة تليق بالتأجيل. وأشهد على البيع وارتهنبه أي يعمل من الأمور ما يحفظ الحق ويصونه ويأخذ له بالشفعة أو يترك بحسب المصلحة التي يراها فيأخذ بالشفعة إذا كانت الغبطة ظاهرة ويترك إذا كانت الفائدة مظنونة أو غير موجودة ويزكي ماله ويدفع زكاة الفطر عنه لأنه قائم مقامه وينفق عليه بالمعروف في جميع ما يلزمه من طعام وكسوة وتعليم وتأديب بما يليق بحاله من يسار وإعسار وينفق على أقاربه الذين تجب عليه نفقتهم بعد الطلب لا قبله لأن هؤلاء تسقط نفقتهم بمضي الزمان إلا إذا كان المُنفقُ عليه مجنوناً أو طفلاً أوزمناً يعجز عن طلب حقه وإثباته فإذا ادعى بعد بلوغه على الأب والجد بيعاً أي ادعى الصغير بيعاً لماله ولو عقاراً بلا مصلحة صُدّقا باليمين لأن شفقتهما ظاهرة ومثله الأم إن كانت وصية وإن ادعاه أي الصبي
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/343)
على الوصي والأمين الذي نصبه القاضي صدق هو بيمينه لإمكان ذلك وقيل يصدق الولي مطلقاً لأن الأصل الأمانة وعدم الخيانة.
مسألة: سئل السبكي عن امرأة سفيهة كانت تحت الحجر فأقامت بيّنة برشدها ثم أحضر وليها بيّنة بسفهها أيهما تقدم؟ قال تقدم بيّنة السفه لأنها معها زيادة علم وهو ما كانت عليه وصورة المسألة أن تشهد بينة الرشد في الوقت الفلاني فتشهد بينةٌ بأنها كانت تشرب الخمر في ذلك الوقت أما إذا أطلقت البينةُ ولم تحدد الوقت فالوجه تقديم الرشد.
? باب الصلح والتنازع على الحقوق ?
الصلح لغة قطع النزاع وشرعاً: عقد يقتضي قطع النزاع وهو رخصة من المحضور وهو أنواع: صلح بين المسلمين والكفار وبين الإمام والبغاة وبين الزوجين عن الشقاق وصلح في المعاملة وهو مقصود الباب والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: ?والصلح خير ? [سورة النساء آية 128].
وأخبار منها:
- حديث أبي هريرة: الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حَرَّمَ حلالاً أو أحل حراماً رواه أبو داوود والبيهقي وابن حبان وصححه.
- وحديث ابن عمر: لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه. رواه الشيخان.
- وحديث أبو هريرة: لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبة على جداره، قال: فنكس القوم، فقال أبو هريرة: ما لي أراكم معرضين؟ والله لأرعينها بين أكتفافكم-أ] قال أبو هريرة: إني أعلن هذه السنة لتعلموها ولا تتركوها.
وأما قوله الأصلي: ألا صلحاً أحل حراماً كالصلح على خمر أو خنزير أو زناً، ومن الذي يحرّمُ حلالاً أن يصالح زوجته على أن لا يطلقها أو أن لا يسافر بها.
هو قسمان أحدهما يجري بين المتداعيين وبين المدعي والأجنبي أحدهما صلح على إقرار والآخر صلح على إنكار فإن جرى على عين غير المدعاة: كأن ادعى عليه داراً أو سيارة فأقر له بها، وصالحه على دكانٍ أو على سيارة غيرها. فهو بيع للعين المدعاة بلفظ الصلح فثبتت فيه أحكامه أي تثبت فيه أحكام البيع كالشفعة والرد بالعيب ومنع تصرفه في المصالح عليه قبل قبضه واشتراط التقابض للمصالح عنه والمصالح عليه إن اتفقا في علة الربا واشتراط التساوي بين المصالح والمصالح عليه إن كانا من جنس واحد أو جرى الصلح على منفعة دار فإجارة لمحل المنفعة تثبت أحكامها أي أحكام الإجارة أو جرى الصلح على بعض العين المدعاة كنصفها فهبة لبعضها لصاحب اليد عليها فتثبت أحكامها أي أحكام الهبة من إيجاب وقبول وإذن في القبض ولا يصح بلفظ البيع لعدم وجود الثمن والأصح صحته بلفظ الصلح كصالحتك من الدار على نصفها أو ثلثها لأن الخاصية التي يفقتر إليها لفظ الصلح هي سبق الخصومة، وقد حصلت، ويسمى هذا صلح المطيطة، وهو الصلح الجاري على بعض العين المدعاة، كمن صالح من الدار على نصفها، أو ثلثها كما ذكرنا، أو صالح من السيارتين على إحداهما.
ولو قال من غير سبق خصومة صالحني على دارك بكذا فأجابه فالأصح بطلانه لأن لفظ الصلح يستدعي سبق الخصومة، ولو عند غير قاضٍ، لأن اشتراط سبق الخصومة إنما هو ليوجد مسمى الصلح عرفاً، وذلك لا يتعلق بدعوى عند القاضي ولو صالح من دين على عين أو دين من ذهب أو فضة أو منفعة صح الصلح أو المصالح من عين على دين ذهب أو فضة فهو بيع تجري أحكامه أو على عين فهو سلم تجري أحكامه أيضاً فإن تواقفا في علة الربا كالصلح عن الذهب بفضه أو العكس اشترط قبض العوض في المجلس لتجنب الربا، فإن تفرقا قبل التقابض بطل الصلح وإلا أي وإن لم يتفقا في علة الربا المُصَالَحُ عليه، المُصَالَحُ به، كالصلح عن فضة بحنطة أو سيارة (فإن كان العوض عيناً لم يشترط قبضه في المجلس في الأصح) كبيع سيارة بدنانير ديناً في الذمة. وقيل يشترط لأن أحد العوضين دين، فيشترط قبض الآخر في المجلس، كرأس مال السلم أو ديناً اشترط تعيينه في المجلس كقوله صالحتك من الألف التي لي عليك على ثلاجة صفتها كذا وكذا، فيشترط التعيين في المجلس ليخرج عن بيع الدين بالدين المنهي عنه. وإن صالح من دين على بعضه كنصفه مثلاً فهو إبراء عن باقيه فقيل هو إسقاط وقيل هو تمليك ويصح بلفظ الإبراء والحط ونحوهما كأُسْقِطُ منك أو أُبْرَأْتُكَ أو وضعت عنك نصف الألف الذي لي عليك أو صالحتك من الألف على نصفه ومثله أحللتك وعفوت عنك وسامحتُكَ و يصح بلفظ الصلح في الأصح ولا يصح بلفظ البيع كنظيره في الصلح على العين، فقد روى الشيخان عن كعب بن
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/344)
مالك أنه طلب من عبد الله بن أبي حدود ديناً له عليه فارتفعت أصواتهما في المسجد حتى سمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهما ونادى: يا كعب، فقال لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشطر، فقال: قد فعلت، فقال صلى الله عليه وسلم: قم فاقضه. ولو صالح من حال على مؤجل مثله جنساً وقدراً وصفة أو عكس أي صالح من مؤجل على حال مثله كذلك لغا الصلح لأن الأجل لا يلحق ولا يسقط فلا يلزم الأجل في الأول، ولا إسقاطه في الثاني فإن عجّلَ المدينُ المؤجلَ صح الأداء وسقط الأجل لأنه حق لهما ولو صالح من عشرة حالّة على خمسة مؤجلة برأ من خمسة وبقيت خمسة حالّة لأنه سامح ببعض حقه، ووعده بتأجيل الباقي، والوعد لا يلزم لأن الأجل لا يسقط ولا يلحق كما ذكرنا ولا عكس أي صالح من عشرة مؤجلة على خمسة حالة لغا الصلح لأنه ترك الخمسة في مقابلة حلول الباقي، وهو لا يحل فلما لم يحصل الحلول فلا يصح الترك.
النوع الثاني: الصلح على الإنكار أو السكوت من المدعَى عليه، كأن ادعى عليه شيئاً فأنكره أو سكت فصالح عنه فيبطل للخبر السابق: إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً فإن المدعِي إن كان كاذباً فقد استحل مال المدعَى عليه، وهو من تحليل الحرام، وإن كان صادقاً فقد حرّمَ على نفسه ماله الذي هو حلال له وكذا إن جرى الصلح على بعضه أي على بعض المُدّعَى كنصف الدار في الأصح كما لو كان على غير المدعى، وقيل يصح لاتفاقهما على أن البعض مُسْتَحِقٌ للمدعي، ولكنهما مختلفان في جهة الاستحقاق، واختلافهما في جهة الاستحقاق لا يمنع الأخذ، أما لو تصالحا من دين مقداره ألف على خمسمائة في الذمة فإنه لا يصح جزماً لأنه لا يمكن تقدير الهبة لأن الهبة لا تجب إلا بالقبض وليس في الذمة، بخلاف الصلح على خمسمائة معينة فإنه لا يصح في قول وقيل يصح وقوله صالحني على الدار التي تدعيها ليس إقراراً في الأصح لاحتمال قطع الخصومة فقط، وهو لا يأتي عادة إلا بعد إنكار، أما إذا قال ابتداءً صالحني على الدار التي تدعيها فليس إقراراً قطعاً.
القسم الثاني من الصلح يجري بين المدعي والأجنبي فإن قال الأجنبي للمدعي وكّلَني المدّعَى عليه في الصلح عن المُدّعَي به وهو قولك به أو أخبرني أنه لك، أو وأنا أعلم أنه لك، وقد فهمت ذلك من كلامه صح الصلح بينهما لأن دعوى الإنسان الوكالة في المعاملات مقبولة إذا لم يدعِي المدّعى عليه الإنكار بعد دعوى الوكالة فإن أنكر عليه كان عزلاً فلا يصح الصلح عنه ولو صالح الأجنبي لنفسه بعين ماله أو بدينٍ في ذمته والحالة هذه أي وأن المدعَى عليه مقر صح الصلح للأجنبي وإن لم تجر معه خصومة لأن الصلح ترتب على دعوى وجواب وكأنه اشتراه بلفظ الشراء، ويجوز قضاء دين الغير من غير إذنه، فلو قال صالحني عن الألف الذي لك على فلان على خمسمائة صح وإن كان المُدّعَى عليه منكراً وقال الأجنبي هو مبطل في إنكاره وأنا على يقين أنك صادق فصالحني لنفسي بهذا أو بخمسة آلاف في ذمتي أو بديني الذي على فلان إذا أجزنا بيع الدين لمن ليس عليه. يريد بذلك أخذ العين المدعَى بها مِنْ المدعَى عليه فهو شراءٌ مغصوب فيفرق بين قدرته على انتزاعه فيصح وعدمها فلا يصح وإن لم يقل هو مبطل أو قال أنا لا أعلم صدقك، وصالح لنفسه أو للمدعَى عليه لغا الصلح لأنه شراء ما لم يثبت ملكه أو ما لم يعترف بتملكه. ولو كان المدعَى به ديناً وقال الأجنبي للمدعِي وكلني المُدّعى عليه لمصالحتك على نصف المدعَى أو على هذه الدار أو هذه السيارة فصالحه بذلك صح الصلح للموكِّل ولو صالح الأجنبي لنفسه في هذه الحالة فهو ابتياع دين في ذمة غير المصالح فالأصح عدم الصحة.
? فصل في التزاحم على الحقوق المشتركة ?
الطريق النافذ ويعبر عنه بالشارع لا يُتَصرف فيه لعدم الاختصاص به بما يضر المارة لأن الحق فيه للمسلمين كافة ولا يشرع أي يخرجوا فيه جناح أي روشن وهو امتداد من البناء إلى الخارج، وهو ما يسمى البلكون، وهو يطلق على النافذة والكوة أيضاً، وسمي جناحاً لأنه يشبه جناح الطائر. ولا ساباط وهو سقيفة بين جدارين يضرهم وهو أن يكون له داران يكتنفان الطريق، فيصل بين سقفيهما بأخشاب أو غيرها، ثم يسقِّفها، ومثله أن يحفر سرداباً بينهما وتحت الطريق من واحدة إلى أخرى ما لم يطمئن إلى أنه لن ينهدم فيقطع الطريق أو يغوص به المارة بل
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/345)
يشترط لجواز فعله ارتفاعه بحيث ينتفي إضلام الموضع تحته وبحيث يمر تحته الماشي ومن على رأسه حمولة منتصباً إذا كان ممراً للمشاة فقط وإن كان ممر الفرسان والقوافل والسيارات فليرفعه وجوباً بحيث يمر تحته المحمل على البعير مع أخشاب المظلة فوق المحمل وهو ما يسمى المحارة، وكذا مرور السيارات بأنواعها وما تحمل فوقها عادة، وأما الذمي فيمنع من إخراج الجناح في شارع المسلمين لأنه كإعلاء بنائه على بنائهم بل هو أبلغ من ذلك. ويحرم الصلح على إشراع الجناح أو الساباط بعوض ولو مع الإمام لأن الهواء لا يفرد بالعقل وإنما يتبع القرار أي الأرض وما لا يضر المارة في الطريق يستحق الإنسان فعله من غير عوض كالمرور وكما يمتنع بناء الضار يمتنع إرسال ماء المجاري أو غيره للضرر، لما روى ابن ماجه عن ابن عباس وحسنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ضرر ولا ضرار).
ولما روى الإمام أحمد والبيهقي عن عبد الله بن عباس قال: كان للعباس ميزاب على طريق عمر فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة فأصابه ماءٌ بدم فأمر بقلعه فأتاه العباس فقال: والله إنه للموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أعزم عليك لما صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن جميع طرقه ضعيفة.
و يحرم أن يبنى في الطريق دَكَّةً أي مصطبة أو عتبة أو يغرس شجرة ولو اتسع الطريق وأذن الإمام وانتفى الضرر لأنه منع الناس من استحقاق الطروق الذي هو لهم من ذلك المكان، ولأنه إذا طال الزمان أصبح يشبه الأملاك فيملك، أما زراعة الشجر في المسجد فهو لجميع المسلمين، لذلك لا يمنعون ثمرها كالانتفاع بالمسجد، وأما غرس الشجر في الطريق فإن اتسعت وتحقق عدم الضرر أو زرع في موضع اختص به أصلاً فلا بأس بذلك. وقيل إن لم يضر جاز كإشراع الجناح، وهذا مردود بما تعلل من قبل. وغير النافذ يحرم الإشراع للجناح إليه لغير أهله بلا خلاف، وإن لم يضر لأنه ملكهم فأشبه الإشراع إلى الدور وكذا لبعض أهله في الأصح إلا برضا الباقين أي لا يصح الإشراع تضرروا به أم لم يتضرروا، وقيل له حق الانتفاع لأنه له حق الارتفاق بقراره فكذا بهوائه كالشارع، وفي الحالين يحرم الصلح على إشراعه بمال كما تقدم.
وأهله أي الدرب غير النافذ هم (من نفذ باب داره إليه لا من لاصقه جداره) من غير نفوذ بابه فيه لأن أولئك هم المستحقون الانتفاع به، فهم الملاك دون غيرهم وهل الاستحقاق في كلها أي في كل الطريق أم بجزء منها لكلهم لأنهم ربما احتاجوا إلى التردد أم تختص شركةُ كل واحد بما بين رأس الدرب وباب داره وجهان أصحها الثاني لأن المقدار هو محل تردده ومروره، وما بعده فهو فيه كالأجنبي، فعلم من ذلك أن من بابه آخر الدرب يملك وجميع ما بعد باب داره من الدرب فيمكن ضمه إلى بيته كما ويجوز له تقديم بابه لأنه مستحق الانتفاع بجميع الدرب. وليس لغيرهم فتح باب إليه للاستطراق إلا برضاهم لتضررهم بمرور الفاتح أو مرورهم عليه ولهم بعد الفتح برضاهم الرجوع متى شاءوا وإذا رجعوا امتنع مرور الفاتح ولا غرم عليهم بالرجوع متى شاءوا ولو واحد منهم لاشتراك الملك بينهم وأن الواحد كالجميع كما أنه لا يختص به وله فتحه إذا سَمَرَهُ في الأصح أي إذا أغلقه ودق عليه المسامير فله بعد ذلك فتحه لأن حق الاستطراق ثابت له فإذا سمره فقد امتنع من حقه مدة من الوقت ثم عاد إلى حقه ومن له فيه أي في الدرب باب ففتح أو أراد فتح باب آخر لم يكن موجوداً أبعد من رأس الدرب من بابه الأول فلشركائه أي الذين أبوابهم أبعد من القديم منعه أو أي واحد منهم لأنه بمثابة الجميع في حق الانتفاع والمنع حتى ولو أراد إغلاق الأول لأنه شاركهم الاستطراق في ملكهم فبما بعد بابه الأول ملك مَنْ أبوابُهم أبعدُ من بابه عن رأس الدرب. وإن كان أقرب إلى رأسه ولم يسد الباب القديم بل بقي يدخل منه ويخرج فكذلك لأن انضمام الثاني للأول يضرهم بتعدد المنفذ الذي يعطي صفة التميز له عليهم.
وإن سده أي القديم فلا منع لأنه تركٌ لبعض حقه، وكذلك لو كان في آخر الدرب بابان متقابلان وأراد أحدهما تأخير بابه فللآخر منعه لأن ما بعد بابيهما مشترك بينهما، فقد يؤدي ذلك إلى ضرر الشريك حيث يحكم بملك بقيتها لذي الباب المتأخر.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/346)
وقوله داران تفتحان إلى دربين مسدودين أو مسدود وشارع ففتح باباً بينهما لم يمنع في الأصح لأنه يستحق المرور في الدرب، ورفع الحائل بين الدارين تصرف في ملكه فلا يستطيع أحدٌ منعه حقه وحيث مُنِع فتح الباب فصالحه أهل الدرب بمال صح. فإن شرطوا مدة للفتح فهي إجارة في ملكهم فهي جائزة وإن أطلقوا أو شرطوا التأبيد فهو بيع جزء شائع من الدرب له فينزل في هذه الحالة منزلة واحد منهم ويجوز لمالك الدار فتح الكوَّات في جداره في الدرب سواءً أكان نافذاً أم لا، بل يجوز إزالة بعضه وتحويله إلى شباك سواء أأذنوا أم لم يأذنوا على أن لا يخرج من الشباك شيء إلى الدرب، وإلا كان كالجناح حتى وإن كان الخارج غطاءً للشباك، لأنه يؤدي إلى تضييق وإزعاج والجدار بين مالكين قد يختص بهما أحدهما ويكون ساتراً للآخر فقط وقد يشتركان فيه فالمختص به أحدهما ليس للآخر وضع الجذوع وهي أعمدة الخشب التي تحمل السقف ومثله أعمدة الحديد والأسمنت، حتى ولو كان الموضوع جذعاً واحداً عليه أي الجدار بغير إذن من مالكه هذا هو الجديد أما في القديم فيجوز ذلك لما روى الشيخان عن أبي هريرة لا يمنعنَّ أحدُكُم جاره أن يضع خشبةً على جداره وهو محمول على الحض على عمل الخير وليس على الوجود لأنه لا يحل مال امرئٍ مسلم إلا بطيب نفسه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: (إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم)، ثم قال: (لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس). رواه الحاكم وصححه. فلو رضي المالك بناءً على الجديد في المذهب وهو المعتمد بلا عوض فهو إعارة له الرجوع قبل البناء عليه فالعارية لا تلزم إلا بالتسليم وكذا بعده في الأصح حيث أن لصاحب العارية أن يعود فيها متى شاء وفائدة الرجوع تخييره أي المستعير بين أن يبقيه أي يبقي الجذوع في المكان الذي بنى عليه بأجرة أو يقلع ويغرم إرش نقصه الذي أحدثه لبناء المستعير ولذا قالوا بين قيمة الجذوع قائمة وقيمتها مقلوعة والمقصود هو البناء وقيل ليس له أن يقلع بل له أن يطلب الأجرة فقط، فإن أداها فلا قلع لأن القلع يتعدى إلى خالص ملك المستعير لأن الجذوع إذا رفعت أطرافها لم تتماسك على الجدار الثاني، وقيل ليس له الرجوع حتى ينهدم البناء لأن مضمون الإعارة هنا التأبيد كالإعارة لدفن الميت فإنه لا ينبش ولا أجرة حتى يعلم فناء الجثة ولكن لو رفع صاحبُ الجذوعِ الجذوعَ أو سقطت بنفسها فلا حق له بإعادتها والأول هو المعتمد أنها عارية فلصاحبها استردادها متى شاء وإلا امتنع الناس عن العارية.
وقيل فائدته طلب الأجرة فقط لأن القلع يضر المستعير كما ذكرنا ولو رضي بوضع الجذوع والبناء عليها بعوض فإن أجر رأس الجدار للبناء فهو إجارة كسائر الأعيان التي تستأجرُ للمنافع لكن لا يشترط فيه بيان المدة في الأصح لأنه عقد يَرِدُ عليه المنفعة وتدعو الحاجة إلى دوامه فلم يشترط التأقيت كالنكاح يشترط فيه التأقيت وإن قال بعته للبناء عليه أو قال بعت حق البناء أو الوضع عليه أو قال صالحتك على أن تضع الجذوع على الجدار ولم يقدر مدّة فالأصح أن هذا العقد فيه شوب بيع نظراً للفظه المقتضي كونه مؤبداً و شوب إجارة لأن المستحق به منفعة فقط إذ لا يملك المشتري فيه عيناً، فلو كانت إجارة محضة لاشترطنا الأجل أو بيعاً محضاً لكان رأس الجدار لصاحب الجذوع فإن بنى فليس لمالك الجدار نقضه بمال لأن العقد مستحق الدوام فلا يقلع لا مجاناً ولا بأرش ولو انهدم الجدار بعد أن بنى المشتري عليه فأعاده مالكه فللمشتري إعادة البناء لأنه حق ثابت له ولو لم يُعِدْ المالك بنائه فأراد صاحب الجذوع إعادته من ماله مُكِّن من ذلك وسواء كان الإذن بوضع الجذوع أو البناء عليه بعوض أو بغيره ويشترط بيان الموضع المبني عليه طولاً وعرضاً وسَمْكِ الجدران أي ارتفاع الجدران إذا أخذ من أسفل إلى أعلى، أما إذا أخذ القياس من أعلى إلى أسفل فهو العمق وكيفيتها أي كيفية الجدران أهي مجوفة تحوي على عيون وفراغات منضدة حجرها بعضها فوق بعض وكيفية السقف المحمول عليها أو هو من خشب أو أسمنت أو حديد لأن الأغراض تختلف ولا يشترط معرفة وزن الأخشاب أو الحديد أو الأحجار، بل يكفي العرف في كل سقف متفق عليه ولو أذن في البناء على أرضه كفى بيان قدر محل البناء ولم يشترط تحديد سَمْكِ الجدار وعرضه ووزنه لأن الأرض تحمل كل شيء. فلا يختلف الغرض إلا بمساحة الأرض. وأما الجدار المشترك وبين اثنين مثلاً فليس لأحدهما وضع جذوعه عليه بغير إذن من الآخر في الجديد والقديم له ذلك كما ذكرنا وليس له أي لأحدهما أن يَتِدَ فيه وتداً أي يدق أو يثبت فيه ما يُعَلِّق عليه حاجاته أو يربط به بهائمه أو يفتح كوة أو شباكاً إلا بإذنه أو علمه برضاه كسائر المشتركات وإذا فتح بالإذن فليس له السد إلا بالإذن لأنه تصرف في ملك الغير وله أن يستند إليه وأن يسند إليه متاعاً لا يضر الجدار وله ذلك في جدار الأجنبي وكذلك لغيره لأنه لا ضرر على المالك في ذلك فلو منعه المالك فعليه الامتناع ولكن يكون ذلك تعنتاً وعناداً وليس له إجبار شريكه على العمارة في الجديد إذا انهدم الجدار أو
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/347)
ـ[محمد عبدالكريم محمد]ــــــــ[21 - 07 - 07, 12:38 ص]ـ
الجزء السابع
هدماه كما لا يجبره على زراعة الأرض المشتركة لأن الممتنع يتضرر أيضاً والضرر لا يُزَالُ بالضرر نعم إن رغب في تأجيرها فيجبر شريكه على الإجارة إن امتنع عن الزراعة صيانة للأملاك المشركة.
فإن أراد الشريك إعادة مُنهَدم بآلة لم يمنع أي أراد إعادة البناء بمواد منه فلا يمنع في ذلك ويكون المعاد ملكه يضع عليه ما شاء وينقضه إذا شاء وإذا كان الأساس مشتركاً لأن له حق في الحمل على الأساس المشترك ولأنه أتم بناءَه بآلة نفسه ولم يحتج إلى آلة شريكه، نعم لو كان لشريكه جذع على الجدار مُكِّنَ شريكه من وضع جذعه عليه وإذا امتنع فيمكّن من نقض البناء ليعيداه مشتركاً. ولو قال الآخر لا تنقضه وأغرم لك حصتي أي أدفع لك نصف القيمة لم يلزم إجابته كابتداء العمارة فقد بناهُ بماله واختياره. وإن أراد إعادته بنقضه المشترك فلآخر منعه لما فيه من الضرر وإتلاف المال. ولو تعاونا على إعادته بنقضه عاد مشتركاًكما كان ولا تصح زيادةٌ لأحدهما لأنه شرط عوض من غير مُعَوَّضٍ ولو انفرد أحدهما بنقضه وإعادة بنائه وشرط له الآخر زيادة في حصته جاز وكانت في مقابلة عمله في نصيب الآخر أي عمله في نصيب شريكه ولابدَّ من علم شريكه بالمواد المستعملة وبصفات الجدران.
ويجوز أن يصالح على إجراء الماء وإلقاء الثلج في ملكه أي في ملك المُصَالحَ معه على مالٍ فقد يحتاج الإنسان إلى إجراء ماء المطر أو الثلج من سطحه إلى سطح غيره أو إجراء ماءٍ في أرض آخر لتصل إلى منزله أو بستانه أو مزرعته فليس له إجبار صاحب السطح والأرض على ذلك فإن أذن له في ذلك بإجارة أو إعارة أو بيع جاز ولا بأس بالجهل بقدر ماء المطر لأنه لا يمكن معرفته فيجوز للمساحة وفي حالة إجراء الماء فليس له دخول الأرض بغير إذن مالكها وكذا في كل موضع يستأجره. ولا يصح الصلح على إجراء ماء الغسالة على السطح لأن الحاجة لا تدعو إليه بخلاف ماء المطر والثلج.
ولو تنازعا جداراً بين ملكيهما فإن اتصل ببناء أحدهما بحيث يعلم أنهما بنيا معاً بأن دخل بعض لبنات أحدهما في بناء الآخر وهذا التداخل لا يكون في الأطراف لأنه لا يمكن إحداثه متأخراً إنما يكون في الأمكنة التي يعتمد عليها البناء كالزوايا أو بنى الجدار على خشبة طرفها في ملكه وليس منها شيء في ملك الآخر أو كان له على الجدار أقواس معقودة والعقد عنده فله اليد عليه لظهور أمارة الملك فيحلفُ ويحكم له بالجدار إلا أن تقوم بينةٌ بخلافه وإلا أي إذا لم يتصل ببنائه أو كان منفصلاً عنهما أو اتصل ببنائيهما اتصالاً مستاوياً أو اتصل ببناء أحدهما ولكن الاتصال يمكن إحداثه بعد البناء فلهما أي هو في أيديهما معاً. فإن أقام أحدهما بينة قضي له بالجدار والإ حلفا أي يحلف كل واحد منهما للآخر فإذا حلفا معاً أو نكلا معاً جُعِلَ الجدار بينهما بظاهر اليد وإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضي له بجميع الجدار.
ولو كان لأحدهما عليه جذوع لم يُرَجَّحْ قوله لأنه لا يدل على الملك كما لو تنازعا داراً في يدهما ولأحدهما فيها متاع فلو حلفا معاً بقيت الجذوع بحالها لأنها قد تكون وضعت بحق.
والسقف بين علوه أي علو شخص وسفل غيره آخر أي السقف المتوسط كجدار بين ملكين فَيُنْظَرُ أيمكن إحداثه بعد العلو كأن يكون السقف عالياً فيثقب وسط الجدار وتوضع رؤوس الجذوع في الثقب فيصير البيت بيتين فيكون في يدهما لاشتراكهما في الانتفاع به أو لا يمكن إحداثه بعد العلو كالأقواس التي لا يمكن عقدها في وسط الجدار بعد امتداده في العلو فلصاحب السُّفْلِ أي يجعل في يده لاتصاله ببنائه. ولو كانا في بناء وكان الدور الأول لأحدهما والدور الثاني لآخر وتنازعا في المدخل أو العرصة فمن الباب إلى بداية الدرج أو السلم بينهما لأن لكل منها يداً وتصرفاً بالاستطراق ووضع الأمتعة والباقي للأسفل لاختصاصه به يداً وتصرفاً فإن كان المرقى مَبْنيّاً أو مثبتاً فهو لصاحب الدور العلوي لأنه المنتفع به حتى ولو كان عليه موضع أزهار أو نباتات أو جرة ماء فهو له أما لو كان تحته بناء فهو مشترك بينهما كسائر المشتركات.
? باب الحوالة ?
هي بفتح الحاء أو كسرها لغة: التحول والانتقال وشرعاً: الحوالة عقد يقتضي تحول دين من ذمة إلى ذمة وأصلها قبل الإجماع أخبار منها.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/348)
حديث أبي هريرة (مطلُ الغني ظلمٌ وإذا أُتّبع أحدكم على مليء فليتّبع) وفي رواية (من أحيل بحقه على مليء فليحتل) رواه الشيخان. وحديث سلمة بن الأكوع قال: (كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أوتي بجنازة فقالوا: صَلِّ عليها، فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا، قال: فهل ترك شيئاً؟ قالوا: لا، فصلّى عليه ثم أُتي بجنازة أخرى، فقالوا: يا رسول الله صلِّ عليها. قال: هل عليه دين؟ قيل: نعم، قال: فهل ترك شيئاً؟ قالوا: ثلاثة دنانير. فصلَّى عليها، ثم أُتي بالثالثة، فقالوا: صلِّ عليها، قال: هل ترك شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فهل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلوا عليه صاحبكم، قال أبو قتادة: صَلِّ عليه يا رسول الله وعليَّ دينه فصلى عليه) رواه البخاري وغيره، وزاد أحمد والدار قطني والحاكم (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال لما قُضِيَ دينُهُ الآن بَرَّدت عليه جلدَهُ أو قال قبرَه).
ويشترط لها أي لصحة عقدها رضا المحيل لأن الحق في ذمته فلم يتعين لقضائه محل والمحتال لأنه صاحب الحق فلا ينتقل من ذمة إلى ذمة إلا بإذن لتفاوت الناس بالوفاء وتفاوتهم بين الليونة والعسر لا المحال عليه في الأصح لأن عليه أداء الحق فلصاحبه أن يستوفيه بنفسه أو بغيره.
ولا تصح علي من لا دين عليه بناءً على قولنا إنها بيع دين بدين أُبيحت للضرورة. وقيل يصح برضاه بناءً على أنها استيفاء. فقبوله ضمان لا يَبْرأُ به المحيل وقيل يبرأ وتصح بالدين اللازم وعليه وهو ما لا خيار فيه أما في زمن الخيار فقيل هو آيل إلى اللزوم وتصح الحوالة به ولكن إذا فسخ العقد بطلت الحوالة.
وتصح بالدين المثلي كالنقود والحبوب وكذا المتقوِّم كالسيارة والدار في الأصح لثبوته في الذمة وتصح بالثمن في مدة الخيار بأن يحيل المشتري البائع على إنسان وعليه بأن يحيل البائع إنساناً على المشتري لأنه آيل إلى اللزوم بنفسه كما ذكرنا.
والأصح صحة حوالة المكاتب سيدَهُ بالنجوم أي الأقساط التي أوجبها عليه لعتقه لأنها دين لازم من جهة السيد والمحال عليه دون حوالة السيد إنساناً عليه أي على المكاتب لأن دين الكتابة غير لازم من جهة المكاتب فهو قادر على تعجيز نفسه في كل وقت فيسقط الدين ويشترط العلم بما يحال به وعليه أي علم المحتال والمحال عليه بالدين قدراً كألف وصفة معتبرة في السلم كدارهم إمارتية أو دنانير أردنية وفي قول تصح بإبل الدية وعليها رغم الجهل بصفتها والأظهر المنع ويشترط تساويهما أي المحال به والمحال عليه جنساً وقدراً وكذا حلولاً وأجلاً وصحة وكسراً في الأصح وقيل تجوز الحوالة بالقليل على الكثير وبالصحيح على المكسر وبالجديد على الرديء وبالمؤجل على الحالّ وبالأبعد أجلاً على الأقرب أجلاً ويكون المحيل متبرعاً بالزيادة والمعتمد الأول ويبرأ بالحوالة المحيل عن دين المحتال والمحال عليه عن دين المحيل ويتحول حق المحتال إلى ذمة المحال عليه لأن هذه قائدة الحوالة ولهذا أجيزت سواءً قلنا إن الحوالة بيع أو استيفاء حتى لو أفلس المحال عليه أو مات أو حجر وحلف لم يكن للمحتال الرجوع إلى المحيل كما لو أخذ عوضاً عن دينه فتلف في يده والمذهب أنه لا يجوز له شرط الرجوع. فإن تعذر أخذ الحقِّ من المحال عليه بفلس طرأ بعد الحوالة أو جحد منه للدين أو الحوالة وحلفٍ ونحوها كموت أو ضياع بينة أو امتناع لنحو قوة ومنعة لم يرجع على المحيل كما ذكرنا فلو كان مفلساً عند الحوالة وجهله المحتال فلا رجوع له كمن اشترى شيئاً وهو مغبونٌ فيه وقيل له الرجوع إن شرط يساره وَرُدَّ بأنه مقصِرٌ بترك البحث عن حاله فالحوالة صحيحة والشرط باطل لمخالفته لمعنى الحوالة ومقصودها ولو أحال المشتري البائعَ بالثمن فردَّ المبيع بعيب أو إقالة أو فسخ بيمين بطلت الحوالة في الأظهر لأنه ثمن إذا انفسخ البيع فلا حوالة إذن أو أحال البائعُ المشتريَ بالثمن فَوجد الردُّ للمبيع بعيب لم تبطل على المذهب سواء قبض المحتال مال الحوالة من المشتري أم لا بل يرجع المشتري على البائع فيطالبه أن كان قبض منه المحتال المال. فهذه الحالة تختلف عن سابقتها بوجود شخص ثالث وهو الذي انتقل إليه الثمن فلا يبطل حقه بفسخ المتعاقدين.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/349)
ولو باع عبداً ذكراً أو أثنى وأحال بثمنه آخر على المشتري ليقبض الثمن بدلاً من دينه ثم اتفق المتبايعان والمحتال على حريته وقت البيع أو ثبتت حريتُهُ ببينة أو بشهادة حسبة بطلت الحوالة لبطلان البيع فيرد المحتال ما أخذه على المشتري ويبقى حقه كما كان وإن كذبهما المحتال في الحرية ولا بينة بالحرية حلفاه على نفي العلم أي لكل من المتبايعين تحليفه المحتالَ أنه لا يعلم الحريةَ فإذا حلفه أحدهما امتنع على الثاني تحليفه لأنها قضية واحدة ثم بعد حلفه بأخذ المال من المشتري ويرجع المشتري على البائع بحقه لنه قضى دينه بإذنه ولو قال المستَحِقُ عليه أي المدين للمستحق وهو الدائن وكلتك لتقبض لي وقال المستحِقُ بل أردتَ الحوالة صُدِّقَ المُسْتَحَق عليه بيمينه لأن الأصل بقاء الحقين على ما كانا عليه مع كونه أعرف بنيته وفي الصورة الثانية وَجهٌ بتصديق المستحِقِ باعتبار أن الوكالة لا تصح بلفظ الحوالة والمعتمد الأول.
وإن اختلفا في أصل اللفظ الصادر كأن قال المستحَقُ عليه أحلتُكَ فقال المستَحِقُ بل وكلتني أو اختلفا في لفظ محتمل كاقبض أو احتل صدق الثاني بيمينه لأن الأصل بقاء حقه في ذمة المستحَق عليه ويظهر أثر هذا النزاع عند إفلاس المحال عليه وإذا حلف المستحِقُ في الحالتين اندفعت الحوالة وثبت حقه من الآخر ويعود الآخر على المحال عليه.
? باب الضمان?
الضمان لغة الالتزام وشرعا: حق ثابت في ذمة الغير ويشمل كفالة الدين والعين والبدن ويسمى الملتزم لذلك ضامناً وحميلاً وزعيماً وكفيلاً قال الماوردي: لكن العرف خصص الضمين بالمال والحميل بالديات والأصل فيه قبل الإجماع أخبار منها: حديث أبي أمامة (العارية مردودة والدين مقضي الزعيم غارم) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي وصححه ابن حبان. خبر الصحيحين عن سلمة بن الأكوع وغيره (أنه صلى الله عليه وسلم أُتي بجنازة، فقال: هل ترك شيئاً؟ قالوا: لا، قال: هل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، فقال: صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله وعليَّ دينه). ويستأنس له بقول الله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم).
وأركانه: ضامن، مضمون له، ومضمون عنه، ومضمون به، وصيغة. وبدأ بشرط الضامن فقال: شرط الضامن ليصح ضمانه الرشد وهو كما ذُكر سابقاً في باب الحجر صلاح الدين والمال ولا يوجد ذلك بدون البلوغ والعقل فلا يصح ضمان الصبي والمجنون والمغمى عليه والمحجور عليه بسفه.
وضمان محجور عليه بفلس كشرائه فيصح في ذمته ويطالب بما ضمنه إذا انفك عنه الحجر وأيسر وضمان عبد بغير إذن سيده مأذوناً له في التجارة أم لا باطل في الأصح لأنه إثبات مال في الذمة وقيل يصح ويتبع به إذا أعتق لأنه لا ضر على سيده.
ويصح بإذنه أي بإذن السيد فإن عين للأداء كسبَهُ أو غيره أي قال لعبده: اقضه من كسبك أو قال للمأذون له بالتجارة: اقضه مما في يدك قضى منه وإلا أي وإن لم يذكر الأداء واقتصر على الإذن في الضمان فالأصح إن كان مأذوناً له في التجارة تعلق أي غرم الضمان بما في يده وقت الإذن من رأس المال والربح وما يكسبه بعد الإذن كاصطياد واحتطاب وإلا أي إن لم يكن مأذوناً له في التجارة فبما أي يتعلق الدين بما يكسبه بعد الإذن لا قبله لأنه لم يكن مأذوناً له بالضمان.
والأصح اشتراط المضمون له أي أن يعرف الضامنُ صاحبَ الدينِ لتفاوت الناس تسهيلاً وتسديداً في الاقتضاء والأصح أنه لا يشترط قبوله ورضاه لعدم ذكر ذلك في حديث أبي قتادة السابق.
ولا يشترط رضا المضمون عنه وهو المدين قطعاً لأن قضاء دين الغير بغير إذنه جائز فالتزامه أولى كما يصح الضمان عن الميت وإن لم يخلف وفاءً ولا معرفته في الأصح إذا لم نشترط رضاه فاشتراط معرفته أي المكفول غير مطلوبة إذ لا معاملة أصلاً بينه وبين كافله بغير إذنه وقيل يلزم معرفته لتفاوت الناس في اليسر والعسر وتفاوتهم في اللين والشدة وتفاوتهم في رغبة الناس في كفالتهم وعدمها ويشترط في الدين المضمون كونه حقاً ثابتاً حال العقد فلا يصح ضمان ما لم يجب سواءً أوجد سبب وجوبه أم لم يوجد كما ذكرنا سابقاً وصحح القديم ضمان ما سيجب لأن الحاجة قد تدعو إليه كثمن ما سيبيعه أو ما سيقرضه والمذهب صحة ضمان الدَرَكِ أي ضمان التبعة أو العهدة أي أنه يضمن إذا كان المبيع ليس للبائع فيضمن حق المشتري أو
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/350)
إذا كان الثمن ليس للمشتري فيضمن حق البائع ونقول إذا خرج المبيع مُسْتَحَقَاً للغير أي إذا أدرك الغريم عين حقه عند الغير يباع أو يشتري به فيأخذه ونقول أيضاً ضمان العهدة والعهدة هي الوثيقة التي كتب فيها البيع وضمان العهدة أو التبعة أن يرد لصاحب الحق حقه إذا كان المبيع مُسْتَحَقَاً للغير أو مخالفاً لشروط وثيقة البيع. وقوله صحة ضمان الدرك هو ضمان ما سيجب ليؤكد أن لضمان ما سيجب وجه في الصحة.
بعد قبض الثمن وهو أن يضمن للمشتري الثمن إن خرج المبيع مستحقاً أو معيباً فردّه المشتري أو ناقصاً لنقص الصنجة والصنجة ما يوزن به أي إذا كان ما يوزن به ناقصاً عن الوزن المعتبر ويضمن أيضاً الصفة كأن اشتراه حريراً فبان قطناً أو مصنوعاً في دولة كذا فبان صناعة دولة أخرى وأن السيارة قد قطعت عشرة آلاف فبان أنها قطعت مائة ألف أو أنها صنع سنة كذا فبان قبل ذلك بما لا يتسامح فيه الناس عادة. وضمان المرأة صحيح مزوجة كانت أو غير مزوجة ولا حاجة لإذن الزوج كسائر تصرفاتها.
ولا يجوز ضمان نفقة القريب لمدة مستقبلة لأن سبيلها سبيل البرِّ والصلة فتسقط بمضي الزمن وبكفالة الغير. وكونُه لازماً وإن لم يستقر بعد كثمن المبيع الذي لم يقبض فلا يستقر الثمن إلا بعد القبض والمهر قبل الوطء لأنه دين لازم الأداء ولا يستقر كامل المهر إلا بالدخول فيصح ضمانها لا كنجوم الكتابة لقدرة المكاتب على إسقاطها متى شاء فهي ليست لازمة ولا مستقرة. ويصح ضمان الثمن للبائع في مدة الخيار للمشتري في الأصح لأنه آيل للزوم بنفسه أما إذا كان الخيار لهما فالثمن موقوف.
وضمان الجُعْلِ كالرهن به أي حكم ضمان الجعل للقيام بعمل ما هو ذات حكم الرهن بالجعل وقد قلنا لا يصح قبل تأدية العمل والفراغ منه حتى يستقر الجعل وكونه معلوماً للضامن من جنساً وقدراً وصفة في الجديد لأنه إثبات مال في الذمة لأجنبي فوجب العلم به والجهل به يبطله. والقديم يجيزه إن كان مما يمكن معرفته كضمنت مالَكَ على فلان أمّا ما لا يمكن معرفته كضمنت لك شيئاً مما لك على فلان فباطل قطعاًً والإبراء من المجهول باطل في الجديد على اعتبار أنه تمليك ولا يصح تمليك ما لا يُعْلم وفي القديم يصح بناءً على أن الإبراء إسقاط كالإعتاق فلا يحتاج إلى معرفة ولا إلى قبول إلا من إبل الدية فيصح الإبراء منها لأنه قد اغتفر إثباتها في ذمة الجاني وذلك عند الانتقال من القصاص أو بالرضا منه بها فيغتفر الجهل بصفتها تبعاً لإثباتها في ذمة الجاني ويصح ضمانها في الأصح لأنها معلومة السنِّ والعدد ويرجع في صفتها إلى غالب إبل البلد ويغتفر التفاوت اليسير للضرورة.
ولو قال: ضمنتُ مالك على زيد من درهم إلى عشرة لانتفاء الغرر ببيان الغاية وهي العشرة فالأصح صحته وقيل لا لعدم التعيين والصحيح الأول وأنه يكون ضامناً لعشرة إن كانت عليه لأنها غاية الضمان. قلت: الأصح لتسعة والله أعلم إدخالاً للطرف الأول لأنه مبدأ الالتزام وإخراجاً للغاية وهو العشرة. وقيل يضمن ثمانية فقط إخراجاً للطرفين من الضمان والأصح الأول وهو ضمان العشرة للعرف.
? فصل في كفالة البدن ?
المذهب صحة كفالة البدن وتسمى أيضاً كفالة الوجه ومعناها إحضار المكفول إلى المكفول له وفيه خلاف فقد قال الشافعي: إنها ضعيفة. وفي قول لا تصح لأن الحرَّ لا يدخل تحت يد ولا يقدر على تسليمه والمشهور الأول لمسيس الحاجة إلى ذلك فإن كفل بدن من عليه مال لم يشترط العلم بقدره لأن متكفل بإحضار البدن لا المال ولكن يشترط في المال كونه مما يصح ضمانه فلا تصح الكفالة ببدن المكاتب للنجوم التي عليه لأنها غير لازمة أصلاً.
والمذهب صحتها ببدن من عليه عقوبة لآدمي كقصاص وحَدِّ قذف وتعزير لأنه حق لازم فأشبه المال اللازم. ومنعها في حدود الله تعالى كحد الخمر والزنا والسرقة لأنها مبنية على المسامحة والدفع ما أمكن وتصح ببدن صبي ومجنون لأنه قد يستحق إحضارهما لشهادة على نسب أو شهادة على إتلاف ويشرتط إذن وليهما ومحبوس وغائب وإن تعذر الإحضار الآن لوجود الحبس والغياب كمن يضمن مالاً عن غيره وهو معسر الآن وكفالة إحضار بدن ميت قبل دفنِهِ ليحضره فيشهَدَ على صورته إذا عرفوا صورته ولم يعرفوا اسمه ولا نسبه والأصح اشتراط إذن الوارث بذلك ثم إن عيّن مكان التسليم في الكفالة تعيّن والإ أي وإن لم يعين
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/351)
فمكانُها يتعينُ ويبرأ الكفيل بتسليمه المكفول في مكان التسليم المذكور بلا حائل كمتغلب يأخذ المكفول ويمنع المكفول له حقه وبأن يحضرَ المكفولُ ويقولَ للمكفول له سلمت نفسي عن جهة الكفيل فلان ولا يكفي مجرد حضوره لأنه قد لا يعرفه ولأنه قد لا يسلم نفسه.
فإن غاب المكفول لم يلزم الكفيل إحضارُه إن جهل مكانه لعدم الإمكان فأشبه المعسر بالدين لا يستطيع الوفاء وإلا بأن علم مكانه فيلزمه إحضاره من مسافة القصر فما دونها كغيبة مال المديون إلى هذه المسافة فإنه يؤمر بإحضاره لأداء ما عليه ويمهل مدة ذهابٍ وإيابٍ على العادة وتجهيز المكفول واستعداده للسفر مع الكافل فإن مضت مدة الذهاب والإياب ولم يحضره حبس إلا إذا كان المطلوب ديناً فأدّاه الكافل فلا يحبس وقيل إن غاب إلى مسافة القصر أي ما بعدها لم يلزمه إحضاره والأصح أنه إذا مات ودفن لا يطالب الكفيل بالمال لأنه لم يلزمه ابتداءً أما قبل الدفن فيلزم الكفيل بإحضاره لإقامة الشهادة عليه والأصح أنه لو شرط في الكفالة أن يغرم المال إن فات التسليم بطلت لأنه شرط ينافي مقتضاها وهو إحضار المكفول والأصح أنها لا تصح بغير رضا المكفول أو إذن وليه لأنه مع عدم إذنه بالحضور أو إذن وليه بطل مقصودها.
? فصل في صيغتي الضمان والكفالة ومطالبة الضامن ?
يشترط في الضمان للمال والكفالة للبدن والعين لفظ غالباً أو إشارة مفهمة لأخرس أو كناية مع نية يشعر بالالتزام للعقد كضمنت لك مالك أو تحملته أو تقلدته أي أُلْزِمْتُ مالك على فلان أو تكفلت ببدنه أي بإحضاره في الوقت المحدد والمكان المحدد أو أنا بالمال المطلوب أو بإحضار الشخص المعين ضامن أو كفيل أو زعيم أو حميل وكلها من صرائح الكفالة ومثله قوله وعليَّ ما على فلان أو مالُكَ عندَ فلان عليَّ.
ولو قال أؤدي المال أو أحضر الشخص فهو وعد بالالتزام وليس التزاماً فلا يجب الوفاء به إلا إذا صحبته قرينه تدل على الالتزام والأصح أنه لا يجوز تعليقها أي ضمان المال وكفالة البدن بشرط كأن قال ولي الخيار في الدفع أو الإحضار أو كإذا جاء العبد فقد ضمنت ما على فلان أو تكفلت ببدنه لأنهما عقدان فلا يقبلان التعليق كالبيع والأصح أنه لا يجوز توقيت الكفالة بالبدن كأن قال: إنّي كفيل بإحضار فلان لأسبوع وبعده أنا بريء وقيل يجوز لأنه قد يكون له غرض في تسليمه خلال أسبوع واحد ولو نجزها أي قال: أنا كفيل بإحضار فلان وشرط تأخير الإحضار شهراً كأن قال: أحضره بعد شهر جاز لأنه التزام لعمل في الذمة فكان كعمل الإجارة يجوز حالاً أو مؤجلاً والأصح أنه يصح ضمان الحالِّ مؤجلاً أجلاً معلوماً فيثبت الأجل في حق الضامن لأن الضامن متبرع فكان تبرعه على حسب التزامه والأصح أنه يصح ضمان المؤجل حالاً لتبرعه بالتزام التعجيل وهو على خلاف الرهن لأن الرهن وثيقة بعين وهي لا تقبل تأجيلاً ولا حلولاً والضمان ضمُّ ذمة إلى ذمة والذمة قابلة للالتزام الحال مؤجلاً والمؤجل حالاً والأصح أنه لا يلزمه التعجيل أي لا يلزم الوفاء به كما لو التزمه الأصيل
وللمستحِقِ أي صاحب الدين مطالبة الضامن والأصيل اجتماعاً وانفراداً وأن يطالب كلاً ببعض الدين لبقاء أصل الدين على المكفول للخبر السابق (الزعيم غارم) والأصح أنه لا يصح الضمان بشرط براءة الأصيل لمنافاة الشرط المقتضي الضمان وقيل يصح لخبر جابر في قصة أبي قتادة قال: (فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (هما عليك في مالك والميت منها بريء) فقال: نعم، فصلّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم) قال الحاكم صحيح الإسناد، قيل هذا في الميت وقيل هذا في المستقبل وقيل يصح الضمان فقط ولا يبرأ ولو أبرأ المستحَقُ الأصيلَ من الدين بريء الضامن منه لسقوطه ولا عكس أي لو أبرا المستحق الكفيل من الضمان لم يبرئ الأصيل من الدين لأنه قبول دين من غير وثيقة كفك الرهن ولو مات أحدهما والدين مؤجل حلَّ عليه لخراب ذمته دون الآخر فلا يحل عليه لأنه ينتفع بالأجل فإن كان الميت هو الأصيل فللضامن أن يطالب المستحق بأخذ الدين من تركته أو إبرائهِ لأن التركة قد تهلك فلا يجدُ وفاءً لدينه وإن كان الميتُ الضامن وأخذ المستحِق الدين من تركته لم يكن لو رثته الرجوع في الدين على المضمون عنه قبل حلول أجل الدين لأنه قوت الوفاء به.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/352)
وإذا طالبَ المستحِقُ الضامنَ فله أي الضامن مطالبة الأصيل بتخليصه بالأداء للدين المضمون له ليبرأ الضامن هذا إن ضمن بإذنه لأنه هو المسبب له في ما هو فيه والأصح أنه لا يطالبه بالدين الحالِّ قبل أن يُطالبَ هو بالدين كما لا يغرمه الدين قبل أن يغرم هو.
وللضامن الرجوع على الأصيل إن وُجِدَ إذنه في الضمان والأداء لأنه إنما صرف ماله لغيره بإذنه وإن انتفى فيهما أي الضمان والأداء فلا رجوع له لأنه متبرع فإن إذن له في الضمان فقط أي دون الأداء رجع في الأصح لأن الضمان هو الأصل فالإذن فيه إذن فيما يترتب عليه ولا عكس في الأصح أي إذا ضمن بلا إذن وأدى بالإذن لأن وجوب الأداء كان بسبب الضمان ولو أدى مكسراً عن صحاح أو صالح على مائة بثوب قيمته خمسون فالأصح أنه لا يرجع إلا بما غرم لأن المدفوع فلا يأخذ إلا ما دفع وقيل يجوز لأنه أبرأ ذمة المدين والمسامحة جاءت له فهو أحق بها ومن أدى دين غيره بلا ضمان ولا إذن فلا رجوع له على المدين لأنه متبرع وإن أذن له بالأداء بشرط الرجع رجع عليه وفاء بالشرط وكذا إن أذن له إذناً مطلقاً على شرط الرجوع رجع في الأصح فلو قال له: ادفع عني ديني أو أدِ عني أقساط سيارتي وهي كذا وكذا فله الرجوع للعرف بذلك ولأن الأداء كان بإذن المدين أما لو قال: اشترِ لي رغيفاً أو زجاجة عصير فلا رجوع لأنه مما يتسامح فيه الناس عادة والأصح أن مصالحته أي المأذون له بالأداء على غير جنس الدين لا تمنع الرجوع لأن الإذن إنما مقصوده البراءة وقد حصلت ويرجع بالأقل من قيمة الدين أو المؤدى فلو صالح عن ثوب قيمة عشرة بخمسة أو عن عشرة بثوب قيمة خمسة رجع بخمسة في الحالتين.
ثم إنما يرجع الضامن والمؤدي إذا أشهد بالأداء رجلين أو رجلاً وامرأتين لأنه الذي تثبت به الحقوق المالية وكذا رجل ليحلف معه في الأصح إذ الشاهد مع اليمين بينة بالحق فإن لم يشهد أي الضامن بالأداء فلا رجوع إن أنكر ربُّ الدين الأداء إن أدى في غيبة الأصيل وكذبه الأصيل لأن الأصل عدم الأداء وهو مقصر بعدم الإشهاد وكذا إن صدقه في الأصح وكذبه ربُّ الدين لأن المطالبة باقية فلم ينتفع من دفعه عن دينه فإن صدقه المضمونُ له وكذبه المضمون عنه أو أدى الدينَ بحضرة الأصيل المدين رجع على المذهب في الحالتين لسقوط الحق في الأولى باعتراف صاحب الدين ولأنه أدى بحضرة المدين في الثانية.
وإذا ضمن شخصٌ آخرَ بثمن سلعة فهلك المبيع أو وجد به عيباً فرده أو ضمن الصداق فارتدت المرأة قبل الدخول أو فسخت بعيب نظر إذا كان ذلك قبل أن يؤدي الضامن بريء الضامن والأصيل وإن كان بعده فإن كان بحيث يثبت الرجوع رجع الضامن المؤدي بدينه على الأصيل وضمن ربُّ الدين للأصيل ما أخذه إن كان هالكاً وإن كان باقياً رده بعينه.
? كتاب الشركة ?
هي بكسر الشين وسكون الراء الشِرْكة وبفتح الشين وكسر الراء الشَرِكة. وهي لغة: الاختلاط وشرعا: ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع أي عدم تمييز أحد النصيبين من الآخر وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: (وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم) ص24. وقوله تعالى: (ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون) الزمر29.
ومن السنة: حديث أبي هريرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله تعالى: أنا ثالث الشريكين مالم يخن أحدُهما صاحبَه فإن خان أحدُهما صاحبَه خرجت من بينهما)) رواه أبوداود وصححه الحاكم. حديث السائب بن أبي السائب (أنه كان شريك النبي صلي الله عليه وسلم في أول الإسلام في التجارة فلما كان يومَ الفتح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مرحباً بأخي وشريكي لا يداري ولا يجاري)) رواه النسائي وأبو داود والحاكم وصحح إسناده. وروى البخاري عن أبي المنهال عبد الرحمن بن مُطْعِم قال: (باع شريك لي دراهم في السوق نسيئة فقلتُ: سبحانَ الله أيصلح هذا؟ فقال: سبحان الله والله لقد بعتها في السوق فما عابَهُ أحد فسألت البراء بن عازب فقال: قَدِمَ النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نتبايع هذا البيع فقال: (ما كان يداً بيد فليس به بأس وما كان نسيئة فلا يصلح)) وفي رواية الإمام أحمد عن أبي المنهال: (أن زيد بن أرقم والبراء بن عازب كانا شريكين).
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/353)
هي أنواع شركة الأبدان كشركة الحمالين وسائر المحترفة كالنجارين والحدادين والخياطين ليكون بينهما كسبُهما بما يعملان متساوياً أو متفاوتاً مع اتفاق الصنعة كما ذكرنا أو اختلافهما كالرسام والصانع والنجار والخراط وشركة المفاوضة وهي أن يشتركا ليكون بينهما كسبهما وعليهما ما يعرض من غرم ذلك بأن يعمل كل واحد من الشريكين بماله أو بدنه أو بماله وبدنه والربح بينهما والخسارة مهما كانت أسبابها عليهما. وشركة الوجوه بأن يشترك الوجيهان ليبتاع كل منهما بمؤجل ويكون المبتاع لهما جميعاً فإذا باعا كان الفاضل عن الأثمان أي الفرق بين ثمن المبيع وثمن الشراء بينهما مقسوماً. ولها صورة أخرى وهي أن يشتري الوجيه في الذمة ويفوض بيعه إلى خامل غير معروف ويكون الربح بينهما وصورة ثالثة أن يشتري وجيه لا مال له وخامل ذو مال ليكون العمل من الوجيه والمال من الخامل بشرط أن يبقى المال بيد الخامل لا يسلمه إلى الوجيه والربح بينهما
وهذه الأنواع الثلاثة باطلة أما شركة الأبدان فلعدم المال ولما فيها من الغرر إذ لا يدري كل واحد ما يكسب صاحبه ولأن كل واحد متميز ببدنه ومنافعه فيختص بها وأما شركة المفاوضة فالغرر فيها بيّن بل كلها مبنية على الغرر ولذا قال الشافعي: إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة فلا باطل أعرفه في الدنيا أشار إلى كثرة الغرر فيها.
وأما شركة الوجوه فلعدم وجود المال الذي يُرْجَعُ إليه عند انفساخ العقد وأما في الصورة الثالثة فهو قراض فاسد لاستبداد المالك باليد.
وشركة العِنَانِ صحيحة بالإجماع وهي أن يشتركا في مال ليتّجرا به وهي صحيحة إجماعاً لسلامتها من سائر أنواع الغرر وجاء معناها من عنان الدابة لاستوائهما في التصرف
ويشترط فيها لفظ يدل على الإذن في التصرف أي أن يأذن كل واحد منهما للآخر في التصرف إذناً صريحاً لتسلطهما على التصرف من الجانبين فلو اقتصر أي الشريكان على القول اشتركنا لم يكفِ في الأصح لاحتمال كون ذلك إخباراً عن حصول الشركة في المال ولا يلزم منها جواز التصرف بدليل أن مال الميراث شركة ولا يجوز التصرف لأحد الوارثين دون إذن الآخرين وقيل يصح لانتشار العرف به
و يشترط فيهما أهلية التوكيل والتوكل لأن كلاً منهما وكيل عن صاحبه وموكِّلٌ له أما إذا كان التصرف لأحدهما دون الآخر فيشترط فيه أهلية التوكل وفي الآخر أهلية التوكيل فلو كان أحدهما أعمى فيصح توكيله دون توكله.
وتصح الشركة في كل مثلي إجماعاً في النقد وفي المغشوش أي الذي فيه نسبة معلومة من غير النقدين إذا راج وَعُرِف ومثله التبر والسبائك والمثلي هو كل ما حصره وزن أو كيل وقيل هو ما وجد مثله في السوق بدون تفاوت يعتد به
دون المتقَوِّم وهو ما خالف المثلي في الأموال كالحيوانات والثياب وكل ما لا يوجد له مثل في السوق أو وجد ولكن مع التفاوت المعتبر به في القيمة فلا تصح الشركة بالمتقوم لتمايز أعيانه فلا يمكن خلطها فقد يتلف مال أحدهما أو ينقص فلا يمكن قسمة الآخر بينهما وإن كانت قيمة مال كل واحد مساوية لما للآخر ولكن إذا تماثلت الأعيان وعَسُرَ تمايزها فقد جازت الشركة فيها وقيل تختص بالنقد المضروب أي من الدراهم والدنانير ويشترط خلط المالين بحيث لا يتميزان لامتناع الشركة في المتقوم وحتى لا يعرف مال كل منهما ولا يكفي الخلط مع اختلاف جنس كدراهم ودنانير أو اختلاف صفة كصحاح ومكسرةٍ وحنطة جديدة وحنطة قديمة أو حنطة بيضاء وحنطة سوداء أو فول بقشره وفول غير مقشور ولا تصح الشركة إذا وضع كل واحدٍ لمال علامةً يتميز بها هذا المذكور من الشروط إذا أخرجا مالين وعقدا فإن ملكا مشتركاً بينهما على جهة الشيوع مما تصح به الشركة بإرث وشراء وغيرهما وَأَذِنَ كلٌّ للآخر في التجارة فيه تحت الشركة لأن الخلط موجود والحيلة في الشركة في العروض من المتقومات كالثياب والأغنام أن يبع كلُّ واحد منهما ببعض عرضه بعض عرض الآخر ويأذن له في التصرف بعد التقابض وقوله بعض عرضه أي كالنصف بالنصف أو الربع بثلاثة أرباع أو الثلث بالثلثين وحينئذ يملكانه على هذه النسبة لأجل تفاوتهما في القيمة ولا يشترط في الشركة تساوي قدر المالين بل تثبت الشركة مع تفاوتهما على نسبة المالين ويكون الربح والخسران على قدر المالين.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/354)
والأصح أنه لا يشترط العلم بقدرهما أي بقدر كل من المالين أهو النصف أم الثلث أم غير ذلك عند العقد إذا أمكن معرفته بعد ذلك كأن يكون بينهما مال مشترك وكل واحد يجهل حصته فإذنَ كل واحد لصاحبه في التصرف في كلِّ المالين أو في نصيبه فيصح العقد لأن الحق لهما فقط.
ويتسلط كل منهما على التصرف بعد الإذن بلا غرر كالوكيل فلا يبيع نسيئة أي لأجل لأن في ذلك غرر ولا بغير نقد البلد لتفاوت القيم وتغيرها ولا يبيع ولا يشتري بغَبْنٍ فاحشٍ إلا بإذن الشريك فلو خالف فباع بغبنٍ فاحش وكذلك لو اشترى لم يصح تصرفه في نصيب شريكه فتنفسخ الشركة في المُشترى أو المبيع فإن اشترى بغبن في الذمة كان المُشْترى له وحده.
ولا يسافر به لما في السفر من الخطر والغرر ولا يُبْضِعُهُ بغير إذنٍ أي يدفعه لآخر يتّجر به ولو متبرعاً والإبضاع هو جعل المال بضاعة أي مال تجارة
ولكل فسخه متى شاء أي لكل واحد منهما فسخ الشركة متى شاء كالوكالة وينعزلان عن التصرف بفسخهما أي بفسخ كل واحد منهما فإن قال أحدهما عزلتك أو لا تتصرف في نصيبي لم ينعزل العازل فينعزل المخاطب ولا ينعزل العازل عن التصرف في نصيب المعزول لأن لم يعزله وتنفسخ بموت أحدهما وبجنونه وبإغمائه كالوكالة وفي صورة الموت إن لم يكن دين ولا وصية فللوارث القسمة أو تقرير الشركة إن كان رشيداً وإن كان موليِّاً عليه لصغره أو جنونه فعل وليه ما فيه حفظه وإن كان على الميت دين فليس للوارث تقرير الشركة إلا بعد قضاء الدين وإن هناك وصية لمعين فهو كأحد الورثة أما إذا كانت الوصية لغير معين كالفقراء لم يصح تقرير الشركة إلا بعد إخراج الوصية واستئناف عقد شركة جديد.
والربح والخسران على قدر المالين تساويا الشريكان في العمل أو تفاوتا فيه فإن شُرِط خلافه أي التساوي في الربح مع التفاوت في المال أو التفاوت في الربح مع التساوي في المال فسد العقد وقيل تصح الشركة ويفسد الشرط أما إذا كان لأحدهما زيادة عمل وشرط له زيادة ربح فالشرط صحيح ويكون الزائد على حصته في مقابلة العمل تخرج قبل توزيع الربح أما الخسارة فتوزع على جميع المال
فيرجع كلٌ على الآخر بأجرة عمله أي في مال الآخر وتنفذ التصرفات منها أي أن فساد الشرط لم يؤثر في فساد التصرف لوجود الإذن في التصرف و يكون الربح على قدر المالين أي على نسبتهما رجوعاً إلى الأصل ويد الشريك يد أمانة كالمودع والوكيل فَيُقْبَلُ قوله في الردِّ على شريكه والتلف إن ادعاه بلا سبب أو بسبب خفي كالسرقة. فإن ادعاه بسبب ظاهر كحريق وجُهِلَ هذا الحريق طولب ببيّنة بالسبب ثم بعد إقامتها يصدق في التلف به كالمودع ولو قال من في يده المال هو لي وقال الآخر مشترك أو قالا بالعكس أي قال مَنْ بيده المال هو مشترك وقال الآخر هو لي صدّق صاحبُ اليد بيمينه لأن اليد تدل على الملك الموافق لدعواه ولو قال ذو اليد اقتسمنا وصار لي صدق المنكر لأن الأصل عدم القسمة ولو اشترى الشريك وقال اشتريته للشركة أو لنفسي وكذبه الآخر صدّق المشتري بيمينه لأن أعلمُ بقصده عند الشراء
مسائل:
إحداها: أخذ جملاً لرجل وراوية وهي البهيمة يُسْتقى عليها الماء وهنا المزادة يوضع فيها وتشاركوا على أن يستقي الآخر الماء والحاصل بينهم فهو باطل ويكون الماء للمستقي وعليه لكل واحد من صاحبيه أجرة المثل.
الثانية: استأجر الجمل من صاحبه والرواية من صاحبها واستأجر المستقي لاستقاء الماء وأفرد كلَّ واحد بعقد صح والماء للمستأجر.
الثالثة: اشترك أربعة: لأحدهم بيت رحى أي طاحون وللآخر حجر الطاحون ولآخر دابة تدير حجر الطاحون والرابع يعمل على الرحى على أن الحاصل بينهم فالعقد باطل أما لو استأجر مالكُ الحنطة العامل والآلات من أصحابها وأفرد كلاً بعقد صحت العقود ولزمه ما سمى لكل واحد من الأجرة.
الرابعة: لواحد بذر وللآخر أرض ولآخر آلةُ حَرْثٍ اشتركوا مع عاملٍ ليعمل وتكون الغلة بينهم، فالزرع لصاحب البذر وعليه لأصحابه أجرة المثل والشركة فاسدة. أما لو أصابتها جائحة فأتلفت الزرع فلا شيء لهم لأن ما يلحق الفاسد مثل ما يلحق الصحيح.
الخامسة: أفتى ابن الصلاح فيمن غصب نحو نقداً أو بُرٍّ وخلطه بماله ولم يتميز المغصوب عن ماله أن له إفراز قدر المغصوب ويحل له التصرف في الباقي.
? كتاب الوكالة ?
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/355)
هي بفتح الواو وكسرها لغة التفويض يقال وكّلَ أمره إلى فلان أي فوضه فيه وشرعاً: تفويض شخص ما لغيره أمره ليفعله عنه في حياته بشرط أن يكون الأمر مما يقبل النيابة.
والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى? فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها? [سورة النساء آية 35]. وقوله تعالى?وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان? [سورة المائدة آية 2]. ويستأنس لها أيضاً بقوله تعالى?فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة ? [سورة الكهف آية 19].
وأخبار منها: حديث أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم وكله في قبول نكاح ميمونة. رواه أحمد ومالك عن سليمان بن يسار عن أبي رافع.
حديث علي: أنه صلى الله عليه وسلم استناب في ذبح الهدايا والضحايا رواه الشيخان عن علي بن طالب.
وحديث عروة البارقي: أن النبي صلى الله عليه وسلم وكله ليشتري له أضحية – أحمد والترمذي عن عروة البارقي.
والوكالة تتحقق بموكِّل ووكيل وموكَّلٍ فيه وصيغة وبدأ المصنف بالموكِّل فقال: شرط الموكِّل صحة مباشرته ما وكل فيه بملك أو ولاية كتوكيل الأب والجد في مال موليه فلا يصح توكيل صبي ولا مجنون ولا مغمى عليه ولا مجنون ولا فاسق في نكاح ابنته لأنه لا يصح منهم مباشرة العمل ويجوز توكيل الصبي في دخول الدار وإيصال الهدية ولا المرأة والمحْرِم في النكاح فلا توكل المرأة في نكاح نفسها ولا نكاح غيرها وكذلك المحرم في تزويج نفسه أو موليته لأنه لا يصح منهما مباشرة ذلك. فقد روى ابن ماجة وغيره عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزوج المرأةُ المرأةَ ولا تزوج نفسها وكنا نقول: التي تزوج نفسها هي الزانية. رواه البيهقي وقال هو صحيح على شرط الشيخين.
وروى مسلم وأحمد وغيرهم عن عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يَنْكِحُ المحرم ولا يُنْكح. وروى مالك والدار قطني أن عمر فرق بينهما أي بين رجل وامرأة وكان الزوج تزوج وهو محرم.
ويصح توكل الولي في حق الطفل أو المجنون أو السفيه أن يوكل غيره إن عجز هو عن القيام بأمره أو كان الأمر مما لا يليق به مباشرته.
ويستثنى من قوله من لا تصح منه المباشرة لا يصح منه التوكيل توكيل الأعمى في البيع والشراء وغيرهما مما يتوقف على الرؤية فيصح توكيله فيهما مع عدم صحتها منه للضرورة.وشرط الوكيل صحة مباشرته التصرف لنفسه لا صبي ولا مجنون. وذلك بأن يكون صحيح العبارة ولذا فلا يصح توكيل الصبي والمجنون لتعذر مباشرتهم العمل لأنفسهم وكذا المرأة والمحرم فلا يصح توكيلهما في النكاح إيجاباً وقبولاً لسلب عبارتهما فيه لكن الصحيح اعتماد قول صبي مميز لم يُجرب عليه كذب في الإذن في دخول دار وإيصال هدية وإيصال زكاة وذبح أضحية والأصح صحة توكيل عبد في قبول نكاح وهو استثناء من الضابط من لا تصح مباشرته لنفسه لا يصح توكيله فيصح توكيل عبد في قبول نكاح لغيره ولو بغير إذن السيد لأنه لا ضرر عليه في ذلك.
ومنعه في الإيجاب لأن العبد لا يزوج ابنته فابنةُ غيره أولى بالمنع ومثله السفيه المحجور عليه فلا يوكل في طرفي النكاح والفاسق يوكل في القبول ولا يوكل في الإيجاب والمحجور عليه بفلس يوكل فيما لا يلزم ذمته شيئاً.
وشرط الموكَّل فيه أن يملكه الموكِّل حين التوكيل لأنه إذا لم يملكه فكيف يأذن فيه فلو وكل ببيع عبد سيملكه أو إعتاقه وطلاق من سينكحها وتزويج ابنته إذا انقضت عدتها وقضاء دين سيلزمه بطل في الأصح لأنه لا يملك التصرف فيه فكيف يستنيب به غيره. وأن يكون قابلاً للنيابة لأن الوكالة إنابة فلا يصح في عبادة إلا الحج ومثله العمرة لأن المقصود الأعظم من العبادة هو امتحان عين المكلف واختباره بتكليفه بما يتعب نفسه ويخالف عادته واستثني أمور منها الحج والعمرة حال العجز وتفرقة زكاة وكفارة نذر وصدقة وذبح أضحية وهدي وعقيقة ورمي للجمار وركعتي الطواف لأنها من توابع الحج ولا يصح التوكيل في شهادة لأن مبناها على التعبد واليقين الذي لا يمكن النيابة فيه و لا يصح التوكيل في إيلاء ولعان وسائر الأيمان فالإيلاء يمين واللعان يمين وفي بقية الأيمان لأن القصد منها تعظيم الله سبحانه وتعالى فأشبهت العبادة ومثلها النذر وتعليق العتق وتعليق الطلاق والتدبير إلحاقاً لها باليمين ولا في الظهار لأنه أشبه باليمين وقيل هو بالطلاق أشبه ويصح التوكيل في طرفي بيع
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/356)
وهبة وسلم ورهن ونكاح أي فيما له طرفان أي يصح التوكيل فيهما معاً أو في أحدهما وطلاق معين لا في طلاق إحدى زوجتيه وسائر العقود والفسوخ كالصلح والحوالة والضمان والإبراء والشركة والإجارة والإقالة والردِّ بالعيب والأخذ بالشفعة أما النكاح والشراء فبالنص: لخبر البخاري أنه وكل عروة بشراء شاة.
وخبر مالك أنه صلى الله عليه وسلم وكَّل أبا رافع في قبول نكاح ميمونة
وقيس الباقي عليها. ويصح التوكيل في قبض الديون وإقباضها ولو كانت الديون مؤجلة و أيضاً يصح في الدعوى والجواب بمال أو غيره إلا في حدود الله رضي الخصم أو لم يرضَ وكذا يصح التوكيل في تملك المباحات كالإحياء والاصطياد والاحتطاب في الأظهر فيحصل الملك فيها للموكل إذا قصده الوكيل له لا في الالتقاط للمنبوذ وغيره لأن شائبة الولاية غالبة على شائبة الاكتساب ولا في الإقرار في الأصح لأنه إخبار عن حق فهو يلحق بالشهادة ويصح التوكيل في استيفاء عقوبة آدمي كسائر الحقوق كقصاص وحدِّ قذف وقيل لا يجوز استيفاؤها إلا بحضرة الموكِّل لاحتمال عفو الوكيل أثناء غيبة الموكِّل فلا يمكن تداركه. ويجوز للإمام التوكيل في استيفاء حدود الله سبحانه وتعالى لا في إثباتها لأن إثباتها مبني على الدرء أما الاستيفاء فهو تبع بعد الثبوت لما روى للشيخان عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أنه صلى الله عليه وسلم قال في المرأة الجهنية التي زنت (واغدُ يا أُنيسُ على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها). ولهما عن أبي هريرة في قصة ماعز (اذهبوا به فارجموه).
وليكن الموكَّل فيه معلوماً في بعض الوجوه لئلا يعظم الغرر ولا يشترط علمه من كل وجه ولا ذكر جميع أوصاف الموكل فيه لأنها جوزت للحاجة فسومحَ فيها.
فلو قال وكلتك في كل قليل وكثير أو في كل أموري أو فوضت إليك كل شيء لي أو في كل ما شئت من مالي لم يصح التوكيل لما فيه من غرر عظيم لا ضرورة لاحتماله حيث يدخل فيه طلاق زوجاته أو مخالعتهن والتصدق بأمواله وقد منع الشارع بيع الغرر وهو أخف خطراً من هذا وإن قال في بيع أموالي وعتق أرقائي صح وقبض ديوني والمطالبة بودائعي وإن لم تعلن أمواله ولا قدر الأموال ومن هي عليهم فيصح التوكيل لأن الغرر فيه محتمل. وإن وكله في شراء عبد وجب بيان نوعه كرومي أو هندي ولا يكفي ذكر الجنس لاختلاف الأغراض بذلك أو وكله في شراء دار وجب بيان المحلة أي المنطقة والسكة أي الشارع والزقاق لا قدر الثمن في الدار وغيرها في الأصح لأن غرضه قد يتعلق بنوع معين ولا يهمه الضيق والسعة ولا الخسة والنقاسة ولكن لا بد من مراعاة حال الموكِّل وما يليق به. ويشترط من الموكِّل لفظ صريح أو كناية مع نية أو كتابة أو إشارة مفهمة من أخرس يقتضي رضاه كوكلتك في كذا أو فوضت إليك أو أنبتك أو أقمتك مقامي أو أنت وكيلي فيه كسائر العقود ولو قال بع أو اعتق حصل الإذن أي حصل التوكيل فقوله قائم مقام الإيجاب فحصل به الإذن ولا يشترط القبول لفظاً لأن التوكيل إباحة ورفع حجر فأشبه إباحة الطعام وقيل يشترط القبول لفظاً كغيره من العقود وقيل يشترط في صيغ العقود كوكلتك دون صيغ الأمر كبع أو اعتق باعتبار التوكيل عقد فلا بد من شروطه وباعتبار الأمر إباحة فلا يحتاج إلى قبول.
ولا يصح تعليقها بشرط في الأصح نحو إذا جاء العيد أو مات زيد فقد وكلتك فإن نجزها أي الوكالة وشرط للتصرف شرطاً جاز كقوله وكلتك ببيع سيارتي ولكن لا تبعها حتى يأتي رمضان صح التوكيل جزماً. وكقول ولي زوج ابنتي إذا انقضت عدتها ولو قال وكلتك في أمر كذا ومتى عزلتك فأنت وكيلي فيه صحت الوكالة في الحال في الأصح لأنه نجزها وقيل لا تصح لأنه جعل العقد الجائز مؤبداً.
وفي عودة وكيلاً بعد العزل الوجهان في تعليقها الجواز والمنع والأصح عدم عودته وكيلاً لفساد التعليق أما لو قال له كلما عزلتك فأنت وكيلي عاد مطلقاً لاقتضائها التكرار فطريقة عزله أن يوكل من يعزله أو أن يقول له وكلما وكلتك فأنت معزول فإذا قال له كلما عزلتك فأنت وكيلي وكلما وكلتك فأنت معزول فهو من قبيل تقاوم التعليقين واعتضد العزل بالأصل وهو حجر التصرف في حق الغير فقدم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/357)
ويجريان في تعليق العزل والخلاف مبني على قبول الوكالة والعزل التعليق أم لا فإذا قلنا العزل يقبل التعليق إذا صححنا قبول الوكالة التعليق لأن العزل أولى من الوكالة حيث لا يحتاج إلى قبول بخلاف الوكالة كما ذكرنا.
مسألة: تصح الوكالة المؤقتة كقولك وكلتك إلى رأس السنة فإذا أطلق فهي السنة الهجرية فينعزل بدخول أول يوم من المحرم.
? فصل بعض أحكام الوكالة وما يجب على الوكيل ?
الوكيل بالبيع مطلقاً أي التوكيل غير المقيد بقيد ليس له أي الموكَّل مطلقاً ليس له نظراً للعرف البيع بغير نقد البلد ولا بنسيئة ولا غبن فاحش وهو ما لا يحتمل غالباً إلا إذا أجازه الموكِّل لأن الصفقة له وقيل لا يصح مطلقاً لما في هذه البيوع من غرر لا يحتمل وبناءً على هذا إذا كان في البلد نقدان لزمه البيع بأغلبهما أما البيع بغبن فاحش فهو الذي لا يتسامح فيه الناس عادة أو اليسير فمغفور وهو الذي يحتمله الناس عادة كبيع ما يساوي عشرة بتسعة ومن عبارتهم مع التوكيل قول الموكِّل بعه بما عزّ وهان أي بكم شئت لكن لا يعني الإذن بالنسيئة فلو باع على أحد هذه الأنواع وسلم المبيع ضمن لتعديه فيسترده إن بقي وله بيعه بالإذن السابق وإذا باع وقبض الثمن لا يكون ضامناً للثمن لأنه أمين وإن تلف غَرَّمَ الموكِّلُ قيمته من شاء من الوكيل والمشتري فإن وكله ليبيع مؤجلاً وقدّر الأجل فذاك أي التوكيل صحيح وله النقض منه كأن باعه إلى شهر بينما قال الموكِّل بعه إلى شهرين إلا إذا نهاه أو ترتب على التعجيل ضرر كأن يكون لحفظه مؤنة أو يترتب غزو ونهب وإن أطلق الموكِّلُ الأجل صح التوكيل في الأصح وحمل الأجل على المتعارف بين الناس في مثله أي في مثل مبيعه فإن لم يكن عرف راعى الأنفع لموكله ويلزمه الإشهاد وبيان المشتري إن باع بمؤجل والإ ضمن حتى ولو كان ناسياً لتقصيره ولا يبيع الموكَّلُ بالبيع مطلقاً لنفسه وولده الصغير أو المجنون أوالسفيه لئلا يلزم من ذلك توليه طرفي العقد والأصح أن يبيع لأبيه وابنه البالغ الراشد وسائر أصوله وفروعه عيّن المالك الثمن أم لم يعين كما لو باع لصديقه وكالعمِّ فيزوج موليته لابنه البالغ إذا أطلقتِ الإذن وكذا البيع للزوج والزوجة فذلك جائز والأصح أن الوكيل بالبيع بحالٍّ له قبضُ الثمن وتسليم المبيع لأنه من توابع البيع ومقتضياته ما لم ينهه عن ذلك ولا يسلمه المبيع حتى بقبض الثمن الحال لإمكان الهرب وعدم الدفع فإن خالفَ فسلم قبل القبض ضمن وأما الوكيل في الصرف فيملك القبض والإقباض بلا خلاف لأن القبض شرط في صحة الصرف وكذلك في السلم يدفع وكيل المُسْلِم رأسَ المال ويقبضه وكيلُ المُسلَمِ إليه.
وإذا وكله في شراء لا يشتري معيباً أي يمتنع عليه شراء ما وكله فيه معيباً لأن الإطلاق يقتضي السلامة عرفاً فإن اشتراه أي المعيب في الذمة وهو يساوي مع العيب ما اشترط به وقع الشراء عن الموكِّل إن جهل المشتري العيب إذ لا ضرر في هذه الحالة على المالك لقدرته على ردِّ المبيع بالعيب ولأن الوكيل لم يقصر في الشراء وإن علمه فلا يقع عن الموكِّل في الأصح لأنه غير مأذون له بشراء المعيب وإن لم يساوه لم يقع عنه أي الموكِّل إن علمه المشتري لتقصيره لأنه قد لا يجدُ البائعَ فيتضرر موكِّلُه وإن جهله وقع أي جهل المشتري العيب وقع للموكِّل في الأصح كما لو اشتراه بنفسه جاهلاً بالعيب.
وإن وقع المبيع للموكِّل في الصورتين السابقتين فلكل من الوكيل والموكِّل الردُّ بالعيب أما إذا رضي الموكِّل بالعيب فليس للوكيل الردُّ لأن الموكل هو المالك والضرر به لاحق.
وليس للوكيل أن يوكل بلا إذن إن تأتى منه ما وكل فيه لأن الوكيل رضيه بذاته ولم يرضَ بغيره وإن لم يتأت منه عمل ما وكلِّ به لكونه لا يحسنه أو لا يليق به أو عجز عنه لوجود مشقة لا تحتمل عادة أو كان العجز لعارض كمرض أو سفر فله التوكيل عن الموكِّل لا عن نفسه بشرط علم الموكِّل بعجزه حال التوكيل وإلا فلا بد من إذن الموكِّل وللموكّل المباشرة للعمل بنفسه حال علمه بعجز وكيله.
ولو كَثُر الموكل فيه وعجز عن الإتيان بكله فالمذهب أن يوكل عن موكله لا عن نفسه فقط فيما زاد عن الممكن لأنه المضطر إليه بخلاف الممكن.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/358)
ولو أذن في التوكيل وقال وكِّل عن نفسك ففعل أي وكَّلَ فالثاني وكيل الوكيل حسب مقتضى الإذن وللموكِّل عزل وكيل الوكيل لأنه من ملك عزل الأصل مَلَكَ عزل الفرع والأصح أنه أي الثاني ينعزل بعزله أي ينعزل بعزل الوكيل الأول لأنه وكيل عنه.
وإذا قال وكّل عني فالثاني وكيل الموكِّل وكذا إن أطلق القول بأن قال وكِّل ولم يقل عني أو عنك في الأصح فيقصد الموكّل أنْ وكّل عني وقلت وفي هاتين الصورتين أي قال وكّل عني أو أطلق لا يُعزلُ أحدهما الآخر ولا ينعزل بانعزاله لأنه ليس وكيلاً عنه وحيث جوزنا للوكيل التوكيل عن نفسه أو عن الموكِّل يشترط أن يوكل أميناً قادراً على العمل حافظاً له لأن شرط الاستنابة عن الغير المصلحةُ إلا أن يعين الموكِّلُ غيره أي يعين غير الأمين فيتبع الوكيل إذن الموكّل.
ولو وكّل الوكيل أميناً في الصورتين السابقتين فَفُسِّقَ لم يملك الوكيل عزله في الأصح والله أعلم لأن المأذون له التوكيل لا العزل وقيل يصح لأنه وكله أميناً فبعد فسقه لم يجز استعماله.
? فصل فيما يجب على الوكيل في الوكالة المقيدة ?
قال بع لشخص معين كزيد أو في زمن معين كيوم الجمعة أو مكان معين كسوق كذا تعين ولم يجز أن يبيع لغير زيد ولا قبل الجمعة ولا بعدها وأن لا يبيع خارج السوق المذكور. وفي المكان وجه إذا لم يتعلق به غرضٌ أي إن عيّن الموكل مكاناً للبيع فإن كان له فيه غرض ظاهر بأن كان الراغبون فيه أكثر أو النقد فيه أجود لم يجز البيع في غيره وقيل يجوز البيع في غيره والأصح المعتمد لا يجوز تغير المكان المحدد للبيع. أما لو نهاه صريحاً عن البيع في غيره امتنع عليه البيع قطعاً في غيره.
وإن قال بع بمائة لم يبع بأقلَّ من المائة وله أن يزيد إلا أن يصرح الموكل بالنهي لأن المقصود عرفاً أن لا ينقص عن المائة أما إذا قال له: بع بمائة ولا تزد فزاد أو اشتر هذا الحصان بمائة ولا تنقص لم يجز الزيادة وجاز النقصان لأن في عدم الزيادة السماحة والرفق وأما في الإنقاص فلما لم يكن البائع معلوماً فابتعد قصد السماحة والرفق.
ولو قال اشتر بهذا الدينار شاة وصفها له فاشترى به شاتين بالصفة ذاتها فإن لم تساو واحدة منهما ديناراً لم يصح الشراء للموكل وإن زادت قيمتها عن الدينار لمخالفة الموكَّل به وإن ساوته أو زادت عليه كل واحدة منهما فالأظهر الصحة للشراء وحصول الملك فيهما للموكِّل لأنه حصل غرضه وزاد خيراً لحديث عروة بن جعد البارقي فقد أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ديناراً فقال اشتر لنا به شاةً قال فأتيت الجلب أي ما يجلب إلى الأسواق فاشتريت شاتين بدينار فجئت أسوقهما أو أقودهما فلقيني رجل في الطريق فساومني فبعت منه شاة بدينار فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالدينار والشاة فقلت يا رسول الله: هذا ديناركم وهذه شاتكم فقال: (وصنعت كيف)؟ فحدثه الحديث فقال: (اللهم بارك في صفقة يمينه) رواه الترمذي.
ولو أمره بالشراء بمعين أي مال معين كريالات معينة أعطاها له فاشتري في الذمة لم يقع للموكل لمخالفته للإذن وكذا عكسه أي أمره بالشراء في الذمة ودفع المعين من ثمن المشتري فاشترى بعينه لم يقع الشراء للموكل في الأصح لمخالفته فقد أمره بعقد لا ينفسخ بتلف العين وهو الشراء في الذمة فأتى بعقد ينفسخ بتلف العين وهو الشراء بالعين وقد يصح لأنه زاد خيراً.
ومتى خالفَ الوكيل الموكلِّ في بيع ماله أي مال الموكلِّ بأن باعه على خلاف ما أذن له فيه أو في الشراءبعينه كأن أمره بشراء ثوب بهذا المال فاشتراه بغيره من مال الموكل أو وكله بشراء في الذمة فاشترى بالعين فتصرفه باطل لمخالفة إذن الموكل ولو اشترى في الذمة مع المخالفة كأن قال له اشترِ ثوباً بعشرة في الذمة فاشترى بخمسة عشر في الذمة أو قال له اشترِ بهذا المال فاشترى في الذمة ولم يسمِ الموكل وقع الشراء للوكيل ولغت نيته للموكلِّ وإن سماه فقال البائع بعتك لنفسك فقال اشتريت لفلان يعني للموكل فكذا يقع الشراء للوكيل في الأصح وتلغو تسمية الموكلِّ لأنها ليست شرطاً في صحة العقد فإذا وقعت مخالفة للإذن كانت لغواً.
ولو قال بعت هذا المبيع موكلَكَ زيداً فقال الوكيل اشتريته له فالمذهب بطلانه وإن وافق الإذن لأن تخاطب العاقدين لم يحدث أما لو قال بعتك بإضافة كان الخطاب لموكلك فقال قبلت له صح جزماً.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/359)
ويدُ الوكيل يدُ أمانة وإن كان بجعل لأنه عقد إحسان وخدمة ويد الوكيل كيد الأصيل والضمان ينفِّرُ من التوكُّلِ لأنه يُعَرِّضُ الوكيلَ للضمان في كثير من الأحيان فإن تعدى ضمن كسائر الأمناء ولا ينعزل بتعديه إلا إذا أتلف الموكَّل فيه في الأصح لأن الأمانة شرط من شروط الوكالة فعقدها لا يبطل العقد كاملاً بخلاف الوديعة فالأمانة ركنها الوحيد فتبطلها.
مسألة كثيرة الوقوع: قال له خذ هذا فبعه ببلد كذا واشترِ لي بثمنه ثوباً أو اعطه فلاناً فضاعت العين في الطريق أو انتهبها اللصوص بوجوه مختلفة أو فقد منه المال بعد البيع فلا يضمن إلا بالتفريط كإعطاء المال لغير مأذون أو إيداعه عند غيره أو إرسال العين مع آخر أو عدم حفظها في حرز مثلها.
وأحكام العقد من بيع وشراء وغيره يتعلق بالوكيل دون الموكلِّ فيعتبر الوكيل في الرؤية ولزوم العقد بمفارقة المجلس أي مجلس العقد والتقابض في المجلس حيث يشترط كالربوي والسلم. الوكيل لأنه العاقد دون الموكِّل لأنه العاقد حقيقة وله الفسخ بخيار المجلس والشرط وإذا اشترى الوكيل طالبه البائع بالثمن إن كان دفعه إليه الموكِّل لتعلق أحكام العقد به وله مطالبة الموكِّل لأنه المالك وإلا فلا أي إذا لم يكن الموكل دفع المال إلى الوكيل فلا يطالبه البائع لأنه ليس في يده وحق البائع لا يتعدى الثمن المعين إن كان الثمن معيناً فلا يطالب بغيره. وإن كان الثمن في الذمة طالبه أي طالب البائعُ الوكيلَ دون الموكِّل إن أنكر وكالته أو قال لا أعلمها لأن الظاهر أن شراءه لنفسه والعقد وقع عليه وإن اعترف بها أي اعترف الموكِّل بالوكالة طالبه البائع أيضاً أي الوكيل في الأصح كما يطالب الموكِّل ويكون الوكيل كضامن والموكل كأصيل لأن العقد للموكِّل ولكن المباشر له هو الوكيل وهو نائب الموكل فإذا غرم الوكيل للبائع رجع على الموكل ولا يشترط لثبوت الرجوع اشتراط الرجوع بحكم التوكيل. وإذا قبض الوكيل بالبيع الثمن بموجب البيع أو بإذن صريح وتلف الثمن في يده وخرج المبيع مُسْتَحَقَّاً رجع عليه المشتري وإن اعترف بوكالته في الأصح لحصول التلف في يده ثم يرجع الوكيل على الموكِّل بما غرمه لأن الموكِّل غره فأقبضه سلعةً لا يملكها. قلت وللمشتري الرجوع على الموكِّل ابتداءً في الأصح والله أعلم لأن الوكيل مأمور هو من جهته وهو سفيره.
? فصل في بيان جواز الوكالة وما تنفسخ به ?
الوكالة جائزة من الجانبين لأنها عقد مصلحة فهي غير لازمة من جهة الموكل والوكيل فقد يرى الموكِّل المصلحة في إبطال التوكيل ويرى الوكيل أنه غير متفرغ للتوكل فلو قلنا بلزومها لكانت ضرراً يبعد الناس عنها فإذا عزله الموكل في حضوره بقوله عزلتك أو قال في حضوره رفعت الوكالة أو أبطلتها أو أخرجتك منها انعزل منها لدلالة كل من الألفاظ المذكورة على العزل فإن عزله وهو غائب انعزل في الحال وفي هذه الحالة ينبغي للموكل أن يشهد على العزل لأنه إذا قال بعد تصرف الوكيل: كنت قد عزلته فلا يقبل قوله. وفي قول لا ينعزل حتى يبلغه الخبر بالعزل كالقاضي وفي هذه الحالة المقبول خبر من تعتبر روايته دون الصبي والفاسق ولو قال الوكيل عزلت نفسي من الوكالة أو رددت الوكالة انعزل جزماً ولا يشترط علم الموكِّل بعزل نفسه لأنها كما قلنا عقد جائز من الطرفين.
وينعزل الوكيل بخروج أحدهما عن أهلية التصرف بموت أو جنون وقيل يشترط في الجنون الامتداد فينصب قائم مكانه وقت جنونه إذا لم يمتد الجنون وكذا إغماء في الأصح لأن الإغماء كالجنون وقيل لا لأن الإغماء لا يمتد عادة كما أن المغمى عليه لا نولي أحداً عليه وفي معنى الجنون الحجر عليه بسفه أو فلس في كل تصرف لا ينفذ من السفيه أو المفلس وكذا لو طرأ الرقُّ بأن وكّل كتابياً فالتحق بدار الحرب ثم استرق.
وبخروج محل التصرف عن ملك الموكِّل بأن باع الموكِّل ما أوكل في بيعه أو أعتقه أو وهبه وقيل ينعزل أيضاً لو أجر ما وكله ببيعه لقلة رغبة المشترين في المؤجر وأما إذا عرضه على البيع أو وكّل آخر في بيعه فلا يعتبر عزلاً قطعاً لأن الشخص قد يوكل أكثر من واحد في عمل معين لا تتعارض فيه التخصصات وأما إذا طحن الحنطة أو الفول أو الذرة فقد بطل التوكيل لخروجها عن الاسم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/360)
وإنكار الوكيل الوكالة لنسيان منه أو لغرض له في الإخفاء كخوف ظالم ومغتصب ومتعزز بزبانية ولصوص ليس بعزلٍ لوجود العذر فإن تعمد ولا غرض انعزل أي لا غرض في الإخفاء لأن جحد الوكالة ردٌّ لها.
وإذا اختلفا في أصلها كوكلتني كذا فقال ما وكلتك أو في صفتها بأن قال وكلتني في البيع نسيئة أو في الشراء بعشرين فقال بل نقداً راجع للنسيئة أو بعشرة راجع لنقداً. صدق الموكِّل بيمينه لأن الأصل عدم الإذن وهذه الخصومة تكون بعد التصرف أما إذا اختلفا قبل التصرف فالخصومة إنكاراً فلا معنى لها لأن الإنكار كما ذكرنا غزلٌ.
ولو اشترى جارية بعشرين وزعم أن الموكِّل أمره بشرائها بعشرين فقال الموكل إنما أذنت في عشرة صدق الموكِّل بيمينه حيث لا بيّنة لأنه أعرف بكيفية إذنه و إذا حلف الموكِّل نظر فإن اشترى الوكيل الجارية بعين مال الموكل وسماه في العقد وقال المال له أو قال بعده أي بعد العقد اشتريته أي المبيع أي الجارية لفلان والمال له وصدقه البائع فيما ادعاه أو قامت بينة بذلك فالبيع باطل في الصورتين لأنه ثبت أن المال والشراء لغير العاقد وثبت بيمين من له المال أنه لم يأذن في الشراء بذلك القدر فبطل الشراء فحينئذ فالجارية لبائعها وعليه ردُّ ما أخذه للموكِّل وإن كذبه البائع فيما قال بأن قال لست وكيلاً في الشراء المذكور حلف على نفي العلم بالوكالة فقط و إذا حلف البائع كما ذكرنا وقع الشراء للوكيل ظاهراً فيسلم الثمن المعين للبائع ويغرم بدله للموكِّل وكذا إذا اشترى في الذمة ولم يسمِّ الموكِّل فإن الشراء يقع للوكيل وكذا يقع الشراء للوكيل إن سماه أي سمّى الموكِّل وكذبه البائع في الأصح بأن قال أنت مبطل في تسميته وأنت لست وكيلاً له وإن صدقه البائع بطل الشراء لاتفاقهما على أنه للمسمّى وهو الموكِّل وقد ثبت بيمينه أنه لم يأذن فيه بالثمن المذكور أما إذا سكت البائع ولم يصدق ولم يكذب فإن المبيع يقع للوكيل.
وحيث حكم بالشراء للوكيل مع ادعائه أنه للموكِّل فإنه يُسْتَحَبُ للقاضي أن يرفق بالموكِّل أي يتلطف به ويستطيبه ليقول للوكيل إن كنتُ أمرتُكَ بشراء جارية بعشرين فقد بعتكَها أي بعشرين ويقول هو اشتريت لتحل له باطناً ويصح هذا البيع مع التعليق لاحتمال صدق الوكيل فإن أبى الموكِّل ذلك فإن كان الوكيل صادقاً في قوله فهي للموكِّل وعليه الثمن للوكيل وهو لا يؤديه وقد ظفر الوكيل بغير جنس حقه وهو الجارية فله بيعها وأخذ ثمنها وإن كان كاذباً لم يحل له وطؤها ولا التصرف بها ببيع أو غيره إن كان الشراء بعين مال الموكِّل لبطلان البيع فالسبيل الوحيد للتخلص من ذلك تلطف القاضي بالبائع ليسترجع الجارية وإن كان الشراء بالذمّة كان المبيع للوكيل وحلَّ له التصرف بها.
ولو قال الوكيلُ أتيت بالتصرف المأذون فيه حين بعت أو اشتريت وأنكر الموكِّل ذلك صدق الموكِّل لأن الأصل عدم الإذن وفي قولٍ الوكيل هو المصدق لأن الوكيل قادر على الانشاء لأن الموكل ائتمنه وقول الوكيل في تلف المال مقبول بيمينه وكذا في الرد على الموكل لأنه مؤتمن ولو ادعى الردَّ على رسول الموكل وأنكر الرسول صدق الرسول لأن الوكيل ردَّ المال على غير موكله فوجب الإشهاد ولا يلزم الموكِّل تصديق الوكيل على الصحيح لتفريطه بالردِّ على غيره من غير إشهاد.
ولو قال الوكيل بعد البيع قبضتُ الثمنَ حيث يجوز قبض الثمن وتلفَ وأنكر الموكِّل قبض الوكيل للثمن صدق الموكِّل إن كان ذلك الاختلافُ قبل تسليم المبيع لبقاء حق الموكِّل في الميبع قبل التسليمُ والأصل أن يتم التسليم بعد القبض وإلا بأن كان الاختلاف بعد التسليم فيصدق الوكيل بيمينه على المذهب لأن الموكل ينسب الجناية إلى الوكيل بتسليم المبيع قبل قبض الثمن والأصل عدمه. ولو وكله بقضاء دين دفعه إليه أومن مال عنده فقال قضيته وأنكر المستحق القضاءَ صدق المستحق بيمينه لأن الأصل عدم القضاء ولأن المستحق لم يأتمن الوكيل حتى يصدق قوله.
والأظهر أنه لا يصدّق الوكيل على الموكِّل لأنه ليس له الدفع لمن لم يأتمنه الموكِّلُ إلا ببينة أو حجة أخرى أو بحضور الموكِّل.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/361)
وقيّم اليتيم إذا ادعى دفع المال إليه بعد البلوغ يحتاج إلى بينة على الصحيح لأن الأصل عدم الدفع وقيل يقبل قولُهُ في الأداء لأنه أمين. وليس لوكيل ولا مودَع أن يقول بعد طلب المالك لماله لا أردُّ إلا بإشهاد في الأصح لأن قول الوصي والمُودَعِ مقبول في الردِّ عليه بيمينه فلا يحتاج إلى إشهاد إلا إذا أراد الخلاص من اليمين فله ذلك.
ولغاصب ومن لا يقبل قوله في الردِّ كالمستعير والمرتهن ذلك أي أن يقول لا أردُّ إلا بإشهاد ولو قال رجل ما لمن عنده مالٌ لغيره وكلني المستحقُ بقبض مالَهُ عندك من دين أو عينوصدقه مَنْ عنده المال في ذلك فله دفعه إليه والمذهب أنه لا يلزمه دفعه إليه إلا ببينة على وكالته لاحتمال إنكار صاحب المال أو كذب من ادعى التوكيل. ولو قال أحالني مستحق المال عليك وصدقّه في ذلك وجب الدفع إليه في الأصح لأنه اعترف بأنه أبرأ ذمة المحيل وقيل لا بد من البينة لاحتمال إنكار المستحق.
قلت وإن قال أنا وارثه المستغرق لتركته وصدقه مَنْ عنده مال الميراث وجب الدفع له على المذهب والله أعلم لاعترافه بانتقال المال إليه والأصح أنه لا يدفع إليه إلا ببينة على إرثه لاحتمال أن لا يرثه الآن لحياته أو وجود وارِثِين آخرين.
? كتاب الإقرار ?
الإقرار لغة: الإثبات من قرَّ الشيء إذا ثبت وسكن، وشرعاً: إخبار عن حق ثابت على المقِرِّ فإن كان الإخبار بحق له على غيره فدعوى أو لغيره على غيره فشهادة ويسمى الإقرار اعترافاً أيضاً والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم) النساء138، وقوله تعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) التوبة102.
وأخبار منها: خبر الصحيحين: (واغدُ يا أُنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) خبر أحمد والدار قطني: أن ماعزاً أقر بالزنا فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأركان الإقرار أربعة: مُقِر ومُقَر له ومُقَرٌ به وصيغة. يصح الإقرار من مطلق التصرف المكلف الرشيد غير المحجور عليه وأنه لا يصح إقرار المُكْرَهِ وإقرار الصبي والمجنون لاغ لسقوط أقوالهم وامتناع تصرفهم.
فإن ادعى الصبي البلوغ بالاحتلام مع الإمكان بأن استكمل تسع سنين قمرية ومعنى بالاحتلام أي نزول المني يقظة أو نوماً والصبية بالحيض. صُدِّق في قوله ولا يُحَلَّف على ذلك لأنه إن كان صادقاً فلا حاجة ليمينه وإن كان غير بالغ فلا فائدة ليمينه لأنها غير منعقدة أصلاً أي يلزم من تحليفه الإقرار ببلوغه وإن ادعاه البلوغ بالسنِّ طولب ببينة على البلوغ وهو استكمال خمس عشرة سنة كما ذكرنا سابقاً والبينة هي الشهادة أو وثيقة ميلاد ويكفي في الشهادة أربعُ نسوة هنا لأنه مما يطلع عليه النساء عادةً. والسفيه والمفلس سبق حكم إقرارهما في باب الحجر والتفليس ويقبل إقرار الرقيق بموجب عقوبة كالقتل وقطع الطَرَفِ والزنا وشرب الخمر والقذف والسرقة لأنه لا يمكن أن يعترف على نفسه كذباً بما يؤدي إلى أذيته لأن النفوس جُبلت على حب الحياة والابتعاد عن الآلام. وقد ورد أن علياً قطع عبداً بإقراره ولو أقرَّ العبد بدين جناية لا يوجب عقوبة حداً أو قوداً بل يوجب مالاً كجناية خطأ أو غصب أو إتلاف فكذبهالسيد في ذلك أو سكت تعلق بذمته دون رقبته أي يبقى عليه الدينُ فإن عتق طولب به أما لو تعلق الأمر برقبته فإنها يباع فيها أو يفديه السيد بأقل الأمرين من قيمته وقدر الدين فإذا بيع أو فداه السيد وقد بقي من الدين شيء فلا يطالب به إذا عتق لأنه إذا ثبت الحق في الرقبة انحصر بقيمتها فقط.
وإن أقرَّ بدين معاملة لم يقبل على السيد إن لم يكن مأذوناً له في التجارة بل يتعلق المُقِّر به بذمته يتبع به إذا عتق صدقه السيدُ أم لم يصدقه نظراً لتقصير مُعَامِلِهِ في معاملته. ويقبل على السيد إن كان مأذوناً له في التجارة لقدرته على الإنشاء ويؤدي من كسبه وما في يده هذا إن لم يحجرْ عليه السيدُ بعد الإذن هذا إذا كان المقرُّ به متعلقاً بالتجارة أما ما ليس له علاقة بالتجارة فلا يقبل على السيد لأن الإذن لم يشمل ذلك كدين القرض ويصح إقرار المريض مرض الموت لأجنبي بدين أو عين فيخرج من رأس المال لا من الثلث لأن الإنسان في حالة الموت وصل إلى حال يَصْدُقُ فيها الكاذب ويتوب فيها الفاجر وكذا يُقْبَلُ إقراره لوارث على المذهب كإقراره لأجنبي وقيل لا لأنه قد يقصد حرمان
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/362)
بعض الورثة وعلى الثاني لو أقَر لزوجته ثم أبانها ومات لم يقبل إقراره لأنها حال الإقرار كانت وارثة أما لو أقر لأجنبية ثم تزوجها ومات قُبِل إقراره لأنها لم تكن وارثه حال الإقرار. ولو أقر في صحته بدين لشخص وفي مرضه بدين لآخر لم يقدم الأول بل يتساويان لأن إقراره بالمرض كإقراره في الصحة. ولا يصح إقرار مُكرَه بغير حق لأن الإقرار حال الإكراه لا اعتبار له. قال تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) النحل106، فقد جعل الله سبحانه الإكراه مسقطاً لحكم الكفر فغيره من الأفعال بالأولى. قال القفال الشاشي: ويسن أن لا يَشْهدُ حيث دلت قرينةٌ على الإكراه فإن شُهِدَ كتب صورةَ الحال التي شهد بها لينتفع المُكْرَه وأخذ السبكي من كلام الجرجاني حرمة الشهادة على مقيد أو محبوس وبه جزم العلائي فقال إن ظهرت قرائن الإكراه ثم أقرَّ لم تجز الشهادة عليه والأوجه أنه عند ظهور تلك القرائن تقبل دعواه الإكراه سواءً أكان الإقرار للظالم المُكْرِه أو لغيره الحامل للظالم على الإكراه وقال الأذرعي: الولاة في هذا الزمان يأتيهم من يُتَهَمُ بالسرقة أو القتل أو نحوهما فيضربونه ليقر بالحق ويراد بذلك الإقرار بما ادعاه خصمه والصواب أن هذا إكراه سواءً أقرَّ حال ضربه أم بعد أن عَلِمَ أنه إن يقر بذلك يضرب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).
ومن أقرَّ بحق ثم ادعى أنه كان مكرهاً لم يقبل قوله إلا ببينة سواءً أقرَّ عند سلطان أو عند غيره لأن الأصل عدم الإكراه إلا أن يكون هناك دلالة على الإكراه كالقيد والحبس والضرب فيقبل قوله مع يمينه.
ويشترط في المُقَر له أهلية استحقاق المُقَر به فلو قال لهذه الدابة أو لكلب فلان عليَّ كذا فلغو لاستحالة مِلْكِ الدابة والكلب واستحقاقهما فإن قال عليَّ لهذه الدابة أي بسببها لمالكها كذا وجب لإمكانه ويُحْمَلُ قولُه عليَّ أنه جنى عليها أو اكتراها ولو قال: لحمل هذه عليَّ أو عندي كذا بإرث عن أبيه أو عمه مثلاً أو وصية له من فلان لزمه أي يعتبر إقراره لإمكانية ذلك فإذا انفصل ميتاً فلا حق له ويكون لورثة من قال: أنه ورثه منه، أو للموصي أو وَرَثَتُهُ في صورة الوصية.
وإن أسنده إلى جهة لا تمكن في حقه أي في حق الحمل كقوله أقرضنيه أو باعني به شيئاً فلغو للقطع بكذبه في ذلك. وإن أطلق الإقرار ولم يبين جهة صح في الأظهر ويحمل على الجهة الممكنة في حقه.
وإن كذّب المُقَرُّ له المُقِرَّ ترك المال في يده في الأصح لأن إقراره سقط بالإنكار وقيل يحفظه الحاكم إلى ظهور مالكه والمعتمد الأول لأن الظاهر أن المال مِلكَه لتسلطه عليه فإن رجع المُقِرُّ في حال تكذيبه وقال غلطت قُبِلَ قوله في الأصح حيث أن المال في يده أما إذا رجع المُقَرٌّ له وصدق المُقِرَّ فيقبل إقراره ويسلم المال إليه أما إذا كان المُقّر به قصاص كحد قذف أو سرقة توجب القطع فكذبه المُقَر له فلا قطع ولو أقرت بالنكاح وأنكر سقط حقه بإنكاره.
? فصل في الصيغة ?
قوله لزيد كذا عليَّ أو عندي صيغة إقرار لأن اللام للملك وفي ذمتي للدين ومعي وعندي للعين فجميعه محمول عند الإطلاق على الإقرار ولو قال لي عليك ألف أو اقضِ الألف الذي لي عليك فقال لا يلزمني تسليمها الآن أو هذا الشهر أو هذه السنة لم يكن مقراً أو قال لي عليك مائة مع الألف فقال: زنْ أو خذ أو زنه أو خذه أو اخْتِمْ عليه أو اجعله في كيسك فليس بإقرار لأنه ليس بالتزام وكثيراً ما يذكر ذلك استهزاءً وسخرية ولو قال: بلى أو نعم أو صدقت أو أبرأتني منه أو قضيتُهُ أو أنا مقر به فهو إقرار وعليه بينة بالإبراء أو القضاء.
ولو قال أنا مقر ولم يقل به فلعله يقصد بوحدانية الله أو نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو بالشهادتين وأيضاً أو أنا أقر به فليس بإقرار لأنه قد يعني الاستهزاء أو أنه قد يقرُّ بعد الآن بما يَدعيه ويحمل أيضاً معنى الوعد والاستهزاء ولا يجب الوفاء بذلك.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/363)
ولو قال: أليس لي عليك كذا فقال بلى أو نعم فإقرار وفي نعم وجه أنه ليس إقرار لأن نعم موضوع للتصديق فيكون مصدقاً له بنفي الدين عنه وروي عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: (لست بربكم قالوا بلى) الأعراف172، لو قالوا نعم كفروا. وهو مردود بأن النظر في الإقرار إلى العرف وأهله يفهمون الإقرار بنعم مثل الإقرار بـ (بلى).
ولو قال اقضِ الألف الذي لي عليك فقال نعم أو حاضر أو جاهز أو أمْرُكَ أو أقضي غداً أو أمهلني يوماً أو حتى أقعد أو أفتح الكيس أو أجد المفتاح أو حتى يفتح البنك أو حتى أقبض المرتب فإقرار في الأصح فإن هذه الألفاظ إقرار عادة إذا عُريت عن الاستهزاء فإن وُجِدَ الاستهزاء لم تكن هذه العبارات إقراراً فاللفظ وإن كان صريحاً في التصديق فقد تنضم إليه قرائن تصرفه عن موضوعه إلى الاستهزاء والتكذيب ومنها تحريك الرأس الدال على شدة التعجب والإنكار. ومن الإجابات الصارفة إلى التكذيب والاستهزاء افتح جيبك أو أحضروا السيارة أو أسرجوا الدابة ... الخ.
? فصل فيما يتعلق بالمُقَرِّ به ?
يشترط في المقرُّ به أن لا يكون مِلكاً للمقِِر لأن الإقرار هو إخبار عن حق سابق للمُقَرِّ له فلو قال داري أو ثوبي أو ديني على زيد لعمرو فهو لغو للتناقض في قوله لأنه أضاف الملك لنفسه وأقر به لعمرو.
ولو قال هذا لفلان وكان ملكي إلى أن أقررت به فأول كلامه إقرار وآخره لغو فيطرح آخره فقط لاستقلاله ويعمل بأوله.
وليكن المُقرُّ به المعين في يد المُقِر ليُسَلَّمَ بالإقرار للمقَرِّ به لأنه مع عدم كون المقَر به في يده هو مدعٍ أو شاهد بغير لفظها أما إذا صار هذا المعين في يده عُمِلَ به فلو أقرَّ ولم يكن في يده ثم صار بيده عُمِلَ بمقتضى الإقرار كما ذكرنا فيسلم للمقَرِّ له حالاً.
فلو أقر بحرية عبد في يد غيره ثم اشتراه حكم بحريته بناءً على إقراره فترفعُ يدُه عنه ثم إن كان قال في إقراره هو حر الأصل أو قال إن مالكه كان أعتقه فشراؤه افتداء لأن إقراره بحريته مانع من جعله بيعاً أما من جهة البائع فهو بيع تثبت فيه أحكامُهُ وإن قال أعتقه ويسترقُهُ ظلماً فافتداء أي أن الشراء افتداء من جهته أي جهة المشتري وبيع من جهة البائع على المذهب عملاً بزعم كل منهما فيثبت فيه الخياران خيار المجلس وخيار الشرط للبائع فقط دون المشتري فلا يثبت للمشتري شيء أما لو مات العبد قبل التسليم استرد المشتري الثمن من البائع إن كان سلمه له لأن المبيع من ضمان البائع والبائع لا يقر بحريته فتلف في ملكه فيضمن الثمن. ويصح الإقرار بالمجهول ويُطْلَب من المقِر تفسيره فإن قال له عليَّ شيء قُبِلَ تفسيره بكل ما يتحول وإن قلَّ كرغيف خبز أو فلس والمتمول كل مالٍ يَسُدُّ سداً أو يقع موقعاً يحصل به جلب نفع أو دفع ضرر أو هو كل ما له قيمة عرفاً وإن قلّت قيمته جداً كفلس ولو فسره بما لا يتمول لكنه من جنسه أي من جنس ما يتمول كحبة حنطة أو فسره بما لا يتمول لكن يحل اقتناؤه ككلب معلّم للصيد وسر جين أي زبل وكذا بكل نجس يُقتَنَى كجلد ميتة قُبِلَ في الأصح لصدق ذلك بالشيء ولأنه يحرم أخذ ذلك ويجب على آخذه رده ولا يقبل تفسيره بما لا يقتنى كخنزير وكلب لا نفع فيه إذ لا يجب رده لو أتلفه ولا يقبل تفسيره أيضاً بعيادة مريض ورد سلام لبعد التفسير بذلك ولأنه لا مطالبة بهما ولو أقرَّ بمال مطلقٍ أو مال عظيم أو كثير أو جليل أو وافر أو نفيس قُبِلَ تفسيره بما قلَّ منه أي من المال لأن الأصل براءة الذمة أما قوله عظيم أو كثير فلعله يقصد بالنسبة للبخيل أو العظيم إثمه وكفر مستحلة وعظم وثواب باذله لمحتاجه وكذا يقبل تفسيره بالمستولدة في الأصح لأنها ينتفع بها وتؤجر وإذا أتلفت وجبت قيمتها وإن كانت لا تباع لأنها أم ولد.
لا بكلب وجلد ميتة لأنه لا يسمَّى مالاً وقوله له كذا عليَّ كقوله له شيء عليَّ فيقبل تفسيره بما ذكر لأن: كذا، وشيء مبهمان.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/364)
وقوله شيء شيء أو كذا كذا كما لو لم يكرر لأن هذا ظاهر في التأكيد ولو قال شيء وشي أو كذا وكذا وجب شيئان لاقتضاء العطف لذلك سواءً في ذلك الشيئان المتفقان أو المختلفان بحيث يصح تفسير كل منهما بالشيء ولو قال له كذا درهماً أو رفع الدرهم أو أو جره لزمه درهم ولا نظر للّحن لأنه لا يؤثر في الإقرار ومثله لا يؤثر في الطلاق والسكون كالجر في الحكم. والمذهب أنه لو قال له عليَّ كذا وكذا أو: كذا ثم كذا أو كذا ثم فكذا درهماً بالنصب وجب درهمان لأنه ميّز مبهمتين كذا وكذا بميّز درهماً. وأما احتمال التأكيد فيمنعه العطف و المذهب أنه لو رفع أو جرَّ الدرهم أو سكَّنَهُ فدرهم وقيل درهمان لأن عدم المطابقة يقتضي أن يكون درهم خبر لأحد المبهمين فيبقى الآخر بلا خبر أي خبره محذوف فليزم وجوب درهمين وأما الجر أو السكون فهو لحن ويحمل على الضم ولو حذف الواو فدرهم في الأحول كلها لاحتمال التأكيد ولو قال ألف ودرهم قُبل تفسير الألف بغير الدراهم من المال اتحد الجنس أو اختلف ولأن العطف إنما يفيد زيادة عدد لا تفسيراً فالألف مبهمة يفسرها المقرُّ بما يشاء
ولو قال خمسة وعشرون درهما فالجميع دراهم على الصحيح لأن لفظ درهم لما لم يجب به عدد زائد تمحض لتفسير الكل. ومثله ألف ومئة وخمسة عشر درهماً لأن التمييز كالوصف فهو يعود للجميع.
ولو قال الدراهم التي أقررت بها ناقصةَ الوزن فإن كانت دارهم البلد الذي أقر به تامة الوزن أي ستة دوانق أو سبعة أعشار المثقال فالصحيح قبوله إن ذكر ذلك متصلاً بالإقرار لأن ذلك في معنى الاستثناء وحينئذ يُرْجَع إلى تفسيره في قدر النقص.
ومنعه إن فصله عن الإقرار أي أنّ من أقرَّ بدراهم وأطلق اقتضى إقراره الدراهم الوافية وهي دراهم الإسلام كل عشرة منها وزن سبعة مثاقيل وكل درهم ستة دوانق فإن سكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه أو أخذ في كلام غير ما كان فيه استقرت عليه فإن عاد فقال الدراهم ناقصة أو مغشوشة أو صغاراً فلم يقبل كالاستثناء المنفصل إلا أن يصدقه المقَرُّ له. وإن كانت دراهم المحل المذكور ناقصة قُبِلَ قوله إن وصله بالإقرار لأن اللفظ والعرف يصدقانه وكذا إن فصله في النص حملاً لكلامه على عرف المحل فدرهم محلةٍ يختلف عن محلة أخرى فالدرهم الكامل ستة دوانق كما ذكرنا ودرهم طبرية أربعُ دوانق فقط. أما لو كانت دراهم المحل ناقصة وأقر بدراهم وقال دون انقطاع معتبر إسلامية قُبِلَ قوله أما لو قال منفصلاً قلا يقبل قوله.
والتفسير بالمغشوشة كسهو بالناقصة فإن الدراهم عند الإطلاق محمول على الفضة الخالصة وما فيها من الغش ينقصها فكانت كالناقصة وزناً ويجري هذا الخلاف في المكاييل أيضاً فلو أقرَّ له بإردب بُر وبمحل الإقرار مكاييل مختلفة ولا غالب تعين أقلها ما لم يختص المُقَرُّ به بمكيال منها فيحمل عليه لا على غيره الأنقص منه.
ولو قال له عليَّ من درهم إلى عشرة لزمه تسعة في الأصح كما ذكرنا ذلك سابقاً. أما لو قال بعتك من هذه الدار إلى هذه الدار فلا يدخل المبدأ أيضاً لأنه من غير جنس المبيع أما في الأرض فلو قال بعتك من هنا إلى هنا دخل المبدأ لأنه من جنس المبيع.
وإن قال له عليَّ درهم في عشرة فإن أراد المعية لزمه أحد عشر لأن في تأتي بمعنى مع كقوله تعالى: (ادخلوا في أمم قد خلت) الأعراف38، أي مع أمم قيل يكون ذلك إن أراد المعية.
أو أراد الحساب وعرفه فعشرةٌ أي واحد مضروباً بعشرة فيكون الناتج مساوياً عشرة وإلا بأن لم يرد المعية ولا الحساب وأراد الظرف فدرهم لأنه هو المتيقن.
? فصل في بيان أنواع من الإقرار وأنواع من الاستثناء ?
قال له عندي سيف في غمد والغمد هو ظرف السيف أوثوب في صندوق أو ثمرة على شجرة أو كتاب في خزانة لا يلزمه الظرف إذا لم يقرَّ به والظرف غير المظروف أو قال له عندي غمد فيه سيف أو صندوق فيه ثوب لزمه الظرف وحده لا المظروف وهكذا كل ظرف ومظروف لا يكون الإقرار بأحدهما إقراراً بالآخر أو عبد عليه ثياب أو على رأسه عمامة لم يلزمه الثياب ولا العمامة على الصحيح لأن الالتزام لم يتناولها وقيل يلزمه الثياب والعمامة لأن يد العبد على ثيابه ويده كيد سيده أو قال له عندي دابة بسرجها أو ثوب مطرّز والتطريز والطراز هو قطع توضع على الثوب لتزينه أو خيوط يوشّى بها الثوب فتشكل رسماً عليه لزمه الجميع لأن الباء بمعنى مع
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/365)
نحو قوله تعالى: (اهبط بسلام) هود48. والطراز جزء من المطرز ولو قال ابنٌ مثلاً في ميراث أبي ألفُ درهم فهو إقرار على أبيه بدين لأنه أضاف الألف إلى جميع الميراث ولو قال له في ميراثي أو في مالي أو من مالي أو في ميراثي من أبي ولم يرد الإقرار ولم يقل عليَّ أو نحوها فهو وعد هبة لأنه أضاف الميراث إلى نفسه ثم جعل جزءاً منه لغيره ولو قال له عليَّ درهم درهم لزمه درهم لزمه درهم واحد فقط وإن كررها ألوفاً في مجالس لاحتماله التأكيد مع عدم ما يصرفه عنه فإن كرر الدرهم مع العطف كأن قال له عليَّ درهم ودرهم أو درهم ثم درهم لزمه درهمان لأن العطف يقتضي المغايرة وثم مثل الواو وكذا الفاء إن أراد بها العطف وإلا فهي للتفريع وتزيين الكلام وتوضيحه وكشف لبسه فلو قال درهم فدرهم فهو درهم واحد فقط ولو قال: درهم ودرهم ودرهم لزمه بالأولين درهمان للعطف بالواو وأما الثالث فإن أراد به تأكيد الثاني بحرف العطف لم يجب به شيء عملاً بنيته وإن نوى به الاستئناف لزمه ثالث عملاً بنيته وكذا إن نوى تأكيد الأول بالثالث لأن الفصل منع مع العطف التأكيد في الأصح وفي درهم ودرهم ثم درهم يجب ثلاثة دراهم لتعذر التأكيد هنا
ومتى أقرَّ بمبهم كشيء وثوب فهو مجمل لا يمكن معرفته بدون مراجعته فيرجع في تفسيره إلى المُقِرِّ وطولب بالبيان لما أبهمه ولم يمكن معرفته من غيره فامتنع فالصحيح أنه يحبس لامتناعه من واجب عليه كالممتنع من أداء الدين مع تمكنه من ذلك فإن مات قبل البيان طولب وارثه بالبيان ووقف بجميع التركة.
ولو بيّنَ المُقِرُّ إقراره المبهم تبيناً صحيحاً وكذبه المُقَرُّ له في قوله فليبين له جنس الحق وقدره وصفته وَليَدَّعِ به إن شاء والقول قول المُقِرِّ في نفيه ما ادعاه المُقَرُّ له فإن بين المُقِر بمائة درهم فقال المُقَرّ له بل مائة دينار حلف المُقِرّ أنه ليس عليه مائة دينار ولا شيء منها وبطل إقراره وإن قال لي عليك مائتا درهم حلف المُقِر أنه ليس له عليه إلا مائة درهم وبطل الإقرار بالمائة الأخرى ولو أقرَّ له بألف في يوم ثم أقرَّ له بألف في يوم آخر لزمه ألف فقط لأن الإقرار إخبار وتعدد الإقرار لا يقتضي تعدد المُقَرِّ به ولو اختلف القدر كأن أقرَّ بألف ثم بخمسمائة أو عكس دخل الأقل في الأكثر لجواز الإقرار ببعض الشيء بعد الإقرار بكله أو قبله فلو وصفها بصفتين مختلفتين كصحاح وناقصة أو أسندهما إلى جهتين مختلفتين كبيع وقرض أو قال قبضت يوم السبت عشرة ثم قال قبضت يوم الأحد عشرة لزما أي لزم الجميع في الحالات الثلاث السابقة ولو قال له عليَّ ألف من ثمن خمر أو كلب أو ألف قضيتُه لزمه الألف في الأظهر فلو قال: له عليَّ ألف وسكت ثبت الألف بإقراره ولو قال له عليَّ ثمن خمر أو كلب فإقراره لغو لأنه لا ثمن للنجس فمن أعمل أول الكلام أوجب الألف ومن أعمل آخر الكلام قال لا يلزمه من إقراره شيء ولكن للمُقَرُّ له تحليف المُقِر أنه من الجهة المذكورة أو أنه قضاء ولو قال له عليَّ ألف من ثمن عبد لم أقبضه إذا سلَّمَهُ سلمت قُبِلَ على المذهب وَجُعِل ثمناً أي أقرَّ بألف ولكنه ادعى أنه ثمن مبيع لم يقبضه فهل نؤاخذه بإقراره لأن آخر الكلام لا يرفع حكم الأول وإلا لبطل الاحتجاج بالإقرار والثاني لا يلزمه شيء حيث أنه لم يستلم المبيع فبطل البيع ولو قال له عليَّ ألف إن شاء الله لم يلزمه شيء على المذهب لأنه علق الإقرار بمشيئة الله وهي غيب عنا لا نعلمه وقيل بل نؤاخذُهُ على إقراره أما إذا أراد بالمشيئة التبرك فثبتت الألف جزماً. أما لو علقه بمشيئة أحد من البشر فلا يلزمه شيء لأن مشيئة الناس لا توجد شيئاً.
ـ[محمد عبدالكريم محمد]ــــــــ[21 - 07 - 07, 01:02 ص]ـ
الجزء الثامن
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/366)
ولو قال له عليَّ ألفٌ لا يلزم لَزِمه لأنه كلام غير منتظم فلا يبطل به الإقرار ولو قال له عليَّ ألف ثم جاء بألف وقال أردت به هذا وهو وديعة فقال المُقَرّ له عليه ألف آخر ديناً صُدِّقَ المُقِر في الأظهر بيمينه أنه ليس له عليه ألف آخر وأنه ما أراد بإقراره إلا هذه لأن عليه حفظ الوديعة والتخلية بينها وبين صاحبها وأراد بقوله عليَّ الإخبار عن هذا الواجب وقد تستخدم عليَّ بمعنى عندي مثل قوله تعالى: (ولهم عليَّ ذنب) أي عندي ذنب أو عقوبة ذنب فإن كان قال له ألف في ذمتي أو ديناً ثم جاء بألف وقال أردت هذا وهو وديعة فقال المُقَرّ له لي عليك ألف آخر صدّق المُقَر له على المذهب لتغاير الكلام فالعين لا تكون ديناً ولا في الذمة قلت فإن قبلنا التفسير بالوديعة فالأصح أنهاأمانة فيقبل دعواه التلف بعد الإقرار ودعوى الردِّ أي دعوى التلف بعد الإقرار ولعله قصد بقوله عليَّ أي وجوب حفظها وأما دعوى الردّ فهذا شأن الودائع أن تردَّ إلى أصحابها وإن قال له عندي أو معي ألف صدّق بيمينه في دعوى الوديعة والردِّ والتلف قطعاً والله أعلم لإشعار اللفظ بالأمانة ولو قال له عليَّ ألف وديعة قُبِلَ وأولت عليَّ بوجوب الحفظ ولو أقرَّ ببيع مثلاً أو هبة وإقباض أي الهبة ثم قال كان ذلك فاسداً وأقررت لظني الصحة لم يقبل أي لم يصدَّق في قوله بفساده للبيع أو الهبة وله تحليف المُقَرُّ له أنه لم يكن فاسداً فإن نكل عن الحلف حلف المُقِرُّ أن البيع أو الهبة كان فاسداً وبريء من البيع والهبة أما لو أشهد على نفسه بدين ثم قال كنت عازماً على أن اقترض منه فقدمت الشهادة على الإقتراض قُبِلَ قوله فيحلف لأن هذا معتاد بخلاف أن يعقد البيع فاسداً أو يعقده وهو يعلم أنه فاسد لأن ذلك غير معتاد. ولو قال هذه الدار لزيد بل لعمرو أو قال غصبتها من زيد بل من عمرو سلّمت الدار لزيد والأظهر أن المُقِرَّ يغرم قيمتها لعمرو لأنه بالإقرار لزيد حال بين الدار وعمرو وقيل إن سلمها هو لزيد فلا يغرم شيئاً لاعترافه وأما إذا سلمها الحاكم لزيد فلا يغرم شيئاً ويصح الاستثناء في الإقرار والطلاق وغيرهما إن اتصل ولم يستغرق المستثنى منه نحو له عليَّ عشرة إلا ثلاثة بخلاف عشرة إلا عشرة أو أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين بخلاف ثلاثة إلا ثلاثة فإن سكت بعد الإقرار أو تكلم بكلام أجنبي عما هو فيه ثم استثنى لم يصح الاستثناء ويبقى المستثنى منه كما هو فقوله عشرة إلا عشرة يعني عشرة فلو قال: له علي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية وجب تسعة لأن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات وطريق هذا وأشبهه أن يجمع الإثبات ويجمع النفي ثم يسقط النفي من الإثبات ففي مسألتنا (10+ 8) – 9 = 18 – 9 = 9.
وإذا أتى باستثناء بعد استثناء والثاني مستغرق بطل الثاني وصح الأول ويصح الاستثناء من غير الجنس كألف إلا ثوباً ويبين بثوب قيمته دون ألف فإن استغرق فالتفسير لغو ويبطل الاستثناء ويلزمه الألف وقيل الاستثناء صحيح والخلل في تفسيره فيقال له فسره بتفسير صحيح قال تعالى: (لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً) مريم62. فالسلام ليس من جنس اللغو و الاستثناء من المعين صحيح كهذه الدار له إلا هذا البيت أو هذه الدراهم له إلا هذا الدرهم أو هذا القطيع إلا هذه الشاة لصحة المعنى إذ هو أخراج بلفظ متصل فأشبه التخصيص وفي المعين وجه شاذ أنه لا يصح الاستثناء منه لتضمنه الإقرار أولاً بها كاملة فيكون الاستثناء رجوعاً والمعتاد الاستثناء من المطلق.
قلت: ولو قال هؤلاء العبيد له إلا واحداً قُبِلَ ورجع في البيان إليه فإن ماتوا إلا واحداً وزعم أنه المستثنى صدّق بيمينه أنه الذي أراده بالاستثناء على الصحيح والله أعلم وقيل لا يصدق للتهمة وهو شاذ متفق على ضعفه.
? فصل في الإقرار بالنسب ?
إذا أقر بنسب إن ألحقه بنفسه اشْتُرِطَ لصحته أي لصحة الإلحاق أن لا يكذبه الحسُّ وتكذيب الحسِّ أن يكون في سنٍّ لا يتصور كونه منه ولا الشرع وتكذيب الشرع بأن يكون أي المستلحق معروف النسب من غيره وأن يصدقه المستلحَقُ إن كان أهلاً للتصديق بأن كان عاقلاً بالغاً لأن له حقاً في نسبه فإن كان بالغاً فكذبه لم يثبت النسب إلا ببينة فإن لم تكن بينة حُلِّفَ المدّعَى عليه فإن حلف سقطت دعوى المُدعِي.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/367)
وإن استلحق صغيراً ثبت نسبه فلو بلغ وكذبه لم يبطل نسبه في الأصح لأن النسب لا يندفع بعد ثبوته إلا ببينة ويصح أن يستلحق ميتاً صغيراً ولا اعتبار بتهمة الرغبة في الميراث للاحتياط في النسب وكذا كبيراً في الأصح لأن الميت ليس أهلاً للتصديق فهو كالمجنون والصغير ويرثه أي يرث المُقِرُّ بالنسب المستلحَق ولا نظر للتهمة كما ذكرنا.
ولو استحلق اثنان بالغاً ثبت نسبه لمن صدقه منهما فإن لم يصدق واحداً منهما عُرِضَ على القائف إن لم تكن بينة وحكْمُ الصغير الذي يستلحقه اثنان يأتي في كتاب اللقيط إن شاء الله ومثله حكم استلحاق العبد والمرأة.
ولو قال لولد أمته هذا ولدي ثبت نسبه بشرط الإمكان كأن لا يكون لها زوج يمكن أن يكون منه ولا يثبت الإستيلاد في الأظهر لاحتمال أنه أولدها بزواج ثم ملكها أما لو قال هو ولدي ولدته في ملكي فقد ثبت الاستيلاد وتصير أمَّ ولد بإقراره.
فإن كانت فراشاً له بأن أقر بوطئها لحقه الولد بالفراش في غير استلحاق فقد روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر) وإن كانت مزوجة فالولد للزوج لأن الفراش له ولا يلحق بالسيد ولا أثر لاستلحاق السيد له واستلحاق السيد باطل للحوقه بالزوج وأما إذا ألحق النسب بغيره كهذا أخي أو عمي فيثبت نسبه مِنْ المُلْحَقِ به كالأب والجد بالشروط السابقة عند الإلحاق بنفسه.
ويشترط زيادة على تلك الشروط كون المحلق به ميتاً ولا يشترط أن لا يكون نفاه في الأصح فيجوز إلحاقه به بعد نفيه إياه بلعان أو بغيره لأنه لو كان حياً واستلحقه بعد نفيه صح استلحاقه له.
ويشترط كون المُقِرّ وارثاً حائزاً لتركة المُلْحَقِ به واحداً كان المُقِرُّ أو أكثر والأصح فيما إن أقر أحد الوارثين بثالث أو بزوجة للميت وأنكره الآخر أو سكت أن المُسْتَلْحَق لا يرث لا يرث لعدم ثبوت نسبه ولا يشارك المُقِرّ في حصته ظاهراً بل يشاركه باطناً إن صَدَقَ ففي ابنين أقرَّ أحدهما بثالث يلزمه باطناً أن يعطيه ثلث حصته والأصح أن البالغ العاقل من الورثة لا ينفرد بالإقرار بل ينتظر كمال الآخرين.
فإن مات المُقِرُّ قبل بلوغ الآخرين نفذ إقراره والأصح أنه لو أقر أحد الوارثين الحائزين بثالث وأنكر الآخر أو سكت لم يرث شيئاً ولا من حصة المُقِرِّ لكن ظاهراً فقط لأن الإرث فرع النسب ولم يثبت النسب فلم يثبت الإرث ويستمر عدم إرث المُقَرِّ به إلى موت المنكر فإن مات ولم يرثه إلا المقر ثبت النسب بالإقرار السابق لأن الميراث أصبح جميعه له والأصح أنه لو أقرَّ ابنٌ حائزٌ بإخوة مجهولٍ فأنكر المجهولُ نسبَ المُقِرِّ لم يؤثر فيه وذلك بأن قال المجهول أنا ابن الميت ولست أنت ابنه لم يؤثر ذلك لثبوت نسبه وشهرته ولأنه لو بطل نسب المشهور لبطل إقراره فيلزم من ذلك بطلان نسب المجهول ويثبت أيضاً نسب المجهول لإقرار الحائز والأصح أنه إذا كان الوارث الظاهر يحجبه المُسْتَلْحَقُ حجب حرمان كأخ أقرَّ بابن للميت ثبت النسب للابن لأن الحائز ظاهراً استلحقه ولا إرث للابن المستلحق لأننا لو ورثناه لكان الأخ غير وارث وكونه غير وارث لا يجعل له حقاً في الاستلحاق وهذا ما يسمّى الدور الحكمي وهو أي الدور الحكمي: وهو أن يلزم من إثبات الشيء نفيه.
? كتاب العارية ?
والعارية بتشديد الياء وتخفيفها وهي اسم لما يعاد لينتفع به مع بقاء عينه وهي مشتقة من عار الشيء إذا ذهب وجاء ويقال للبطال عيّار لتردده في بطالته والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) وقوله تعالى: (ويمنعون الماعون) وفسرها جمهور المفسرين بما يستعيره الجيران بعضهم من بعض كالدلو والفأس وهي مندوب إليها.
وأخبار منها: حديث أبي أمامة (العارية مردودة والدين مقضي والزعيم غارم) أخرجه أحمد وأصحاب السنن. حديث صفوان ابن أمية (أنه صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان أدراعاً يوم حنين فقال: أغصباً يا محمد؟ فقال: بل عارية مضمونة) رواه أحمد والنسائي والحاكم. حديث سمرة (على اليد ما أخذت حتى تؤديه)، وفي رواية حتى تؤدَّى، رواه أحمد وأبوداود.
وأركانها أربعة: معير ومستعير ومعار وصيغة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/368)
شرط المعير صحة تبرعه لأن الإعارة تبرع بإباحة المنفعة فلا تصح ممن لا يصح تبرعه كصبي وسفيه ومفلس وملكه المنفعة فيعير مستأجر لا مستعير على الصحيح لأنه لا يملك المنفعة وإنما يملك أن ينتفع ومن ثم لم يؤجر وإن أعار فلا يبرأ من ضمانها وله أي المستعير أن يستنيب من يستوفي المنفعة له كأن يُرْكِبُ الدابة التي استعارها للركوب من هو مثله أو دونه لحاجته كوكيله وكذا زوجته وخادمه لأن الانتفاع راجع إليه و شرط المستعار كونه منتفعاً به حالاً انتفاعاً مباحاً مقصوداً. فلا تصح إعارة سيارة معطلة إلا إذا كان زمن الإعارة يستوعب إصلاحها والاستفادة منها ولا بيت منهدم ولا تجوز إعارة الطعام لأن منفعته في استهلاكه وتجوز إعارة جارية لخدمة امرأة أو ذكر مَحْرَم للجارية لعدم المحذور وفي معنى المرأة والمحْرَم زوج الجارية والشيخ الهرم والطفل الذي لا يشتهي ويُكرَهُ إعارة عبدٍ مسلمٍ لكافرٍ قال الجرجاني: فهي حرام والمعتمد أنها كراهة تنزيه لأن فيها نوع امتهان له وتحرم إعارة سلاح وخيل لحربي وقاطع طريق وظالم وتحرم إعارة المصحف لكافر إلا بحضرة المسلم الذي يرغب في إسلامه وقد يجوز إعارة ما لا يجوز إجارته وهو الفحل للضراب والكلب للصيد فإن إعارتهما صحيحة وإجارتهما باطلة في الأصح ويحرم على الحلال إعارة الصيد للمُحْرِم والأصح اشتراط لفظ كأعرتك أو أعرني ويكفي لفظ أحدهما مع فعل الآخر حتى لو قال المستعير: أعرني فسلَّمه المالك إليه صحت الإعارة وكذا لو قال: خذه لتنتفع به فأخذه صحت الإعارة قياساً على إباحة الطعام وقال المتولي: لا يعتبر اللفظ في واحدٍ منهما حتى لو رآه عارياً فأعطاه قميصاً فلبسه تحت العارية وكذا لو فرش لضيفه فراشاً أو بساطاً أو مصلى أو ألقى له وسادة فجلس عليها كان ذلك إعارة ولو قال: أعَرْتُكَهُ أي فرسي مثلاً لتعلفه أو لتعيرني فرسك فهي إجارة فاسدة توجب أجرة المثل بعد القبض نظراً إلى اللفظ وقيل: إنه عاريةٌ فاسدةٌ فلا تجب الأجرة وكذا الحكم لو أعارة شيئاً بِعِوَضٍ مجهول كما لو أعارهُ دابةً ليعلفها أو أعاره داره ليطين سطحها فهي إجارة فاسدة. ومؤنة الرد على المستعير أي إذا ردَّ المستعيرُ العارية على من استعار منه إن كان مالكاً أو مستأجراً فمؤنة الردِّ عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) رواه الترمذي. ويجب على المستعير الرد عند طلب المالك فإن تلفت أي العين المستعارة عند المستعير لا باستعمال لها مأذون فيه ضمنها وإن لم يفرط لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث صفوان: (بل عارية مضمونة) رواه أبوداود، ولأنه مالٌ فيجب رده لمالكه وتضمن بقيمة يوم التلف وكذا تلف بعضها فإنه مضمون والأصح أنه لا يضمن ما ينمحق من الثياب أو ينسحق بالاستعمال والثاني يضمنهما والثالث يضمن المنمحق أي البالي دون المنسحق والمنمحق هو الذي تلف بالكلية والمنسحق هو الذي تلف بعض أجزائه أو نقصت قيمته بالاستعمال لأن مقتضى الإعارة الاستعمال فإذا ردت العين فلا ضمان بخلاف المنمحق فيضمن والمستعير من مستأجر لا يضمن التالف في الأصح لأنه هو نائب المستأجر والمستأجر لا يضمن أما إذا كانت الإجارة فاسدة ضمنا معاً والقرار على المستعير ولو تلفت دابته في يد وكيل له بعثه في شغله أو في يد من سلمها إليه ليروضها فلا ضمان لأن التلف بلا تفريط ولأنه لم يأخذها لغرض نفسه وكذا الرائض أخذها ليعلمها فالمنفعة لمالكها فلا ضمان عليه وله أي للمستعير الانتفاع بحسب الإذن فإن أعاره لزراعة حنطة زرعها ومثلها لأنه أذن له بها وبما دونها في الضرر فإن قال: ازرع البُرَّ فله زرع الشعير وليس له أن يزرع ما فوقها كالذرة والقطن وإذا زرع ما ليس له زراعته فللمعير قلعه مجاناً إن لم ينهه عن زراعة غيرها فإن نهاه عنه لم يكن له زرعه أو لشعير لم يزرع ما فوقه كحنطة لأن ضررها أعظم من ضرره ولو أطلق الزراعة يصح في الأصح ويزرع ما شاء أي لو قال: المعير للمستعير: أعرتك للزراعة أو أعرتك لتزرع بها فيزرع ما شاء لإطلاق الإعارة وإذا استعار لبناءٍ أو لغراس فله الزرع ولا عكس لأن ضررهما أكثر والصحيح أنه لا يغرس مستعير لبناءٍ وكذا العكس لاختلاف جنس الضرر فالبناء يضر في ظاهر الأرض والغراس في باطنها والصحيح أنه لا تصح إعارة الأرض مطلقاً بل يشترط تعيين نوع المنفعة من زرع أو
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/369)
غيره قياساً على الإجارة وقيل: تصحُّ وينتفع بها كيف شاء.
? فصل في بيان جواز العارية وحكم الاختلاف ?
لكل منهما أي المعير والمستعير رد العارية المطلقة والمؤقتة ولو قبل فراغ المدة متى شاء لأن الإعارة مبرةٌ من المعير وارتفاقٌ من المستعير فلا يليق بها الإلزام والردُّ من المعير بمعنى رجوعه عن الإعارة إلا إذا أعار للدفن أي لدفن ميت فَدُفِنَ فلا يَرْجعُ حتى يندرس أثر المدفون بأن يصير تراباً وذلك لأنه دفن بحق والنبش حرام والنظر إلى الأعضاء التي تندرس عادةً ولا يمنع المالك من سقي الأشجار التي في مكان الدفن ما لم يُفضِ ذلك إلى ظهور شيءٍ من بدن الميت وإذا أعار للبناء أو الغراس ولم يذكر مدة ثم رجع بعد أن بنى المستعير أو غرس إن كان شرط القلع مجاناً أي بلا بدلٍ لزمه عملاً بالشرط فإن امتنع فللمعير القلعُ ويلزم المستعير أيضاً تسوية حفر إن شرطها المعير وإلا أي وإن لم يشرط عليه القلع فإن اختار المستعير القلع قلع ولا يلزمه تسوية الأرض في الأصح لأن الإعارة مع علم المعير أن المستعير يقلع تعني رضاه بما يحدث من القلع قلت: الأصح يلزمه والله أعلم لأن عليه رد الأرض إلى ما كانت عليه أي عليه التسوية وإن لم يختر القلع لم يقلع مجاناً لأنه وضعه بحقٍ فهو محترم لا يجوز إتلافه بل للمعير الخيار بين أن يبقيه بأجرة أو يقلع ويضمن أرش النقصِ وهو قدر التفاوت بين قيمته قائماً ومقلوعاً قيل: أو يتملكه بقيمته أي حين التملك وهو بيع فلابد فيه من التراضي وقيل: لا يلزم رضى المستعير لأن المعير له الرجعة إلى حقه متى شاء فإن لم يختر المعير شيئاً من الخصال التي خير فيها لم يقلع مجاناً إن بذل المستعير الأجرة لانتفاء الضرر وكذا إن لم يبذلها في الأصح لأن المعير مقصر بترك الاختيار وقيل: يجوز له القلع لأنه بعد الرجوع لا يجوز الانتفاع بماله مطلقاً ثم بناءً على الأصح إن لم يبذل المستعير الأجرة قيل يبيع الحاكم الأرض وما فيها من بناء أو غراس ويقسم بينهما بأن تقوَّم الأرض وما عليها من بناء أو غراس ويقوَّم البناء أو الغراس فحصةُ الأرض للمعير وحصة ما عليها للمستعير وقيل طريقة أخرى أن تقوَّم الأرض وحدها وعليها البناء أو الغراس بشرط قلعه ويقوَّم ما عليها ثم يباعان معاً وكل يأخذ بقسطه مثلاً الأرض بعد قلع الغرس أو البناء بألف ومائتين والغرس أو البناء منفرداً بثمانمائة وبيعاً معاً بألف وخمسمائة فلصاحب الأرض = = 900عدد أسهم صاحب الأرض 12 سهماً ولصاحب الزرع = = 600 عدد أسهم صاحب البناء = 8 سهم مجموع الأسهم = 20 سهماً.
والأصح أنه يُعْرِض عنهما حتى يختارا شيئاً أي حتى يتراضيا على صيغة يقبل بها الاثنان وللمعير دخولها أي الأرض المُعَارة والانتفاع بها والاستظلال بالبناء والشجر ولا يدخلها المستعير بغير إذن من المعير للتفرج لأنه لا ضرورة في ذلك ويجوز دخول المستعير للسقي للغراس والإصلاح للغراس أو البناء صيانة لملكه من الضياع ولكن لو عطل على صاحب الأرض في دخوله وخروجه وأفسد عليه فله منعه من الدخول إلا في أوقات معينة يتطلبها إصلاح الغرس أو البناء ولكل بيع ملكه للآخر أو لثالث وقيل ليس للمستعير بيعه لثالث لأن ملكه غير مستقر فيستطيع المعير تملكه متى شاء والعارية المؤقتة لبناء أو غراس كالمطلقة فيما ذكر من الأحكام لأن التأقيت وعد غير ملزم للمعير وقيل لا يجوز الرجوع حينئذ وإلا لم يكن للتأقيت فائدة وفي قوله له أي المعير القلع فيها في الإعارة المؤقتة بزمن بعد المدة مجاناً إذا رجع بعد المدة وهنا تظهر فائدة التأقيت حيث يتميز في الحكم بين القلع قبل انقضاء المدة وبعده. وقيل له طلب الأجرة بعد المدة وإذا أعاره أرضاً للزراعة دون تأقيت ورجع المعير قبل إدراك الزرع فالصحيح أن عليه الإبقاء إلى الحصاد لأن للزرع أجل يُنْتَظَر بخلاف البناء والغراس حيث لا أجل له. وقيل إن له التملك بالقيمة كالغراس و الصحيح أنه له الأجرة من وقت الرجوع إلى الحصاد لأنه إنما أباح المنفعة حتى رجع فلو عين مدة ولم يدرك فيها لتقصيره بتأخير الزراعة قلع المعير الزرع لتقصير المستعير مجاناً أما إذا لم يقصر فلا يقلع مجاناً سواء في ذلك أكان عدم الإدراك لنحو برد أو قصر مدة الإعارة ولو حمل السيل أو الريح بذراً مقصوداً للزرع وليس مهملاً إلى أرض لغير مالكه فنبت فهو أي النابت
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/370)
لصاحب البذر لأنه عَينُ ماله أما ما يعرض عنه غالباً فيجوز التقاطه وما وصل لأرض أخرى فهو لصاحب الأرض الأخرى والأصح أنه يجبر على قلعه لأن المالك لم يأذن في البذار فليس له حكم المستعير ولو ركب دابة أو سيارة وقال لمالكها أعرتنيها فقال أجرتُكَها مدة كذا وكذا أو اختلف مالك الأرض وزارعها كذلك فالمصدق المالك على المذهب أي في استحقاق الأجرة لأن الغالب في الناس الإذن في الانتفاع بمقابل فيحلف يميناً واحدة تجمع نفياً للإعارة وإثباتاً للأجرة.
وكذا لو اختلف مالك الأرض وزارعها كأن قال أعرتني وقال بل غصبت مني فالمصدق المالك على المذهب وقد مضت على الخلاف مدةٌ لمثلها أجرة لأن الأصل عدم الإذن بالاستعمال فإن تلفت العين قبل ردها فقد اتفقا على الضمان ونعلم أن المغصوب يضمن بأقصى القيم من يوم القبض إلى يوم التلف لكن الأصح أن العارية تضمن بقيمة التلف لا بأقصى القيم ولا بيوم القبض لشبهة الاستعارة فتضمن في أول وقت ضمانها وهو وقت التلف فإن كان ما يدعيه المالك بالغصب أكثر من قيمة يوم التلف حلف للزيادة أنه يستحقها ويحلف لأن غريمه ينكرها.
مسائل:
1 - دفع شاة إلى رجل وقال: أبحت لك درها ونسلها فهي إباحة صحيحة والشاة عارية.
2 - دفع دراهم إلى رجل وقال اجلس في هذا الحانوت واتَّجر فيها لنفسك فالحانوت عارية والدراهم قرض أما لو قال: اجلس في هذا الحانوت واتَّجر والربح بيننا أو أطلق فهر قراض.
3 - أودعه سيارة وقال: إن شئت أن تركبها فاركبها فهي بعد الركوب عارية تضمن وقبل الركوب وديعة لا تضمن.
4 - استعمل المستعير العارية بعد رجوع المعير وهو جاهل بالرجوع لم يلزمه الأجرة أما إذا استعملها بعد الرجوع وهو عالم فهو مغتصب يضمن وعليه الأجرة.
5 - كل عقد اقتضي الضمان لم يغيره الشرط كالمقبوض ببيع صحيح أو فاسد وما اقتضى الأمانة فكذلك كالوديعة والشركة والمضاربة ومن شَرَطَ في العارية نفي الضمان لم يسقط لوجود موجبه فليس ذلك للمالك ولا يملك الإذن فيه لكن لو سامح بعد التلف فهو إبراء جائز.
? كتاب الغصب ?
هو لغة أخذ الشيء ظلماً جهاراً وشرعاً: الاستيلاء على حق الغير عدوناً وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع: أما في الكتاب فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) البقرة181، وقوله تعالى: (ويلٌ للمطففين).
وأما السنة فروى جابر (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم النحر (إن دماؤكم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)) رواه الشيخان.
وروى سعيد بن زيد قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أخذ شبراً من الأرض ظلماً طُوِقَه من سبع أرضين)) وأجمع المسلمون على تحريم الغصب.
وقوله حق الحق أي كل ما يختص به غيره ولو لم تكن له مالية كالكلب وجلد الميتة والزبل وحق التحجر وموضع في سوق أو في مسجد وقوله عدواناً أي على جهة التعدي والظلم والغصب من الكبائر إن بلغ المغصوب نصاباً وقال العز بن عبد السلام: الإجماع على أن غصب الحبة وسرقتها كبيرة والأول أصح. أما إذا قصد بالغصب الاستحلال فإن غَصْبَ الصغير والكبير والقليل والكثير كبيرة. فلو ركب دابة أو جلس على فراش فغاصبٌ وإن لم يَنْقُل ذلك ولم يقصد الاستيلاء لحصول الغاية المطلوبة من الاستيلاء وهي الانتفاع على وجه التعدي ولو دخل داره وأزعجه عنها أي أخرجه منها فغاصب وإن لم يقصد الاستيلاء لأن وجوده يغني عن قصده على أن يكون دخوله على هيئة من يقصد السكنى أو أزعجه أي أخرجه منها وقهره على الدار أي منعه التصرف فيها ولم يدخل فغاصب وسواء قصد الاستيلاء أم لم يقصد لأن وجوده يغني عن قصده وفي الثانية وجه واهن أي فيما إذا أزعجه وقهره ولم يدخل ففي قول ضعيف أنه ليس بغاصب والمشهور أنه غاصب ولو سكن بيتاً أي حجره من الدار أو لم يسكنها ومن المالك منه دون باقي الدار فغاصب للبيت فقط لأنه قصد واستولى على البيت دون الدار ولو دخل بقصد الاستيلاء وليس المالك فيها ولا من يخلفه من أهل ومستأجر ومستعير وصديق وحارس فغاصب وإن كان الداخل ضعيفاً والمالك قوياً حتى لو انهدمت حينئذ ضمنها وإن كان المالك فيها أو نحوه ودخل بقصد الاستيلاء ولم يزعجه عنها فغاصب لنصف الدار لاجتماع يدهما على الدار فيكون الاستيلاء لهما معاً وبهذا يعلم أنه لو غصب عددٌ داراً لكان كل واحدٍ
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/371)
غاصباً لحصته إلا أن يكون الداخل ضعيفاً لا يعد مستولياً على صاحب الدار فلا يكون غاصباً لشيء منها لتعذر قصد ما لا يمكن تحققه وعلى الغاصب الرد بالخروج من المغصوب فوراً عند التمكن وإن عظمت المؤنة لحديث أبي داود عن سمرة: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه)، فإن تلف عنده أي تلف المغصوب بآفةٍ أو إتلافٍ ضمنه بالإجماع إن كان مالاً وهو الغالب أما غير المتموَّل كالكلب المعلَّم والزبل فلا يضمنه ولو أتلف مالاً في يد مالكه ضمنه إجماعاً إلا في أحوال كألَّا يستطيع الظفر بماله إلا بكسر باب أو نقب جدار أو لا يتمكن من إراقة خمر إلا بكسر إنائه أو لا يتمكن من دفع الصائل عليه إلا بعقر دابته وكسر سلاحه فلا يضمن في هذه الأحوال وأيضاً لا يضمن ما يتلفه الباغي على العادل ولو دخل دكان حدّادٍ ورأي الشرر يتطاير من آلته فأحرقت ثوبه كان هدراً حتى ولو كان الدخول بإذن الحداد ولو فتح رأس زِقٍّ وهو السقاء مطروحٍ على الأرض فخرج ما فيه بالفتح أو منصوبٍ فسقط بالفتح لتحريكه الوكاء وجرِّهِ ودفعه وخرج ما فيه ضمن لأن الخروج المؤدي إلى التلف ناشيءٌ عن فعله وإن سقط بعارض ريحٍ لم يضمن لأن الخروج بالريح لا بفعله ومثل ذلك لو حلَّ رباط سفينة فغرقت بالحل ضمن أما لو غرقت بحادثٍ كهبوب ريح لم يضمن ومثل ذلك أيضاً لو أزال أوراق العنب وجرَّد عناقيده للشمس فأفسدتها أو ذبح شاة رجل فهلكت سخلتها فيضمن. ولو فتح قفصاً عن طائر وهيجه فطار ضمن وإن اقتصر على الفتح فالأظهر أنه إن طار في الحال ضمن وإن وقف ثم طار فلا يضمن لأن وقوفه أولاً يشعِر باختيار الطائر أما لو فتح باب القفص ووثبت هرة فدخلت وقتلت الطائر لزمه الضمان وكذا لو هيّج الطائر فاضطرب الطير وسقط فانكسر لزمه الضمان والأيدي المترتبة على أيدي الغاصب أيدي ضمان وإن جهل صَاحِبُها الغصب لأنه وضع يده على ملك غيره بغير إذنه والجهل إنما يسقط الإثم لأنه من خطاب التكليف ولا يسقط الضمان لأنه من خطاب الوضع فيطالب الغاصب أيهما شاء إلا الحاكم وأمينه لأنهما إنما وضعا يدهما للمصلحة ثم إن علم من ترتبت يده على يد الغاصب أي علم الثاني الغصب فكغاصب من غاصب فيستقر عليه ضمان ما تلف عنده فيطالب بكل ما يطالب به الأول لصدق حد الغصب عليه وكذا إن جهل الثاني الغصب وكانت يده في أصلها يد ضمان كالعارية والبيع والقرض لأنه دخل على الضمان فلا تغرير بدخول الضمان بالغصب على الضمان بالعارية وإن كانت يد أمانة كوديعة فالقرار على الغاصب دون المودع لأنه دخل على أن يده نائبة عن يد الغاصب ومتى أتلف الآخذ من الغاصب مستقلاً به أي مستقلاً بالإتلاف فالقرار عليه مطلقاً أي على المتلف سواءً أكانت يده يد ضمان أو أمانة لأن الإتلاف أقوى من وضع اليد العارية وإن حمله الغاصب عليه بأن قدّم له طعاماً مغصوباً فأكله فكذا أي فالقرار عليه في الأظهر لأنه المتلف بأكله وإليه عادت المنفعة إن لم يقل له الغاصب هذا ملكي لأنه إن قال له هذا ملكي فقد غرَّر به والمظلوم لا يرجع على غير ظالمه وعلى هذا لو قدّمه لمالكه فأكله برئ الغاصب لأن الآكل هو المتلف وهو المالك للمغصوب وقيل: لا يبرأ الغاصب إلا إذا علم الآكل أن المغصوب ملكُهُ أما إذا غصب حباً ولحماً أو عسلاً ودقيقاً وصنعه هريسة أو حلواء فلا يبرأ قطعاً لأنه بتحويله أصبح كالمتلف له.
? فصل في بيان حكم الغصب وانقسام المغصوب إلى مثلي ومتقوِّم ?
تضمن نفس الرقيق المغصوب بقيمته بالغة ما بلغت ولو زادت على دية الحرِّ كسائر الأموال سواء أتَلِفَ بجناية أو تلف تحت يد عادية أي متعدية عليه بصفته متقوِّماً كسائر الأموال المتقوَّمة و تضمن أبعاضه التي لا يتقدر أرشها من الحرِّ كهزال وزوال بكارة وجناية على نحو ظهر أو عنق بما نقص من قيمته تلفت أو أتلفت فإن لم تنقص لم يلزمه شيء وكذا المقدرة كيد إن تلفت بآفة سماوية أو قودٍ أوحدٍّ وإن أتلفت بالجناية عليها فكذا تضمن بما نقص من قيمته في القديم قياساً على البهيمة وعلى الجديد تتقدر من الرقيق لأنه يشبه الحرَّ في كثير من أحكامه والقيمة فيه كالدية في الحرِّ ففي يده نصف قيمته إن كان الجاني غير الغاصب أما إذا كان الجاني هو الغاصب فيلزمه أكثر الأمرين من أرشه ونصف قيمته فلو نقصت قيمته مثلاً ثلثي قيمته لزماه النصف بالقطع والباقي وهو السدس باليد العادية.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/372)
وسائر الحيوان أي باقي الحيوان يضمن بالقيمة تلف أو أتلف وتضمن أجزاؤه بما نقص منها لأن لا يشبه الآدمي بل يشبه الجماد ويجب الانتباه إلى أن التقويم يكون بعد اندمال الجُرح والقيمة المعتبرة هي قيمة يوم التلف إلا في الغصب فهي أعلى القيم كما ذكرنا وغيره أي غير الحيوان من الأموال مثلي ومتقوِّم بالكسر في الواو أو بالفتح والأصح أن المثلي ما حصره كيل أو وزن أي أمكن ضبطه بأحدهما وإن لم يعتد الكيل أو الميزان فخرج بقيد الكيل والوزن ما يُعَدُّ كالحيوان أو يزرع كالأرض والثياب وجاز السلم فيه كماء وتراب ونحاس وحديد وتبر ومسك وعنبر وكافور وقطن وعنب ورطب وسائر الفواكه الرطبة ودقيق وحبوب وزبيب وتمر (لا غالية ومعجون) لأنهما مكونان من مخلوطات وقد قلنا سابقاً إذا انضبطت النسب في مكوناتهما جاز السلم فيهما فيصمن المثلي بمثله إذا تلف أو أتلف فإن تعذر المثل بأن لا يوجد في ذلك البلد وحواليه فالقيمة والأصح أن المُعْتَبَر أقصى قِيَمهِ من وقت الغصب إلى تعذر المثل وقيل من وقت الغصب إلى وقت التلف ولو نقل المغصوبَ المثلي إلى بلد آخر فللمالك أن يكلفه رده إلى بلده وإن يطالبه بالقيمة في الحال لحيلولته بينه وبين ملكه فإذا رده أي المغصوب ردها أي القيمة فإن تلف في البلد المنقول إليه طالبه بالمثل في أي البلدين شاء لأنه له الحق في مطالبته برد العين في أي البلدين شاء فإن فقد المثل غرَّمه قيمة أكثر البلدين قيمة لأنه كما قلنا له المطالبة بالمثل في أي البلدين شاء ولو ظفر بالغاصب في غير بلد التلف فالصحيح أنه إن كان لا مؤنة لنقله كالنقد فله مطالبته بالمثل إذ لا ضرر على واحد منهما وإلا بأن كان لنقله مؤنة ولم يتحملها المالك فلا مطالبة بالمثل وليس للغاصب أيضاً تكليفه قبوله لما فيه من مؤنة وضرر بل يغرمه قيمة بلد التلف سواء هي البلد التي كان فيها الغصب أو غيرها.
وأما المغصوب المتقوّم كالحيوان فيضمن الغاصب بأقصى قيمة من الغصب إلى التلف لأنه في حالة زيادة القيمة فإن الغاصب مطالب بالردِّ فإن لم يردّ ضمن بدله بخلاف ما لو ردَّ بعد الرخص لا يغرم شيئاً.
وفي الإتلاف بلا غصب بقيمة يوم التلف في محل التلف إن صلَحَ للتسليم وإلا فأقرب محل إليه هو المتعبر بالقيمة فإن جنى عليه بتعدٍ لا بغصب وتلف بسراية فالواجب الأقصى أيضاً من الجناية إلى التلف فلو جنى على بهيمة مأخوذة بسوم وقيمتها مائة مثلاً ثم هلكت بسراية الجُرح وقيمتها خمسون وجب عليه مائة ولا تضمن الخمر ومثلها كل مُسْكِر اتخذ للإسكار لمسلم أو ذمي إذ لا قيمة لها ككل نجس و لكن لا تراق على ذمي إلا أن يظهر شربها أو بيعها أو هبتها ولو لمثله بأن اطلعنا عليها من غير تجسس فتراق عليه لأن في إظهار ذلك استهانة بالإسلام في بلاد الإسلام وآلة اللهو والخنزير مثلها في ذلك هذا إذا كانوا بين أظهرنا أما إذا انفردوا ببلد أو منطقة منعزلة لم يخالطهم فيها مسلمون لم نتعرض لهم وتردّ عليه إن أخذت منه من غير إظهار لها إن بقيت العين لأنهم يقررون عليها. قال الإمام الشافعي في الأم: ومن تعرض لهم زُجِرَ فإن عاد أُدِّبَ وكذا ترد الخمرة المحترمة إن بقيت إذا غصبت من مسلم والخمر المحترمة هي التي عصرت بقصد الخلّية لأن له إمساكها لتصير خلاً والأولى بمريق الخمر الرفع إلى الحاكم ليريقها دفعاً للفتنة وتكسر آنيتها وقد فعلت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر ذلك على من كسرها.
والأصنام وهي هذه المنحوتات ومثلها الصلبان التي تعلق في الرؤوس أو على الجدران وآلات اللهو لا يجب في إبطالها شيء لأنها لا منفعة لها إلا ما أبيح استعماله منها كنحو دفٍ والأصح أنها لا تكسر الكسر الفاحش لأن المطلوب هو إزالة الهيئة أما الخمر فالمطلوب إزالة العين لأن التكسير الفاحش يذهب بالمال وهذا ممنوع إن أمن الاستفادة منه بل تفصل لتعود كما قبل التأليف لزوال اسمها وهيئتها المحرّمة فإن عجز المنكر عن رعاية هذا الحدِّ في الإنكار لمنع صاحب المنكر بقوته أو حماية ظلمة له أو بتعاون أهل الشرِّ أبطله كيف تيسر إبطاله لأن صاحبه مفرط ووجب على المسلم إزالة المنكر ويجب أن يكون المزيل للمنكر مسلماً قال الإمام الغزالي في الإحياء: ومن شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون المُنْكِرُ مسلماً لأن ذلك نصرةٌ للدين فكيف يكون من غير أهله
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/373)
وهو جاحدٌ لأصل الدين وعدوله والصبي المميز يثاب كما يثاب البالغ. قال في الإحياء: وليس لأحد منعه من إزالة سائر المنكرات كما ليس له منع البالغ فإنه يعني الصبي وإن كان غير مكلف فهو من أهل القُرب وإنما يجب أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على قادر مكلف.
وتضمن منفعة الدار والعبد ونحوهما من كل مالَهُ منفعة تستأجر عادة كالدابة والسيارة بالتفويت للمنفعة بالاستعمال والفوات بالتعطيل عن الانتفاع كإغلاق الدار أو تسمير أبوابها أو منع المرور إليها والضمان يكون بأجرة المثل ولا يضمن منفعة البُضع وهو الفرج إلا بتفويت بالوطء فيضمنه بمهر المثل لأن اليد لا تثبت على البُضع إنما ثتبت على منفعة المرأة وكذا منفعة بدن الحرِّ لا تضمن إلا بالتفويت في الأصح فإن حبسه أو قهره ولم يستخدمه لم يضمن لأن الحرَّ لا يدخل تحت اليدِّ فمنفعته تفوت تحت يده وإذا نقص المغصوب بغير استعمال كعمى أو كسر أو قطع في حيوان وجب الأرش للنقص مع الأجرة له سليماً إلى حدوث النقص ومعيباً من حدوثه إلى الردِّ إلى المالك لفوات منافع المغصوب في يد الغاصب وأفتى البغوي بأن الأجرة أجرة صحيح من يوم غصبه إلى يوم ردّه وإذا ردّه معيباً فإلى يوم البرء.
وكذا لو نقص المغصوب به أي بالاستعمال بأن بليَ الثوب باللبس فقد وجب الأرش مع الأجرة في الأصح لأن كلاً منهما يجب ضمانه عند الإفراد فوجبا معاً عند الاجتماع.
? فصل في اختلاف المالك والغاصب ?
ادعى الغاصب تلفه أي تلف المغصوب وأنكر المالك صدق الغاصب بيمينه على الصحيح لأنه قد يصدق ويعجز عن البينة فيؤدي ذلك إلى دوام حبسه فإذا حلَفَ الغاصب غرّمَهُ المالكُ المثل إن كان مثلياً وإلا فالقيمة في الأصح لعجز المالك عن الوصول إلى عين ماله فلو اختلفا في قيمته بعد اتفاقهما على تلفه أو بعد حلف الغاصب أنه هلك أو اختلفا في الثياب التي على العبد المغصوب فقال المالك هي ثيابه التي حين اغتصبته كانت عليه فقال الغاصب بل هي لي أو اختلفا في عيب خلقي كأن قال الغاصب بعد تلفه كان أعمى أو أخرس أو مقطوع اليد وقال المالك بل كان سليماً وإنما تدعيه من نقص حدث عندك صدّق الغاصب بيمينه في المسائل الثلاث لأن الأصل براءة الغاصب من الزيادة في القيمة وعلى المالك إثباتها وأما في الثانية فلأن يده أي الغاصب على العبد وما عليه من ثياب وأما في الثالثة فالأصل العدم من العيب والبينة ممكنة وفي عيب حادث أي ادعاه الغاصب بعد تلف المغصوب يصدّق المالك بيمينه في الأصح لأن الأصل والغالب في المخلوقات السلامة أما إذا ردّه إليه معيباً فيصدق الغاصب لأن الأصل براءة الذمة. ولو رده ناقص القيمة بسبب كساد الأسواق لم يلزمه شيء لأنه لا نقص في ذاته ولا في صفاته وإنما الذي فات هو رغبات الناس.
ولو غصب ثوباً قيمته عشرة مثلاً فصارت قيمته بالرخص درهماً ثم لبسه أو ألبسه وكيله أو عبده فصارت قيمته نصف درهم فرده إلى مالكه لزمه خمسة وهو قسط التالف من أقصى القيم لأنه أتلف باللبس نصف الثوب ويلزمه أقصى القيم من الغصب إلى التلف أي يلزمه نصف العشرة أي يلزمه خمسة. قلت: ولو غصب خفين أي فردتي خف لأن كل واحدة تسمّى خفاً قيمتها عشرة أي قيمة الفردتين فتلف أحدهما وردَّ الآخر وقيمته منفرداً درهمان أو أتلف وهو معطوف على غصب أحدهما غصباً أي بعد أن غصبه أتلفه أو أُتلف أحدهما في يد مالكه لزمه ثمانية في الأصح خمسة هي قيمة التالف وثلاثة أرش ما حصل من التفريق فبتلف أحدهما فقد أدخل النقص على الثاني أما لو سرق أحدهما فتعتبر القيمة خمسة فقط احتياطاً للقطع ولو حدث في المغصوب نقص يسري إلى التلف بأن جعل الحنطة هريسة أو الثوب قميصاً أو الشاة لحماً فكالتالف لأنه غيّرَ صفته فيضمن بدله من مثل أو قيمته وفي قول يرده مع أرش النقص كالعيب الذي لا يسري ومثل ذلك لو تعفن الطعام بذاته لطول مُكْثٍ فيتعين أخذه مع أرشه قطعاً ولو جنى العبد المغصوب فتعلق برقيته مال وهو في يد الغاصب فوجب مال أو وجب قصاص فَعُفِيَ على مال لزمَ الغاصبَ تخليصُهُ لأنه نقص حدث في يده فهو مضمونٌ عليه بالأقل من قيمته والمال الواجب بالجناية لأن الأقل إن كان القيمة فهو الذي دخل في ضمانه أو المال فهو واجب غيره فإن تلف الجاني في يده أي في يد الغاصب غرَّمه المالك أقصى القيم من الغصب إلى التلف كسائر الأعيان
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/374)
المغصوبة وللمجني عليه تغريمه أي تغريم الغاصب لأن جناية المغصوب مضمونة عليه وإن يتعلق بما أخذه المالك من الغاصب لأنه بدل الرقبة والتي كان حق المجني متعلق بها ثم يرجع المالك بما أخذه المجني عليه منه على الغاصب لأنه أخذ منه بسبب جناية المغصوب الذي كان في يد الغاصب وقت الجناية ولو رُدَّ العبد الجاني إلى المالك فبيع في الجناية رجع المالك بما أخذه المجني عليه على الغاصب لأن الجناية حصلت حين كان مضموناً عليه ولو غصب أرضاً فنقل ترابها بالكشط من وجهها أو بالحفر أجبره المالك على رده إن بقي وإن غرم في رده أضعاف قيمته أو ردَّ مثله إن تلف لأن التراب مثلي كما تقدم وإعادة الأرض كما كانت من قبل النقل من استواء أو ارتفاع أو انخفاض لإمكان ذلك وللناقل الردّ للتراب وإن لم يطالبه المالك إن كان له فيه غرض كأن نقصت الأرض بنقله إليها أو ضاق به المتسع من المكان وإلا بأن لم يكن له غرض في الردِّ فلا يرده بلا إذن في الأصح لأنه تصرف في ملك غيره من غير إذنه فلا يردُّ إلا بإذنه ويقاس بما ذكرنا حفر البئر وطمّها إذ رغب في ذلك المالك وله ذلك إن لم يطالبه المالك لأن له فيه غرض صحيح وهو الدفع عن نفسه الضمان بسقوط أو تعثر أو تضييق أرض أما إذا رغب المالك ببقائه وقال رضيت ببقائه امتنع عليه الطمُّ وبريء من الضمان بذلك.
وإذا أعاد الأرض كما كانت ولم يبقَ نقصٌ فلا أرش لأن الموجب له معدوم لكن عليه أجرة المثل لمدة الإعادة من طمٍّ وتسوية وردٍّ لأنه وضع يده على أرض غيره تعدياً وإن بقي نقص في الأرض وجب أرشه معها أي مع الأجرة لاختلاف موجبهما ولو غصب زيتاً ونحوه من الأدهان كالسمن والشيرج وأغلاه فنقصت عينه دون قيمته بأن كان صاعاً وربع صاع بدرهم فأصبح صاعاً قيمته درهم رده لبقاء عينه ولزمه مثل الذاهب في الأصح لأن له بدلاً مقدراً وهو المثل ولا ينجبر نقصه بزيادة قيمته وإن نقصت القيمة فقط دون العين لزمه الأرش جبراً للنقصان وإن نقصتا أي العين والقيمة غرم الذاهب ورد الباقي من العين مع أرشه إن كان نقص القيمة أكثر بأن كان رطلين قيمتهما درهمان فصار بالإغلاء رطلاً قيمته أقل من درهم كنصف درهم مثلاً ردَّ الباقي ونصف درهم أما إذا كان الباقي رطل قيمته درهم فلا يغرم إلا قيمة الذاهب وهو درهم وأما إذا رده ولم تنقص القيمة ولا العين فلا أرش.
والأصح أن السِمَنَ الحادث في يد الغاصب لا يَجْبُرُ نقصَ هزال قبله أي حدث قبل السمن كأن غصب بقرة سمينة فهزلت عنده ثم سمنت لأن السمن الثاني غير الأول فلو نقصت قيمتها بالهزال ردها وأرشها هذا إذا رجعت قيمتها بالسمن الثاني على ما كانت عليه أما إذا نقصت قيمتها أعادها وأرشين أرش الهزال وأرش نقص القيمة والأصح أن تذكر صنعة نسيها يجبر النسيان لأن التذكر لا يُعَدُّ صنعة متجددة فالعائد عين الأول وتعلّم صنعة لا يجبر نسيان صنعة أخرى قطعاً لتغاير الصنعتين مع اختلاف الأغراض.
ولو غصب عصيراً فتخمر العصير ثم تخلل عند الغاصب فالأصح أن الخل للمالك لأنه عين ماله وعلى الغاصب الأرش إن كان الخل أنقص قيمةً من العصير لحصول النقصان في يد الغاصب فإن لم ينقص من قيمته شيء فلا شيء عليه غير الرد إلى المالك ولو غصب خمراً فتخللت أو جلد ميتة فدبغه الغاصب فالأصح أن الخل والجلد للمغصوب منه لأنها فرع ما اختص به المالك فالخل هو فرع العصير وإن كان لا قيمة للخمر والجلد المدبوغ هو فرع غير المدبوغ وإن كان نجساً غير محترم.
? فصل فيما يطرأ على المغصوب من زيادة وغيره ?
زيادة المغصوب إن كانت أثراً محضاً كقُصَارة لثوب وطحن لحبٍّ وضرب السبائك حُليّاً وضرب الطين لَبِناً وذبح الشاة وسلخها وشيها فلا شيء للغاصب بسببها لتعديه بعمله على ملك غيره وللمالك تكليفه رده كما كان إن أمكن ولو بكُلْفَةٍ كبيرة وأرش النقص إن نقصت القيمة عمّا كانت عليه وإن كانت الزيادة التي فعلها الغاصب عيناً كبناء وغراس كلف القلع وأرش النقص لما روى الترمذي وغيره من حديث سعيد بن زيد (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس لعَرَقٍ ظالمٍ حقٌ).
وأخرج الطبراني عن عبد الله بن عمر (من أحيا أرضاَ ميتةً فهي له وليس لعَرَقٍ ظالمٍ حقٌ)، ورواه الخطابي بالإضافة من غير تنوين (عَرقِ ظالم).
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/375)
ولو صبغ الغاصب الثوب بصبغة وأمكن فصله أي فصل الصبغ عن الثوب من غير إضرار بالثوب أجبر عليه في الأصح كالبناء والغراس في الأرض وللغاصب الفصل قهراً على المالك وعليه أرش النقص إن نقص الثوب ولو تراضيا على الإبقاء فهما شريكان ومحل هذا في الصبغ الذي يزيد المالية أما ما هو تمويه محض ولا يحصل منه زيادة مال ولم يحصل به نقص فليس للغاصب حق فيه ولا يستقل بفصله دون إذن المالك.
وإن لم يمكن فصله فإن لم تزد قيمته بالصبغ فلا شيء للغاصب فيه وإن نقصت لزمه الأرش لأن النقص حدث بفعل الغاصب.
وإن زادت قيمته بالصبغ اشتركا فيه أي اشتركا في الثوب كأن كانت قيمته تساوي عشرة فأصبحت بعد الصبغ خمسة عشر فهو بينهما أثلاثاً حتى ولو كانت قيمة الصبغ تساوي خمسة عشر لأن النقص على الغاصب وإن نقصت قيمته بسبب انخفاض الأسعار فأصبحت اثني عشر فالنقص عليهما لأنه في الثوب أو إن كان سبب النقص بسبب الصنعة والصبغ فعلى الصبغ فقط.
ولو خلط المغصوبَ بغيره وأمكن التمييز كحنطة مختلفة اللون أو حنطة بشعير لزمه التمييز وإن شقَّ عليه ليرده كما أخذه فإن تعذر التمييز كخلط زيت بمثله أو قمح بمثله ودراهم بمثلها فالمذهب أنه كالتالف سواءً خلطه بمثله أو أجود أو أردأ فله أي للمغصوب منه تغريمه أي الغاصب لأنه لما تعذر الردُّ فقد أشبه التالف و للغاصب أن يعطيه من غير المخلوط ومن المخلوط بالمثل أو الأجود دون الأردأ إلا أن يرضى بالأردأ دون أرشٍ لأن الحق انتقل إلى ذمة الغاصب فالقرار عليه لأن المختلط صار كالهالك ولو غصب خشبةً وبنى عليها ولم يخف من إخراجها تلفَ نفسٍ أو مالٍ أُخْرِجت وردت إلى مالكها وأرش نقصها إن نقصت مع أجرة المثل أما إن تعفنت بحيث لو أخرجت لم يكن لها قيمة فحكمها حكم التالفة ولو غصب خشبة وأدرجها في سفينةٍ فكذلك أي يلزمه إخراجها وردُّها إلى مالكها وأرش نقصها وأجرة المثل ما لم تصر لا قيمة لها إلا أن يخاف من إخراجها تلف نفس أو مال معصومين بأن كانت السفينة في البحر وكانت الخشبة أسفل السفينة فلا تنزع الخشبة إلى أن تصل السفينة الشطِّ ولو وطيء الغاصب الأمة المغصوبة عالماً بالتحريم أي تحريم وطئها حُدَّ على الوطء لأنه زنا وإن جهل تحريم الزنا مطلقاً أو بالأمة لقرب عهده بالإسلام ولم يكن لنا مخالطاً أو نشأ بعيداً عن العلماء فلا حدَّ عليه للشبهة وفي الحالتين أي حالة العلم وحالة الجهل يجب المهر لأنه استوفى المنفعة وهي غير زانية إن كانت جاهلة أو مكرهة إلا أن تطاوعه في الوطء عالمةً بالتحريم فلا يجب مهرٌ على الصحيح لأنها زانيةٌ وقد نهي عن مهر البغيِّ والبغيِّ هي الزانية لما روى الشيخان عن أبي مسعود البدري (أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن))، فيسقط حق السيد وعليها الحدُّ إن علمت بالتحريم وإن جهلت فلا حدَّ ولو كانت بكراً فزنى بها فعليه مهر بكر أو أرش البكارة مع مهر ثيِّب والمعتمد الثاني ووطء المشتري من الغاصب كوطئه أي كوطء الغاصب في الحدِّ والمهر وأرش البكارة فإن غَرِمَهُ أي غرم المشتريُ المهرَ لم يرجع به على الغاصب في الأظهر أي لا يرجع المشتري على الغاصب لأنه الذي انتفع وباشر الإتلاف وإن أحْبَلَ الغاصب أو المشتري منه المغصوبة عالماً بالتحريم فالولد رقيق للسيِّد غير نسيب لأنه من زنى وإن جَهِل التحريم فحرٌّ نسيبٌ للشبهة بالجهل وعليه أي الغاصب أو المشتري فيه للسيد قيمته حياً بتقدير رقِّه لتفويت الرقِّ على السيِّد يوم الانفصال لتعذُّرِ التقويم قبل الانفصال ويرجع بها أي بالقيمة المشتري على الغاصب لأنه غرَّه بالبيع وإن انفصل ميتاً بغير جناية فلا قيمة عليه أو كان الموت بسبب جناية فعلى الجاني ضمانه وللمالك تضمين الغاصب لأن يده عليه ومثل الغاصب المشتري من الغاصب ولو تلف المغصوب عند المشتري من الغاصب وغَرِمَهُ لمالكه لم يرجع به أي بما غَرِمَهُ على الغاصب سواءً أكان عالماً أم جاهلاً لأن المبيع بعد القبض من ضمان المشتري وكذا لو تعيّب عنده بآفةٍ لا يرجع بأرشه الذي غرمه على الغاصب في الأظهر لأن التعيّب بآفة من ضمان المشتري ولا يرجع بغرم منفعةٍ استوفاها كلُبْسٍ أو سكن أو ركوب في الأظهر لأنه استوفى مقابله ويرجع عليه بغرم ما تلف عنده من منفعة بغير استيفاء منه وبأرش نقص بنائه وغراسه إذا اشترى
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/376)
أرضاً وبنى عليها أو غرس فيها ثم بانت مستحقة للغير فلم يرضَ ببقاء ذلك فيها حتى نقض في الأصح لأنه غرَّه بالبيع وكلُّ ما لو غرمه المشتري رجع به على الغاصب كأجرة المنافع الفائتة تحت يده لو غرمه الغاصب لم يرجع على المشتري لأن القرار عليه لا على المشتري وما لا أي وكل ما لو غرمه المشتري لم يرجع به على الغاصب كقيمة العين ومنافع استوفاها فيرجع الغاصب به على المشتري لأن القرار عليه لتلفه في يده قلت: وكلُّ من انبنت يده على يد الغاصب فكالمشتري فيما ذكر من أحكام والله أعلم فقد مرَّ أول الباب أن الأيدي المترتبة على يد الغاصب هي أيدي ضمان.
مسائل:
1) لو زادت قيمة الجارية المغصوبة بتعلّم الغناء ثم نسيته فقد نقل الروياني عن نص الشافعي: أنه لا يضمن النقص لأنه محرّم وإنما يضمن المباح.
2) دخل فصيلُ ناقةٍ – أي ولدها - في بيت رجل آخر ولم يمكن إخراجه إلا بنقض البناء فإن كان بتفريط صاحب البيت بأن غصبه وأدخله نقض البيت ولم يغرم صاحب الفصيل شيئاً وإن كان بتفريط صاحب الفصيل نقض البناء ولزمه أرش النقض وإن دخل بنفسه نقض أيضاً ولزمه – صاحب الفصيل – أرش النقض.
3) وقع مالٌ في جرَّة ضيقة العنق ولا يمكن إخراجه إلا بكسرها فإن وقع بفعل صاحب الجرة عمداً أو سهواً كسرت ولا غرم على صاحب المال وإن وقع بفعل صاحب المال أو بلا تفريط من أحدهما كسرت وعلى صاحب المال الأرش.
4) أدخلت بهيمة رأسها في قدر ولم يمكن إخراجه إلا بكسرها فإن كان معها صاحبها فهو مفرّط بترك الحفظ فإن كانت غير مأكولة كسرت القدر وعليه أرش النقض وإن كانت مأكولة فلا تذبح لذلك وتكسر القدر وعلى صاحبها الأرش لتفريطه أما إذا تعدّى صاحب القدر بوضعها بموضع لا حَقَّ له فيه أو له حقٌ فيه ولكنه قدر على دفع البهيمة فلم يدفعها فلا أرش.
? كتاب الشُفْعَةِ ?
تقول شفعت الشيء إذا ضممته سُمّيت بذلك لضم نصيب الشريك إلى نصيبه وهي بمعنى التقوية أو الزيادة والشفعة شرعاً هي حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الحادث بسبب الشركة فيما ملك بعوض والأصل فيه قبل الإجماع
وأخبار منها:
1) خبر الشيخين عن جابر (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة فيما لم يُقْسم فإذا وقعت الحدود وجرفت الطرق فلا شفعة).
2) خبر مسلم عن جابر (أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل شرك ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيعه حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك وإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به). وله عن جابر أيضاً: الشفعة في كل شرك: ربع أو حائط.
3) خبر الشافعي عن جابر: الشفعة فما لم يُقسَّم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة وأما الإجماع فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دار أو حائط.
والذي تثبت به الشفعة هو العقار ويجب أن نعلم أن الأعيان ثلاثة أضرب، أحدها: المنقولات فلا شفعة فيها سواءً بيعت وحدها أو مع الأرض. الثاني: الأرض وقد ثبتت فيها الشفعة سواءً بيع الشقص (أي الجزء من العقار) منها وحده أم مع شيء من المنقولات. الثالث: ما كان منقولاً ثم أثبت في الأرض كالأبنية والأشجار فإن بيعت منفردة فلا شفعة فيها على الصحيح وإن بيعت الأرض وحدها ثبتت الشفعة فيها وصار الشفيع معه كالمشتري وإن بيعت الأبنية والأشجار مع الأرض ثبتت الشفعة فيها تبعاً للأرض فلو كان على الشجرة ثمرة مؤبرة لم تثبت فيها الشفعة لأنها لا تدوم في الأرض وإن كانت غير مؤبرة دخلت في المبيع قال المصنف: لا تثبت في منقول بل تثبت في أرض وما فيها من بناء وشجر تبعاً لها وكذا ثمر لم يؤبر تثبت فيه تبعاً للأرض في الأصح لأنه يتبع الأصل في البيع لحديث مسلم عن جابر: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربَعة أو حائط، والربع هو المنزل والحائط هو البستان.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/377)
فلا شفعة في حُجرةٍ بنيت على سقف غير مشترك بينهما لأنه لأرض لها سواء أكان السقف لأحدهما أو لثالث غيرهما. وكذا مشترك في الأصح أي حتى ولو كان السقف مشتركاً لأن السقف الذي هو قرار لها لا ثبات له أما لو اشتركا في سُفلٍ واختص أحدهما بعلوه فباع صاحب العلو علوه مع نصيبه من السُفل أخذ الشريك هذا فقط لأن العلو لا شركة فيه ويجري ذلك في أرض مشتركة فيها شجر لأحدهما فباعه مع نصيبه من الأرض فالشفعة في الأرض بحصتها من الثمن لا في الشجر وكل ما لو قسم بطلت منفعته المقصودة التي وجد لها بأن لا ينتفع به بعد القسمة من الوجه الذي كان ينتفع به قبل القسمة كحمام ورحى أي طاحونة أي ومكان الطاحونة إذا كانا صغيرين لا يمكن تعددهما لا شفعة فيه في الأصح سواء قلنا إن ثبوت الشفعة دفع ضرر المؤنة واستحداث المرافق أو قلنا: إن ثبوت الشفعة دفع ضرر الشركة فيما يدوم وكلا الضررين حاصل قبل البيع ومن حق الراغب فيه من الشريكين أن يخلص صاحبه منه بالبيع له فلما باعه لغيره سلطه الشرع على أخذه منه فعلم ثبوتها لكل شريك يجبر على القسمة كمالك عُشْرِ دار صغيرة باع شريكه بقيتها فتثبت له الشفعة بخلاف عسكه لأن الأول وهو مالك العُشْر يُجْبَرُ على القسمة دون الثاني.
ولا شفعة إلا لشريك في رقبة العقار فلا تثبت للجار لخبر البخاري عن جابر (إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل ما لم يُقْسَم).
ولو باع داراً وله شريك في ممرها التابع لها وذلك بأن كان الدرب غير نافذ فلا شفعة له فيها لانتفاء الشركة فيها فأشبه ما لو باع عقاراً غير مشترك وشقصاً مشتركاً والصحيح ثبوتها في الممر بحصته من الثمن إن كان للمشتري طريق آخر إلى الدار أو أمكن من غير مؤنة كبيرة فتح باب إلى شارع لإمكان الوصول إليها من غير ضرر وإلا أي وإذا لم يكن شيء من ذلك فلا تثبت فيه لما فيه من إضرار المشتري والضرر لا يزال بالضرر أما الدرب النافذ فغير مملوك لأحد فلا شفعة فيه وإنما تثبت الشفعة فيما ملك بمعاوضة ملكاً لازماً متأخراً سببه عن سبب ملك الشفيع أي تكون بعده لا قبله كمبيع ومهر وعوض خلع وصلح دم ونجوم كتابة وأجرة ورأس مال سلم فلا شفعة فيما ملك بغير معاوضة كالإرث والوصية والهبة بلا ثواب ولو شُرِطَ في البيع الخيار لهما أي للمتبايعين أو للبائع وحده لم يُؤخذ بالشفعة حتى ينقطع الخيار سواءً في ذلك أقلنا إن الملك في زمن الخيار للبائع أو المشتري أو لهما وإن شُرِطَ الخيار للمشتري وحده فالأظهر أنه يُؤخذ بالشفعة إن قلنا الملك للمشتري في زمن الخيار نظراً لأنه لا حق فيه لغيره فهو آيل إلى اللزوم والآيل إلى اللزوم كاللازم. وإلا إن قلنا الملك في زمن الخيار للبائع أو موقوف فلا يؤخذ بالشفعة لعدم زوال الملك ولو وَجَدَ المشتري بالشقص عيباً وأراد رده بالعيب وأراد الشفيع أخذه ويرضى بالعيب فالأظهر إجابة الشفيع لثبوت حقه بعد البيع ولو اشترى اثنان داراً أو بعضها فلا شفعة لأحدهما على الآخر لأنهما تملكا في وقت واحد فلا تقدم لأحدهما على الآخر.
ولو كان للمشتري شِرْكٌ أي نصيب كأن كانت بين ثلاثة أثلاثاً فباع أحدهم نصيبه لأحد صاحبيه فالأصح أن الشريك لا يأخذ كل المبيع بل يأخذ حصته وهي السُدس في مثالنا لاستوائهما في الشركة ولا يشترط في التملك بالشفعة حكم حاكم ولا إحضار الثمن ولا حضور المشتري أي الذي اشترى من المالك ولا يشترط رضاه بل يوجد حق الشفيع فهو المستحق شرعاً ويشترط لفظ من الشفيع كتملكت أو أخذت بالشفعة وأن يعلم الثمن ويشترط مع ذلك إما تسليم العوض إلى المشتري فإذا سلمه العوض وجب تسليم المبيع للشفيع فإن امتنع الزمه الحاكم وقبض عنه الثمن وملك الشفيع الشقص لأن المشتري وصل إلى حقه وإمّا رضا المشتري يكون العوض في ذمته أي بذمة الشفيع وإمّا قضاء القاضي له بالشفعة أي بثبوتها إذا حضر مجلسه وأثبت حقه فيها وطلب هذا الحق فيملك به في الأصح أي بحكم القاضي.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/378)
ولا يتملك شقصاً لم يره الشفيع على المذهب وليس للمشتري منعه من الرؤية وقيل يتملكه إذا صححنا بيع الغائب بشرط أن يكون له الخيار عند الرؤية والقائل بالأول بناءً على منع بيع الغائب ولأن الأخذ بالشفعة قهري فلا يناسبه إثبات الخيار فيه إن تملكه الشفيع بغير دفع الثمن فلا يُجبر المشتري على تسليمه حتى يأخذ الثمن لئلا يجتمع على المشتري قهران، الرد والتأجيل.
? فصل فيما يؤخذ به الشقص وفي الاختلاف في قدر الثمن ?
إذا اشترى بمثلي أخذَهُ الشفيع بمثله كقمح أو نقد وجب مثله لأنه الأقرب إلى حقه فإن كان المثلي منقطعاً وقت الأخذ عدل إلى القيمة كالغصب أو بمتقوم من سيارة أو ثوب فبقيمته يوم البيع أخذه بقيمة ذلك المتقوم لا بقيمة الشقص لأن ما يبذله الشفيع في مقابله ما يبذله المشتري وقيل يوم استقراره بانقطاع الخيار والمراد بيوم أي وقت البيع لأنه وقت إثبات العوض أو اشترى بمؤجل فالأظهر أنه مخير أي الشفيع بين أن يعجل الثمن للمشتري ويأخذ الشقص في الحال أو يصبر إلى المحِلِّ أي وقت الحلول ويأخذ دفعاً للضرر لأننا لو جوزنا الأخذ بالمؤجل لأضررنا بالمشتري لأن الذمم تختلف وإن ألزمناه الأخذ في الحال لأضررنا بالشفيع لأن الأجل يقابله قسط من الثمن عادة فكان ذلك دفعاً للضررين ولو بيع شقص وغيره أخذه بحصته من القيمة أي بيع معه منقولٌ كسيف وثوب صفقة واحدة وزع الثمن عليهما على اعتبار قيمتهما وأخذ الشفيعُ الشقصَ بحصته من الثمن يوم البيع ويؤخذ الشقص الممهور لامرأة بمهر مثلها يوم النكاح وكذا شقص هو عوض خلع فيؤخذ بمهر مثلها يوم الخلع سواء أنقص عن قيمة الشقص أم لا ولو اشترى بجُزاف أي من غير معرفة بعدد أو كيل أو وزن كأن اشترى بكف من الدراهم لا يعلم مقدارها أو صبرة حنطة لا يعلم كيلها وتلف الثمن ولم يُعْلم قدره امتنع الأخذ لعدم معرفة الثمن فإن عين الشفيع قدراً وقال المشتري لم يكن معلوماً القدر حلف المشتري على نفي العلم أي أنه لا يعلم قدره.
وإن ادعى الشفيع علمه أي المشتري بالثمن ولم يعين الشفيعُ للمشتري لم تسمع دعواه في الأصح لأنه ادعاء بمجهول فالدعوى فيه غير ملزمة ولكن للشفيع أن يدعي قدراً ويحلف المشتري ثم آخر ويحلفه وهكذا حتى يقرَّ أو ينكل عن اليمين فيستدل الشفيع أنه الثمن فيحلف ويأخذ بالشفعة لأن الظنَّ المؤكد كاليقين في جواز الحلف.
وإذا ظهر الثمن مستحِقّاً للغير ببينة أو غيرها فإن كان معيناً كأن اشترى بهذه السيارة وكانت السيارة مستحقَّة للغير بطل البيع لأنه بغير ثمن والشفعة لترتبها على البيع وخروج النقد مزوراً كخروج الثمن مستحقاً. وإلا بأن كان الثمن في الذمة وخرج المدفوع عما في الذمة مستحقاً أبدل المدفوع وبقيا أي البيع والشفعة بحالهما وللبائع حبس الشقص إلى أن يقبض الثمن ولم يبطل البيع والشفعة هنا لأن البيع لم يكن بمعين والمعين مستحق فالبيع في الذمة له دفعه من أي مال وإن دفع الشفيع مستحقاً للغير لم تبطل شفعته لعذره وكذا إن علم في الأصح لأن الشفعة لا تستحق بمال معين إنما الشفعة حق قررته الشريعة وتصرف المشتري في الشقص كبيع ووقف وإجارة وهبة صحيح لأنه ملكه وللشفيع نقض ما لا شفعة فيه كالوقف والهبة والإجارة وأخذه أي الشقص ويتخير فيما فيه شفعة كبيع إصداق بين أن يأخذ البيع الثاني والإصداق أو ينقض ويأخذ بالأول لأن كلاً منهما صحيح وربما كان أحدهما أيسر عليه ولو اختلف المشتري والشفيع في قدر الثمن ولا بينة أو أقاما بينتين متعارضتين صدق المشتري بيمينه لأنه أعلم بما باشره ودفعه من ثمن من الشفيع فإن نكل المشتري عن اليمين حلف الشفيع وأخذ بما حلف عليه وكذا لو أنكر المشتري الشراء ولو كان الشقص بيده أو أنكر المشتري كون الطالب للشفعة شريكاً فيصدق المشتري بيمينه لأن الأصل عدم الشراء أو عدم الشفعة فإن اعترف الشريك القديم بالبيع فالأصح ثبوت الشفعة لشريكه عملاً بإقراره ويسلم الثمن إلى البائع إن لم يعترف بقبضه من المشتري وإن اعترف بقبضه منه فهل يترك في يد الشفيع أم يأخذه القاضي ويحفظه لمالكه لأنه مال ضائع فيه خلاف سبق في الإقرار نظيره فيما إذا كذَّب المُقَرُّ له المُقِرَّ بمال كثوب مثلاً فإنه يترك بيد المُقِرّ في الأصح ولو استحق الشفعة جمع أخذوا على قدر الحصص وفي قول على قدر الرؤوس فإن كان لواحد النصف ولآخر الثلث
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/379)
ولآخر السدس من دار فباع صاحب النصف حصته أخذ الأول ثلثي النصف وأخذ الآخر ثلث النصف وقيل يتساويان والصحيح الأول لأن الشفعة من مرافق الملك فتتقدر بقدره. ولو باع أحد الشريكين نصف حصته لرجل ثم باقيها لآخر فالشفعة في النصف الأول للشريك القديم لأنه ليس معه حال البيع شريك غير البائع والأصح أنه إن عفا الشريك عن النصف الأول شاركه المشتري الأول في النصف الثاني لأن ملكه قد سبق البيع الثاني واستقر الملك بعفو الشريك وإلا بأن لم يعفُ الشريكُ القديمُ عن النصف الذي اشتراه الأول بل أخذه منه فلا يشارك المشتري الأول الشريك القديم لأنه لا ملك له. والأصح أنه لو عفا أحد شفيعين عن كامل حقه أو بعضه سقط حقه من الشفعة. وتخير الآخر بين أخذ الجميع وتركه كالشفيع المنفرد وليس له الاقتصار على حصته لئلا تتبعض الصفقة على المشتري فيتضرر والأصح أن الواحد إذا أسقط بعض حقه سقط كله كالقصاص وقيل إن رضي المشتري فلا بأس بأخذ البعض وترك البعض حيث أن الحق في تفريق الصفة هو للمشتري. ولو حضر أحد شفيعين فله أخذ الجميع في الحال لا البعض لتيقن استحقاقه وحتى لا تتبعض الصفقة على المشتري. والأصح أن له تأخير الأخذ إلى قدوم الغائب لوجود العذر بغياب من يشاركه في الاستحقاق ولا يشترط الإعلام بالطلب لأنه حق ثابت شرعاً تأخرت المطالبة به للعذر. ولو اشتريا شقصاً فللشفيع أخذ نصيبهما لأن له الحق فيه ونصيب أحدهما لأنه لم يفرق عليه ملكه ولو اشترى واحد من اثنين فله أي للشفيع أخذ حصة أحد البائعين في الأصح لتعدد الصفقة بتعدد البائعين والأظهر أن الشفعة أي طلب الشفعة على الفور وإن تأخر التملك لخبر ضعيف يستأنس به فقد روى البزار وابن ماجة عن ابن عمر (الشفعة كحَلّ العقال).
وذكر ابن حزم والقاضي أبو الطيب والماوردي عن ابن عمر (الشفعة كحَلّ العقال) وفي رواية الشفعة (لمن واثبها). فإذا علم الشفيع بالبيع فليبادر عقب علمه على العادة التي ذكرناها في ردِّ المبيع بالعيب فإن كان مريضاً أو محبوساً أو غائباً عن بدل المشتري وعجز عن الطلب بنفسه أو خائفاً من عدو فليوكل في طلب الشفعة إن قدر على التوكيل وإلا يقدر فليشهد على الطلب لها فإن ترك المقدور عليه منهما أي من التوكيل والإشهاد بطل حقه في الأظهر لتقصيره المشعر بالرضا وقوله في الأظهر يدل على أن الصحيح أن حقه لا يبطل والأول هو المعتمد وإن عبر بالأظهر فإذا كان في صلاة أو حمام أو طعام فله الإتمام كالعادة ولا يلزمه قطعها أو الاقتصار على أقل ما يجزيء في الصلاة وكذلك لو كان في حاجة إلى طعام أو دخول حمام جاز له تقديمها على طلب الشفعة ولو أخر الطلب للشفعة وقال لم أصدق المخبر لم يعذر إن أخبره عدلان بأن شريكه باع الشقص سواء في ذلك رجلان أو رجل وامرأتان. وكذا ثقة في الأصح حرٌّ أو عبد أو امرأة ويعذر إن أخبره من لا يقبل خبره كالكافر والفاسق والصبي أما إن تواتر الخبر فلا يعذر ولو لم يخبره عدلٌ ولو أُخبر بالبيع بألف فترك فبان بخمسمائة بقي حقه لأن الترك كان بسبب خبر كاذب ومثله لو كذب عليه في اسم المشتري أو قدر المبيع أو جنس الثمن أو نوعه أو في كونه حالّاً أو مؤجلاً ولو لقي الشفيعُ المشتريَ فسلّم عليه أو سأل عن الثمن أو قال له بارك الله لك في صفقتك لم يبطل حقه أما في الأولى فلأن السلام حق على المسلم وأما في الثانية فلعله يريد معرفة الثمن لأنه لا يعرفه وأما في الثالثة فلعله يدعو أن يأخذ صفقة مباركة وفي الدعاء وجه أنه يبطل حقه في الشفعة لأنه يغلب فيه الرضا بفعل المدعو له ولو باع الشفيع حصته أو وهبها جاهلاً بحقه في الشفعة في نصيب شريكه فالأصح بطلانها لزوال سببها وهو الملك وقيل لا تبطل لوجود حقه حال البيع هذا إذا لم يعلمْ أما إذا علم بطل حقه جزماً.
?كتاب القراض ?
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/380)
هو بكسر القاف لغةُ أهل الحجاز مشتق من القرض يتصرف فيها وقطعة من الربح وأهل العراق يسمونها المضاربة لما فيه من الضرب في الأرض وهو السفر للتجارة قال تعالى: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله) المزمل 20. وينعقد بلفظ المضاربة والقراض وبكل ما يؤدي معناهما لأن القصد المعنى فجاز بكل ما دلَّ عليه والأصل فيه الإجماع قال ابن حزم في مراتب الإجماع: كل أبواب الفقه فلها أصل من الكتاب والسنة حاشا القراض فما وجدنا له أصلاً فيهما البتة ولكنه إجماع صحيح مجرد والذي نقطع به أنه كان في عصره صلى الله عليه وسلم فعلم به وأقره ولولا ذلك لما جاز.
وأبيح قياساً على المساقاة لأن المساقاة إنما جوزت للحاجة من حيث أن مالك النخيل قل لا يحسن تعهدها ولا يتفرغ له ومن يحسن العمل قد لا يملك ما يعمل فيه وهذا المعنى موجود في القراض.
وروى البيهقي بسنده إلى الشافعي أنه بلغه عن حميد بن عبد الله الأنصاري عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب أعطاه مال يتيم مضاربة يعمل به في العراق.
وروى مالك في الموطأ والشافعي عنه عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب لقيا أبا موسى الأشعري بالبصرة عند منصرفهما من غزوة نهاوند فتسلفا منه مالاً وابتاعا به متاعاً وقدما به المدينة فباعاه وربحا فيه فأراد عمر أخذ رأس المال والربح كله فقالا له: لو تلف كان ضمانه علينا فكيف لا يكون ربحه لنا؟ فقال رجل هو عبد الرحمن بن عوف لأمير المؤمنين: لو جعلته قِراضاً فقال: قد جعلته وأخذ منهما نصف الربح.
فهذا يدل على جواز القراض ولأن المال لا ينمو إلا بالتقليب والتجارة وليس كل من يملك المال يحسن التجارة ولا كل من يحسن التجارة له مال فاحتيج إليها من الجانبين فشرعت للحاجة وقياساً على المساقاة كما ذكرنا.
قال المصنف رحمه الله القِراض والمضاربة والمقارضة أن يدفع إليه أي يدفع المالك إلى شخص مالاً يتَّجر فيه والربح مشترك بينهما ويشترط لصحته كون المال دراهم أو دنانير وهو النقد المضروب لأنه ثمن الأشياء فلا يجوز على تبر وهو الذهب الذي لم يعمل دنانير ويختم عليه ختم السلطان ويطلق على الفضة مجازاً لأنها ثمينة الأشياء كالذهب. وحلي وسبائك لعدم انضباط قيمتها ومغشوش وهو الذي فيه نسبة من النحاس فعندما نقول عيار 21 نقصد أن الذهب فيه 21 ÷ 24 والغش 3 ÷ 24 وعندما نقول ذهب عيار 19 نقصد أن الذهب فيه 19 ÷ 24 والنحاس وغيره 5 ÷ 24 وهكذا وقد ذكرنا سابقاً أنه إن راجت وعلم قدر الغش فيها وانضبط ذلك فقد جاز التعامل فيها دون حرج وعروض مثلية كانت أو متقومة لعدم انضباط الأثمان ولأن القراض عقد غرر فلا يضاف إليه غرر آخر.
وكونه معلوماً قدره وجنسه وصفته فلا يجوز على نقد مجهول القدر ولا على ألف لم يذكر صفتها معيناً فيمتنع القراض على منفعة أو ما في ذمته أو في ذمة غيره وعلى إحدى الصرتين للجهل وقيل يجوز على إحدى الصرتين إن عَلِمَ ما فيهما وتساويا جنساً وقدراً وصفة فيتصرف العامل في أيهما شاء والأصح المنع لعدم التعيين كالبيع نعم إن سلمه إحداهما في مجلس العقد جاز ذلك ومُسَلَّماً إلى العامل بحيث تستقل يده به ولو بعد العقد أو بعد مجلس العقد لكن قبل مباشرة العمل. فلا يجوز شرط كون المال في يد المالك يدفع الثمن بعد الشراء لأنه ينافي استقلال العامل بالعمل ويجوز شرط عمل غلام المالك معه بشرط عدم تصرفه على الصحيح كما يُعطى الدكان والميزان ليكون له عوناً. ووظيفة العامل التجارة وتوابعها وهي ممارسة البيع والشراء وابتغاء الربح لا بالحرفة كالطحن والخبز فإن فاعلها يسمى محترفاً لا تاجراً. كنشر الثياب وطيها وذرعها ومسح الغبار عنها ووضعها في مكان نظيف وقبض الثمن وحفظه فلو قارضه ليشتري حنطة فيطحن ويعجن ويخبز ويبيع ذلك أو يشتري غزلاً مثلاً ينسجه ويبيعه والربح بينهما فسد القراض وفي الصورتين لأن القراض هو مزاولة البيع والشراء وشرع للحاجة وهذه الأمور يمكن استئجار عمال عليها ولكن لو اشترى حنطة فطحنها لرواج الطحين من غير شرط جاز لأنه من لوازم التجارة ولا يجوز أن يشرط عليه شراء متاع معين كهذه السيارة أو هذا الثوب لأن ذلك تضييق على العامل وعدم إطلاق ليده فيما يراه مناسباً. أو نوع معين يندر وجوده كزيت منطقة صغيرة أو عسل جبل مجهول أو تمر نخل نادر الوجود أو خيل بلق
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/381)
وهي التي يختلط فيها السواد والبياض أو ياقوت أحمر لندرة ذلك أو معاملة شخص بعينه كقوله لا تبع إلا لزيد ولا تشترِ إلا منه لأن المتاع المعين قد لا يربح والنادر قد لا يجده الشخص بخلاف ما لو منعه من معاملة شخص فللمالك ذلك لأنه لا تضييق فيه ولا يشترط بيان مدة القراض لأن الربح المقصود لا ينضبط وقته عادة فلو ذكر مدة ومنعه التصرف أو البيع بعدها فسد العقد لأنه قد يأتي راغب في الشراء لسلعة عنده أو قد لا يربح في المدة السابقة وإن منعه الشراء كقوله قارضتك سنة ولا تشترِ بعدها فلا يفسد العقد لحصول الربح في البيع بعدها لأنه قد يكون للمالك غرض صحيح بمعرفة ربحه وخسارته وأن ما يقوم به العامل صحيحاً مربحاً أم لا نفع فيه ويشترط اختصاصهما بالربح فيمتنع شرط جزء من الربح لثالث واشتراكهما فيه ليأخذ المالك بماله والعامل بعمله ولو قال قارضتك على أن كل الربح لك فقراض فاسد لأنه مخالف لمقتضى العقد وللعامل أجرة المثل لأنه عمل طامعاً إن علم الفساد حيث نظرنا إلى اللفظ ولو قال المالك خذ هذا المال وتصرف فيه والربح كله لي فهو إبضاع. وإن قال كله لي فقراض فاسد ولا أجرة للعامل في هذه الحالة لأنه غير طامع في الربح وقيل إبضاع أي توكيل بالتجارة بلا جُعْلٍ حيث نظرنا إلى المعنى ولا يمكن أن يكون قرضاً لأنه لم يملِّكْهُ أما لو قال المالك للعامل خذ هذا المال وتصرف فيه والربح كله لك فهو قرض صحيح.
ويشترط كونه أي المشترط من الربح معلوماً بالجزئية كالنصف أو الثلث فلو قال قارضتك على أن لك فيه أي الربح شركة أو نصيباً فسد لما في العقد من غرر أو على أن الربح بيننا فالأصح الصحة ويكون نصفين كقوله الربح بيني وبينك وهو المتبادر عرفاً ولو قال: لي النصف وسكت عن نصيب العامل فسد في الأصح لانصراف الربح إلى المالك لأن الربح نماء ماله وقيل يعني المناصفة لأن المالك ذكر مالَهُ وترك الباقي لأنه نصيب العامل ولو قال لك النصف صح على الصحيح لأن الربح هو فائدة مال المالك فهو له إلا ما ينسب إلى العامل ولو شرط لأحدهما عشرة من الربح والباقي منه بينهما فسد لأن شرط المقارضة أن يكون الربح بالجزئية كثلث أو ربع أو نصف وغير ذلك أو ربح صنف فسد لأن الربح في الحالة الأولى قد ينحصر بالعشرة وفي الحالة الثانية قد ينحصر في ذلك الصنف فيفوت على الآخر الربح.
? فصل في بيان الصيغة وما يشترط في العاقدين?
يشترط في القراض إيجاب وقبول كغيره من العقود وقيل يكفي القبول بالفعل كالوكالة والجعالة فلو قال المالك قارضتك أو ضاربتك أو عاملتك أو خذ هذه الدراهم واتجر فيها على أن الربح بيننا فأخذها العامل صح. كوكيل وموكل لأن المالك كالموكِّل والعامل كالوكيل. ويجوز لولي الطفل والمجنون أن يقارض بمالهما سواء في ذلك الأب والجدِّ والوصي والحاكم لخبر البيهقي عن حميد بن عبد الله الأنصاري أن عمر بن الخطاب أعطى جده مال يتيم ليتجّر به في العراق ولو قارض العامل آخر بإذن المالك ليشاركه في العمل والربح لم يجز في الأصح لأنه خلاف موضوع القراض فشرط القراض صاحب مال وعامل أما هنا فالعاقدان لا مال لهما والثاني أنه يجوز كما لو قارض المالك اثنين ابتداءً أما لو قارضه بالإذن لينفرد العامل الجديد بالعمل والربح فهو عقد جائز والأول وكيل للمالك والثاني عامل مستقل ومقارضة آخر بغير إذنه إذن المالك تصرف فاسد لما فيه من الأفتيات على المالك.
فإن تصرَّفَ الثاني بغير إذن المالك فتصرف غاصب فيضمن ما تصرف فيه لأن الإذن تصرف ممن ليس مالكاً ولا وكيلاً فإن اشترى في الذمة وسلم الثمن من مال القراض وربح فيما اشترى وقلنا بالجديد وهو أن الربح كله للغاصب فالربح جميعه هنا للعامل الأول في الأصح لأن الشراء صحيح وتسليم المال من مال القراض هو الفاسد فيضمن ما سلمه والعامل الثاني وكيلاً للأول وعليه للثاني أجرته لأن العامل الثاني لم يعمل مجاناً وقيل هو للثاني لأنه لم يتصرف بإذن المالك فأشبه الغاصب وإن اشترى بعين مال القراض فباطل أي اشترى الثاني بمال القراض فشراؤه باطل لبطلان شراء الفضولي ويجوز أن يقارض الواحد اثنين متفاضلاً أو متساوياً كأن شرط لأحدهما ثلث الربح وللآخر ربعه فإن أبهم لم يجز ويصح أن يقارض الاثنان واحداً على أن يبيِّنا نصيب العامل من الربح ويكون الربح بعد نصيب العامل بينهما بحسب المال
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/382)
فلو قالا لك من نصيب فلان ربع الربح ومن نصيب فلان ثلث الربح جاز وإن قالا لك ربع ربح أحدنا وثلث ربح الآخر وأبهما لم يجز للغرر إلا إذا تساوى قدر ماليهما.
وإذا فسد القراض نفذ تصرف العامل للإذن الصحيح في التصرف كالوكالة الفاسدة والربح جميعه للمالك لأنه نماء ملكه وعليه للعامل أجرة مثل عمله لأنه لم يعمل مجاناً سواء كان في المال ربح أم لا إلا إذا قال المالك قارضتك وجميع الربح لي وقبل العامل فلاشيء له في الأصح لرضاه بالعمل مجاناً وقيل له أجرة المثل ككل صور الفساد ويتصرف العامل محتاطاً في تصرفه كتصرف الوكيل لا بغَبْنٍ في بيع أو شراء ولا يبيع نسيئة بلا إذن فإن أذن المالك فلا بأس وإذا باع نسيئة فليشهد ولا يشتري نسيئة إلا بإذن المالك لأن المال له والعهدة عليه وله البيع بِعَرْضٍ بخلاف الوكيل لأنه من مصالح التجارة ويجوز للعامل شراء المعيب إذا رأى في ذلك مصلحة وله الردُّ بعيب تقتضيه مصلحةٌ دون إذن المالك بخلاف الوكيل لأن للعامل حقاً في المال. فإن اقتضت الإمساك فلا يرد في الأصح لإخلاله بالمقصود وللمالك الردَّ لأنه أولى من العامل بالمال فإن اختلفا فأراد أحدهما الردَّ وأراد الآخر الإبقاء عُمِلَ بالمصلحة لأن كلاً منهما له حق في الردِّ فإن استوى الأمران يرجع إلى العامل لأنه أقدر على معرفة المصلحة ولا يعامل العامل المالكَ بأن يبيعه شيئاً من مال القراض لأن المال له فيؤدي ذلك إلى بيع ماله بماله ولا يشتري للقراض بأكثر من رأس المال فلو دفع إليه مائة قراضاً فاشترى به سيارة ثم اشترى أخرى بمائة أخرى لم يقع الثاني للقراض بل ينظر إن كان اشتراها بعين المائة فالشراء باطل سواء اشترى الأول بعين المائة أو في الذمة وإن اشتراها أي الثانية في الذمة وقع له أي للعامل كما في شراء الوكيل المخالف ولا يشتري من يعتق على المالك من أصوله أو فروعه أو من أقرَّ بحريته بغير إذنه لأن مقصود القراض الربح وهذا خسران كله وكذا زوجَهُ لا يشتريه العامل ذكراً كان أو أنثى في الأصح للضرر على المالك ولو فعل العامل ذلك فاشترى قريب المالك أو زوجَه لم يقع للمالك لئلا يتضرر بتفويت المال أو انفساخ النكاح ويقع الشراء للعامل إن اشترى في الذمة أي في الحالتين بأن اشترى بأكثر من رأس المال أو اشترى من يعتق على المالك أما إذا اشترى بعين مال القراض فيبطل التصرف من أصله ولا يسافر بالمال بلا إذن ولو سفراً قصيراً لما في السفر من الخطر فلو سافر بالمال من غير إذن ضمنه وأما السفر الخطر أو إلى الأماكن الخطرة فيحتاج إلى إذن خاص ينص عليه ولا ينفق منه على نفسه حضراً كذا سفراً في الأظهر لأن له نصيباً من الربح فلا يستحق غيره ولأن النفقة قد تستغرق الربح كله وقد تزيد عليه وعليه أي العامل فعل ما يعتاد كطي الثوب ووزن الخفيف كذهب ومسك لقضاء العرف بذلك وإن لم يعتده لا الأمتعة الثقيلة فليس عليه وزنها ونحوه أي ونحو الوزن كالنقل والحمل وما لا يلزمه من العمل لهالاستئجار عليه من مال القراض، لأنه من مصالح التجارة أما لو تولاه بنفسه فلا أجرة له على ذلك لأنه متبرع بالعمل وما يأخذه الظلمة والمرتشون وعمال المكس يحسب من مال القراض لأنه من مصلحته.
والأظهر أن العامل يملك حصته من الربح بالقسمة لا بالظهور لأن الملك قبل القسمة مالٌ غير مستقر لأنه لو حصل بعدها خسران جبر من الربح لأنه لا يستقر الملك إلا إذا نضّ رأس المال أو فسخ العقد وثمار الشجر والنتاج وكسب الرقيق والمهر الحاصلة من وطئ أمة القراض بشبهة من مال القراض يفوز بها المالك لأنها ليست من فوائد التجارة إنما هي من فوائد المال وقيل كل ما حصل من هذه الفوائد هو مال قراض لأنها بسبب شراء العامل لأصولها والنقص الحاصل بالرخص أو بعيب كمرض حادث محسوبٌ من الربح ما أمكن ومجبور به لأنه المتعارف في التجارة وكذا لو تلف بعضه أي بعض مال القراض بآفةٍ سماوية كحرقٍ أو غرقٍ أو غصب أو سرقة وتعذَّر أخذه أو أخذ بدله بعد تصرُّف العامل فيه بالبيع والشراء محسوب من الربح في الأصحِّ لأنه نقص حصل في التجارة فأشبه العيب والمرض وإن تلف بعض المال قبل تصرفه أي قبل تصرُّف العامل بالبيع والشراء ما تلف فمن رأس المال يحسب ولا يجبر من الربح لأن العقد لم يتأكد بالعمل.
? فصل في بيان أن القراض جائز من الطرفين ?
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/383)
لكلٍ فسخه أي المالك والعامل متى شاء ولو في غيبة الآخر أو من غير رضاه لأن القراض ابتداؤه وكالة ونهايته شركة أو جعالة والعقود الثالثة عقود جائزة ولو مات أحدهما أو جُنَّ أو أغمي عليه انفسخ عقد القراضِ كالوكالة وللعامل في هذه الحالة أي إذا مات المالك أو جُنَّ الاستيفاء والتمضيض بغير إذن الورثة اكتفاءً بإذن العاقد كما في حال الحياة ويلزم العاملَ الاستيفاءُ لدين مال القراض إذا فسخ أحدهما أو هما معاً لأن الدَّيْن مالٌ ناقصٌ وقد أخذ منه مالاً تامّاً فليرد كما أخذ وتنضيض رأس المال إن كان عَرْضاً إن طلب المالك تنضيضه لأنه حقه وقيل لا يلزم التنضيض إن لم يكن ربحٌ لأنه لا فائدة للعامل فيه والأول أصحُّ لأن المال في عهدته فعليه أن يردَّه كما أخذه ولو استرد المالك بعضه أي بعض المال قبل ظهور ربحٍ وخسرانٍ رجع رأس المال إلى الباقي بعد الاسترداد لأن المالك لم يترك في يده غير الباقي فصار كما لو اقتصر عليه في الابتداء وإن استرد بعد الربح فالمسترد شائعٌ ربحاً ورأس مالٍ على النسبة الحاصلة من مجموع الربح ورأس المال لا يلحقه حكم الباقي لاستقرار ملك العامل على ما يخصه من الربح فلا يسقط بما يحصل من النقص بعد ذلك مثاله رأس المال مائة والربح عشرون واسترد عشرين فالربح سدس المال جميعه فيكون مسترد سدسه من الربح وهو ثلاثة وثلث فيستقر للعامل المشروط منه وهو واحد وثلثان إن شرط له نصف الربح حتى لو عاد ما في يده إلى ثمانين لم يسقط ما استقر له وباقيه أي باقي المسترد وهو ستة عشر وثلثان من رأس المال فيعود ثلاثة وثمانين وثلث وإن استرد بعد الخسران فالخسران موزع على المسترد والباقي فلا يلزم جبر حصة المسترد لو ربح بعد ذلك مثاله المال مائة والخسران عشرين ثم استرد عشرين فربع العشرين التي هي جميع الخسران حصة المسترد منها خمسةٌ فكأنه استرد خمسة وعشرين ويعود رأس المال إلى خمسة وسبعين فلو بلغ المال بعد ذلك ثمانين قسمت الخمسة بينهما نصفين إن شرط المناصفة ويصدَّق العامل بيمينه في قوله لم أربح شيئاً أو لم أربح إلا كذا لموافقة ذلك الأصل وهو عدم الربح أو اشتريت هذا للقراض وإن كان خاسراً أو لِيَ وإن كان رابحاً لأن يده يد أمانة أو لم تنهني عن شراء كذا صدَّق العامل لأن الأصل عدم النهي و يصدق العامل بيمينه أيضاً في قدر رأس المال لأن الأصل عدم الزيادة على ما قاله العامل و يصدق دعوى التلف لأنه مأمونٌ فهو كالمودع وكذا يصدق في دعوى الردِّ إلى المالك في الأصحِّ لأنه ائتمنه كالوكيل ولو اختلفا في المشروط له أي في المشروط للعامل تحالفا كاختلاف المتبايعين في قدر الثمن فيفسخان العقد وله أي العامل أجرة المثل لعمله والربح للمالك.
? كتاب المساقاة ?
وهي مأخوذةٌ من السقي وهي أن يدفع شخص نخلاً أو شجر عنبٍ لمن يتعهده بالسقي والتربية على أن يكون له قدر معلوم من ثمنه. والأصل فيه قبل الإجماع خبر الصحيحين عن ابن عمر قال: (عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمرٍ أو زرع وفي رواية دفع إلى يهود خيبر نخلها وأرضها بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع والحاجة داعية إليها لأن مالك الأشجار قد لا يحسن تعهدها أو لا يتفرغ له ومن يحسن ذلك ويتفرغ له قد لا يملك الأشجار فيحتاج ذاك إلى من يعمل له وهذا يحتاج إلى من يعمل عنده. وهي شبيهة بالقراض في العمل في الشيء ببعض نمائه وجهالة العوض وتصح من جائز التصرف وهو الرشيد المختار لنفسه ولصبي ومجنون بالولاية عليهما عند المصلحة وموردها النخل والعنب للنص السابق في النخل وألحق به العنب لأنه في معناه بجامع وجوب الزكاة وإن كان الخرص وجوزها القديم في سائر الأشجار المثمرة لما ورد في الحديث السابق أنه عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمرٍ أو زرعٍ بدل لفظ تمر أو زرع ولما روى الدارقطني عن ابن عمر أنه عامل أهل خيبر بالشطر مما يخرج من النخل والشجر، فالقديم جوَّزها في كل الأشجار المثمرة كالتين والتفاح والمشمش للحاجة والجديد منع ذلك والفرق أنها تنمو من غير تعهد بخلاف النخل والعنب وعلى القول بالمنع لو كانت الأشجار المثمرة بين النخل والعنب فساقى عليها معه تبعاً صحَّ العقد ولا تصحُّ المخابرة وهي عملُ الأرضِ ببعض ما يخرج منها والبذر من العامل ولا المزارعة وهي هذه المعاملة والبذر من
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/384)
المالك لما روى الشيخان عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة وروى مسلم عن ثابت بن الضحاك أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة، ولما روى مسلم وغيره عن ابن عمر قال: كنا نخابر ولا نرى في ذلك بأساً حتى أخبرنا رافع بن خديج (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك فتركناه) لقوله فلو كان بين النخل بياضٌ أي أرض خالية من الزرع صحت المزارعةعليه مع المساقاة على النخل تبعاً له لعسر الإفراد، وعليه حُمِلَ خبر ابن عمر أنه عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمرٍ أو زرعٍ بشرط اتحاد العامل أي أن يكون عامل المزارعة هو عامل المساقاة لأن إفرادها بعاملٍ يخرجها عن التبعية وعسر إفراد النخل بالسقي والبياض بالعمارة أي الزراعة والأصحُّ أنه يشترط ألّا يفصل بينهما أي يفصل بين المساقاة والمزارعة في العقد بل يأتي بهما على الاتصال لتصح التبعية وألّا يقدم المزارعة على المساقاة لأن التابع لا يتقدم على متبوعه وكثير البياض أي اتساع المسافات بين مغارس الشجر كقليله لأن الغرض تعسُّر الإفراد وهو محقق فيهما والأصحُّ أنه لا يشترط تساوي الجزء المشروط من الثمر والزرع فيجوز أن يشرط للعامل نصف الثمر وربع الزرع والأصحُّ أنَّه لا يجوز أن يخابر تبعاً للمساقاة بل يشترط أن يكون البذر من ربِّ النخل لأن الخبَرَ ورد في المزارعة تبعاً في قضية خيبر وهي في معنى المساقاة من حيث أنه ليس على العامل فيهما إلا العمل بخلاف المخابرة فإنه يكون عليه العمل والبذر، قال السبكي: إن الوارد في طرق الخبر أنه صلى الله عليه وسلم لم يدفع لهم بذراً إذ لو دفع لذكر فإن أفردت أرضٌ بالزراعة فالمغلُّ للمالك لأنه نماء ملكه وعليه للعامل أجرة عمله ودوابّه وآلته سواءً أحصل من الزرع شيءٌ أم لا قياساً على نظيره في القراض وطريق جعل الغلّة لهما ولا أجرة في إفراد المزارعة أن يستأجره أي يستأجرُ المالكُ العاملَ بنصف البذر ليزرع له النصف الآخر من البذر في نصف الأرض مشاعاً ويعيره نصف الأرض مشاعاً لأن إعارة المشاع جائزة أو يستأجره أي يستأجر المالك العامل بنصف البذر ونصف منفعة الأرض شائعاً كذلك ليزرع النصف الآخر من البذر في النصف الآخر من الأرض فيكونان شريكان في الزرع على المناصفة ولا أجرة لأحدهما على الآخر لأن العامل يستحق من منفعة الأرض بقدر نصيبه من الزرع والمالك يستحق من منفعة العامل بقدر نصيبه من الزرع.
? فصل في بيان الأركان الثلاثة وما يشترط في عقد المساقاة ?
يشترط تخصيص الثمر بهما أي المالك والعامل فلا يجوز شرط بعضه لغيرهما واشتراكهما فيه فلا يجوز تخصيص كل الثمر لأحدهما والعلم منهما بالنصيبين بالجزئية أو قولهما بيننا لحمله على المناصفة كالقراض فيما سبق من أحكام والأظهر صحة المساقاة بعد ظهور الثمرة لأنه أبعد عن الغرض فهو أولى بالجواز من المساقاة قبلها لكن محل الصحة قبل بدو الصلاح لأن هنالك أعمالاً قبل بدو الثمر يحتاج إليها الشجر ولذا منع كثيرون المساقاة بعد ظهور الثمرة ولأنه ليس منصوصاً عليه ولا في معنى المنصوص عليه فإن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على الشطر مما يخرج من زرع أو ثمر ولأن المساقاة بعد ظهور الثمرة يفضي إلى أن يستحق المساقي عوضاً موجوداً ينتقل إليه بمجرد العقد فيجعل المساقاة عقد إجارة بمعلوم ومجهول فلم يصح. ولو ساقاه على وَدِيٍّ وهو صغار النخل ليغرسه ويكون الشجر لهما كما لو سلم إليه البذر ليزرعه وأيضاً الغرس ليس من عمل المساقاة فضمه إلى المساقاة يفسدها. ولو كان الودي مغروساً وساقاه عليه وشرط له جزءاً من الثمر على العمل فإن قدّر مدة يثمر فيها غالباً صح. كخمس سنين صح العقد ولا يضر طول المدة وهي بالسنين لأنها بمثابة الشهور من السنة الواحدة. وإلا فلا أي وإن قدّر مدة لا يثمر فيها عادة فلا يصح ذلك لأنه يشبه العقد على شجر لا يثمر أصلاً. وقيل إن تعارض الاحتمال أي احتمال الإثمار وعدم الإثمار صح عقد المساقاة لأنه اعتمد فيه على غلبة الظن وله مساقاة شريكه في الشجر إذا شرط له زيادة على حصته كأن كان له الربع من الشجر فشرط إن عمل مساقياً أن يكون له النصف من الثمر ويشترط أن لا يشرط على العامل ما ليس من جنس أعمالها أي من غير جنس أعمال المساقاة كحفر بئر وبناء جدار وتعبيد طريق.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/385)
وأن ينفرد العامل بالعمل فلو شرط أن يعمل المالك معه فسد بخلاف ما لو شرط أن يعمل معه غلام المالك. وباليد في الحديقة ليتمكن من العمل متى شاء وكيف شاء والحديقة هي البستان وشرط بعضهم للتسمية أن يكون للبستان سور ويشترط معرفة العمل بتقدير المدة كسنة أو أكثر لأن المساقاة عقد لازم من الطرفين كالإجارة. ولا يجوز التوقيت بإدراك الثمر في الأصح لأن الثمر يتقدم تارةً ويتأخر تارةً فالتوقيت بإدراكه غرروصيغتها أي المساقاة ساقيتك على هذا النخل بكذا أي بنصف الثمر مثلاً أو ربعه أو سلمته إليك لتتعهده بثلث ثمره مثلاً. ويشترط القبول للزوم العقد دون تفصيل الأعمال فلا يشترط ذكر الأعمال التي يقوم فيها في العقد ويحمل على العرف إن كان وعَرَفَهُ العاقدان وإلا فلا بدّ من ذكر أهم الأعمال المطلوبة من العامل. ويحمل المطلق في كل ناحية على العرف الغالب في هذه الناحية بشرط معرفته منهما. وعلى العامل عند الإطلاق عمل ما يحتاج إليه الشجر لصلاح الثمر واستزادته بما يتكرر في كل سنة كسقي إن لم يشرب الشجر بعروقه وإصلاح طرق الماء وإدارة الآلات وفتح رأس الساقية أو إغلاقها وأما الآلات كالفأس والمنجل فعلى المالك وإصلاح الأجاجين وهو الحفر حول الشجر لتحفظ الماء للشجر التي يثبت فيها الماء حول الشجر وتلقيح للنخل وهو وضع شيء من طلع الذكورة على طلع الإناث وتنمية حشيش رطب أو يابس وقضبان مضرة للشجر كما جرى به العرف وتعريش للعنب جرت به العادة وهو نصب قضبان وأعواد ويضللها ليمتد عليها شجر العنب ووضع حشيش على عناقيد العنب ليحفظها من الشمس وكذا حفظ الثمر على النخل من السراق ومن الطيور ونحوها بجعل العناقيد في أوعية يهيئها له المالك إن اعتيد ذلك وجذاذه أو جذائه أي قطعه وتجفيفه في الأصح لأنها من مصالح حفظ الثمر.
وما قصد به حفظ الأصل ولا يتكرر كل سنة كبناء الحيطان وحفر نهر جديد فعلى المالك فلو شرطه على العامل بطل العقد لأنه يراد منه حفظ الأصل لإنماء الثمرة وإصلاحها.
والمساقاة لازمة من المالك والعامل لأن العمل في شجر قائم فأشبهت الإجارة فيلزم العامل إتمام الأعمال وإن تلفت الثمرة كلها بآفة أو نحو غصب كما ألزمنا عامل القراض بتنضيض مال التجارة فلو هرب العامل أو امتنع أو حبس أو مرض قبل الفراغ من العمل وأتمه المالك بنفسه أو بماله ولو من ابتدائه متبرعاً بقي استحقاق العامل لما شرطه له المالك في العقد وإن لا أي وإن لم يتمه المالك أو يتبرع أحد بإتمامه ورفع المالك الأمر إلى الحاكم استأجر الحاكم عليه من يتمه من مال العامل ولو كان ماله عقاراً.
فإن لم يقدر المالك على مراجعة الحاكم بأن لم يلتفت إليه الحاكم فيما التمسه منه كأكثر ما يجري في بلاد الإسلام فليشهد على العمل بنفسه أو يشهد على الإنفاق إن أراد الرجوع في عمله أو ماله على العامل ويصرح في الإشهاد بالرجوع.
ولو مات العامل وخلّف تركة أتم الوارث العمل منها كما يقضي ديونه للزوم العقد وله أن يتمَّ بنفسه أو بماله وعلى المالك تمكينه إن كان أميناً عالماً بالعمل فإن امتنع الوارث استأجر الحاكم عليه ولو ثبتت خيانة عامل ببينة أو إقرار أو يمين مردودة ضُمَّ إليه مشرف إلى أن يتم العمل ولا تزال يد العامل عن العمل لأن العمل حق له وأجرة المشرف على العامل فإن لم يتحفظ به أي إذا لم يستطع المشرف أن يضبط خيانته أو يمنعه منها استأجر من ماله عامل يتمَّ العمل بدلاً منه وعليه أجرة العامل ولو خرج الثمر مستحقاً لخروج الشجر مستحقاً للغير فللعامل على المساقي أجرة المثل لعمله لأنه فوت عليه منافع الشجر بفساد العقد. ولو أراد المالك بيع شجر المساقاة قبل خروج الثمر لم يصح البيع لأن للعامل حقاً فيه أما بعد خروج الثمر فيصح البيع ويكون نصيب العامل مع المشتري كنصيبه مع المالك السابق.
? كتاب الإجارة ?
الإجارة بتثليث الهمزة والكسر أفصح وهي لغة اسم للأجرة ثم اشتهرت في العقد وشرعاً عقدٌ على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم.
والأصل في جوزاها الكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) الطلاق 6 وقال تعالى: (قالت إحداهن يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين * قال إني أريد أن أنكح إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج) القصص26.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/386)
وروى ابن ماجه في سننه عن عتبة بن النُّذّر قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ: (طس) حتى إذا بلغ قصة موسى، قال: إن موسى عليه السلام أجر نفسه ثماني حجج أو عشراً على عفة فرجه وطعام بطنه.
وروى البخاري عن أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثةٌ أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفه أجره)).
وروى ابن ماجه عن ابن عمر: أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه. وروى النسائي عن أبي هريرة (في قصة المرأة التي عرضت نفسها عليه لبعض القوم: (أريد أن أزوجكِ هذا إن رضيتِ)، قالت: ما رضيت لي يا رسول الله فقد رضيت، فقال للرجل: (هل عندك شيء؟) قال: لا، قال: (فما تحفظ من القرآن؟) قال: سورة البقرة والتي تليها، قال: (فعلمها عشرين آية وهي امرأتك). شرطهما أي المؤجر والمستأجر كبائع ومشترٍ أي كشرطهما من الرشد وعدم الإكراه والصيغة مثل قول المؤجر آجرتك هذا الدكان أو أكريتك هذا أو ملكتك منافعه سنةً بكذا مائة مثلاً فيقول المستأجر فوراً: قبلت أو استأجرت أو اكتريت أو استكريت والأصح انعقادها بقوله آجرتك منفعتها أي الدار ومَنْعُهَا أي يمنع انعقاد عقد الإجارة بقوله بعتك منفعتها لأن لفظ البيع موضوع لتمليك العين فلا يستعمل في المنافع كما لا ينعقد البيع بلفظ الإجارة وهي قسمان واردة على عين كإجارة العقار ودابة أو شخص معنيين أي أن الإجارة واردة على منفعة عين معينة. وواردة على الذمة كاستئجار دابة موصوفة لحمل أو ركوب وبأن يلزم ذمته أي يلزم ذمةَ الشخص عملاً خياطةً أو بناءً أو غير ذلك فيقول الشخص قبلت أو يقول شخص لآخر أخيط لك الثوب أو أبني لك الدار بكذا فيقول الآخر قبلت أو اكتريت وإجارة الذمة لا تثبت على العقار فإجارته إجارة عين فقط. ولو قال استأجرتك لتعمل كذا فإجارة عين للإضافة إلى المخاطب وقيل هي إجارة ذمة لأن المقصود منها حصول العمل من جهة المخاطب فله تحصيل العمل المطلوب بغيره فأصبح مورده الذمة وليس العين ويشترط في إجارة الذمة تسليم الأجرة في المجلس كرأس مال السلم لأنها سلم في المنافع فلا يجوز فيها تأجيل الأجرة.
وإجارة العين لا يشترط ذلك فيها كثمن المبيع ولكن يتعين محل العقد لتسليمها ويجوز في الأجرة فيها أي إجارة العين التعجيل والتأجيل للأجرة إن كانت في الذمة بخلاف المعينة فإنها لا تؤجل.
وإذا أطلقت تعجلت وإن كانت معينة ملكت في الحال أي إذا لم يذكر تعجيلاً ولا تأجيلاً للأجرة تعجلت كثمن المبيع إذا أطلق وإن كانت الأجرة مربوطة بعين كهذه الشاه أو هذه السيارة مَلِكَتْ في الحال من الأجير ولكن الملك لا يستقر حتى تُسْتَوفَى المنفعة ويشترط لصحة الإجارة كون الأجرة معلومة جنساً وقدراً وصفةً إن كانت في الذمة وإلا كفت معايَنَتُها إن كانت على منفعة معينة.
فلا تصح إجارة الدار مثلاً بالعمارة كآجرتكها بما تحتاج إليه من عمارة لأن العمل مجهول فتصير الأجرة مجهولة ولا يصح إجارة دابة مثلاً بنحو العَلَفِ ولا استئجار سلاخ ليسلخ الشاة بالجلد الذي عليها ولا طحانعلى أن يطحن ببعض الدقيق كسدسه مثلاً أو بالنخالة الخارجة منه للجهل بثخانة الجلد وبقدر الدقيق والنخالة ولعدم القدرة على الأجرة حالاً. فقد روى الدار قطني والبيهقي عن أبي سعيد الخدري (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن عسب الفحل وقفيز الطحان) والقفيز هو مكيال معروف ويساوي اثني عشر صاعاً، قال ابن المبارك وهو أحد رواة الحديث: وصورته أن يقال للطحان: اطحن بكذا وكذا بزيادة قفيز من نفس الطحين، وقيل هو طحن الصبرةلا يُعْلَم مكيلها بقفيز منها. ولو استأجرها لترضع رقيقاً له ببعضه أي ببعض الرقيق المعين للإرضاع كثلثه مثلاً في الحال جاز على الصحيح للعلم بالأجرة قياساً على مساقاة شريكه إذا شرط له زيادة في الثمر وقيل لا يصح لوقوع العمل المُكْترى له في غير ملك المُكْتَرِي، أما لو استأجرها لترضعه على أن يكون لها ثلثه بعد الفطام فلا يصح الاستئجار لأن الأجرة المعينة لا تؤجل كما ذكرنا. وكون المنفعة متقومة أي لها قيمة معلومة ليصح بذل المال في مقابلتها فلا يصح استئجار بياع على كلمة ملفوظة لا تتعب قائلها وإن كانت إيجاباً وقبولاً وروجت سلعة لأنها لا تقابل مالاً عادةً وكذا دراهم ودنانير للتزيين لأن
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/387)
التزيين بالنقد لا يقصد عادةً وكلب لصيد أي لا يصح استئجار الكلب للصيد لأنه لا قيمة لعينه فكذا لا قيمة لمنفعته وقيل يصح في الحالتين وكون المؤجر قادراً على تسليمها أي تسليم المنفعة حساً أو شرعاً فلا يصح استئجار آبق ومغصوب لغير من هو في يده ولا يقدر المستأجر أو المالك على انتزاعه ولا يصح استئجار أعمى للحفظ بالنظر ولا أخرس للتعليم لاستحالة ذلك ولا يصح استئجار أرض للزراعة لا ماء لها دائمٌ ولا يكفيها المطر المعتاد لعدم المنفعة ويجوز إن كان لها ماءٌ دائم من نهر أو عين أو بئر وكذا إن كفاها المطر المعتاد أو ماء الثلوج المجتمعة والغالب حصولها في الأصح لأن الظاهر حصول الماء عندئذ.
والامتناع الشرعي للتسليم كالحسي فلا يستأجر لقطع يد سليمة في غير قصاص وأيضاً فلا يصح استئجار لقلع سنٍ صحيحة لحرمة قلعها وأما العليلة فيصح الاستئجار لقلعها إن صعب الألم وقال أهل الخبرة إن قلْعَها يزيل الألم ولا يصح استئجارحائط لخدمة مسجد ولا استئجار أحد لتعليم التوراة والإنجيل أو السحر أو الفحش وكذا منكوحة لرضاع أو غيره بغير إذن الزوج في الأصح لأن أوقاتها مستغرقة بحقه وإذا جاز الاستئجار فيشترط به أن لا يؤدي لخلوة محرمة ويجوز تأجيل المنفعة في إجارة الذمة لأن الدَّيْن يقبل التأجيل كما لو أسلم في شيء إلى أجل معلوم كألزمت ذمتك الحمل إلى مكة أول شهر كذا لأن إجارة الذمة دينٌ فهي سَلَمٌ كما ذكرنا وأول الشهر هو مستهله، أما إذا قصد به النصف الأول من الشهر فهو باطل ولا يجوز إجارة عين المنفعة مستقبلة كإجارة أرض مزروعة لا يتأتى تفريغها قبل مضي مدة لها أجرة عادةً أو أَجَّرَهُ داراً سنةً أولها بعد شهر ولكن لو أجره فلم يستخدم المأجور إلا بعد شهر أو نحوه صحَّ عقد الإجارة فلو أجَّر الثانية لمستأجر الأولى قبل انقضائها جاز في الأصح وهو كالاستثناء مما سبق وصح لاتصال المدتين مع اتحاد المستأجر كما لو أجره السنتين في عقدٍ واحدٍ ويجوز كِرَاءُ العُقَبِ جمع عقبة أي نوبة وسُمِّيَ بذلك لأن كل مستأجر يعقب صاحبه في الأصح وهو أن يأجر دابةً ليركبها بعض الطريق ويركب المؤجر البعض الآخر أو يأجرها رجلين ليركب هذا أياماً وذا أياماً على التناونب ويبين البعضين لكل مستأجر إن لم يكن عادةً فإن كان هناك عادة مضبوطة بزمان أو مسافة اتبعت ثم يقتسمان الركوب بالتراضي، فإن تنازعا في البادئ أقرع وذلك لملكهما المنفعة معاً ويغتفر التأخير الواقع بعد العقد على العين لضرورة القسمة.
? فصل في شروط المنفعة وما تقدر به ?
يشترط كون المنفعة معلومة أي كون المنفعة المعقود عليها معلومة صفة وقدراً وكون المؤجر قادراً على تسليمها فلا يجوز إجارة إحدى داريه ولا إجارة مدة غير مقدرة ثم تارةً تُقَدَّر المنفعة بزمان كدار للسكنى سنة بألف وأول السنة من فراغ العقد إذ يجب اتصال عقد الإجارة بامتلاك المنفعة وتقدر تارةً بعملٍ كدابةٍ للركوب إلى مكة مثلاً وخياطة ذا الثوب أو ثوبٍ صفته كذا لأن هذه المنافع معلومة في أنفسها فلا تفتقر إلا تقدير المدة قال العمراني في البيان: المنافع ثلاثة أقسام: قسمٌ لا تقدر فيه المنفعة إلا بالمدة كالعقار والرضاع والتطيين والتجصيص لأن منافع العقار وتقدير اللبن وسمك التطيين والتجصيص لا ينضبط رقةً وثخانةً وكما في الاكتحال فإن قدر الدواء لا ينضبط ويختلف بحسب الحاجة وتقدر المداواة بالمدة لا بالبرىء والعمل فإن برىء قبل تمام المدة انفسخت الإجارة في الباقي وقسمٌ لا تقدر فيه المنفعة إلا بالعمل كبيع الثوب والحج وقبض شيء من فلان وقسم يجوز فيه الأمران كالدابة والخياطة فلو جمعهما أي العمل والزمان فاستأجره ليخيطه أي هذا الثوب يوماً معيناً أو ليحرث هذه الأرض أو يبني هذا الجدار بياض النهارلم يصح في الأصح إذ قد يتقدم العمل أو يتأخر فلا يف الزمان كما لو أسلم في قفيز حنطة بشرط كون وزنه كذا فلا يصح كما ذكرنا في السَّلم، وقيل: إن كان القصد من المدة الحمل على التعجيل على أن يكون القصد هو التقدير بالعمل فقط جاز، نص عليه في البويطي. ويقدر تعليم القرآن بمدة كشهر كما لو استأجره ليخيط له شهراً أو تعيين سُوَر كاملة أو آيات كعشر من أول سورة البقرة مثلاً، ويشترط علم المتعاقدين بما يقع العقد على تعليمه وإذا أطلق في التعليم علمه الأغلب من قراءة البلد فإذا
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/388)
علمه بعض السور التي استُؤجر بها فنسيه قبل أن يفرغ من باقيها لزم الأجير إعادة تعليمها وفي البناء يبين الموضع أي موضع الجدار والطول وهو الامتداد من إحدى الزاويتين إلى الأخرى والعرض وهو ما بين وجهي الجدار والسمك أي الارتفاع وما يبني به الجدار من طين وجِصٍّ ولَبِنٍ أو آجُر] وهل هو منضد أو مُسَنّمٌ أو مجوَّف إن قدِّر بالعمل أما إذا قدر الإجارة بالزمان لم يحتج إلى بيان شيء من ذلك وإذا صلحت الأرض لبناء وزراعة وغراس اشتُرِط تعيين المنفعة أي اشترط في صحة الإجارة تحديد المنفعة التي من أجلها كان الاستئجار لأن الضرر اللاحق بالأرض مختلف ويكفي تعيين الزراعة عن ذكر ما يزرع في الأصح بأن يقول المالك: أكريتك الأرض لتزرعها فيزرع ما شاء لقلة تفاوت أنواع الزرع ولو قال: لتنتفع بها بما شئت صح ويصنع ما شاء لرضى المالك لكن يشترط عدم الإضرار فيجب إراحتها إن أعيدت كالدابة وكذا يصحُّ لو قال إن شئت فازرع وإن شئت فاغرس في الأصح فيتخير المستأجر بينهما لأنه رضي بالغراس ويشترط في إجارة دابةٍ لركوب إجارة عين أو ذمة معرفة الراكب بمشاهدته أو وصف تام فيعرف وزنه تقديراً وقيل لا يكفي الوصف بل تتعيَّن المشاهدة لأن الخبر ليس كالمعاينة فالغرض من ركوب الدابة يتعلق بثقل الراكب وخفته وكثرة الحركات وقلتها والوصف لا يفِ بذلك وكذا الحكم فيما يركب عليه من مَحْمِلٍ وغيره كسرج وبرذعة ووطاءٍ إن كان له أي إذا كان مع المكتري فيشترط معرفته بمشاهدةٍ أو وصف تام لأن ذلك يتعلق براحة المستأجر حين يركب الدابة ولو شرط في الإجارة حمل المعاليق وهو ما يعلق على الدابة وخاصةً البعير كسفرة وإداوة ماء وقدر وإبريق وصحن ومخدة وزادٍ مطلقاً من غير مشاهدة ولا وصف فسد العقد في الأصح لاختلاف الناس في مقاديرها وقال الشافعي: يصح ويحمل المشروط على الوسط المعتاد وإن لم يشرطه أي لم يشرط حمل المعاليق لم يستحق حملها ولا حمل بعضها وإن خف كإداوة مثلاً ويشترط في إجارة العين لدابةٍ لركوب أو حمل تعيين الدابة وكذا في إجارة سيارةٍ فلا يكفي أحد هذين وفي اشتراط رؤيتها الاختلاف في بيع الغالب والأظهر لا يصح من غير رؤية ويشترط أيضاً قدرتها على حمل ما استأجرت لحمله وفي إجارة الذمة يشترط ذكر الجنس للدابة كالإبل والخيل والنوع كالبخات والعراب والذكورة أو الأنوثة لاختلاف أغراض الناس فالذكر أقوى على الحمل والسير والأنثى أسهل سيراً.
ويشترط فيهما أي في إجارة العين والذمة للركوب بيان قدر السير في كل يوم أي في كل وقت من ليل أو نهار أو كون السير في الليل أو النهار والنزول في عامرٍ أو صحراء لتفاوت الغرض بذلك إلا أن يكون بالطريق منازل مضبوطة فينزّل عليها أي يقدَّر السير عليها مالم يشرط خلافه ويجب في الإيجار للحمل إجارة عين أو ذمة أن يعرف مؤجر الدابة المحمول لاختلاف تأثيره وضرره فإن حضر رآه إن كان ظاهراً ولم يكن في ظرف وامتحنه بيده إن كان في ظرف تخميناً لوزنه فإن لم يكن امتحانه باليد كفت الرؤية وإن غاب المحمول قدر بكيل إن كان مكيلاً أو وزن إن كان موزوناً أو مكيلاً لأن طريق الوزن أضبط وأولى في معرفة الأشياء وأن يعرف جنسه أي المحمول لاختلاف تأثيره بالدابة، كما في الحديد والقطن فإن القطن والصوف يتثاقل بحركة الريح، أما لو قال له آجرتكها لتحمل عليها مائة رطل فما شئت صح ويكون رِضاً من المالك بحمل أهون الأشياء أو أضرها لا جنس الدابة وصفتها وكذا في ذلك السيارة فلا يشترط معرفتها للإجارة في الحمل إن كانت إجارة ذمة لأن الغرض مجرد نقل متاع المستأجر إلى المكان المطلوب فلا يختلف الغرض بحال حامله إلا أن يكون المحمول زجاجاً ونحوه مما يسرع انكساره كالخزف والفخار والبيض فلا بد فيه من معرفة حال الدابة صيانةً للمحمول أما في إجارة العين فيشترط فيها تعيين الدابة ورؤيتها كما ذكرنا ذلك سابقاً لاختلاف الأغراض.
? فصل في منافع لا يجوز الاستئجار لها ?
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/389)
لا تصح إجارة مسلمٍ لجهادٍ ولو أراد من ذلك إقامة هذه الشعار وصرف عائداته لوجوه الخير لأنه يتعين عليه عند حضور الصفِّ ولا لفعل عبادة تجب لها نية كالصلاة والصوم لأن القصد منها امتحان المكلفِ بكسر نفسه بالفعل وغيره لا يقوم مقامه فيه ولو قام مقامه غيره فلا يستحق شيئاً لقولهم: كل ما لا يصح الاستئجار عليه لا أجرة لفاعله وإن عمل طامعاً إلا الحج والعمرة فيجوز الاستئجار لهما ولأحدهما عن ميت وعاجز لا يستطيع الحج ويتبعهما صلاة ركعتي الطواف لوقوعهما عن المستأجر وتفرقة زكاة وكفارة وذَبْحِ وتفرقةِ أضحيةٍ وهديٍ فإنها تجوز فيها الاستنابة لحصول المقصود بها وتصحُّ الإجارة لكل ما لا تجب له نية وتصح لتجهيز ميتٍ ودفنه وهو من قبيل عطف الخاص على العام وتعليم القرآن كلِّه أو بعضه لما روى البخاري عن ابن عباس في حديث اللديغ (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) وتصح لحضانةٍ وإرضاعٍ معاً ولأحدهما فقط لأن الحضانة نوع خدمة وتقدّر بالمدة ويجب تعيين الرضيع لاختلاف الغرض لاختلاف حاله وتعيين موضع الإرضاع من بيت المستأجر أو بيت المرضعة فبيتها أسهل عليها وبيته أشدُّ وثوقاً واطمئناناً في حضانته وإرضاعه والأصح أنه لا يستتبع أحدهما الآخر أي لا يستتبع الحضانة الإرضاع ولا الإرضاع الحضانة لاستقلال كل واحد منهما عن الآخر مع جواز استقلال كل منهما بالإجارة والحضانة حفظ الصبي أي جنسه من ذكر أو أثنى وتعهده بغسل رأسه وبدنه وثيابه وتطهيره من النجاسات ودهنه وقيل: الدهن على الأب وقيل: تتبع فيه العادة وكحله وربطه في المهد وتحريكه لينام ونحوها مما يحتاج إليه كأن تلقمه الثدي وتعصره له عند الحاجة ويتبع منفعة الإرضاع في الاستحقاق بالإجارة اللَّبن المُرْضَع به وقيل الأصل اللبن والحضانة تابعة قال تعالى: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) الطلاق6. فعلق الأجرة بفعل الإرضاع لا باللبن والأجرة موضوعة للمنافع وإنما كانت الأعيان تبعاً للضرورة ولو استأجر لهما أي الحضانة والإرضاع فانقطع اللبن فالمذهب انفساخ العقد في الإرضاع دون الحضانة لأن كلاً منهما مقصود كما ذكرنا والأصح أنه لا يجب حبر وخيط وكحل على ورَّاق وخياط وكحَّال في استئجارهم للنسخ والخياطة والكحل لأن الأعيان لا تستحق بالإجارة ولأن المقصود من اللفظ هو العمل والورّاق هو الذي ينسخ الكتب قلت صحح الرافعي في الشرح الرجوع فيه أي المذكور إلى العادة أي عادة الناس إذ لا ضبط في الشرع ولا في اللغة فنرجع إلى العرف فإن اضطربت أي لم يكن للناس عادة وجب البيان وإلا أي وإن لم يبين فتبطل الإجارة والله أعلم لأن اللفظ عند عدم وجود العادة وعند عدم وجود التقليد يلتحق بالمجملات ولا يمكن الضبط.
? فصل في ما يجب على المُكري أو المكتري ?
يجب على المكري تسليم مفتاح الدار إلى المستكري ليتمكن من الانتفاع بها وهو أمانة بيده فإن تلف بتقصيره ضمنه وإن تلف من غير تقصير فلا يضمن وفي حالة تلفه من غير تقصير يلزم المكري تجديده وعمارتها على المؤجر كبناء وتطيين سطح وإعادة رخام قلع ووضع باب وميزان وإصلاح منكسر ولو وكف السطح من نحو مطر وجب إصلاحه وإلا فللمكتري الخيار أي إذا لم يبادر المكري إلى الإصلاح فللمكتري الخيار لتضرره بنقص المنفعة وكسح الثلج عن السطح على المؤجر أي رفع الثلج عن سقف الدار على المكري لأنه كعمارة الدار فإن أبى وحدث عيب فللمكتري الخيار وتنظيف عرصة الدار والعرصة هي البقعة الفضاء بين الأبنية ليس فيها بناء عن ثلجٍ وكناسةٍ على المكتري لأن الكناسة إنما حصلت بفعله ولا يتم كمال الانتفاع إلا بإزالة الكناسة والثلج والرماد وغيرها وإن أجّر دابةً لركوبٍ فعلى المؤجر إكافٌ وبَرْذَعَةٌ والإكاف ما يجعل تحت البَرْذعة وتحت ذنب الدابة ومنهم من جعل الإكاف والبرذعة شيئاً واحداً وحزامٍ وهو ما تشدُّ به البرذعة والإكاف وثَغَرٍ وهو ما يجعل تحت الدابة وسمي بذلك لمجاورة ثَغْر الدابة وهو فرجها مذكرة أو مؤنثة ولو من آدمي وَبُرَّةٍ وهي حلقة توضع في أنف البعير وخِطَامٍ وهو الزمام أو الحبل يشد في البُرَّةِ ثم يشد في طرف المقود لأن التمكن من الركوب غرض في الإجارة ولا يحصل بدون الزِّمام في البُرَّة وعلى المكتري مَحْمِلٌ ومظلةٌ وهي ما يظلل بها المحمل ووطاءٌ وغطاءٌ والوطاء ما يفرش في المحمل ليجلس عليه والثاني ما يغطّى به وتوابعها كالحبل الذي يشد به المحمل على البعير لأن هذه الأمور تراد لكمال الانتفاع والأصح في السرج للفرس إتباع العرف وقيل: على المؤجر الإكاف.
وظرف المحمول على المؤجر في إجارة الذمة والظرف هو الوعاء الذي يُنْقَلُ فيه المحمول على المؤجر لأنه التزم النقل فليهيئ أسبابه وعلى المكتري في إجارة العين إذ ليس على المؤجر في إجارة العين إلا تسليم الدابة وعلى المؤجر في إجارة الذمة الخروج مع الدابة لسوقها وتعهدها وإعانة الراكب في ركوبه ونزوله بحسب الحاجة فينيخ البعير للمرأة لأنه يصعب عليها النزول والركوب مع قيام البعير وكذا إذا كان الرجل ضعيفاً لمرض أو شيخوخة أو كان مفرط السمن ويقرب الدابة إن كانت حماراً أو بغلاً من مرتفع حتى يسهل عليه الركوب وإذا اكترى للحمل في الذمة لزم المؤجر رفع الحمل وحطه وشد المحمل وحله وأن يوقف الدابة لينزل الراكب لما لا يتهيأ فعله على الدابة كقضاء الحاجة والوضوء وصلاة الفرض وإذا نزل انتظره المكري ليفرغ منها وليس عليه في إجارة العين إلا التخلية بين المكتري والدابة فليس عليه أن يُعَيّنَ المستأجر على الركوب والحمل وتنفسخ إجارة العين بتلف الدابة لأنها محل العقد ويثبت الخيار بعيبها والعيب مثل أن تتعثر في المشي أو لا تبصر في الليل أو يكون بها
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/390)
ـ[محمد عبدالكريم محمد]ــــــــ[21 - 07 - 07, 01:22 ص]ـ
الجزء التاسع
عرج يجعلها تتخلف عن القافلة ولا خيار في إجارة الذمة فإذا سلم دابة وتلفت لم ينفسخ العقد بل يلزمه أي المؤجر الإبدال كما لو وجد بالمسلم فيه عيباً لأن المعقود عليه بصفة السلامة فوجب إبدالها لأنها غير سليمة.
والطعام المحمول ليؤكل في الطريق إذا لم يتعرض العقد لإبداله وعدمه يبدل إذا أُكِلَ في الأظهر لأن الإنسان يحتاج في رحلته إلى طعام فإذا أكل أو سُرِقَ أو فسد جاز إحضار بدله وقيل لا إن وجد طعاماً بسعر المثل في محل نزوله كما هو شائع اليوم في أغلب الطرق.
? فصل في بيان المدة التي تقدر بها المنفعة ?
ويصح عقد الإجارة مدة معلومة تبقى فيها العين غالباً فيؤجر الدار ثلاثين سنة والدابة عشر سنين والأرض حتى مائة سنة ويؤجر كل مدة تبقى العين بصفاتها المقصودة للمنفعة وفي قول لا يزاد فيها أي الأجرة على سنة لأن الحاجة تندفع بها وقيل هذا في الوقف لتفاوت الأسعار وأما في مال اليتيم فيجب أن لا تتجاوز مدة الإجارة مدة بلوغه بالسن فلو كان عمره عشر سنين فلا يؤجر ماله لأكثر من خمس سنين فلو أجرها الولي أو الوصي عشر سنين بطل في الزائد.
قال الماوردي: أقل مدة تؤجر الأرض فيها للزراعة مدة زراعتها وأقل مدة تؤجر الدار للسكنى يوم لأن ما دونه تافه لا يقابل بعوض وللمكتري استيفاء المنفعة بنفسه وبغيره فَيُرْكِبُ ويسكِّنُ مثله لأن المنفعة ملكه فإن شَرَطَ المؤجرُ على المستأْجِرِ أن يستوفيها بنفسه فسد العقد فإن ذلك كالشرط على المشتري أن لا يبيع غيره ولا يُسْكِنُ حداداً وقصاراً لزيادة الضرر على المؤجر بدقهما حتى إذا قال له لِتُسْكِنْ من تشاء لأن تلك العبارة تعني التوسعة لا تعني الإذن في الإضرار وما يستوفى منه كدار ودابة معينة لا يبدل أي لا يجوز إبداله.
وما يستوفى به كثوب وصبي عُيّنَ أي وقع العقد على عينه كهذا الثوب أو هذا الصبي للخياطة والارتضاع يجوز إبداله في الأصح بمثله وإن لم يرضَ الأجير لأنه ليس معقوداً عليه إنما هو طريق لاستيفاء المنفعة فأشبه الراكب والمتاع حيث قلنا بجواز استبداله وكذا يجوز استبدال المستوفى فيه كأن استأجر دابة لركوب في طريق له إبداله بطريق أخرى مثله أو دونه.
ويد المكتري على الدابة والثوب يد أمانة مدة الإجارة فلا يضمن ما تلف فيها بلا تقصير إذ لا يستطيع استيفاء حقه إلا بوضع اليد عليها فعليه دفع ما يؤدي إلى تلفها وكذا بعدها في الأصح ولا يسافر بها إلى لحاجة وعليه التخلية بينها وبين مالكها.
ولو ربط دابة اكتراها لحمل أو ركوب أو غيره ولم ينتفع بها وتلفت لم يضمن قيمتها لأنها بيده أمانة إلا إذا انهدم عليها اسطبل في وقت ينتفع بها عادة ولكن لو انتفع بها فيه لم يصبها الهدم فإنه يضمن لأن التلف جاء من ربطها في وقت الانتفاع ولو تلف المال في يد أجير بلا تعدٍ من الأجير كثوب استؤجر لخياطته أو صبغه إن لم ينفرد باليد بأن قعد المستأجر معه أي كان العمل بحضرة المستأجر أو أحضره منزله لثبوت يد المالك على ملكه وإنما استعان بالأجير كالوكيل وكذ إذا انفرد العامل باليد في أظهر الأقوال لأنه إنما أثبت العامل يده على العين لغرضه وغرض المالك فاشبه عامل القراض فلا يضمن والقول الثاني يضمن كالمستعير والثالث يضمن الأجير المشترك وهو من التزم عملاً في ذمته لعدد من الناس فسمي مشتركاً اشتراك العديدين في منفعته وهو من التزام عملاً في ذمته لا المنفرد وهو من أجَّر نفسه مدة معينة لعمل لأن المنفرد منافعه مختصة بالمستأجر في المدة فيده مع المستأجر كيد الوكيل مع الموكِّل أما إذا تعدى بأن أحرق أو أفسد أو رمى في طريق أو وضع في غير حرز فإنه يضمن مطلقاً ولو دفع ثوباً إلى قصارٍ ليقصِّرَهُ أو خياط ليخيطه ففعل الأجير أي قصره أو خاطه ولم يذكر أحدهما أجرة ولا ما في معنى الأجرة فلا أجرة له لأنه متبرع وقيل له أجرة مثله لاستهلاكه المنفعة وقيل إن كان معروفاً بذلك العمل بالأجرة فله أجرة مثله. قال العز بن عبد السلام: تجب له الأجرة التي جرت بها العادة لذلك العمل وإن زادت على أجرة المثل وإلا بأن لم يكن معروفاً بذلك العمل فلا أجرة له وقد يستحسن هذا الوجه أي إن كان معروفاً بذلك العمل فله الأجرة وإن لم يكن معروفاً بها فلا أجرة له وعليه عمل الناس وهو الأصح كما قال
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/391)
الشيخ عز الدين بن عبد السلام
ولو تعدى المستأجر بأن ضرب الدابة أو كبحها أي جرها باللجام فوق العادة المعروفة في مثلها من الدواب أو أركبها أثقل منه أو أسكن حداداً أو قصاراً وهو الذي يدق الثياب ويبيضها وهما أشد ضرراً من الأعمال الأخرى ضمن العين المؤجرة أي دخلت في ضمانه لتعديه وكذا يضمن لو اكترى لحمل مائة رطل حنطة فحمل مائة شعيراً أو عكس لأن الحنطة أثقل فتجتمع في موضع واحد والشعير أخف فيأخذ من ظهر الدابة منطقة أوسع فالضرر مختلف أو أكتراها لعشرة أقفزة شعير فحمل عشرة حنطة فإنه يصير ضامناً للدابة لأن الحنطة أثقل والقفيز كما ذكرنا هو مكيال يسع اثني عشر صاعاً دون عكسه لخفة الشعير مع استوائهما في الحجم ولو اكترى دابة لمائة حنطة مثلاً فحمل عليها مائة وعشرة لزمه أجرة المثل للزيادة مع المسمى لتعديه وإن تلفت بذلك أو بغيره ضمنها إن لم يكن صاحبها معها لأنه صار غاصباً لها بحمل الزيادة فإن كان صاحبها معها وتلفت ضمن قسط الزيادة لأن اليد هنا للمالك ويضمن المستأجر ما يقابل الزيادة لاختصاص يده بها وفي قول يضمن نصف القيمة توزيعاً على المستأجر والمالك ولو سلم المائة والعشرة إلى المؤجر فحمّلها دابته جاهلاً بالزيادة أو قال له هذه مائة فصدقه ضمن المكتري على المذهب كما لو أتلفها بنفسه لأنه كمن شهد شهادة زور فأتلفت نفساً ولو وزن المؤجر وحَمَلَ فلا أجرة للزيادة تعمد ذلك أم لم يتعمد علم المستأجر أم لم يعلم ولا يضمن المستأجر الدابة إن تلفت إذ لا يد له عليها ولا تعدي والمقصر هو المؤجر.
ولو أعطاه ثوباً ليخيطه فخاطه قَبَاء وقال للمالك أمرتني بقطعه قَبَاءً فقال المالك بل قميصاً فقد أفسدت الثوب فعليك الضمان فالأظهر تصديق المالك بيمينه لأن المالك أعلم بحاجته وفي صفة الثوب الذي يريده ولا أجرة عليه إذا حلف وعلى الخياط أرش النقص للثوب وهو ما بين قيمته صحيحاً وقيمته مقطوعاً أو ما بين قيمته قميصاً وقيمته قباءً فإذا لم ينقص القباء عن الثوب فلا شيء على العامل.
? فصل في ما يقتضي فسخ الإجارة والتخيير في فسخها ?
لا تنفسخ الإجارة عيناً كانت أو ذمة بعذر في غير المعقود عليه لمؤجر أو مستأجر كتعذر وقود أي ما يوقد به حمام على مستأجره وتعذر سفر دون رفقة لعدم أمن الطريق وقيل لسفر عَرَضَ لمستأجر الدار أو الدابة ومرض مستأجر دابة لسفرٍ عليها فلا خلل في الجميع حاصل في المعقود عليه فيمكن الاستنابة.
ولو استأجر أرضاً لزراعةٍ فزرعَ فهلك الزرع بجائحة أصابت الزرع من سيل أو شدة برد أو شدة حر أو أكْلِ جراد فليس له الفسخ ولا حط شيء من الأجرة لأن الجائحة لحقت زرع المستأجر لا منفعة الأرض أما لو كان التلف في الأرض فتنفسخ الإجارة في المدة الباقية وقال القمولي في الجواهر: يسترد المستأجر أجرة المستقبل والماضي والأصح أنها تنفسخ في المستقبل إن كان الزرع مستفاداً منه عند تلف الأرض وإلا فيسترد المستقبل والماضي.
وتنفسخ الإجارة بموت الدابة والأجير المعنيينفي الزمان المستقبل لفوات محل المنفعة لا الماضي إذا كان زمناً بمثله أجرة عادةً في الأظهر لاستقرار الأجرة بقبض المأجور فيستقر قسطه من المسمى أي باعتبار أجرة المثل وقت العقد وعلى نسبة المدتين ولا تنفسخ الإجارة بموت العاقدين أو أحدهما بل تبقى إلى انقضاء المدة ويخلفُ المستأجرَ وارثُه في استيفاء المنفعة ولا تنفسخ بموت متولي الوقف الذي أجر الوقف إلا في صورة بيّنها بقوله ولو أجر البطنُ الأولُ من الموقوف عليهم العين الموقوفة لأجنبي أو لبطن بعدهم أو لبعضهم مدة ومات البطن المؤجر قبل تمامها وشَرْطُ الواقفِ لكل بطن النظر في الوقت المخصص له مدة استحقاقه أي مدة حياته فقط لا مطلقا. ً أو أجر الولي صبياً أو آجر ماله مدة لا يبلغ فيها بالسنِّ فبلغ رشيداً بالاحتلام وغيره فالأصح انفساخها فيما بقي من المدة في الوقت لأنه لما قيّدَ الواقفُ مدة النظر بمدة استحقاقه لم يكن له ولاية على المنافع المنتقلة إلى غيره لا الصبي فلا تنفسخ الإجارة فيه لأن الوليَّ بنى تصرفه على المصلحة مع عدم تقييد نظره أما إذا بلغ بالسنِّ رشيداً فتبطل فيما زاد بعد البلوغ لانقطاع حق الولي بالولاية على الصبي ببلوغه راشداً. والأصح أنها تنفسخ بانهدام الدار المؤجرة لزوال الاسم وفوات المنفعة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/392)
لا انقطاع ماء أرض استؤجرت لزراعة لإمكان الزرع بسوق الماء إليها بل يثبت الخيار للمستأجر إن لم يَسُقْ المؤجرُ الماءِ إليها من جهة أخرى وغصب الدابة وإباق العبد يثبت الخيار في إجارة العين فإن بادر المؤجِّر وانتزع من الغاصب قبل مضي مدة لها أجرة سقط الخيار وأما في إجارة الذمة فلا خيار وعلى المؤجِّر الإبدال ولو أكرى جِمَالاً وهرب المُكري وتركها عند المكتري راجع المكتري القاضي ليمونها ويموّن مَنْ يتعهدها ويتعهد أحمالها من مال الجمَّال فإن لم يجد له مالاً بأن لم يكن له غيرها فإن وجد فيها زيادة على حاجة المستأجر باع منها وإلا اقترض عليه لأداء حق المكتري وحق الحيوان فإن وثق القاضي بالمكتري دفعه إليه أي دفع المال المقترض إلي المكتري لينفقه عليها وإلا يثق به جعله عند ثقة يصرف على ما ذكر من الحاجات. وله أن يبيع منها قدر الحاجة إلى النفقة ويجوز هنا البيع من المستأجرة للضرورة. ولو أذن للمكتري بالإنفاق من ماله ليرجع جاز في الأظهر للضرورة والقول قوله فيما أنفق عليها إذا ادعى نفقة معتادة أما لو هرب المؤجِّر وكانت الإجارة في الذمة اكترى عليه الحاكم من ماله إن كان له مال فإن لم يجد اقترض عليه إن أمكن فإن تعذر فللمستأجر الفسخ.
ومتى قبض المكتري الدابة أو الدار وأمسكها حتى مضت مدة الإجارة استقرت الأجرة عليه وإن لم ينتفع بها ولو لعذر لتلف المنافع تحت يده حقيقة أو حكماً وكذا تستقر الأجرة لو اكترى دابة لركوب إلى موضع معين وقبضها أو عرضت عليه الدابة ومضت مدة إمكان السير إليه أي إلى الموضع المستأجر له ولم يَسِرْ إليه فإن الأجرة تستقر عليه.
وسواء فيه أي في المسألتين المذكورتين إجارة العين والذمة إذا سلَّم المؤجر الدابة الموصوفة للمستأجر لحصول التمكين وتستقر الأجرة في الإجارة الفاسدة سواءً في ذلك قدرت بمدة أو بعمل أجرة المثل بما يستقر به المسمى في الصحيحة سواء انتفع أم لا وسواء كانت أجرة المثل أقل من المسمى أو أكثر ولو أكرى عيناً مدة ولم يسلمها حتى مضت المدة انفسخت الإجارة لفوات المنفعة قبل القبض ولو لم يقدّر مدة وآجر دابة لركوب إلى موضع معين ولم يسلمها حتى مضت مدة السير إلى الموضع المعين فالأصح أنها لا تفسخ الإجارة إذا لم يتعذر استيفاء المنفعة فيها لأن الإجارة للمنفعة دون الزمان فلم يتعذر استيفاؤها بمرور المدة ولا فسخ ولا خيار في إجارة الذمة لأنه دين ناجز تأخر إيفاؤه.
ولو أجر عبده ثم أعتقه أو وقفه أو أمته ثم استولدها ثم مات فأصبحت حرة فالأصح أنها لا تنفسخ الإجارة ويستوفي المستأجر المنفعة وأنه لا خيار للعبد أو الأمة في فسخها فالذي حدث هنا أن العتق صادف رقبة مسلوبة المنافع فلا يؤثر ذلك والأظهر أنه لا يرجع على سيده بأجرة ما بعد العتق إلى انقضاء المدة فالإعتاق تناول الرقبة خالية من المنافع بقية المدة.
ويصح بيع المستأجرة للمكتري قبل القضاء مدة الإجارة لأن العين بيده من غير حائل فهي كبيع المغصوب من الغاصب والمنفعة لم تدخل في البيع لأنها كانت غير مملوكة للبائع حال البيع.
ولو باعها لغيره جاز في الأظهر ولا تنفسخ الإجارة بل تستوفي مدتها ويرد على أشكال عدم القدرة على التسليم أنها تؤخذ من المستأجر مدة قصيرة ليس لمثلها أجرة فتسلم للمشتري ثم تسلم للمستأجر.
? كتاب إحياء الموات ?
الموات هي الأرض التي لا يعلم أنها ملكت وقيل هي الأرض التي لا ماء لها ولا ينتفع بها أحد وعرّفها الشافعي بأنها ما لم يكن عامراً ولا حريماً لعامر قَرُبَ من العامر أو بَعُدَ والأصل فيها قبل الإجماع أخبار منها:
خبر البخاري عن عائشة (من عَمَر أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها) رواه البخاري وأحمد والنسائي عن عائشة. خبر ابن حبان عن عبد الرحمن بن عوف (من أحيا أرضاً ميتةً في غير حق مسلم فهي له) ورواه البيهقي عن عبد الرحمن بن عوف. خبر الترمذي عن وائل بن حجر (أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضاً بحضرموت) ورواه أحمد وأبوداود عن وائل بن حجر.
الموات الأرض التي لم تعمَّر قط إن كانت ببلاد الإسلام فللمسلم تملكها بالإحياء أذن في ذلك الإمام أم لم يأذن اكتفاءً بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى أبوداود وغيره عن سعيد بن زيد (من أحيا أرضاً ميتة فهي له وليس لعرقٍ ظالمٍ حق).
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/393)
وأخرج البيهقي والشافعي وأبو يوسف عن ابن عباس (عاديُّ الأرضِ) وفي رواية (مَوَتانُ الأرض لله ورسوله فمن أحيا منها شيئاً فهو له)، والعاديُّ هو القديم نسبة إلى عاد.
وليس هو لذمي أي إحياء الأرض في أرض الإسلام ليس لذمي ولا لغيره من الكفار إحياؤها وإن أذن في ذلك الإمام وإن كانت ببلاد كفار فلهم إحياؤها وكذا المسلم إحياؤها إن كانوا لا يذبّون المسلمين عنها أي إذا كانوا لا يمنعون المسلمين عن إحيائها فإن ذبوهم عنها فليس للمسلم إحياؤها.
وما كان معموراً في الماضي وإن كان الآن خراباً فلمالكه إن عُرف ولو كان ذمياً إلا إن أعرض عنه الكفار قبل القدرة عليه فإنه يملك بالإحياء. فإن لم يعرف مالكه والعمارة إسلامية فمال ضائع لمسلم أو ذمي والأمر فيه للإمام في حفظه حتى يعرف صاحبه أو بيعه وإن كانت العمارة جاهلية تدل عليها آثارهم فالأظهر أنه أي ما كان جاهلياً ثم خرب يملك بالإحياء إذ لا حرمة لملك الجاهلية إلا إذا كان بدارهم ومنعونا عنه فلا يملك بالإحياء كما مرَّ.
ولا يملك بالإحياء حريم معمور لأن مالك المعمور يستحق مرافقه ومرافق المعمور هو حريمه لأنه يحرم التصرف فيه وهو ما تمس الحاجة إليه لتمام الانتفاع بالمعمور فحريم القرية النادي وهو مجلس القوم فيه يجتمعون ويتحدثون ولا يسمى المجلس نادياً إلا والقوم فيه ويطلق النادي أيضاً على أهل المجلس ومرتكض الخيل وهو مكان تجمع الخيل لسباق أو غزو أو ردِّ عدوٍ أو فرح ومُنَاخ الإبل أي الموضع الذي فيه تناخ الإبل إن كانوا أهل إبل ومطرح الرماد ونحوها كالقمامة ومراح الغنم وملعب الصبيان وحريم البئر في الموات موقف النازح منها والحوض الذي يصب فيه النازح الماء والدُولاب وهو أصلاً يشبه الناعورة ويطلق على الناعورة وأكثر استخدامه في الساقية التي يستقي منها الناس ومجتمع الماء أي الذي يوضع لسقي الماشية وهو بمعنى الدولاب أيضاً ولذا قيل تكرار.
وَمُتَردّدُ الدابة دخولاً وخروجاً إلى الماء إذا كان يستقى بالدابة أو متردد الآدمي إذا كان يستقي بنفسه ولذا وجب على الإمام منع من يتعاطى بناءً أو حديقة أو مطعماً أو دكاناً يمنع الناس من الوصول إلى حقهم في الأنهار أو الآبار أو الملاعب وما تحتاج إليه هذه المرافق من خدمات لتنظيف وصيانة ومثل هذه المرافق والتي تمس الحاجة إليه شواطئ الأنهار والبحار ومصلى العيد في الصحراء فإذا بني ما يمنع الوصول إليه وجب على الإمام هدمه ولو كان مسجداً لأنه من حريمها وهذا ما عليه الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين وحريم الدار المبنية في الموات مطرح رماد وكُنَاسة وثلج وممر في صَوب الباب ومقداره على الأقل ثلاثة أمتار ولا بأس بإحياء ما يقابلها بعد الممر وحريم آبار القناة وهي ما حفر ليجتمع الماء فيها ما لو حفر فيه نقص ماؤها أو خيف انهيارها أي يتأثر الماء بالنقص أو تنهار الجدران ويختلف ذلك بنوع التربة ومثل آبار القناة آبار الاستقاء وهي الآبار المطوية والدار المحفوفة بدور لا حريم لها وذلك بأن بنيت الدور جميعاً في وقت واحد أو امتلك الجميع ممن أحيا أرضاً فملكها ثم باعها. ويتصرف كل واحد من الملاك في ملكه على العادة ولا ضمان عليه إن كان تصرفه معتاداً فأفضى إلى تلف عند جاره فإن تعدى بأن جاوز العادة في التصرف ضمن ما تعدى فيه والأصح أنه يجوز للشخص أن يتخذ داره المحفوفة بمساكن حماماً وطاحونة ومدبغة واسطبلاً وفرناً وحانوته في البزازين أي من يبيعون الثياب حانوتَ حدادٍ أو قصارٍ أو مدبغةٍ إن احتاط وأحكم الجدران احتياطاً يليق بمثل صنعته لأنه يتصرف في خالص ملكه وفي منعه إضرار به إلا إذا كان يضر جيرانه لأنه الضرر لا يزال بالضرر.
ويجوز إحياء موات الحرم بل يسّنُ ذلك لتسهيل الاستيطان وتوفير المنافع كما يملك عامر الحرم بالبيع دون عرفات في الأصح لما في ذلك من تضييق على الناس ولو في الزمان اللاحق قلت: ومزدلفة ومنى كعرفة والله أعلم لحقِّ المسلمين جميعاً في الانتفاع بها ولعدم التضييق ولو في المستقبل ويختلف الإحياء بحسب الغرض المقصود منه وقد أطلقه الشرع ولا حدَّ للغة فيه فوجب الرجوع فيه للعرف فإن أراد مسكناً اشترط لحصوله تحويط البقعة أي بجدران أربعة أو أكثر بآجرٍّ أو لَبِنٍ أو ألواح خشبٍ أو قصب أو جريد ويختلف ذلك باختلاف البلاد وسقف بعضها لتتهيأ للسكنى
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/394)
وتعليق باب من خشب أو غيره وتعليق الباب أي نصبه لأن العادة نصب الأبواب على الدور وفي تعليق الباب وجهٌ أنه لا يشترط لأن الباب للحفظ، والسكنى لا تتوقف على وجود الأبواب أو زريبة دواب فتحويط بما اعتيد بحيث يمنع الاستطراق لا سقف فلا يشترط في إحياء الزريبة السقف لأن العادة جرت بعدم نصبه وفي الباب الخلاف المذكور في المسكن ولو حفر قبراً في موات كان إحياءً لتلك البقعة وملكه بخلاف ما لو حفر قبراً في أرض مقبرةٍ مسبلةٍ فإنه لا يختص به أو مزرعة فجمع التراب حولها أو جمع حجرٍ وشوكٍ لينفصل المحيي عن غيره وتسوية الأرض بطم المنخفض وكسح المستعلي وحراثتها وتليين ترابها وترتيب ماء لها كشقِّ ساقيةٍ من نهرٍ أو بحفر بئرٍ أو قناة أو نحو ذلك إن لم يكفها المطر المعتاد لتوقف مقصود الإحياء عليه ولا تشترط الزراعة في الأصح لأن الزراعة استيفاء منفعة وهو خارج عن الإحياء وكذلك لا يشترط في الدار أن يسكنها ويشترط في إحياء الموات كرماً أو بستاناً فجمع التراب حولها للتحويط والتحويط حيث جرت العادة به فإن كانت عادة البلد بناء جدار اشترط البناء وإن كانت عادتهم التحويط بالتراب كفى أو بالقصب والشوك جاز وتهيئة ماء له إن لم يكفه ماء المطر ويشترط نصب باب له والغرس على المذهب ولو لبعضه لأنه لا يتم له الاسم بدون الغراس ومن شرع في عمل إحياء ولم يتمّه كحفر الأساس أو أعلم على بقعةٍ أي جعل لها علامة للعمارة بنصب أحجارٍ أو غَرَزَ خشباً أو جمع تراباً أو خط خطوطاً فمتحجّر عليه أي مانع لغيره منه بما فعله بشرط كونه بقدر كفايته وقادراً على عمارته حالاً.
وهو أحق به من غيره اختصاصاً لا ملكاً والمراد ثبوت أصل الأحقيّة لا أصل التملك لما روى أبوداود من حديث أسمر بن مضرِّس (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من سَبَقَ إلا ما لم يُسْبَق إليه مسلمٌ فهو له). لكن الأصح أنه لا يصح بيعه لأنه لم يملكه كما ذكرنا والأصح أنه لو أحياه آخذُ ملكه وإن أثم بذلك كما لو دخل في سَوْمِ أخيه واشتراه لأنه حقق الملك ولو طالت مدة التحجر ولم يحي بلا عذر قال له السلطان أو نائبه أحي أو اترك لأنه بالتحجّر قد ضيّق على الناس في حقٍّ مشترك بينهم فإن استمهل وأبدى عذراً أمهل مدّةً قريبة رفقاً به ودفعاً لضرر غيره وليستعدّ للعمارة فإن مضت المدة التي حدّدها السلطان أو نائبه ولم يفعل شيئاً بطل حقّه ولو أقطعه الإمام مواتاً صار أحقّ بإحيائه أي مستحقاً له دون غيره كالمتحجر بنفسه لما روى الشيخان عن أسماء بنت أبي بكر (أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع الزبير أرضاً من أموال بني النضير)، وروى الترمذي عن وائل بن حُجْر (أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضاً بحضرموت). ولا يقطع إلا قادراً على الإحياء وقدراً يقدر عليه أي قادراً على إحيائه إن أراد الإحياء بنفسه رعاية لمصلحة الأمة وكذا التحجر فلا ينبغي لمريد الإحياء أن يتحجر أكثر مما يقدر على إحيائه والأظهر أن للإمام أن يحمي بقعة موات لرعي َنعَمِ جزيةٍ وصدقةٍ وضالةٍ أي يجعله حمىً يمنع عامة المسلمين منه ولرعي نَعَمِ شخصٍ ضعيف عن النُجْعَةٍ أي غير قادر على الإبعاد في طلب الرعي (لأنه صلى الله عليه وسلم حمى النقيعة لخيل المسلمين) رواه أحمد وابن حبّان ويحرم على الإمام وغيره من الولاة أن يأخذ من أصحاب المواشي عوضاً عن الرعي في الحمى أو الموات بلا خلافٍ في ذلك وكذلك يحرم عليه أن يحمي الماء العَدّ والماءُ العدُّ هو العذب عن خيل الجهاد وإبل الصدقة والجزية وأن له نقض ما حماه للحاجة وكذا ما حماه غيره إن ظهرت مصلحة في ذلك فيما بعد ولا يحمي لنفسه قطعاً لأن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم يفعله وعليه يحمل ما رواه البخاري عن الصعب بن جثّامة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا حمى إلا لله ولرسوله).
? فصل في بيان حكم منفعة الشارع وغيره ?
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/395)
منفعة الشارع الأصلية المرور فيه لأن ذلك هو أصل وضعه ويجوز الجلوس به لاستراحة ومعاملة ونحوهما كوقوفٍ وانتظارٍ وسؤالٍ ونشد ضالةٍ وللإمام مطالبة الواقف بقضاء حاجته أو الانصراف قاله ابن الصباغ إذا لم يضيّق على المارة للخبر الصحيح: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام) ولنهيه صلى الله عليه وسلم عن الجلوس في الطرقات إلا أن يعطي الطريق حقه من غص البصر وكف أذى وأمر بالمعروف ولا يشترط إذن الإمام في جواز الانتفاع بالشارع وله تظليل مقعده في الشارع بَبَارِيّةٍ وغيرها مما لا يضر بالمارة كثوبٍ وعباءةٍ، والبارِيَّةُ كالحصير منسوج بقصب وهو يستعمل عادة للتظليل ولو سبق إليه أي إلى مقعدٍ إثنان وتنازعا فيه ولم يسعهما معاً أقرع بينهما وجوباً إذ لا مُرَجِّح إلا إذا كان أحدهما مسلماً فيقدم بالانتفاع على الذمي لأنه هو في بلادنا تبع لنا وقيل: يقدِّم الإمام أحدهما برأيه كما يقدم في بيت المال ولو جلس للمعاملة بموضعٍ ثم فارقه تاركاً للحرفة أو منتقلاً إلى غيره بطل حقّه منه وإن فارقه أي فارق محل جلوسه الذي ألفه ليعود إليه لم يبطل حقه إلّا أن تطول مفارقته بحيث ينقطع معاملوه لما روى مسلم عن أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به)) وروى ابن خزيمة وغيره من طريق ابن جريج قال: سمعت نافعاً يقول: (أن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يُقِمْ أحدكم أخاه من مجلسه ثم يخلفه فيه) فقلت له: في يوم الجمعة، قال: فيه وفي غيره)) عنه ويألف غيره فيبطل حقه سواءً فارق بعذر سفرٍ أو مرضٍ أو بلا عذر أما لو جلس لاستراحة أو نحوها في الشارع ثم فارقه فقد بطل حقه ومن ألف من المسجد موضعاً يفتي فيه ويقرئ فيه قرآناً وعلماً شرعياً أو وسيلةً إليهما كالجالس في شارع لمعاملةٍ أي فيما مرّ من أحكام لأن له غرضاً في ملازمة ذلك الموضع ليألفه الناس وكذا الطالب الجالس بين يدي مدرس لكن بشرط أن يفيد أو يستفيد وإلا فلا حقَّ له ولو جلس فيه لصلاة لم يعد أحق به في غيرها لأن لزوم بقعةٍ معينةٍ للصلاة غير مطلوب بل قد ورد فيه نهيٌ وبقاع المسجد لا تختلف بخلاف مقاعد الأسواق أما حصول الصف الأول فطريقه أن يحصَّله بالسبق إليه فلو فارقه لحاجةٍ كإجابة داعٍ ورعاف وقضاء حاجة ليعود بعد فراغ حاجته لم يبطل اختصاصه في تلك الصلاة في الأصح فيحرم على غيره العالم به الجلوس فيه بغير إذنه أو ظن رضاه.
وإن لم يترك إزاره في ذلك الموضع لحديث مسلم المار سابقاً أمّا لو أقيمت الصلاة في غيبته واتصلت الصفوف فالوجه سدُّ الصف مكانه ولو سبق رجل إلى موضع من رباطٍ مُسْبَلٍ وهو ما يبنى لسكنى المحتاجين عادةً وقد اشتهر عرفاً باسم الزاوية وإن كانت قد ترادف اسم المسجد وقد ترادف اسم المدرسة وقد ترادف اسم الرباط أو فقيهٍ إلى مدرسة أو مُتعلِّم قرآنٍ إلى ما بني له أو صوفيٍّ إلى خانقاه وهي كلمة أعجمية تعني مكان الصوفيّة لم يُزْعج منه أي لم يخرج منه إن كان له حقٌ فيه لأنها لها حكم مقاعد الأسواق ولا يباح سكناها إلا لفقيه مطلقاً أو لمن فيه شَرْطُ واقفها ولم يَبْطل حقُّه بخروجه لشراء حاجةٍ ونحوه كشراء طعامٍ أو صلاةٍ أو دخول حمامٍ، قال العز بن عبد السلام: ومتى شَرَط الواقفُ مُدّةً لم يزد عليها إلا إذا لم يوجد في البلد من هو بصفته وعند الإطلاق ينظر إلى الغرض المبني له ويعمل بالمعتاد المضطرد في مثله أي في مثل الرباط حالة الوقف لأن العادة المضطردة في زمن الواقف إذا علم بها تنزل منزلة شرطه فيزعج متفقِّهٌ ترك التعليم وصوفي ترك التعبد ولا يزاد في رباط مارَّةٍ وهي التي بنيت ليستفيد منها المارة ويأوون إليها على ثلاثة أيام إلا أن عُرِضَ على نحو خوفٍ أو ثلج فيقيم لانقضائه، وهذا يعني أن أهل البطالة في هذه الأزمنة والذين يسكنون المساكن والرباطات وحيث لم يعلم فيها شرط الواقف يمنعون منها.
? فصل في بيان حكم الأعيان المشتركة ?
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/396)
المعدن وهو نوعان ظاهر وباطن فالمعدن الظاهر وهو ما يخرج بلا علاج أي بلا عمل وإنما العمل والسعي في تحصيله كنفطٍ وكبريتٍ وقارٍ وهو الزِّفت ومومياء وهو شيء يلقيه البحر إلى الساحل فيجمد ويصير كالقار، وقيل: ومنه العنبر أيضاً لأن موج البحر يقذفه إلى البر وبِرَامٍ وهو حجر تعمل منه القدور وأحجار رحى وملحٍ وياقوتٍ وكُحْلٍ وكل ما يلقيه البحر لا يُمْلَكُ بالإحياء ولا يثبت فيه اختصاص بتحجر ولا إقطاعٍ من سلطانٍ وغيره بل هو مشترك بين المسلمين وغيره كالماء والكلأ لما روى أصحاب السنن الأربعة والشافعي عن ابن عيينة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع أبيض بن حمال المازني ملح مأرب فقال رجل: يا رسول الله إنه كالماء العِدِّ - أي العذب- لا انقطاع لمنبعه، فقال: فلا إذاً)، وللإجماع على منع إقطاع مشارع الماء وهذا مثلها بجامع الحاجة العامة ويمنع أيضاً إقطاع وتحجر أرضٍ لأخذ حطبها أو صيدها وَبِرْكَةٍ لأخذ سمكها لما روى ابن ماجة وغيره عن ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار)) وللحديث طرق فروى ابن ماجة من حديث أبي هريرة بسند صحيح (ثلاث لا يمنعن الماء والكلأ والنار)، وروى أبوداود من حديث بهيسة عن أبيها (أنه قال: يا رسول الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: الماء، ثم عاد فقال: الملح). فإن ضاق نيله أي الحاصل منه عن اثنين مثلاً جاءا إليه قُدِّم السابق إليه بقدر حاجته منه لسبقه ويرجع في الحاجة إلى العادة في أمثاله وقيل: إن أخذ لغرض دفع فقر أو مسكنةٍ مكن من أخذ كفاية سنة أو العمر الغالب فإن طلب زيادةً على حاجته فالأصح إزعاجه إن زاحمه آخرون لأن عكوفه منفرداً كالتحجر وهو ممنوع فيما ذكرنا لشدة حاجة الناس إلى المعادن خلافاً لما ذكر في مقاعد الأسواق أما إذا لم يضر الغير ولم يزاحمه أحد فلا يزعج فلو جاءا معاً وجهل السابق منهما أقرع بينهما وإن كان أحدهما غنياً في الأصح إذ لا مرجِّح وإن وسعهما اجتمعا وليس لأحدهما أن يأخذ أكثر من الآخر إلا برضاه والمعدن الباطن وهو ما لا يخرج إلا بعلاجٍ كذهبٍ وفضةٍ وحديدٍ ونحاسٍ ورصاصٍ وعقيقٍ وياقوتٍ وسائر الجواهر المبثوثة في طبقات الأرض لا يملك بالحفر والعمل في الأظهر وفرقه عن الأول أن الموات يملك بالعمارة بينما الحفر لإخراج المعادن تخريبٌ كما أن إخراج المعادن من باطن الأرض يحتاج إلى عمل مستمر والنيل في طبقات الأرض مبثوثٌ ولا يمكن اختصاص واحدٍ به لأن في ذلك تعطيل للاستخراج والنيل كما أن فيه تضييق على الناس الراغبين في الحفر وامتلاك المعادن ومن أحيا مواتاً فظهر به معدن باطن لم يعلم به ملكه لأنه من أجزاء الأرض التي ملكها بالإحياء والمياه المباحة في الأودية كالنيل والفرات والدجلة والعيون في الجبال وسيول الأمطار يستوي الناس فيها للخبر السابق (الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار)، فلا يجوز لأحد تحجرها ولا للإمام إقطاعها إجماعاً فيأخذ كلُّ واحد من الناس ما يشاء منها فإن أراد قوم سقي أراضيهم من ماءٍ مباحٍ فضاقَ سَقَى الأعلى لأن الماء ما لم يجاوز أرضه فهو أحق به ما دامت له به حاجة فالأعلى أي الأقرب للنهر فالأقرب وإن هلك زرع الأسفل قبل انتهاء النوبة إليه أما إذا اتسع فيسقي كل متى شاء.
وحبس كل واحدٍ منهم الماء حتى يبلغ الكعبين لما روى ابن ماجة وأبوداود عن عمر ابن شعيب عن أبيه عن جده (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في السيل يمسك حتى يبلغ إلى الكعبين ثم يرسل الأعلى إلى الأسفل)، وروى الشيخان وغيرهما عن الزبير (أنه صلى الله عليه وسلم قال له حين خاصمه الأنصاري في شراج الحَرَّة أي مسيل الماء التي يسقون بها النخل: (اسقِ يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك)). فإن كان في الأرض ارتفاع وانخفاض أفرد كل طرف بسقي لئلا يزيد الماء في المنخفضة على الكعبين لو سقيا معاً فيسقي إحداهما حتى يبلغ الكعبين ثم يسد عنها ويرسله إلى الأخرى وما أخذ من هذا الماء في أناء ملك على الصحيح بل حكى ابن المنذر فيه الإجماع وكأخذه في إناء سوقه لنحو بركة أو حوضٍ له مملوك قد سُدَّت حوافّه عن المباح ومثله ما أخذ في كيزان دولابه وهي الآنية المعلقة في دولابه لرفع الماء وحافر بئر بموات للارتفاق أي للانتفاع دون التملك لشربه وغسله وشرب دوابه أولى بمائها حتى يرتحل أي ينتفع به لنفسه وماشيته لحديث (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحقُّ به) رواه أبوداود عن أسمر بن مضرّس. فإذا ارتحل صار البئر لعامة الناس كالموقوفة عليهم والمحفورة للتملك في موات أوفي ملكٍ يَمْلِكُ الحافر ماءَها في الأصح لأنه نماء ملكه كالثمرة واللبن والشجر النابت في ملكه وسواءٌ ملكه على الصحيح أم لا على مقابله بأن الماء لا يملك لحديث (الناس شركاء في ثلاثة الماء والكلأ والنار) لا يلزمه بذل ما فضل عن حاجته لزرع وغرس وتجب لماشية إذا لم يجد صاحبُها ماءاً مباحاً على الصحيح لحرمة الروح فالماشية محترمة وكذلك يجب بذله لكل روحٍ محترمةٍ كآدميٍّ وجَوَّزَ ابن عبد السلام الشرب للإنسان وسقي الدواب من جدول مملوك لم يَضُرَّ بمالكه إقَامةً للإذن العُرْفي مقام الإذن اللفظي. روى الشيخان عنأبي هريرة (لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلأ)، وفي رواية مالك والترمذي (من منع فضل الماء ليمنع به الكلأ منعه الله فضل رحمته يوم القيامة). والقناة المشتركة يقسم ماؤها بنصب خشبة في عرض النهر والخشبة مستوية الطرفين وموضوعه بمستوٍ من الأرض فيها ثقبٌ متساويةٌ أي ثقبٌ متساوية المساحة أو متفاوتة على قدر الحصص ويجوز أن تكون جميع الثقب أي الفتحات متساوية مع تفاوت الحصص على أن يأخذ صاحب الربع ثقبةً والآخر ثلاث ثقبٍ ويسوق كل واحد نصيبه إلى أرضه ولهم القسمة مهايأةُ كأن يسقي كلُّ واحد منهم يوماً أو بعضهم يوماً وبعضهم أكثر من ذلك على حسب حصصهم ولكلٍ منهم الرجوع عن المهايأة متى شاء وانتهت النوبات وليس لأحدٍ منهم التصرف بالقناة بنحو حفرٍ أو غرسٍ أو بناءٍ بجانبها إلا بإذن باقيهم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/397)
ـ[مصطفي سعد]ــــــــ[21 - 07 - 07, 01:32 ص]ـ
الى الاخوة الشافعية (اى الذين يدرسون المذهب الشافعى) ما رايكم بهذا الشرح على زاد مستنقعكم اقصد منهاج الطالبين
ـ[محمد عبدالكريم محمد]ــــــــ[21 - 07 - 07, 01:46 ص]ـ
الجزء العاشر
? كتاب الوقف ?
الوقف هو التحبيس والتسبيل، يقال وقفت كذا أي حبسته وشرعاً: حبس مالٍ يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه على مصرفٍ مباحٍ موجود والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: (لن تنالوا البرَّ حتى تنفقوا مما تحبون) فإن أبا طلحة لما سمعها رغب في وقف بَيْرُجَاء وهي أحب أمواله إليه، وهي حائط أمام المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من مائها، وقوله تعالى: (وما تفعلوا من خير فلن تكفروه)، وأخبار منها:
1) أن عمر أصاب أرضاً بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أصبت مالاً لم أصب مثله قط وقد أردت أن أتقرب به إلى الله، فقال: (إن شئت حبست أصلها وتصدّقت بها غير أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث)، قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وذوي القربى والرقاب وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقاً بمعروف غير متأثلٍ فيه أو غير متموّلٍ فيه، والتأثل الامتلاك والاحتراز، رواه الشيخان عن ابن عمر.
2) خبر مسلم عن أبي هريرة (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولدٌ صالحٌ يدعو له).
3) وخبر الترمذي عن عثمان (أنه وقف بئر رومة وقال: دلوي فيها كدلاء المسلمين) ورواه البخاري تعليقاً.
4) وخبر الشيخين عن أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأما خالد فقد احتبس أدراعه وأَعْتُدَهُ في سبيل الله) وقوله: وأعتده جمع عَتَد وهو الفرس الصلب المعدُّ للركوب.
قال الشافعي: وقد بلغني أن ثمانين صحابياً من الأنصار تصدّقوا بصدقات مُحَرَّمات. والشافعي يُسَمِّي الأوقاف الصدقات المحرمات: أي لا يباع أصلها.
وأركان الوقف: موقوفٌ وموقوفٌ عليه وصيغة وواقفٌ وبدأ المصنف به لأنه الأصل فقال: شرط الواقف صحة عبارته. فلا يصح صبي ولا مجنون ولا سفيه ولا مكاتب ولو بمباشرة أوليائهم وأهلية التبرع ولو من مبعض أو في مرض الموت ويعتبر وقفه من الثلث.
والموقوف دوام الانتفاع به أي ويشترط في الموقوف كونه عيناً معينة مملوكة ملكاً يقبل النقل يحصل منها مع بقاء عينها فائدة أو منفعة تصح إجارتها فلا يصح وقف المنفعة ولا يصح وقف إحدى فرسيه ولا يصح وقف ما لا يملك والمقصود بالفائدة الثمرة واللبن ونحوها وبالمنفعة السُّكنى واللبس والركوب لا مطعوم لأن نفعه في إهلاكه وعدم بقاء عينه وريحان فلا يصح لسرعة فساده ويصح وقف عَقَار من دار وبستان وأرض ويصح وقف منقول كالحصر والبسط والثياب والدواب والسلاح والمصاحف والكتب فقد وقف خالد بن الوليد دروعه وخيله في سبيل الله ومشاع فيصح وقفه وهو المشترك الذي لم يقسم فقد روى الشافعي عن ابن عمر (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقف مائة سهم من خيبر مشاعاً). ولا يسري الوقف لباقيه لا وقف عبد وثوب في الذمة لأن حقيقة الوقف إزالة ملك عن عين وسواء في ذلك ذمته وذمة غيره كأن يكون له بذمة غيره فرس أو جمل أو ثوب بسَلَم نعم يصح النذر بالوقف ولا يصح وقف حرٍّ نفسه لأن الحرَّ لا يملك وإن أراد وقف منافعه فالمنافع لا توقف دون الرقبة لأن الرقبة أصل والمنفعة فرع والفرع يتبع الأصل وكذا مستولدة وكلب معلّم لأن المستولدة آيلة إلى الحرية والكلب لا يملك وأحد عبديه في الأصح للإبهام وعدم التعيين وفارق العتق لقوته ولنفاذ سرايته وقبوله التعليق.
ولو وقف بناءً أو غراساً في أرض مستأجرة لهما فالأصح جوازه لأنه مملوك ينتفع به مع بقاء عينه وإن كان معرضاً للقلع باختيار مالك الأرض فالوقف هو على الحالة الراهنة فلو قلع ولم يبق فإنه يصير ملكاً للموقوف عليه فإن وقف على معين واحد أو جمع اشترط إمكان تمليكه فلا يصح الوقف على ولده وهو لا ولد له ولا على الفقير من أخواله ولا فقير فيهم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/398)
فلا يصح الوقف على جنين لعدم صحة تملكه ولا الوقف على الميت لأنه لا يملك ولا على العبد لنفسه لأن العبد لا يملك سواء في ذلك عبده وعبد غيره فلو أطلق الوقف عليه فهو وقف على سيده كما في الهبة والوصية لأن ماله لسيده ولو أطلق الوقف على بهيمة لغا لاستحالة ملكها وقيل هو موقوف على مالكها كالوقف على العبد وهو بعيد لاستحالة تملكها بكل حال. أما العبد فيملك بتمليك سيده له، أما لو قال: وقفت على علفها فهو لمالكها. فإن ماتت فإن قصد مالكها كان الوقف عليه وإلا بطل الوقف أما لو وقف على الدواب في سبيل الله فوقفه صحيح وتصرف لكل الدواب المعدة للجهاد وسد الثغور ويصح الوقف من مسلم أو ذمي على ذمي معين لأن الوقف كصدقة التطوع فهي جائزة على الذمي بشرط أن لا يظهر من الوقف عليه قصد معصية كحرمان المسلمين أو لأنه كان يسقيه خمراً أو قال لخادم الكنيسة فالوقف في هذه الأحوال باطل.
لا مرتد وحربي لأن الوقف صدقة جارية والأصل أنه لا بقاء للمرتد والحربي بمال لهدر دمهما بكفرهما ولا وقف للشخص على نفسه في الأصح لأن منافع الموقوف له وهو لا يملكه أصلاً.
وإن وقف على جهة معصية كعمارة الكنائس فباطل وغيرها من متعبدات الكفار لأن ذلك إعانة على المعاصي ويمنع الوقف على حُصُرِهَا أو قناديلها أو خدّامها أو كُتّاب التوراة أو لطباعة الإنجيل أما لو تحولت الكنيسة إلى نزل للمارة يسكنون فيها وينامون فأصبح حكمها حكم الرباط في هذه الحالة لا حكم الكنيسة ويحرم الوقف في السلاح على قطاع الطرق والظلمة وأكلة الحرام بالبغي على الناس أو وقف على جهة قربى أي يظهر فيها قصد القربة كالفقراء والعلماء وهم حيث أطلقوا فعلماء الشرع والمساجد والمدارس والكعبة والجسور وتجهيز الموتى صح لعموم أدلة الوقف ولا اعتبار لكونه على جماد لأن النفع عائد على المسلمين أو وقف على جهة لا تظهر فيها القربة كالأغنياء صح في الأصح فتجوز الصدقة على الأغنياء والذي يحب أن يراعى في الوقف انتفاء المعصية والغنيّ هو من تحرم عليه الزكاة ولا يصح الوقف إلا بلفظ كسائر أنواع التمليك وصريحه كل ما اشتق من لفظ الوقف نحو وقفت كذا على كذا أو أرضي أو داري موقوفة عليه لاشتهار الكلمة لغة وعرفاً والتسبيل والتحبيس صريحان أيضاً والمشتق منهما على الصحيح لورود ذلك في الشرع فقد قال صلى الله عليه وسلم لعمر: (حَبِّس الأصل وسَبِّل الثمر). وقال صلى الله عليه وسلم: (وأما خالد فقد احتبس أدراعه) ولو قال: تَصَدَّقْتُ بكذا صَدَقَةً مُحرَّمة أو صدقة موقوفة أو صدقة لا تباع ولا توهب فصريح في الأصح لأنه أضاف مع لفظ التصدق قرائن لا تحتمل غير الوقف ذكر ذلك الشافعي في الأم وقوله: تصدّقتُ فقط ليس بصريح في الوقف وإن نوى فهو ليس من ألفاظ الوقف ولا من كناياته إلا أن يضيف إلى جهة عامةٍ كتصدقت بهذا على الفقراء وينوي الوقف فيصير كنايةً وقد نواه فهو صريحٌ في التمليك بلا عوض والأصح أن قوله: حَرّمته أي للمساكين مثلاً أو أبّدته ليس بصريح لأنه لا يستعمل مستقلاً فلا بد من تأكيده وكذلك قوله: أخرجته عن ملكي فهو ليس بصريح في الوقف والأصح أن قوله جعلت البقعة مسجداً تصير به مسجداً من غير نيّةٍ لأن المسجد لا يكون إلا وقفاً وكذلك قوله: وقفته للاعتكاف أو قوله: جعلته لله تعالى أو قوله: جعلته للصلاة والأصح أن الوقف على معيّن واحد أو جماعة يشترط فيه قبوله متصلاً بالإيجاب لأن الوقف كما قلنا هو تمليك ولو ردَّ بطل حقه من الوقف شرطنا القبول أم لا كالوصية والوكالة أما لو وقف على جهة عامة وهي غير المعينين كأن وقف على الفقراء أو على المسجد أو على الرباط أو على الثغور أو لإصلاح الطرق أو لبناء المدارس صح الوقف ولا يشترط القبول جزماً ولو قال: وقفت هذا سنةً فباطلٌ لأن شأن الوقف التأبيد أما إذا أعقبه بمصرف آخر كأن قال: وقفت على زيدٍ سنةً ثم على الفقراء من بعده صح ووجب مراعاة شرطه ولو قال: وقفتُ على أولادي أو على زيد ثم نسله ولم يزد فالأظهر صحة الوقف لأن مقصودَ الوقفِ القربةُ والدوامُ فإذا بيّن مصرفه ابتداءً سهل إدامته على سبيل الخير ويُسمَّى هذا الوقف منقطع الآخر لأنه ذكر زيداً ثم نسله فقط فإذا انقرض المذكور فالأظهر أنه يبقى وقفاً لأن الوقف للدوام كالعتق وأن مصرفه أقرب الناس إلى الواقف يوم انقراض المذكور والمقصود
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/399)
أقربهم رحماً لا إرثاً فيقدّم ابن البنت على ابن العم وقيل: يصرف إلى الفقراء والمساكين لأن الوقف عادة يؤول إليهم وعلى الأول إن لم يكن له أقارب صرف الحاكم الربع إلى مصالح المسلمين وقيل: يصرف مطلقاً إلى الفقراء والمساكين ولو كان الوقف منقطع الأول كوقفته على من سيولد لي ثم الفقراء فالمذهب بطلانه لانقطاع أوله فيتعذر الصرف إليه حالاً وأما إذا لم يذكر بعد الأول مصرفاً بطل وقفه قطعاً لأنه منقطع الأول والآخر أو كان الوقف منقطع الوسط كوقفت على أولادي ثم رجل ثم الفقراء فالمذهب صحته لوجود المصرف حالاً ومآلاً وأما مصرفه عند توسط الانقطاع فهو للفقراء كما ذكرنا ذلك في منقطع الآخر ولو اقتصر على وقفتُ ولم يذكر مصرفه فالأظهر بطلانه وإن قال: لله، لأن الوقف يقتضي تمليك المنافع فإن لم يعيّن متملكاً بطل كالبيع ولا يجوز تعليقه كقوله: إذا جاء زيد فقد وَقَفْتُ كذا على كذا لأنه عقدٌ يقتضي نقل الملك إلى الله تعالى أو إلى الموقوف عليه حالاً ولو قال: وقفتُه فيما شاء الله كان باطلاً لأنه لا يعلم مشيئة الله تعالى ولو وقف بشرط الخيار لنفسه أو لغيره مع إبقاء الوقف أو إبطاله بطل على الصحيح لوجود الشرط المفسد للتأبيد والأصح أنه إذا وقف بشرط ألا يُؤَجَّر اتبع شرطه لأن ذلك من حقه إن أمكن الانتفاع به من غير إجارة أما إذا لم يمكن الانتفاع به إلا بالإجارة فيفسد الوقف والأصح أنه إذا شرط في وقف المسجد أي وقف شخص مكاناً مسجداً وشرط فيه إختصاصه بطائفة كالشافعية اختُصَّ بهم فلا يصلّي ولا يعتكف فيه غيرهم رعاية لشرطه وإن كُرِهَ هذا الشرط كالمدرسة والرباط فإنه إذا شرط في وقفهما الاختصاص بطائفةٍ معينةٍ صح وقفه ولو وقف على شخصين ثم الفقراء فمات أحدهما فالأصح المنصوص أن نصيبه يصرف إلى الآخر لأنه شرط في الانتقال إلى الفقراء إنقراضهما جميعاً فإن لم يمكن صرفه إلى الفقراء تعيّن صرفه لمن ذكره قبلهم.
تنبيه: حيث أجمل الواقف شرطه ولم يفصِّل اتبع فيه العرف المضطرد في زمنه لأنه بمنزلة شرطٍ أما إذا فصَّل فتراعى شروطه ما لم يكن فيها ما ينافي الوقف فإذا تلفظ الواقف في صيغة وقفه بحرف عطف يقتضي تشريكاً أو ترتيباً عُمِلَ بمقتضى لفظه مراعاةً لحقه.
? فصل في أحكام الوقف اللفظية ?
قوله: وقفت على أولادي وأولاد أولادي يقتضي التسوية بين الكل في الإعطاء وقدر المعطى سواء في ذلك الذكر والأنثى أما لو زاد فقال: ومن مات منهم فنصيبه لولده فإن ولده بعد موته يختص بنصيبه ويشارك الباقين وكذا لو زاد ما تناسلوا أو بطناً بعد بطن فإنه يقتضي التسوية والتعميم وقوله: ما تناسلوا حتى لا يكون منقطع الآخر وقيل بطناً بعد بطن يعني الترتيب وهو بعيد بل يعني بذلك كلَّ بطونهم ولو قال: على أولادي ثم أولاد أولادي ثم أولادهم ما تناسلوا أو قال: وقفت كذا على أولادي وأولاد أولادي الأعلى فالأعلى منهم أو الأول فالأول منهم أو الأقرب فالأقرب منهم فهو للترتيب فلا يصرف شيء للبطن الثاني ما بقي أحد من البطن الأول ولا يدخل أولاد الأولاد في الوقف على الأولاد في الأصح نص عليه في البويطي لأن ولد الولد لا يقع عليه اسم الولد حقيقة وخالف في الوقف إرادة الأولاد وأولادهم لأن قصد الواقف هو أولاده فقط فلم نعمل الحقيقة والمجاز في الأولاد واعملوا الحقيقة فقط، أما لو لم يكن له إلا أولاد أولاد فيحمل عليهم لوجود القرينة وصيانة للكلام عن الإلغاء.
ويدخل أولاد البنات في الوقف على الذرية والنسل والعقب قال تعالى: (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيي وعيسى وإلياس كل من الصالحين) الأنعام84 - 85. فذكر عيسى وهو ليس إلا ولد البنت. وروى البخاري عن أبي بكرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في الحسن بن علي (إن ابني هذا سيد)) وهو ابن بنت.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/400)
ولو قال وقفت على أولاد الأولاد فيدخل فيهم أولاد البنات لصدق اللفظ بهم إلا أن يقول على من ينتسب إليَّ منهم فإن أولاد البنات لا يدخلون في هذه الحالة لوجود قيد الانتساب إليه وأولاد البنات لا ينتسبون إليه بل ينتسبون إلى آبائهم ولو وقف على مواليه وله مُعْتِق أي أعتقه أو هو عصبة من أعتقه أو أعتق من أعتقه ومُعْتَق بالمباشرة منه أو أولاد من أعتقه. قسم الوقف بينهما نصفين على الصنفين لتناول اسم المولى للمعتِق والمعتَق. وقيل يبطل لإجماله فَجُهِل المقصود وهو بعيد والصفة وهي القيد الذي يضعه الواقف المتقدمة على جمل أو مفردات معطوفة بعضها على بعض ولم يتخللها كلام طويل يدل على الفصل تعتبر في الكل كوقفت على محتاجي أولادي وأحفادي وإخواني فقدم صفة الاحتياج فيهم فشملت جميع المحتاجين من أولاده وأحفاده وأخوته وكذا المتأخرة عليها وكذا الاستثناء يعتبران في الكل إذا عطف فيها بواو كقوله وقفت على أولادي وأحفادي وإخوتي المحتاجين أو قال في الاستثناء: وقفت على أولادي وأحفادي وإخوتي المحتاجين إلا أن يفسق واحد منهم فالعطف والاستثناء يشملان الجميع كما تقرر في الأصول من أن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في جميع المتعلقات كالصفة وغيرها كالحال والشرط وأما تقدم الصفة على الجمل فاستبعد الأسنوي رجوعها للكل لاستقلال كل جملة بالصيغة والصفة.
? فصل في بيان أحكام الوقف المعنوية ?
الأظهر أن الملك في رقبة الموقوف على معين أو جهة ينتقل إلى الله تعالى ومعنى الانتقال إلى الله تعالى أنه ينفك عن اختصاص الآدميين فتمتنع التصرفات فيه القادحة في غرض الوقف وفي شرطه كالعتق إذا حصل امتنع على المُعْتِق كلُّ تصرف يقدح في غرض العتق. فلا يكون للواقف رقبته ولا منافعه ولا للموقوف عليه رقبته بل منافعه فقط خلافاً لأحمد ومنافعه ملك للموقوف عليه يستوفيها بنفسه وبغيره بإعارة وإجارة فإن كان الموقوف شجرة ملك الموقوف عليه ثمارها ولا يملك أغصانها إلا فيما يعتاد قطعه وإن كان الموقوف بهيمة ملك صوفها ووبرها ولبنها ونتاجها وإن كان داراً فالأجرة له وإذا وقف الدار على فلان مطلقاً فله أن يسكنها وله أن يأجرها إن كان هو متولي الوقف أو يؤجرها متولي الوقف ويأخذ الموقوفةُ عليه الأجرة ويملك الأجرةَ وفوائده الحاصلة بعد الوقف كثمرة وأغصان مما يعتاد قطعه وصوف ولبن وكذا الولد في الأصح كما ذكرنا
والثاني يكون وقفاً تبعاً لأمه والمعتمد الأول ولو ماتت البهيمة اختص الموقوف عليه بجلدها لأنه أحق به من غيره وله مهر الجارية الموقوفة عليها بكراً كانت أو ثيباً إن وطئت من غير الموقوف عليه بشبهة أو زناً مكرهة أو غير عالمة بالتحريم أو صغيره أو نكاح لأنه من جملة فوائد الموقوف إن صححناه أي نكاحها وهو الأصح لأنه عقد على منفعة فلا يمنعه الوقف كبقية المنافع والمذهب أنه أي الموقوف عليه لا يملك قيمة العبد الموقوف إذا أتلف من أجنبي أو من الواقف بل يُشترى بها من قبل ناظر الوقف عبدٌ مثله ليكون وقفاً مكانه مراعاة لغرض الواقف فإن تعذر شراء عبد بقيمة التالف فبعض عبدٌ لأنه أقرب إلى مقصود الواقف.
ولو جفت الشجرة لم ينقطع الوقف على المذهب فإن أخلفت بدلها فلها حكمها ومثله ولد ما وقف في سبيل الله من الخيل والركاب. بل ينتفع بها جذعاً لنحو دعامة أو ألواح في باب إن أمكن ذلك وإلا صارت للموقوف عليه وقيل تباع والثمن كقيمة العبد أي ويشتري بقيمتها شجرة أو شقص شجرة من جنسها لتكون وقفاً إن أمكن ذلك وقيل ينقطع الوقف وتصبح حطباً ملكاً للموقوف عليه.
والأصح جواز بيع حصر المسجد الموقوفة إذا بليت وجذوعه إذا انكسرت أو كادت تنكسر ولم تصلح إلا للإحراق لئلا تضيع وتضيق المكان وتفسده وتصرف قيمتها في مصالح المسجد أما إذا أمكن الاستفادة منها في المسجد كأبواب أو أعمدة فلا تباع قطعاً. ولو انهدم مسجد وتعذرت إعادته لخراب البلد أو لعدم وجود مال لبنائه أو لمنع ظالم لم يبع بحال إن رجي إعادة بنائه لإمكان الصلاة فيه في الحال فإن لم يُرجَ عودة مسجداً بُنيَ به مسجداً آخر ولا يبنى به غيره من مدرسة أو إنفاق على نحو تعليم قرآن وغيره وما يفعله بعض الناظرين في الوقف اعتداء وإثم عظيم حين ينقلون ثمنه إلى جهات أخرى.
? فصل في بيان النظر على الوقف وشروطه ووظيفة الناظر ?
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/401)
إن كان الوقف للاستغلال لم يتصرف فيه إلا الناظر أو لينتفع به الموقوف عليه أطلق الواقف أو قال ينتفع به كيف شاء فله استيفاء المنفعة بنفسه وبغيره ثم إن شرط الواقف النظر لنفسه أو غيره اتُبعَ شَرْطُهُ وإلا أي إذا لم يشرطه لأحد فالنظر للقاضي على المذهب إن كان لجهة عامة والمقصود بالقاضي قاضي بلد الوقف وكذا للقاضي النظر إن كان الوقف على معين فينظر القاضي بحفظه وإجارته وقسمة غلته إن كان الوقف على جماعة. وشرط الناظر العدالة لأن النظر ولاية
والكفاية وهي القدرة على التصرف فيما هو ناظر فيه والاهتداء إلى التصرف النافع ووظيفته العَمَارَةُ والإجارة وتحصيل الغلة وقسمتها على مستحقيها فإن فوض إليه بعض هذه الأمور لم يتعده اتباعاً للشرط كالوكيل ولو شرط الواقف للناظر شيئاً من الريع جاز ذلك.
وللواقف عزل من ولاه للنظر ونصب غيره إن كان له حق النظر كما يعزل الوكيل أما غير ناظر الوقف من أرباب الوظائف والمدرس والإمام والطلبة فليس للواقف ولا للناظر ولا للإمام الأعظم عزلهم بغير سبب ولا ينفذ عزلهم ويفسّق عازلهم ويطالب بسببه إلا إن علمت صيانته وديانته وأمانته وعلمه [قليوبي ج3 صفحة110].
إلا أن يشرط نظره حال الوقف فليس له عزله كما لو وقف على أولاده الفقراء فليس له استبدالهم بالأغنياء وإن رأى في تبديله مصلحة ذكره ابن الصلاح في فتواه. وإذا أجر الناظر مدة بأجرة معينة فزادت الأجرة في المدة أو ظهر طالب بالزيادة عليها لم ينفسخ العقد في الأصح لأنه حين جرى كان العقد بالغبطة فأشبه ارتفاع القيمة بعد البيع في مال المحجور عليه فإن ثبت أنها كانت دون الأجرة عند العقد تبين بطلان الإجارة ووجب الفسخ.
مسائل:
1) لو وقف على ثغر من ثغور المسلمين فاتسعت ديار الإسلام حوله تُحْفَظُ غلة الوقف لاحتمال عوده ثغراً بانحسار ديار الإسلام وتغلب العدو عليهم.
2) لو وقف على صيانة مدرسة أو رباط في بلد فخربت البلد وانتقلت المدرسة جاز نقل الوقف إلى المدرسة الجديدة.
3) وقف على عمارة مسجد فجاز الصرف منها على التطيين وإصلاح المنكسر ولا يجوز صرف شيء من الغلة على النقش والتزويق لأنها ليست من مصالح المسجد.
4) إذا جعل بقعة معينة مسجداً فكان فيها شجر جاز للإمام قلعها باجتهاده وبذلك ينقطع حق الواقف بالشجرة.
5) إذا غرس في المسجد شجرة وقصد منافعها للمسجد لم يجز أكل ثمرها بلا عوض وإن غرسها مُسْبَلة جاز أكلها بلا عوض وكذلك إن جهلت نيته لأن الأصل الإسبال.
6) أفتى الغزالي بأنه يجوز وقف الستور لتستر به أبواب المسجد ونوافذه وكواته.
7) إذا وقف على الإسراج في المسجد والإضاءة لم يسرج جميع الليل إلا إذا انتفع بالإسراج مَنْ في المسجد من مُصَلٍّ أو نائم أو خارج لدعوة فإن كان المسجد مغلقاً ليس فيه أحد ولا يمكن دخوله لم يسرج لأنه إضاعة مال.
8) نفقة الموقوف ومؤن تجهيزه وعمارته من حيث شرطها الواقف من ماله أو من مال الوقف وإلا فمن منافع الموقوف كثمر الأشجار وغلة العقار فإذا تعطلت المنافع فالنفقة ومؤن التجهيز من بيت المال.
9) إذا جهل شرط الواقف قسمت الغلة بين الموقوف عليهم بالسويّةِ.
? كتاب الهبة ?
والهبة تطلق على الهدية والصدقة والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: (فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً) النساء4. وقوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا) الإنسان8. وأخبار منها:
1) خبر الترمذي عن أبي هريرة (تهادوا فإن الهدية تذهب وحَرَ الصدور). أي عيظة.
2) خبر البخاري وغيره عن أبي هريرة (تهادوا تحابوا).
3) خبر الطبراني وغيره عن عائشة (تهادوا تحابوا وهاجروا تورثوا أبنائكم مجداً وأقيلوا الكرام عثراتهم).
4) خبر البخاري عن أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت)). وفي لفظ الترمذي عن أنس (لو أهدي إليّ كراع لقبلت ولو دعيت عليه لأجبت). صححه الترمذي.
التمليك بلا عوض هبة في حال حياته وخرج بالتمليك العارية والضيافة والوقف فإن ملّك محتاجاً لثواب الآخرة أي طالباً ثواب الآخرة فصدقةٌ فإن نقله بنفسه أو بغيره إلى مكان الموهوب له إكراماً فهدية فكل من الصدقة والهدية هبة ولا عكس فليس كل هبة صدقة أو هدية فلو حلف لا يهدي لم يحنث بصدقة وهبة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/402)
وشرط الهبة ويقصد به الركن وأركان الهبة أربعة: واهب وموهوب وموهوب له وصيغة
إيجاب وقبول لفظاً نحو وهبت لك فيقول الموهوب له قبلت ولا يشترطان في الهدية على الصحيح بل يكفي البعث من هذا ويكون كالإيجاب والقبضُ من ذاك ويكون كالقبول وهذا تصرف الصحابة فيما بينهم ومع النبي صلى الله عليه وسلم ففي الصحيحين عن عائشة (أن الصحابة كانوا يتحرون في هداياهم يوم عائشة). ولم ينقل إيجاب وقبول فقد كان الملوك يهدون إلى رسول الله صلى الله وسلم فقد روى الترمذي عن علي (أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إليه كسرى هدية فقبلها وإن الملوك أهدوا إليه فقبل منهم). ولو قال الواهب بدل وهبتك أعمرتك هذه الدار أي جعلتها لك طول عمرك فإذا مُتَّ فهي لورثتك فهي هبة إن عُرِفَ معنى اللفظ فتلزم بالقبض وتكون لورثته من بعده ولا تعود للواهب فقد أخرج مسلم في كتاب الهبات عن جابر (أيما رجل أعمرَ عُمْرَى له ولعقبه فإنها للذي أُعطيها) لا ترجع إلى الذي أعطاها لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث.
ولو اقتصر على أعمرتك هذه الدار فكذا أي هي هبة في الجديد لخبر الصحيحين عن جابر العُرْي ميراث لأهلها وفي القديم تبطل الهبة كقوله أعمرتك سنة لوجود التأقيت ولو قال بعد قوله أعمرتك كذا فإذا مُتَّ عادت إليَّ فكذا أي هي هبة ويلغو الشرط. قال البُلْقيني: وليس لنا موضع يصح فيه العقد مع وجود الشرط الفاسد المنافي لمقتضاه إلا هذا العقد.
ولو قال أرقبتك أو جعلتها لك رُقْبَى وهو من الرقوب لأن كل واحد يرقب موت صاحبه واقتصر على اللفظ أو ضمَّ إليها ما يفسرها فقال أي إذا مُتَّ عادت إليَّ وإذا مُتُّ قبلك استقرت لك فالمذهب طرد القولين السابقين في قوله أعمرتك الجديد والقديم فالجديد يصح هبته ويلغو الشرط والقديم يبطل عقد الهبة.
وما جاز بيعه جاز هبته وما لا يجوز بيعه كمجهول ومغصوب وضال وآبق فلا يجوز هبته إلا حبتي حنطة ونحوهما فإنها لا يجوز بيعها لخسة ذلك وتجوز هبتها ويستثنى أيضاً لحم الأضحية ولبنها وصوفها فإنه تجوز هبته ولا يجوز بيعه.
وهبة الدين للمدين إبراء فلا تحتاج إلى قبول نظراً إلى معنى الهبة هنا وهبة الدين الذي على زيد لغيره باطلة في الأصح لأن بيع الدين لمن ليس عليه باطل ولا يُمْلَكُ موهوب إلا بقبضٍ بإذن الواهب كقبض كالمبيع ولا يكفي رؤيته أو وضعه بين يديه فقد روى مالك في الموطأ عن عائشة والبيهقي عن القاسم بن محمد (أن أبا بكر نحل عائشة جذاذ عشرين وسقاً فلما مرض قال: وددت أنك حزتيه أو قبضته وإنما هو اليوم مال الوارث).
وروى الحاكم عن أمَّ سلمة (أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إلى النجاشي ثلاثين أوقية مسكاً ثم قال لأمِّ سلمة: (إني لأرى النجاشي قد مات ولا أرى الهدية التي أهديت إليه إلا سترد فإذا ردّت إليَّ فهي لك)، فكان كذلك).
فلو مات أحدهما بين الهبة والقبض قام وارثُه مقامه فيتخير وارث الموهوب في الإقباض ويقبض وارث الموهوب إن أقبضه الواهب. وقيل ينفسخ العقد لأنه عقد جائز كالوكالة والشركة غير أن الهبة آيلة إلى اللزوم. ويسن للوالد العدل في عطية أولاده بأن يسوّي بين الذكر والأنثى وقيل كقسمة الإرث فإن لم يعدل فقد فعل مكروهاً ما لم تكن مزية لأحدهم كعلم وفضل وحاجة بل يندب حرمان فاسق وعاقٍ عقوبة له وللأب الرجوع في هبة ولده وكذا لسائر الأصول أي وكذلك الأم والجدات والأجداد من جهة الأب أو من جهة الأم لخبر الترمذي عن ابن عباس (لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده) على المشهور وقيل الرجوع للأب فقط وشرط رجوعه أي الأب وغيره إن جوزناه بقاء الموهوب في سلطنة المتهب فيمتنع الرجوع ببيعه ووقفه وكذلك كتابته وإيلاده لا برهنه وهبته قبل القبض لبقاء سلطنته وبقاء العين بخلاف بعد القبض من قبل المرتهن والمتهب لزوال السلطة عنه ولا يمنع الرجوع تعليق عتقه أي الرقيق ولا تدبيره ولا تزويجها أي الجارية ولا زراعتها أي الأرض فكل ذلك لا يمنع الرجوع لبقاء سلطنة الولد عليها.
وكذا الإجارة على المذهب لا تمنع الرجوع لأن العين باقية ومورد الإجارة المنفعة ولو زال ملكه أي الموهوب وعاد إليه لم يرجع الأصل الواهب في الأصح لأن الملك الآن جاء من طريق آخر.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/403)
ولو زاد رجع فيه بزيادته المتصلة كالسمن لا المنفصلة ككسب وأجرة فلا يرجع فيها لحدوثها في ملك المتهب وكذا لا يرجع بأرش النقص. ويحصل الرجوع برجعتُ فيما وهبتُ أو استرجعته أو رددته إلى ملكي أو نقضتُ الهبة أو أبطلتها أو فسختها وبكناية مع النية كأخذت الموهوب أو قبضته أو يلزمني وأخطأت في هبته لا ببيعه ووقفه وهبته بعد القبض إعتاقه ووطئها في الأصح لكمال ملك الفرع فالفعل لا يقوى على إزالة الملك ولا رجوع لغير الأصول في هبة مطلقة أو مقيدة بنفي الثواب أي بنفي العوض لأن ذات العوض لها حكم البيع.
ومتى وهب مُطْلِقَاً أي من غير قيد بثواب فلا ثواب أي فلا عوض إن وهب لدونه في المرتبة الدنيوية وكذا لا ثواب وإن نوى عند الإعطاء الثواب وكذا لا ثواب له إن وهب لأعلى منه مرتبة في الأظهر كما لو أعاره عيناً إلحاقاً بالأعيان الموهوبة بالمنافع الناتجة عن العارية وكذا لا ثواب له إن وهب لنظيره على المذهب أي لمثيله مرتبة لأن القصد من ذلك تأكد الصداقة والصلة فإن وجب الثواب أي إذا قلنا بالضعيف أنه يجب ثواب على الهبة فهو قيمة الموهوب يوم قبضه في الأصح فلا يتعين جنس من الأموال بل الخيرة فيه للمتهب وقيل يهبه حتى يرضيه لما روى أحمد في صحيحه عن ابن عباس وأبوداود عن أبي هريرة: (أن أعرابياً وهب للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة فأثابه عليها وقال: أرضيت؟ قال لا، فزاده وقال: أرضيت؟ قال: نعم، قال: يعني النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد هممت ألا أتهب إلا من قريش أو أنصاري أو ثقفي). وفي رواية للترمذي: أن الثواب كان ستَّ بكرات.
فإن لم يثبه فله الرجوع في هبته إن بقي منها شيء فإن تلف رجع بقيمته ولا يجب في الصدقة ثواب بكل حال وأما الهدية فهي كالهبة ولو وهب بشرط ثواب معلوم فالأظهر صحة العقد ويكون بيعاً على الصحيح نظراً إلى المعنى لا إلى اللفظ أو بشرط ثواب مجهول كثوب فالمذهببطلانه لتعذر تصحيحه بيعاً لجهالة العوض أو تصحيحه هبة لذكر الثواب.
ولو بعتُ هدية في ظرف فإن لم تجرِ العادةُ برده كقوَّصرَة تمر أي وعاء التمر الذي يوضع به وإلا فهو زنبيل إن لم يكن به التمر ومثله العلب التي تهدى بها الحلوى فهو هدية أيضاً للعرف المطرد في ذلك وإلا فلا أي إذا اعتيد إعارة الظرف فهو وديعة في يد المتهب ويحرماستعماله لأنه انتفاع بملك الغير بغير إذنه إلافيأكلالهديةمنهإناقتضتهالعادة عملاً بها لأنه عارية. ويسنُّ ردّهُ حالاً لخبر (استبقوا الهدايا بردِّ الظروف). قال القفال لو أنقذ شخص آخرَ من يد ظالم ثم أنفذ إليه شيئاً هل يكون رشوة أو هدية؟ قال: إن أعطاه مخافة ردِّهِ إلى الظالم فهو رشوة وإلا فهديةٌ.
? كتاب اللقطة ?
وهي لُقَطَةٌ ولُقْطة وهو المال الضائع من ربه ويلتقطه غيره وقال الخليل بن احمد اللُّقَطة بفتح القاف اسم للملتَقِط لأن ما جاء على وزن فُعَلة فهو اسم للفاعل كقولهم هُمَزة ولمَُزة. وقال الأصمعي والفراء هي بالفتح اسم للمال الملقوط. قال تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً) القصص 8.
واللقطة شرعاً هي: مال أو اختصاصٌ محترم ضاع من مالكه بنحو غفلة بمحل غير مملوك ولا عرف الواجد مستحقه ولا امتنع بقوته والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعانوا على الإثم والعدوان) المائدة 2. وقوله تعالى: (وافعلوا الخير) الحج 77.
وأخبار منها:
1) خبر الصحيحين عن زيد بن خالد الجُهنى أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن لقطة الذهب أو الورق فقال: (اعْرِف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن لم تعرفها فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإذا جاء صاحبها يوماً من الدهر فأدها إليه وإلا فشأنك بها)، وسئل عن ضالة الإبل فقال: (مالك ولها دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها) وسئل عن الشاة فقال: (خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب).
2) خبر الصحيحين عن أبي بن كعب أنه وجد صرة فيها دنانير فأتى بها النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: (عرفها حولاً فإن جاء صاحبُها يُعرِّف عدَدها ووكاءَها فادفعها إليه وإلا فاستمتع بها).
3) خبر مسلم عن أبي بن كعب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في اللقطة: (فإذا جاء باغيها فَعَرَّفَ عفاصها ووكاءها فادفعها إليه).
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/404)
وفي الالتقاط معنى الولاية والإمانة من حيث أن الملتقط أمين فيما التقطه والشرع ولاه حفظه كالولي في مال الطفل وفيه معنى الاكتساب من حيث أن له التملُّك بعد التعريف وهو المُغلَّب. وأركان اللقطة ثلاثة: التقاط – وملتقِط – وملقُوط.
يستحب الالتقاط لواثق بأمانة نفسه وقيل يجب عليه الالتقاط صيانة للمال عن الضياع ولا يستحب لغير واثق بأمانة نفسه خوف الخيانة والوقوع بالإثم ويجوز له الالتقاط في الأصح ويجاهد نفسه ويحترز إلا إذا علم من نفسه خيانة فيحرم عليه أخذها. ويكره لفاسق أخذها لأنه ربما تدعوه نفسه إلى كتمانها إلا إذا علم أنه لو تركها لتلفت ومثلُ الفاسقِ الكافرُ والمرتدُّ وتاركِ الصلاة والمذهب أنه لا يجب الإشهاد على الالتقاط لكن يستحب إلا إذا خشيَ موتاً أو غفلة ولو علم أنه إذا أشهد وعلم ظالم بها أخذها حَرُمَ عليه الإشهاد ويجب الإشهاد إن علم عن نفسه خيانة وأنه يصح التقاط الفاسق والصبي والذمِّي في دار الإسلام وإن لم يكن عدلاً في دينه لأن المغلّبَ في الالتقاط معنى الاكتساب لا الأمانة والولاية ثم الأظهر بناء على صحة التقاط الفاسق أنه أي الملتقط يُنْزَعُ أي يَنْزِعَهُ القاضي من الفاسق ويوضع عند عَدْلٍ لأن الفاسق لا يُقرُّ في يده مال ولده فكيف يُقرَُ في يده مال الأجنبي وأنه لا يعتمد على تعريفه أي تعريف الفاسق بل يُضمُّ إليه رقيبٌ عدل لئلا يخون ويفرِّط في اللقطة ويَنْزِعُ الوليُّ لقطة الصبي وجوباً ومثله المجنون والسفيه لحقهم وحق المالك وتكون يد الولي نائبةً عنهم كما ناب عنهم في مالهم ويعرِّفها الولي ويتملّكُها للصبيّ ونحوه إن رأى ذلك مصلحةً له وذلك حيث يجوز الاقتراض له لأن تملك اللقطة كالاقتراض فإن لم يره أهلاً للحفظ والأمانة والاقتراض حفظه عنده أو دفعه للقاضي ويضمن الوليُّ إن قصَّر في انتزاعه حتى تلف في يد الصبي أو أتلفه الصبي لتقصير الولي في انتزاعه إلاّ أن يكون وليه الحاكم والحاكم لا يضمن كما ذكرنا سابقاً والأظهر بطلان التقاط العَبْدِ إلا أن يكون التقاطه لسيده لأن العبد ليس أهلاً للأمانة ولا يملك ولا يعتدُّ بتعريفه لأنه ليس الملتقط حقيقةً فلو أخذه سيده منه كان التقاط من السيد فيعرِّف ويتملّك ويسقط الضمان عن العبد قلت المذهب صحة التقاط المكاتبِ مكاتبةً صحيحةً لأنه كالحرِّ في الملك والتصرف فيعرّف ويتملّك ما لم يعجّز نفسه قبل التملك والمذهب صحة التقاط مَنْ بعضُهُ حرٌّ وبعضه رقيق لأنه كالحر في الملك والتصرف والذمة وهي أي اللقطة له ولسيده يعرّفانها ويتملّكانها بحسب الرق والحرية كشخصين التقطا هذا إن لم يكن بينهما مهايأة فإن كانت مهايأة أي مناوبة بحيث يعمل المبعّض مدّةً لنفسه ومدّةً لسيده فلصاحب النوبة في الأظهر بناء على أن الكسب النادر ومنه اللقطة يدخل في المهايأة فإن وقعت في نوبة السيد عرّفها وتملّكها وإن وقعت في نوبة المبعّض عرّفها وتملّكها وكذا حكم سائر النادر من الاكتساب كالوصية والهبة والركاز والصدقة وقيل: زكاة الفطر والمؤن كالطبيب وأجرة الحمّام وثمن الدواء فالاكساب لمن حصلت في نوبته والمؤن على من وُجِدَ سبَبُها في نوبته إلا أرش الجناية والله أعلم من المبعّض أو عليه فلا يدخل في كسب أو ضمان صاحب النوبة بل يشتركان فيه جزماً لتعلُّقه بالرقبة والرقبة مشتركة بينهما.
? فصل في حكم لقطة الحيوان وغيره ?
الحيوان المَمْلُوك المُمْتَنِعِ من صِغَار السِّباع كالذئب والفهد بقوة كبعير وفرس وبغل وحمار أو يمتنع بعّدْوٍ كأرنب وضبيٍّ أو يمتنع بسبب طيران كحمام إن وُجِدَ هذا الحيوان بمفازة وهي المهلكة سميت بذلك على القلب تفاؤلاً بالفوز وهي المنطقة المنقطعة المعزولة التي تكثر فيها الوحوش والمهلكات فللقاضي التقاطه للحفظ وكذا لغيره أي التقاطه لا للتملك إنما ليحفظ على مالكه والقاضي له ولاية على أموال الغائبين وذلك في حالة الخشية من ضياعه فإن لم يخشَ ضياعه لا ينبغي أن يتعرض له في الأصح المنصوص في الأمِّ لئلا يأخذه خائن ويحرم التقاطه لتملّك أي يحرم التقاط الحيوان الممتنع للتملّك لأنه مستغنٍ بالرعي إلا أن يجده صاحبُهُ فمن أخذه لتملك ضمنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زيد بن خالد الجُهْني في ضالة الإبل: (مالَكَ ولها دعها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر). وحذاؤها: يعني
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/405)
خفها لأنه لقوته وصلابته يجري مجرى الحذاء وسقاؤها: بطنها تأخذ فيه ماءاً كثيراً فيبقى معها يمنعها العطش وقيس الباقي عليها بجامع إمكان رعيها في البرية بلا راعٍ وإن وُجِدَ بقرية أو موضع قريب من القرية فالأصحجوازالتقاطهللتملّك لتطرّق أيدي الخونة إليه أما في المفازة فإن تطرّق أيدي الخونة نادر بخلاف العمران وما لا يمتنع منها أي من صغار السباع كشاة وعجل وفصيل يجوزالتقاطه للتملك في القريةوالمفازة صيانةً له عن الخونة والسباع لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: (هي لك أو لأخيك أو للذئب). ويتخير فيما لا يمتنع آخذه من مفازة بين ثلاث خصال كما بينها بقول فإن شاء عرّفه وتملّكه بعد التعريف أو باعه أي وإن شاء باعه بنفسه إن لم يجد حاكماً يستأذنه وحفظثمنهوعرّفها أي اللقطة بعد بيعها أو أكله أي وإن شاء أكله تملّكاً وغرم قيمته إن ظهر مالكه يوم تملكه ولا يجب تعريفه إذا أكله لأنه لا فائدة من التعريف فإن أُخِذَ من العمران فله الخصلتان الأوليان وهما الإمساك والبيع لا الثالثة وهي الأكل في الأصح لسهولة البيع في العمران ويجوز أن يلتقط عبداً لا يميّز في زمن أمنٍ أو نهبٍ ومميزاً في زمنِ نهبٍ لأنه في الأمن يستطيع أن يستدل على سيده بالتمييز ويَلْتَقِطُ غير الحيوان مثل النقد والثياب والمأكول فإن يسرع فساده كهريسة ورطب لا يتتمر وعنب لا يتزبب فإن شاء باعه بدون إذن حاكم وعرّفه بعد بيعه ليتملّكثمنه ولا يعرّف الثمن وإن شاء تملّكه في الحال وأكله وغرم قيمته سواءً وجده في مفازةٍ أو عمران وقيل: إن وجده في عمرانٍ وجب البيع وامتنع الأكل لتيسر البيع في العمران بخلاف الصحراء. وإن أمكن بقاؤه بعلاج كرطبٍ يتجفف وجبت رعاية الأنفع للمالك فإن كانت الغبطة في بيعه بيع أو في تجفيفه وتبرّع به الواجد جَفَّفَه وإلّا يتبرع بالتجفيف بيع بعضه لتجفيف الباقي وخالفَ هذا الحيوان حيث بيع جميعه لأن نفقة الحيوان تتكرر فيؤدي ذلك إلى أن تأكل النفقة جميع الحيوان أو بعضه ومن أخذ لقطة للحفظ أبداً فهي أمانة في يده فأشبه المودع فإن دفعها إلى القاضي لزمه القبول حفظاً لها على صاحبها ولم يوجب الأكثرون التعريف والحالة هذه .. وهي أخذ اللقطة للحفظ لأنه إنما أوجب الشارع التعريف لمن أراد التملّك فلو قصد بعد ذلك أي بعد الأخذ للحفظ خيانةً لم يصر خائناً في الأصح أي لا يكون خائناً بمجرد القصد وإن أخذه بقصد الخيانةِ فضامنٌ عملاً بقصده المقارن لفعله وليس له بَعْدَهُ أن يُعرَّف ويتملَّك على المذهب أي لا يعرف بعد الأخذ خيانة لأنه كالغاصب ولو سلمها بعد ذلك إلى الحاكم بريء كالغاصب إذا سلّم المغصوب إلى الحاكم. وإذا أخذ ليعرّف ويتملّك بعد التعريف فالملقوط أمانة مدة التعريف وكذا بعدها ما لم يختر التمليك في الأصح إلا إذا كان العرف أن يتملك عقب التعريف فإن يضمن ويَعْرِفُ المُلْتَقِطُ جنسها من نقد أو ثياب أو حبوب وصفتها هل هي دراهم أو دنانير خالصة أو مغشوشة وقدرها بكيل أو وزن وعفاصها. وأصل العفاص هو الجلدة التي تلبس برأس القارورة ثم أُطْلِقَ توسعاً على الوعاء الذي يوضع فيه المال من جلد أو قماش أو قرطاس ووكاءَهَا وهو الخيط الذي تربط فيه الخرقة التي فيها المال ثم يعرّفها في الأسواق وأبواب المساجد عند خروج الناس من الجماعات ونحوها من مجامع الناس كالنوادي والأسواق ولا يعرف في المساجد إلا في المسجد الحرام لسعته ولعدم ضبط الناس أثناء خروجهم لتعدد أبوابه سنة لحديث زيد بن خال الجهني: (اعرف عِفاصها ووكاءَها ثم عرِّفها سنة) على العادة زمناً ومحلاً مقدراً ويعرِّف أولاً كل يوم مرتين طرفي النهار أسبوعاً ثم في كل يوم مرة ثم كل أسبوع مرة أو مرتين ثم كل شهر ثم يُعْلم أن الأخير تكرار للأول ولا تكفي سنة متفرقة أي على عدة سنوات كأن يعرف في كل سنة شهراً في الأصح لأن المفهوم من السنة في الخبر التوالي قلت الأصح تكفي والله أعلم لإطلاق الخبر كما لو نذر صوم سنة جاز تفريقها. ويذكر ندباً بعض أوصافها في التعريف هل هي نقدٌ أو ماشيةٌ أو ثيابٌ ويذكر المكان الذي وجدها فيه ولا تلزمه مؤنة التعريف إن أخذَ لحفظ بل يرتبها القاضي من بيت المال قرضاً على المالك أو يقترض على المالك من الملتقط أو غيره وإن أخذ لتملك لزمته مؤنة التعريف لوجوبه عليه وقيل إن لم يتملك فعلى
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/406)
المالك المؤنة لعود فائدة التعريف عليه والأصح أن الحقير وهو مادون الدينار وقيل وهو الأصح دون نصاب السرقة وقيل ما لا يُكثر صاحبه الأسف عليه لا يعرّف سنةً لأن صاحبه ينساه عادة ولا يهتم به بل الأصح أنه لا يلزمه أن يعرفه إلا زمناً يظن أن فاقده يعرض عنه غالباً فالدرهم يعرض عنه حالاً وربع الدينار ذهباً نحو ثلاثة أيام والدينار نحو شهرٍ. هذا كله إن كان المفقود متمولاً وأما إن كان كحبة زبيب أو تمرةٍ أو حبات قمحٍ أو شعيرٍ أخذه واجده واستبد به فوراً فقد أخرج ابن أبي شيبة عن عائشة أنها أرخصت في اللقطة في درهم. وروى ابن أبي شيبة أيضاً عن عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت ما كانت الأيدي تقطع في عهد رسول الله في الشيء التافه. وقد روي أن عمر سمع من ينشد في الطواف زبيبة أي يبحث عن صاحبها فقال: إن من الورع ما يمقته اللهُ. ومرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في طريقه تمرة فقال: (لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها).
? فصل في تَمَلّكهَا وغُرْمَها ?
إذا عرّف الملتقطُ سنةَلم يملكَها حتى يختاره أي يختار التملك بلفظ كتملكتِك أو كناية مع النية كأخذته أو أتصرف به أو هو لي وقيل تكفي النية إذ لا معاوضة هنا ولا إيجاب وقيل تملك بمضي السنة بعد التعريف اكتفاءً بقصده الأول فإن تملك الملتقطُ اللقطة فظهر المالك وهي باقية بحالها واتفقا على رد عينها فذاك فالحق لهما وليس يعدوهما ويردها الملتقط ومؤنة الرد عن المالك وترد مع زوائدها المتصلة لا المنفصلة إن ردت بعد التملك وإن ردت قبل التملك ردت بزوائدها المتصلة والمنفصلة لأنها نماء ملكه وإن أرادها المالك وأراد الملتقط العدول إلى بدلها أجيب المالك في الأصح لخبر الصحيحين (فإذا جاء صاحبها يوماً من الدهر فأدها إليه) وإن تَلِفَتْ غرِم مثلها إن كانت مثلية أو قيمتها يوم التملك إن كانت متقومة لأنه يوم دخولها في ضمانه وإن نقصت بعيب حيث بعد أن تملكها الملتقط فله أي مالكها أخذها مع الأرش في الأصح لأنّا لما ضمنا الكل فالبعض أولى وإذا ادعاها رجل ولم يصفها ولا بينة لهذا الرجل بها مما يثبت بها الملك كالشاهد واليمين لم تدفع إليه إلا إذا علم الملتقط أنها للمدعي فيلزمه الدفع إليه وإن وصفها وظن ملتقطها صدقه جاز الدفع إليه عملاً بظنه وقد نص الشافعي على استحبابه ولا يجب على المذهب لأن الدفع إلى المدعي يحتاج إلى بينة، أما إذا ادعاها اثنان وأقام كلٌ منهما بينة وتعارضتالم تدفع إلى أحد منهما فإن دفع للمدعي فأقام آخر بينةً بها حولت إليه عملاً ببينته فإن تَلِفَت عنده أي المدّعي لها فلصاحب البينة تضمين الملتقط والمدفوع إليه والقرار عليه أي القرار على المدفوعة إليه فعليه الضمان لتلف الملقوط في يده قلت لا تحل لقطة الحرم للتملك بل للحفظ على الصحيح لخبر الصحيحين عن ابن عباس: (إنَّ هذه البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض يقصد شوكه ولا ينفر صيده ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها) .. وفي رواية البخاري: (لا تحل لقطته إلا لمنشد). قال الشافعي أي لمعرّف ويجب تعريفها قطعاً والله أعلم للخبر السابق فتلزم الإقامة في الحرم للتعريف بها أو دفعها للقاضي إن كان أميناً فإن أراد سفراً ولا قاضي أمين تركها عند من يثق به.
? كتاب اللقيط ?
اللقيط لغة: ما يلقط أي يرفع من الأرض وقد غلب على الصبي المنبوذ ويقال له: منبوذ ودَرعِيّ وهو شرعاً: طفل ينبذ بنحو شارع لا يعرف له مُدَّعٍ والأصل فيه قبل الإجماع قول تعالى: (ومن أحياها فكأنها أحيا الناس جميعاً) المائدة32. وقوله تعال: (وافعلوا الخير) الحج77. وقوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) المائدة3. وأخبار منها حديث سنين بن أبي جميلة (أنه وجد منبوذاً فجاء به إلى عمر فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ قال: وجدتها ضائعةً فأخذتها، قال: عريفه: يا أمير المؤمنين إنه رجلٌ صالحٌ، فقال عمر: اذهب فهو حرٌّ ولك ولاؤه وعلينا نفقته)، وزاد عبد الرزاق عن مالك: وعلينا نفقته من بيت المال، وأخرجه مالك والبيهقي.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/407)
التقاط المنبوذ أي أخذه فرض كفاية لقوله تعالى: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً) المائدة32. صيانة للنفس المحترمة عن الهلاك ويجب الإشهاد عليه في الأصح أي الإشهاد على التقاطه لئلا يسترق ويضيع نسبه وإنما تثبت ولاية الالتقاط أي الحضانة له وحفظه لمكلّفٍ حرٍّ ذكر أو أنثى ولو كان فقيراً مسلمٍ إذا حكمنا بإسلام اللقيط عَدْلٍ لأنها ولاية فاعتبر فيها أوصاف الولاية كالقضاء رشيدٍ كما هو سائر الولايات ولو التقط عَبْدٌ بغير إذن سيده انتزع منه أي ينتزع اللقيط من العبد لأن الحضانة تبرُّعٌ والعبد ليس من أهلها فإن علمه فأقرّه عنده أو التقط بإذنه فالسيد الملتقط والعبد نائبه في الأخذ والتربية ولو التقط صبيٌّ أو فاسقٌ أو محجورٌ عليه بسفهٍ أو كافرٌ مسلماً انتزع منه لأن الصبي والفاسق وأيضاً المجنون والمبذر غير مأتمنين شرعاً كما أنه ليس للكافر ولاية على المسلم ولو ازدحم اثنان كل منهما أهل للالتقاط على أخذه بأن يقول كل واحدٍ منهما: أنا آخذه جعله الحاكم عند من يراه منهما أو من غيرهما لأنه لا حقّ لأحدٍ منهما فيه قبل أخذه فيفعل الحاكم الأنفع له وإذا سبق واحدٌ فالتقطه منع الآخر من مزاحمته لخبر أبي داود (من سبق إلى ما لم يَسْبِق إليه أحدٌ فهو أحق به). وإن التقطاه معاً وهما أهل لحفظه وحفظ ماله فالأصح أنه يقدّم غنيٌّ على فقير لأنه الأحظ للقيط ولأن الغني قد يواسيه بماله وعدْلٌ على مستورٍ حفظاً للقيط فإن استويا في الصفات المعتبر ولم يأذن أحدهما للآخر في أخذه أقرع بينهما وليس لمن خرج حقه في القرعة ترك حقه بخلاف قبل القرعة كما اقترعت الأحبار على كفالة مريم قال تعالى: (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) آل عمران44. وإن وَجَد بلدي لقيطاً ببلدٍ فليس له نقله إلى بادية لخشونة عيشها وموات العلم والدين والصنعة على اللقيط والأصح أن له نقله إلى بلدٍ آخر لعدم وجود المحذور السابق والأصحُّ أن للغريب إذا التقط ببلدٍ أن ينقله إلى بلده وقيل: لا ينقل مخافة ضياع نسبه لأن اللقيط إنما يبحث عنه حيث فُقِدَ غالباً وإن وجده أي البلدي بباديةٍ فله نقله إلى بلدٍ لأنه أرفق به وأنفع له وإن وجده بدوي ببلدٍ فكالحضري أي فليس له نقله إلى بادية وله نقله إلى بلدٍ آخر في الأصح أو وجده البدوي ببادية أُقِرَّ بيده وإن كان أهل حِلَّته ينتقلون وقيل: إن كانوا ينتقلون للنجعة أي ينتقلون طلباً للمرعى والماء لم يُقَرَّ في يده لما فيه من تعريض نسبه للضياع ونفقته في ماله العام كوقفٍ على اللقطاء أو الوصية لهم ويجوز الوقف على جهة معينة كأبناء السبيل والمساكين والغزاة وبناء القناطر واللقطاء بخلاف الأفراد أو الخاص وهو ما اختصَّ به كثيابٍ ملفوفةٍ عليه أو ملبوسةٍ له ومفروشةٍ تحته ومغطى بها وما في جيبه من دراهم وغيرها كذهب وحُلِيٍّ وما في مهده وهو سريره الذي هو فيه ودنانير منثورةٍ فوقه وتحته لأن له يداً واختصاصاً كالبالغ لأن الأصل الحرية ما لم يعرف خلافها وإن وجد في دارٍ فهي له إن لم يكن فيها غيره لوجود يده عليها ولا مزاحم له فيها وليس له مال مدفون تحته وكذا ثياب وأمتعةٌ موضوعة بقربه لأن ما كان تحته لا يمكن أن يحكم له به إلا إذا كانت البقعة له والكبير إذا كان جالساً على أرض تحتها دفين لم يحكم له به وأما الأمتعة فلا تثبت يد اللقيط عليها إلا إذا كانت متصلة به فإن لم يعرف له مالٌ فالأظهر أنه ينفق عليه من بيت المال من سهم المصالح فإن لم يكن في بيت المال شيء قام المسلمون بكفايته قرضاً أي على جهة القرض كما يلزمهم إطعام المضطر بالعوض وفي قوله نفقة فلا يرجعون بها عليه لعجزه لأن كفايته من فروض الكفاية وللملتقِط الاستقلال بحفظ ماله أي مال اللقيط في الأصح لأنه يستقل بحفظ المالك فالمال أولى ولا يُنْفِقُ عليه منه إلا بإذن القاضي قطعاً لأن الملتقِط ليس له حق الولاية على المال فولاية التصرف في المال لا تثبت إلا لأصل أو وصي أو حاكم أو أمينه فإن أنفق بغير إذن القاضي ضمن.
? فصل في الحكم بإسلام اللقيط أو كفره بتبعية الدار وغيرها ?
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/408)
إذا وجد لقيط بدار الإسلام وفيها أهل ذمة أو بدار فتحوها أي فتحها المسلمون وأقروها بيد كفاراً صلحاً أي على وجه الصلح أو أقروها بيدهم بعد ملكها بجزية وفيها مسلم يمكن أن يولد لذلك المسلم في الصور السابقة حكم بإسلام اللقيط في جميع هذه الصور لما روى أحمد والدار قطني (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه)). وقال الماوردي: وحيث لا ذمي ثَمَّ فمسلم ظاهراً وباطناً وإلا فيحكم عليه بالإسلام ظاهراً أما إذا لم يكن ثمَّ مسلم يمكن كونه منه فهو كافر.
وإن وجد بدار كفار فكافر إن لم يسكنها مسلم ولا غيره باجتياز المسلم وإن سكنها مسلم يمكن كونه منه كأسير وتاجر فمسلم في الأصح تغليباً لدار الإسلام ومن حُكِمَ بإسلامه بالدار فأقام ذمي بينة بنسبه لحقه وتبعه في الكفر وارتفع ما ظنناه من إسلامه للبينة لأن البينة أقوى من حكم باليد. وإن اقتصر على الدعوى بأنه ابنه ولا بينة فالمذهب أنه لا يتبعه في الكفر لأننا قد حكمنا بإسلامه فلا يغير بمجرد الدعوى ويلحقه نسبه ويحكم بإسلام الصبي بجهتين أخريين لا تفرضان في اللقيط أي لا علاقة لهما باللقيط إنما ذكرا هنا لبيان متى يحكم بإسلام الطفل إحداهما: الولادة فإذا كان أحد أبويه مسلماً وقت العلوق فهو مسلم تغليباً للإسلام وإن كان المسلم هو الأنثى فإذا بلغ ووصف كفراً أي أعرب ووصف نفسه بالكفر فمرتد لأنه مسلم ظاهراً وباطناً ولكن لا تنقض الأحكام التي سبقت ردته كإرثه من مسلم أو عتقه عن كفارة باعتباره رقبة مؤمنة وفي قول كافر أصلي لأنّا حكمنا على إسلامه بالتبعية وقد زالت التبعية باستقلاله فعاد لما كان عليه أولاً وهو الكفر وقد عبر عنه. الثانية: إذا سبى مسلمٌ طفلاً تبع السابي في الإسلام إن لم يكن معه أحد أبويه لأنه صار تحت ولاية المسلم فإن كان معه أحد أبويه لم يتبع السابي لأن تبعية أحد الأبوين أقوى من تبعية السابي ومعنى أن يكون أحد أبويه معه أن يكونا في جيش واحد وغنيمة واحدة ولا يشترط كونهما في ملك رجل واحد ولو سباهُ ذمي لم يحكم بإسلامه في الأصح أي سباه في غير دار الإسلام وحمله إلى دار الإسلام ومثل الذمي المستأمنُ لأن دار الإسلام لم تؤثرْ به ولا بولده فكيف تؤثر بمسبيه ولأن دار الإسلام إنما تؤثر بالذي لا يُعْرَفُ حاله ولا نسبه ولا يصح إسلام صبي مميز استقلالاً كغير المميز بجامع عدم التكليف ولأن نطقه بالشهادتين إما خبر وخبره غير مقبول أو إنشاء فهو كعقوده وهي باطله ويسنُّ الحيلولة بينه وبين أبويه لئلا يفتناه وقيل تجب وقيل يصح إسلامه ويرث من قريبه المسلم (لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا علياً قبل بلوغه فأجابه)، رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى وروى الحاكم في المستدرك عن ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع الراية إلى علي يوم بدر وهو ابن عشرين سنة) وكانت بدر بعد المبعث بأربع عشرة سنة فيكون في المبعث ستة أو سبعة أعوام وردَّ الإمام أحمد قولهم أن إسلام عليٍّ كان قبل البلوغ والصحيح أن الأحكام إنما تعلقت بالبلوغ بعد الهجرة وقيل إنما كان ذلك عام الخندق.
? فصل فيما يتعلق برق اللقيط وحريته واستلحاقه ?
إذا لم يقرّ اللقيط برقٍ فهو حرٌّ لأن الأصل في الناس الحرية إلا أن يقيم أحدٌ بينةً برقِهِ سواء في ذلك لاقطه أو غيره وإن أقرَّ وهو بالغ عاقل به أي بالرقِّ لشخص فصدقه قُبِلَ إن لم يسبق إقرارٌ بحرية فإن سبق إقراره بحرية لم يُقْبَلْ إقراره بالرقِّ وإن كذبه لم يقبل إقراره أيضاً بالرقِّ والمذهب أنه لا يشترط في صحة الإقرار بالرقِّ أن لا يَسْبق منه تصرف يقتضي نفوذُهُ أي تصرف من مُدَّعي الرقَّ على نفسه بحيث يدل هذا التصرف حريةً كبيع ونكاح بل بعد التصرف بشيء من المذكورات يقبل إقراره في أصل الرقِّ وفي أحكامه المستقبلة فيما له وعليه كما يقبل إقرار المرأة بالنكاح وأما فيما عليه فلأنه أقرَّ بحق عليه فيؤاخذ به كسائر الأقادير لا الأحكام الماضية المضرة بغيره في الأظهر فلو كان اللقيط امرأة متزوجة ولو ممن لا يحل له نكاح الأمة وأقرّت بالرقِّ لم ينفسخ نكاحه منها وله الخيار إن كان شرط عند نكاحها الحرية وتُسلّم له ليلاً ونهاراً وإن تضرر السيد وله السفر بها وولدُها قبل إقرارها حرٌّ لظنها حريتها ولا قيمة عليه فيه وتعتد بثلاثة أقراء للطلاق لأنه حق آدمي وشهرين
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/409)
وخمسة أيام للموت لأنه حق الله تعالى وبطلانها قبل الدخول يسقط المسمّى لفساد العقد وإن كان المُقِرُّ بالرقِّ هو الزوج انفسخ نكاحه بإقراره ولزمه المسمّى بعد الدخول ونصفه قبل الدخول لتغريره بغيره ويؤدي من كسبه الحاصل أو المستقبل فإن لم يكن ثمة كسبٌ ففي ذمته. فلو لزمه دين فأقرَّ برقٍّ وفي يده مال قضى منه فإن فضل شيء فللمُقَرِّ له وإن لم يكن في يده شيء فهو في ذمته يتبع فيه بعد عتقه ولو ادّعى رقه من ليس في يده بلا بينة لم يقبل قطعاً لأن الأصل والظاهر الحرية فلا تترك إلا ببينة بخلاف النسب لما فيه من الاحتياط والمصلحة. وكذا إن ادّعاه الملتقطُ بلا بينة فلا يقبل قوله في الأظهر بخلاف دعواه مالاً التقطه إذ ليس في دعواه تغيير صفة للعلم بمملوكيته أي المال له أو لغيره أما في اللقيط فهناك تغير صفة من حرية إلى رقّ فاحتيط له. قال الماوردي: وينزع من يده لأنه بدعوى رقه خرج من الأمانة ولو رأينا صغيراً مميزاً أو غيره أي غير مميز في يد من يسترقه أي من يدعى رقه ولم يُعْرَفْ استنادهما إلى الالتقاط حكم له بالرقِّ عملاً باليد والتصرف بلا معارض فإن بلغ وقال أنا حرٌّ لم يقبل قوله في الأصح إلا ببينة لأننا قد حكمنا برقه فلا يرفع هذا الحكم إلا ببينة ومن أقام بينة من ملتقط وغيره برقه أي اللقيط عمل بها ويشترط أن تتعرض البينة لسبب الملك له من إرث أو شراء أو غيرهما لئلا تعتمد ظاهر اليد ويكفي في البينة أربع نسوة لأن شهادتهن بالولادة تُثْبتُ المِلْكَ كالنسب في الشهادة بالولادة أنه ولدُ أمته وإن لم تتعرض للمك لأن الغالب أن ولد أمتِهِ مِلْكُهُ.
وفي قول يكفي مطلق الملك كسائر الأموال ولكن الفرق بأن اللقيط محكوم بحريته بظاهر الدار فلا يزال ذلك الظاهر إلا بيقين ولو استلحق اللقيطَ حرٌّ مسلم لحَِقَهُ وصار أولى بتربيته وتثبت للقيط أحكام النسب من المدعي ومن اللقيط ولا يلحق بزوجته إلا ببينة وصار المستلحِقُ أولى بتربيته من غيره لثبوت أبوته له وإن استلحقه عبد لحقه في النسب دون الرقّ فلحوقه به في الرقِّ يحتاج إلى بينة وفي قول يشترط تصديقُ سيدِهِ لأن استلحاقه يقطع إرثه عن سيده ويجعل الإرث لولده. وإن استلحقته امرأة لم يلحقْهَا في الأصح لإمكانها إقامة البينة على ولادته دون الرجل فلا يستطيع إقامة البينة على أنه ابنه أو استلحقه اثنان لم يقدم مسلم وحر على ذمي وعبد بناء على صحة استلحاق العبد والذمي والحرِّ لو انفرد كل واحد منهم فلا بد من مُرَجْحٍ فإن لم تكن بينة لواحد منهم عُرِضَ اللقيط على قائف فيلحقُ اللقيط من ألحقه القائف به ولا يصح رجوع القائف عن قوله الأول لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله فإن لم يكن قائف أي لم يوجد دون مسافة القصر أو وجد القائف لكن تخير أو نفاه عنهما أو ألحقه بهما انتظر بلوغه وأُمِرَ بالانتساب وجوباً وإن امتنع حُبِسَ بعد بلوغه إلى من يميل طبعه إليه منهما فمن انتسب إليه منهما لحق به لما روى البيهقي بسند صحيح عن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه (أن عمر قال لغلام ألحقه القافة بالمتنازعين معاً: انتسب إلى من شئت منهما).
ولو أقاما بينتين متعارضتين سقطتا في الأظهر لاستحالة العمل بالبينتين لاستحالة كون الولد منهما ولا ترجح بينة صاحب اليد لأن اليد تدل على الملك لا على النسب.
? كتاب الجعالة ?
والجعالة بتثليث الجيم وهي لغة: اسم لما يجعل للإنسان على فعل شيء وشرعاً: التزام عوض معلوم على عمل معين أو مجهول عسر علمه والأصل فيه قبل الإجماع خبر الصحيحين عن أبي سعيد الخدري (أنه انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيّفوهم فَلُدِغَ سيد ذلك الحي فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكونَ عند بعضهم شيء، فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لُدِغَ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه فهل عند أحدٍ منكم شيء؟ فقال بعضهم: نعم والله إني واللهِ لأرقى ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جُعلاً، فصالحوهم على قطيع من الغنم). والقطيع من الغنم ثلاثون رأساً ويستأنس لذلك (ولمن جاء به حمل بعير). وحمل البعير معلوم عندهم ويستنبط من الحديث جواز الجعالة على ما ينتفع به المريض من دواء أو رقية. وقال ابن عباس:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/410)
أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله، وهو طرف حديث صحيح وصله الإمام البخاري.
هي الجعالة كقوله من ردَّ آبقي فله كذا أو أن يقول رُدَّ عليَّ دابتي الضالة ولك كذا ويشترط فيها صيغة من الجاعل تدل على العمل بشرط كقوله من ردَّ عليَّ كذا فله كذا أو طلب كقوله رُدّ عليَّ كذا وخذ كذا بعوض مُلْتَزَمٍ لأن الجعالة معاوضة عمل بمال فلا بدَّ من صيغة تدل على المطلوب وقدر المال المبذول فلو عمل العامل بلا إذن أو يأذن من غير ذلك العوض أو بعد الإذن لكنه لم يعلمْ به أو أذن لشخص فعمل غيره فلا شيء له لأن الجاعل لم يلتزم له عوضاً فوقع عمله تبرعاً ولو قال أجنبي من ردَّ عبدَ زيدٍ فله كذا استحق الرادُّ العالمُ بذلك على الأجنبي لأنه التزم الجُعل وإن قال أجنبي قال زيد من ردَّ عبدي فله كذا من الدراهم أو الدنانير وكان الأجنبي كاذباً لم يستحق العاملُ عليه أي على الأجنبي ولا على زيد لعدم التزامهما بالمال وإن كان الأجنبي صادقاً استحق العامل الجُعل ولا يشترط قبولُ العاملِ لفظاً وإن عيّنه الجاعل بل يكفي العمل كالوكيل وتصح الجعالة على عمل مجهول وذلك في حالة عسر ضبط العمل كردِّ سيارتي الضائعة أو دابتي الضالة فإن سَهُلَ ضبط العمل تعين إذ لا حاجة إلى تحمل الجهالة كبناء حائط فيذكر محله وطوله وسمكه وارتفاعه وما يبنى به وخياطة ثوب فيصفه وكذا معلوم كمن أحضر لي كتبي من مدينة كذا أو خاط لي ثوبي والذي صفته كذا وكذا أو بنى لي داري والتي صفاتها كذا وكذا في الأصح لأنها إذا جازت مع الجهل فمع العلم أولى ويشترط كون الجعل معلوماً إذ لا حاجة إلى جهالته بخلاف العمل ويعلم الجعل إما بمشاهدة أو وصف فلو قال الجاعل من رده أي آبقي فله ثوب أو أرضية أو فله خنزير أو خمر فسد العقد لجهالة العوض أو لأن العوض لا قيمة له لنجاسته وللراد أجرة مثله كالإجارة الفاسدة ولو قال من رد لي عبدي من بلد كذا فله دينار مثلاً فرده من أقرب منه فله قسطه من الجعل لأن جعل كل الجُعل في مقابلة كل العمل فبعضه في مقابلة البعض فإن رده من نصف الطريق فله نصف الجعل أي نصف دينار إذا تساوت الطريق في السهولة والصعوبة والأمان والخوف وإلا يحسب كل بحسابه فلو كانت أجرة نصف المسافة ضعف أجرة النصف الآخر فيقابله ثلثا الجعل أي ثلثا دينار.
ولو اشترك اثنان في رده اشتركا في الجعل بالسوية أو ثلاثة فكذلك بحسب الرؤوس وإن تفاوت عملهم إذ أن عملهم لا ينضبط حتى يوزع الجُعْلُ على قدر العمل ولو التزم جُعْلاً لمعين كإن قال لزيد إن رددت إليَّ دابتي فلك دينار فشاركه غيره في العمل أي شارك آخرُ زيداً في العمل إن قصد إعانته مجاناً أو بعوض فله أي لزيد كامل الدينار كل الجعل وليس للمعاون شيء إلا إذا التزم زيدٌ له أجرة.
وإن قصد المشارك العمل للمالك أي الملتزم بالجُعْل أو لنفسه أو لم يقصد شيئاً فللأول قسطه إن شارك زيداً من أول العمل وهو نصف الجعل أي نصف دينار في مثالنا ولا شيء للمشارك بحال أي في جميع الحالات المذكورة لتبرعه ولعدم التزام الجاعل تجاهه ولكل منهما الفسخ قبل تمام العمل لأنه عقد جائز من الطرفين أما بعد تمام العمل فلا أثر للفسخ لأن الجعل لزم فإن فُسِخَ قبل الشروع أو فسخ العامل بعد الشروع فلا شيء له لأنه لم يعمل في الأولى وفي الثانية لم يحصل غرض المالك ولأن العامل امتنع باختياره وإن فسخ المالك بعد الشروع فعليه أي المالك أجرة المثل في الأصح فلا تفوت أجرة العامل بفسخ المالك فََفَسْخُ الملتزم يوجب أجرة المثل للماضي من العمل وللمالك أن يزيد أو ينُقًص في الجعل قبل الفراغ وتغير جنسه قبل الفراغ من عمل العامل كما تجوز الزيادة في الثمن في زمن الخيار فإن قال المالك مثلاً من ردَّ دابتي فله عشرة ثم قال: فله خمسة فالاعتبار بالنداء الأخير أما بعد مباشرة العمل فهو ما ذكره بقوله وفائدته بعد الشروع بالعمل وجوب أجرة المثل لأن النداء الأخير فسخ للأول والفسخ في أثناء العمل يقتضي أجرة المثل.
ولو مات الآبق في بعض الطريق أو هرب فلا شيء للعامل لأنه لم يرده والجعل إنما يجب بتمام العمل فلم يحصل شيء من مقصود الجاعل وبذلك فارق ما لو مات الأجير في الحج المستأجر له قبل تمام الحج فإنه يستحق قسط ما عمل وكذلك لو رجع الآبق بنفسه فلا شيء للعامل.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/411)
وإذا رده فليس له حبسه لقبض الجعل لأن الجعل إنما يجب بالتسليم فلا يستحق قبل التسليم فإذا حبسه قبل التسليم لم يستحق الأجر ويصدّق المالك بيمينه إذا أنكر شرط الجعل لأن الأصل عدمه أو أنكر المالك سعيه أي العامل في رده بأن قال المالكُ عاد بنفسه ولا دور لك في رده فإن اختلفا في قدر الجعل تحالفا وللعامل بعد الحلف أجرة المثل.
مسائل:
1) قال أحدهم لشخص إذا أخبرتني بخروج زيد من البلد فلك كذا وكان له غرض بخروج زيد استحق الجعل.
2) لو كان رجلان في بادية ونحوها فمرض أحدهما وعجز عن السير لزم الآخر المقام معه إلّا أن يخاف على نفسه فإذا أقام معه فلا أجرة له وإذا مات أخذ ماله وأوصله إلى ورثته ويده عليه يد أمانة فلا يضمن إلا بالتفريط.
3) تنفسخ الجعالة بالموت ولا شيء للعامل لما عمل بعد موت المالك فلو قطع بعض المسافة ثم مات المالك فردَّه إلى وارثه استحق من المسمى بقدر عمله في حياة المالك.
? كتاب الفرائض ?
أي كتاب قسمة المواريث وفرائض جمع فريضة بمعنى مفروضة من الفرض والفرض يأتي لمعانٍ منها: القطع للخيط وفَرْضُ القوس هو موضع الوتر منه والثًلُمة من النهر تسمى فرضاً والإنزال يسمى فرضاً كقوله تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معادٍ) القصص85. والبيان يسمى فرضاً كقوله تعالى: (سورة أنزلناها وفرضناها) النور1. وقوله تعالى: (فرض الله لكم تحلة أيمانكم) التحريم2.
وتأتي بمعنى الإحلال قال تعالى: (ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له) والفرض يأتي بمعنى الإعطاء فالعرب تقول: ما أصبت منه قرضاً ولا فرضاً والفرض يأتي بمعنى التقدير قال تعالى: (نصف ما فرضتم) أي نصف ما قدرتم.
الفرض شرعاً: نصيب مقدر شرعاً للوارث وعلم الفرائض شرعاً هو العلم بقسمة المواريث والأصل فيه قبل الإجماع آيات المواريث وأخبار منها:
1) خبر الصحيحين عن ابن عباس (ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر).
2) خبر أبي داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة وسنة قائمة وفريضة عادلة).
3) خبر الترمذي والبيهقي عن ابن مسعود (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض حتى يختلف الرجلان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما)).
4) خبر الترمذي وأحمد عن جابر بن عبد الله قال: (جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنتيها من سعد، فقالت يا رسول الله: هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحدٍ شهيداَ وأن عمهما أخذ مالهما ووالله لا تُنكحان ولا مال لهما, فقال: (يقضي الله في ذلك) فأنزل الله: (فإن كنّ نساءً فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك) النساء11، فدعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم فأعطى البنتين الثلثين والأم الثمن وقال للعم خذ الباقي).
5) خبر ابن ماجة والحاكم عن حفص بن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعلموا الفرائض فإنه من دينكم وإنه نصف العلم وإنه أول علم ينزع من أمتي)).
واختلف في معتمد نصف العلم على أقوال أحسنها أنه باعتبار حال الناس فإن حال الناس حياة وموت والفرائض تتعلق بحال الموت وسائر العلوم تتعلق بحال الحياة وقيل: إن العلم يستفاد تارة بالنصِّ وتارة بالقياس وعلم الفرائض مستفاد من النصِّ. قال عمر بن الخطاب: إذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض وإذا لهوتم فالهوا في الرمي. واشتهر من الصحابة في هذا العلم أربعة: علي وابن عباس وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود واختار الإمام الشافعي مذهب زيد لأنه أقرب إلى القياس ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفرضكم زيد) رواه الترمذي وأحمد عن أنس بن مالك.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/412)
يُبْدأً من تركة الميت وجوباً بمؤنة تجهيزه وتركة الميت هو ما تخلف عن الميت من مال وغيره فيصدقُ فيها صيدٌ وقع في شبكة نصبها قبل موته وكذلك دية أخذت من قاتله لدخولها في ملكه والمقصود بمؤنة التجهيز الكفن والحنوط وما في معناه والماء وأجرة الغسل والحمل والحفر ثم بعد مؤنة التجهيز تقضى ديونه مقدماً منها دين لله تعالى كزكاة وكفارة وحج على دين الآدمي ثم بعد قضاء الدين تنفذ وصاياه وما ألحق بها من تبرع نجز في مرض الموت وعتق معلق بالموت قال تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) النساء11. من ثلث الباقي بعد أداء الدين ثم يقسم الباقي من التركة بين الورثة ولا يعني هذا أن الدين يمنع انتقال الملك على الورثة فالدين لا يمنع الإرث وإنما يمنع التصرف ولذا كانت زوائد التركة للورثة.
فإن تعلق بعين التركة حق كالزكاة الواجبة في التركة قبل موت المورث والجاني لتعلق أرش الجناية برقبته والمرهون لتعلق حق المرتهن به والمبيع بثمن في الذمة إذا مات المشتري مفلساً بثمن المبيع ولم يكن هناك مانع من الفسخ فيمكّنُ البائع منه ويفوز به حجر على المشتري قبل موته أو لم يحجر لأن الفسخ إنما يرفع العقد من وقته فيقدم البائع بالمبيع قدم ذلك الحق في تلك الصور على مؤنة تجهيزه والله أعلم إيثاراً للأهم كما تُقَدَمُ تلك الحقوق على حقه حال حياته ويقدم تجهيز الميت من تركته على حق الغرماء لأن حقهم مُرْسَلٌ في ذمته كما مؤنة تجهيزه فيقدم على حقهم كما تقدم نفقته يوم قسمة ماله على حقهم.
وأسباب الإرث أربع فلا إرث بغيرها قرابة فيرث بعض الأقارب من بعض في فرض وتعصيب ونكاح صحيح ولو من غير وطء وولاء وهو عصوبة سببها نعمة المُعْتِقِ على المُعْتَقِ مباشرة أو سراية أو شرعاً كعتق أصله وفرعه فيرث المعُتِقُ ومن يدلي به العتيق ولا عكس أي لا يرث العتيقُ المُعْتِقَ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الولاء لحمة كلحمة النسب) صححه ابن حبان والحاكم.
والرابع الإسلام أي جهة الإسلام فالجهة هي الوارثة لا المسلمون بدليل أنه لو أوصى بثلث ماله للمسلمين ولا وارث له صحت الوصية لأن التركة ليست لهم فتصرفُ التركة لبيت المال كلها أو باقيها إرثاً بسبب العصوبة للمسلمين لأنهم يعقلون عنه كأقاربه إن لم يكن وارث بالأسباب الثلاثة المتقدمة وهي: القرابة والنكاح والولاء. لما روى أبوداود والحاكم وصححه عن المقدام بن معد يكرب (أن النبي قال: (أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأَوْرِثُهُ)).
والمجمع على توريثهم من الرجال عشرة اختصاراً وبالتفصيل والبسط خمسة عشر الابن وابنه وإن سفل والأب وأبوه وإن علا والأخ لأبوين ولأبٍ ولأمٍ وابنه إلا من الأم والعم للميت إلا للأم أي أن العم الذي يرث هو العم من الأبوين والعم لأب أي أن أخا الأب لأمه لا يرث.
وكذا ابنه أي يرث ابن العم لأبوين ولأب والزوج والمعتق وهو من صدر من الإعتقاق والمجمع على إرثهن من النساء سبع بالاختصار وبالتفصيل عشرة وهنَّ البنتُ وبنتُ الابن وأسفل أي الابن أي بنت الابن وبنت ابن ابنه وهكذا والأم والجدة من قِبَلِ الأم والجدة من قبل الأب وإن علت والأخت من جهاتها الثلاث والزوجة والمعتقة وهي من صدر منها العِتْقُ ولو اجتمع كل الرجال أي اجتمع الوارثون من الرجال جميعاً ولا يكون ذلك إلا إذا كان الميت أنثى ورث منهم ثلاثة الأب والابن والزوج فقط لأن من بقي منهم محجوب بالأب والابن أو اجتمع كل النساء ولا رجال ولا يكون الميت إلا ذكراً فـ الوارث هو البنت وبنت الابن والأم والأخت للأبوين والزوجة لأن غيرهن محجوب بغير الزوجة أو اجتمع الذكور والإناث الذين يمكن اجتماعهم من الصنفين فـ الوارث هو الأبوان والابن والبنت وأحد الزوجين فقط لحجبهم الآخرين ولو فُقِدوا كلهم أي فُقِدَ كل الوارثين من الرجال والنساء المذكورين فأصل المذهب أنه لا يورَّثُ ذوو الأرحام وقد استدلوا لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث)، رواه أحمد والترمذي عن أبي إمامة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/413)
ووجه الدلالة فيه أن الله ما ذكرهم في القرآن الكريم في آيات الميراث وقال الإمام أحمد والإمام أبو حنيفة رحمهما الله: يرثون ولا يردُّ على أهل الفرض فيما إذا وجد بعض الوارثين ولم يستغرقوا التركة كالأختين. قال تعالى: (فلهما الثلثان مما ترك) والردُّ يقتضي أن تأخذا جميع التركة بل المال كله في فقدهم كلهم أو الباقي بعد الفروض لبيت المال سواء انتظم بيت المال بإمام عادل يصرفه في جهته أم لا لأن الإرث للمسلمين والإمام ناظر ومستوفٍ لهم والمسلمون لم يفقدوا إنما فُقِدَ المستوفي لهم فلم يوجب ذلك سقوط حقهم هذا هو أصل المذهب وقد يطرأ على الأصل ما يقتضي مخالفته وهذا قوله وأفتى المتأخرون ومنهم ابن سراقة والماوردي والقاضي حسين والمتولي وغيرهم وهو قول عامة علماء المذهب والمتأخرون عندهم من كان بعد المائة الرابعة إذا لم ينتظم أمر بيت المال بأن فقد الإمام أو كان جائراً غير عادل بالردِّ على أهل الفرض لأن المال مصروف إليهم أو إلى بيت المال فإن تعذرت إحدى الجهتين صرف إلى الأخرى غير الزوجين إجماعاً لأنهم ليسوا من أولي الأرحام فلو كان مع الزوجية رحم وجب الردُّ عند القائلين به لكن الردُّ من جهة الرحم لا من جهة الزوجية ما فضل عن فروضهم بالنسبة أي بنسبة فروضهم إن اجتمع أكثر من صنف وعدد سهامهم هو أصل المسألة فإذا انفردت البنت حازت كل التركة النصف فرضاً والنصف الآخر ردّاً ومع الأم لها ثلاثة أرباع النصف فرضاً والربع ردّاً والأم الربع: السدس فرضاً والباقي ردّاً.
وفي بنت وأم وزوج: البنت النصف والأم السدس والزوج الربع فالمسألة من اثني عشر فيبقى بعد إخراج الفروض سهم من اثني عشر يردُّ على البنت والأم فقط ثلاثة أرباعه للبنت وربعه للأم لأن مجموع سهامهما ثمانية: ثلاثة أرباعها للبنت وربعها للأم فتصح المسألة من ثمانية وأربعين على الشكل التالي:
البنت تأخذ، والأم تأخذ، والزوج يأخذ، ويمكن اختصارها: للبنت وللأم وللزوج لأن جميع الأنصبة تقبل الاختصار على ثلاثة.
وفي بنت وأم وزوجة فأصل المسألة من أربعة وعشرين ويبقى بعد إخراج أنصبتهم خمسة من أربعة وعشرين ترد على البنت والأم، للأم ربعها سهم وربع فتصح المسألة من ستة وتسعين بضرب أربعة وهو مخرج الربع في أربعة وعشرين ويكون للزوجة 12، للبنت 63، وللأم 21 وترجع بالاختصار إلى اثنين وثلاثين للزوجة، وللبنت، وللأم.
فإن لم يكونوا أي لم يوجد أحد من أهل الفروض صرف المال إلى ذوي الأرحام إرثاً فيأخذه كله من انفرد منهم ولو أنثى أو غنياً. لما روى أحمد والترمذي عن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الله ورسوله مولى من لا مولى له والخال وارث)) وإنما قُدِّمَ ذوي الأرحام لأنهم أحق بالفرض من غيرهم وفي كيفية توريثهم إذا اجتمعوا مذهبان مذهب أهل التنزيل وهو أن ينزل كل فرع منزلة أصله الذي يدلي به إلى الميت ومذهب أهل القربى وهو توريث الأقرب فالأقرب كالعصبات والأول هو المعتمد وفيه يجعل ولد البنت والأخت كأمهما وبنتا الأخ والعم كأبيهما والخال والخالة كالأم والعم للأم والعمة كالأب ففي بنتِ بنتٍ وبنتِ بنتِ ابنٍ فهي كبنتِ وبنتِ ابنٍ فالأصل في المسألة للبنت النصف ولبنت الابن السدس أي النسبة بينهما 3: 1 فيقسم المال بينهما بالفرض والردِّ أرباعاً بنسبة إرثهما فتحوز بنت البنت 3 أرباع الميراث وبنت بنت الابن ربع الميراث أما إذا لم يوجد أحد من ذوي الأرحام فحكمه كما قال العز بن عبد السلام: أنه إذا جارت الملوك في مال المصالح وظفر به أحدٌ يعرف المصارف وجب عليه صرفه فيها وهو مأجور على ذلك وهم من سوّى المذكورين من الأقارب قال النووي في الروضة: وهم كل قريب ليس بذي فرض ولا عصبة وهم عشرة أصناف أبو الأم وكل جد وجدة ساقطين كأبي أبي الأمِّ وأمِّ أبي الأم وهؤلاء جميعهم صنف وأولاد البنات ذكوراً وإناثاً ومنهم أولاد بنات الابن وبنات الإخوة مطلقاً دون ذكور وأولاد الإخوة لأمٍّ ذكوراً وإناثاً وأولاد الأخوات لأبوين أو لأب أو لأم من الذكور والإناث وبنو الإخوة للأم وبناتهم والعم للأم أي أخو الأب لأمه وبناتُ الأعمام لأبوين أو لأب أو لأم والعماتُ والأخوالُ والخالاتُ كل منهم من جهاته الثلاث والمدلون بهم أي المدلون بالعشرة ومن انفرد منهم حاز جميع المال ذكراً كان أو أنثى.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/414)
ملاحظة: لو وجد أحد الزوجين مع ذوي الأرحام صرف باقي الميراث بعد فرضه إليهم.
? فصل في بيان الفروض التي في القرآن الكريم وذويها?
الفروض جمع فَرْض بمعنى نصيب أي أن الأنصباء المقدرة في كتاب الله تعالى للورثة ستة النصف وهو فرض خمسة فرض زوج لم تخلِّفْ زوجته ولداً ولا ولد ابن وإن سَفَلَ ذكراً كان أو أثنى مفرداً كان أو جمعاً لقوله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد). وولد الابن كالابن إجماعاً وبنت أو بنت ابن وإن سفل لقوله تعالى في البنت: (وإن كانت واحدة فلها النصف) وبنت الابن كالبنت كما في ولد الابن كالابن أو أخت لأبوين أو لأب قال تعالى: (وله أخت فلها نصف ما ترك) أي أخت لأبوين أو لأب منفردات راجع إلى البنت أو بنت الابن أو الأخت لأبوين أو لأب والربع فرض زوج لزوجته ولد أو ولد ابن منه أو من غيره ذكراً كان أو أنثى فإن فقد الولد أو كان غير وارث لنحو قتل أو ورث بعموم القرابة كولد البنت فله النصف وزوجة فأكثر إلى أربع لقوله تعالى: (فإن كان لهن ولد فلكم الربع) النساء12.
ليس لزوجها واحدٌ منهما أي ليس له ولد أو ولد ابن قال تعالى: (ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد). وولد الابن كالولد والثمن فرضها أي الزوجة مع أحدهما أي الولد وولد الابن قال تعالى: (فإن كان لكم ولد فلهنَّ الثمن مما تركتم). وولد الابن كالولد في ذلك بالإجماع وللزوجتين والثلاث والأربع ما ذكر للواحدة من الربع أو الثمن بالإجماع والزوجان في الطلاق الرجعي يتوارثان والثلثان فرض أربع بنتين فصاعداً أو بنتي ابن فأكثر منفردات قال تعالى: (فإن كنَّ نساءً فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك) وبنات الابن مقيسات على بنات الصلب وأختين فأكثر لأبوين أو لأب إذا انفردن. قال تعالى: (فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك) فقد روى الشيخان عن جابر (أنه لما مرض سأل النبي وكان له سبع أخوات فنزلت الآية فدلت على أن المراد منها الأختان فصاعداً). والثلث فرض اثنين فقط أمٌّ ليس لميتها ولد ولا ولد ابن وارث ولا اثنان من الإخوة والأخوات قال تعالى: (فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن له إخوة فلأمه السدس) وولد الابن ملحق بالولد والثلث فرض اثنين فأكثر من ولد الأم قال تعالى: (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت) النساء12. أي مِنْ أمٍّ إجماعاً. وقد يفرض للجد مع الإخوة الثلث أيضاً كما لو كان معه ثلاثة من الإخوة فأكثر وجدة لأم أو لأب فقد روى أبوداود وغيره عن المغيرة بن شعبة (أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس وأنه قضى به للجدتين).
وبنت ابن فأكثر مع بنت صلب أو مع بنت ابن أعلى منها إجماعاً لقضاء النبي بذلك ولأخت أو أخوات لأب مع أخت لأبوين قياساً على بنت الابن مع بنت الصلب لما رواه البخاري عن ابن مسعود ولواحد من ولد الأم ذكراً أو أنثى قال تعالى: (وله أخ أو أخت) أي من أم (فلكل واحد منهما السدس).
? فصل في الحجب ?
والحجب لغة: المنع وشرعاً: منعُ من قام به سببُ الإرث من الإرث بالكلية بسبب وجود وارث آخر ويسمى حجب حرمان أو مَنْعُ مَنْ قام به سبب الإرثِ من أوفَرِ حظيه. ويسمّى حجب نقصان كحجب الزوج من النصف إلى الربع بوجود الولد للزوجة.
وأما الحجب بالوصف كالقتل والرقِّ واختلاف الدين فيتأتى دخوله على جميع الورثة أصولاً وفروعاً وحواشِيَ وهو حجب حرمان ملحق بالنوع الأول. وأما المراد بهذا الفصل فهو الحجب بوجود الشخص المانع أو بالاستغراق للتركة.
الأب والابن والزوج لا يحجبهم من الإرث حرماناً أحد إجماعاً لأن كلاً منهم يدلي للميت بنفسه اتصالاً مباشراً فهو ليس فرعاً عن غيره والأصل مقدم على الفرع وابن الابن وإن سفل لا يحجبه من جهة العصبة إلا الابن أو ابن ابن أقرب منه ويحجبه أصحاب فروض مستغرِقَةٍ كأبوين وبنتين. الأب: السدس، الأم: السدس، البنتان: الثلثان والجد وإن علا لا يحجبه إلا ذكر متوسط بينه وبين الميت إجماعاً كالأب لأن كل من أدلى للميت بواسطة حجبته إلا أولاد الأم.
والأخ لأبوين يحجبه ثلاثة الأب والابن وابن الابن وإن سَفَلَ بالإجماع ولأب يحجبه أي الأخ لأب يحجبه أربعة هؤلاء الثلاثة: الأب والابن وابن الابن وأخ لأبوين ولأم أي الأخ لأم يحجبه أب وجد وولد وولد ابن وإن سفل.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/415)
وابن الأخ لأبوين يحجبه ستة: أب وجد وابن وابنه وأخ لأبوين وأخ لأب لأنه أقرب منه. وابن الأخ لأب يحجبه هؤلاء الستة وابن أخ لأبوين لأنه أقوى منه عصبة والعم لأبوين يحجبه هؤلاء وابن أخ لأب لأنه أقرب منه والعم لأب يحجب هؤلاء الثمانية وعمُّ لأبوين لقوّته بالنسبة له وابن عم لأبوين يحجبه عشرة هؤلاء التسعة وعمٌّ لأبٍ لأنه في درجة أبية فقدّم عليه لزيادة قربه وابن عم لأب يحجبه أحد عشر هؤلاء العشرة وابن عم لأبوين لأنه أقوى منه والمُعْتِقُ يحجبه عصبة النسب بالإجماع لأن النسب أقوى من الولاء والبنت والأم والزوجة لا يحجبن حجب حرمان إجماعاً وبنت الابن يحجبها ابن لأنه إما أبوها أو عمّها أو بنتان لأن الثلثين فرض البنات ولم يبقَ منه شيءٌ إذا لم يكن معهما من يعصّبها أي بنت الابن لاشيء لها مع البنتين إلا إذا وجد معها من يعصبها سواءً أكان في درجتها كأخيها أو ابن عمها أو أسفل منها كابن ابن عمها والجدة للأم لا يحجبها إلا الأم لأن إرثها بطريق الأمومة والأم أقرب منها والجدّة للأب يحجبها الأب لأنها تُدْلي به أو الأم لأنها أقرب منها في الأمومة التي بها الإرث والقربى من كل جهة تحجب البعدى منها أي الجدة القربى كأم أم تحجب البعدى كأم أم أم والقربى من جهة الأم كأم أمٍ تحجب البعدى من جهة الأب كأم أم أبٍ والقربى من جهة الأب كأم أب لا تحجب البعدى من جهة الأم كأم أم أم في الأظهربل يشتركان في السدس وقيل: تحجبها والأصح الأول لقوة قرابة الأم والأخت من الجهات كالأخ فيحجبها من يحجبه فتحجب الأخت لأبوين بالأب والابن وابن الابن يحجب الأخت لأب بهؤلاء وأخ لأبوين والأخت لأم تحجب بأبٍ وجدٍّ وفرع ابن وارثٍ والأخوات الخلّص لأب يحجبهن أيضاً أخت شقيقة مع بنت لاستغراقهما الميراث وأختان لأبوين لأنه لم يبقَ من الثلثين شيءٌ وخرج بقوله (الخلّص) ما لو كان معهن أخ لأب فيعصبهن ويأخذ الثلث هو وهن والمُعْتِقَةُ كالمُعْتِقِ يحجبها عصبة النسب وكل عصبةٍ ممن يحجب يحجبه أصحاب فروض مستغرقة للمال كزوجٍ وأمٍ وأخٍ لأم وعمٍّ لا شيء للعم لحجبه باستغراق الفروض للمال فللزوج النصف وللأم الثلث وللأخ لأم السدس فلا يبقَ شيء للعم.
تنبيه: شرط الحجب الإرث فمن لا يرث لا يحجب غيره حرماناً ولا نقصاناً إلا في صور كالإخوة مع الأب فإنهم يُحْجَبُون به ويردون الأم من الثلث إلى السدس وولديها مع الجد يحجبان به ويردانها إلى السدس ففي زوج وشقيقة وأم وأخ لأب لاشيء للأخ من الأب ويرد مع الشقيقة الأمَّ إلى السدس.
? فصل في إرث الأولاد وأولادهم انفراداً واجتماعاً ?
الابن المنفردُ يستغرقُ المالَ بالعصوبة وكذا البنون إجماعاً وللبنت المنفردة عمن يعصبها النصف وللبنتين فصاعداً الثلثان ولو اجتمع بنون وبنات فالمال لهم للذكر مثل حظ الأنثيين قال تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) النساء11. وأولاد الابن إذا انفردوا كأولاد الصلب إجماعاً لتنزيلهم منزلته فلو اجتمع الصنفان أي أولاد الصلب وأولاد الابن فإن كان من ولد الصلب ذكر حجب أولاد الابن بالإجماع وإلا يكن منهم ذكر فإن كان للصلب بنت فلها النصف والباقي لولد الابن الذكور أو الذكور والإناث للذكر مثل حظ الأنثيين كأولاد الصلب.
فإن لم يكن من أولاد الابن إلا أنثى أو إناث فلها أو لهن السدسُ تكملة للثلثين إجماعاً وأما في الواحدة فقد روى مسلم عن ابن مسعود (أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالنصف للواحدة) وأما في الزائد على الواحدة فلأن البنات ليس لهن أكثر من الثلثين وإن كان للصلب بنتان فصاعداً أخذتا أو أخذن الثلثين كما تقدّم والباقي لود الابن الذكور بالسويّة أو الذكور والإناث للذكر مثل حظ الأنثيين ولاشيء للإناث الخلّص من ولد الابن مع بنتي الصلب إجماعاً إلا أن يكون أسفل منهم ذكرٌ فيعصبهن في الباقي لتعذر إسقاطه لكونه عصبة وهذا الولد يسميه الفقهاء الأخ المبارك وأولاد ابن الابن مع أولاد الابن كأولاد الابن مع أولاد الصلب في جميع ما مر وكذا سائر المنازل فلكل ذي درجة نازلة مع درجة أعلى منها حكم ما ذكر كأولاد ابن ابن الابن مع أولاد ابن الابن وإنما يعصب الذكر النازل منهم عن الإناث من في درجته كأخته وبنت عمه فيأخذ مثليها وخرج بمن في درجته من هي أسفل منه فإنه يسقطها ويعصّب من فوقه كبنت عم أبيه إن لم يكن
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/416)
لها شيء من الثلثين فإن كان لها شيء فلا يعصبها فمثلاً بنتان وبنت ابن فلا شيء لها أما لو كان معها ابن ابن فإنه يعصبها وكذلك لو كان معها ابن ابن ابن فإنه يعصبها أيضاً أما لو كان لها شيءٌ فإنها تستغني به مثال ذلك بنت وبنت ابن وابن ابن ابن فلها السدس وتستغني به وله الثلث الباقي أما لو كان معهما بنت ابن ابن فإن الثلث يقسم بينهما لأن هذه لاشيء له في السدس الذي هو تكملة الثلثين فعصبها ولذا قال الفرضيون: ليس لنا من يعصب أخته وعمته وعمة أبيه وعمة جده وبنات أعمامه وأعمام أبيه إلا المستنزل من أولاد الابن.
? فصل في كيفية إرث الأصول ?
الأب يرث بفرض إذا كان معه ابن أو ابن ابن وفرضه السدس وبتعصيب إذا لم يكن معه ولد ولا ولد ابن سواء انفرد أو كان معه ذو فرض آخر كزوجة أو أم أو جدة فهو يأخذ الباقي بعد أصحاب الفروض وذلك بالقياس على الأخ فقد قال تعالى: (وهو يرثها إن لم يكن لها ولد). وبهما أي يرث بالفرض والتعصيب إذا كان معه بنت أو بنت ابن أو هما معاً أو بنتان أو بنتا ابن له السدس فرضاً والباقي بعد فرضهما له أيضاً بالعصوبة وهو الثلث وللأم الثلث أو السدس في الحالين السابقين في الفروض المقدرة ولها في مسألتي زوج أو زوجة وأبوين ثلث ما بقي بعد فرض الزوج أو فرض الزوجة لا ثلث جميع المال بالإجماع خلافاً لابن عباس فللزوج في المسألة السابقة النصف والباقي ثلثه للأم وثلثاه للأب وللزوجة في ذات المسألة الربع والباقي ثلثه للأم وهو الربع وثلثاه للأب وهو النصف. قال تعالى: (وورثه أبواه فلأمه الثلث) أي ثلث الباقي وتلقبان بالغراوين لشهرتهما تشبيهاً لهما بالكوكب الأغر. وبالعمريتين لقضاء عمر رضي الله عنه فيهما بما ذكر.
والجد أبو الأب في الميراث كالأب إلا أن الأب يسقط الإخوة والأخوات للميت والجد يقاسمهم إن كانوا لأبوين أو لأب وسيأتي تفصيل ذلك. والأب يسقط أمّ نفسه لأنها تدلي به إلى الميت ولا يسقطها أي أم الأب الجدُّ لأنها لا تدلي والأب في زوج أو زوجة وأبوين يَرُدُّ الأمَّ من الثلثِ إلى ثلثِ الباقي ولا يَردُّها الجدُّ به بل تأخذ الثلث كاملاً لأن الجدَّ لا يساويها فلا يلزم تفضيله عليها بخلاف الأب فإنه يساويها فيلزم تفضيله عليها وكذلك لا يرث مع الأب إلى جدة واحدة ويرث مع الجدِّ جدتان ومع أبي الجدِّ ثلاث ومع جدِّ الجدِّ أربع وهكذا.
وللجدة السدس وكذا الجدات اثنتان أو أكثر لما روى الحاكم عن عبادة بن الصامت (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى للجدتين من الميراث بالسدس بينهما)، وقال صحيح على شرط الشيخين.
وترث منهن أم الأمِّ وأمهاتها المدليات بإناث خلّص كأم أم الأم ولا يرث منهن إلا واحدة وأم ألأب وأمهاتها كذلك المدليات بإناث خلّص كأم أم الأب وكذا أم أبي الأب وأم الأجداد فوقه وأمهاتهن يرثن على المشهور لإدلائهن بوارث وضابطه أي إرث الجدات أن يقال: كلُّ جدّة أدلت بمحض إناث كأم أم الأم أو بمحض ذكورٍ كأم أب الأب أو بمحض إناث إلى ذكورٍ كأم أم الأب ترث ومن أدلت بذكر بين أنثيين كأم أب الأم فلا ترث كما لا يرث ذلك الذكر.
تنبيه: إذا اجتمعت جدات فالوارث منهن من قبل الأم واحدةٌ أبداً وإنما يقع التعدد في التي من قبل الأب.
? فصل في إرث الحواشي ?
الإخوة والأخوات لأبوين إذا انفردوا عن الإخوة والأخوات لأب ورثوا كأولاد الصلب فيأخذ الواحد فأكثر كل المال أو الباقي والواحدة نصفه والثنتان فأكثر ثلثيه والمجتمعون الذكر مثل حظ الأنثيين وكذا إن كانوا لأب وانفردوا عن الإخوة والأخوات للأبوين ورثوا كما ذكر. قال تعالى: (إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين) إلا في المُشَرَّكة وهي زوج وأم وولدا أمٍّ وأخ لأبوين فيشارك الأخ الشقيقُ وكل من يساويه من الإخوة والأخوات ولدي الأم في الثلث بإخوة الأم فأشبه ما لو كان أولاد الأم بعضهم ابن عم فإنه يشارك لاشتراكهم في ولادة الأم وإن سقطت عصوبته وتسمى هذه أيضاً بالحمارية لأنها وقعت في زمن سيدنا عمر فحرم الأشقاء لأنهم عصبة ولم يبقَ لهم شيء فقالوا: هب أن أبانا كان حماراً ألسنا من أم واحدة؟ فشرَّك بينهم، وتسمى أيضاً المنبرية لأنه سئل عليها وهو على المنبر، فأصل المسألة
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/417)
من ستة: الأم واحد من ستة والزوج ثلاثة من ستة والإخوة لأم مع الأشقاء اثنان من ستة ولو كان بدل الأخ لأبوين أخ لأب سقط بالإجماع لأنه ليس له قرابة أم يشارك بها. ولو اجتمع الصنفان أي الإخوة الأشقاء والإخوة لأب فكاجتماع أولاد الصلب وأولاد ابنه أي فإن كان من الأشقاء ذكر حجب أولاد الأب وإن كان أنثى فلها النصف والباقي لأولاد الأب الذكور أو الذكور والإناث وإن لم يكن منهم إلا أنثى أو إناث فلها أو لهنَّ السدس تكملة الثلثين وإن كان الأشقاء اثنتين فأكثر فلهما أو لهنَّ الثلثان والباقي للإخوة لأب الذكور أو الذكور والإناث ولا شيء للإناث الخلّص مع الشقيقتين إلا أن بنات الابن يعصبهن من في درجتهن أو أسفل منهن والأخت لا يعصبها إلا أخوها فليست كبنت الابن في هذه المسألة فتسقط ويختص ابن أخيها بالباقي بعد الثلثين ولو اجتمع أخ شقيق وأخ لأب وأخ لأم فللأخ لأم السدس والباقي للأخ الشقيق ولا شيء للأخ لأب وللواحد من الإخوة أو الأخوات لأم السدس ولاثنين فصاعداً الثلث سواءٌ ذكورهم وإناثهم إجماعاً ولأنهم يشتركون في الرحم فاستووا كالأبوين مع الولد فإنهما يشتركان في الثلث وبهذا فارقوا الإخوة الأشقاء أو لأب فإن للذكر مثل حظ الأنثيين لأنهم يرثون بالعصوبة. والأخوات لأبوين أو لأب مع البنات وبنات الابن عصبةٌ كالأخوات فتُسْقِطُ أختٌ لأبوين مع البنت الأخوات لأب لما روى البخاري عن ابن مسعود (سُئِلَ عن بنت وبنت ابن وأخت فقال: لأقضين فيها بما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للابنة النصف ولابنة الابن السدس وما بقي فللأخت). وبنو الإخوة لأبوين أو لأب كل منهما كأبيه اجتماعاً وانفراداً ففي الانفراد يستغرق الواحد والجماعة المال وفي الاجتماع يَسْقُطُ ابنُ الأخ لأب بابن الأخ الشقيق. لكن يخالفونهم أي يخالفون آباءهم في أنهم لا يَرُدُّون الأم من الثلث إلى السدس بخلاف آبائهم فإنهم يَرُدُّون الأم من الثلث إلى السدس. ولا يرثون مع الجدِّ بخلاف آبائهم فإنهم يرثون مع الجدِّ فالجدُّ كالأخ بدليل تقاسمهما إذا اجتمعا والأخ يحجب ابنَ الأخ. ولا يعصبون أخواتهم بخلاف آبائهم ويسقطون في المشَرَّكة وهي زوج وأم وولدا أم وإخوة لأبوين لأن التشريك مرده إلى قرابة الأم وهي مفقود في ابن الأخ والعم لأبوين أو لأب كأخ من الجهتين اجتماعاً وانفراداً فمن انفرد منهم أخذ جميع المال وإذا اجتمعا سقط العم لأب بالعم الشقيق وكذا قياس بني العم وسائر أي باقي عَصََبة النسب كبني بني العم وبني بني الإخوة ومن العصبة عم لأب لأبوين أو لأب وعمُّ الجد وبنوهما والعصبة من ليس له سهم مقدر من المُجْمعِ على توريثهم فيرثوا المال إن لم يكن معه ذو فرض أو ما فضل بعد الفروض إن كان معه ذوو فروض أو سهم مقدر والعصبة يسمى بها الواحد والجمع والمذكر والمؤنث.
ـ[محمد عبدالكريم محمد]ــــــــ[21 - 07 - 07, 02:03 ص]ـ
الجزء الحادي عشر
? فصل في الإرث بالولاء ?
من لا عصبة له وله مُعْتِق فماله كلّه أو الفاضل عن الفروض له أي للمُعْتِق رجلاً كان أو امرأة بالإجماع لما روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الولاء لمن أعتق)) ولما روى البيهقي عن الحسن مرسلاً (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل فقال: إني اشتريته وأعتقته فما أمر ميراثه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن ترك عصبة فالعصبة أحق وإلا فالولاء لك)). فإن لم يكن أي فإن لم يوجد المُعْتِقُ فلعصبته أي لعصبة المُعْتِق بنسب المتعصبين بأنفسهم أي المُعْتِقُ كابنه وأخيه لا لبنته وأخته ولو مع أخويهما المعصبين لهما لأن الولاء أضعف من النسب المتراخي وإذا تراخى النسب ورث الذكور دون الإناث كبنت الأخ وبنت العم فإذا لم ترث بنت الأخ وبنت العم فبنت المعتق أولى أن لا ترث والمعتبر أقرب عصابته يوم موت العتيق وترتيبهم كترتيبهم في النسب أي عصبات المعتق فيقدّم ابن المعتق ثم ابنه ثم أبوه ثم جده وإن علا ثم بقية الحواشي لكن الأظهر أن أخ المعتق لأبوين أو لأب وابن أخيه يقدمان على جده جرياً على القياس في أن البنوة أقوى من الأبوة وإنما خولف ذلك في النسب لإجماع الصحابة على أن الأخ لا يُسْقِطُ الجد ولا إجماع في الولاء فصرنا إلى القياس فإن لم يكن له عصبة أي للمعتق من النسب فلمعتِق المعتِق ثم عصبته كذلك
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/418)
أي كما في عصبة المعتق ولا ترث امرأة بولاء إلا مُعْتَقَها أو منتمياً إليه بنسب كابن المعتَق وإن سَفَل أو ولاءٍ كمُعتَقِه فإنها ترث بالولاء لأن النعمة على الأصل نعمة على فروعه.
? فصل في حكم الجد مع الإخوة ?
إذا اجتمع جدٌ وإخوةٌ وأخواتٌ لأبوين أو لأب فإن لم يكن معهم ذو فرض فله الأكثر من ثلث المال ومقاسمتهم كأخ فإذا كان معه أخوان وأخت فله الثلث لأن الثلث أكثر ما يحصل من المقاسمة أو أخ وأخت فالمقاسمة أنفع له لأن له من التركة وهي أكثر من الثلث وإن كان معه أخوان أو أخ وأختان أو أربع أخوات فالمقاسمة والثلث متساويان ويعبر عنه الفرضيون بالثلث لأنه أسهل فإذا أخذ الثلث فالباقي لهم للذكر مثل حظ الأنثيين وإن كان معهم ذو فرض فله الأكثر من سدس التركة وثلث الباقي بعد الفرض فلو كان الورثة: جدٌَّ وبنتان وأخوان وأخت فإن السدس أكثر من ثلث الباقي ومن المقاسمة وأما إذا كانت: زوجة وأم وجد وأخوين وأخت فإن ثلث الباقي أكثر. وفي بنت وجد وأخ وأخت المقاسمة أكثر وقد لا يبقى بعد الفروض شيء كبنتين وأم وزوج مع جد وإخوة فيفرض له السدس فأصل المسألة من اثني عشر وعالة إلى ثلاثة عشر ويفرض للجد اثنان لأنه السدس فتصبح المسألة من خمسة عشر وقد يبقى للجد سدس: كبنتين وأم مع جد وإخوة وهي من ستة للبنتين أربعه وللأم واحد ويبقى واحد فيفوز به الجد وتسقط الإخوة والأخوات في هذه الأحوال الثلاثة لأنهم عصبة وقد استغرق المالَ أهلُ الفرض ولو كان مع الجدِّ إخوة وأخوات لأبوين ولأب فحكم الجد ما سبق من أن له الأكثر ويَعُدُّ أولادُ الأبوين عليه أولادَ الأب في القسمة أي يدخلونهم في العدد على الجدِّ فإذا أخذ حصته أي الجد فإن كان في أولاد الأبوين ذكر واحد أو أكثر معهم أنثى أو أكثر فالباقي بعد نصيب الجد لهم للذكر مثل حظ الأنثيين وسقط أولاد الأب مثاله: جد وأخ لأبوين وأخ وأخت لأب فللجد الثلث والباقي للشقيق ولا شيء للإخوة من الأب كما أن الإخوة يَرُدُّون الأم من الثلث إلى السدس والأب يحجبهم ويأخذ ما نَقَّصُوا من الأم وفي جد وشقيقتين وأخ لأب هي من ستة للجد اثنان والباقي وهو الثلثان للشقيقتين وتصحُّ من ثلاثة للجد الثلث والثلثان للشقيقتين ويسقط الأخ للأب. وفي جد وشقيقةٍ وشقيقٍ وأختٍ لأب الثلث للجد والثلثان للشقيق والشقيقة وتسقط الأخت للأب وتصح من تسعة ثلاثة للجد وأربعة للشقيق واثنان للشقيقة وإلا أي وإن لم يكن فيهم ذكر بل تمحضوا إناثاً فتأخذ الواحدة إلى النصف أي تأخذ مع ما حصها من الجد بالقسمة إلى تكملة النصف والثنتان فصاعداً مع ماخصهما مع الجد بالقسمة إلى تكملة الثلثين مثاله: جد وشقيقتان وأخ لأب هي من ستة للجد سهمان والباقي للشقيقتين ولا شيء للأخ لأب وأما في جد وشقيقتين وأخت لأب فهي من خمسة للجد سهمان والباقي للشقيقتين وهو دون الثلثين ولا شيء للأخت لأب ولا يفضل عن الثلثين شيء لأن الجد لا يأخذ أقل من الثلث وقد يفضل عن النصف شيء فيكون الفاضل لأولاد الأب مثاله: جد وشقيقة وأخ لأب فللجد الثلث وللأخت النصف والباقي للأخ لأب والجد مع أخوات كأخٍ فلا يفرض لهنَّ معه إلا في الأكْدَرِيَّة وهي زوج وأم وجد وأخت لأبوين أو لأب فللزوج نصف وللأم ثلث وللجد سدس وللأخت نصف فتعول المسألة من ستة إلى تسعة فللزوج ثلاثة وللأم اثنان وللجد واحد وللأخت ثلاثة لعدم من يسقطها منه ومن يعصبها فيه فإن الجد لو عصبها نقص حقه فتعين الفرض لهما ثم يقتسم الجد والأخت نصيبهما وهو أربعة من التسعة أثلاثاً ولها الثلث فتضرب التسعة في مخرجه فتصح المسألة من سبعة وعشرين للجد ثمانية وللأخت أربعة وللأم ستة وللزوج تسعة واقتسام فرضيهما هكذا بالتعصيب ولو كان بدل الأخت أخٌ سقط أو أختان فللأم السدس ولهما السدس ولا عول ولم تكن أكدرية.
? فصل في موانع الإرث ?
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/419)
لا يتوارث مسلم وكافر بنسب وغيره لاختلاف الدين وانقطاع الموالاة روى الشيخان عن أسامة بن زيد (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) وروى أحمد والنسائي وغيره عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده (لا يتوارث أهل ملتين شتى) وانعقد الإجماع على أن الكافر لا يرث المسلم وأما توريث المسلم من الكافر فالجمهور على منع ذلك وقيل نرثهم كما ننكح نسائهم وهذا بعيد لأن التوارث مبني على الموالاة والنصرة ولا موالاة بين المسلم والكافر بحال وأما النكاح فهو من نوع الاستخدام.
ولا يرثُ مرتدٌّ من أحد ولا يُورَث أي ولا يرثه أحد و ماله فيء إذ لا يمكن أن يرثَ المسلمَ للخبر السابق ولا يرث من كافر أصلي للمنافاة بينهما إذ أن الكافر الأصلي يقرُّ على دينه ولا يقرُّ المرتد على دينه ويرثُ الكافرُ الكافرَ وإن اختلفت ملتهما كاليهودي من النصراني والنصراني من المجوسي والمجوسي من الوثني وبالعكس أيضاً لأن جميع ملل الكفر في البطلان واحدة قال تعالى: (فماذا بعد الحق إلا الضلال) يونس32. لكن المشهور أنه لا توارث بين حربي وذمي لانقطاع الموالاة بينهما فيكون التوارث بين الذميين بأنواعهم وبين الحربيين بأنواعهم.
ولا يرث من فيه رقٌّ وإن قلَّ الرقُّ إجماعاً ولأنه لو ورث ملكه السيد وهو أجنبي عن الميت والجديد أن من بعضه حُرٌّ يورث جميع ما ملكه ببعضه الحرِّ لأنه تام الملك عليه كالحرّ فيرثه قريبه ومعتقه وزوجته والقديم لا يورث ويكون ما ملكه لمالك الباقي وعلى الجديد فلا شيء لسيده ولا يرث قاتلٌ من مقتوله مطلقاً لما روى الترمذي عن أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (القاتل لا يرث)). ولما روى الطبراني في الكبير عن عمر ابن شيبة بن أبي كثير الأشجعي (أنه قتل امرأته خطأً فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أعقلها ولا ترثها)). وقيل: إن لم يُضْمَن وَرِثَ أي إذا لم يضمن القتل بأن وقع قصاصاً أو حداً ورث القاتل ويحمل الحديث على غير ذلك لأن القتل بحقٍ. ومِنَ القتل ما فيه الكفارة فقط دون الدية كمن رمى صف الكفار ولم يعلم فيهم مسلماً فقتل قريبه المسلم فإنه لا دية وعليه الكفارة ولو مات متوارثان بغرق أو هدم أو حريق أو في غربة معاً أو جهل أسبقهما وكذا لو علم سبق أحدهما ولكن لم تُعْلم عينه لأن من شرط الإرث تحقق حياة الوارث بعد موت المورث وهو منتفٍ هنا لم يتوارثا ومال كلٍ منهما لورثته لأننا لو ورثنا أحدهما لكان التوريث عن تشهٍ أو ورثنا كلاً من الآخر لتيقنا الخطأ لأننا بنينا حكمنا على ظنٍّ نادر الحدوث وهو أن يكون موتهما لذات اللحظة ومَنْ أُسِرَ أو فقد أو انقطع خبره تُرِكَ ماله حتى تقوم بينةٌ بموته أو تمضي مدة يغلب على الظنِّ أنه لا يعيش فوقها فيجتهدُ القاضي ويحكم بموته ثم يُعْطي ماله من يرثه وقت الحكم لأن الأصل بقاء الحياة فلا يورث إلا بيقين أو ما نزل منزلة اليقين ومنه الحكم ثم بعد الحكم بموته لا يورث منه من مات قبيل الحكم ولو بلحظة لجواز موته فيها. ولو مات من يرثه المفقود وذلك قبل الحكم بموته وقفنا حصته حتى نتبين إن كان عند الموت حياً أو ميتاً وعملنا في الحاضرين بالأسوأ في حقوقهم فمن يسقط بالمفقود لا يعطى شيئاً حتى يتبين حاله ومن ينقص منهم بحياته أو موته يقدر في حقه ذلك ومن لا يختلف نصيبه بهما يعطاه ففي زوج وعم وأخ لأب مفقود يعطى الزوج نصفه ويؤخر العم وفي جد وأخ لأبوين وأخ لأب مفقود يقدر في حق الجد حياة المفقود فيأخذ السدس وفي حق الأخ لأبوين موته فيأخذ النصف ويبق السدس إن تبين موته فللجد وإن تبين حياته فللأخ.
ولو خلف حملاً يرث منه لا محالة بعد انفصاله بأن كان منه أي بأن مات عن زوجة حامل أو قد يرث بأن كان من غيره كحمل أخيه لأبيه فإنه إن كان ذكراً ورث وإن كان أنثى فلا يرث. ومن مات عن زوج وأخت شقيقه وحمل من الأب المتوفى فإن كان الحمل ذكراً فلا يرث شيئا لاستغراق أهل الفرض المال وإن كان أنثى فلها السدس وتعول به المسألة عُمِلَ بالأحوط في حقه وحق غيره أي بالأحوط في حق الحمل وحق غيره من الورثة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/420)
فإن انفصل حياً لوقت يُعْلَم وجوده عند الموت ورث وإلا بأن انفصل ميتاً أو حياً لوقت لا يعلم وجوده عند الموت فلا يرث لأنه في الصورة الأولى معدوم وفي الثانية منتفٍ نسبه عن الميت بيانه أن تقول إن لم يكن وارثٌ سوى الحمل أو كان من قد يحجبه الحمل وقف المال إلى انفصال الحمل. وإن كان من لا يحجبه الحمل وله سهم مقدر أعطيه عائلاً إن أمكن عول كزوجة حاملٍ وأبوين لهما أي الزوجة ثمن ولها أي أبويه سدسان عائلان لاحتمال أن يكون الحمل بنتان فتكون المسألة من أربع وعشرين وتعول لسبعة وعشرين للزوجة ثلاثة وللأبوين ثمانية ويوقف الباقي فإن كان الحمل بنتين فهو لهما وإلا كُمِّلَ الثمن والسدسان وهذه هي المنبرية، سئل عليها الإمام علي وهو يخطب على منبر الكوفة، فقال ارتجالاً: صار ثمن المرأة تسعاً. وإن لم يكن لهم مقدر كأولاد لم يعطوا شيئاً حتى ينفصل الجنين إذ لا ضابط له وقيل أكثر الحمل أربعة بالاستقراء فيعطون اليقين فيوقف ميراث أربعة ويقسم الباقي ففي زوجة حامل وابن فلها الثمن وللإبن خمس الباقي ويستطيع التصرف فيه والخنثى المشكل إن لم يختلف إرثه بذكورته أو أنوثته كولد أمٍّ ومعتق فذاك واضح فإنه يدفع له نصيبه وإلا بأن اختلف إرثه بالذكورة أو الأنوثة فيعمل باليقين في حقه وحق غيره ويوقف الباقي الشكوك فيه حتى يتبين حاله ولو بقوله مثاله: زوج وأب وولد خنثى للزوج الربع وللأب السدس وللخنثى النصف بفرضه أنثى ويوقف الباقي بينه وبين الأب والخنثى من له فرج الرجال وفرج النساء ومن اجتمع فيه جهتا فرض وتعصيب كزوج هو معتق أو ابن عم ورث بهما فيستغرق المال إن انفرد قلت فلو وجد في نكاح المجوس أو الشبهة بنت هي أخت لأب بأن يطأ ابنته فتلد بنتاً وتموت عنها الأم فقد خلفت بنتاً هي أختها من الأب ورثت بالبنوة فقط وقيل بهما أي البنوة والإخوة والله أعلم وهذا مردود بأنهما قرابتان يورث بكل منهما منفردين فيورث بأقواهما مجتمعين كالأخت لأبوين لا ترث النصف بأخوة الأب والسدس بأخوة الأم ولو اشترك اثنان في جهة عصوبة وزاد أحدهما بقرابة أخرى كابني عم أحدهما أخ لأم فله السدس فرضاً والباقي بينهما بالعصوبة فلو كان معهما بنتٌ فلها نصفٌ والباقي بينهما سواء وسقطت أخوة الأم بالبنت وقيل يختص به الأخ ترجيحاً بقرابة الأم كأخ لأبوين مع أخ لأب ومن اجتمع فيه جهتا فرض ورث بأقواهما فقط لا بهما معاً والقوة بأن تحجب إحداهما الأخرى حجب حرمان أو حجب نقصان أو بأن لا تُحْجب أو تكون أقل حجباً فالأول كبنت هي أخت لأم بأن يطأ مجوسيٌ أو مسلمٌ بشبهة أمّه فتلدُ بنتاً فترثُ منه بكونها بنتاً لا بكونها أختاً والثاني كأم هي أخت لأب بأن يطأَ مَنْ ذكر بنته فتلد بنتاً فترث الوالدةُ منها بالأمومة دون الأختية والثالث كأمِّ أمٍّ هي أختٌ لأبٍ بأن يطأ هذه البنت الثانية فتلد ولداً فالأولى أمُّ أمه وأخته لأبيه فترث منه بالجدودة دون الأختية لأن الجدة أمُّ الأمِّ إنما يحجبها الأم والأخت يحجبها جماعة.
? فصل في أصول المسائل وما يعول منها ?
إن كانت الورثة عصبات قسّم المال بالسويّة بينهم إن تمحضوا ذكوراً كبنين أو إخوة أو أعمام أو إناثاً كثلاث نسوةٍ أعتقن عبداً بينهن بالسويّة وإذا اجتمع الصنفان من ذكورٍ وإناثٍ قُدِّر كل ذكر أنثيين ففي ابن وبنتٍ يقسم المال على ثلاثة للابن سهمان وللبنت سهم وعدد رؤوس المقسوم عليهم أصل المسألة فلو كان الوارثون ابنين وبنتين فإن المسألة من ستة فأصل المسألة مخرج المقادير وإن كان فيهم ذو فرضٍ أو ذَوَا فرضين متماثلين كنصفٍ أو نصفين فالمسألة من مخرج ذلك الكسر وهو أقل عدد يصبح منه الكسر صحيحاً سواءٍ كان مفرداً كثلث فهو من ثلاثة أو مضافاً كنصف ثلث فهو من ستة أو معطوفاً كنصف وربع فهو من أربعة أو نصف وثلث فهو من ستة أو ربع وثلث الباقي فهو من أربعة أو نصف وثلث الباقي فهو من ستة والمكرر كالمفرد كثلثين فهو كالثلث من ثلاثة ففي زوجٍ وشقيقةٍ أو أخت لأب فهي من اثنين وكذلك في بنت وعم وفي أم وأخ لأم وأخ لأب فهي من ستة فمخرج النصف اثنان والثلث ثلاثة والربع أربعة والسدس ستة والثمن ثمانيةٌ لأن أقل عدد له نصف صحيح اثنان ومثله الباقي وإن كان فرضان مختلفا المخرج فإن تداخل مخرجاهما فأصل المسألة أكثرهما كسدسٍ وثلث لأن الثلث داخل في السدس ومعنى المتداخلان هما
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/421)
عددان مختلفان أقلهما جزء من الأكثر ففي أم وأخ لأب وولدي أمٍّ فهي من ستة لأن أكثر الفروض عدداً فيها هو السدس والثلث داخلٌ فيه وإن توافقا ضُرِبَ وِفْقُ أحدهما في الآخر والحاصل أصل المسألة كسدسٍ وثمنٍ كما في أم وزوجة وابن فالأصل أربعة وعشرون والوفق مأخوذ من الموافقة فالستة والثمانية متفقان في الاثنين فنضرب نصف الستة في الثمانية أو نصف الثمانية في الستة وإن تباينا ضُرب كلٌ منهما في كلٍّ والحاصل من الضرب الأصل للمسألة كثلث وربع كأمٍّ وزوجةٍ وأخٍ لأبوين فثلث الأم وربع الزوجة متباينان فيضربان ببعضهما فالأصل اثنا عشر حاصلة من ضرب ثلاثة في أربعة فالأصول سبعة: اثنان وثلاثة وأربعة وستة وثمانية واثنا عشر وأربعة وعشرون لأن الأصول القرآنية لا يخرج حسابها عن هذه.
والذي يعول منها الستة إلى سبعة كزوج وأختين لأبوين أو لأب للزوج ثلاثة ولكل أخت اثنان وإلى ثمانية كَهُمْ وأم أي كزوج وأختين وأم فتعول الستة إلى ثمانية للزوج ثلاثة ولكل أخت اثنان وللأم واحد وإلى تسعة كهم وأخ لأم فله السدس وإلى عشرة كَهُمْ وآخر لأم أي المذكورين في التسعة وللأخ الآخر السدس والإثنا عشر تعول إلى ثلاثة عشر كزوجة وأم وأختين لأبوين أو لأب للزوجة ثلاثة وللأم اثنان ولكل أخت أربعة وإلى خمسة عشر كهم وأخٍ لأم له السدس اثنان وسبعة عشر كهم وآخر لأم له السدس اثنان والأربعة والعشرون تعول عولة واحدة إلى سبعة وعشرين كبنتين وأبوين وزوجة وهي التي تسمى بالمنبرية للبنتين ستة عشر سهماً وللأبوين ثمانية أسهم وللزوجة ثلاثة أسهم وإذا تماثل العددان كثلاثة وثلاثة مخرجي الثلث والثلثين كأختين وولدي أم فذاك معروف فيقال فيهما: متماثلان ويكتفي بأحدهما ويجعل أصل المسألة وحقيقة المتماثلين أنهما إذا سلط أحدهما على الآخر أفناه مرةً واحدةً وإن اختلفا وفني الأكثر بالأقل مرتين فأكثر فمتداخلان كثلاثة مع ستة أو تسعة وإن لم يفنهما إلا عدد ثالث فمتوافقان بجزئه كأربعة وستة بالنصف لأنهما يفينهما الاثنان أي لا يبقى بقسمة الأربعة والستة على الإثنين شيء ولا يفني أحدهما الآخر، فكان التوافق بجزء الاثنين وهو النصف وإن فني بثلاثة فالموافقة بالثلث وهكذا إلى العشرة فبالعشر لأن العبرة بنسبة الواحد إلى العدد الذي وقع به الإفناء وإن لم يفنهما إلا واحد أي بأن اختلفا ولم يفنِ أكثرهما بأقلهما وهو ما نسميه قابلية القسمة تبايناً كثلاثة وأربعة فلا يفنيهما إلا الواحد والمتداخلان متوافقان ولا عكس أي ليس كل متوافق متداخلاً فالثلاثة مع الستة متداخلان ومتوافقان بالثلث والأربعة مع الستة متوافقان من غير تداخل.
? فرع في تصحيح المسائل ?
إذا عرفت أيها الطالب لتصحيح المسألة أصلها أي أصل المسألة وانقسمت السهام عليهم أي على الورثة بلا كسر كزوج وثلاثة بنين فذاك أي الأمر واضح لا يحتاج إلى عمل فللزوج الربع وللبنين لكل واحد سهم من أربعة وإذا انكسرت على صنف أي تلك السهام قوبلت سهامه بعدده أي بعدد رؤوس ذلك الصنف الذي انكسر عليه فإن تباينا أي السهام والرؤوس ضرب عدده بعولها إن عالت مثاله بلا عول: زوج وأخوان لأب هي من اثنين للزوج واحد ويبقى واحد لا يصح قسمه على الأخوين ولا موافقة فيضرب عددهما في أصل المسألة أي يضرب اثنان باثنين فتبلغ أربعة ومنها تصح، ومثاله بالعول: زوج وخمس أخوات لأب، هي من ستة وتعول إلى سبعة وتصح بضرب خمسة هي رؤوس الأخوات في سبعة هو العول فتصح من خمسة وثلاثين وإن توافقا ضرب وفق عدده فيها أي إذا توافق سهام الصنف مع عدد رؤوسه ضرب عدد الصنف في أصل المسألة إن لم تعل وفيها بعولها إن عالت فما بلغ صحت منه مثاله: بلا عول أم وأربعة أعمام وهي من ثلاثة للأم سهم وسهمان للأعمام لا تصح عليهم ولكن توافق بالنصف فاضرب اثنين في ثلاثة بستة ومنها تصح ومثاله بالعول زوج وأبوان وست بنات هي من اثني عشر وتعول على خمسة عشر ونصيب البنات لا يصح عليهن ولكن يوافق بالنصف فاضرب وفقهن وهو ثلاثة في خمسة عشر تبلغ خمسة وأربعين ومنها تصح وإن انكسرت السهام على صنفين منهم قوبلت سهام كل صنف بعدده فإن توافقا أي سهام كل منهما وعدده رُدَّ الصنف الموافق أي عدد رؤوسه إلى جزء وفقه وتترك رؤوس الآخر بحالها وإلا ترك وذلك إذا لم يكن بين السهام والرؤوس موافقة فتترك رؤوس الصنفين بحالها ثم بعد ذلك
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/422)
إن تماثل عدد الرؤوس في الصنفين بردِّ كل منهما إلى وفقه ضرب أحدهما في أصل المسألة إن لم تعل و بعولها إن عالت. وإن تداخلا أي العددان ضرب أكبرهما في ذلك وإن توافقا ضرب وفق أحدهما في الآخر ثم ضرب الحاصل في أصل المسألة بعولها إن كان وإن تباينا ضرب أحدهما في الآخر ثم ضرب الحاصل في أصل المسألة بعولها إن كان مما بلغ الضرب في نوع مما ذكر صحت المسألة منه وحاصل ذلك أن بين سهام الصنفين وعددهما توافقاً وتبايناً وتوافقا في أحدهما وتبايناً في الآخر وأن بين عددهما تماثلاً وتداخلاً وتوافقاً وتبايناً فمن أمثلة الردِّ إلى الوفق أم وستة إخوة لأم واثنتا عشرة أختاً لأب هي من ستة وتعول إلى سبعة للإخوة سهمان يوافقان عددهم بالنصف فيرد إلى ثلاثة وللأخوات أربعة أسهم توافق عددهن بالربع فترد إلى ثلاثة تضرب إحدى الثلاثتين في سبعة تبلغ إحدى وعشرين ومنه تصح، أم وثمانية إخوة لأم وثمانِ أخوات لأب وهو مثال للمداخلة في الموافقة ترد عدد الإخوة إلى أربعة والأخوات إلى اثنين وهما متداخلان فتضرب الأربعة في سبعة تبلغ ثمانية وعشرين ومنه تصح.
أم واثنا عشر أخاً لأم وست عشرة أختاً لأب: وهو مثال للموافقة في الموافقة ترد عدد الإخوة إلى ستة والأخوات إلى أربعة وهما متوافقان بالنصف فتضرب نصف إحداهما في الآخر فتبلغ اثني عشر تضرب في سبعة تبلغ أربعة وثمانين ومنه تصح.
أم وستة إخوة لأم وثمانِ أخوات لأب: وهو مثال للمباينة في الموافقة ترد عدد الإخوة إلى ثلاثة والأخوات إلى اثنتين وهما متباينان فتضرب أحدهما في الآخر تبلغ ستة تضرب في سبعة تبلغ اثنين وأربعين ومنه تصح.
ثلاث بنات وثلاثة إخوة لأب هي من ثلاثة مخرج ثلثي البنات الثلاث لهن اثنان مباينان لهن وللإخوة الثلاثة واحد فهو مثال للمماثلة مع المباينة فيضرب أحدهما ثلاث في ثلاثة تبلغ تسعة ومنه تصح.
ثلاث بنات وستة إخوة لأب وهو مثال للمداخلة في المباينة فتضرب أكثرهما ستة في ثلاثة تبلغ ثمانية عشر ومنه تصح.
تسع بنات وستة إخوة لأبٍ وهو مثال للموافقة في المباينة فالعددان متوافقان بالثلث تضرب ثلث أحدهما بالآخر تبلغ ثمانية عشر تضرب في ثلاثة تبلغ أربعاً وخمسين ومنه تصح.
ومثال المباينة في المباينة: ثلاث بنات وأخوان لأب فالعددان متباينان تضرب أحدهما في الآخر تبلغ ستة تضرب في ثلاث تبلغ ثمانية عشر ومنه تصح. وأما أمثلة الحال الثالثة وهي فيما إذا كان بين سهام الصنفين وعددهما توافق في أحدهما وتباين في الآخر: ست بنات وثلاث إخوة لأب فترد عدد البنات إلى ثلاثة ويبقى عدد الإخوة بحاله ثلاثة فتضرب إحدى الثلاثتين في ثلاثة تبلغ تسعة ومنه تصح، أربع بنات وأربعة إخوة لأب ترد عدد البنات إلى اثنين وهما داخلان في الأربعة فتضربها في ثلاثة تبلغ اثني عشر ومنه تصح، ثمان بنات وستة إخوة لأب ترد عدد البنات إلى أربعة وهي توافق الستة بالنصف فتضرب نصف أحدهما في الآخر تبلغ اثني عشر تضرب في ثلاثة تبلغ ستة وثلاثين ومنه تصح، ثلاثة إخوة لأب وأربع بنات ترد البنات إلى اثنين فهو مثال للمباينة في موافقة أحد الصنفين ومباينة الآخر والاثنان مع الثلاثة متباينان تضرب أحدهما في الآخر تبلغ ستة تضرب في ثلاثة تبلغ ثمانية عشر ومنه تصح.
ويقاس على هذا المذكور الانكسار على ثلاثة أصناف كجدتين وثلاثة إخوة لأم وعَمّين فهي من ستة مخرج سدس الجدتين لدخول مخرج ثلث الإخوة فيه وسهام الأصناف الثلاثة تباينها فللجدتين سهم وللعمين ثلاثة أسهم وللإخوة الثلاثة سهمين فيضرب أحد الصنفين الأولين لتماثلهما في الصنف الثالث لمباينته يحصل جزء سهمهما وتصح من ستة وثلاثين وأربعة كزوجتين وأربع جدات وثلاثة إخوة لأم وعمّين وهي من اثني عشر لأن فرض الإخوة وهو ثلاثة داخل في مخرج فرض الجدات وهي ستة وهي توافق مخرج فرض الزوجات وهو أربعة بالنصف والحاصل منهما اثنا عشر فهي أصلها وسهام غير الجدات تباينه فتصح من اثنين وسبعين من ضرب اثنين في ثلاثة في اثني عشر فإذا أردت بعد تصحيح المسألة معرفة نصيب كل صنف من مبلغ المسألة فاضرب نصيبه في أصل المسألة بعولها إن عالت فيما ضربته فيها فما بلغ فهو نصيبه ثم تقسمه على عدد الصنف مثاله بلا عولٍ جدتان وثلاث أخوات لأب وعم من ستة وتصح بضرب ستة فيها من ستة وثلاثين للجدتين واحد فيها بستة لكل جدة ثلاثة وللأخوات أربعة في
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/423)
ستة بأربعة وعشرين لكل أخت ثمانية وللعم واحد في ستة بستة، ومثاله: بعولٍ زوجتان وأربع جدات وست أخوات لأب هي من اثني عشر وتعول إلى ثلاثة عشر وترد عدد الجدات إلى اثنين والأخوات إلى ثلاثة وتضرب فيها أحد المتماثلين اثنان فتبلغ ستة تضرب في ثلاثة عشر تبلغ ثمانية وسبعين للزوجتين ثلاثة في ستة بثمانية عشر لكل زوجة تسعة وللجدات اثنان في ستة باثني عشر لكل جدةٍ ثلاثة وللأخوات ثمانية في ستة بثمانية وأربعين لكل أخت ثمانية.
? فرع في المناسخات ?
والمناسخات من جملة تصحيح المسائل وهي لغة الإزالة والنقل وشرعاً: أن يموت أحد الورثة قبل القسمة مات عن ورثة فمات أحدهم قبل القسمة فإن لم يرث الثاني غَيْرُ الباقين وكان إرثهم منه كإرثهم من الأول جُعِلَ الحال إذا نظرنا إلى المسألة من جهة الحساب لا من جهة وجوده واستحقاقه كأن الثاني لم يكن من ورثة الأول وقُسِّم المال بين الباقين كإخوة وأخوات من الأب أو بنين وبنات مات بعضهم عن الباقين ومثل ذلك لو ماتت على زوج وابنين من غيره ثم مات أحد الابنين قبل القسمة فوارث الثاني هو الابن الباقي فيفرض أن الابن الثاني لم يكن فيدفع ربع التركة للزوج والباقي للابن وإن لم ينحصر إرثه في الباقين لكون الوارث غيرهم أو لكون الغير يشاركهم فيه أو انحصر إرثه فيهم واختلف قدر الاستحقاق لهم من الأول والثاني فصحح مسألة الأول ثم مسألة الثاني ثم انْقَسَمَ نصيب الثاني من مسألة الأول على مسألته فذاك واضح مثاله: زوج وأختان لأب ماتت إحداهما عن الأخرى وبنت فالأولى بعولها من سبعة والثانية من اثنين ونصيب الميتة اثنان من الأولى ينقسم على مسألتها وإلا إي وإن لم ينقسم فإن كان بينهما موافقة ضرب وفق مسألته في مسألة الأول. مثاله: جدتان وثلاث أخوات متفرقات أي واحدة شقيقة وواحدة لأب وواحدة لأم ماتت الأخت لأم عن أخت لأم هي الشقيقة في الأولى وأم أم وهي إحدى الجدتين في الأولى فإن المسألة الأولى من ستة وتصح من اثني عشر والثانية من ستة ونصيب الميتة الثانية من الأولى اثنان يوافق مسألتها بالنصف فيضرب نصف مسألتها في الأولى تبلغ ستاً وثلاثين لكل من الجدتين في الأولى سهم في الثلاثة بثلاثة وللوارثة في الثانية سهم في واحد بواحد وللأخت لأب في الأولى سهمان في ثلاثة بستة وللأخت للأبوين في الأولى ستة في ثلاثة بثمانية عشر وفي الثانية سهم في واحد بواحد وللشقيقتين في الثانية أربعة في واحد بأربعة وإلا أي إذا لم يكن بينهما توافق بل تباين ضربت كلها أي الثانية فيها أي الأولى فما بلغ الضرب صحتا أي المسألتان فيه ثم تقول من له شيء من المسألة الأولى أخذه مضروباً في نصيب الثاني من الأولى إن تباينا أو أخذه مضروباً في وفقه إن كان بين مسألته ونصيبه وفق مثاله: زوجة وثلاثة بنين وبنت ماتت النبت عن أم وثلاثة إخوة وهم الباقون من الأولى والمسألة الأولى من ثمانية والثانية تصح من ثمانية عشر ونصيب الميتة من الأولى سهم يباين مسألتها فتضرب الثانية في الأولى تبلغ مائة وأربعة وأربعين للزوجة من الأولى سهم في ثمانية عشر ومن الثانية واحد في ثلاثة ولكل ابن من الأولى سهمان في ثمانية عشر ومن الثانية خمسة في واحد وما صحتا منه يصبح كمسألة أولى فإذا مات ثالث فمسألته تصير ثانية وهكذا في ثالث ورابع ... الخ.
? كتاب الوصايا ?
وهي جمع وصية كهدايا وهدية وهي بمعنى الإيصاء وفرق الفقهاء بين الإيصاء وخصصوه بالتبرع المضاف لما بعد الموت وبين الوصاية بالعهد إلى مَنْ يقوم على مَنْ بعده والوصية لغة: الإيصال من قولهم وصى بكذا إذا وصله به لأن الموصي وصل خير دنياه بخير عقباه.
والأصل فيها قبل الإجماع الكتاب والسنة قال تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية) البقرة180. وقال تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دين).
وأما السنة فقد روى الشيخان عن ابن عمر (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده).
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/424)
وروى الشيخان عن سعد بن أبي وقاص قال: (جاءني النبي صلى الله عليه وسلم يعودني من وجع اشتد بي فقلت: يا رسول الله إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فبالشطر يا رسول الله؟ قال: لا، قلت: فبالثلث؟ قال: (الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس)). وروى الترمذي وأبو سعيد عن أبي أمامة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث)).
وتصح وصية كل مكلف حر مختار بالإجماع لأنها تبرع وإن كان كافراً والمقصود به الذمي ولو كان حربياً وكذا تصح وصية المرتد لكنها موقوفة على عودته للإسلام فإن مات كافراً فتبطل وصيته لأن ماله فيء للمسلمين وكذا محجور عليه بسفه فإن وصيته تصح على المذهب لصحة عبارته وقيل: إن كان محجوراً عليه بالسفه لا تصح وإن لم يحجر عليه فتصح وصيته جزماً. لا مجنون ومغمى عليه وصبي إذ لا عبارة لهم وفي قول تصح من صبي مميز وهو بعيد لأنه لا عبارة له ولا رقيق لعدم ملكه وقيل: إن عَتَقَ ثم مات صحت والصحيح المنع لعدم صحة عبارته حين الوصية. وإذا أوصى لجهة عامة فالشرط أن لا تكون معصيةً ولا مكروهاً لذاته لا لعارض ومن ثم بطلت لكافر بنحو مسلم أو مصحف وكذا لو أوصى بأن يدفن ببيته بطلت وصيته لأن الدفن في البيت مكروه وكذا لو أوصى بأن يُبنى على قبره بطلت لحرمة البناء على القبور ولو في غيره مقبرة مسبلة كعمارة أو ترميم كنيسة وكتابة إنجيل أو توراة وعلم محرم ككتب السحر والفلسفة وإعطاء أهل حرب أو ردة ولا تصح لمرتد بقول أو فعل لجحد صلاة أو صوم أو أوصى لشخص معين فالشرط أن يتصور له الملك حال الوصية فلو أوصى لحمل سيحدث بطلت وإن حدث قبل موت الموصي لأن الوصية تمليك وتمليك المعدوم ممنوع فتصح لحمل وتنفذ إذا انفصل حياً حياة مستقرة وإلا لم يستحق شيئاً كالإرث وعَلِمَ أو ظن وجوده عندها أي عند الوصية بأن انفصل لدون ستة أشهر من الوصية لأن الستة أشهر أقل الحمل فإن ولد قبلها علم يقيناً أنه كان موجوداً عند الوصية فإن انفصل لستة أشهر فأكثر والمرأة فراش زوج أو سيد لم يستحق الموصى به لاحتمال حدوثه بعد الوصية والأصل عدمه عند الوصية فإن لم تكن فراشاً لزوج أو سيد وانفصل لأكثر من أربع سنين فكذلك لا يستحق الموصَى له لعدم وجوده عند الوصية. أو لدونه أي دون الأكثر استحق في الأظهر لأن الظاهر وجوده عند الوصية إذ لا سبب هنا ظاهر يحال عليه وتقدير الزنا إساءة ظن بها ووطء الشبهة نادر وحاصل ذلك أن وجود الفراش وعدمه هنا غلب على الظن هذا فيمن عرف أنها كانت فراشاً أما من لم يعرف لها فراش أصلاً وقد انفصل الجنين لأربع سنين فأقل ولستة أشهر فأكثر فلا استحقاق قطعاً لانحصار الأمر حينئذ في وطء الشبهة أو الزنا وكلاهما يحتمل الحدوث فيضاف إلى أقرب زمان يمكنُ لأن الأصل عدمه فيما قبله.
وإن أوصى لعبد فاستمر رقه إلى موت الموصِي فالوصية لسيده عند موت الموصي وهذا يفارق الهدية والوقف لأن التمليك فيها ناجز ويقبلها العبد دون السيد لأن الخطاب معه ولا يفتقر إلى إذن السيد فإن عتق قبل موت الموصي فله أي الوصية للعبد لأن الوصية تمليك بعد الموت وهو حينئذ حرٌ وإن عتق بعد موته ثم قَبِلَ الوصية بُني الكلام في هذه المسألة على أن الوصية بِمَ تملك إن قلنا بالموت بشرط القبول وهو الأظهر أو بالموت فقط فهي للمعتق وإن قلنا بالقبول فقط فهي للعتيق وإن كان العتق مع الموت فالوصية للعتيق لأنه وقت الملك حرٌّ.
وإن أوصى لدابة لغيره وقصد تمليكها أو أطلق فباطلة هذه الوصية جزماً أما إذا كانت مسبلة للجهاد وغيره فجاز الوقف ليكون في علفها أما الوصية فباطلة لأنها تمليك وهي لا تملك. وإن قال ليصرف في علفها فالمنقول صحتها لأن علفها على مالكها وهو المقصود بالوصية فيشترط قبوله ويتعين الصرف إلى جهة الدابة وإن انتقلت إلى غيره رعاية لغرض الموصي وتصح لعمارة مسجد ومصالحه من كل مسلم أو كافر لأنه قربة وكذا إن أطلق في الأصح بأن قال أوصيت للمسجد وإن أراد تمليكه لأن للمسجد ملكاً وعليه وقفاً ولذمي ومعاهد ومستأمن وهي كالصدقة عليه فهي جائزة وكذا حربي ومرتد حال الوصية ولم يمت على ردته في الأصح وقيل يقتلان فيحرم الوصية لهما خلافاً للوقف فلا يصح عليهما
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/425)
مطلقاً لأن المراد منه الدوام وهما مقتولان إن قُدِرَ عليهما وقاتل بأن يوصي لشخص فيقتله ولو عمداً في الأظهر لأنها تمليك بعقد فأشبهت الهبة لا الإرث وأما الخبر (ليس للقاتل وصية) فلا أصل له. وتصح الوصية لوارث في الأظهر إن أجاز بقية الورثة فقد روى البيهقي من حديث عمرو بن خارجة (لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة) قال الذهبي إسناده صالح. والقول الثاني أن الوصية للوارث باطلة وإن أجازها الورثة لما روى أصحاب السنن وصححه الترمذي عن عمرو بن خارجة (لا وصية لوارث) فقد أطلق الحديث المنع للوارث وفي معنى الوصية للوارث الوقف عليه وإبراؤه من دين عليه أو هِبَتُهُ شيئاً فإنه يتوقف على إجازة بقية الورثة ولا عبرة بردهم وإجازتهم في حياة المُوصي إذ لا حق لهم والمال للموصي قبل موته فلمن أجاز قبل الموت الردُّ بعد الموت وبالعكس. والعبرة في كونه وارثاً بيوم الموت فلو أوصى لأخيه فحدث له ابن قبل موته فوصية لأجنبي أو حدث له ولد ابن قبل موته وأوصى لأخيه فمات الولد فالأخ وارث فهي وصية لوارث والوصية لكل وارث بقدر حصته مشاعاً كنصف وثلث لغو لأنه يستحقه من غير وصية ويظهر أنه لا إثم في ذلك لأنه تأكيد للمعنى الشرعي لا مخالف له. وبعين هي قدر حصته كأن ترك دارين قيمتهما سواء فخص كلَّ ولدٍ من أولاده الاثنين بدار صحيحة وتفتقر إلى الإجازة في الأصح لاختلاف الأغراض في الأعيان وقيل لا تفتقر لأن حقوق الورثة في قيمة التركة لا في عينها بدليل أنه لو باعها المريض بثمن مثلها صح وإن لم يرضوا بذلك وتصح الوصية بالحمل الموجود واللبن في الضرع وهو الموجود في الضرع حال الوصية ويشترط لصحة الوصية به انفصاله حياً لوقت يعلم وجوده عندها أي عند الوصية ويرجع في ذلك لأهل الخبرة في مدة الحمل وبالمنافع كالأعيان مؤبدة ومطلقة ولو لغير الموصَى له بالعين لأن المنافع أموال تقابل بالعوض كالأعيان وكذا تصح الوصية بثمرة أو حمل سيحدثان في الأصح رفقاً بالناس والثاني لا تصح لأنها غير موجودة عند الوصية. ويأخذ عبد به لأن الوصية تحتمل الجهالة فلا يؤثر فيها الإبهام في الموصَى به وبنجاسة يحل الانتفاع بها لثبوت الاختصاص بها وانتقالها بالإرث والهبة لا بما يحرم الانتفاع به كخمر وخنزير وكلب عقور وكلب صيد لمن لا يعير عادةً ككلب مُعَلَّمٍ وزبل وخمر محترمة وهي التي عصرت لأجل الخليّة أو عصرت لا بقصد الخمر أما إذا تخمرت ولم يمكن عودها خلاً فيحرم قتناؤها ويجب إراقتها فوراً مطلقاً.
ولو أوصى لشخص بكلب من كلابه المنتفع بها ثم مات وله كلاب أُعطِيَ الموصَى له أحدها باختيار الوارث فإن احتاج للصيد والحراسة أعطاه أيها شاء وإن احتاج لأحدهما أعطاه ما يناسبه فإن لم يكن له عند الموت كلب ينتفع به لغت الوصية ولو كان له مال وكلاب مُنْتَفَعٌ بها ووصى بها أو ببعضها فالأصح نفوذها في الكلاب جميعها وإن كثرت الكلاب الموصَى بها وقلَّ المال لأنه خير من الكلاب إذا لا قيمة لها وقيل لا تنفذ إلا في الثلث وقيل: تقوّم مالاً ويضم إلى المال وينفذ في الثلث من الجميع أي في قدره من الكلاب ولو أوصى بطبل وله طبل لهولا يصلح لمباح كضيق الوسط واسع الطرفين وهو ما يسمى الكوبة. وطبل يحل الانتفاع به كطبل حرب يضرب به لتهويل أثر الحرب وضرورة الاستعداد أو حجيج يضرب به لإعلام الحجيج في نزولهم ورحيلهم حملت الوصية على الثاني لتصح الوصية ولو أوصى بطبل اللهو وهو الكوبة لغت الوصية لأنه معصية إلا أن يصلح لحرب أو حجيج بهيئته أو بتعديله وإن كان مكسره من نقد أو جواهر ثمينة.
? فصل في الوصية لغير الوارث وحكم التبرعات في المرض ?
ينبغي لمن له ورثه أغنياء أو فقراء أن لا يوصي بأكثر من ثلث ماله بل الأحسن أن ينقص منه شيئاً لأنه صلى الله عليه وسلم استكثره فقد روى الشيخان عن سعد ابن أبي وقاص (أنه قال: جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتدّ بي فقلت: يا رسول الله قد بلغ بي من المرض ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا، قلت: فالثلث؟ قال: (الثلث والثلث كثير أو كبير)). قال المتولي وتكره الوصية بالزيادة على الثلث وقال القاضي حسين: إنها محرمة. فإن زاد الموصي على الثلث شيئاً وردَّ الوارث بطلت في الزائد
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/426)
لأن الزائد حقه وإن أجاز الوارث فإجازته تنفيذ لتصرف الموصي بالزيادة على الثلث وفي قول عطية مُبْتَدَأَةٌ من الوارث يشترط فيها ما يشترط في العطية والوصية بالزيادة لغو لأنها حق الوارث فإن لم يكن وارث خاص بطلت في الزائد لأن الزائد حق المسلمين فلا مجيز ويعتبر المال الموصَى بثلثه يوم الموت وقيل يوم الوصية فلا يعتبر ما حدث بعد الوصية كما لو نذر التصدق بثلث ماله اعتبر يوم النذر والثلث يعتبر بعد الدين وتصح معه ولو مستغرقاً للتركة حتى لو أبرأ مستحق الدين نفذت. ويعتبر من الثلث الذي يوصى به عِتْقٌ عُلِّق بالموت سواء في ذلك أكان التعليق في الصحة أو المرض وتبرع نجز في مرضه كوقف وهبة وعتق وإبراء من دين وقوله في مرضه أي في مرض موته وإذا اجتمعت تبرعات متعلقة بالموت وَعَجَزَ الثلث عنها ولم يوفِ بها فإن تمحض العتق كأن قال: إن أنا متُّ فأنتم أحرار أو قال: إن أنا متُّ فعبيدي أحرار أو قال: إن أنا متُّ فسالم حرٌّ أُقْرِعَ فمن قَرَعَ عتق منه ما يفي بالثلث لأن القصد من العتق التخلص من الرقِّ ولا يحصل مع تحرير جزء من العبد أو غيره أي إذا تمحض غيرُ العتق قسط الثلث على الكل باعتبار القيمة أو المقدار لعدم المرجح مع اتحاد وقت الاستحقاق فلو أوصى لزيد بمائة ولعمرو بخمسين ولبكر بخمسين وثلث ماله مائة أعطي زيد خمسين وكل من عمرو وبكر خمسة وعشرين أو اجتمع هو أي العتق وغيره كأن أوصى بعتق سالم وأوصى لزيد بمائة قُسِطَ الثلث عليهما بالقيمة لاتحاد وقت الاستحقاق فإن كانت قيمة سالم مائة والثلث مائة عتق نصفه ولزيد خمسون وفي قول يقدم العتق ففي المثال السابق لا يكون لزيد شيء من الوصية. أو اجتمع تبرعات منجزة كأن أعتق وتصدق ووقف قدم الأول فالأول حتى يتمَّ الثلث ويتوقف ما بقي على إجازة الورثة فإن وجدت دُفعةً واتحد الجنس كعتق عبيد أو إبراء جمع كقوله لعبيده: أعتقتكم أو لمن له عليهم ديون أبرأتكم. أقرع في العتق خاصة حذراً من التشقيص في العتق في جميع العبيد لما روى مسلم والنسائي عن عمران بن حصين (أن رجلاً أعتق ستة مملوكين لم يكن له مال غيرهم فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجزأهم أثلاثاً ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرقَّ أربعة). وقسط في غيره بالقيمة وإن اختلف جنس التبرعات وتصرف وكلاء للموصي في أمور مختلفة في وقت واحد وصوّره الأسنوي بأن يقال له: أعتقتَ فلاناً ووقفتَ كذا وتصدقتَ بكذا وأبرأتَ من كذا، فيقول: نعم، ووكّل وكلاء في ذلك فتصرفوا بآن واحدٍ فإن لم يكن فيها أي الوصية عتق قُسِّطَ الثلث على الكلِّ وإن كان فيها عتقٌ قسِّط الثلث عليها أيضاً وفي قول يُقدم العتق كما مرَّ.
والتبرعات إما منجزة كالإعتاق والإبراء والوقف والصدقة والهبة المقبوضة والبيع بمحاباة فإن ترتبت قدّم الأول فالأول إلى استغراق الثلث فإن تمَّ الثلث وقف أمر الزائد على إجازة الورثة.
أو تبرعات معلقة بالموت كالوصايا وتعليق العتق فلا يقدم عتق على عتق ولا تبرع غير العتق على غيره وإن تقدم بعضها على بعض في الإيصاء لكن في العتق يقرع وفي غيره بل يقسط الثلث على الجميع باعتبار القيمة أما إذا قال أعتقوا سالماً بعد موتي ثم غانماً أو ادفعوا إلى زيد مائة ثم إلى عمرو مائة فيقدم ما قدمه قطعاً.
ولو كان له عبدان فقط سالم وغانم لا ثالث لهما فقال: إن أعتقت غانماً فسالم حرٌّ ثم أعتق غانماً في مرض موته فإن خرجا من الثلث عتقا وإن لم يخرج إلا أحدهما فقط عَتَقَ غانمٌ فقط ولا إقراع لأنا لو أقرعنا ربما خرجت على سالم فيلزم إرقاق غانم وإن رقَّ غانمٌ لم يحصل شرط عتق سالم ولو أوصى بعين حاضرة هي ثلث ماله وباقيه غائب لم تدفع أي العين الموصَى بها للشخص الموصى له كلها إليه في الحال لاحتمال تلف الغائب فلا يحصل للورثه حقهم من الميراث وهو مثلاً قيمة العين والأصح أنه لا يتسلط الموصَى له على التصرف في الثلث أيضاً وذلك لأن تسلطه يتوقف على تسلط الورثة على مثلي ما تسلط عليه وهو متعذر لاحتمال سلامة الغائب فتكون العين كاملة له ومن تصرف فيما منع منه ثمَّ بانَ له صحَّ تصرفه. ولو أوصى بثلث ماله لزيد وله عين ودين أعطيَ ثلث العين وكلما نضَّ من الدين شيء أعطي ثلثه.
? فصل في بيان المرض المَخُوْف ?
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/427)
إذا ظننا المرضَ مخوفاً لتولد الموت عن جنسه عادة لم ينفذ تبرع زاد على الثلث لأنه محجور عليه في الزيادة لحق الورثة. فإن بَرَأَ نفذ تصرفه لتبين عدم الحجر ومن صار عيشه عيشَ مذبوح لمرض أو جناية فهو في حكم الأموات وإن ظنناه غير مخوف فمات فإن حُمِل على الفُجاءة لكون المرض الذي لا يتولد منه موت كجرب ووجع عين وضرس نفذ جميع تصرفه وإلا أي وإذا لم يحمل على الفَجْاءة فمخوف فلا ينفذ تصرفه فيما زاد على الثلث كإسهال أو حمى يوم أو يومين ولو شككنا في كونه مخوفاً لم يثبت إلا بطبيبين حرين عدلين ذكرين اعتباراً بالشهادة إلا أن يكون على باطنة بامرأة ومن المخوف والمخوف هو المتصل بالموت أو كل ما يستعد بسببه للموت وقال الماوردي: هو ما لا يتطاول بسببه بصاحبه الحياة. القولنج وهو أن يتماسك الطعام من الأمعاء فلا ينزل ويصعد بسبب ذلك أبخرة فاسدة إلى الدماغ فيفسده وقد يؤدي إلى الهلاك. وذات جنب وهي قروح تحدث في داخل الجنب بوجع شديد وسماها الشافعي ذات الخاصرة وإنما كانت مخوفة لقربها من القلب والكبد ومن علاماتها الحمى الشديدة وشدة الوجع تحت الأضلاع وضيق النفس والسعال ورعاف دائم لأنه ينزف الدم ويسقط القوة بخلاف غير الدائم وإسهال متواتر لأن ينشف رطوبات البدن وإن كان متقطعاً فغير مخوف إلا إذا انضمَّ إليه ألم وكان متقطعاً أو أن تنخرق المعدة فيخرج الطعام غير مهضوم أو خرج معه دم ومنها السل وهو داء يجعل الإنسان في اصفرار دائم وضعف شديد وقيل إنه ليس مخوفاً لامتداد الحياة معه غالباً ودِقٍ وهو مرض يصيب القلب فيسبب الوفاة عادة كانسداد الشرايين وتجلط الدم. وابتداء فالجٍ وهو الشلل وهو نوعان استرخاء في الأعضاء أو في الجنب أو في كل الجسد بدون ارتعاش ومنه ما يكون معه الارتعاش في الأعضاء وخروج طعام غير مستحيل وذلك بأن تنخرق المعدة أو تنخرق المعدة والبطن معاً فيخرج الطعام من غير استحالة لعدم وجود القوة المحيلة في المعدة أو كان يخرج بشدة ووجع ويسمى الزحير أو يخرج بسرعة بحيث يمنعه النوم أو يخرج معه دم من داخل الجوف كالدم الخارج من تقرح المعدة أو من تفتت الكبد خلافاً لدم البواسير فإن لا يعتبر مرضاً مخوفاً. وحمى مُطبقة أي شديدة ملازمة تدوم أكثر من يومين لإذهابها القوة التي هي قوام الحياة أو غيرها أي حمى غير مطبقة وهي خمسة أنواع: حمى الورد وهي التي تأتي كل يومٍ وحمى العنب وهي التي تأتي يوماً وتقلع يوماً وحمى الثلث وهي التي تأتي يومين وتقلع يوماً وحمى الأخوين وهي التي تأتي يومين وتقلع يومين إلا الرِّبْعَ وهي التي تأتي يوماً وتقلع يومين وهي ليست مخوفة لأنه يقوى في يومي الإقلاع. ولنعلم أن من المخوف أمراض أخرى منها جرح نفذ إلى الجوف أو على مقتل أو محل كثير اللحم ومنها القيء الشديد إذا خالطه دم أو بلغم أو غيرهما من الأخلاط والمذهب أنه يلحق بالمخوف أسر كفار اعتادوا قتل الأسرى والتحام قتال بين اثنين أو فريقين متكافئين أو قريبي التكافؤ وتقديم لقصاصٍ بنحو قتل أو رجم بخلاف الحبس واضطراب ريح وهيجان موجٍ وهما متلازمان عادة في حق راكب سفينة ببحر أو نهر عظيم كالنيل والفرات.
وطلق حامل في منطقة اعتيد فيه الخطر على المرأة حين الولادة بخلاف من أُمِنَتْ فيها الولادةُ وبعد الوضع ما لم تنفصل المشيمة وهي التي تسميها النساء الخلاص فإذا انفصلت المشيمة فلا خوف ما لم يحصل بالولادة جرح نتيجة الولادة أو بعمل طبي كل ذلك في بلاد تباطأت فيها وسائل الولادة وتخلف فيها الطب أما إذا تطور الطب والجراحة وتوفرت فيها الأجهزة الملائمة فإن ذلك ليس من الأمراض المخوفة.
وصيغتها: أي الوصية ما أشعر بها من لفظ أو نحوه كإشارة وكتابة صريحاً كان أو كناية فمن الصريح أو صيت له بكذا أو ادفعوا له بعد موتي كذا أو جعلته له بعد موتي أو هو له بعد موتي أو إن قضى الله عليَّ وأراد الموت فهو صريح في الوصية فلو اقتصر على هوله فإقرار وليس كناية في الوصية إلا أن يقول: هو له من مالي فيكون وصية أي كناية في الوصية وتنعقد بكناية كقوله ثلث مالي لزيد أو ربُعُ مالي للفقراء أو كقوله عنيت هذا للمساكين فإن لم تُعْلَمْ النية بطلت الوصية والكتابة كناية سواءً في ذلك الناطق وغيره فتحتاج إلى نية وإنه يكفي في النية الإشارة أو الكتابة ومن قال: من ادّعى عليَّ شيئاً فصدقوه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/428)
بلا حجة كان وصية أما إذا قال فصدقوه بيمينه فليس وصية إنما هو إقرار بمجهول ولمجهول وتعينه للورثة وإن أوصى لغير معين كالفقراء لزمت بالموت بلا قبول لتعذر القبول منهم لأنهم غير محصورين بحيث يشق عادة استيعابهم أو لمعين كزيد اشترط القبول وإن كانوا متعددين اشترط مع القبول استيعابهم والتسوية بينهم أما إن كان الموصَى لهم قبيلة فلا يشترط القبول ولا التسوية إلا إن عيّن الموصي مكاناً معيناً وسهل استيعاب من فيها منهم. ولا يصح قبول ولا ردٌّ في حياة الموصِي إذ لا حق للموصَى له بشيء في حياة الموصِي ولمن قبل في الحياة فله الردُّ بعد الوفاة وبالعكس ولا يشترط بعد موته أي الموصي الفور في القبول لأن الفورية إنما تشترط في عقد ناجز يتصل قبوله بإيجابه ولكن يجب على الوليّ القبول والردُّ بحسب المصلحة فإن امتنع قام القاضي مقامه فإن مات الموصَى له قَبْلَهُ أي قبل موت الموصي وكذا لو مات معه أو لم يُعْلَمْ المتقدم منهما بطلت الوصية أو بعده أي بعد موت الموصي وقبل القبول والردِّ لم تبطل فيقبل أو يردَّ وارثه ولو قبل بعض الورثة ملك بقدر حصته من الموصَى به وهل يملك الموصَى له بموت الموصِي أم بقبوله أم الملك موقوف ومعنى الوقف عدم الحكم عليه عقب الموت بشيء فإن قَبِلَ بان أنه مَلَكَ بالموت أي ملك الوصية وإلا بأن لم يقبلها بان أنها للوارث من حين الموت أقول أظهرها الثالث وهو الوقف لتعذر جعل الملك للميت وللوارث إلا بعد الوصية والدين وللموصَى له لأنه مفتقر لقبوله فتعين وقفه وعليها أي الأقوال الثلاثة تبنى الثمرة وكسب عبد حصلا بين الموت والقبول ونفقته وفطرته وغيرهما من المؤن فإن ردَّ فالزوائد بعد الموت للوارث وليست من التركة فلا يتعلق بها دين ونُطَالِبُ الموصَى له بالنفقة إن توقف في قبوله وردِّه فيخيره الحاكم بين القبول والردِّ فإن أبى حكم عليه بالإبطال كمتحجر امتنع من الإحياء.
? فصل في أحكام لفظية للموصى له وبه ?
إذا أوصى بشاة وأطلق تناول لفظه صغيرة الجثة وكبيرتها سليمة ومعيبة ووجوب السلامة من العيوب عند الإطلاق إنما هو فيما يناط بغير اللفظ كالبيع والكفارة أما ما أنيط باللفظ كالوصية فلا يشترط فيه ذلك ضأناً ومعزاً لصدق الاسم بما ذكر وكذا ذكرٌ في الأصح لأنها اسم جنس كالإنسان لا سخلة وهي الذكر والأنثى من ولد الضأن والمعز ما لم يبلغ سنة وعناق وهي أنثى المعز ما لم تبلغ سنة والجدي ذكرها وهو مثل العناق في الأصح لتميز كلٍ باسم خاص فلم يشملهما في العرف العام في لفظ الشاة لصغر سنهما ولو قال أعطوه شاةً من غنمي أي بعد موتي ولا غنم له عند الموت لغت وصيته هذه وإن قال من مالي ولا غنم له عند الموت اشتريت له شاة ولو معيبة والجمل والناقة قال أهل اللغة إنما يقال جمل وناقة إذا أربعاً فأما قبل ذلك فقعود وقلوص وبكر ولكن في العرف ذِكْرُ الجمل والناقة يشملها جميعاً دون الفصيل يتناولان البخاتي وهو إبل طويلة الأعناق والعراب ويتناول الاسم السليم والمعيب وصغير الجثة و كبيرها لصدق الاسم على ذلك كالشاة لا أحدهما الآخر فلا يتناول الجملُ الناقةَ ولا الناقةُ الجملَ لأن الجمل للذكر والناقة للأنثى والأصح تناول بعيرٍ ناقةً لأن البعير اسم جنس كالشاة وقد سُمِعَ حلبَ بعيره لا بقرةٍ ثوراً ولا تشمل البقرة عجلة وهي ما لم تبلغ سنة لأن ذلك لم يشتهر عرفاً والثور مصروف للذكر فقط أما البقرة فهي الأنثى والمذهب حمل الدابة وهي لغةً كل ما يدب على الأرض على فرس وبغل وحمار أهلي وإن لم يمكن ركوبها ويتناول الرقيق صغيراً وأنثى ومعيباً وكافراً وعكوسها أي كبيراً ذكراً وسليماً ومسلماً وقيل إن أوصى بإعتاق عبد وجب المجزيء كفارة لأنه المعروف في الكفارة بخلاف قوله أعطوه عبداً فإن الاسم على الجميع ولو أوصى بأحد رقيقيه مبهماً فماتوا أو قتلوا قبل موته بطلت الوصية إذ لا رقيق له عند الموت وإن بقي واحدٌ تعيّن للوصية فليس للوارث أن يمسكه ويدفع قيمة مقتول أما إذا قُتِلوا بعد الموت قتلاً مضموناً فيصرف الوارث قيمة من شاء منهم أو أوصى بإعتاق رقاب فثلاث لأنه أقل عدد يقع فيه اسم الجمع فإن عجز ثلثه عنهن أي عن ثلاث رقاب فالمذهب أنه لا يشتري مع رقبتين شقص من رقبة بل يُشْتَرى رقبتان نفيستان به أي بما أوصَى به فإن فضل عن أَنْفُسٍ رقبتين شيءٌ فللورثة لأن
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/429)
الشقص ليس رقبة وقيل يُشْتَرى به شقص لأنه أقرب إلى غرض الموصي من صرف الفاضل للورثة. ولو قال: ثُلُثي للعتق اشترى شقصاً لأن المطلوب صرف الثلث إلى العتق والأفضل أن يشتري كاملة إن قَدَرَ الثلثُ على كاملة. ولو وصّى لحملها فأتت بولدين فلهما بالسوية ولا يفضل الذكر على الأنثى أو أتت بحي وميت فكله للحي في الأصح وقيل نصفه للحي والنصف الآخر لورثة الميت والأصح الأول لأن الميت كالمعدوم ولو قال: إن كان حملك ذكراً فله أو قال إن كان حملك أنثى فله كذا فولدتهما أي ولدت الذكر والأنثى لغت الوصية لشرطه صفة الذكورة أو الأنوثة في جميع حملها ولم يكن ذلك ولو قال إن كان ببطنها ذكر فولدتهما أي الذكر والأنثى استحق الذكر لأن الصيغة ليست حاصرة للحمل بالذكر أو ولدت ذكرين فالأصح صحتها لأنه لم يحصر الحمل في واحد ويعطيه الوارث من شاء منهما ولا يشرّك بينهما لاقتضاء التنكير هنا التوحيد ويرجع في ذلك إلى بيان الوراث لأنه خليفة الموصِي في حقوقه ولو وصّى بشيء لجيرانه فلأربعين داراً من كل جانب من جوانب داره الأربعة لما روى أبوداود عن الزهري مرسلاً (حدُّ الجوار أربعون داراً). وروى البيهقي من حديث عائشة (أنها قالت: يا رسول الله ما حدُّ الجوار؟ قال: أربعون داراً). والعلماء أصحاب علوم الشرع من تفسير أي في الوصية وهو مَعْرِفَةُ معنى كل آية وما أريد بها نقلاً في التوقيفي واستنباطاً في غيره وحديث وهو علم يُعْرَفُ به حال الراوي قوة وضدها والمروي صحة وضدها وعلل ذلك ولا عبرة بمجرد الحفظ والسماع وفقه وهو معرفة الأحكام الشرعية نصاً واستنباطاً قال ابن الرفعة: أن يعرف من كل نوعٍ منها شيئاً. قال الماوردي: ولو أوصى لأعلم الناس صرف للفقهاء لتعلق الفقه بأكثر العلوم لا مقريءٌ وإن أحسن طرق القراءات وأدائها وضبط معانيها وأحكامها وأديبٌ وهو من يعرف علم الأدب كالنحو والصرف واللغة والبيان والعروض ومُعَبِرٌ وهو العالم بتأويل الرؤيا وطبيبٌ وهو العالم بالطب وهو علم يتوصل به إلى بقاء صحة البدن أو زوال المرض. فهؤلاء الأربعة ليسو من علماء الشرع وكذا متكلمٌ عند الأكثرين فليس من العلماء وكذا الزاهد الذي يبني علمه على تطهير الباطن والظاهر من كل خلق دنيء وتحليتهما بكل كمال ديني وهو أفضل العلوم لأن العرف لا يضم الزاهد إلى العلماء ويدخل في وصيةِ الفقراء والمساكين ويختص بمن له أخذ الزكاة وعكسه لوقوع اسم كل منهما على الآخر عند الانفراد ولو جمعهما شُرِّك نصفين أي قُسِّمَ الموصَى به بينهما فيجعل نصف الموصَى به للفقراء ونصفه للمساكين كما في الزكاة وأقل كل صنف من الفقراء والمساكين ثلاثة لأنها أقل الجمع وله أي الوصي التفضيل بين آحاد كل صنف أو أوصى لزيد والفقراء فالمذهب أنه كأحدهم في جواز إعطائه أقلَّ متمول لأنه ألحقه بهم لكن لا يحْرَمُ كما يُحْرَم أحدهم حتى لو كان غنياً لنصه في الوصية عليه أو لجمع معين غير منحصر كالعلوية وهم المنسوبون لعلي وإن لم يكونوا من فاطمة صحت في الأظهر وله الاقتصار على ثلاثة كالوصية للفقراء أو أوصى لأقارب زيد دخل كلُ قرابة له وإن بَعُدَ مسلماً كان أو كافراً غنياً كان أو فقيراً وارثاً كان أو غير وارث لا أصلاً وفرعاً في الأصح أي الأبوين والأولاد فإنهم لا يسمون أقارب في العرف ويدخل الأجداد والأحفاد فإن انحصروا وجب التسوية بينهم وإن لم ينحصروا كفى إعطاء ثلاثة منهم ولا تدخل قرابة أمٍّ في وصية العرب في الأصح لأنهم لا يفتخرون بها كالخال وابنه والعبرة بأقرب جدٍ ينسب إليه زيد أي العبرة في ضبط الأقارب وتعدُّ أولاده أي أولاد ذلك الجد قبيلة واحدة ولا يدخل أولاد جد فوقه أو في درجته فلو كان اسم جده إبراهيم واسم والده إبراهيم خالد فالوصية لأولاد إبراهيم دون أولاد من فوقه ويدخل في أقرب أقاربه أي الموصِي الأصل من أب وأم والفرع من ابن وبنت لأنهم أقرب الأقارب والأصح تقديم ابن وإن سفل على أب لأنه أقوى إرثاً وتعصيباً وأخ من جهاته الثلاثة على جد من جهتيه ولا يرجح بذكورة ووراثة بل يستوي الأب والأم والابن والبنت والأخ والأخت لاستواء الجهة في الجميع ولكن يقدم أخ شقيق على غيره ويستوي الأخ لأب مع الأخ لأم ويقدم ابن البنت على ابن ابن الابن لأنه أقرب منه درجة. ولو أوصَى لأقارب نفسه لم تدخل ورثته في الأصح لأنهم لا وصية لهم
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/430)
فيختص بالباقين.
? فصل في أحكام الوصية المعنوية مع بيان ما ينفع الميت ?
تصح الوصية بمنافع نحو عبد ودار ونحوها من العقارات وغلة حانوت ناتجة عن منفعة الحانوت ويملك الموصَى له منفعة العبد وأكسابه المعتادة فله أن يعيره وأن يؤجره ويأخذ أجرته وأن يستخدمه وكذا مهرها أي الأمة الموصَى بمنفعتها إذا تزوجت والذي يزوجها الوارث بإذن الموصَى له بالمنفعة في الأصح لأن المهر من نماء الرقبة كالكسب لا ولدها من نكاح وغيره فلا يملكه الموصى له بالمنفعة في الأصح بل هو كالأم منفعته له الموصَى له ورقبته للوارث لأنه جزء منها وله إعتاقه أي للوارث إعتاقه لأنه مالك لرقبته ولكن لا يجزيء إعتاقه عن الكفارة لعجزه عن الكسب وإذا أعتقه تبقى الوصية بحالها وعليه أي الوارث نفقته وكسوته وفطرته إن أوصى بمنفعتة مدة لأنه ملكه كما إذا أجره وكذا إن أوصى بها أبداً في الأصح لأنه تمكن من دفع الضرر عنه بالإعتاق وبيعه أي بيع الموصَى بمنفعته للموصَى بمنفعته لغيره إن لم يؤبد كالمُستَأجر فيصح بيعه كالمستأجر مدة مؤقتة أي يشترط أن تكون المدة معينة أما إذا كانت المدة مجهولة فيتعين البطلان وإن أبدَّ المُوصي المنفعةَ أو كانت مجهولة فالأصح أنه يصح بيعه للموصَى له بمنفعة دون غيره إذ لا فائدة لغيره فيه وأنه تعتبر قيمة العبد كلها أي مع منفعته من الثلث إن أوصى بمنفعته أبداً أو مدة مجهولة لأنه حال بينها وبين الوارث فإذا احتملها الثلث لزمت الوصية في الجميع وإلا ففيما يحتمله فلو ساوى العبد بمنافعه مائة وبدونها عشرة اعتبرت المائة كلها من الثلث وإن أوصى بها مدة معلومة قُوِّمَ بمنفعته ثم قُوِّم مسلوبها تلك المدة ويحسب الناقص من الثلث لأن الحيلولة له آيلة إلى الزوال فإذا ساوى بالمنفعة مائة وبدونها في تلك المدة تسعين فالوصية بعشرة.
وتصح الوصية بحج تطوع أو عمرة أو بهما في الأظهر بناء على جواز النيابة في حج التطوع قياساً على جوازها في حج الفريضة ويحسب من الثلث أما الفرض فيصح قطعاً ويحسب من رأس المال كما سيذكر ويُحَج من بلده أو من الميقات أو من غيرهما إن كان بين بلده والميقات كما قيد في وصيته إذا وفّى ثلثه بالحج مما عيّنه قبل الميقات وإن أطلق الوصية فمن الميقات يُحَجُ عنه في الأصح وقيل من بلده لأن غالب الحاج يتجهز من بيته. وحجة الإسلام من رأس المال كغيرها من الديون والزكاة والكفارة فإن أوصى بها من رأس المال أو الثلث عُمِلَ به أي بقوله ويكون في الأول للتأكد أنها من أصل ماله وفي الثاني لقصد الرفق بورثته إن كان هناك وصايا أخرّ لأن حجة الإسلام تزاحم الوصايا فإن وفّى بها ما خصّها وإلا كملت من رأس المال فإن لم يكن هناك وصايا فلا فائدة على النص أنها من الثلث وإن أطلق الوصية بها أي حجة الإسلام فمن رأس المال وقيل من الثلث لأن كونها من رأس المال لا يحتاج إلى وصية فإذا قال وصية فهي إرادة الثلث والراجح الأول. ويُحَجُ من الميقات لأنه الواجب فإن عيّن أبعد منه ووسع الثلث فُعِلَ وإلا فمن الميقات وللأجنبي أن يحج عن الميت حجة الإسلام وإن لم تجب عليه قبل موته بغير إذنه أي بغير إذن الوارث في الأصح كقضاء دينه وأما النفل فغير صحيح من الوارث والأجنبي مع عدم وصية المتوفى لعدم وجوبه على الميت، ويجوز للأجنبي أن يؤدي عن الميت زكاة الفطر وزكاة المال على الأصح ويؤدي الوارث عنه أي عن الميت من التركة الواجب المالي كعتق وإطعام وكسوة في كفارة مرتبة مثل كفارة القتل والظهار ودم تمتع ويكون الولاء في العتق للميت ويطعم ويكسو في المُخيَّرةِ مثل كفارة اليمين وحلق محرم أو لباسه ونذر لجاج والأصح أنه يَعْتِقُ عنه من التركة أيضاً في الكفارة المخيرة كالمرتبة لأنه نائبه فإعتاقه كإعتاقه والواجب أقل الأشياء من كسوة وإطعام وإعتاق قيمةً. وأن له أي في الكفارة المرتبة والمخيرة الأداء من ماله إذا لم تكن تركة أي يؤدي الوارث من ماله إن شاء كما يقضي الدين وكذا مع وجود التركة فله إمساك التركة وقضاء دين الآدمي المبني على التضييق والمشاححة من ماله فحقّ الله أولى أي يؤديه من ماله والأصح أنه يقع أي الإطعام والكسوة عنه أي المتوفى لو تبرع أجنبي بطعام أو كسوة كقضاء الدين لا إعتاق فلا يقع عن الميت في الأصح لاجتماع بُعْد العبادة عن النيابة مع بُعْدِ الولاء للميت من غير توكيل
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/431)
شرعي وقيل: يقع كغيره من التبرعات وينفع الميتَ صدقةٌ كوقف مصحف وغرس شجر وحفر بئر كما ينفعه ما فعله بحياته للإجماع وللأخبار الصحيحة بذلك منها ما روى مسلم (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له). وما رواه مسلم أيضاً (أن سعد بن عبادة الأنصاري قال: يا رسول الله إنَّ أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال: نعم، قال: أي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء). وروى أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يرفع الدرجة للعبد في الجنة فيقول يا ربِّ أنّى لي هذا؟ فيقال: بإسقاء ولدك لك)). وقال تعالى: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) الحشر10. فقد أثنى عليهم بالدعاء للسابقين وأما قوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) فعام مخصوص بذلك. وحكي النووي في شرح مسلم: أن ثواب القراءة يصل إلى الميت وهو ما يقول به الأئمة الثلاثة وأما التضحية عن الميت فقال النووي: إن مذهب الشافعي أن التضحية عن الغير بغير إذنه لا تجوز ولا عن الميت إذا لم يوصِ بها. والصدقة أفضل من الدعاء والدعاء أفضل من القراءة وفي كلها خير.
? فصل في الرجوع عن الوصية ?
له الرجوع عن الوصية وعن بعضها إجماعاً لأنها عطية لم يزل عنها ملك صاحبها فأشبهت الهبة قبل القبض خلافاً للتبرع المنجز في مرض الموت فلا رجوع فيه وإن كان يعتبر من الثلث وذلك بقوله نقضت الوصية أو أبطلتُها أو رجعتُ فيها أو فسختُها أو هذا لوارثي مشيراً إلى ما وصّى به لأنه لا يكون لوارثه إلا إذا انقطع تعلق الموصَى له عنه وبيع ولو بخيار أو فسخ في المجلس وإعتاق وتعليق إعتاق وإيلاء ومكاتبة وإصداق لما وصّى به وكذا هبة لزوال الملك عنه أو رهن مع قبض لتعرضه للبيع وكذا دونه في الأصح أي وأيضاً دون القبض في الرهن والهبة لأنه عرضه لزوال الملك وذلك يدل على الإعراض عن الوصية ويحصل الرجوع أيضاً بوصية بهذه التصرفات بما أوصى به كبيع وهبة وكذا توكيل في بيعه وعرضه عليه أي عرضه على البيع ومثله عرضه على الرهن أو الهبة لأنه وسيلة إلى أمر يحصل به الرجوع هذا كله في الوصية بمعيّن أما لو أوصى بثلث ماله فباعه أو خلطه أو هلك لم يكن رجوعاً لأن الوصية بالثلث هي وصية بمالٍ ينفذ بما ملكه عند الموت زاد أو نقص أو تبدل لا بما كان يملكه وقت الوصية.
وخلط حنطة معيّنة وصّى بها رجوع لأنه أخرجها عن إمكان التسليم ولو وصّى بصاع من صبرة فخلطها بأجود منها فرجوع لأنه إحداث زيادة لم تتناولها الوصية أو بمثلها فلا لأنه لم يحدث أي تغيّر إذ لا فرق بين المتماثلين وكذا بأردأ منها في الأصح لأن تعيب الموصَى به أو إتلاف بعضه لا يبطل الوصية وطحن حنطة وصّى بها وبذرها وعجن دقيق وصّى به وغزل قطن وصّى به ونسج غزل وصّى به وقطع ثوب وصّى به قميصاً وبناءٌ وغراس في عَرْصة رجوع لإشعار ذلك كله بالإعراض ولو أوصى بعين لزيد ثم أوصى بها لعمرو لم يكن رجوعاً عن وصيته لاحتمال إرادة التشريك فيشرك بينهما كما لو قال دفعة واحدة: أوصيت بها لكما.
? فصل في الإيصاء ?
الإيصاء كالوصاية لغة وشرعاً: إثبات تصرف مضاف لما بعد الموت وفرّقوا بين الوصية والوصاية فالفقهاء يفرّقون فيقولون: إن الوصية هي: التبرع المضاف لما بعد الموت والوصاية هي العهد إلى مَنْ يقوم على من بعده.
يُسَنُّ الإيصاء بقضاء الدين وردِّ المظالم والودائع والعواري وتنفيذ الوصايا إن كانت والنظر في أمر الأطفال فإن لم يوصِ بها نصب القاضي من يقوم بها والإيصاء بقضاء الديون التي عجز عنها في الحال ولم يكن لها شهود مسارعة لبراءة ذمته وكذا من عنده وديعة أو في ذمته حق لله تعالى كزكاة وحج وشرط الوصيِّ تكليف أي بلوغ وعقل وحرية وعدالة وهداية إلى التصرف الموصَى به فلا يجوز لمن لا يهتدي إليه لسفه أو هرم أو تغفّل إذ لا مصلحة فيه وإسلام فلا يصح الإيصاء من مسلم لكافر إذ لا ولاية لكافر على مسلم ولتهمته. قال تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً) النساء141. وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم) آل عمران118. لكن الأصح جواز وصية ذمي إلى ذمي فيما يتعلق بأولاد الكفار بشرط كونه عدلاً في دينه ولا يضر العمى في الأصح لأن الأعمى كامل ويمكنه التوكيل فيما لا
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/432)
يمكنه القيام به ولا تشترط الذكورة إجماعاً وأم الأطفال المستجمعة لشروط الوصي أولى من غيرها بإسناد الوصية إليها لأنها أشفق عليهم وينعزل الوصي وقيم الحاكم بل الأب والجد بالفسق لزوال أهليته ولكن ولاية الأب والجد تعود بعود العدالة إليهم لأن ولايتهما شرعية بخلاف غيرها لتوقفها على التفويض فإن زالت احتاجت لتفويض جديد وكذا ينعزلون بالجنون والإغماء وكذا ينعزل القاضي بالفسق في الأصح لزوال أهليته لا الإمام الأعظم فإنه لا ينعزل لتعلق المصالح الكلية للأمة بولايته قال القاضي عياض وعليه الإجماع مراده في ذلك إجماع الأكثر ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صلوا خلف كل برٍّ وفاجر).
ولا يصح الإيصاء في قضاء الديون وتنفذ الوصية من كل حرٍّ مكلف مختار فلو أوصى السفيه بمال وعيّن من ينفذه تعيّن في الأصح ويشترط في أمر الأطفال والمجانين والسفهاء مع هذا المذكور من الحرية والتكليف أن تكون له ولايةٌ عليهم ابتداءً من الشرع لا بالتفويض فتثبت الولاية للأب والجد وإن علا ويخرج الأخ والعم والوصي والقيم وليس لوصي في وصية مطلقة بأن لم يؤذن فيها للوصي أن يوصي إيصاء إلى غيره إذ الولي ارتضى الوصي ولم يرتضِ غيره وقياساً على الوكيل فإن أُذِنَ له فيه من الموصِي وعيّن له شخصاً أو فوّضه لمشيئة بأن قال له: أوصِ بتركتي فلاناً أو من شئت فإن لم يقل بتركتي لم يصح جاز في الأظهر لأنه استنابة فيه كالوكيل يُوكَّلُ بالإذن ولو قال: أوصيتُ إليك إلى بلوغ ابني أو قدوم زيد فإذا بلغ ابني أو قدم زيد فهو الوصِي جاز هذا الإيصاء واغتفر فيه التأقيت ويجوز للأب الوصية إلى غير الجد في حياته وهو بصفة الولاية ويكون الوصي أولى من الجد إلا في أمر الأطفال ولا يجوز للأب على الصحيح نصب وصي على الأطفال والجدُّ حيٌّ حاضر وهو بصفة الولاية عليهم لأن ولايته ثابتة شرعاً فليس له نقل الولاية عنه كولاية التزويج. وإذا لم يوصِ الأب لأحد فالجد أولى من الحاكم في قضاء الديون وأمر الأطفال ولا يجوز الإيصاء بتزويج طفل وبنت لأن الوصي لا يعتني بدفع العار عن النسب ولفظه أي صيغة الإيصاء أوصيت إليك أو فوضت إليك ونحوهما من الألفاظ كأقمتك مقامي ويجوز فيه التوقيت والتعليق كقوله أوصيت إليك سنة وإذا جاء فلان فهو وصيي ويُشْتَرَطُ بيانُ ما يوصى فيه كقضاء الديون وردِّ الودائع ولو اقتصر على الوصية فقال: أوصيت إليك أو أقمتك مقامي في أمر أطفالي ولم يذكر التصرف كان له التصرف في المال وحفظه اعتماداً على العرف في ذلك فإن اقتصر على أوصيت إليك ولم يبين ما أوصى به لغا هذا الإيصاء ويشترط في الإيصاء القبول لأنه عقد تصرف فأشبه الوكالة والقبول على التراضي أما إذا تعيّن تنفيذ الوصايا كان القبول على الفور ويسن لمن علم من نفسه الأمانة والقبول فإن لم يعلم من نفسه ذلك فالأولى له أن لا يقبل فقد روى مسلم عن أبي ذر (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: إني أراك ضعيفاً وإني أحبُّ لك ما أحب لنفسي لا تتأمرن على اثنين ولا تلينَّ مال يتيم) ولا يشترط اللفظ في القبول بل يُكْتَفى بالعمل وفق الوصية وإن اشترط السبكي اللفظ وهو بعيد. ولا يصح القبول والردُّ في حياته أي الموصِي في الأصح لأنه لم يدخل وقت تصرفه كالموصَى له بالمال بخلافه بعد الموت ولا يشترط بعد الموت الفور في القبول كما ذكرنا ما لم يتعين تنفيذ الوصايا أو يعرضها عليه الحاكم بعد ثبوتها عنده ولو وصّى لاثنين وشرط اجتماعهما أو أطلق بأن قال: أوصيت إلى فلان ثم قال ولو بعد مدة: أوصيت إلى فلان أو قال عن شخص: هذا وصيي ثم قال عن آخر: هذا وصيي لم ينفرد أحدهما بالتصرف إذا قبل الإيصاء بل لا بد من اجتماعهما عليه بأن يصدر عن رأيهما ولو بإذن أحدهما للآخر أو يأذنا لثالث فيه لأن أحدهما قد يكون أعرف والآخر أوثق إلا إن صرّح به أي إن صرّح بالانفراد فيجوز حينئذ كالوكالة وأما إذا عيّن عليهما مشرفاً أو ناظراً لم يثبت له تصرف وإنما يتوقف تصرفهما على مراجعته وللموصي والوصي العزل متى شاء أي للموصي أن يعزل الوصيّ وللوصيّ أن يعزل نفسه لكن يلزمه إعلام الحاكم فوراً. قال النووي: إلا أن يتعين عليه كأن يكون عيّنه القاضي بعد موت الموصِي أو استأجره الموصِي قبل موته على عمل معلوم أو يغلب على ظنه إذا عزل نفسه تلف المال باستيلاء ظالم من قاض وغيره. ونسميه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/433)
رجوع الموصِي عن الإيصاء إليه عزلاً فجاز لأنه لا عبرة بالقبول والردِّ في حال حياة الموصِي وإذا بلغ الطفل أو أفاق المجنون أو رشد السفيه ونازعه أي نازع الوصيَّ في أصل الإنفاق أو قدره عليه صُدِّقَ الوصيُّ بيمينه وكذا قيم الحاكم لأن يدَ كلٍّ منهما يدُ أمانة ويتعذر إقامة البينة أو في دفع المال إليه بعد البلوغ أو الإفاقة والرشد أو في إخراج الزكاة صُدِّقَ الولد بيمينه ولو على أبيه لأنه لا تعسر إقامة البنية على دفع المال إلى الولد. وإذا كان الناظر في أمر الطفل أجنبياً فله أن يأخذ من مال الطفل قدر أجرة عمله فإذا كانت لا تكفيه أخذ قدر كفايته بشرط الضمان وإن كان أباً أو جداً أو أمَّاً وكان فقيراً فنفقته على الطفل وله أن ينفق على نفسه بالمعروف ولا يحتاج إلى إذن الحاكم كما قاله ابن الصلاح.
? كتاب الوديعة ?
هي لغة ما وضع عند غير مالكه لحفظه وشرعاً: العقد المقتضي للاستحفاظ أو العين المستحفظة فهي تقال على الإيداع وعلى العين المودعة، من ودع الشيء يدع إذا سكن لأنها ساكنة عند المودع وحقيقتها شرعاً: توكيل في حفظ مملوك أو مختص على وجه مخصوص والأصل فيها قبل الإجماع قول تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) النساء58. نزلت في ردِّ مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة وهي عامة. وقوله تعالى: (فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤدِ الذي اؤتمن أمانته) البقرة283. وأخبار منها:
- حديث (أدِّ الأمانة من ائتمنك ولا تخن من خانك) رواه أبوداود والحاكم والترمذي من حديث أبي هريرة.
- وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (ليس على المُسْتَوْدعِ ضمانٌ) رواه الدار قطني.
- وحديث ابن إسحاق بسند قوي (أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت عنده ودائع فلما أراد الهجرة سلمها لأم أيمن) وفي رواية (سلمها أم المؤمنين وأمر علياً يردِّها) فأقام علي بن أبي طالب خمس ليال وأيامها حتى أدى عن النبي صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس. رواه البيهقي في السنن الكبرى.
وأما الإجماع فأجمع علماء كلِّ عصر على جواز الإيداع والاستيداع كما أن الحاجة تقتضيها مَنْ عجز عن حفظها حرم عليه قبولها لأنه لو أخذها فإنه يعرضها للتلف ومن قدر على حفظها ولم يثق بأمانته أي خاف الخيانة من نفسه في المستقبل كره له قبولها فإن قدر على حفظها ووثق بأمانة نفسه فيها استحب له قبولها لأنه من التعاون المأمور به. فإن لم يكن ثمَّ غيره وجب عليه كأداء الشهادة لكن بالأجرة دون إتلاف منفعته ومنفعة حرزه في الحفظ بلا عوض.
وقد تؤخذ الأجرة على الواجب كما في سقي اللبأ وشرطهما أي المُودَع والمُودِع شرط موكِّل ووكيل لأن الإيداع توكيل في الحفظ فلا يجوز إيداع مُحْرِمٍ صيداً ولا كافر نحو مصحف ويُشْتَرَطُ والشرط هو ما لا بد منه صيغةُ المودِع بلفظ أو إشارة أخرس مفهمة صريحة كاستودعتك هذا أو استحفظتك أو أنبتك في حفظه أو كناية كخذه أو مع القرينة الدالة على الإيداع كخذه أمانة والأصح أنه لا يشترط القبول لفظاً ويكفي القبض ويغني عن اللفظ ولو أودَعه صبيٌ أو مجنونٌ لم يقبله فإن قَبِلَ ضَمِنَ بأقصى الأثمان ولا يبرأ من الضمان إلا بردِّه لمالك أمره لأنه كالغاصب لوضعه يده على الوديعة بغير إذنٍ معتبر ولو أودعَ صبياً أو مجنوناً مالاً فتلف عنده ولو بتفريط لم يضمن الصبي والمجنون ما تلف عنده إذ ليس عليه حفظه فهو كما لو تركه عند بالغ من غير استحفاظ وإن أتلفه ضمن في الأصح كما لو أتلف مال غيره والثاني لا يضمن لأن المُودِعَ سلَّطه عليه والمحجور عليه بسفه كالصبي في إيداعه والإيداع عنده بجامع عدم الاعتداد بفعل كلٍ منهما وقوله وترتفع الوديعة أي ينتهي حكمها بما ترتفع فيه الوكالة مما مرَّ سابقاً فترتفع بموت المُودِعِ أو المُودَع وجنونه وإغمائه وبعزل الوديع نفسه وبالجحود وبالإقرار بالوديعة لآخر وبنقل المالك الملك فيها ببيع ونحوه كالوكالة ولهما الاسترداد والرد أي للمودِع استرداد وديعته وللمودَع ردَّ الوديعة لصاحبها لجواز الوديعة من الطرفين وأصلها أي وأصل وضعها الأمانة وإن حرِّمت أو كرهت وقد تصير مضمونة أي تصير الوديعة مضمونة على الوديع بالتقصير فيها وله أسباب عبر عنها المصنف بعوارض: منها أن يودع غيره ولو ولده أو زوجته أو قاضياً بلا إذن من المودِع فيضمن وقيل: إن أودع القاضي لم
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/434)
يَضْمن لأن الأصل أن تكون أمانة القاضي أظهر من أمانته إلا إذا عرف القاضي بالرشوة والغش وخيانة الأمانة ككثير من قضاة اليوم وإذا لم يُزِل يده بأن استمر الإيداع جازت له الاستعانة بمن يحملها أي الوديعة مع المودَع إلى الحرز أو يضعها في خزانة مشتركة بينه وبين الغير على أن تستمر ملاحظته لها وأن لا يمكّنَ الغير منها إلا إذا كان ثقة وإذا أراد الوديع سفراً ولو قصيراً فليردّ الوديعة إلى المالك أو وليه أو وكيله إن كان له وكيل فإن فقدهما أي المالك أو الوكيل لسفر ونحوه فالقاضي أي فليردّها إلى القاضي إن كان أميناً لأن القاضي نائبُ الغائبين فإن فقده أي فقد القاضي أو كان القاضي غير أمين فأمين يردها إليه يأتمنه المودَع لئلا يتضرر بسفره والأصح الإشهاد مخافة الإنكار وإن كان أميناً لتغيُّر أحوال الناس بين يوم وليلة فإن دفنها بموضع ولو في حرز وسافر ضمن لأنه عرضها للضياع فإن أعلم بها أميناً وإن لم يره إياها يسكن الموضع لم يضمن في الأصح لأن ما في الموضع في يد ساكنه فكأنه أودعه ساكنَ الموضع ولو سافر بها أي سافر المودَع بالوديعة من الحضر ضمن لأن حرز السفر دون حرز الحضر أما لو أودعها المالكُ مسافراً فسافرَ بها أو منتجعاً فانتجع بها فلا ضمان لرضا المالك بذلك ثم استثنى المصنف من الضمان فقال: إلا إذا وقع حريق أو غارة وعجز عمّنْ يدفعها إليه من المالك أو وكيله أو القاضي أو أمين كما سبق فلا يضمن للعذر بل إذا علم أنه لا ينجيها من الهلاك إلا السفر لزمه السفر بها وإن كان السفر مخوفاً بل قيل يجب السفر والحريق والغارة في البقعة وإشراف الحرز على الخراب أَعْذَار كالسفر في جواز إيداع من مرَّ بترتيبه وإذا مرض عرضاً فليردها إلى المالك أو وليه أو وكيله وإلا يمكّنَهُ الرد لأحدهما فالحاكم أو أمين إن فقد الحاكم الأمين أو يوصيَ بها إلى الحاكم الأمين فإن فقد فإلى أمين فإن لم يفعل شيئاً مما ذكر ضمن لتقصيره ويضمن أيضاً لو أوصى بها إلى فاسق أو أودعه إياها وإذا لم يتمكن بأن مات فجأة أو قتل غيلة فلا يضمن لعدم تقصيره ومنها أي الأمور التي توجب الضمان إذا نقلها من محلة إلى محلة أخرى أو من دار إلى أخرى دونها في الحرز ضمن لأنه عرضها للتلف سواء أتلفت بسبب النقل أم لا وإلا بأن تساويا في الحرز أو كان المنقول إليه أحرز فلا يضمن لعدم تفريطه ومنها أي عوارض الضمان أن لا يدفع متلفاتها لوجوب الدفع عليه مع القدرة لأنه من حفظها فلو أودعه دابة فترك علفها أو سقيها مدة يموت مثلها جوعاً أو عطشاً ولم ينهه عن علفها ضمن لتعديه لأن من الحفظ علفها وسقيها فإن نهاه المالك عن علفها فلا ضمان عليه في الأصح ويأثم بترك ذلك كما لو أذن له في الإتلاف فأتلف. فإن أعطاه المالك علفاً علفها منه وإلا بأن لم يعطه شيئاً فيراجعه أو وكيله ليستردها أو يعطي علفها أو يعلفها فإن فُقِدَا فالحاكم يراجعه في ذلك ليؤجرها وينفق عليها من أجرتها فإن عجز اقترض على المالك حيث لا مال له حاضر أو باع بعضها أو كلها بالمصلحة ولو بعثها مع من يسقيها لم يضمن في الأصح لجريان العادة بذلك وعلى المودَع تعريض ثياب الصوف للريح كي لا يفسدها الدود وكذا لُبْسُها عند حاجتها أن يلبسها هو أو يلبسها غيره لدفع الدود عنها بسبب عبق ريح الآدمي بها ومنها أي عوارض الضمان أن يعدل في الوديعة عن الحفظ المأمور به فيها وتلفت بسبب العدول لتقصيره فيضمن لحصول التلف الناتج عن التقصير. فلو قال له لا ترقد على الصُندوق فرقد وانكسر بثقله وتلف ما فيه ضمن لمخالفته المؤدية إلى التلف وإن تلف بغيره أي بغير العدول وبغير الثقل كأن سُرِقَ فلا يضمن على الصحيح لأنه زاد خيراً ولم يكن التلف بسبب جلوسه عليه وقيل يضمن لأن في جلوسه عليه إشارة إلى نفاسته وهو بعيد وكذا لا يضمن لو قال له لا تقفل عليه أي الصندوق فأقفل عليه أو قال له أقفل عليه قفلاً فقط فأقفلَ عليه قفلين أو قال له لا تقفل عليه قفلين أو لا تغلق باب البيت فأقفلها أو أغلق الباب لم يضمن لأنه زاد احتياطاً ولو قال اربط الدراهم في كُمك أي شدها فيه فأمسكها في يده فتلفت فالمذهب أنها إن ضاعت بنومٍ أو نسيانٍ ضمن لأن التلف والضياع حصل بالمخالفة أو تلفت بأخذ غاصب فلا يضمن لأن اليد أمنع للغصب حينئذ ولو جعلها في جيبه أي الذي بإزاء حلقه على صدره أو الذي
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/435)
على وركه بدلاً عن الربط في الكمِّ لم يضمن لأنه أكثر احتياطاً وبالعكس وهو أن يربطها في الكمِّ بدلاً عن قوله اجعلها في جيبك يضمن لتركه الأحوط ولو أعطاه دراهم في السوق ولم يبين له كيفية الحفظ فربطها في كمه أو أمسكها بيده أو جعلها في جيبه لم يضمن لأنه بالغ في الحفظ إلا أن يكون الجيب واسع الفتحة بحيث لا يحفظ فإنه يضمن للتفريط وإن أمسكها بيده لم يضمن إن أخذها غاصب ويضمن إن تلفت بغفلة أو نوم لتقصيره وإن دفع إليه دراهم بالسوق وقال احفظها في البيت فليمضِ إليه حالاً ويحرزها فيها عقب وصوله فإن أخر بلا عذر ضمن لتفريطه قال السبكي: وينبغي أن يرجع في ذلك إلى العرف وهو يختلف باختلاف نفاسة الوديعة وطول التأخر وضدهما أي النفاسة والتأخير. وإذا كان من عادة المودَع المكث في السوق إلى وقت معين لمعاينة تجارته والإشراف عليها لم يضمن بالتأخر المعتاد.
ومنها عوارض الضمان أن يضيعها بأن يضَعها من غير إذن مالكها في غير حرز مثلها ولو قصد بذلك إخفاؤها لأن المأمور في الودائع أن توضع في حرز مثلها أو يدُلَّ عليها سارقاً بأن يعيّن له مكانها فتضيع بالسرقة أو يدل عليها من يصادرُ المالكَ فيها بأن عيّن للمصادر موضعها فضاعت بذلك لمنافاة ذلك للحفظ.
فلو أكرهه ظالم وإن كانت ولايته عامة على تسليم الوديعة حتى سلمها إليه فللمالك تضمينه أي الوديع في الأصح لتسليمه لأن الضمان يستوي فيه الاختيار والاضطرار ثم يرجع الوديع على الظالم. وقال الماوردي: لا يضمن والراجح الأول لأن على الوديع أن ينكر وجود الوديعة عنده ما وجد إلى ذلك سبيلاً فإن ترك ذلك مع القدرة ضمن وله أن يحلف على ذلك لمصلحة حفظها خاصة إذا كان إنساناً يريد الظالم قتله أو الفجور به ومنها أي عوارض الضمان أن ينتفع بها بأن يلبس الثوب مثلاً أو يركب الدابة خيانة لا لعذر ومن العذر أن يركبها ليسقيها أو أن تكون جموحاً لا تقاد إلا بالركوب إلى المرعى وغيره أو يأخذ الثوب مثلاً ليلبسه أو الدراهم لينفقها فيضمن قيمة المتقوم بأقصى القيم ومثل المثلي إن تلف وأجرة المثل وإن لم يلبس وينفق لأن العقد أو القبض لما اقترن بنية التعدي صار كقبض الغاصب ولو نوى الأخذَ ولم يأخذ لم يضمن على الصحيح لأن الأخذ لم يحدث فعلاً ولا وضع يده على الأمانة تعدياً ولو خلطها بماله ولم يتميز ضمن لتعديه ولو خلطَ دراهم كيسين للمودِع ولم يتميز وقد أودعهما غير مختومين ضمن تلك الدراهم في الأصح لتعديه ذلك إن نقصت بالخلط أما إذا كسر صندوقاً أو فضَّ خاتماً أو قطع كيساً فإن يضمن الأرش ومتى صارت مضمونة بانتفاع وغيره من الأمور التي ذكرها وتوجب الضمان ثم ترك الخيانة لم يبرأ من الضمان ولا يجوز له بعد التعدي حفظها بل عليه ردها فإن أحدث له المالك استئماناً كقوله استأمنتك عليها أو استحفظتكها أو أبرأتك أو أودعتكها أو نحو ذلك بريء في الأصح لأن المُودِعَ أسقط حقه ومتى طلبها المالكُ لزمه الردُّ بأن يخلي بينه وبينها لقوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) النساء58. وليس عليه حملها إليه إلا إذا جحدها ثم ردها ولا يلزم الإشهاد في الردِّ إذا ردَّها إلى المالك أما إذا ردَّها إلى وكيله فقد وجب الإشهاد لأنه لا يقبل قوله في الردِّ على وكيل المودِع أما إذا أودعها حاكماً أو ردَّها عليه فعليه أن يَشْهَدَ له بالبراءة لأنه قد يُعْزلُ فلا يقبل قوله بعد العزل. ولو أودعه اثنان وديعة واحدة ثم جاء أحدهما ليسترد وديعته أي نصيبه من الوديعة فلا يرد عليه لأنهما اتفقا في الإيداع فكذا في الاسترداد بل يرفع الأمر إلى الحاكم ليقسمه ويردَّ إليه حقه فإن أخّر ردّ الوديعة بلا عذر ضمن لتعديه أما إذا أخر حتى يشهد لم يضمن إذا أراد الاحتياط لنفسه ولم يطل الزمان وإن ادعى تلفها ولم يذكر سبباً معيناً أو ذكر سبباً خفياً كسرقة صدق في ذلك بيمينه بالإجماع وإن ذكر سبباً ظاهراً كحريق فإن عرف الحريق وعمومه ولم يحتمل سلامة الوديعة صدق بلا يمين لأن ظاهر الحال يغني عن اليمين وإن عرف الحريق دون عمومه صدق بيمينه في التلف لاحتمال ذلك وإن جُهِلَ الحريق طولب ببينة على وجود الحريق ثم يحلف على التلف بهذا الحريق فإن نكَل المودَع عن الحلف حلف المالك على نفي العلم واستحق القيمة أو المثل وإن ادعى ردها على من ائتمنه صدق بيمينه كدعوى
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/436)
التلف أو ادعى الردّ على غيره كوارثه أي وارث المالك أو ادعى وارثُ المودَع الردَّ للوديعة على المالك أو أودع عند سفره أميناً فادعى الأمين الردَّ على المالك طولب كلٌّ ممن ذكر ببينة بالردِّ إذ الأصل عدم الردِّ وجحودها بعد طلب المالك لها بأن قال لم تودعني يمنع قبول دعواه الردَّ أو التلف المسقط للضمان للتناقض بين نفي الإيداع ودعوى الردِّ أو التلف وضمن كخيانته ولا يقبل ادعاؤه غلطاً أو نسياناً.
ملاحظة: ما ذكر في التفصيل في التلف والردِّ يجري في كل أمين إلا المرتهن والمستأجر فإنهما لا يصدقان في الردِّ لأن كلاً منهما إنما أخذ العين لمصلحة نفسه.
وأفتى العز بن عبد السلام فيمن عنده وديعة وأيس من مالكها بعد البحث التام أنه يصرفها في أهل المصالح.
? كتاب قسم الفيء والغنيمة ?
الفيء هو الراجع إلى المسلمين من مال الكفار وأما الغنيمة فما أخذ منهم قهراً بالقتال واشتقاقها من الغُنْمِ وهو الفائدة وكل واحد منهما هو في الحقيقة فيء وغنيمة وإنما خصَّ كلَّ واحد منها اسم ميز به عن الآخر والأصل في الباب قبل الإجماع قوله تعالى: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ... ) الحشر7. وقوله تعالى: (واعلموا أن ما غنمتم من شيء ... ) الأنفال41.
وروى البيهقي (أن عمر قرأ قول الله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين ... ) حتى بلغ (عليم حكيم) التوبة60. فقال هذه استوعبت المسلمين عامة ولئن عشت ليأتينَّ الراعي وهو بسرو حمير نصيبُهُ منها لم يعرق به جبينه.
وروى الشيخان عن ابن عباس من حديث وفد عبد قيس وقد فسر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان فقال: (أربع أربع: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان وأعطوا من المغنم الخمس ولا تشربوا من الدباء والحنثم والنقير والمزفّت) ومعنى قوله أربع أربع أي آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع.
الفيء مال حصل من كفار بلا قتال وإيجاف أي إسراع نحو خيل أو ركاب ذكرهما دون غيرهما تبركاً بالقرآن (فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) ومثلهما الرجالة والسفن والمدافع والركاب هنا الإبل كجزية وخراج وعشر تجارة من كفار شرطت عليهم إذا دخلوا دارنا وما جلوا أي تفرقوا عنه خوفاً من المسلمين أو غير المسلمين أو لنحو ضرٍّ أصابهم وقيده بالخوف على الغالب أما ما جلوا عنه بعد تقابل الجيشين فهو غنيمة لأنه لما حصل التقابل كان بمنزلة حصول القتال ومالُ مرتدٍّ قتل أو مات على الردة ومال ذمي أو معاهد أو مستأمن مات بلا وارث مستغرق كأن لم يترك وارثاً أو ترك وارثاً غير حائز لجميع المال فجميع ماله في الأول ما فضل عن وارثه في الثاني لبيت المال فإن خلّفَ مستغرقين لميراثه بمقتضى شرعنا ولم يترافعوا إلينا لم نتعرض لهم في قسمته فَيُخمَسُ جميع الفيء خمسة أسهم متساوية وقال الأئمة الثلاثة يرحمهم الله يصرف جميعه لمصالح المسلمين ولنا القياس على الغنيمة المخمسة بالنص (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه) الأنفال41. واختلاف السبب في القتال وعدمه لا يؤثر بالتخميس وخمُُسُهُ لخمسةٍ: أحدها مصالح المسلمين كالثغور والثغور جمع ثغر وهي مواضع الخوف من أطراف بلاد الإسلام التي تليها بلاد المشركين وأهل الحرب من يهود ونصارى ومجوس فتشحن بالجنود والعدة والمواقع الحصينة والقضاة وهم قضاة البلاد لا الذين يرافقون العسكر فهؤلاء يرزقون من الأخماس لأربعة لا من خمس الخمس كأئمتهم ومئذنيهم والعلماءُ المشتغلون بعلوم الشرع وآلاته ولو مبتدئين والأئمة والمؤذنون ولو كانوا أغنياء وسائر من يشتغل عن كسبه بمصالح المسلمين لعموم نفعهم وألحق بهم العاجزون عن الكسب والعطاء إلى رأي الإمام بالمصلحة ويختلف بضيق المال وسعته وهذا السهم كان له صلى الله عليه وسلم ينفق منه على نفسه وعياله ويدخر منه مؤنة سنة ويصرف الباقي في المصالح فقد روى الشيخان من حديث ابن عمر قال: (كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يُوجِفُ المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة فكان ينفقه على نفسه وأهله نفقة سنة وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله). وروى الشيخان وغيرهما عن أبي بكر (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنّا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة). يقدم الأهم فالأهم وجوباً وأهمها سدُّ الثغور لأن فيه حفظ المسلمين جميعاً
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/437)
والثاني بنو هاشم وبنو المطلب المسلمون منهم فقط وهو المراد بذي القربى في الآية لاقتصاره صلى الله عليه وسلم عليهم في القسم دون بني عميهم نوفل وعبد شمس فقد روى البخاري عن جبير بن مطعم قال: (لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى أتيته أنا وعثمان بن عفان فقلنا يا رسول الله إخواننا بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم فما بال إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتهم واحدة فقال: (بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه)) رواه البخاري والشافعي وأحمد وأبوداود والنسائي وفي رواية للشافعي أنه قال: لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام.
والعبرة بالانتساب إلى الآباء دون الأمهات فإنه صلى الله عيه وسلم لم يعطِ الزبير وعثمان شيئاً مع أن أميهما من بني هاشم يشترك فيه الغني والفقير لإطلاق الآية وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم عمه العباس وكان من أغنياء قريش والنساء فقد كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفية عمته صلى الله عليه وسلم تأخذان من الفيء. ويفضل الذكر كالإرث بجامع أنه استحقاق بقرابة الأب فللذكر سهمان وللأنثى سهم واحد والثالث اليتامى وهو أي اليتيم صغير لم يبلغ بسنٍّ أو احتلام فقد روى أبوداود بسند حسن عن علي: (لا يُتْمَ بعد احتلام). وروى الطبراني في الصغير من طريق إبراهيم النخعي عن علي (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا رضاع بعد فصال ولا يُتْمَ بعد احتلام)). قال الهيثمي: رجاله ثقات. لا أب له وإن كان له جد ويدخل فيه ولد الزنى والمنفي ويشترط في إعطاء اليتيم لا في تسميته يتيماً فقره على المشهور لأن لفظ اليتيم يشعر بالحاجة وقيل يُعطى ولو كان غنياً والرابع والخامس المساكين الشاملون للفقراء وابن السبيل ويشترط في ابن السبيل الفقر. قال الماوردي: ويجوز للإمام أن يجمع للمساكين بين سهمهم من الزكاة وسهمهم من الخمس وحقهم من الكفارات فتصير لهم ثلاثة أموال وقال: إذا اجتمع في واحد يُتْم ومسكنة أعطي باليُتْم دون المسكنة لأن اليُتْم وصف لازم والمسكنة زائلة. ويعمُّ الإمام أو نائبه الأصناف الأربعة المتأخرة بالعطاء وجوباً غائبهم عن موضع الفيء وحاضرهم لظاهر الآية ويجوز التفاوت بين آحاد الصنف الواحد غير ذوي القربى لاتحاد القرابة ولو قلَّ الحاصل بحيث لو عمَّ لم يسدَّ مسدّاً خصّ به الأحوج للضرورة وصفة الاستحقاق تثبت بالبينة في ذوي القربى أو الاستفاضة فيهم وبالبينة في اليتامى وكذا في المساكين ويصدّق ابن السبيل بيمينه.
وقيل يختص بالحاصل في كل ناحية مَنْ فيها منهم وإن لم يعمّ الجميع للمشقة في النقل وهو مردود بأن النقل لإقليم لا شيء فيه أو فيه ما لا يفي بساكنيه إنما يوافق الآية لأنها لم تفرق بين أهل إقليم وإقليم بخلاف الزكاة فإن المتشوفين لها هم أهل الإقليم الذي أخذت فيه كما أن الغالب في الزكاة أن يوزعها الملّاك بخلاف الفيء فإن الموزع له هو الإمام أو نائبه فإن كلَّ مَنْ في حكمه يتشوف لوصول شيء من الفيء إليه كما أنه لا مشقة عليه في النقل ومَنْ فُقِد مِن الأصناف الأربعة صرف نصيبه للباقين منهم وأما الأخماس الأربعة والتي كانت هي وخمس الخمس للنبي صلى الله عليه وسلم فالأظهر أنها للمرتزقة وقضاتهم وأئمتهم ومؤذنيهم وعمالهم وسموا مرتزقة لأنهم يطلبون أرزاقهم من الإمام وهم أي المرتزقة الأجناد المرصدون للجهاد في الديوان وسُمّوا بذلك لأنهم أرصدوا نفوسهم للذب عن الدين وطلبوا الزرق من مال الله تعالى وأما المتطوعة وهم الذين يغزون إذا نشطوا فإنما يعطون من الزكاة لا من الفيء عكس المرتزقة. وإذا لم يكن جهاداً أو كان ولم يستوعب مال الفيء فيرصد للمصالح وإذا لم يفِ المال بحاجة المرتزقة وهم فقراء فيصرف لهم الإمام من سهم سبيل الله ولما كانت الأخماس من الأربعة للمرتزقة فيضع الإمام لهم ديواناً و أول من وضعه في الإسلام سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو الدفتر الذي يكتب فيه أسماؤهم وقدر أرزاقهم ويطلق الديوان أيضاً على المكان الذي يُجْلَسُ فيه للكتابة وينصب لكل قبيلة أو جماعة عريفاً ليعرض عليه أحوالهم ويجمعهم عند الحاجة وقيل هو ينصب النقباء وهم ينصبون العرفاء وسموا بذلك لأنهم يعرفون أسماء الناس
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/438)
فقد رواه الشافعي عن سير الواقدي قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة هوازن: (ارجعوا حتى أسال عرفاءكم) ويبحث الإمام عن حال كل واحد من المرتزقة وعن عياله وما يكفيهم فيعطيه كفايتَهم نفقة وكسوة وسائر المؤن بقدر الحاجة ليتفرغ للجهاد مراعياً الزمن والغلاء والرخص وعادة المحل ويزيد من زاد له عيال ولو زوجة رابعة ويقدم في إثبات الاسم والإعطاء قريشاً استحباباً لشرفهم بالنبي صلى الله عليه وسلم. فقد قال الشافعي: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قدِّموا قريشاً). وهم ولد النضر بن كنانة ويقدم منهم أي من قريش بني هاشم وهو جده صلى الله عليه وسلم الثاني سمي بذلك لأنه كان يهشم الثريد لقومه ويقدم منهم أيضاً بني المطلب شقيق هاشم لما روى البخاري عن جبير بن مطعم (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه). ثم بني عبد شمس لأنه أخو هاشم لأبويه ثم بني نوفل لأنه أخو هاشم لأبيه عبد مناف ثم بني عبد العزى من قصي لأنه أصهاره فإن زوجته خديجة بنت خويلد ابن أسد بن عبد العزى ثم سائر البطون الأقربَ فالأقربَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقدم بعد بني عبد العزى بني عبد الدار بن قصي وهو أخو عبد مناف ثمَّ بعد قريش الأنصار لآثارهم الحميدة في الإسلام وهما حيان: الأوس والخزرج ويقال هم بني قَيْلة نسبة إلى جدتهم العليا ثم بعد الأنصار سائر العرب أي باقي العرب ثم يقدم بعد العرب العجم فيقدم الأسبق للإسلام ثم بالدين ثم بالسن ثم بالهجرة ثم بالشجاعة ثم يتخير الإمام ولا يُثْبتُ في الديوان أعمى ولا زمناً ولا مَنْ لا يصلح للغزو أي لا يثبت مع المرتزقة أي لا يثبت الإمام في ديوان المرتزقة إلا الأقوياء والمستعدين للغزو من الرجال ولا يثبت العاجزين كما يثبت في الديوان عيال المرتزقة ولو مرض بعضهم أو جنَّ ورجي زواله أي زوال مرضه أو جنونه أعطي لئلا يرغب الناس عن الجهاد ويشتغلوا في بالكسب فإن لم يُرْجَ فالأظهر أنه يعطي أيضاً كما تعطى ذريته ولكن يُمْحَى اسمه من الديوان إذ لا فائدة في عدّه من المقاتلين. وكذا تُعْطَى زوجته وأولاده إذا مات لئلا يشتغل الناس بالكسب عن الجهاد إذا علموا ضياع عيالهم بعدهم فتعطى الزوجة حتى تنكح وكذا الزوجات لاستغنائها بالزوج فإن كان زوجها الثاني من المرتزقة قرر لها كفايتها تبعاً له والأولاد يعطون حتى يستقلوا بالكسب أو غيره فإن فضلت الأخماس الأربعة عن حاجات المرتزقة وزَّع الفاضل عليهم أي المرتزقة الرجال دون غيرهم على قدر مؤنتهم لأنه حقهم والأصح أنه يجوز أن يصرف بعضه في إصلاح الثغور والسلاح والكراع وهو الخيل لأن في ذلك معونة لهم على القتال وإعداد القوة هذا حكم منقول الفيء فأما عقاره وهو الدور والأراضي فالمذهب أنه يجعل وقفاً أي يجعله الإمام وقفاً إن رأى في ذلك مصلحة وتقسم غلته كل سنة كذلك أي يقسم مثل قسمة المنقول أربعة أخماسها للمرتزقة وخمسها للمصالح وقيل يبقى وقفاً للمصالح.
? فصل في الغنيمة وما يتبعها ?
الغنيمة لغة الربح وشرعاً: مالٌ ونحو حصل لنا من كفار أصليين حربيين بقتال منا وإيجاف بخيل أو ركاب ونحوهما ولو بعد انهزامهم في القتال أو قبل شهر السلاح حين التقى الصفان ومن الغنيمة ما أخذ منهم سرقة أو اختلاساً أو لقطة أو ما أهدوه لنا أو صالحونا عليه حال الحرب أما ما أخذ من تركة المرتد فإنه فيء لا غنيمة وما أخذوه من مسلم أو ذمي بغير حق ثم قدرنا على استرجاعه فهو لمالكه وليس غنيمة.
فيقدم منه أي من أصل المال السَلَبُ للقاتل المسلم ولو صبياً فقد روى الشيخان عن أبي قتادة: (من قتل قتيلاً فله سلبه). وهو ثيابُ القتيل والخفُ والرانُ وهو جورب بلا قدم أو خف بلا قدم يلبس على الساق. وآلات الحرب كدرع ويسمى أيضاً الزردية واللامة وهو يلبس على الصدر والظهر كالقميص وقد يكون طويلاً يصل إلى الركبتين وسلاح ومركوب وسرج ولجام ومقود ومهاز وكذا سوار أي يأخذ القاتل ثيابه وزينته من سوار وطوق وحلق وأقراط ومنطقة وهو ما يشد على وسط الجسم وخاتم ونفقة مع هميانها أي كيسها الذي توضع فيه النفقة عادة وغالباً ما يشد على وسط الجسم وجنيبة وهي فرس أو غيره يقودها بعض المقاتلين احتياطاً لمركوبه إن أصيب أو ضعف فيقاتل على الآخر وللقاتل منهما واحدة فقط إن تعددت أو
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/439)
اختلفت والخيار للقاتل والجنيبة مفرد جنائب تقاد معه وإن لم يقدها هو في الأظهر لاتصال هذه الأشياء به مع احتياطه للجنيبة لا حقيبة مشدودة على الفرس بما فيها من الأمتعة والدراهم على المذهب لأنها ليست من لباس المقاتل ولا من حليته ولا من حلية فرسه وقيل يأخذها القاتل لأنها من جملة السلب والفرق بين الجنيبة والحقيبة أن الجنيبة بمعنى المركوب وإنما يستحق السلب بركوب غرر يكفي به أي بركوبه شرَّ كافر في حال الحرب ولا فرق في استحقاق السلب بين أن يقتله مبارزة وبين أن ينغمر في صف العدد فيقتله فبعد أن ذكر أسباب استحقاق السلب فرع عليها بقوله: فلو رمى من حصن أو من الصف فقتل رجلاً لم يستحق سلبه أو قتل كافراً نائماً أو أسيراً أو قتله أي قتل الكافر وقد انهزم الكفار فلا سَلَب له لانتفاء ركوب الغرر الذي هو في مقابلة السلب فقد روى الشيخان عن (أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُعْطِ ابن مسعود سلب أبي جهل لأنه كان قد أثخنه فتيان من الأنصار وهما معوِّذ ومعاذ أبناء عفراء) ولو أغرى به كلباً عقوراً فقتله استحق سلبه لأنه خاطر بنفسه حين صبر في مقاتلته حتى عقره الكلب.
وكفاية شره أن يزيل امتناعه بأن يفقأ عينيه أو يقطع يديه أو رجليه في الأظهر لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى سلب أبي جهل لمثخنه كما مرَّ دون قاتله فدلَّ على أن المناط كفاية شره وكذا لو أسره أو قطع يديه أو رجليه في الأظهر أو يعميه ولا يكفي قطع رجل أو يد أما لو قطع رجلاً ويداً فهو إثخان وقيل لا يستحق السلب إلا بالقتل لظاهر الحديث: (من قتل قتيلاً فله سلبه). ولو أمسكه واحد وقتله آخر فالسلب بينهما لاندفاع شره ولو جرحه واحد ولم يثخنه فقتله آخر فالسلب للثاني ولو أسره استحق سلبه لأن الأسر أصعب من القتل وأبلغ في القهر. ولو كان الكافر المقتول امرأة أو صبياً إن كان لا يقاتل لم يستحق سلبه لأن قتله حرام أما إذا كان يقاتل فقد استحق سلبه.
ولا يخمس السلب على المشهور فقد أخرج مسلم وأبوداود واللفظ له عن عوف بن مالك (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب).
وبعد السلب تخرج مؤنة الحفظ والنقل وغيرهما من المؤن اللازمة كأجرة عمال وراعٍ للحاجة إلى ذلك ثم يخمس الباقي بعد السلب والمؤن خمسة أخماس متساوية ويؤخذ خَمْسَ أوراق يكتب على واحدة لله تعالى أو للمصالح وعلى أربعة للغانمين ثم يقرع فيما خرج لله تعالى أو للمصالح جعل بين أهل الخمس على خمسة كما قال فخمسه أي المال لأهل خُمسِ الفيء يقسم بينهم كما سبق في قسم الفيء. قال تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ... ) الأنفال41. ولا فرق في ذلك بين العقار والمنقول لعموم الآية ويستحب أن تكون هذه القسمة في دار الحرب كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى البيهقي من طريق ابن إسحاق (أنه صلى الله عليه وسلم قسم غنائم بدر بشعب من شعاب الصفراء قريب من بدر) وذكر الشافعي في الأم (أنه صلى الله عليه وسلم قسم غنائم بني المصطلق على مياههم). وروى الطبراني في الأوسط من حديث قتادة عن أنس (لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين والطائف أتى الجعرانة فقسم الغنائم بها واعتمر منها) ومثله عند البخاري. وتأخير القسم بلا عذر إلى العود إلى دار الإسلام مكروه. ولو شرط الإمام للجيش أن لا يخمس عليهم لم يصح شرطه ووجب تخميس ما غنموه للآية سواء أشرط ذلك للضرورة أم لا.
والأصح أن النَفْل يكونُ من خُمُس الخمس المرصد للمصالح لأنه المأثور كما جاء عن ابن المسيب فقد روى الشافعي عن مالك عن أبي الزناد (أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: كان الناس يعطون النفل من الخمس). قال الشافعي: يريد من خمس النبي صلى الله عليه وسلم. إن نَفَل مما سيُغْنَم في هذا القتال وغيره ويغتفر الجهل للحاجة ويجوز أن ينفل من مال المصالح الحاصل عنده في بيت المال لأن ذلك من جملة المصالح والنفل زيادة على سهم الغنيمة يشرطها الإمام أو الأمير لمن يفعل ما فيه نكاية للكفار زائدة على ما يفعله بقية الجيش كالتقدم على طليعة للجيش ومهاجمة قلعة ويجوز إفراد المشروط وتعدده وتعيينه وعدم تعيينه كمن فعل كذا فله كذا وأما قدر النفل فليس له حدٌّ مضبوط فيجتهد الإمام ويجعله بقدر العمل وخطره فقد روى الترمذي وأحمد عن عبادة بن الصامت (أن النبي
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/440)
صلى الله عليه وسلم كان ينفّلُ في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث) وفي رواية للترمذي القفول بدل الرجعة والبدأة السرية التي يبعثها الإمام قبل دخوله دار الحرب والرجعة: السرية التي يأمرها بالرجوع بعد توجه الجيش إلى دار الإسلام والأخماس الأربعة أي الباقي منها بعد السلب والمؤن عقارها ومنقولها للغانمين عملاً بالآية وبفعله صلى الله عليه وسلم في أرض خيبر وهم من حضر الوقعة قبل الفتح بنية القتال وإن لم يقاتل مع الجيش لما روى الشافعي عن أبي بكر وعمر أنهما قالا: (إنما الغنيمة لمن شهد الوقعة) يعني قبل الفتح ولا مخالف لهما من الصحابة لأن قصده التهيؤ للقتال وحصوله في مكان الموقعة مع تكثير سواد المسلمين ومثله من حضر لا بنية القتال ولكنه قاتل عند الوقعة.
ولا شيء لمن حضر بعد انقضاء القتال ولو قبل الحصول على المال وحيازته وفيما بعد انقضاء الوقعة وقبل حيازة المال وجه أنه يعطى لأنه لحق قبل تمام الاستيلاء على ما خلفه العدد ولو مات بعضهم أي مات بعض الغانمين بعد الانقضاء أي انقضاء القتال وبعد الحيازة فحقه من المال لوارثه كسائر الحقوق وكذا لو مات بعد الانقضاء وقبل الحيازة في الأصح بناءً على أن الغنيمة تملك بالانقضاء ولو مات في القتال قبل حيازة شيء فالمذهب أنه لا شيء له فلا حق لوارثه في شيء أو بعد حيازة شيء فله حصته أما إذا خرج أو مرض أثناء الوقعة فإن ذلك لا يمنع استحقاقه وإن لم يرجُ برؤه والأظهر أن الأجبر لسياسة الدواب وحفظ الأمتعة والتاجر المحترف كالخياط والبقال يسهم لهم إن قاتلوا لشهودهم الوقعة وقتالهم وأما الأجير للقتال فإن كان مسلماً فلا أجرة له لبطلان إجارته ولأنه بحضور الصف تعين عليه القتال وإن كان ذمياً فله أجرته فقط أما المسلم فيستحق السلب فقط ولا سهم من الغنيمة له لإعراضه عن القتال بالإجارة المنافية للقتال.
وللراجل سهم وللفارس ثلاثة سهمان للفرس وسهم له فقد روى الشيخان عن ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب للفرس سهمين وللفارس بسهم). وروى الشيخان أيضاً من حديث عروة بن الجعد البارقي (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم).
ولا يعطى الفارس إلا لفرس واحد وإن كان معه أكثر من فرس فقد روى الشافعي بسند منقطع عن الزبير (أنه صلى الله عليه وسلم لم يعطِ الزبير إلا لفرس واحدة وقد حضر يوم خيبر بأفراس) عربياً كان أو غيره أي أو غير عربي كالبرذون أبواه أعجميان والهجين أبوه عربي وأمه أعجمية والمقرف أبوه أعجمي وأمه عربية لا لبعير وغيره كالفيل والبغل والحمار لأن هذه الدواب لا تصلح للحرب صلاحية الخيل التي تكرُّ وتفرُّ ولكن يرضخ لها ولا يعطى لفرس أعجف أي مهزول بيّن الهُزال ولا مالا غَنَاء فيه كالكسير والهرم لعدم فائدته وفي قول يُعطى إن لم يعلم نهي الأمير عن إحضاره قيس على الشيخ الكبير إذا حضر الوقعة ولكن الشيخ الكبير ينتفع برأيه ودعائه والعبد والصبي والمرأة والذمي إذا حضروا الوقعة مع غيرهم فلهم الرضخ فقد روى مسلم وغيره عن ابن عباس (أنه سُئِلَ عن النساء هل كنَّ يشهدن الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ فقال: كنَّ يشهدن الحرب فأما أن يضرب لهن بسهم فلا). وفي رواية أبي داود (ويحذين من الغنيمة). وروى الترمذي في العبد مثله. وروى البيهقي من طريق مكحول (أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم للنساء والصبيان) وهو محمول على الرضخ وسواء أذن السيد والولي والزوج في الحضور أم لا وهو دون سهم أي الرضخ وهو أصلاً العطاء القليل وشرعاً دون سهم الراجل ولو كان المرضوخ له فارساً ومحله الأخماس الأربعة في الأظهر أي من سهم المقاتلة وقيل من أصل الغنيمة وقيل من سهم المصالح أي من خمس الخمس قلت إنما يرضخ لذمي حضر بلا أجرة وبإذن الإمام على الصحيح والله أعلم فإن حضر بغير إذن الإمام لم يرضخ له لأنه متهم بموالاة أهل ملته ويعزِّره الإمام إن رآه وإن حضر بإذنه فله الأجرة فقط.
? كتاب قَسْم الصدقات ?
أي قسم الزكوات لمستحقيها وهم ثمانية أصناف يذكرون على ترتيب ذكرهم في قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) التوبة60.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/441)
الفقير من لا مال له ولا كسب يقعُ موقعاً من حاجته كمن يحتاج إلى عشرة ولا يملك أو لا يكسب إلا ثلاثة أو أربعة والمقصود بحاجته المطعم والملبس والمسكن وسائر ما لابد منه لنفسه وممونه الذي تلزمه مؤنته ولا يمنعُ الفقرَ مسكنُه وثيابُه وإن كانت للتجمل ولو مرة في العام إن كانت لائقة به كالحلي وكذا يقال في المسكن ومالُه الغائب في مرحلتين أو الحاضر الذي يمنع منه والمؤجل فيأخذ ما يكفيه إلى أن يصل إلى ماله وإلى أن يحل الأجل وكسب لا يليق به شرعاً أو عرفاً لحرمته أو لإخلاله بمروءته لأنه حينئذ كالعدم كما لو لم يجد من يستعمله إلا مَنْ مالُه حرام أو فيه شبهة قوية. ولو اشتغل بعلم شرعي من فقه وحديث وتفسير ونحو ذلك والكسبُ يمنعُهُ من اشتغاله بذلك ففقير فيشتغل بذلك العلم ويُعطى من الزكاة لتعدي نفعه وعمومه ولو اشتغل بالنوافل من صلاة وغيرها فلا يكون فقيراً لأن الكسب وعدم الحاجة إلى ما في أيدي الناس أولى من الإقبال على النوافل والفرق بين المشتغل بهذا وبين المشتغل بعلم أو قرآن بأن ذلك مشتغل بما هو فرض كفاية بخلاف هذا كما أن نفع هذا قاصر على نفسه بخلاف ذلك ولا يشترط فيه أي الفقير ليأخذ الزكاة الزمانة أي المرض أو العاهة التي تمنع الكسب ولا التعفف عن المسألة على الجديد لصدق اسم الفقير عليه. قال تعالى: (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) المعارج24 - 25. وكان صلى الله عليه وسلم يعطي مَنْ لم يسأل والمكفي بنفقة قريب أصل أو فرع أو زوج ليس فقيراً ولا مسكيناً في الأصح لاستغنائه وللمنفق وغيره الصرف إليه بغير الفقر والمسكنة كَسَهْمِ الغارمين أو سهم ابن السبيل إن احتاج إليه والزوجة لها أن تعطي زوجها من زكاتها ولو بالفقر وإن أنفقها عليها لحديث زينب زوجة ابن مسعود (أنها ذهبت تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيجزئ عنها إن هي أنفقت على زوجها وأيتام في حجرها؟ فقال: (نعم ولها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة)) رواه البخاري.
والمسكين من قَدَرَ على مال أو كسب يقع موقعاً من كفايته ولا يكفيه كمن يكسب سبعة أو ثمانية ولا يكفيه إلا عشرة لمسكنه وملبسه ومطعمه وسائر حاجاته على ما يليق بالحال من غير إسراف ولا تقتير للشخص ولمن هو في نفقته وسواءً ملك نصاباً أم لا قال الغزالي في الإحياء: المسكين هو الذي لا يفي دخله بخرجه فقد يملك ألف دينار وهو مسكين وقد لا يملك إلا فأساً وحبلاً وهو غني. والمسكين أحسن حالاً من الفقير قال تعالى: (وأما السفينة فكانت لمساكين) فدل على أن المسكين مَنْ يملك شيئاً يقع موقعاً من كفايته وقد روي (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول: (اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً)). مع أنه كان يتعوذ من الفقر كما روى البخاري في الدعوات عن عائشة.
والعامل المستحق للزكاة بأن فرق الإمام أو نائبه ولم يجعل له أجرة من بيت المال هو ساعٍ يجبيها وكاتب لما وصل من ذوي الأموال وما بقي عليهم وحاسبٍ للأموال وقاسم وحاشر وهو الذي يجمع ذوي الأموال وحافظ للأموال لا القاضي أو الولي على الإقليم الذي جمعت منه الزكاة وإن قاما بذلك بل يرزقهما الإمام من خُمُس الخمس المرصد للمصالح لأن عملهما عام والمؤلفة من أسلم ونيته ضعيفة في أهل الإسلام أو في الإسلام نفسه فيعطى ليقوى إيمانه ويألف المسلمين ولو كان امرأة لأن الإيمان أي التصديق في قول أكثر أهل العلم يزيد وينقص كثمرته أو من أسلم ونيته في الإسلام قوية ولكن له شرف في قومه يتوقع بإعطائه إسلام غيره من نظائره والمذهب أنهم يعطون من الزكاة لقوله تعالى: (والمؤلفة قلوبهم) التوبة60. وقيل لا يعطون لأن الله قد أعز الإسلام وأغنى عن التأليف بالمال ويجب أن يُعْلَمَ أن المؤلفة قلوبهم الذين يعطون من الزكاة هم من أسلم أما مؤلفة الكفار وهم من يُرْجَى إسلامهم ومَنْ يُخْشَى شرهم فلا يعطون من الزكاة قطعاً للإجماع لما روى الشيخان عن معاذ (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم))، أي فقراء المسلمين.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/442)
والرقاب المكاتبون كتابة صحيحة فيُدْفَعُ إليهم لا مِنْ زكاة سيدهم ولو بغير إذنه أما من اقترض وأدى فعتق فهو غارم فيعطى من سهم الغارمين والغارم المدين إن استدان لنفسه شيئاً أي لغرض نفسه الدنيوي أو الأخروي في غير معصية أعطي بخلاف المستدين في معصية كالخمر والإسراف في النفقة بالاستدانة فلا يعطى قلت الأصح يُعطى إذا تاب والله أعلم إذا غلب الظن على توبته بظهور علائم ذلك إلا إذا اعتاد فعل ذلك ذريعة للأخذ فلا يُعطى والأظهر اشتراط حاجته بأن لا يقدر على وفاء ما استدانه ولا يكلف بيع مسكنه وخادمه ومركوبه دون حلول الدين لأنه لا يسمى الآن مديناً قلت الأصح اشتراط حلوله والله أعلم ليكون محتاجاً إلى وفائه أو استدان لإصلاح ذات البين بين شخصين أو قبيلتين تنازعتا في قتيل لم يظهر قاتله فيستدين ما يسكّنُ به الفتنة وكذلك فيما دون النفس من الأطراف وغيرها وإتلاف المال في ذلك كالنفس أعطي مع الغني بالعقار أو العَرْض أو النقد وقيل إن كان غنياً بنقد فلا يعطى إذ ليس في صرفه إلى الدين مشقة ولأنه لو شرط الفقر فيه لقلّتْ الرغبةُ في هذه المكرمة العظيمة ويعطى إن ضمن متبرعاً لأنه لا يرجع على المضمون أو لم يكن متبرعاً وأعسر المضمون وقيل يعطى للمضمون في هذه الحالة إذ لا حق للضامن في مال الزكاة ويعطى إن استدان لمصلحة عامة كقِرَى ضيف أو عمارة مسجد وبناء سدٍّ أو قنطرة وفك أسير ولا يشترط في هذه الأحوال حلول الدين وسبيل الله تعالى غزاةٌ ذكور لا فيءَ لهم أي لا سهم لهم في ديوان المرتزقة بل يتطوعون بالغزو حيث نشطوا وإلا فهم في حرفهم وصنائعهم ومعنى سبيل الله أي الطريق الموصلة إليه تعالى ثم كثر استعمالها في الجهاد لأنه سبب للشهادة الموصلة إلى الله تعالى ثم خصصّ بهؤلاء لأنهم جاهدوا لا في مقابل فكانوا أفضل من غيرهم فيعطون مع الغنى بخلاف من تفرغ للجهاد وهم المرتزقة الثابت أسماؤهم في الديوان فلا يعطون من الزكاة إلا إذا كان نصيبهم من الفيء لا يكفيهم وهذا يجب على أغنياء الأمة إعانتهم بما يكفيهم ويحفظ نفوسهم. فقد روى الحاكم ومالك في الموطأ عن زيد بن أسلم (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تحل الصدقة إلا لخمسة) وذكر منهم الغازي في سبيل الله). وقال ابن عباس: كان أهل الفيء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعزل عن أهل الصدقات، وأهل الصدقات بمعزل عن أهل الفيء. وابن السبيل نسب إليها بالولادة مبالغة لملازمته لها وسلوكه فيها وهو منشيء سفرٍ من بلدة أو بلد كان مقيما به أو مجتاز ببلد في سفره وشرطه ليعطى الحاجة بأن لا يجد ما يقوم بحوائج سفره وإن كان له مالٌ بغيره ولو دون مسافة القصر وعدم المعصية بسفره فإن كان معه ما يحتاج إليه في سفره أو كان سفره معصية لم يعطَ فيعطى في الطاعة كالسفر للحج والزيارة والعلاج والبحث عن عمل من بلد لا يجد فيه عملاً له أو لا يجد ملائماً له. وشرط آخذ الزكاة من هذه الأصناف الثمانية الإسلام فلا يدفع منها لكافر إجماعاً لخبر الشيخين عن معاذ (صدقةٌ تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم). وأن لا يكون هاشمياً ولا مطلبياً فقد روى مسلم من حديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (إنما هذه الصدقة أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد). وما رواه البخاري عن جبير بن مطعم (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه)). ومثل الزكاة كل واجب كالنذر والكفارة ودماء النسك وكذا مولاهم في الأصح لما روى الترمذي وصححه عن أبي رافع (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إن الصدقة لا تحل لنا وإن مولى القوم من أنفسهم)). وقال القاضي حسين: أن المذهب إن مولاهم لا يلحق بهم. وقيل إن المنع للشرف في ذوي القربى وهو مفقود في مواليهم.
? فصل في بيان ما يقتضي صرف الزكاة وقدر المُعْطَى ?
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/443)
من طلب زكاة أو لم يطلب وأريد إعطائه وعلم الإمام استحقاقه للزكاة أو عدمه عمل الإمام أو غيره ممن له ولاية الدفع بعلمه ولا يصرف لمن علم عدم استحقاقه بخلاف القضاء فلا يعمل بعلمه بل يعمل بالبينة لأن الزكاة مبنية على الرفق والمساهلة وليس فيها إضرار بالغير بخلاف القضاء بالعلم. وإلا أي وإن لم يعلم استحقاقه أو عدمه فإن ادّعى فقراً أو مسكنة لم يكلف بينة يقيمها بعسرة ولم يحلف لأن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجلان يسألانه الصدقة فقال: (إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لذي مرة سوي) رواه أحمد وغيره من حديث عبيد بن عدي بن الخيار، وذو المرة هو الجلد ذو القوة. فيوضح الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطالبهما بيمين فإن عُرِف له أي من طلب الزكاة مالٌ وادّعى تلفه كُلِّفَ البينة لسهولة ذلك وكذا إن ادّعى عيالاً فإن يكلف البينة بذلك والبينة في المال شهادة رجلين أو رجل وامرأتين والمراد بالعيال من تلزمه نفقتهم ومن تقضي المروءة بإنفاقه عليهم من قريب وغيره في الأصح فلو قال لا كسب لي وحال يشهد بصدقه بأن كان شيخاً كبيراً أو زَمِنَاً أعطي بلا بينة ولا يمين.
ويعطى غازٍ وابنُ سبيل بقولهما بلا بينة ولا يمين لأنه لأمر مستقبل فإن لم يخرجا استرد منهما ما أخذاه بعد مدة الإمهال لانتظار الرفقة وتحصيل الأهبة ويطالب عامل ومكاتب وغارم ولو لإصلاح ذات البين ببينة لسهولتها بما ادّعوه وهي أي البينة إخبار عدلين أو إخبار عدل وامرأتين لأنها شهادة تتعلق بالأموال فتصح في إقامتها النساء ويغني عنها في سائر الصور التي يحتاج للبينة فيها الاستفاضة بين الناس من قوم يبعد تواطؤهم على الكذب وكذا تصديق ربُّ الدين في الغارم والسيد في المكاتب يغني عن البينة في الأصح لظهور الحق بالإقرار والتصديق ويُعْطى الفقير والمسكين أي يعطى كلٌّ منهما إن لم يحسن الكسب كفاية سنة لأن الزكاة تتكرر كل سنة فتحصل بها الكفاية. فقد روى الشيخان عن ابن عمر في أموال بني النضير (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفق على نفسه وأهله نفقة سنة). وهو يؤيد الإعطاء للفقير والمسكين لمدة سنة قلت: الأصح المنصوص في كتاب الأم وقول الجمهور يُعطى كل منهما كفاية العمر الغالب لأن به تحصل الكفاية على الدوام فالمقصود إغناؤه ولا يحصل إلا بذلك فإن لم تكفِ الزكاة بقية عمره فيُعطى نفقة سنة أما من له حرفة تكفيه الكفاية اللائقة به فيُعْطى ثمن آلة حرفته وإن كثر ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والنواحي وإن كان يحسن أكثر من حرفة والكل يكفيه أُعْطِيَ ثمن أو رأس مال الأدنى. والعمر الغالب ما بين الستين والسبعين فإن وصل إلى العمر الغالب فيُعطى كفاية سنة واحدة فيشتري به عقاراً يستغله والله أعلم ذلك إن لم يملك ما يستغله أو لم يحسن حرفة يكتسب بها. والمكاتب والغارم فيعطي كل منهما قدر دينه فإن ملك بعضه أعطي الباقي ويعطى ابن السبيل ما يوصِّله مقصده أو موضع ماله إن كان في طريقه مالٌ وإن احتاج إلى كسوة أعطيها أيضاً والغازي يعطى قدر حاجته لنفقة وكسوة ذاهباً وراجعاً ومقيماً هناك في محل الغزو أو الثغر وإن طالت الإقامة لأن اسمه لا يزول بطول الإقامة بخلاف ابن السبيل فإن اسمه يزول بمجرد الوصول إلى بلده وفرساً وسلاحاً أي يعطى قيمتهما مهما بلغت أو
ـ[ابو اويس التراثي]ــــــــ[21 - 07 - 07, 02:11 ص]ـ
جزاكم الله خيرا وبارك فيكم
ـ[محمد عبدالكريم محمد]ــــــــ[21 - 07 - 07, 02:11 ص]ـ
الجزء الثاني عشر
يُعْطَها إن كان يقاتل على الفرس أو يعطى قيمة أي وسيلة صالحة للقتال يستطيع القتال بها أو يستعين بها على القتال ويصير ملكاً له أي الفرس والسلاح فلا يسترد منه إذا رجع وللإمام أن يشتري من السهم في سبيل الله خيلاً وسلاحاً ويوقفها في سيبل الله ويُهَيأُ له ولابن السبيل مركوب غير الذي يقاتل عليه الغازي إن كان السفر طويلاً أو كان كل منهما ضعيفاً لا يطيق المشي فإن كان السفر قصيراً وهو قوي فلا وما ينقلُ عليه الزاد ومتاعه إلا أن يكون قدراً يعتاد مثله حمله بنفسه فلا يُهيأ له المركوب لانتفاء الحاجة ومن فيه صفتا استحقاق للزكاة كفقير وغارم يُعطى بإحداهما فقط في الأظهر لأن عطف بعض المستحقين على بعض في الآية يقتضي التغاير وقيل للإمام أن يجمع للفقراء بين استحقاقين أو أكثر لاتصافه بها هذا إذا كان
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/444)
الأخذ من زكاة واحدة أما من زكوات مختلفة فله الأخذ من الزكاة بصفات مختلفة.
? فصل في قسمة الزكاة بين الأصناف ونقلها ?
يجب استيعاب الأصناف الثمانية في القسمة إن قسَّم الإمام وهناك عامل مع بقية الأصناف ولم يجعل له الإمام شيئاً من بيت المال وكذلك لو قسم العامل بنفسه فيعزل حقه ثم يفرق الباقي على سبعة وإنما جاء الإيجاب من ظاهر الآية وقال جماعة يجوز صرفها إلى ثلاثة أصناف وحكي الرافعي عن الشيرازي جواز صرفها لواحد وحكى مثله الروياني في البحر وقال الأذرعي بجواز صرفها لواحد وعليه العمل في الأعصار والأمصار وهو المختار والأحوط دفعها إلى ثلاثة.
وإلا بأن قسم المالك أو قسم الإمام ولا عامل أو استأجر الإمام عاملاً من بيت المال فالقسمة على سبعة فإن فقد بعضهم أيضاً قسمت على الباقين وهذا قوله فعلى الموجودين لأن المعدوم لا سهم له فإن لم يوجد أحدٌ من أهل الاستحقاق حفظت الزكاة حتى يوجدوا وإذا قسم الإمام استوعب وجوباً من الزكوات الحاصلة عنده إن سدت أدنى مسدٍّ لو وزعت على الكل آحاد كل صنف لسهولة ذلك عليه ومن ثم لم يلزمه استيعابهم من كل زكاة على حدتها لعسره بل له إعطاء زكاة كل واحد لواحد لأن الزكاة كلها في يده كزكاة واحدة وكذا يستوعب المالك الآحاد إذا انحصر المستحقون في البلد بأن سهل عادة ضبطهم أو معرفة عددهم ووفّى بهم أي بحاجاتهم المال لسهولة ذلك حينئذ وإلا ينحصروا أو انحصروا ولم يفِ بهم المال فيجب إعطاء ثلاثة فأكثر من كل صنف لأنهم ذكروا في الآية بصيغة الجمع وأقل الجمع ثلاثة إلا ابن السبيل ويجوز أن يكون العامل واحداً بحسب الحاجة كما يمكن الاستغناء عنه كما تقدم. وتجب التسوية بين الأصناف وإن كانت حاجة بعضهم أشدُّ إلا العامل فلا يُزَاد عطاؤه عن أجرة المثل لا بين آحاد الصنف فإنه يجوز تفضيل بعضهم على بعض إلا أن يقسم الإمام فيحرم عليه التفضيل مع تساوي الحاجات لسهولة ذلك عليه وقيل: إن الأمر للاستحباب أما لو اختلفت الحاجات فيراعيها. والأظهر منع نقل الزكاة من بلد الوجوب مع وجود المستحقين لامتداد أطماع مستحقي كلَّ محلٍ إلى ما فيه من الزكاة والنقل يوحشهم والأمر متعلق ببلد المال لا في المالك لخبر الصحيحين عن معاذ (وأنبئهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم). وقيل: إن ظاهر القول أن الضمير يعود على عموم المسلمين ولذا جاز النقل ويجوز النقل عند وجود الرحم للمزكي لأن أطماعهم متجهة إليه وهم أحق بصدقته من غيرهم وقيل ذلك في غير الزكاة، هذا إذا وزّع المالك أما الإمام فله نقلها مطلقاً لأن الزكوات في يده كزكاة واحدة ومثله الساعي في جمعها بل يلزمه نقلها إلى الإمام إذا لم يأذن له بتفرقتها والذي عليه الكثير من العلماء جواز النقل مطلقاً لإطلاق الآية ولا يوجد في الحديث دلالة على عدم النقل وإنما يدل الحديث على منع إعطائها لكافر ولو عُدِمَ الأصناف في البلد أي بلد الوجوب وجب النقل للزكاة أو الفاضل إلى أقرب محلٍ لمحل المال أو عُدِمَ بعضُهم وجوزنا النقل مع وجودهم وجب نقل نصيب المعدوم إلى مثله وإلا فيردُّ على الباقين وقيل ينقل لوجود مستحقه.
وشرط الساعي أي العامل كونه حراً ذكراً مكلفاً عدلاً في الشهادات كلها فلا بد أن يكون سميعاً بصيراً لأنه نوع ولاية فله ذات شرطها كغيرها من الولايات فقيهاً بأبواب الزكاة يعرف ما يأخذ وإلى من تدفع الزكاة فإن عُيّنَ له أَخْذٌ ودَفْعٌ بأن حدد له مقدار المأخوذ والجهة التي يدفع إليها ومقدار المدفوع لم يشترط الفقه المذكور ويشترط ألا يكون هاشمياً ولا مطلبياً ولا مولاهم ولا مرتزقاً في سهم الغزاة وَلِيعْلِمْ أي يخبر الإمام أو الساعي شهراً لأخذها ليتهيأ أرباب الأموال لدفعها والمستحقون لأخذها ويُسَنُّ كون ذلك الشهر المحرم لأنه أول العام هذا فيما يعتبر فيه العام فإن لم يكن كالزرع والثمار فيبعث وقت وجوبها وهو في الزرع عند استداد الحب وفي الثمار عند بدر الصلاح ولو بعث الساعي عند تصفية الحبوب فلا بأس في ذلك ويُسَنُّ وَسْمُ نَعْمِ الصدقة والفيء لتتميز عن غيرها فيردها واجدها ولئلا يتملكها المتصدق بعد ذلك فإنه يكره لمن تصدق بشيء أن يتملكه فمن دفعه له بغير إرث أو نحوه والوَسْم هو وضع علامة تميز نَعْمَ الصدقة عن غيرها ويكون ذلك بالكي أو بغيره فقد روى الشيخان عن أنس (أنه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/445)
قال: غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أبي طلحة ليُحَنكَهُ فوافيته في يده الميسم يسم إبل الصدقة). وروى مسلم عن جابر (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوَسْمِ في الوجه ولعن من فعل ذلك). في موضع صلب لا يكثر شعره والأولى في الغنم الآذان وفي الإبل والبقر الأفخاذ ويكره في الوجه للنهي عنه كما في حديث جابر المتقدم قلت الأصح يحرم وبه جزم البغوي في تهذيبه وفي صحيح مسلم لَعْنُ فاعله والله أعلم. فقد روى مسلم عن جابر (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على حمار قد وسِمَ في وجهه فقال: (لعن الله الذي وَسَمَهُ)).
? فصل في صدقة التطوع ?
وصدقة التطوع وهي المرادة عند الإطلاق صدقة التطوع سنة على التأكيد فقد روى مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليتصدق الرجل من ديناره وليتصدق من درهمه وليتصدق من بُرْهِ)). وروى أبوداود والترمذي بإسناد جيد عن أبي سعيد الخدري قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أطعم جائعاً أطعمه الله من ثمار الجنة ومن سقى مؤمنا على ظمأ سقاه الله عز وجل يوم القيامة من الرحيق المختوم ومن كسا مؤمناً عارياً كساه الله تعالى من خضر الجنة)). والظمأ العطش والرحيق الخمر الصافية وخضر الجنة أي ثيابها الخضر.
وتحل لغني فقد روى الشيخان عن أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رجل لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون: تصدقَ على سارق، فقال: اللهم لك الحمد لأتصدقن بصدقة، فخرج فوضعها في يد زانية فأصبح الناس يتحدثون: تصدق على زانية، فقال اللهم لك الحمد لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقة فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني، فقال: اللهم لك الحمد على سارق وعلى زانية وعلى غني، فأتى فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته وأما الزانية فعلها تستعف عن زناها وأما الغني فلعله يَعْتَبِر وينفق مما آتاه الله)). وكافر من يهودي ونصراني ومجوسي بشرط أن لا يكون حربياً قال تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) ومعلومٌ أن الأسير حربي، قيل إذا كان يرجى إسلامه، والأسير بأيدينا. وروى الشيخان عن أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (في كل كبد رطبة أجر)) وَدَفْعُها سراً فقد روى الشيخان عن أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .. ) فذكر منهم: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)). وفي رمضان فقد روى الترمذي عن أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: أي الصدقة أفضل؟ قال: (صدقة في رمضان)) ولقريب وجار أفضل فقد روى الشيخان عن زينب امرأة ابن مسعود (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيجزيء عني أن أنفق على زوجي وأيتام في حجري؟ فقال: (نعم ولها أجران، أجر القرابة وأجر الصدقة)).
وروى البخاري عن أنس قال: (كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخلٍ وكان أحبَّ أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلةَ المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماءٍ فيها طيب، قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الله تبارك وتعالى يقول: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وإن أحبَّ أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بخٍ، ذاك مالٌ رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين. فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه).
وروى البخاري وأبوداود والبيهقي عن طلحة بن عبد الله رجلٌ من بني تيم (أن عائشة قالت: يا رسول الله إنَّ لي جارين فإلى أيهما أُهدي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إلى أقربهما منك بابا).
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/446)
ومن عليه دينٌ أوله من تلزمه نفقته يستحب أن لا يتصدق حتى يؤدي ما عليه فالتصدق قبل أداء الدين يؤخر إبراء الذمة وهذا من غير المستحب. قلت الأصح تحريم صدقته بما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقته أو يحتاج إليه لنفقة نفسه أو لِدَيْنٍ لا يرجو له وفاءً لو تصدق به ولو مؤجلاً والله أعلم لأنه لا يجوز ترك الواجب لسنة فقد روى أبوداود بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع مَنْ يقوت)). وروى أبوداود والنسائي عن أبي هريرة (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله عندي دينار، فقال: أنفقه على نفسك، فقال: عندي آخر، قال: أنفقه على ولدك، قال: عندي آخر، قال: أنفقه على أهلك، قال: عندي آخر، قال: أنفقه على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أعلم به). وفي استحباب الصدقة بما فضل عن حاجته أي كفايته وكفاية من تلزمه كفايته أوجُهٌ أصحها إن لم يشق عليه الصبر استحب له ذلك فقد روى أبوداود والترمذي من حديث عمر (أن أبا بكر تصدق بماله كله) وإلا فلا يستحب له ذلك، بل يُكْرُه فقد أخرى البيهقي عن جابر (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنىً)) وقال الحاكم: هو شرط على مسلم.
? كتاب النكاح ?
هو لغة الضم والجمع، وشرعاً عقدٌ يتضمن إباحة وطءٍ بلفظ إنكاح أو تزويج وهو حقيقةٌ في العقد مجازٌ في الوطء ويكنى به عن العقد لاستقباح ذكره كفعله والأقبحُ لا يكنى به عن غيره وإذا قالوا نكح فلان فلانة أو بنت فلان أو أخته أرادوا تزوجها، وعقد عليها، وإذا قالوا نكح زوجته أو امرأته لم يريدوا إلا المجامعة والأصل في حله الكتاب والسنة وإجماع الأمة فمن الكتاب قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء). وقوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم).
ومن السنة ما روى أصحاب السنن عن علقمة عن عبد الله بن مسعود: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء). والباءة بالمد النكاح والتزوج، والوِجاء بكسر الواو والمد أصله الغمز بالسيف والطعن ووجأ أنثييه غمزها حتى رضها وتسميته الصيام وجاء استعارة والمعنى أن الصوم يكسر الشهوة ويضعفها. وروى الشيخان وأحمد عن سعد بن أبي وقاص قال: (ردَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا). وروى الترمذي عن قتادة عن الحسن عن سمرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل وقرأ قتادة: (ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية)) وقال الترمذي إنه حسنٌ غريب. وروى مسلم عن عمرو بن العاص (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة).
قالت عائشة: كانت مناكح أهل الجاهلية على أربعة أقسام: أحدها: مناكح الرايات وهو أن المرأة كانت تنصب الراية على بابها لِتُُعرف أنها عاهرة فيأتيها الناس. والثاني: أن الرهط من القبيلة أو الناحية كانوا يجتمعون على وطء امرأةٍ لا يخالطهم غيرهم فإذا جاءت بولد ألحق بأشبههم. والثالث: نكاح الاستخبار وهو أن المرأة إذا أرادت أن يكون ولدها كريماً بذلت نفسها لعدة من فحول القبائل ليكون ولدها كأحدهم. والرابع: النكاح الصحيح وهو الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ولدت من نكاح لا سفاحاً)، وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد قبل النبوة من عمها ورقة بن نوفل وكان الذي خطبها له عمه أبو طالب وخطب فقال: الحمد لله الذي جعلنا لنا بلداً حراماً، وبيتاً محجوجاً وجعلنا سدنته وهذا محمد قد علمتم مكانه من العقل والنبل وإن كان في المال قلٌّ إلا أن المال ضل زائل وعارية مسترجعة، وما أردتم من المال فعليَّ وله في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك، فزوجها منه عمها.
هو مستحبٌ لمحتاج إليه أي تتوق نفسه إلى الوطء يجد أهبته أي مؤنته من مهرٍ ونفقة وكسوة فإن فقدها أي عدم الأهبة استحب له تركه لقوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله) النور33.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/447)
ويكسر شهوته بالصوم لقوله صلى الله عليه وسلم: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم). وإن لم تنكسر شهوته تزوج فقد قال عمر رضي الله عنه: (ما رأيت مثل من ترك النكاح بعد قوله تعالى: (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله). وروى الترمذي والدار قطني وغيرهم عن عائشة: (ثلاثة حق على الله إعانتهم: المجاهد في سبيل الله والناكح يريد أن يستعف والمكاتب يريد الأداء) وصححه الحاكم. ولا يكسر مَنْ لا يجد الأهبة شهوته بدواء مثل كافور ونحوه لأنه نوع من الخصاء وهو محرم فإن لم يحتج للنكاح بأن لم تَتُقْ نفسُهُ إليه أصلاً أو لعارضٍ كمرض وعجزٍ كره له إن فقد الأهبة لما فيه من التزام ما لا يقدر عليه من غير حاجة وإلا أي بأن لم يفقد الأهبة وليس به علة فلا يكره له لقدرته عليه ولأن مقاصد النكاح لا تنحصر في الجماع لكن العبادة أفضل له من النكاح إذا كان يقطعه عنها ومثل الاشتغال بالعبادة الاشتغال بالعلم قلت فإن لم يتعبد فالنكاح أفضل له من تركه في الأصح كيلا تفضي به البطالة والفراغ إلى الفواحش فإن وجد الأهبة ولكن به علة كهرم وهو كبر السنِّ أو مرض دائم أو تعنين دائم أو كان ممسوح الذكر كُرِهَ له النكاح والله أعلم لعدم الحاجة إليه مع ويستحب ديّنةٌ أي ذات دين لخبر الصحيحين عن أبي هريرة: (تُنْكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك).
وروى الإمام مسلم عن جابر (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تُنْكَحُ المرأةُ لِمَيْسِمِهَا ولمالها ولحسبها فعليك بذات الدين تَرِبَتْ يداك). والميسم الحُسْنُ يقال رجل رسيم وامرأة رسيمة فهو الشرف الثابت في الآباء وأما قوله تربت يداك أي افتقرت حتى لصقت بالتراب ولم يُرَدْ بها الدعاء بالفقر ولكنها كلمة جارية على ألسنة العرب بمعنى استعنت.
بكراً لما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (تزوجت امرأة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتزوجت يا جابر؟ فقلت: نعم، فقال: أبكراً أم ثيباً؟ فقلت: بل ثيباً، فقال: فهلا جارية بكراً تلاعبها وتلاعبك وروي تداعبها وتداعبك فقلت: يا رسول الله إن عبدالله مات وترك تسع بناتٍ أو سبعاً فجئت بمَنْ تقوم بهن) رواه مسلم والترمذي والنسائي وغيرهم.
وقوله إن عبد الله مات يعني أن أَبَاه مات وترك له تسع أخواتٍ أو سبعاً. وروى ابن ماجة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهاً أي ألين كلاماً وأنتق أرماساً أي أكثر أولاداً وأرضى باليسير من العمل أي الجماع وأغَرُّ غِرَةً أي أبعد عن معرفة الشر والتفطن له) نعم الثيب أولى لعاجز ولمن عنده عيال يحتاج لكاملة تقوم عليهم نسيبة فقد أخرج ابن ماجة والدار قطني عن عائشة: (تخيّروا لنطفكم) قال الإمام ابن حجر: مدار الحديث على أناس ضعفاء رووه عن هشام أمثلهم صالح بن موسى الطلحي والحارث بن عمران الجعفري وهو حَسَنٌ ولما ورد في خبر الصحيحين السابق (ولحسبها) وتكرهُ بنت الزنا والفاسِق والحسب هو الشرف الثابت في الآباء أي أن تكون طيبة النسب لنسبتها إلى العلماء والصلحاء.
ليست قرابة قريبة لخبر (لا تنكحوا القرابة فإن الولد يخلق ضاوياً) أي نحيفاً. قال ابن الصلاح: ولم أجد لهذا الحديث أصلاً معتمداً. قال السبكي: فينبغي أن لا يثبت هذا الحكم لعدم الدليل كما أن النبي صلى الله عليه وسلم زوّج علياً بفاطمة وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت جحش وهي بنت عمته وزوّج زينب ابنته لأبي العاص مع كونه ابن خالتها ويسن أيضاً كونها ودوداً ولوداً ويعرف في البكر بأقاربها ووافرة العقل. وذكر صاحب تحفة العروس عن عمر موقوفاً (إياكم وخضراء الدمن فإنما تلد مثل أصلها وعليكم بذات الأعراق فإنها تلد مثل أبيها وعمها وأخيها والأولى أن يتزوج من غير عشيرته). فقد قال الشافعي رحمه الله: إذا تزوج الرجل من عشيرته فالغالب على ولده الحُمْق. وعلل الزنجاني بأن من مقاصد النكاح اتصال القبائل لأجل التعاضد والمعاونة واجتماع الكلمة. وإذا قصد نكاحها قال ابن عبد السلام ورجا أن يجاب إلى خُطْبته سُنَّ نظره إليها وينظر إلى ما ليس بعورة وهو وجهها وكفاها بإذنها وبغير إذنها اكتفاء بإذن الشرع. فقد أخرج أحمد في المسند عن المغيرة بن شعبة قال: (أردت أن أنكح امرأة من الأنصار فذكرت ذلك للنبي
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/448)
صلى الله عليه وسلم فقال: (اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما). قال: فذهبت فأخبرت أباها بذلك فذكر أبوها ذلك لها فرفعت الخِدَر، وقالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أَذِن لك أن تنظر فانظر وإلا فإني أحرِّج عليك إن كنت تؤمن بالله ورسوله)، قوله أن يؤدم بينكما: أن تدوم المودة وقيل مأخوذ من الأدم للطعام فإنه يطيبه وقولها: أحرّج عليك: أجعلك في إثم إن لم يكن لك حاجة تدعو لذلك. وقال الترمذي حديث حسن.
وروى مسلم عن أبي هريرة (أن رجلاً ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه أراد امرأة من الأنصار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (انظُر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا)). أراد صغراً.
وله تكرير نظره إن احتاج إلى ذلك لعدم إحاطته بأوصافها أما إذا اكتفى بنظرة حرم الزائدُ عليها لأنه نظر أبيح لضرورة فليتقيد بها. روى أبوداود عن جابر (إذا خطب أحدكم امرأة فإن استطاع أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل)، ورواه الحاكم في المستدرك.
ولا ينظر غير الوجه والكفين ظاهراً وباطناً بلا مسٍّ شيء منها لدلالة الوجه على الجمال والكفين على خصب البدن وإن لم تعجبه سُنَّ له أن يسكت ولا يقول لا أريدها ولا يترتب على ذلك منع خطبتها إذ أن منع خطبتها إنما يكون بعد إعلان الموافقة من الطرفين. وإن لم يتيسر له النظر إليها بعث امرأة ثقة تتأملها وتصفها له. فقد روى الحاكم وغيره عن حماد بن ثابت (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أمَّ سليم إلى امرأة وقال: انظري عرقوبها وشمّي عوارضها) وفي رواية الطبراني (وشمّي معاطفها)، والعرقوب: هو العصب فوق عقب الرجل والعوارض: الأسنان في عرض الفم. وأما المعاطف: فهي ما ينعطف عنده جسم الإنسان كالرقبة والإبطين.
ويحرم نظر فخل بالغ عاقل مختار ولو شيخاً وعاجزاً عن الوطء ومجبوباً وهو مقطوع الذكر إلى عورة حرة كبيرة وهي من بلغت حداً تشتهي فيه. قال تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) النور30.
وروى مسلم عن جابر والترمذي عن علي (أن النبي صلى الله عليه وسلم أردف الفضل بن العباس خلفه في حجة الوداع فأتت امرأة من خثعم إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستفتِيه فجعل الفضل ابن العباس ينظر إليها وتنظر إليه فلوى النبي صلى الله عليه وسلم عنق الفضل، فقال العباس: لويت عنق ابن عمك، فقال صلى الله عليه وسلم: (رأيت شاباً وشابة فلم آمن الشيطان عليهما)).
وكذا وجهها وكفيها عند خوف الفتنة إجماعاً كالاختلاء بها لجماع أو مقدماته والنظر إلى وجه المرأة وكفيها بقصد التلذذ حرام ولو أمنت الفتنة وكذا يحرم النظر إليهما عند الأمن على الصحيح لأن النظر مظنة الفتنة ومحرك الشهوة وقد قال تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) النور30. فالوجه مع كونه غير عورة فقد منع النظر إليه لأنه فظنة الفتنة أو الشهوة. قال عياض: الإجماع على أنه لا يلزمها في طريقها ستر وجهها وإنما هو سنة وعلى الرجال غض البصر عنهن للآية، حكى ذلك الإمام النووي في شرح مسلم وأقره عليه. قال المارودي عورة المرأة مع غير الزوج كبرى وصغرى فالكبرى ما عدا الوجه والكفين والصغرى ما بين السرة والركبة فيجب ستر الكبرى في الصلاة وكذا عن الرجال الأجانب والخناثى والصغرى عن النساء وإن قربن وكذا عن رجال المحارم والصبيان.
ولا ينظر من محرمه بين سرّةٍ وركبة فيحرم ذلك إجماعاً وألحق بعضهم السرة والركبة احتياطاً قال تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن) النور31. ونقل المسعودي في الإبانة عن القفال أنه لا يجوز له النظر إلا إلى ما يبدو عند المهنة لأنه لا ضرورة به إلى النظر إلى ما زاد على ذلك. ويحل ما سواه لأنه بالمحرمية معنى يوجب حرمة المناكحة فكانا كالمرأتين أو كالرجلين. وقيل ما يبدو في المهنة فقط لأن غيره لا ضرورة للنظر إليه كما أسلفنا وما يبدو في المهنة الوجه والرأس والعنق واليد إلى المرفق والرجل إلى الركبة ولا فرق في المَحْرَم بين الكافر وغيره إلا إذا كان من قومٍ يعتقدون حِلَّ المحارم فيمتنع نظرها إليه ونظره إليها والأصح حل النظر بلا شهوةٍ إلى الأمة إلا ما بين سرة ورُكْبة لأنها عورتها في الصلاة والأصح أنها كالحرة لأن النظر مع خوف الفتنة حرام لكل منظورٍ إليه. قال الأذرعي: أما النظر بشهوة حرام قطعاً لكل منظورٍ إليه من مَحْرَم وغيره
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/449)
غير زوجته وأمته، وروى أبوداود عن أم سلمة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان مع مكاتب إحداكن وفاء فلتحتجب منه)، وقال الترمذي حسن صحيح. وأخرج الحاكم في المستدرك عن حذيفة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نظر الرجل إلى محاسن امرأة لا تحل له سهم من سهام الشيطان مسموم من تركها خوفاً من الله ورجاءَ ما عنده أثابه الله بها) وفي روايتها عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف لا يحتج به.
وإلى صغيرة إلّا الفرج والصغيرة هي التي لا تُشْتَهى فقد روى الحاكم (أن محمد بن عياض قال: رفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صغري وعليَّ خرقة وقد كشفت عورتي فقال: (غطوا عورته فإن حرمة عورة الصغير كحرمة عورة الكبير)). هذا في الذكر وفرج الأنثى أفحش من فرج الذكر وأن نظر العبد إلى سيدته ونظر ممسوح كالنظر إلى محرم والممسوح هو الذي قطع ذكره كله وأنثياه بشرط ألّا يبقى فيه ميلٌ للنساء فينظر العَبْدُ من سيدته ما عدا بين السرة والركبة وكذلك الممسوح وتنظر منهما ذلك لقوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة) وأخرج أبوداود عن أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى فاطمة غلاماً فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل عليها ومعه عليٌّ والغلام وهي فُضُلٌ أي ليس عليها إلا ثوب واحد إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فلما رآها النبي صلى الله عليه وسلم وما تلقى، قال: (إنه ليس عليكِ بأس إنما هو أبوك وزوجك وخادِمُكِ)). قال الشيخ أبو حامد: العبد والممسوح كالأجنبي لأن الحرمة إنما تثبت بين شخصين لم تخلق بينهما شهوة كالأخ والأخت أما العبد وسيدته فهما شخصان خلقت بينهما الشهوة. وأما الآية فقال أهل التفسير المراد به الإماءُ دون العبيد وأما الخبر فيحتمل أن يكون الغلام صغيراً لم يبلغ الحلم.
ويحل نظر رجل إلى رجل إلّا ما بين سرة وركبة لأنه عورة ولا فرق أن يكون في حمامٍ أو غيره ويحرمُ نظر أمْرَدَ بشهوةٍ والأمْرَد هو الشاب الذي تنب لحيته ولا يقال لمن أسنَّ ولا شعر بوجهه أمرد بل يقال له شط وضبط صاحب الإحياء الشهوة بأن يتأثر بجمال صورته بحيث يدرك من نفسه فرقاً بينه وبين الملتحي وحكى الداركي: أن الشافعي رحمه الله قال لا يجوز النظر إلى وجه الأمرد لأنه يفتن أي في حال الفتنة قلت وكذا بغيرها في الأصح المنصوص أي ويمتنع النظر وإن أمن الفتنة لأنه مظنةٌ فيها وقيل لا يمتنع النظر لأنهم لم يأمروا بالاحتجاب كالنساء قال البلقيني: ما صححه المصنف لم يصرح به أحد فإن الموجود في كتب الأصحاب أنه إن لم يخف فتنة فلا يحرم النظر قطعاً وهذا إجماعٌ من المسلمين والأصح عند المحققين أن الأمة أي في حرمة النظر إليها كالحرة والله أعلم لاشتراكهما في الأنوثة وخوف الفتنة فإن في الإماء من يخاف منها الفتنة أشد من كثير من الحرائر والمرأة مع امرأة كرجل ورجل فيجوز مع الأمن ماعدا مابين السرة والركبة ويحرم النظر مع الشهوة وخوف الفتنة والأصح تحريم نظر ذمية إلى مسلمة وليس الحكم مختصاً بالذمية بل بكل كافرة لقوله تعالى: (أو نسائهن) وهذه ليست من نسائهن ولو جاز النظر ولم يبقَ للتخصيص فائدة ولأنها قد تصفها للكافر وقد صح عن عمر (أنه منع الكتابيات من دخول الحمامات مع المسلمات) نعم يجوز للذمية أن ترى من المسلمة ما يبدو عند المهنة ذكره في الروضة وأما نظر المسلمة إلى الذمية فجائز لفقد العلة المذكورة في الكافرة وقال ابن عبد السلام: والفاسقة مع العفيفة كالكافرة مع المسلمة وجواز نظر المرأة إلى بدن أجنبي سوى ما بين سرته وركبته إن لم تخف فتنة لما روي في الصحيحين عن عائشة (أنها نظرت إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد ولأن ما ليس بينهما ليس بعورة في الصلاة) قلت الأصح التحريم كهو إليها والله أعلم أي كنظره إليها لما روى الترمذي وأحمد وغيرهما بسند صحيح عن أم المؤمنين أم سلمة (أن ابن أمِّ مكتوم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أم سلمة وميمونة وقيل عائشة وحفصة فقال صلى الله عليه وسلم احتجبا عنه، فقالت أم سلمة: أليس هو أعمى لا يبصر؟ فقال: أفعماويان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟) وليس في حديث عائشة أنها نظرت في وجوههم وأبدانهم وإنما نظرت لعبهم وحرابهم أو كان ذلك قبل نزول الحجاب أو أن عائشة نظرت في ذلك الوقت لم
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/450)
تبلغ مبلغ النساء. قال ابن عبد السلام: ويجب على الرجل سدُّ طاقة تشرف المرأة منها على الرجال إن لم تنتهِ بنهيه ونظرها إلى محرمها كعكسه أي في الحكم فتنظر منه بلا شهوة ما عدا ما بين السرة والركبة لقوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن) النور31. ولأنه لا يخشى من الفتنة بنظرها إلى محارمها.
ومتى حرم النظر حَرُمَ المسُّ لأنه أبلغ من النظر في اللذة وإثارة الشهوة وبدليل أنه لو نظر فأنزل لم يفطر أما لو مسَّ فأنزل أفطر ويباحان لفصدٍ وحجامة وعلاج أي يباح النظر والمس ولو في فرجٍ للحاجة الملجأة إلى ذلك لأن في التحريم حينئذ حرجاً فللرجل مداواه المرأة وعكسه وليكن ذلك بحضرة محرم أو زوج أو امرأة ثقة وأن لا يكون المعالج ذمياً مع وجود مسلم وأن لا تكون كافرة مع وجود مسلمة ويباح النظر لمعاملة وشهادة حتى أنه يجوز النظر إلى الفرج للشهادة على الزنا والولادة وإلى الثدي للشهادة على الرضاع إذا قصد به الشهادة فإن قال: تعمدتُ النظر لغير الشهادة فُسِّقَ وَرُدَّتْ شهادته وإذا نظر إليها وتحمل الشهادة عليها أو باع منها واشترى كلفت الكشف عن وجهها إن لم يعرفها من نقابها وتعليم ونحوها بقدر الحاجة كتعليم الفاتحة وتعليم الصنائع المحتاج إليها بشرط التعذر من وراء حجاب ومن نحو التعليم إذا أراد الحاكم أن يحلِّف المرأة ليحكم عليها على أن يكون النظر بقدر الحاجة إلى المعاملة إلى الوجه وإن لم يحتج إلى تكرار النظر فلا يكرره وللزوج النظر إلى كل بدنها فإذا تزوج الرجل امرأة جاز لكل واحد منهما النظر إلى جميع بدن الآخر لأنه يملك الاستمتاع به فجاز النظر إليه وقيل يحرم النظر إلى الفرج لخبر النظر إلى الفرج يورث الطَمْسَ أي العمى ولكن هذا الحديث ضعيف بجميع طرقه بل قال ابن الجوزي إنه في الموضوعات.
ويحرم اضطجاع رجلين أو امرأتين في ثوب واحد إذا كانا عاريين وإن كان كلٌّ منهما في جانب من الفراش لما روى الإمام مسلم من حديث أبي سعيد وأحمد والحاكم من حديث جابر (لا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد) وتُسَنُّ المصافحةُ بين الرجلين وكذا تُسْنُّ بين المرأتين لما روى الترمذي عن أنس وحسنه (أنه صلى الله عليه وسلم سأل عن الرجل يلقى أخاه أوصديقه أينحني له؟ قال: لا، قيل: أيلتزمه ويقبله؟ قال: لا، قيل: أيأخذ بيده ويصافحه قال: نعم). قال العبادي وتُكْرَهُ مصافحة من به عاهة كجذام أو برص أو أي مرض مُعْدٍ. ويسن تقبيل الطفل ولو ولد غيره شفقة فقد روى البخاري عن أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قبَّلَ الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: (من لا يرحم لا يرحم)). قال ابن بطال: يجوز تقبيل الولد الصغير في كل عضو منه وكذا الكبير عند أكثر العلماء مال يكن عورة وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ ابنته فاطمة وكان أبو بكر يقبل عائشة. ويسن تقبيل وجه ميت ويسن تقبيل يد الحي الصالح لنحو علم أو صلاح أو شرف أو زهد ويكره ذلك لغناه أو لنحو أمور دنيوية كشوكته ووجاهته ويسن القيام لأهل الفضل من علم أو صلاح أو شرف إكراماً لا رياءً وتضخيماً قال في الروضة وقد ثبت فيه أحاديث صحيحة.
? فصل في الخِطْبَةِ ?
تحل خطبة خلية عن نكاح وغيره وأن لا يسبقه غيره بالخطبة فيجاب تعريضاً وتصريحاً وتحرم خطبة المنكوحة إجماعاً. ولا يحل خطبة المطلقة ثلاثاً من مُطْلِقِها بعد انقضاء عدتها حتى تنكح زوجاً غيره وتعتد منه والخطبة مستحبة ويحتج لذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم لا تصريح لمعتدة فلا يحل التصريح بخطبة معتدة بائناً كانت أو رجعية بطلان أو فسخ أو موت لمفهوم قوله تعالى: (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء) البقرة235. والتصريح كقوله: أريد أن أنكحك أو أرجو أن أتزوجك أو إذا انقضت عدتك تزوجتك ومن التعريض قوله: رُبَّ راغب فيكِ، مَنْ يجد مثلكِ، أنتِ جميلة، إن الله سائق لك خيراً إن شاء الله الزوج قريب منكِ ونحو ذلك. وتحريم التصريح أثناء العدة لأنها ربما تكذب في انقضاء العدة رغبة في تسريع الزواج ولا تعريض لرجعية لأنها زوجة ولأنها قد تكذب انتقاماً ممن طلقها.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/451)
ويحل تعريض في عدة وفاة ولو كانت حاملاً لقوله تعالى: (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء) البقرة235. وأما أن تلقي الحمل استعجالاً لانقضاء العدة فذلك نادر وكذا لبائن في الأظهر بفسخ أو طلاق لعموم الآية ولانقطاع سلطنة الزوج عنها وقيل لا يحل ذلك لأن لزوجها مراجعتها فأشبهت الرجعية. وتحرم خطبة على خطبةِ مَنْ صُرِّحَ بإجابته إلا بإذنه أو بترك. لما روى الشيخان عن ابن عمر (لا يخطب على خطبة أخيه إلا بإذن) ه. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه). زاد البخاري (حتى يترك أو ينكح). وروى مسلم عن عقبة بن عامر (المؤمن أخو المؤمن فلا يحل له أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر). وروى أحمد عن سمرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه أو يبتاع على بيعه).
فإن لم يُجَبْ ولم يُرَدَّ بأن لم يذكر له واحد منهما أو ذكر له ما أشعر بأحدهما أو بكل منهما أو ذكر ما يشعر بالرضا فقولان: القديم تحريم الخطبة والجديد لم تحرم إذ لم يَبْطلْ بالخطبة الجديدة شيء مقررٌ سابقاً في الأظهر لما روى مسلم عن فاطمة بنت قيس قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: (إن معاوية وأبا جهم خطباني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا ماله، أنكحي أسامة بنَ زيدٍ) ووجه الدلالة أنها خُطِبت ولم تجب فخطبها النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد)).
ومن استشير بخاطب ذكر مَساويه بصدق بذلاً للنصيحة قيل وجوباً بشرط أن يكون يأمن الذاكر على نفسه وماله وعرضه. روى البيهقي عن جابر بسند حسن (إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له). وروى مسلم عن أبي هريرة (حق المسلم على المسلم بستة) ومنها: (وإذا استنصحك فانصح له). ويذكر عيوبه الشرعية والعرفية فمن الشرعية العُنَّةُ ومن العرفية البخل أخذاً من الخبر السابق (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له). قوله: أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه يريد أنه يضرب النساء وقيل يكثر الترحال وليس هذا من الغيبة فتجوز الغيبة في ستة مواضع وقد جمعها أحدهم فقال: لقبٌ ومستفتٍ وفسقٌ ظاهرٌ والظلمُ تحذيرٌ مزيلُ المنكرِ.
وفصلها النووي في زيادة الروضة فقال: وتباح الغيبة بستة أسباب. أحدها: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم للسلطان والقاضي وغيرهما ممن له القدرة على إنصافه ممن ظلمه فيقول ظلمني فلان وفعل بي كذا. الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب فيقول لمن يقدر على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا فازجره عنه ونحو ذلك. الثالث: الاستفتاء بأن يقول للمفتي ظلمني فلان بكذا فهل له ذلك؟. الرابع: تحذير المسلمين من الشر وذلك من وجوه منها: جرح المجروحين من الرواة والشهود والمصنفين وذلك جائز بالإجماع بل واجب صوناً للشريعة. ومنها الإخبار بعيبه عند المشاورة بمواصلته ومنها أن يوضح العيب لمن أراد أن يشتري شيئاً معيباً ومنها: أن يكون له ولاية عمل معين لا يقوم بها على وجهها لعدم أهليته أو فسقه فَتَذْكُرَه لمن عليه ولاية ليستبدل به أو يعرف حاله فيلزمه الاستقامة. الخامس: أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته كالخمر ومصادرة الناس وتولي الأمور الباطلة. السادس: التعريف فإذا كان معروفاً بلقب كالأعمش والأعرج والأزرق والعقير ونحوها جاز تعريفه به ويحرم ذكره به تنقصاً ولو أمكن التعريف بغيره كان أولى.
ويستحب تقديم خُطْبَةٍ قبل الخِطْبة وقبل العقد فيستحب لمن خطب امرأة أن يقدم بين يدي خِطبته خُطبة فيقول بعد الحمد لله والثناء عليه والصلاة على النبي يقول: جئتكم راغباً في كريمتكم فلانة ويذكر اسمها ويخطب الولي كذلك ثم يقول: لستَ بمرغوب عنك أو نحو ذلك. ولو خطب الوليُّ فقال: زوجتك فقال الزوج: الحمد لله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلت أي نكاحها صح النكاح على الصحيح لأن الكلام المتخلل بين لفظ الولي والزوج من مصلحة العقد فلا يقطع الموالاة كالإقامة بين الصلاتين المجموعتين بل يستحب ذلك أي الذكر بينهما. فقد أخرج أحمد والدارمي وغيرهما عن ابن مسعود (إذا أراد أحدُكُمْ أن يخطب لحاجة من النكاح وغيره فليقل: الحمد لله نحمده ونستعينه). وروى الدارقطني وغيره عن أبي هريرة (كلام لا يبدأ فيه بالحمد فهو
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/452)
أجذم).
قلت: الصحيح لا يستحب والله أعلم أي الذكر بين الإيجاب والقبول لأنه لم يرد فيه توقيف بل يستحب تركه خروجاً من خلاف من أبطل به العقد. وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم حين زوج ابنته فاطمة لعلي بن أبي طالب فقال: (الحمد لله المحمود بنعمه المعبود بقدرته المطاع بسلطانه المرهوب من عذابه وسطوته النافذ أمره في أرضه وسمائه الذي خلق الخلق بقدرته وسيرهم بأحكامه ومشيئته وجعل المصاهرة سبباً لاحقاً وأمراً مفترضاً أوشج به الأنام وأكرم به الأرحام فقال عز من قائل (هوالذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً) ولكل قدر أجل ولكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء وعنده أمُّ الكتاب). قوله: أوشج: أي وصل وربط.
فإن طال الذكر الفاصل لم يصح أي طال الذكر الفاصل بين الإيجاب والقبول بحيث يشعر بالإعراض عن القبول لم يصح النكاح وكذا يبطل أي كلام أجنبي عن العقد لأنه يشعر بالإعراض عن العقد.
? فصل في أركان النكاح ?
إنما يصح النكاح بإيجاب وهو زوجتك أو أنكحتك. هذا الفصل في أركان النكاح وهي خمسة: صيغة وزوج وزوجة وشاهدان وولي. ويجوز أن يقول الولي: زوجت لك أو إليك أو زوجتكه وأشار إلى ابنته صح وذلك بتذكير الضمير ولا يضر أيضاً إبدال الجيم زاياً أو بالعكس ويذكر الولي اسم الزوجة وصفتها كقوله ابنتي مثلاً وقبول بأن يقول الزوج: تزوجت أو نكحت أو قبلت نكاحها أو تزويجها لما روى الشيخان من حديث سهل بن سعد في الأعرابي الذي خطب الواهبة نفسها قال: للنبي صلى الله عليه وسلم: زوجنيها، فقال: زوجتكها) ولم ينقل أنه قال بعد ذلك قبلت.
وقد جاء في بعض طرق الحديث ملكتُكَها وأنكحناكها وزوجناكها وغير ذلك وفيه حجة لمن أباح النكاح بغير لفظ النكاح والتزويج. ولا يشترط توافق الولي والزوج في اللفظ فلو قال الولي: زوجتك فقال الزوج: قبلت نكاحها صح. ولو كان هناك متوسط بين الولي والزوج فقال للولي: زوجت ابنتك فلاناً، فقال: زوجتُها فلاناً ثم قال للزوج: قبلتَ نكاحها؟ فقال: قبلتُ نكاحها. انعقد النكاح لوجود الإيجاب والقبول مرتبطين ولا يصح إلا بلفظ التزويج أو الإنكاح أي عقد النكاح لا يصح إلا بهذين اللفظين لأن القرآن ورد بهما فيقتصر عليهما ولذلك قال البلقيني: وليس لنا عقد يتوقف على لفظ بعينه إلا ثلاثة: النكاح والسلم والكتابة. والقياس ممتنع في ألفاظ التزويج لأن في النكاح ضرباً من التعبد فلم يصح بنحو لفظ إباحة وهبة وتمليك وجعله تعالى بلفظ الهبة من خصائصه صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: (خالصة لك من دون المؤمنين) الأحزاب50. ولو خاطَبَ غائباً عن طريق وسائل الاتصال بلسانه فقال: زوجتك بنتي فلانة فبلغه الخبر فقال في مجلس بلوغ الخبر: قبلت نكاحها فيصح العقد بشرط أن يقع ذلك بحضرة شاهدي الإيجاب. وإذا وجد أحدُ شقي العقد من أحد العاقدين فلابدَّ من الإصرار عليه حتى يوجد الشق الآخر فلو رجع عنه لغا العقد وكذا لو أوجب ثم جُنَّ أو أغمي عليه لغا إيجابه وامتنع القبول.
ويصح بالعجمية في الأصح أي يصح عقد النكاح في سائر اللغات وإن أحسن قائلها العربية اعتباراً بالمعنى لأن لفظه لا يتعلق به إعجاز فاكتفى بترجمته بشرط أن يفهم العاقدان اللفظ فيفهم كل واحد كلام نفسه وكلام الآخر سواءً اتفقت اللغات أم اختلفت وإلا فلا يصح قطعاً.
لا بكناية قطعاً أي لا يصح عقد النكاح بكناية لأنه لفظ ينعقد به غير النكاح فلم ينعقد به النكاح كأبحتُ أو وهبتُ أو ملكتُ أو أجرّتُ لأنه لا مطلع للشهود المشترط حضورهم على النية.
ولو قال: زوجتك فقال: الزوج للولي قبلت لم ينعقد على المذهب لأن الاعتبار في النكاح أن يحصل الإيجاب والقبول بلفظ النكاح أو التزويج فإن عُرِيَ القبول منه لم يصح كما أن التصريح بالقبول غير موجود. ومثل ذلك لو قال الوليُّ: زوجتك ابنتي، فقال: الزوج: نعم. فقد قال الشيخ أبو حامد الأسفراييني: لا يصح قولاً واحداً ولو قال: زوجني أي الخاطب للولي فقال: الولي له زوجتك ابنتي مثلاً أو قال الولي: للزوج تزوجها أي ابنتي مثلاً فقال: الزوج تزوجتُ صح النكاح في الحالتين لوجود الطالب الجازم الدال على الرضا في الحالتين. فقد روى البخاري عن سهل بن سعد في حديث الواهبة نفسها (أن الأعرابي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: زوجنيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: زوجتكها، ولم ينقل أنه قال بعد ذلك
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/453)
قبلت) متفق عليه. ولا يصح تعليقه كقوله إذا جاء فلان زوجتك فإنه يفسد العقد كالبيع بل أولى من البيع لمزيد الاحتياط في النكاح ولو بشر بولد فقال: إن كان أنثى فقد زوجتكها أو قال: إن كانت بنتي طلقت أو مات زوجها مثلاً واعتدت فقد زوجتكها فالمذهب بطلانه أي النكاح لفساد الصيغة بالتعليق في الصور المذكورة ولا توقيته أي لا يصح عقد النكاح مؤقتاً بل يجب أن كون مطلقاً وكان جائزاً أول الإسلام رخصة للمضطر كأكل الميتة ثم حرم عام خبير ثم رخص فيه عام الفتح وقبل حجة الوداع ثم حُرِّمَ أبداً وإليه يشير قول الشافعي: لا أعلم شيئاً حرّم ثم أبيح ثم حرّم إلا المتعة. فقد روى الشيخان عن سلمة بن الأكوع (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كنت قد أذنت في الاستمتاع بهذه النسوة ألا وإن الله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخلِ سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً)). ولا نكاح الشِّغار وهو زوجتكها على أن تزوجني بنتك وبِضْع كل واحدة صداق الأخرى فيقبل وهذا النكاح باطل لوجود معنى الاشتراك في البضع وقال القفال: لوجود التعليق والتوقف. فقد روى الشيخان عن ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن الشغار) والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق. وتفسير الشغار يجوز أن يكون مرفوعاً ويجوز أن يكون من قول ابن عمر. قال الشافعي: لا أدري تفسير الشغار من النبي صلى الله عليه وسلم أو من ابن عمر أو من نافع أو من مالك. وقيل سمي شغاراً لخلوه عن المهر ويقولون شغر البلد عن السلطان إذا خلا عنه فإن لم يجعل البُضْع صداقاً فالأصح الصحة عند السكوت عن المهر لانتفاء التشريك ويكون لكل واحدة من الزوجتين مهر المثل وأما التعليق فيه فهو ليس إلا تعليق عقد بعقد فلا يضر ولو سميا مالاً مع جعل البُضْع صداقاً بطل في الأصح لوجود التشريك وقيل يصح لأنه لم يخلُ عن المهر.
ولا يصح إلا بحضرة شاهدين لخبر ابن حبان في صحيحه عن عائشة (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل فإن تشاحوا فالسلطان ولي من لا ولي له)، قال الترمذي هذا حديث حسن. والمعنى في اعتبارهما الاحتياط للأبضاع وصيانة الأنكحة من الجحود. وروى أحمد وغيره عن ابن عباس (لا نكاح إلا بولي) وفيه الحجاج ابن أرطأة وهو ضعيف.
وروى الشافعي وأحمد وأبو داوود والترمذي عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة (أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها المهر لما استحل من فرجها فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا ولي له).
وروى الدار قطني وابن ماجة من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة (لا تُنْكِحُ المرأةُ المرأةَ ولا نفسها إنما الزانية التي تنكح نَفْسها). قال راوي الحديث أبو هريرة (وكنا نقول إن التي تزوج نفسها هي الزانية) ورواه البيهقي موقوفاً ومرفوعاً.
وشرطهما حرية وذكورة وعدالةٌ وسَمْعٌ وبَصَرٌ فلا ينعقد بفاسقين ولا بد من السمع والبصر لأن الأقوال لا تثبت إلا بالمعاينة والسماع وفي الأعمى وَجُهٌ أنه يصح العقد به لأنه أَهْلٌ للشهادة في الجملة والمعتمد خلافه وإن عرف الزوجين ومثل الأعمى من كان في ظلمة شديدة فلا تقبل شهادته على العقد لأنه في حكم الأعمى والأصح انعقاده بابني الزوجين أي يصح عقد النكاح بابني كل منهما أو ابن أحدهما وابن الآخر وعدويهما أو وعدوي كل منهما أو عدو أحدهما وعدو الآخر لأنهما من أهل الشهادة والعداوةُ قد تزول وأمّا أبوها فلا ينعقد بشهادته ولو وكّل لأنه وليٌّ عاقد والوكيل نائب له أما لو كان لها إخوة فزوّج أحدهم وحضر أخوان منهم كشاهدين صح العقد وينعقد بمستوري العدالة وهما المعروفان بالعدالة ظاهراً لا باطناً ونقصد بالظاهرة هي التي تظهر عليه ولم تثبت عند الحاكم على الصحيح لأن النكاح يجري بين أوساط الناس والعوام ولو اعتبر فيه العدالة الباطنة لاحتاجوا إلى معرفتها ليحضروا مَنْ هو مُتّصِفٌ بها فيطول الأمر عليهم كما أنه قد يتعثر ثبوت ذلك فيها لا مستور الإسلام والحرية فلا ينعقد بمَنْ لا يظهر إسلامه وحريته بأن يكون العقد في موضع يختلط فيه المسلمون بالكفار والأحرار بالعبيد ولا غالب فلا يكتفي بظاهر الإسلام والحرية بالدار حتى يُعْرَفَ حاله فيها باطناً. ولو بان فسق الشاهد عند العقد فباطلٌ على
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/454)
المذهب كما لو بان كافراً لانتفاء العدالة لأن العبرة في العقود بما في نفس الأمر وإنما يتبين الفسق بعلم القاضي فيلزمه التفريق بينهما وإن لم يترافعا إليه ما لم يحكم حاكم بصحته أو ببيّنة تقوم ولابدَُّ من تفصيلها لأنّ النكاح تأكد بالعقد فلا ينفسخ إلا بيقين يثبت الفِسْقَ أو اتفاق الزوجين كأن كانا يعرفان فسق الشاهدين أو أحدهما فنسيا عند العقد وتذكرا بعد ذلك أو لم يعرفا عين الشاهد عند العقد وكانا عالمين بفسقه ولا أثر لقول الشاهدين كنا فاسقين عند العقد لأن الحق ليس لهما فلا يقبل قولهما على الزوجين لأنهما مقران على غيرهما فلو اعترف به الزوج وأنكرت فرّق بينهما أي لو اعترف بالفسق الزوج لاعترافه بما يتبين به بطلان النكاح فهو مقر بتحريمها عليه وعليه نصف المهر إن لم يدخل بها وإلا فكله أي كامل المهر إن كان دخل بها وهي فرقة فسخٍ لا تنقص عدد الطلقات لو نكحها أما لو اعترفت الزوجة بالفسق وأنكره الزوج فالأصح قبول قوله عليها مع يمينه لأن الظاهر العدالة ولأن العصمة بيده وهي تريد رفعها فإن طلقت قبل دخولٍ بها فلا مهر لها لإنكارها أو بعد الدخول فلها أقل الأمرين من المسمى ومهر المثل ويستحب الإشهاد على رضا المرأة أي بالنكاح كأن قالت: رضيتُ أو أذنتُ فيه حيث يعتبر رضاها بأن تكون غير مجبرة احتياطاً ليؤمن إنكارها ولئلا ترفع أمرها لمن يرى وجوب إذنها فيبطل النكاح بجحودها ولا يشترط أي الإشهاد لأن الإذن ليس ركن العقد بل شرط فيه فلم يجب الإشهاد عليه ورضاها يحصل بإذنها أو ببيّنةٍ أو بإحضار وليها مع تصديق الزوج لكن إذا زوج الحاكم فإنه لا يباشر العقد إلا إذا ثبت إذنها عنده.
مسألة كثيرة الوقوع في هذا الزمان:
روى يونس بن عبد الأعلى أن الشافعي قال: إذا كان في الرفقة امرأة لا ولي لها فولَّت أمرها رجلاً يزوجها جاز. قال العبادي: وليس هذا قولاً في صحة النكاح بلا ولي إنما هو تحكيم والمحكَّم قام مقام الحاكم. وذكر صاحب الحاوي فيما إذا كانت امرأة في موضع ليس فيه وليٌّ ولا حاكم ثلاثة أوجه أحدها: لا تزوج والثاني: تزوج نفسها والثالث: تولي أمرها رجلاً يزوجها. ونقل الشاشي عن صاحب المهذب أنه كان يقول: تحكِّم فقيهاً مجتهداً. قال النووي: والذي نختاره صحة النكاح إذا ولَّت أمرها عدلاً وإن لم يكن مُجتهداً.
? فصل فيمن يعقد النكاح ?
لا تزوج المرأة نفسها بإذن أي لا تملك مباشرة العقد سواء بإذن أو بدون إذن ويستوي في ذلك الإيجاب والقبول إذ لا يليق بمحاسن العادات أن تتكلم بذلك لما قصد منها من الحياء وقد قال تعالى: (الرجال قوامون على النساء). قال الشافعي: وقوله تعالى: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) أصرح دليل على اعتبار الولي وإلا لما كان لعضله معنى والعضل: المنع. وللأخبار السابقة (لا نكاح إلا بولي) و (أيّما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل). وروي عن ابن عمر وابن عباس وأبي موسى الأشعر وأبي هريرة أنهم قالوا: (المرأة لا تلي عقد النكاح) ولا مخالف لهم. وأخرج ابن أبي شيبة عن القاسم بن محمد (أن عائشة حضرت نكاحاً فخطبت ثم قالت: (اعقدوا فإن النساء لا يعقدن النكاح)).
وفي رواية أنها قالت: (يا فلان أنكح فإن النساء لا يُنكِحن) ولا غيرها بوكالة فقد أخرج ابن ماجة من طرق عن أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تُنْكِحُ المرأةُ المرأةَ ولا تُنْكِحُ المرأةُ نفسَها) وقال الدارقطني هو على شرط الشيخين. ولا تقبل نكاحا لأحد بولاية ولا وكالة لأن محاسن الشريعة تقتضي فطمها عن ذلك بالكلية وللأخبار السابقة والوطء في نكاح بلا وليّ وذلك بأن زوّجت نفسها بحضرة شاهدين وإلا فهو زنا يوجب الحدَّ يوجب مهر المثل وذلك على الزوج الرشيد دون السفيه وذلك لفساد النكاح ولخبر (أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاثاً فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها والسلطان ولي من لا ولي له).
لا الحدَّ فالوطء في النكاح المذكور لا يوجب الحد قيل لاختلاف العلماء في صحة النكاح وقل لأنه محرم لا حد فيه ولا كفارة ولو رفع هذا النكاح إلى قاضٍ يصحح النكاح بلا ولي فحكم بصحته ثم رفع إلينا لم ننقض قضاءه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/455)
ويقبل إقرار الولي بالنكاح إذا استقل بالإنشاء لأنه ولي مجبر فهو قادر على إنشاء النكاح في كل وقت وإلا وإن لم يكن مستقلاً بإنشاء النكاح وقت الإقرار به فلا يقبل إقراره عليها لعدم قدرته على إنشاء النكاح دون رضاها ويقبل إقرار البالغة العاقلة بالنكاح على الجديد إذا صدقها الزوج بلا بنية لأن النكاح حقٌ لهما فثبت بتصادقهما كالبيع وغيره ولا فرق على هذا بين البكر والثيب والقديم لا يقبل من البلديين لسهولة البينة وللاحتياط للأنكحة أما إن كانا غريبين فلا يطالبان لصعوبة إثبات ذلك. ولو ادعى نكاح امرأة وذكر شرائط العقد وصدقته المرأة فإن هذا إقرار باستدامة النكاح ولا مهر لها في هذه الحالة.
قال القاضي أبو الطيب: قال الشافعي في الجديد (إن النكاح يثبت بتصادق الزوجين) وهو المشهور وللأب تزويج البكر صغيرة أو كبيرة بغير إذنها عاقلة أو مجنونة لخبر الدارقطني عن ابن عباس: الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر يزوجها أبوها. وفي لفظ لمسلم الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر يستأذنها أبوها في نفسها. وفي رواية يستأمرها أبوها وكل ذلك محمول على الندب. وأما حديث (أن جارية بكراً أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها أبوها) رواه ابن أبي شيبة والدارقطني عن ابن عباس فقد أعل بالإرسال ورجاله ثقات وقال البيهقي الحديث محمول على أنه زوجها من غير كفء.
ويستحب استئذانها أي استئذان البكر مستحب إن كانت مكلفة لحديث مسلم السابق وليس له تزويج ثيب إلا بإذنها لخبر الدارقطني السابق ولخبر الحاكم عن ابن عمر وقا هو على شرط الشيخين (لا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن فإذا سكتن فهو إذنهن). ووجهه أنها لما عرفت الرجال وخالطتهم عرفت ما يضرها منهم وما ينفعها بخلاف البكر. فإذا كانت الثيب صغيرة لم تزوج حتى تبلغ لوجوب إذنها وهو متعذر مع الصغير والجدُّ كالأب عند عدمه أو عدم أهليته لأنه كالأب وقد ألحق به لأن له ولادة وعصوبة وسواء زالت البكارة في الثيب بوطء حلال أو حرام كالزنا أو الاغتصاب أو حالة النوم لأنها في ذلك تسمى ثيباً فيشملها الخبر ولا أثر لزوالها بلا وطء كسقطة في الأصح وحدة طمث وتأخر زواج وأصبع لأن المراد على زوال الحياء بالوطء وهو هنا كذلك.
ومن على حاشية النسب كأخ وعم لأبوين أو لأب وابن عم لا يزوج صغيرة بحال بكراً كانت أو ثيباً عاقلة أو مجنونة لأنها إنما تزوج بالإذن وإذنها غير معتبر وهم جميعاً ليسوا في معنى الأب في شفقته على ابنته وتزوج الثيب البالغة بصريح الإذن للأب وغير ه ولو بلفظ التوكيل أو بقولها أذنت له أن يعقد لي وإن لم تذكر نكاحاً ويكفي قولها رضيت بمن يرضاه أبي أو بما يفعله أبي.
ويكفي في البكر سكوتها في الأصح البالغة العاقلة إذا استؤذنت في تزويجها من كفء كفى سكوتها لخبر مسلم عن ابن عباس (الثب أحق بنفسها من وليها والبكر تُستأذن وإذنها صماتها). ولما روى الشيخان عن عائشة (لا تُنكح البكر حتى تستأذن، قلت: يا رسول الله إن البكر تستحي، قال: إذنها صَمْتُها). والمعتق ظاي الذي له الولاء والسلطان وأريد به هنا ما يشمل القاضي كالأخ فيما ذكر فيزوجون الثيب البالغة بصريح الإذن والبكر البلغة بسكوتها وأحق الأولياء أب ثم جدٌّ أي في التزويج ثم أبوه أي أبو الجد وإن علا ثم أخ لأبوين أو لأب ثم ابنه أي ابن الأخ لأبوين أو لأب وإن سفل ثم عم لأبوين أو لأب ثم ابنه وإن سفل ثم سائر العصبة من القرابة كالإرث ويقدم أخ لأبوين على أخ لأب في الأظهر كالإرث لزيادة الشفقة والقرب.
ولا يزوج ابن ببنوة خلافاً للأئمة الثلاثة إذ لا مشاركة بينهما أي الابن والأم في النسب فلا يعتني الولد بدفع العار عن نسب أمه ولهذا لا يزوج الأخ للأم وأما ما يروى أن أم سلمة قالت لابنها عمر: قم فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك لا يصح لأن عمر ولد في الحبشة سنة اثنتين من الهجرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أمّ سلمة سنة أربعة من الهجرة كما ن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتاج في نكاحه إلى ولي وإنما قولها لابنها استطابة لخاطره. فإن كان ابن ابن عمٍّ أي ابنها أو مُعْتِقاً أو قاضياً زوج به أي بهذه الصفات ولا تضر البنوة لأنها غير مانعة فإذا وجد معها سبب آخر يقتضي الولاية لم تمنعه فإن لم يوجد من الأولياء نسيب زوّج المعتق الرجل ولو
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/456)
كان المعتق إماماً أعتق من بيت المال لأن الولاء حيئنذ للمسلمين فيزوج نائبهم وهو الإمام. ثم عصبته لما روى الشافعي وابن حبان والحاكم عن ابن عمر (الولاء لحمة كلحمة النسب).
كالإرث في ترتيبه فيقدم بعد عصبة المعتق معتق المعتق ثم عصبته لأن المعتق أخرج الزوجة من الرقِّ إلى الحرية فأشبه الأب في إخراجه لها إلى الوجود ويزوج عتيقة المرأة مَنْ يزوج المُعْتِقة ما دامت حية لأن ولاية المرأة للنكاح ممنوعة فاستتبعت الولاية على المُعْتِقة الولاية على عتيقها فيزوجها أو المعتقة ثم جدها على الترتيب الأولياء ولا يزوجها ابن المعتقة ويعتبر في تزويجها رضاها أي العتيقة ولو بالسكوت في البكر فإن كانت صغيرة لم يصح تزويجها حتى تبلغ وتأذن ولا يعتبر إذن المُعْتِقة في الأصح لأن لا ولاية لها فإذا ماتت المعْتِقة زوّج المُعْتَقة من له الولاء على المُعْتِقة من عصابتها فيزوجها ابنها ثم ابنه ثم أبوها على ترتيب عصبة الولاء إذ لا تبعية الولاء انقطعت بموت المُعْتِقة.
فإن فُقِدَ المُعتق وعصبته زوّج السلطان المرأة التي في محل ولايته لخبر (السلطان ولي من لا ولي له) رواه الشافعي وأبوداود ابن حبان من حديث عائشة وفد تقدم.
وكذا يزوج السلطان إذا عضل القريب ولو مجبراً أو المعتق أو عصبته ولكن يكون تزويج السلطان بعد ثبوت العضل عنده بامتناعه من التزويج عند السلطان أو منصوبه أو سكوته بحضرته بعد أمره به والخاطب والمرأة حاضران أو وكيلهما.
وإنما يحصل العضل إذا دعت بالغةٌ عاقلةٌ إلى كفء وامتنع الولي من تزويجه فإن دعته إلى غير كُفْءٍ كان له الامتناع لأن الولي حقٌ من الكفاءة ولو عينت كفؤاً وأراد الأب غيره فله ذلك في الأصح وذلك إذا كان الولي مجبراً فهو أكمل نظراً منها أما إذا كان الولي غير مجبر فتزوج مَنْ عينتْهُ لأن أصل تزويجها يتوقف على إذنها فقد روى الشيخان عن أبي هريرة (الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن وإذنها صُمَاتها). وأما في الثيب فقد روى مالك في الموطأ والبخاري عن خنساء بنت خِدَام الأنصارية قالت: (زوجها أبوها وهي ثيب فكرهت ذلك فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فرد النبي صلى الله عليه وسلم نكاحها). وقد روى الدارقطني في السنن وعبدالرزاق في المصنف عن ابن عباس (ليس للولي مع الثيب أمرٌ).
? فصل في موانع ولاية النكاح ?
لا ولاية لرقيق لنقصه وسواء في ذلك من رقَّ كله أو بعضه أما الوكالة فيجوز أن يكون الرقيق وكيلاً في القبول دون الإيجاب وصبي لأنه مسلوب العبارة ومجنون لعدم تمييزه ومختل النظر بهرم أو ضل لعجزه عن البحث عن أحوال الأزواج ومعرفة الكفء والخبَل خلل في العقل ومثله من به آلام وأمراض تشغله عن اختيار الأكفاء ولا يقال ينتظر حتى يزول ما به لأن زوال الآلام أمر لا يُعْرَف عادة. وكذا محجور عليه بسفه على المذهب وهو الذي بذّر ماله ولم يحسن التصرف فيه فلا يلي أمر نفسه حتى يليَ أمر غيره. لما روى الشافعي والبيهقي من طريق ابن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل). ومتى كان الأقرب مُتصفاً ببعض هذه الصفات فالولاية للأبعد نسباً فولاءً ودليل ذلك (أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة من ابن عم أبيها خالد بن سعيد بن العاص أو عثمان بن عفان لكفر أبيها أبي سفيان عند العقد عليها) رواه أصحاب السير. ويقاس على الكفر سائر الموانع السابقة والآتية فإذ زالت الموانع عادت الولاية للأقرب والإغماء إن كان لا يدوم غالباً انتظار إفاقته قطعاً لقرب زواله كالنوم ومثل ذلك إذا أخذ دواءً منوماً أو أجريت له عملية جراحية فاحتاج إلى التخدير فينتظر إفاقته مما هو فيه من الإغماء وإن كان يدوم أياماً انتظر أيضاً إلا إذا كانت بحاجة إلى النكاح سريعاً فيزوجها السلطان وقيل للأبعد أي لا تنتظر إفاقته وتنتقل الولاية للأبعد لا السلطان كما هو الحال في الجنون والقليل الذي ينتظر اليوم واليومان وما زاد عن ذلك فإن الولاية تنتقل إلى الأبعد ولا يقدح العمى في الأصح لقدرته على البحث وأما عدم قبوله شهادته في النكاح فذلك لعدم قدرته على تحمل الشهادة التي تعتمد السمع والبصر لرؤية المشهود عليه ومعرفته ولا ولاية لفاسق غير الإمام الأعظم ويتحقق الفسق بارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة وليس العضل من الكبائر وإنما يفسّق إذا عضل
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/457)
مرات أقلها ثلاث وحينئذ تنتقل الولاية للأبعد للخبر (لا نكاح إلا بولي مرشد). قال أبوداود: نقل البويطي أن الشافعي قال: المرشد في الحديث العدل على المذهب وقال مالك وأبوحنيفة أنه يلي وقال الغزالي: إن كان لو سلب الولاية لانتقلت إلى حاكم فاسق وليٌ الفاسق وإلا فلا يولّى. ويليَ الكافر الكافرة ولو اختلف اعتقادهما فيزوج اليهودي النصرانية والنصراني اليهودية لقوله تعالى: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) الأنفال73.
وإحرام أحد العاقدين أو الزوجة يمنع صحة النكاح لما روى مسلم عن أبان بن عثمان عن عثمان بن عفان (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يَنْكحُ المحرمُ ولا يُنْكَحُ)). وفي رواية ابن حبان ولا يُخْطَبُ عليه. قال النووي في شرح المهذب وهذه الرواية غير ثابتة وفي هذه الحالة أي إحرام الولي فيزوج السلطان عند إحرام الولي ولا ينتقل الإحرام الولاية للأبعد لأنه لا يسلب الولاية لبقاء الرشد والنظر كما يمنعه إحرام الزوج والزوجة في الأصح لبقاء رشد المحرم ونظره قلت: ولو أحرم الولي أو الزوج بعد التوكيل في النكاح فعقد وكليه الحلال لم يصح العقد والله أعلم لأن الوكيل سفير محض فكان العاقد هو الموكِلُ أما إحرام السلطان أو القاضي فلا يمنع خلفاءه من عقد الأنكحة لأنهم إنما يعقدوا بالولاية لا بالوكالة ولو غاب الأقرب إلى مرحلتين زوّج السلطان نيابة عن الولي لبقائه على الولاية ولا يستأذن الولي في ذلك لطول المسافة ودنهما لا يزوّج السلطان إلا بإذنه في الأصح لقصر المسافة ولكن لو تعذر الوصول إلى الولي لنحو حبس زوج السلطان ولا يستأذن الولي ولو كان في حبس السلطان نفسه وللمجبر التوكيل في التزويج بغير إذنها كما يزوجها هو بغير إذنها ولا يشترط في جواز التوكيل تعيين الزوج في الأظهر والثاني يشترط تعيين الزوج لاختلاف الأغراض والرغبات ويحتاط الوكيل عند عدم تعيين الزوج من قبل الولي فلا يزوجها من لا يناسبها ولا من دون مهر ولا شارب خمر ولا أن يكون المهر دَيْناً ولا رهن أو ضمان فلا يزوِّج غير كفء ولا كفوءاً وهناك من هو أكفأ منه قد تقدم لخطبتها وإن كانا مستويين في الكفاءة قدم الموسر على غيره فإن خالف في شيء من ذلك لم يصح العقد لأن إطلاق التوكيل مقيد بالكفاءة. وغير المجبر وهو غير الأب أو الجد عند عدم الأب أو عدم أهلية أو كونها ثيباً إذا قالت له وكِّلْ وكَّل وإن نهته عن التوكيل فلا يوكل لأنها إنما تزوج بالإذن ولم تأذن بالتزويج بل نهت عنه وإن قالت زوجني ولم تذكر توكيلاً بل سكتت بعد الطلب فله التوكيل في الأصح لأنه بعد الإذن متصرف بالولاية فأشبه الوصي والقيم وهما يتمكنان بالتوكيل من غير إذن ولو وكّل أي غير المجبر قبل استئذانها في النكاح لم يصح توكيله على الصحيح لأنه لا يملك التزويج بنفسه فلا يملكه بغيره ولو قالت وكِّل بتزويجي ولم تحدد شيئاً بل سكتت فله التوكيل وله التزويج بنفسه لأنه من المستبعد منعه مما له التوكيل فيه وليقل وكيل الولي أي للزوج زوجتك بنت فلان أي زيد مثلاً إن كان مميزاً معروفاً وإلا فليرفع نسبها إلى أن ينتفي الاشتباه. وليقل الولي لوكيل الزوج زوجت بنتي فلاناً أي موكله فيقول وكيله قبلت نكاحها له ويشترط ذكرٌ حتى تنتفي الشبهة.
ويلزم المجبر تزويج مجنونة بالغة أي الأب أو الجد ولو ثيباً إن كانت محتاجة للوطء أو النفقة ومجنون ظهرت حاجته بظهور أمارات توقانه للنساء أو بقول عدلين من أهل الطب أن النكاح يتوقع منه الشفاء أو أنه يحتاج لمن يخدمه وليس له من المحارم وغيرهم من يخدمه لا صغيرة وصغير عاقلين لعدم حاجتهما في الحال إلى النكاح ومع ما في النكاح من مخاطر وتكاليف ويلزم المجبر وغيره إن تعين كأخ واحد أو عم واحد إجابة ملتمسة التزويج دعت إلى كفء تحصيناً لها وحصول الفرض بتزويج السلطان لا ينظر إليه لأن في ذلك هدر لكرامة الأسرة وهتك لسترها من غير ضرورة ولا يتوجه إليه إلا عند العضل.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/458)
فإن لم يتعين كإخوة أشقاء أو لأب فسألت بعضهم التزويج لزمه الإجابة إليه في الأصح فإن امتنع الكل زوج السلطان بعضل الأولياء لقوله صلى الله عليه وسلم (فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا ولي له). ولأن النكاح حق لها فإن تعذر ذلك من جهة وليها كان على الحاكم استيفاؤه، كما لو كان لها رجل دينٌ فامتنع من إدائه فإن الحاكم ينوب عنه في الدفع من مال الممتنع. وقال الشافعي رحمه الله (وإذا غاب الولي وأراد الحاكم تزويجها ... استحب له أن يستدعي عصباتها وإن لم يكونوا أولياء فإن لم يكن لها عصبات فذوي الأرحام والقرابات فيسألهم عن حال الزوج ويستشيرهم في أمره لتستطيب بذلك نفوسهم) لما روي (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر نُعيماً أن يشاور أمَّ ابنته في تزويجها وقال له أرضها وأرضِ ابنتها) رواه البيهقي في السنن عن ابن عمر. وإن اجتمع أولياء من النسب في درجة واحدةكأخوة أشقاء استحب أن يزوجها أفقههم بباب النكاح وأسنهم أي بعد أفقههم لزيادة تجربته برضاهم فلا ينفرد بالأمر فإن تشاحوا بأن لم يرضوا بواحد منهم وأراد كل واحد منهم أن يزوج هو ولا يزوج غيره أقرع بينهم وجوباً هذا إذا اتحد الخاطب وإلا تعين إجابتها إلى من عيّنه زوجاً لها فلو زوج غير من خرجت قرعته وقد أذنت لكل منهم صح في الأصح لما صدر عنها من إذن ولا إثم بترك القرعة لأنها أذنت للجميع ولو أذنت لهم في التزويج وزوجها أحدهم زيداً وهو كفء وآخر عمراً وهو كفء أيضاً فلهذه المسألة خمسة أحوال شرع المصنف في ذكرها بقوله. فإن عرف السابق منهماببينة أو إعتراف منهما أو بشهود عدول فإن النكاح الصحيح هو الأول والثاني باطل سواء دخلا بها أو لم يدخلا بها أو دخل بها أحدهما وأفتى عمر رضي الله عنه أنه إذا وطيء الثاني دون الأول فالنكاح للثاني. قال تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم ... والمحصنات من النساء) النساء32،24. والمراد بالمحصنات هنا المزوجات ولم يفرق وروى ابن الجوزي في التحقيق عن سمرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أنكح المرأة الوليان فهي للأول منهما)). وإن وقعا معاً أي العقدان فهما باطلان لأنه لا يمكن الجمع بينهما أو جهل السبق والمعية فباطلان هو والذي قبله لتعذر معرفة السابق منهما وإذا تعذر إمضاء العقد لغا وكذا لو عرف سبق أحدهما أي العقدين ولم يتعين على المذهب أي أشكل معرفة المتقدم منهما فباطلان لما سبق ولو سبق معين ثم اشتبه وجب التوقف حتى يتبين السابق من العقدين لإمكان التذكر ولأننا قد تبينا صحة العقد بيقين فلا يرتفع إلا بيقين فيمتنعان عنها ولا تنكح غيرهما وإن طال عليها الأمر حتى يطلقاها أو يموتان أو يطلق أحدهما ويموت الآخر ويجوز لها عند اليأس من التبين أن تطلب من القاضي الفسخ ويجيبها إليه للضرورة ولا نفقة لها على أحد منهما لتعذر الاستمتاع فإن ادعى كل زوج عليها علْمَهَا بسمعة في نكاحها سمعت دعواهما بناءً على الجديد وهو قبول إقرارها النكاح فإن أنكرت أنها تعرفالسابق منهما فالقول قولها مع يمينها: أنها لا تعرف السابق منهما فإن حُلِّفت سقطت دعواهما وبطل النكاحان وإن نكلت رُدّت اليمين عليها فيحلف كل واحد منهما أنه هو السابق بالعقد فإذا حلفا بطل النكاحان بأن كل واحد أثبت بيمينه أنه السابق ولا ميزة لأحدهما على الآخر فبطلا وإن حلف أحدهما ونكل الآخر ثبت نكاح الحالف وبطل نكاح الناكل وإن نكلا جميعاً بطل النكاحان أيضاً لأنه لا ميزة لأحدهما على الآخر وإن أقرت لأحدهما أي أنها تعرف السابق منها فتطالب بالجواب فإن عينته ثبت نكاحُهُ بإقرارها وسماع دعوى الآخر وتحليفها له أي تحلف من أجله أنها لا تعلم سبق نكاحه ينبني أي السماع على القولين السابقين في الإقرار فيمن أي في مسألة من قال هذا المال أو الدار لزيد بل لعمرو هل يغرم لعمرو قال ابن الصباغ: يلزمها أن تغرم قولاً واحداً إن قلنا نعم يلزمها فنعم أي فتسمع الدعوى لأن عرض اليمين عليها وإقرارها بناءً على أنها تغرم عند ذاك مهر المثل لأنها حالت بينه وبين النكاح. وإن قلنا لا تغرم أصلاً فليس له تحليفها لأنه لا معنى للتحليف إذ لا فائدة منه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/459)
ولو تولى طرفي عقد في تزويج بنت ابنه بابن ابنه الآخر صح في الأصح أي إذا أراد الجد أن يزوّج ابن ابنه الصغير بابنة ابن له آخر ففيه وجهان إحداهما لا يصح لخبر البيهقي عن أبي هريرة (لا نكاح إلا بأربعة: خاطب وولي وشهادين) ورواه البيهقي عن ابن عباس فجاز أن يتولاه هنا كبيع مال الصغير من نفسه وأما الخبر السابق فمحمول على أنه إذا كانت الولي غير الخاطب. ولا يزوّج ابن العم نفسه بل يزوجه ابن عم في درجته للخبر السابق فإن كان للمرأة ولي في درجة الخاطب تزوجها منه فإذا فُقِد فيزوجه القاضي ولا تنتقل الولاية إلى الأبعد فلو أراد القاضي نكاح من لا ولي لها زوّجَهُ مَنْ فوقه من الولاة في الرتبة أو خليفته في القضاء أو أحد خلفائه إن كان له أكثر من خليفة.
وكما لا يجوز لواحد تولي الطرفين غير الجد كما ذكرنا سابقاً لا يجوز أن يوكل وكيلاً في أحدهما يكون هو الطرف الآخر أو وكيلين فيهما في الأصح لأن فعل الوكيل منزل منزلة الموكِلْ بخلاف تزويج خليفة القاضي لأن له التصرف بالولاية
? فصل في الكفاءة ?
وأصل الكفاءة لغة المساواة والمعادلة واصطلاحاً الكفاءة أمر يوجب فقده عاراً وهي ليست شرطاً في النكاح إنما هي حق للمرأة وللولي فلهما إسقاطها زوجها الولي المنفرد كأب أو جد أم عم غير كفء يرضاها أو زوجها بعض الألياء المستوين كإخوة وأعمام برضاها ورضا الباقين ممن هم في درجته صح التزويج لأن الكفاءة حقها وحق الأولياء وقد رضيت معهم بتركها، روى مسلم عن واثلة بن الأسقع (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل واصطفى من بني كنانة قريشاً واصطفى من قريش بني هاشم)) ولا يعارض هذا الحديث ما رواه الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً: (لينتهينَّ أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية).
قال الشافعي: أصل الكفاءة في النكاح حديث بريرة لما خيرت لإنها إنما خيرت لأن زوجها لم يكن كُفُؤاً حيث أن بريرة أعتقت تحت عبد فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم فإذا ثبت لها الخيار إذا طرأت عليها الحرية وهي تحت عبد فلأن يثبت لها الخبار إذا كانت حرة عند ابتداء النكاح أولى ولو زوجها الأقرب برضاها فليس للأبعد اعتراض أي زوجها الأقرب من غير كُفء فليس للأبعد الاعتراض لأن لا حق له في التزويج ولو زوجها أحدهم أي أحد المستويين في الولاية بغير كفء برضاها دون رضاهم لم يصح التزويج لأن لهم حقاً في الكفاءة فلابد من رضاهم بترك الكفاءة كاعتبار رضى الزوجة وفي قول يصح ولهم الفسخ لأن النقصان يقتضي الخيار لا البطلان كما في عيب البيع ويجري القولان في تزويج الأب أو الجَدّ بكراً صغيرة أو بالغة غير كفء بغير رضاها أي بغير رضا البالغة ففي الأظهر باطل أي هذا النكاح لأنه خلاف الغبطة كالتصرف في المال فإن الولي ليس له أن يتصرف فيه بغير الغبطة والبُضع يحتاط له أكثر من المال وفي القول الآخر يصح النكاح وللبالغة الخيار في الحال وللصغيرة الخيار إذا بلغت لما مرَّ من أن النقص يقتضي الخيار ولو طلبت من لا ولي لها أن يزوجها السلطان والقاضي ونائبه بغير كفء ففعل لم يصح التزويج في الأصح لأن السلطان كالنائب عن الولي فيجب أن يحتاط للولي وللمسلمين لأن لهم حظ في الكفاءة وقال آخرون يصح النكاح وأشاروا بما رواه مسلم والإمام مالك عن فاطمة بنت قيس (أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن معاوية وأبا جهم خطباني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه فانكحي أسامة بن زيد) وفي رواية أخرى (أدلكِ على مَنْ هو خير منهما؟ قلت: من؟ قال صلى الله عليه وسلم: أسامة بن زيد، قالت: فتزوجت أسامة فبورك لأبي زيد فيَّ وبورك لي في أبي زيد، وفاطمة قريشية وأسامة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم) وهذا الحديث لا يرد الأول إذ ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم زوجها أسامة بل أشار عليها بالزواج منه وخصال الكفاءة أي المعتبرة خمسة: سلامة من العيوب المثبتة للخيار فمن به جنون أو برص أو جذام ليس كفوءاً للسليمة عن هذه الأمراض لأن النفس تعاف من به هذه الأمراض أما لو كان بها من الأمراض مثل الأمراض التي في الزوج أو أكثر أو أقل فقيل هما غير متكافئين لأن النفس من طبعها تعاف من غيرها ما لا تعافه من نفسها ومن
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/460)
العيوب التي تمنع التكافؤ العمى والقطع وتشوه الصورة وثاني خصال الكفاءة ما ذكره وحرية فالرقيق ليس كفؤاً لحرة ولو عتيقة لأنها تعير به كما أنها تتضرر بإنفاقه عليها حيث أن الرقيق ينفق نفقة المعسرين حيث أنه لا يملك ولذا خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة حين عتقت بين الفسخ واستمرار النكاح.
والعتيق ليس كفؤاً لحرة أصلية ولا مَنْ مسَّ الرقُّ أحد آبائه لمن لم يمسَّ أحداً من آبائها والرقُّ في الأمهات لا يؤثر لأن النسب في الآباء وليس في الأمهات وثالث خصال الكفاءة نسب فالعجمي ليس كفءً عربية أباً وإن كانت أمها أعجمية لأن الله اصطفى العرب على غيرهم فقد روى الحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن وابن الجوزي في التحقيق عن ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم: (العرب بعضهم أكفّاء بعض حي لحي وقبيلة لقبيلة ورجل لرجل إلا الحائك والحجام)) فدلّ ذلك على أن العجم ليسوا بأكفاء للعرب.
وأخرج عبدالرزاق في المصنف عن أبي ليلى الكندي وأبي نعيم في الحلية وغيرهم عن سلمان أنه قال: (إنما نفضلكم لفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ننكح نساءكم ولا نتقدمكم في الصلاة) ولا غير قرشي من العرب قرشية لما روى مسلم وأحمد وغيرهما عن واثلة بن الأسقع (أن الله عز وجل اختار العرب من سائر الأمم واختار من العرب قريشاً واختار من قريش بني هاشم وبين المطلب) ولا غير هاشمي ومطلبي كفء لهما للخبر السابق. والأصح باعتبار النسب في العجم كالعرب قياساً على العرب. وقال الماوردي: لا يعتبر النسب في العجم لأنهم لا يعتنون بالأنساب ولا يدونونها بخلاف العرب ورابع خصال الكفاءة ذكره بقوله وعفة فليس فاسق كُفء عفيفة. قال تعالى: (أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون) السجدة18. وفاسق كفؤٌ لفاسقة مطلقاً وخامس الخصال قوله وحرفة فصاحب حرفة دنيئة وهي كل حرفة تؤدي إلى انحطاط المروءة وسقوط النفس ليس كُفَء أرفع منه فمن كان من أهل الصنعة الدنية كالحائك والحمامي والحجام وما أشبههم ليسوا بكفء للمرأة التي أبوها من أهل الصنائع الرفيعة كما يذكر المصنف فكناس وحجام وحارس وراعٍ وقيم الحمام وهو الذي يسمى عند العامة البلان وهو الذي يكيس الناس ليس كفء بنت خياط ولا خياط بنت تاجر أو بزاز ومثل الخامسة في المهن الدنية الفصاد والحاقن والقمام والكحال والدباغ والإسكاف والجزار والجمال والدلال والحمال والفوال والحداد والصواغ وقال القاضي الروياني: يراعى في المهن عادة البلد فإن الزراعة قد تفضل التجارة في بلد وفي بلد أخرى بالعكس. أي أن الاعتبار في ذلك بالعرف العام ولا هما أي التاجر والبزاز بائع الثياب وقيل نوع خاص منها أي ولا كلٌّ منهما كفؤ بنت عالم أو قاض أي من أحد أصولها عالم ومثل العالم القاضي العادل وليسوا قضاة الرشا وظلمة الناس والأصح أن اليسار عرفاً لا يعتبر لأن المال ظلٌ زائل وطود مائل ولا يفتخر به أهل المروءات والبصائر ويرد على الخبر الصحيح الذي رواه أحمد عن سمرة بن جندب (الحسب المال) فهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها فاظفر بذت الدين تربت يداك) أي أن الغالب في أغراض الناس ذلك. وأما قوله (وأما معاوية فصعلوك) فذلك إخبار لها عن حاله بما يعتبر منفراً عند الناس عادة. وقد جمع بعضهم خصال الكفاءة فقال: نسب ودين صنعةٌ حريةٌ فقد العيوب وفي اليسار تردد.
فائدة: قال الإمام الغزالي: شرف النسب من ثلاث وجهات: إحداها الانتهاء إلى شجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلايعادله شيء الثانية الانتماء إلى العلماء فإنهم ورثة الأنبياء وبهم ربط الله تعالى حفظ الملة المحمدية والثالثة الانتماء إلى أهل الصلاح والتقوى قال تعالى: (وكان أبوهما صالحاً) الكهف82. ولا عبرة بالانتساب إلى عظماء الدنيا والظلمة والمستولين على الرقاب وإن تفاخر الناس بهم قال الأسنوي في المهمات: وكيف لا يعتبر الانتساب إليهم وأقل مراتب الإمرة ونحوها أن تكون كالحرفة وذو الحرفة الدنيئة لا يكافئ النفسية. وإن بعض الخصال لا يقابل ببعض أي الخصال المعتبرة في الكفاءة فلا يكافئ معيبٌ نسيبٌ سليمةً دنيئةً ولا عجمي عفيف عربية فاسقة ولا جاهلة بنت عالم كفء لعالمة بنت جاهل ولا بالعكس وليس له تزويج ابنه الصغير أمة لانتفاء خوف الزنا المشترط في جواز نكاحها وكذا لا
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/461)
يزوجه معيبة على المذهب لأنه على خلاف الغبطة وكذا عمياء ولا عجوزاً ولا مقطوعة طرف ويجوز تزويح ابنة الصغير مَنْ لا تكافئه ببعض الخصال لأن الرجل لا يتعير بنكاح من لا تكافئه على أنه إذا بلغ كان له الخيار.
? فصل في تزويج المحجور عليه ?
ولا يُزَوَّجُ مجنونٌ صغيرٌ وكذا كبير إلا لحاجة فواحدة أي إذا كان المجنون صغيراً فلا يزوج لأنه لا يحتاج إلى النكاح في الحال ولا يُدْرى إذا بلغ هل يحتاج إلى النكاح أم لا؟ وإذا كان بالغاً نَظَرَتْ إن كان يُجَن ويفيق لم يجزْ للولي تزويجه لأن له حالة يمكن استئذانه فيها وهي حالة إفاقته وإن لم يكن له حال إفاقة لم يكن للولي تزويجه إلا إذا عُلِمَ أنه يشتهي النكاح بأنه يراه وليه يُتبع نظره النساء أو علم ذلك بانتشار ذكره فهنا يجوز تزويجه لموجود المصلحة وهي إعفافه فإن لم يكن ثمة أب ولا جد زوّجه الحاكم فواحدة أي يزوجه واحدة فقط وله تزويج صغير عاقل أكثر من واحدة ويجوز للأب والجد أن يزوج ابنه الصغير إن كان عاقلاً لما روى البيهقي عن ابن عمر (أنه زوّجَ ابناً له صغيراً) فإن وجد مصلحة في تزويجه زوّجَه لاحتياجه إلى الخدمة والسكن وحُكِيَ عن الشافعي أنه قال: (له أن يزوجه واحدة واثنتين وثلاثاً وأربعاً كالبالغ) وقيل لا يزوجه بأكثر من واحدة لأنه لا حاجة به إلى ما زاد عليها. ويزوج المجنونة أب أو مجنونة إن ظهرت مصلحة في تزويجها ولا تشترط الحاجة فهي تستفيد المهر والنفقة وسواء صغيرة وكبيرة ثيب وبكر أي في جواز تزويج الأب والجد لأن لهما ولاية الإجبار في العموم فإن لم يكن أب ولا جد لم تزوّج في صغيرها حتى ولو وجدت الغبطة إذ لا إجبار على النكاح لغير الأب والجدّ فإذا بلغت زوجها السلطان حتى ولو كانت ثيباً في الأصح كما يلي مالها ويسن له مراجعة أقاربها لأنهم أعرف بمصلحتها بل قال البغوي يجب مراجعتهم للحاجة لا لمصلحة كأن تظهر علامات غلبة شهوتها أو يتوقه لها الشفاء بالنكاح في الأصح وقيل للمصلحة أيضاً في النفقة والإخدام إن ألحقناها بالمريضة أو ممن كانت تُخْدَمُ في بيت أبيها ومَنْ حُجِرَ عليه بسفه أي كان مبذراً لماله لا يستقل بنكاح لئلا يبذر ماله في النكاح بل ينكح بإذن وليه أو يقبل له وليه إذا طلب ذلك لأنه حرٌّ مكلف صحيح العبارة والإذن ويعتبر في نكاحه حاجتُهُ إليه بظهور الأمارات الدالة على ذلك فإن أذن له وعيّن امرأة لم ينكح غيرها أي أذن له الولي له أن يتزوج امرأة بعينها أو من قبيلة عَيّنَها له جاز ولا يجوز أن يتزوج غيرها وينكحها أي المعينة بمهر المثل أو أقل منه فإن زاد فالمشهور صحة النكاح بمهر المثل من المسمى أي صح العقد بمهر المثل قال الشافعي: (رُدَّ الفضل منه) أي ترده الزوجة إلى الولي سلّمَ الجميع للمرأة ولو قال له الولي انكح بألف ولم يعين امرأة نكح بالأقل من ألف ومهر مثلها لأن الزيادة على الألف لم يأذن بها الولي والزيادة على مهر المثل ممنوع لأنه تبرع والمحجور عليه ليس من أهل التبرع ولو أطلق الإذن فالأصح صحته أي قال له الولي: انكح، ولم يعيّن امرأة ولا قدراً فالأصح صحة الإذن بالعقد وينكح بمهر المثل مَنْ تليق به فإن نكح بمهر مثلها أو أقل صحّ النكاح بالمسمى أو أكثر لغا الزائد فإن قَبِلَ له وليه اشترط إذنه في الأصح أي اشترط إذن السفيه لأنه حرٌّ مكلف ويقبل الولي بمهر المثل أو أقل لمن تليق به فإن زاد عليه صح النكاح بمهر المثل وفي قول يبطل للزيادة ولو نكح السفيه بلا إذن فباطل أي نكاحه فيفرق بينهما فإن وطيءَ لم يلزمه شيءٌ وإن لم تعلم الزوجة سفهه للتفريط بترك البحث عنه ومعرفة حاله وقيل يلزمه مهر المثل لشبهة النكاح وقيل أقل مُتَموَّلٍ ليتميز النكاح عن السفاح ولئلا يخلو الوطء عن مقابل مهر أو عقوبة ومَنْ حجر عليه بفلس صح نكاحه لأنه صحيح العبارة وله ذمة ومؤن النكاح في كسبه لا فيما معه لتعلق حق الغرماء بما في يده.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/462)
ونكاح عبد بلا إذن سيده باطل لأنه محجور عليه ولما روى الترمذي عن جابر (أيما مملوك تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر) وفي رواية (فنكاحُهُ باطلٌ). وبإذنه صحيح إذا كان سيده رشيداً غير مُحْرِمٍ ولو كان وليه أنثى بكراً. وله إطلاق الإذن وله تقييده بامرأة معينة أو قبيلة أو بلد ولا يعدل عما أذن فيه مراعاة لحق السيد فإن عدل العبد المعينة بطل العقد والأظهر أنه ليس للسيد إجبار عبده على النكاح لأن النكاح سبب يملك به الاستمتاع فلم يملك إجبار عبده عليه ولأنه لو كان لو زوجة لم يملك السيد إجباره على الوطء فلم يملك إجباره على النكاح وقيل له إجباره لقوله تعالى: (وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمكائكم) النور32. ولا عَكْسِهِ أي وليس للعبد إجبار سيده على تزويجه وقيل يجبر حذراً من وقوعه في الفاحشة.
ولو إجبار أمته بأي صفة كانت بكراً أو ثيباً صغيرة أو كبيرة لأنها مملوكة له وبضعها من منافعها التي يملكها. فإن طلبت لم يلزمه تزويجها لأن التزويج ينقص قيمتها ويفوت حقه في الاستمتاع بها وقيل إن حُرِّمت عليه على التأبيد بنسب أو رضاع أو مصاهرة لزمه تزويجها إذ لا سبيل إلى التمتع بها ولابد من إعفافها وإن زوجها فالأصح بأنه بالملك لا بالولاية لأن التصرف فيما يملكه ونقله للغير إنما يكون بالملك وقيل بالولاية فيراعي مصلحتها في النكاح فلا يزوجها بغير كفء.
فيزوج مسلم بناءً على الملك أمته الكافرة أي الكتابية من غير مسلم وفاسقٌ أي يزوج الفاسق أمته ويؤجرها ومكاتبٌ كتابة صحيحة يزوج أمته ولكن بإذن سيده ولا يزوج ولي عبدَ صبيٍ لما في ذلك من قطع كسبه عنه ويزوج وليُ الصبي أمته في الأصح إذا كانت الغبطة في ذلك اكتساباً للمهر والنفقة أما السفيه فيستأذن في نكاح أمته.
? باب ما يحرم من النكاح ?
تحرم الأمهات وكل مَنْ ولدتْكَ وولدت من ولَدَكَ ذكراً كان أو أنثى بواسطة أو بغير واسطة فهي أمك. أو تستطيع القول هي كل أنثى ينتهي إليها نسبك بواسطة أو بغيرها ودليل التحريم قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت) النساء23. وسواء في التحريم الأم حقيقة والأم مجازاً وهي جدته أمُّ أمه وأمَّ أبيه وكذلك كل جدة من قبل أبيه أو أمه وإن علت والبناتُ وكلُّ مَنْ ولدتْهَا فهي بنتك أو ولدَتْ مَنْ وَلَدْتها فبنْتُكَ فيحرم عليك بنتك حقيقة وهي بنت صلبك وكل بنت يقع عليها الاسم مجازاً وهي: بنت بنتك وبنت ابنك وإن سَفلت.
قلت: والمخلوقة من زناه تَحِلُ له فلا يحرم على الزاني نكاح المرأة التي زنا بها ولا أمها ولا ابنتها ولو كانت مخلوقة من مائه سواء كانت المزني بها مطاوعة أم لا لأنها أجنبية عنه إذ أن ماء الزنا هدر بدليل انتفاء كافة الأحكام كالنسب والإرث قال تعالى: (وهو الذي خلقَ من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً) الفرقان54. فأثبت سبحانه الصهر في الموضع الذي أثبت فيه النسب فلما لم يثبت بالزنا النسب لم يثبت به الصهر وقد أخرج الدارقطني في السنن والبيهقي في السنن الكبرى عن عائشة (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل زنا بامرأة فأراد أن يتزوج بها أو بابنتها، فقال: (لا يحرم الحرام الحلال وإنما يحرم ما كان بنكاح)). وسئل الشافعي عن رجل زنا بامرأة ثم أراد أن يتزوج ابنتها فقال: (أكره له أن يتزوجها فإن تزوجها لم أفسخ). قالوا: قال: أكره خروجاً من خلاف مَنْ حرّمَ الزواج بها.
ويحرم على المرأة ولدها من زنا والله أعلم لأنه بعضها وانفصل عنها إنساناً بخلاف المني فإنه انفصل منه ماءً كما أنه يرثها وترثه إجماعاً.
والأخوات: جمع أخت وضابطها كل من ولدها أبواك أو أحدهما فأختك قال تعالى: (وأخواتكم) النساء23. وبنات الأخوة والأخوات من جميع الجهات وبنات أولادهن وإن سَفَلْنَ والعمات: فيحرم عليه من يقع عليها اسم العمة حقيقة وهي أخت أبيه سواء من كانت أخته لأبيه وأمه أو لأبيه أو لأمه ويحرم عليه من يقع عليها اسم العمة مجازاً: وهي كل أخت لجد من أجداده من قبل أبيه أو من قبل أمه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/463)
والخالات: فيحرم عليه نكاح من يقع عليه اسم الخالة حقيقة وهي أخت أمه لأبيها وأمها أو لأبيها أو لأمها ويحرم عليه من يقع عليها اسم الخالة مجازاً وهي: أخت كلِّ جدة له من قِبَلِ أمه أو أبيه. ثم أشار لضابط العمة أو الخالة فقال: (وكلُّ مَنْ هي أخت ذكر ولدك فعمتك أو أخت أنثى ولدتْكَ فخالتك) ثم شرع في السبب الثاني للتحريم ويحرم هؤلاء السبع بالرضاع أيضاً لما أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وفي رواية (ما يحرم من الولادة) وكل مَنْ أرضعتك أو أرضعت مَنْ أرضعك أو مَنْ ولدك أو ولدتْ مرضعتك بواسطة أو بغير واسطة أو ذا لَبَنِهَا أي ولدت أو أرضعت من كان له اللبن كزوج المرضعة فأم رضاعٍ وقِسْ الباقي من السبع المحرمة بالرضاع فكل مَنْ بلبنك أو بلبن من ولدته بواسطة أو بغيرها وأرضعتها امرأة ولدتها بواسطة أو بغيرها وبنتها من نسبٍ أو رضاع وإن سفلت فبنت رضاع وكل من أرضعتها أمك أو أرضعت بلبن أبيك أو ولدتها مرضعتك أو الفحل فأخت رضاع وأخت الفحل وأخت ذكر ولد الفحل بواسطة أو بغير واسطة من نسب أو رضاع عمة رضاع. وأخت المرضعة وأخت أنثى ولدتْها بواسطة أو بغيرها من نسب أو رضاع خالة رضاع. وبنت ولد المرضعة وبنت ولد الفحل من نسب أو رضاع وإن سَفَلَََتْ وبنت ولد أرضعته أمك أو ارتضع بلبن أبيك من نسب أو رضاع وإن سفلت بنت أخٍ لك في الأول أو أخت رضاع لك في الثاني ولا يحرم عليك مَنْ أرضعت أخاك ولا مَنْ أرضعت أختك ونافلتك وهو ولد ولدك ولا أم مرضعةِ ولدك وبنتها ولا أخت أخيك لأمه بنسب ولا رضاع وهي في النسب أخت أخيك لأبيك لأمه وذلك بأن يكون لأم أخيك لأبيك بنت من غير أبيك وعكسه أي أخت أخيك لأمك لأبيه بأن كان لأخيك لأمك بنت من غير أمك ورضاعاً أخت أخيك لأب أو أمٍ رضاعاً بأن أرضعتها أجنبية عنك في النسب والرضاع وتحرم عليك زوجة مَنْ ولدْتَ أَنْتَ من نسب أو رضاع وإن سَفَلَ كما تحرم زوجة والدك وهو قوله أو ولَدَكَ من نسب أو رضاع قال تعالى: (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) النساء23. وقال تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) النساء22. كما يحرم عليك أمهات زوجتك بنسب أو رضاع وهو قوله (وأمهات زوجتك منهما).
وكذا بناتها إن دخلت بها أي تحرم عليك بنات زوجتك التي دخلت بها في عقد صحيح أو فاسد. قال تعالى: (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) النساء23. وذكر الجحور هنا على الغالب لأن العادة أن البنت تعيش مع أمها فلا مفهوم له هنا مَنْ وَطِيء امرأة بملك حَرُمَ عليه أمهاتها وبناتها وحرمت هي على آبائه وأبنائه لأن الوطء بملك اليمين ينزل منزلة عقد النكاح وكذا الموطوءة بشبهة في حقه كأن ظنها زوجته أو أمته أو وطيء بشراء فاسد أو نكاح فاسد فإنه يحرم عليه أمهاتها وبناتها وتحرم هي على آبائه وأبنائه كما يثبت في هذا الوطء النسب وتجب العدة على الموطوءة.
قيل أو حقها بأن ظنته حليلها أو كان بها نحو نوم وإن علم هو بالحال فالحرمةكما ذكر أيضاً والأصح أنه لا تثبت به حرمة لامتناع ثبوت النسب.
لا المزني بها فإذا زنا رجل بامرأة لم يثبت بهذا الزنا تحريم المصاهرة فلا يحرُمُ على الزاني نكاح المرأة التي زنا بها ولا أمها ولا ابنتها ولا تحرم الزانية على آباء الزاني ولا على أبنائه وليست مباشرة بشهوة كوطء في الأظهر لأنها لا توجب عدة فلا توجب حرمة.
ولو اختلطت محرم من نسب أو رضاع بنسوة قرية كبيرة كألف امرأة مثلاً نكح منهن أي لا يمتنع من النكاح منهن فإنه إذا قيل يسافر إلى بلدة أخرى فإنه لا يأمن أن تكون سافرت إلى تلك البلد في ذلك تضييق ظاهر. لا بمحصورات في العدد كعشرة أو عشرين فإنه لا ينكح منهن لأن ذلك لا يسبب حرجاً له. ولو طرأ مؤبِّد تحريم على نكاح قطَعَهُ كوطء زوجة أبيه أو زوجة ابنه بشبهة أو وطء الزوج أمَّ زوجته أو ابنتها فإن نكاح زوجته ينفسخ في الحال لأنه معنىً يوجب تحريماً مؤبداً فإن طرأ على النكاح أبطله كالرضاع.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/464)
ويحرم جمع المرأة وأختها أو عمتها أو خالتها من رضاع أو نسب قال تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف) النساء23. ولما أخرج الشيخان ومالك والشافعي وأحمد وأبوداود وغيرهم عن أبي هريرة واللفظ لأبي داود (لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على ابنة أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على ابنة أختها لا الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى). ولأن العادة جارية أن الرجل إذا جمع بين ضرتين تباغضتا وتحاسدتا وتتبعت كلُّ واحدة عيوب الأخرى وعوراتها فلو جوزنا الجمع لأدى إلى قطيعة الرحم بينهما وهو إجماع لا خلاف فيه. والقاعدة أن كلَّ امرأتين لو قُلبت كل احدة منهما ذكراً لم يجز له التزوج بالأخرى بالنسب فوجب أن لا يجوز الجمع بينهما في النكاح. وإن تزوج رجلٌ له ابنٌ بامرأة لها ابنة جاز لابن الزوج أن يتزوج بابنة الزوجة لما روي (أن رجلاً له ابن تزوج امرأة لها ابنة ففجر الغلام بالصبية فسألهما عمر فاعترفا فجلدهما وحرص على أن يجمع بينهما فأبى الغلام) رواه البيهقي في السنن ورواه ابن أبي شيبة في المصنف فإن جمع بعقد بطل فإن خالف وجمع بين من يحرم الجمع بينهما فلم يصح عقد واحدة منهما ولا مزية لإحداهما على الأخرى فيبطل نكاحهما جميعاً. أو مرتباً فالثاني فإن تزوج إحداهما ثم تزوج الثانية بطل نكاح الثانية لأن الجمع اختص بالثانية ومن حرم جمعهما بنكاح حرم في الوطء بملك أو ملك ونكاح لعموم قوله تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف) النساء23. وقد أخرج مالك والشافعي عن قبيصة بن ذئب (أن رجلاً دخل على عثمان بن عفان فسأله عن الجمع بين الأختين بملكِ اليمين، فقال: أحلتهما آية يعني (أو ما ملكت أيمانكم) النساء3) وحرمتهما آية (وأن تجمعوا بين الأختين) النساء23 والتحريم أولى). فإذا وطبء واحدة صارت له فراشاً ولا يحل له وطء أختها ولا عمتها ولا خالتها إلا إن حرم الموطوءة ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة أو نكاح.
لا ملْكُهُما إجماعاً لأن الملك قد يقصد به غير الوطء فإن وطيء واحدة حرمت الأخرى حتى يحرّم الأولى كبيع أو نكاح أو كتابة لا حيض وإحرام لأن الحيض والإحرام لا يزيلان الملك ولا استحقاق التمتع وكذا رهن في الأصح لأن له التمتع بالمرهونة بإّن المرتهن ولو ملكها ثم نكح أختها أو عكس أي نكح امرأة ثم ملك من يحرم الجمع بينها وبينها كأن ملك أختها حلّت المنكوحة في المسألتين دونها أي دون المملوكة وللعبد امرأتان لإجماع الصحابة عليه ولأنه على النصف من الحرِّ وللحر أربع فقط فإن نكح خمساً معاً بطلن أو مرتباً فالخامسة فقد روى الشافعي في الأم والترمذي عن سالم عن أبيه (أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اختر أربعاً وفارق سائرهن) وأخرج البيهقي في السنن الكبرى عن نوفل بن معاوية قال: (أسلمت وعندي خمس نسوة فأتيت النبي فسألته فقال: فارق إحداهن وأمسك أربعاً، فعمدت إلى أقدمهن عندي عهداً ففارقتها) وتحل الأخت والخامسة في عدة بائن لا رجعية لأن الرجعية في حكم الزوجة أما البائن فأجنبية وإذا طلق الحر ثلاثاً أو العبد طلقتين لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره صبياً حراً عاقلاً أو عبداً بالغاً عاقلاً أو مجنوناً "وتغيب بقلبها حشفتُهُ أو قدرها" من مقطوعها ولو في نومها بشرط الانتشار ولا يكفي إدخالها مع عدم الانتشار ولا إدخال المني وبهذا يعلم أنه لا يحصل التحليل بالعقد من غير وطء بلا خلاف فقد روى الشيخان عن عائشة قالت: (جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبتَّ طلاقي فتزوجت بعده عبدالرحمن بن الزبير وإن ما معه مثل هدبة الثوب، فقال صلى الله عليه وسلم: (أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك)) وصحة النكاح وكونه ممن يمكن جماعه لا طفلاً على المذهب فيهن أي ممن يتشوف للجماع عادة لا طفلاً وإن انتشر ذكره لأنه لا أهلية له للنكاح وذوق العسيلة وقوله فيهن أي لا يحصل التحليل بلا انتشار لشلل أو غيره ولو نكح بشرط إذا وطيء طلق أو بانت فلا نكاح بَطْلَ لأنه نوع من زواج المتعة ولأنه مخالف لمقتضى العقد فإن تواطأ العاقدان على شيء من ذلك ثم عقدا بعد ذلك القصد بلا شرط كره خروج من خلاف من أبطله أما لو تزوجها على أن يحللها للأول صح كما جزم به الماوردي لأنه لم يشرط الفرقة بل شرط مقتضى العقد روى ابن ماجة والدارقطني عن عقبة بن عامر (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا أدلكم على التيس المستعار، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هو المُحْلِلُ والمُحْلَّلُ له) وعلى هذا قال بعضهم أن النكاح باطل ودليل عدم البطلان ما روى الشافعي والبيهقي عن ابن سيرين (عن امرأة طلقها زوجها ثلاثاً وكان مسكينٌ أعرابي يقعد بباب المسجد فجاءته امرأة فقالت: هل لك في امرأة تنكحها وتبيت معها ليلة فإذا أصبحت فارقتها، فقال: نعم، قال: وكان ذلك، فلما تزوجها قالت له المرأة: إنك إذا أصبحت فإنهم سيقولون لك طلقها فلا تفعل فإني لك كما ترى واذهب إلى عمر، فلما أصبح أتوه وأتوها فقال له: الزم زوجتك فإن رابوك بريبٍ فأتني، وبعث إلى المرأة الواسطة فنكل بها وكان يغدو بعد ذلك ويروح على عمر رضي الله عنه وأرضاه في حلّة، فقال له عمر: الحمد لله يا ذا الرقعتين الذي رزقك حلة تغدو بها وتروح) ولم ينكر أحد على عمر رضي الله عنه فدلَّ على أنه إجماع وفي التطليق قولٌ أن شرطه لا يبطل النكاح ولكن يبطل الشرط ولكن المسمى ويجب مهر المثل.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/465)
ـ[محمد عبدالكريم محمد]ــــــــ[21 - 07 - 07, 02:20 ص]ـ
الجزء الثالث عشر
? فصل في نكاح من فيها رقٌّ ?
لا ينكح من يملكها أو يملك بعضها لتناقض أحكام الملك والنكاح إذ الملك لا يقتضي قسْماً ولا طلاقاً ولأن ملك اليمين أقوى من النكاح فيملك به الرقبة والمنفعة وبالنكاح يملك الوطءْ وبعض المنفعة فسقط الأضعف بالأقوى ولو ملك زوجته أو بعضها بطل نكاحه أي انفسخ لما تقرر أن النكاح أضعف من الملك ولا تنكح كم تملكه أو بعضه فلو ملكت زوجها أو بعضه انفسخ النكاح لأن أحكام الملك والنكاح متناقضة فلو طلبت السفر إلى المشرق فلها ذلك لأنه عبدها وإذا طلب هو السفر إلى المغرب وجَبَ عليها لأنها زوجته وإذا دعاها إلى فراشه بحق النكاح وبعثته في حاجتها بحق الملك وإذا تغذر الجمع بينهما بطل الأضعف وثبت الأقوى ولا الحر أمة غيره إلا بشروط أن لا يكون تحته حرة مسلمة أو كتابية تصلح للاستمتاع لأنه حينئذ لم يخْشَ العنت فقد روى سعيد بن منصور ف سننه عن ابن علية أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن تُنْكحَ الأمة على الحرة ورواه البيهقي عن الحسن مرسلاً ورواه الطبري عاصم عن الأموال عن الحسن موصولاً قيل ولا غير صالحة بأن تكون صغيرة لا تحتمل الوطء أو قرناء أو رتقاء لعموم الخبر (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح الأمة على الحرة). قال تعالى: (ومن لم يستطع طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) النساء25. وأن يعجز عن حرة تصلح للاستمتاع وقيل أو لا تصلح كصغيرة أو هرمة أو غائبة أو مجنونة أو مريضة لا تحتمل الجماع والأصح أنه إذا كانت التي تحته لا تصلح فله نكاح الأمة.
فلو قدر على غائبة حلت له أمةٌ إن لحقه مشقة ظاهرة بالخروج إليها فله نكاح الأمة أو خاف زناً مدته. بأن يتوقعه لغلبة شهوته وضعف تقواه وتيسر الشرِّ في مجتمعه. قال تعالى: (ذلك لمن خشي العنت منكم) النساء25، أي الزنا وأصل العنت المشقة الشديدة. ولو وجد حرة بمؤجل أو بدون مهْر مِثْلٍ فالأصح حلُّ أمةٍ في الأولى أي إن وجدها بمؤجل لأن ذمته تصبح مشغولة وقد لا يجد وفاءً دون الثانية لاعتياد الناس على المسامحة في المهور ولا اعتبار لبعض الحالات التي لا تجري فيها المسامحة لأن ذلك نادر فلا حكم له.
وأن يخاف زناً بأن يتوقعه فلو أمكنه تسرٍّ بشراء أمة فلا خوف في الأصح لأمنه العنت ولا حاجة لإرقاق ولده وذلك بالزواج بأمة وإسلامها فلا يحل لمسلم نكاح أمة كتابية لقوله تعالى: (من فتياتكم المؤمنات) النساء25. ولاجتماع نقصين الكفر والرقّ وتحل لحرٍّ وعبد كتابيين أمةٌ كتابيةٌ على الصحيح لا لعبد مسلم وبهذا قال عمر رضي الله عنه وابن مسعود لعموم قوله تعالى: (فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) النساء25. وأما بالنسبة للكتابي حراً كان أو عبداً فإنه يجوز له نكاح الكتابية لأنه مساوٍ لها في الدين في المشهور لأن المانع عن نكاحها كفرها. ومن بعضها رقيق كرقيقة فلا ينكحها الحرُّ إلا بالشروط السابقة ولو نكح حرٌ أمةً بشرطه ثم أيسر أو نكح حرة لم تنفسخ الأمة فقد أورد ابن أبي شيبة عن علي وابن عباس أنهما قالا: (إذا تزوج حرة على أنه لم ينفسخ نكاح الأمة). ولأن الدوام له قوة. قال تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) النور32، فندب إلى نكاح الفقراء رجاء الاستغناء فلو كان الاستغناء إذا طرأ أوجب فسخ النكاح لم يندب إلى النكاح. ولو جمع مَنْ لا تحل له الأمةُ حرةً وأمةً بطلت الأمة لا الحرة في الأظهر. لأن شرط نكاح الأمة فقد الحرة فيبطل نكاحها قطعاً ومن قال بجواز تفريق الصفقة صحح نكاح الحرة وقيل تبطل في الحرة أيضاً فراراً من تفريق العقد.
? فصل في حلِّ نكاح الكافرة ?
يحرم على المسلم نكاح من لا كتاب لها كوثنية ومجوسية وهي عابدة النار إذ لا كتاب بأيدي قومها الآن قال تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) البقرة221. وقال تعالى: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) الممتحنة10. وهذا عام في كل مشركة إلا ما قام عليه الدليل وهم أهل الكتاب وتحل كتابية قال تعالى: (والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) المائدة504.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/466)
لكن تكره حربية وكذا ذمية على الصحيح والحربية هي التي تعيش في ديار الحرب وهي كتابية فيكره نكاح الحربية لما في الإقامة في دار الحرب من تكثير سواد الكافرين وعلى هذا كرهت مسلمة مقيمة في ديارهم ولأنها قد تُسبى فيسترق ولدها لأنها إذا سُبيت لم يقبل سابيها قولها أن حملها من مسلم وأيضاً يكره نكاح الذمية لأنها يخاف من الميل إليها الفتنة في الدين وقد تنصر وتهود كثير من المسلمين عند الزواج مفي ديار الحرب والإقامة.
والكتابية يهودية أو نصرانية لا متمسكة بالزبور وغيره كصحف إدريس وإبراهيم لأنهم ليس لهم كتاب يدرس ويتلى وإذا ثبت أن لهم كتباً فيجوز إقرارهم على دينهم ببذل الجزية ولا يحل نكاح حرائرهم ولا وطء الإماء منهم بملك اليمين ومن ذلك أهل اليابان والسيخ والصائبة لعموم قوله تعالى: (ولا تَنْكِحُوا المشركات) البقرة221. فقد أخرج عبدالرزاق في مصنفه وابن أبي شيبة في كتاب الجهاد عن عبدالرحمن بن عوف (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المجوس فقال: (سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم وآكلي ذبائحهم)). فإن لم تكن الكتابية إسرائيلية أي من نسل إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام فالأظهر حلها إن عُلِمَ دخول قومها في ذلك الدين أي دين اليهودية أو النصرانية قبل نسخه وتحريفه لتمسكهم بذلك الدين حين كان حقاً وقيل يكفي دخولهم قبل نسخه سواءً دخلوا قبل تحريفه أم بعده وقيل لا تصح مناكحتهم لانتفاء نسبهم إلى إسرائيل والصحيح الأول فقد تزوج عثمان نصرانية ثم أسلمت على يديه وتزوج حذيفة بن اليمان يهودية وتزوج طلحة بن عبيدالله نصرانية وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب أنه قال: (يحل للمسلم أن ينكج نصرانية ... ) وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والبيهقي في السنن عن جابر (تزوجنا في الكوفة عام الفتح أي فتح العراق من أهل الكتاب ونحن لا نكاد نجد المسلمات فلما انصرفنا طلقناهن، نساؤهم تحل لنا ونساؤنا تحرم عليهم). وفي رواية (لا يرثن مسلماً ولا يرثهن).
والكتابية المنكوحة من مسلم كمسلمة في نفقة وقسْمٍ وطلاق لاشتراكهما في الزوجية بخلاف التوارث وبخلاف القذف فإن في قذفها التعزير.
وتجبر على غسل حيض ونفاس وكذا جنابة لتوقف حلِّ الوطء على ذلك وترك أكل خنزير في الأظهر لما في أكل الخنزير وترك الغسل من الاستقذار وترك التنظّف وتجبر هي ومسلمةٌ على غسل ما نجس من أعضائها ليتمكن من الاستمتاع بها وتَحْرُمُ متولدةٌ من وثني وكتابية لأن الانتساب إلى الأب وكذا عكسه تغليباً للحرمة وإن خالفت السامرة اليهود والصابئون النصارى في أصل دينهم حَرُمْنَ وإلا فلا فينظر فيهم فإن كانوا يخالفون اليهود والنصارى في أصل يدينهم فليسوا منهم وإن كانوا يوافقونهم في أصل دينهم ويخالفونهم في الفروع فهم منهم كما أن المسلمين ملة واحدة لاتفاقهم في أصول الدين وإن اختلفوا في الفروع ولو تهود نصراني أو عكسه لم يقرْ في الأظهر لأنه أحدث ديناً باطلاً قد أقر ببطلانه من قبل فإن كانت المنتقلة من اليهودية إلى النصرانية أو العكس لم تحل لمسلم فإن كانت مَنْكُوحَتَهُ أي المسلم فكرِدّة ُ أي فهي كمرتدة مسلمةٍ في أحكامها فإن كان لم يدخل بها تنجزت الفرقة وإن كان دخل بها توقفت الفرقة فإن أسلمت قبل العدة عادت له وإن لم تسلم تنجزت الفرقة فقد روى البخاري وغيره عن ابن مسعود (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من بدّلَ دينه فاقتلوه)) ولا يقب منه إلا الإسلام لأنه أقرّ ببطلان ما انتقل عنه وكان مقرّاً ببطلان ما انتقل إليه وفي قول أو دينُهُ الأولُ لا يقبل منه إلا الإسلام أو دينه الأول لأنه كان مقرّاً عليه ولو توثّنَ لم يُقرّ أي اليهودي أو النصراني على الوثنية وفيما يقبل القولان السابقان أي الإسلام فقط والثاني الإسلام أو دينه الأول ولو تهوّدَ وثنيٌّ أو تنصر لم يُقرّ لانتقاله عمّا لا يُقَرُّ عليه من باطل لخبر البخاري (من بدّلَ دينه فاقتلوه) ولا تحل مرتدة لأحدٍ مسلم كان أو غيره لهدر دمها ولو ارتدَّ زوجان معاً أو أحدهما قبل دخولٍ أي قبل وطءٍ أو وصول منَِيٍ محترمٍ لفرجها تنجزت الفرقة بالإجماع لعدم تأكدِ النكاح أو بعده وقفت فإن جمعهم الإسلام في العدة دام النكاح بينهما وإلا فالفرقة من وقت الردة ويَحْرُمُ الوطء من التوقف لأنه يُنْتَظَرُ زواله إن لم يجمعهما الإسلام ولا حد في الوطء
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/467)
لشبهة بقاء النكاح.
? باب نكاح المشرك ?
أي الحكم بصحته أو فساده أو دوامه أو رفعه وما يتعلق بذلك والمشرك هو الكافر على أي ملة كان كتابياً كان أو غير كتابياً. قال البلقيني: إن المشرك والكتابي كما يقول أصحابنا في الفقير والمسكين إن جمع بينهما اللفظ اختلف مدلولها وإن اقتصر على أحدهما تناول الآخر. ا. هـ.
أسلم كتابي أو غيره كوثني أو مجوسي وتحته كتابية دام نكاحه لأنه لا يجوز للمسلم ابتداءً نكاح الكتابية أو وثنية أو مجوسية فتخلفت أي أسلم وتحته وثنية أو مجوسية ولم تسلم معه قبل دخولٍ تنجزت الفرقة بينهما أو بعده وأسلمت في العدة دام نكاحه وإلا أي وإن أصرت على دينها ولم تسلم حتى انقضت عدتها فالفرقة من حين إسلامه ناجزة ولو أسلمت وأصرّ فعكسه أي كما أسلم وأصرت هي. فقد روى البخاري عن ابن عباس قال: كان المشركون على منزلتين من النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، كانوا مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر فإذا طهرت حلَّ لها النكاح فإن هاجر زوجها قبل أن تُنْكَحَ رُدَّت إليه وروى مالك في الموطأ والبيهقي في السنن عن ابن شهاب (أن عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية هربا كافرين إلى الساحل حين فتح رسول الله مكة وأسلمت امرأتاهما بمكة وأخذتا الأمان لزوجيهما فقدما وأسلما فردَّ النبي صلى الله عليه وسلم امرأتيهما). ولو أسلما معاً دام النكاح والمعية بآخر اللفظ بأن يقترن آخر كلمة من إسلامه بآخر كلمة من إسلامها وإسلام أبوي الزوجين الصغيرين أو المجنونين أو أحدهما كإسلام الزوجين أو أحدهما. وحيث أدمنا النكاح لا تضر مقارنة العقد أي عقد النكاح الواقع في الكفر لمفسد هو زائل عند الإسلام فقد أسلم جمع من الصحابة فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمر مَنْ أسلم عن أختين أن يطلق إحداهما ومن أسلم عن عشر أن يختار أربعاً. وكان بحيث تحل له الآن تخفيفاً بسبب الإسلام فاعتبر عقده السابق صحيحاً وإن بقي المفسد عند الإسلام فلا نكاح بينهما لامتناع ابتدائه عند إسلامهما. فيُقرُّ على نكاح بلا ولي وشهود وفي عدة هي منقضية عند الإسلام لانتفاء المفسد عند الإسلام بخلاف العدة غير المنقضية فلا يُقَرُّ عليها البقاء المفسد ويُقر على نكاح مؤقت مدة إن اعتقدوه مؤبداً ويكون ذكر الوقت لغواً أما إذا اعتبروه مؤقتاً وقد حصل الإسلام بخلاف فإن بقي من المدة شيء فلا يقرون عليه.
وكذا لو قارن الإسلام عدةَ شبهةٍ لأن نكاح العدة وشبهته لا يقطع نكاح المسلم فهنا أولى على المذهب فيغلب حكم الاستدامة لا نكاح مَحْرَمٍ كبنته أو زوجة أبيه فإنه لا يقر عليه أبداً ولو كانت المحرمية بنسب أو رضاع ولو أسلم ثم أحْرَمَ أي الزوج ثم أسلمت في العدة وهو محرم أقر النكاح على المذهب لأن الإحرام لا يؤثر على دوام النكاح ولو نكح حرة وأمة وأسلموا تعينت الحرة واندفعت الأمة على المذهب لأنه لا يجوز للحرِّ نكاح الأمة مع الحرة أما إذا كانت الحرة غير صالحة للاستمتاع فهي كالعدم.
ونكاح الكفار صحيح على الصحيح فقد قال تعالى: (وقال امرأة فرعون) القصص9، وقال: (تبت يدا أبا لهب وتبَّ. ما أغنى عنه ماله وما كسب. سيصلى ناراً ذات لهب. وامرأته حمالة الحطب) المسد1 - 4، فأضاف امرأتيهما إليهما وهذا لصحة أنكحتهم. وقال صلى الله عليه وسلم: (ولدت من نكاح لا من سفاح) وقد ولد صلى الله عليه وسلم في الشرط ولحديث غيلان فيمن أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة فأمره بإمساك أربعٍ منهن وقد روى أحمد والترمذي وغيرهم عن فيروز الديلمي (أنه أسلم وعنده أختان فأسلمتا معه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اختر أيتهما شئت وفارق الأخرى)) وهذا دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرَّ نكاحهم في الجاهلية. وقيل فاسد لأن الظاهر في عقودهم عدم مراعاتهم للشروط والنكاح وقيل موقوف إن أسلم وقُرِرَ في حكم الشرع عندنا تبينا صحته وإلا فلا وإن لم يُقررَ تبينا فساده.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/468)
فعلى الأصح لو طلق ثلاثاً ثم أسلما لم تحل له إلا بمحلل أي باعتبار صحة نكاحهم أما على اعتبار فساد أنكحتهم فإنها تحل بغير محلل. ومن قُرِرت فلها المسمى الصحيح وأما الفاسد كخمر وخنزير وميتةٍ فإن قبضته قبل الإسلام فلا شيء لها. لانفصال الأمر بينهما قبل أن يجري عليهم حكمنا وإلا فمهرُ مثل أي إن لم تقبض مهرها قبل الإسلام وإن قبضت بعضه فلها قسط ما بقي من مهر مثل لتعذر قبض البعض الآخر في الإسلام لحرمته. ومن اندفعت بالإسلام بأن أسلم أحد الزوجين ولم يسلم الآخر بعد دخول بها فلها المسمى الصحيح إن صُحِحَ نكاحهم لاستقرار المسمّى بالدخول إلا حالةً واحدة وهي أن يكون نكح أمّاً وابنتها ودخل بالأمِّ فقط فإن البنت تحرم أبداً وللأم مهر المثل إن قلنا تحرم أيضاً فهي قد اندفعت بالإسلام ولا تستحق المسمّى وإلا أي إذا لم يُصحح نكاحهم فمهر مثل مقابلة الوطء أو قبله أي الوطء وصحح نكاحهم فإن كان الاندفاع بإسلامها فلا شيء لها لأن الفراق من جهتها أو بإسلامه فنصف مسمّى إن كان صحيحاً وإلا فنصف مهر مثل وإن لم يُسَمَ مهرٌ فمتعة وإن لم تصحح نكاحهم فلا شيء لها لأن الفاسد لا يجب فيه شيء قبل الدخول ولو ترافع إلينا ذمي ومسلم وجب الحكم بينهما جزماً وكذلك مسلم ومعاهد أو ذميان ترافعا إلينا كيهوديين أو نصرانيين وجب في الأظهر الحكم بينهما. قال تعالى: (أن احكم بينهم بما أنزل الله) المائدة49. وقيل لا يجب بل الأمر على التمييز. قال تعالى: (فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم). فإن لم نحكم بينهم فإننا نردهم إلى حاكم ملتهم. ونقرهم فيما ترافعوا فيه إلينا على ما نقر لو أسلموا ونبطل ما لا نقر فنوجب النفقة في نكاح من أقررناه على نكاحه ولو ترافعوا إلينا في نكاح بلا ولي ولا شهود قررنا النكاح وحكمنا بالنفقة أو لو ترافعوا إلينا في مجوسي نكح محرماً فإننا نفرق بينهما لأن لا نقرهم على أمر يخالف عقيدتنا وقد أظهروه بالترافع إلينا أما إذا لم يترافعوا إلينا فإننا لا نعترض على أنكحتهم لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعلمون أن المجوس ينكحون المحارم ولم يعترضوا عليهم في أنكحتهم.
? فصل في نكاح زوجات الكافر بعد إسلامه وهن زائدات على العدد الشرعي ?
أسلم وتحته أكثر من أربع وأسلمن معه أو أسلمن بعد إسلامه في العدة أو كن كتابيات لزمه اختيار أربع منهن ويندفع نكاح مَنْ زاد منهم على الأربع المختارة والأصل في ذلك حديث غيلان بن سلمة (أنه أسلم وتحته عشر نسوة فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: (أمسك أربعاً وفارق سائرهن))، أخرجه عن ابن عمر الشافعي في المسند ومالك في الموطأ وصححه ابن حبان والحاكم. قال السبكي: أفهم قوله أمسك أربعاً للإباحة وقوله وفارق سائرهن للوجوب.
وإن أسلم معه قبل دخول أو في العدة أو بعد دخول أربعٌ فقط تعَيَنَّ واندفع نكاح مَنْ بقي منهن فلو أسلم وتحته أمٌّ وبنتها كتابيتان أو غير كتابيتين وأسلمتا فإن دخل بهما حرمتا أبداً بناءً على اعتبار صحة أنكحتهما ولأن وطء كل واحدة بشبهة يحرم الأخرى فبنكاح أولى ولأن العقد في الشرك لا يحكم بصحته إلا بانضمام الاختيار إليه في حال الإسلام أولى بواحدة أي وإن لم يدخل بواحدة منهما فقد تعينت البنت لأن العقد على البنت يحرم الأم ولا ينعكس وفي قول يتخير وهو قول من قال بفساد أنكحتهم أو بالبنت تعبنت وحرمت الأم أبداً أو بالأم حرمتا أبداً لأن الدخول بالأم يحرم بنتها مطلقاً والعقد على البنت يحرم أمها وفي قول تبقى الأمُّ باعتبار فساد أنكحتهم. أو تحته أمة أسلمت معه أي أسلم وتحته أمة دخل بها أم لم يدخل أو في العدة أُقِرَّ النكاح إن حلت له الأمة بأن يكون غير حرٍّ أو كان حرّاً معسراً يخشى الوقوع في الزنا لأنه يجوز له ابتداء نكاحها حينئذ وإن تخلفت قبل دخول تنجزت الفرقة إن لم يجمعهما إسلام في عدة كالحرة أو إماء وأسلمن معه أو في العدة اختار أمة وإن حلت له عند اجتماع إسلامه وإسلامهن وإلا إندفعن جميعاً إن لم يكن له أن ينكح أمةً لأنه يجوز ابتداء نكاحها أو أسلم وتحته حرة وإماءً أسلمن معه أو في العدة تعينت الحرة واندفعن لأنه لا يجوز له ابتداء نكاح واحدة منهن وإن كان تحته حرة تصلح للاستمتاع وإن أصرت الحرة على الكفر فانقضت عدتها اختار أمة إن كان ممن يحلُّ له نكاح الأمة ولو أسلمت وعَتَقْنَ أي أسلمت
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/469)
الحرة وعتقت الأماءُ ثم أسلمن في العدة فكحرائر فيختار أربعاً لأن حكمهن حكم الحرائر الأصليات والاختيار أي ألفاظه الدالة عليه (اخترتك أو أقررت نكاحك أو أمسكتك أو ثبتك) وكل ذلك صريح بالاختيار والطلاق اختيار لأن الطلاق إنما يخاطب به المنكوحة وسواءً في ذلك صريح الطلاق أو كنايته منجزاً أو معلقاً فكل ذلك اختيار لا الظهار والإيلاء لأن الظهار تحريم والإيلاء حلف على الامتناع عن الوطء وهما بالأجنبية أليق من المنكوحة ولا يصح تعليق اختيار ولا فسخ كقوله إن دخلتُ الدار فقد اخترت نكاحك أو فسختُ نكاحكِ لأن الاختيار إما ابتداء نكاح أو استدامة نكاح والابتداء والاستدامة لا يقبلان التعليق ولو حصر الاختيار في خمسٍ أو ستٍ أو عشرٍ جاز لأنه خفف الإبهام ولكن اندفع مَنْ زاد عن هذا العدد وعليه التعيين لأربع منهن إن كان حراً ولاثنتين إن كان غير حرٍّ.
فإن ترك الاختيار حُبِسَ لأنه امتنع من واجب لا يقوم غيره مقامه فيه وقيل يُمْهّلُ ثلاثاً لأنها مدة التروي شرعاً أما النفقة فلا يُمْهّلُ بها لتضررهن فإن حُبِسَ ولم ينجح فيه الحبس ورأى الحاكم أن يضم إلى الحبس التعزير بالضرب وغيره جاز ذلك فإن مات قبله أي قبل الاختيار اعتدت حاملٌ به أي بوضع الحمل وذات أشهر وغيرُ مدخول بها أربعة أشهر وعشرٍ لأن كل واحدة منهن يحتمل أن تكون زوجة فعليها عدة الوفاة وذات الأقراء بالأكثرِ في الأقراء وأربعةِ أشهرٍ وعشرٍ لأن كل واحدٍ منهن يحتمل أن تكون زوجة فعليها عدة الوفاة أو مُفَارقة فعليها أن تعتد بالأقراء فوجب الاحتياط لتحل للأزواج بيقين ويوقف نصيب زوجات حتى يصطلحن فلا يقول الوارث مقامَهُ في الاختيار لأن اختيارُ شهوة والوارث لا ينوب منابه في الشهوة فيوقف نصيبهن من ربع أو ثمن فإن اصطلحن فيه على التساوي فإن كنَّ ست نسوة فأخذت كلُّ واحدة منهن سدس الموقوف أو تفاضلن فيه برضائهن صحَّ ذلك.
? فصل في مؤنة المسلمة أو المرتدة ?
أسلما معاً استمرت النفقة لاستمرار النكاح ولو أسلم وأصرت حتى انقضت العدة فلا نفقة لها لنشوزها واساءتها بتخلفها عن الإسلام وإن أسلمت فيها أي في العدة لم تستحق لمدة التخلف في الجديد وقيل تستحق لأنها زوجة ولم تحدث شيئاً ولو أسلمت أولاً فأسلم في العدة أو أصرَّ على انقضاء العدة فلها نفقة العدة على الصحيح لإحسانها بالإسلام واساءته بالتخلف عنه وإن ارتدّت فلا نفقة لها في مدة العدة لأن لها حكم الناشزة لرتدها أو أولى من الناشزة. وإن أسلمت في العدة عادت لها النفقة وكلن من وقت الإسلام في العدة فقط. وإن ارتدّ فلها نفقة العدة لأن المانع من جهته.
? باب الخيار والاعفاف ونكاح العبد ?
وجد أحد الزوجين بالآخر جنوناً مطبقاً أو متقطعاً أو جذاماً وهو علة يحمر منها العضو ثم يسود ثم يتقطع ويتناثر أو برصاً وهو بياض شديد يبقع الجلد ويذهب حيويته أو وجدها رتقاء أي محل جماعها منسدٌ بلحم ومثله صِيْقُ المنفذ بحيث أن الجماع يؤدي إلى إفضائها أو قرناء أي أن المنفد منسدٌ بعظم أو وجدته عنيناً لا ينتشر ذكره عند قبلها أو مجبوباً أي مقطوع الذكر ثبت لمن وجد ذلك الخيار في فسخ النكاح لفوات الاستمتاع روي ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه وابن عباس وبه قال جابر والشافعي وإسحاق ولا يجوز الفسخ إلا بحكم حاكم لأنه أمر مجتهد فيه وهو كفسخ الاعسار بالنفقة فقد روى البيهقي من حديث ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج بامرأة فلما دخلت عليه وجد بكشحها وَضَحاً – أي بياضاً – فردها إلى أهلها وقال دلستم عليّ). وروى سعيد بن منصور في سننه ومالك في الموطأ والشافعي في الأم عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (أيما رجلٌ تزوج امرأة وبها جنون أو جذام أو برص فمسّها فلها صداقها وذلك لزواجها غُرْمٌ على وليها)، لأنه غرَّ الزواج في النكاح بما فيه الخيار فكان المهر عليه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/470)
وقيل إن قيل وَجَدَ به مِثلَ عيبه فلا أي من الجذام أو البرص فلا خيار لتساويهما ولكن هذا مردود لأن الإنسان يعاف من غيره ما لا يعافه من نفسه عادة أما المجنونان فيتعذر الخيار لهما لانتفاء الاختيار ولو وجده خنثى واصحاً بالذكورة أو الأنوثة فلا خيار في الأظهر لأن ما به من زيادة ثقبة في الرجل أو سِلْعَة في المرأة لا تفوت مقصود النكاح وقيل يثبت ذلك الخيار لنفور الطبع عن ذلك عادة أما الخنثى المشكل فنكاحه باطل والخنثى المشكل هو الذي لا تتميز له ذكورة ولا أنوثة ولو حدث به بعد الدخول عيب تخيرت بين فسخ النكاح وإدامته لتضررها إلا عُنّة حدثت بالزوج بعد دخول لأنها عرفت قدرته على الوطء ووصلت إلى حقها منه من تقرير المهر والحصانة ولم يبقَ إلا التلذذ وهو شهوة لا يجبر الزوج عليها مع احتمال عنته بخلاف الجبِّ والعنين هو العاجز عن الوطء وربما اشتهاه ولا يمكنه. أو بها تخير في الجديد أي حدث بها عيب وفي القديم ليس له ذلك لأنه قادر على فراقها بالطلاق وَرُدَّ هذا بأن الطلاق يحرمه من شطر المهر بعد الدخول ولا خيار لولي بحادث أي بعيب حادث في الزواج بعد عقد النكاح لأن حقه في الكفاءة في الابتداء وقد استوفاه ولهذا لو كانت تحت عبد قنٍ وعتقت واختارت استمرار النكاح فليس للولي منعها. وكذا بمُقَارن جب وعنة لأن الضرر على المرأة ولا ضرر على الولي. ويتخير بمُقَارن جنون وكذا جذام وبرصٍ في والأصح يعيّر به وإن رضيت بذلك وقيل لا لأن الضرر عائد عليها والفسخ قبل الدخول يسقط المهر لارتفاع النكاح الخالي عن الوطء وبعده أي الفسخ بعد الدخول الأصح أنه يجب مَهْرُ مثل إن فُسِخَ النكاح بمُقَارِنٍ للعقد أو بحادث بين العقد والوطء جهله الواطيء لأنه حين بذل المسمَى كان ذلك ليستمتع بسليمة فلم توجد فكان كأنه لا تسمية والمسمّى إن حدث بعد وطء أي إذا فسخ بعد وطء فقد استمتع بسليمة فاستقر لها المسمى والوطء في النكاح لا يخلو عن مقابل ولو انفسخ النكاح بردة بعد وطء ولم يجمعهما الإسلام في العدة فالمسمّى لأنه تقرر بالوطء ولا يرجع الزوج بعد الفسخ بالمهر على مَنْ غره في الجديد بعد الدخول والفسخ من قبل وقيل يرجع للتغرير ويشترط في العُنة رفع إلى حاكم إن وجدته أو إلى محكَّم وكذا سائر العيوب أي باقي العيوب فيشترط فيها الرفع إلى الحاكم في الأصح ليكون الفسخ بحضرته بعد ثبوت العيب وتثبت العُنّة بإقراره أو بنية على إقراره بالعنة وكذا ثبتت العنة بيمينها بعد نكوله عن اليمين المسبق بإنكاره في الأصح لا مكان إطلاعها عنته وإذا ثبتت العنة ضرب القاضي له سنة لما روى الدارقطني عن عمر (أنه أجل العنين سنة) قال البيهقي وتابعه العلماء عليه تعذّر الجماع قد يكون لعارض حرارة فتزول في الشتاء أو برودة فتزول في الصيف أو يبوسة فتزول في الربيع أو رطوبة فتزول في الخريف فإذا مضت السنة ولا إصابة علمنا أنه عجز خَلْقِي وابتداء السنة من وقت ضرب القاضي ويضرب القاضي الأجل بطلبها فإن جهلت فلا بأس بتعليمها فإن تمت السنة ولم يطأها رفعته إليه أي إلى القاضي فإن قال وطئت ولم تصدقه حُلِّفَ أنه وطيء فإن نكل حُلِّفَت فإن حَلَفَتْ أنه ما وطئ في السنة المضروبة له أو أقَرَّ بعدم الوطء استقلت هي بالفسخ كما يستقل بالفسخ مَنْ وجد بالبيع عيباً ولكن بعد أن يقول القاضي ثبتت عنته. وقيل يحتاج الفسخ إلى إذن القاضي أو فسخه لأن إثبات العُنّة محل نظر واجتهاد ولو اعتزلته أو مرضت أو حبست في المدة لم تحسب هذه السنة لأنها هي سبب عدم الوطء وهنا يمهل سنة ولو رضيت بعدها بطل حقها من الفسخ لرضاها بالعيب مع كونه خصلة واحدة. وكذا لو أجلَتْهُ بعد السنة شهراً أو سنة فإنه يبطل حقها من الفسخ على الصحيح لأن الفسخ والتأجيل مفوِّت للفور ولو نكح وشُرِطَ فيها إسلام أو في أحدهما نسب أو حرية أو غيرهما مثل كونها بكراً أو كتابية أو شابة أو طول أو بياض فأخُلِفَ المشروط فالأظهر صحة النكاح لأن المعقود عليه معين لا يتبدل بِخُلْفِ الصفة المشروطة قياساًَ على البيع وقيل يبطل لأن النكاح يعتمد الصفات والأسماء فيكون اختلاف الصفة كاختلاف العين أو لو قالت لوليها زوجني من زيد فزوجها من عمر لم يصح النكاح ويفرق بينهما. ثم إن بان الموصوف بالشرط خيراً مما شُرِطَ كشرط كتابية فبانت مسلمة أو ثيباً فكانت بكراً فلا
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/471)
خيار لأنه أفضل من المشروط. وإن بان دونه فلها الخيار وكذا له في الأصح للغرر ولو ظنها مُسْلِمَةً أو حرة فبانت كتابية أو أمة وهي تحل له فلا خيار في الأظهر لتفريط الزوج إذ لم يسأل عن الزوجة فلم يثبت له الخيار وهو كمن اشترى شيئاً ظنه على صفة فبانَ بخلافها فإنه لا خيار له. ولو أذنت في تزويجها بمن ظنته كُفْؤاً فبان فسقه أو دناءة نسبه وحرفته فلا خيار لها لتقصيرها بترك البحث عنه قلت: ولو بان معيباً أو عبداً فلها الخيار والله أعلم لأن الغالب في الناس السلامة من العيوب والحرية ومتى فُسِخَ بخُلف للشروط بناءً على قولنا أن العقد صحيح فحكم المهر أو الرجوع به على الغار ما سبق في العيب أي كالذي ذكر في الفسخ بالعيب فإن كان قبل الدخول فلا مهر ولا متعة أو بعده فمهر المثل أي إذ ام يعلم بالحال إلا بعد الدخول والمؤثر بالفسخ بخُلْفِ الشرط تغرير قارن العقد بألأن وقع الشرط في صلب العقد كقوله زوجتك هذه المسلمة أو هذه البكر أو يصفها بذلك مرعباً في نكاحها ثم يزوجها منه على الاتصال ولو غُرَّ بحرية أمة وصححنا النكاح فالولد الحادث قبل العلم بأنها أمة حرٌّ للشبهة سواءً كان الزوج حراً أو عبداً وعلى الغرور قيمته أي قيمة الولد لسيدها ويرجع المغرور بها أي القيمة على الغار لأنه لم يحصل له في مقابلة حريته منفعة وتعتبر قيمته يوم وضعه والتغرير بالحرية لا يتصور فيه سيدها بل في وكيله أو منها لأن السيد إذ قال له زوجتك هذه الحرة أو هي حرة عتقت على الفور فإن كان التغرير منها فقط تعلق الغرم بذمتها فتطالب به إذا اعتقت ولو انفصل الولد ميتاً بلا جناية فلا شيء فيه لأنه لم يمنع السد شيئاً أما إذا ضربَ ضاربٌ بطنها فأسقطته ميتاً وجب على الضارب غُرّةَ عبد أو أمة مقدرة بنصف عشر دية أبيه ومَنْ عتقت تحت رقيق أو مَنْ فيه رقٌّ تخيرت في فسخ النكاح قبل الدخول وبعده لأنها تتعير بمن فيه رقٌّ لخبر مسلم عن عائشة (أن بريرة أُعْتقت وكان زوجها عبداً فخيَّرها النبي صلى الله عليه وسلم فاختارت نفسها) ولو كان حراً لم يخيرها لأن ما حدث لها من الكمال متصف بها الزوج ولو عتقا معاً فلا خيار والأظهر أنه أي الخيار على الفور كخيار العيب في البيع وقيل يمتد التروي ثلاثة أيام مبدؤها من حين علمت بالعتق وثبوت الخيار فإن قالت بعد تأخيرها الفسخ جهلت العتقَ صدقت بيمنها إن أمكن الجهل بذلك بأن كان المعتق غائباً عنها حين أعتق وكذا إن قالت جهلت الخيار به في الأظهر لأن ثبوت الخيار به خفي لا يعرفه إلا الخواص فقد أورد مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن عروة (أن مولاة لبني عدي يقال لها زبراء أخبرته أنها كانت تحت عبد وهي أمة نوبية فعتقت قالت: فأرسلتْ إليَّ حفصةُ زوج النبي صلى الله عليه وسلم فدعتني فقالت: إني مخبرتك خبراً ولا أحبُّ أن تصنعي شيئاً إنّ أَمْرَكِ بيدكِ ما لم يمسَّكِ زوجك. قالت: ففارقته). فإن فَسَخَتْ قبل وطء فلا مهر ولا متعة لأن الفسخ من جهتها وإن فسخت بعده أي بعد الوطء بعتق بعده أي بسبب العتق وجب المسمى لاستقراره بالوطء أو فسخت بعد الوطء بعتق كان قبله أي قبل الوطء بأن مكنته من نفسها لجهلها بالعتق فمهر مثل لا المسمى لتقدم سبب الفسخ على الوطء وهو العتق وقيل المسمى لتقرره بالوطء قبل العلم ولو عَتَقَ بعضها أو كوتِبتْ أو عتق عبدٌ تحته أمةٌ فلا خيار للزوجة ولا للزوج لأن معتمد الخيار خبر بريرة وليس شيئ من الصور المذكورة في معنى صورته ولبقاء نقصانها في الصورتين الأوليين ولأنه لا يعير باستفراش الناقصة ويمكنه التخلص منها بالطلاق.
? فصل في الإعفاف ?
يلزمُ الولدَ إعفافُ الأب والأجداد من جهة الأب والأمِّ على المشهور لأن ذلك من وجوه حاجتهم كالنفقة والكسوة بأن يعطيه مهر حرة أو يقول أنكح وأعطيكِ المهر أو يُنْكِحَ له بإذنه أي إذن الأب ويُمهر أي بدفع مهرها أو يملكَهُ أمةً لم يطأها أو ثمنها أي يملكه ثمن أمة لأن الإعفاف يحصل بكل من هذه الطرق ثم عليه مؤنَتُهما أي مؤنة الأب والمرأة التي أعفه بها وليس للأب تعيين النكاح دون التسري ولا طلب رفيعةٍ بجمال أو شرف أو عنى لأن المطلوب دفع حاجته إلى النكاح ولو اتفقا على مهر أي اتفق الأب والولد على مالٍ معين برضاهما فتعينها أي الزوجة للأب لأنه أعرف بحاجته ويجب التجديد إذا ماتت زوجة كانت أو أمة أو انفسخ
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/472)
النكاح بردة منها أو فسخه أو فسخته بعيب وكذا إن طلّق بعذر كشقاق أو نشور في الأصح كالموت أما إذا طلق أو فسخ بغير عذر فلا يجب التجديد وإنما يجب إعفاف فاقد مهر محتاج إلى نكاح ولا مهر لديه ولا يقدر على التسري ولو كان كسوباً يقدر على المؤنة. ويصدّق إذا ظهرت الحاجة إلى نكاح بلا يمين لأن تحليفه مهانة وإذلال ويحرم عليه وطء أمةِ ولده لأنها ليست بزوجته ولا مملوكته وقد قال تعالى: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) المؤمنون6. والمذهب وجوب مهر لا حدٍّ للولد على الأب أو الجد بهذا الوطء ولا حدَّ عليه لأن له شبهة بمال ولده لإعفافه فقد روى ابن حبان من حديث عطاء عن ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجلٍ: (أنت ومالك لأبيك)).
فإن أحبل الوالد بوطئه فالولد حرٌّ نسيب للشبهة فإن كانت الأمة مستولدة للابن لم تصر مستولدة للأب لأن أمّ الولد لا تقبل النقل من ملك إلى ملك روى البيهقي عن عمر أنه قال: (نهى عمر أن تباع أمُّ الولد أو توهب أو تورَّث يستمتع بها ما كان حياً فإذا مات فهي حرّةٌ). واتفقت الصحابة على أنه لا يجوز بيع أمهات الأولاد في عهد عمر. وإلا أي لم تكن مستولدة للابن فالأظهر أنها تصير مستولدة للأب لشبهة الإعفاف وأن عليه قيمتها أي الأب قيمتها لولده مع مهرٍ لأنهما وجبا بسببين مختلفين فالمهر للإيلاج والقيمة للاستيلاء لا قيمة ولد في الأصح لانتقال الملك فيها قبل العلوق ويحرم نكاحُهُا أي على الأب الزواج بأمة ولده لقوة شبهته في مال ولده باستحقاقه النفقة والإعفاف من ماله فصار كالشريك. فلو ملك زوجة والده الذي لا تحل له الأمة أي إذا ملك الولد زوجة أبيه الموسر بنفسه أو بمال ولده لم ينفسخ النكاح في الأصح لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء كما أن مال الأب ليس هو مال الولد وليس له نكاح أمة مكاتبه لوجود شبهة الملك في مال المكاتب ورغبته فقد يعجّز نفسه فيعود رقيقاً فإن ملك مُكاتبٌ زوجةَ سيده انفسخ النكاح في الأصح كما لو ملكها السيد لماله لشبهة الملك بتعجيز المكاتب نفسه.
? فصل في نكاح الرقيق من عبد أو أمة ?
السيد بإذنه في نكاح عبده لا يضمن مهراً ولا نفقة في الجديد أي إن أذن السيد لعبده في النكاح فقد تعلق المهر والنفقة في كسب العبد لأنه لا يخلو: إما أن يتعلق ذلك بذمة السيد أو برقبة العبد أو بذمته إلى أن يعتق فبطل أن يقال: يتعلق بذمة السيد لأنه لم يضمن ذلك وإنما أذن في النكاح وذلك ليس بضمان وبطل أن يقال يتعلق برقبته لأنه حق وجب برضا من له الحق وإنما يتعلق برقبته ما وجب عليه بغير رضا مَنْ له الحق ولا بمكن أن يتعلق بذمته إذا عتق لأنه يجب في مقابلة ما يستحقه من الاستمتاع حالاً فإذا بطلت هذه الأقسام لم يبقَ إلا تعلقه بكسبه وهذا قول المصنف وهما في كسبه بعد النكاح المعتاد في أي طريق من طرق الكسب كالاصطياد والاحتطاب وما يحصل بالحرفة والصنعة والنادر هو ما يحصل بالهبة والوصية واللقطة أما إكسابه قبل النكاح فهي لسيده.
فإن كان العبد مأذوناً له في تجارة ففيما يده من ربح لأنه كسبه سواء حصل قبل النكاح أو بعده وكذا رأس مال في الأصح قال الشافعي: وإن كان العبد مأذوناً له في التجارة فإنه يعطي مما في يده. ففسره بعضهم بمال التجارة وفسرة آخرون بما يكسبه من مال التجارة وإن لم يكن مكتسباً ولا مأذوناً له ففي ذمته لأنه حق وجب عليه برضا مَنْ له الحق فتعلق بذمته كالقرض. وفي قول على السيد لأنه لما أذن في النكاح مع علمه بوجوب المهر والنفقة وعلمه بماله كان ذلك رضاً منه بضمانهماوله أي السيد المسافرة به المأذون له بالنكاح. وَيَفُوتُ الاستمتاع عليه بالزوجة لأن السيد مالك لرقبته فيقدم حقه وإذا لم يسافر به لزمه تخليته ليلاً للاستمتاع لأن الليل محل الاستمتاع ويستخدمه نهاراً إن تكفل المهر والنفقة وإلا فَيُخْليهِ نهاراً لكسبهما لأنه أحال حقوق النكاح على كسبه وإن استخدمه بلا تكفل لزمه أي السيد الأقلُّ من أجرة مثل وكل المهر والنفقة لمدة الاستخدام لأنه أتلف منفعته باستخدامه وقيل يلزمه المهرُ والنفقة وإن كانا أكثر من أجرة مثله لأنه لو تركه للكسب فقد يكسب ما يفي بهما ولو نكح فاسداً أي من غير إذن سيده أو على غير الصفة المأذون بها ووطِيء في هذا النكاح فمهر مثل يجب في ذمته لأن صاحب المهر رضي بذلك وفي
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/473)
قول قديم في رقبته لأنه كجنايته فيباع فيه إلا أن يختار السيد أن يفديه وإذا زوّج السيد أمته استخدمها نهاراً وسلمها للزوج ليلاً لأن السيد يملك منفعتي الاستخدام والوطء فنقل الوطء إلى غيره فله أن يستوفي الأخرى في وقتها وهو النهار ولا نفقة على الزوج حينئذ إذا استخدمها السيد في الأصح لأنه لم يسلمها له وقت الخدمة ولو أخلى السيد في داره بيتاً وقال للزوج تخلو بها فيه لم يلزمه في الأصح لأن الحياء والمروءة يمنعان من ذلك وللسيد السفر بها لأنه مالك رقبتها فهو مقدم على مَنْ يملك الاستمتاع بها وللزوج صحبتها في السفر فيستمتع بها ليلاً وليس للسيد منعه من السفر والمذهب أن السيد لو قتلها أو قتلت نفسها قبل دخول سقط مهرها لفوات سببه وهو الاستمتاع بالزوجة وأن الحرة لو قتلت نفسها أو قتل الأمة أجنبيٌ أو ماتت فلا يسقط المهر قبل الدخول لأن الحرة كالمُسَلّمةِ إلى الزوج بالعقد إذ له منعها من السفر كما جاز له السفر بها متى شاء وأما إذا قتل الأمة أجنبيٌ أو ماتت فليست هي المتسببة فلا يسقط المهر كما لو هلكتا بعد دخول فإن المهر لا يسقط قطعاً استقراره بالدخول ولو باع مزوجةً قبل الدخول أو بعده فالمهر للبائع لأن العقد وقع في ملكه فإن طلقت قبل دخول فنصفه أي المهر ولو زوج أمته بعبده لم يجب مهر لأن السيد لا يثبت له على عبده دين فهو يملك العبد وماله.
? كتاب الصداق ?
هو بفتح الصاد ويجوز كسرها وهو ما تستحقه المرأة بدلاً من النكاح ولو سبعة أسماء الصداق والنْحِلة والأجرُ والفريضةُ وسماه النبي صلى الله عليه وسلم المهر والعليقة وسماه عمر رضي الله عنه العُقر والأصلفيه قوله تعالى: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) النساء24. وقوله تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) النساء4. وقوله تعالى: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم لهن) البقرة237.
وأخرج الشافعي في الأم عن عائشة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن مسّها فلها المهر بما استحل من فرجها)). وأخرج الدارقطني عن ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أدوا العلائق. قيل: وما العلائق؟ قال: (ما تراضى عليه الأهلون)).
يُسُّنُ تسميته في العقد لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُخْلِ نكاحاً منه ويجوز إخلاؤه منه إجماعاً ولكنه يُكره لأنه خلاف فعل النبي صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تسموهُنَّ أو تفرضوا لهنَّ فريضة ومتعوهن) البقرة236. فأثبت الطلاق من غير فرض والطلاق لا يقع إلا في نكاح صحيح. وما صح مبيعاً صح صداقاً قلَّ أو كثر إلا إذا انتهى في القلة بحيث لا يذكر فقد فسدت التسمية وَرُجِعَ لمهر المثل.
وإن أصدقها عيناً فتلفت في يده ضمنها ضمان عقد كالمبيع في يد البائع ومعنى ضمان عقد أن يُضْمَنَ بمقابله إن كان له مقابل لأنها مملوكة بعقد معاوضةٍ وفي قول ضمان يد كالمعار والمستام ومعنى ضمان يد أنه يضمن بمثله إن كان مثلياً وبقيمته إن كان متقوماً ولا ينفسخ النكاح بالتلف أما إذا لم يمكن تقويم عين الصداق فهو مضمون ضمان عقد وهو هنا مهر المثل. فعلى الأول ليس له بيعه قبل قبضهِ لأنه قد يمتنع القبض كالمبيع لا يمكن بيعه قبل قبضه ولو تلف بيده وجب مهر مثل في جميع الأحوال وإن أتلَفتْهُ الزوجة فقابضة لحقها في جميع الأحوال لأنها أنلفت حقها وإن أتلفه أجنبي تخيرت على المذهب بين فسخ الصداق مع الزوج وإبقائه على حاله فإن فسخت الصداق أخذت من الزوجِ مهرَ مثلٍ على القول بضمان العقد ومثل الصداق أو قيمته على القول بضمان اليد ويأخذ الزوج الغرم من المُتْلِف وإلا أي وإن لم تفسخ الصداق غُرّمتِ المُتْلِفَ المثل أو القيمة وإن أتلفهُ الزوج فكتلفه بآفة سماوية وقيل كأجنبي أي كإتلاف الأجنبي ولو أصدقَ عبدين فتلفَ عبد قبل قبضه انفسخ عقد الصداق فيه أي في العبد التالف لا في الباقي على المذهب تفريقاً في الصفقة لدوام العقد ولها الخيار فيه لتلف بعض المعقود عليه فإنْ فسخت فمهر مثل وإلا فحصة التالف منه وعلى هذا القول أنه يضمن الصداق ضمان عقد ولو تعيب قبل قبضه أي الصداق تخيرت على المذهب فإن فسخت عقد الصداق فمهر مثل يلزمه الزوج لها وإلا أي وإن لم تفسخ فلا شيء لها غير المعيب كما لو رضي المشتري بالمبيع معيباً. والمنافع الفائتة في
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/474)
يد الزوج لا يضمنها لأن النقص حدث وهو في ضمانه وإن طلبت التسليم فامتنع ضمن ضمان العقد كما يضمن البائع المبيع وكذا التي استوفاها بركوب ونحوه على المذهب بناءً على ضمان العقد لأن يده تعتبر كالآفة السماوية ولها حبس نفسها لتقبض المهر المعين والحالَّ سواء أكان بعض الصداق أم كله إجماعاً دفعاً للضرر ولا المؤجل لأنها رضيت بالتأجيل فلو حلَّ قبل التسليم فلا حبس في الأصح لأنها مكلفة بتسليم نفسها قبل الأجل فلا يرتفع بحلول الحق ولو قال كلٌّ من الزوجين لا أسلم حتى تسلم ففي قول يجبر هو على تسليم الصداق أولاً للعرف ولأن استرداد الصداق ممكن بخلاف استرداد البضع فمسحيل. وفي قول لا إجبار ومَنْ أُجبر صاحبُهُ لاستوائهما في ثبوت الحق والأظهر يجبران فيؤمر بوضعه أي المهر عند عدل وتؤمر الزوجة بالتمكين فإن سلمت نفسها للزوج أعطاها العدل المهرَ ولو بادرت فمكنت الزوج من نفسها طالبته بالصداق فإن لم يطأ امتنعت أي جاز لها الامتناع من تمكينه حتى يسلم المهر لأن قبض المهر بالوطء لا بتسليم النفس وإن وطيء فلا أي فليس لها أن تمتنعَ لأنها رضيت بذلك مختارة ولو بادر فسلم فلتمكن أي يلزمها التمكين من نفسها إن طلب ذلك فإن امتنعت بلا عذر استردَّ المهر منها إن قلنا أنه يجبر على تسليم المهر أولاً. ولو استمهلت لتنظف ونحوه كإزالة وسخ وإزالة شعر عانة أو إبط وتزيين وتطيب أمهلت ما يراه قاضٍ ولا يجاوز ثلاثة أيام أي المدة التي تمهلها الزوجة لا لينقطع حيض لأنه قد يقول ولأن له الاستمتاع بها وهي حائض من غير وطء ولا تُسَلَّمُ صغيرةٌ ولا مريضةُ حتى يزول مانع وطء لتضررها حتى ولو قال الزوج لا أقربها حتى يزول المانع لأنه قد يخلف الوعد ويستقر المهر للزوجة بوطء وإن حَرُمَ كحائض لاستيفاء مقابله وبموت أحدهما تستحق المهر سواء في ذلك قبل الوطء أو بعده في النكاح الصحيح لإجماع الصحابة على ذلك لأنه لإجماع الصحابة على ذلك ولأنه لا يبطل النكاح بدليل التوارث بينهما.
? فصل في الصداق الفاسدة ?
نكحها بخمر أو خرٍّ أو مغصوب كسيارة أو دار وكل ما ليس مالاً لا يصح أن يكون صداقاً مثل الميتة والحشرات وجب مهر مثل لفساد الصداق لانتفاء كونه مالاً أو لأن الزوج لا يملكه كالمغصوب وفي قولٍ قيمته أي قيمة الصداق بأن يقدر الحرُّ عبداً والمغصوب ملكاً ثم يعتبر الصداق بالمثل أو القيمة أو بمملوك ومغصوب بطل فيه وصح في المملوك في الأظهر فهو جائز بالمملوك ممنوع بالمغصوب على قول تفريق الصفقة وقيل لا يصح على القول الآخر في تفريق الصفقة. وتتخير بين فسخ الصداق واعتبار مهر المثل وبين إبقائه فإن فسخت فمهر مثل وفي قول قيمَتُهما فلو كانت قيمة المملوك تساوي قيمة المغصوب فلها المملوك ونصف مهر المثل وفي قول تقنع به أي تقنع بالمملوك ولا شيء لها عن المغصوب لأنها أجازت النكاح وبناءً على أن المشتري يقنع بجزء المبيع إذا خرج بعضه مُسْتَحقاً للغير. ولو قال زوجتك بنتي وبعتك ثوبها بهذا العبد صح النكاح وكذا المهر والبيع في الأظهر بناءً على أن الصفقة تحوي عقوداً مختلفة الحكم ويوزع العبد على الثوب ومهر المثل أي توزع قيمة العبد على قيمة الثوب ومهر مثل فإن كانت قيمة الثوب خمسمائة ومهر المثل ألفاً فإن ثلثَ العبد عن الثوب وثلثاه عن المهر.
ولو نكح بألف على أن لأبيها ألفاً أو أن يعطيه ألفاً فالمذهب فساد الصداق لأنه جعل بعض ما التزمه في مقابلة بُضع الزوجة لغيرها. ووجوب مهر المثل لفساد المسمّى ولو شرط خياراً في النكاح بطل النكاحُ لأن شرط النكاح اللزوم والدوامن والخيار ينافي ذلك أو في المهر فالأظهر صحة النكاح لأن فساد الصداق لا يؤثر في النكاح فقد روى أحمد والدارقطني عن عمران بن حُصين (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) فلم يذكر الصداق أنه من موانع النكاح لا المهر فلا يصح في الأظهر بل يفسد ويجب مهر المثل وقيل يصح المهر أيضاً لأن المقصود منه المال كالبيع فيثبت لها الخيار. وسائر الشروط إن وافق مقتضى النكاح مثل أن ينفق عليها وأن تأكل مما يأكل وأن يستمتع بها أو لم يتعلق به غرضٌ لغا أي لم يؤثر في صحة العقد وإن خالف الشرط مقتضى العقد ولم يخلَّ بمقصود الأصلي وهو الوطء كشرط ألا يتزوج عليها أو لا نفقة لها صح النكاح وفسد الشرط لعدم الإخلاف بالمقصود الأصلي وهو الوطء وقد قال صلى الله
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/475)
عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل). والمهر لأنها لم ترضَ بالمسمّى إلا بشرط ألا يتزوج عليها ولم يرضَ بالمسمّى إلا بشرط ألا نفقة لها وإن أخلَّ الشرط بمفهوم النكاح الأصلي كأن لا يطأ أو لا يطلق بطل النكاح كما يقع في نكاح المحلل شرط الطلاق بعد الوطء فإن هذه الشروط تنافي مقتضى العقد وقال صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل) وهذا ليس في كتاب الله فكان باطلاً.
ولو نكح نسوة بمهر واحد كأن إياهن جدهن أو وكيل أليائهن فالأظهر فساد المهر ولكل مهر مثلٍ للجهل بما يخص كل واحدة ولو نكح لطفل بفوق مهر مثلٍ من مال الطفل ومثله المجنون أو أنكح بنتاً لا رشيدةً أو رشيدة بكراً بلا إذن بدونه أي دون مهر المثل فسد المسمّى لأنَّ الولي مأمور بالأحظ والمصلحة وليس كذلك هنا والأظهر صحة النكاح بمهر مثلٍ كما في سائر الأسباب المفسدة للصداق ولو توافقوا على مهرٍ كان سراً وأعلنوا زيادةً فالمذهب وجوب ما عقد بهِ قال الشافعي في موضع المهر مهر السر وقال في موضع آخر المهر مهر العلانية قالوا: أراد إذن عقدوا النكاح أولاً سراً ثم ثانياً في العلانية أو عقدوا النكاح أولاً في العلانية ثم عقدوه في السر والمذهب أنَّ الوجوب هو ما توافقوا عليه سراً فلو اتفقوا على ألفٍ سراً ثم أعادوا العقد علانية تجملاً بألفين فالواجب ألفٌ ولو قالت لوليها: زوجني بألفٍ فنقص عنه بطل النكاح لأنها لو أطلقت حمل على مهر المثل وقد نقص عنه وفي وقولٍ يصح بمهر مثلٍ لأنه إذا عقد عليها النكاح فقد استهلك بضعها فوجب أن يكون لها بدله وبَدَلُهُ هو مهر المثل فإن ترافعا إلى الحاكم فرض لها مهر مثلها لأن زيادته على ذلك حيفٌ وظلم ونقصانه عن ذلك ظلم لها وجور قلت الأظهر صحة النكاح بمهر المثل في الصورتين والله أعلم كجميع الحالات التي فسد فيها الصداق.
? فصل في التفويض ?
قالت رشيدة لوليها زوجني بلا مَهْرٍ فزوجها ونفى المهر أو سكت فهو تفويضٌ صحيح لاستناده هنا إلى تفويض منها مِنْ أهل الأذْنِ فينعقد النكاح وكذا لو قال سيد أمةٍ زوجتكها بلا مهر أو سكت عنه فهو تفويض صحيح ولا يصح تفويض غير رشيدة لأن التفويض تبرع وهي ليست من أهل التبرع وإذا جرى تفويض صحيح فالأظهر أنه لا يجب شيءٌ بنفس العقد أي لا يجب على الزوج للمفوضة شيءٌ إذ لو وجب لتشطر بالطلاق قبل الدخول كالمسمّى الصحيح وقد دلَّ القرآن على أنه لو نكحت بغير فرضٍ ولا مسيس لم يجب لها إلّا المتعة قال تعالى: (وقد فرضتم لهن فريضةً فنصف ما فرضتم) البقرة237. وهذه لم يفرض لها شيء فإن وطء فمهر مثلٍ يجب لها وإن أذنت له في وطئها بشرط أن لم مهر لأن الوطء لا يباح بالإباحة لما فيه من حقٍ لله تعالى فقد روى أحمد وغيره عن ابن مسعود (أنه سُئِلَ عن رجل تزوج امرأة ولم يسم لها مهراً فمات عنها قبل الدخول فردّ السائلَ شهراً ثم قال: أقول فيها برأيي فإن أصبت فمن الله تعالى وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان فالله ورسوله منه بريئان لها الميراث وعليها العدة ولها مهر مثلها لا وكس ولا شطط أي لا نقصان ولا زيادة، فقال إليه معقل بن سنان الأشجعي وقال: أشهد لقد قضيت مثل ما قضى به رسول الله في بروع بنت واشق، ففرح ابن مسعود بذلك) قال الترمذي حديثٌ حسنٌ صحيحٌ ويعتبر بحال العقد في الأصح أي يعتبر المهر بوقت العقد لأنه هو المقتضى للوجوب ولها قبل الوطء مطالبة الزوج بأن يفرض مهراً وحبس نفسها ليفرض أي حبس نفسها عن الزوج ليفرض لها مهراً لتكون على بينةٍ من أمرها وكذا لتسليم المفروض في الأصح أي وكذلك يجوز لها حبس نفسها حتى تستلم المفروضَ لها وقيل ليس لها ذلك لأنها سامحت بالمهر فكيف تضايق في طلبه ويشترط رضاها بما يفرضه الزوج لتكون على بصيرةٍ من أمرها لا عِلْمُهَا بقدر مهر المثل في الأظهر لأنه ليس بدلاً من مهر المثل ِ بل الواجب أحدهما المسمّى أو مَهْر المثل ويجوز فرض مؤجلٍ في الأصح بالتراضي بينهما وفوق مهر مثلٍ سواءٌ أكان من جنسه أم لا وقيل لا إن كان من جنسه بناءً على أن الواجب ابتداءً مهر المثل ولا يزيد البَدَلُ عليه أما إن كان من غير جنسه كعرضٍ جاز أن تزيد قيمته على مهر المثل لأن القيمة ترتفع وتنخفض ولو امتنع من الفرض أو تنازعا فيه فرض القاضي نقد البلد حَالّاً أي إذا امتنع الزوج من المفروض أو تنازعا في
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/476)
مقدار المفروض فإن القاضي بفض الخصومات فيفرض القدر المفروض للمهر حالَّاً كما في قيمة المتلفات ولها بعد فرض القاضي التأجيلُ في القبض بما تشاءَ قلت وتُفْرَضُ مهر مثلٍ ويشترط عمله به والله أعلم أي يفرض القاضي مهر مثل بلا زيادة ولا نقصان ويشترط علمه بمهر المثل حتى لا يظلم أحداً ولا يصح فرض أجنبيٍ من ماله في الأصح بغير إذن الزوج لأنه خلاف ما يقتضيه العقد إلَّا إذا أذن الزوج للأجنبي فجاز ذلك والفرض الصحيح كمسمّى فيتشرط بطلاقٍ قبل وطءٍ أي ما فرضناه في العقد أو ما فرضه القاضي ويتشطر عند الطلاق لقوله تعالى: (وقد فرضتم لهن فرضية فنصف ما فرضتم) البقرة237. ولو طلَّق قبل فرض ووطء فلا شطر لمفهوم قوله تعالى: (وقد فرضتم لهن فرضية) البقرة237، وهذه لم يفرض لها فلها المتعة وإن مات أحدهما أي أحد الزوجين قبلهما أي قبل الفرض والوطء لم يجب مهر مثل في الأظهر كالفرقة بالطلاق قلت الأظهر وجوبه والله أعلم لما روى أحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم في حديث معقل بن سنان الأشجعي (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق وقد نكحت قبل مهر فمات زوجها بمهر مثلها والميراث) قال الترمذي حسنٌ صحيحٌ.
? فصل في بيان مهر المثل ?
مهر المثل ما يُرغب به في مثلها عادة وركنه الأعظم نسب فيراعى أقرب مَنْ تنسب إلى من تُنْسَبُ هذه إليه من نساء العصبة أي النساء اللواتي يكن عصبة لو كن ذكوراً لوقوع التفاخر به كالأخوات والعمات دون الخالات والجدات وأقربهن أخت لأبوين ثم لأب ثم بنات أخٍ ثم عمات كذلك ثم بنات الأعمام كذلك فإن فقد نساء العصبة أو لم ينكحهن أو جُهِلَ مهرهن فأرحام كالجدات وخالات قال الشافعي رحمه الله: ومتى قلت مهر نسائها فإني أعني نساء عصباتها وليس أمُّها من عصباتها فقد روى البيهقي في السنن عن ابن مسعود (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق أن لها مهر نسائها) ويعتبر سن وعقل ويسار وبكارة وثيوبة وما اختلف به غرض كجمال وعفة وعلم وفصاحة وشرف نسب فإن اختصت هي بفضل أو نقص زيد أو نقص في مهرها لائق بالحال بحسب ما يراه قاضٍ باجتهاده ولو سامحت واحدة لم يجب موافقتها فالاعتبار بالغالب ولو خفضن للعشيرة فقط اعتبر التخفيض في حقهم أي الأقارب دون غيرهم وفي وطء نكاح فاسد مهر مثل يوم الوطء أي وقت الوطء لأنه وقت الإتلاف فإن تكرر الوطء فمهر واحد كما في النكاح الصحيح في أعلى الأحوال لأن الوطأت الزائدة إذ لم تقتضِ زيادة فلا توجب نقصاناً قلتُ: ولو تكرر وطء بشبهة واحدة فمهرٌ واحد فإن تعدد جنسها أي جنس الشبهة كأن وطئها يظنها زوجته أو بنكاح فاسد تعدد المهر لتعدد الوطأت لأن تعدد الشبهة كالأنكحة ولو كرر وطء مغصوبة أو مكرهة زنا تكرر المهر فيجب بكل وطء مهر لانتفاء الشبهة ولو تكرر وطء الأب لجارية ابنه والشريك للأمة المشتركة والسيد مكاتبته فمهر واحدٌ لشمول شبهة الإعفاف والملك لجميع الوطأت وقيل مهور بعدد الوطأت وقيل إن اتحد المجلس فهمر وإلا فمهور والله أعلم لانقطاع كل مجلس عن الآخر والمواضع التي يجب فيها مهر المثل سبعةٌ
1 - مفوضة المهر 2 - مفوضة البُضع إذا دخل بها الزوج قبل الفرض أو مات عنها
3 - إذا فوض الولي بضعها دون إذنها 4 - إذا نكحت المرأة بفساد أو مجهول
5 - إذا نكحها نكاحاً فاسداً ووطئها 6 - إذا وطيء امرأة بشبهة
7 - إذا أكره امرأة على الزنا
? فصل في تشطير المهر وسقوطه ?
الفرقة قبل الوطء منها أي إذا فسخت هي أو بسببها كأن أسلمت أو أرتدت أو وجدت به عيباً ففسخت سقط جميع المهر (كفسخه بعيبه تسقط المهر) ولو كان العيب الحادث بها بعد العقد أو مقارناً له ومالاً أي لا تكون هي السبب في السفخ كطلاق وإسلامه وردته ولعانه وإرضاع أمِّه لها وهي صغيرة أو أمُّها له وهو صغير يشطِّره أي بنصف المهر ففي الطلاق فلقوله تعالى: (فإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) البقرة237. وأما في الباقي فبالقياس ثم قيل: معنى التشطير أن له خيار الرجوع في النصف إن شاء رجع فيه وإن شاء تركه لأنه لا يدخل في الملك بغير اختيار والصحيح عودُهُ أي نصف المهر بنفس الطلاق لظاهر الآية (فنصف ما فرضتم) فلو زاد بعده فله نصف الزيادة لأن الزيادة حدثت في ملكه وإن طلق والمهر تالفٌ فنصف بدله من مثل أو قيمة من مثلي أو متقوم وإن تعيب
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/477)
في يدها فإن قَنِعَ به أخذه بلا أرش وإلا بأن لم يقنع بالمعيب فنصف قيمته سليماً في المتقوم ونصف مثله سليماً في المثلي دفعاً للضرر عنه وإن تعيب قبل قبضها ورضيت به فله نصفه بلا خيار لأن قبل القبض في ضمانه فإن عاب بجناية وأخذت أرشها أي أرش الجناية فالأصح أن له نصف الأرش مع نصف العين لأنه بدل النقص ولها زيادة منفصلة كالولد واللبن والثمرة والأجرة ونصف الصداق ولها خيار في متصلة بأن تأخذ نصف الصداق وتدفع للزوج نصفه مع الزيادة فإن شحت فنصف قيمة بلا زيادة بأن يقوّم بمهر بغير زيادة ويعطي للزوج نصفه وإن سمحت لزمه القبول لأنه حق وزيادة وإن زاد ونقص ككبر عبد وطول نخلة وتعلم صنعة مع برص فإن اتفقا بنصف عين وإلا فنصف قيمة العين خالية عن الزيادة والنقص ولا تجبر على دفع نصف العين للزيادة ولا هو على قبوله للنقص وزراعة الأرض نقص وحرثها زيادة لأن الزراعة تستوفي قوة الأرض والحرث يهيئها للزرع. وجمل أمةٌ وبهيمة لتوقع الولد ونقص لضعف الأمة عن العمل وخطر الولادة على البهيمة وقيل البهيمة زيادة بلا نقص لانتفاء خطر الولادة. وإطلاع نخل زيادة متصلة رجاء الإثمار وإن طلق وعليه أي النخل الذي كان صداقاً ثم مؤبرٌ بم يلزمها قطفه بل تمكن من إبقاءه إلى الجداد فإن قطفت تعين نصف النخل إن لم يحصل به نقص ولو رضي بنصف النخل وتبقية الثمر إلى جداده أُجْبرت في الأصح ويصير النخل في يدهما لأنه مشترك بينهما ولو رضيت به أي بالإبقاء ونصف النخل فله الامتناع والقيمة لأن حقه يثبت معجلاً فلا يؤخر إلا بإذنه ومتى ثبت خيارٌ له أو لها لم يَمْلِك نصفه حتى يختار ذو الاختيار وإلا لم يكن هناك فائدة للخيار ومتى رجع بقيمة المهر في المتقوم لتلف المتقوم أو تعيبه اعتبر الأقل من قيمة المهر يومي الإصداق والقبض لأن قيمته يوم الإصداق إن كانت أقل فالزيادة حدثت في ملكها وإن كانت قيمة يوم القبض أقل مما نقص قبل ذلك فهوو من ضمانه لا رجوع به عليها ولو أصدق تعليم قرآن وطلق فالأصح تعذر تعليمه لأنها صارت محرمة عليه ولا يجوز اختلاؤه بها فإن قيل يجوز النظر للأجنبية لأجل التعليم وهذه أصبحت أجنبية، قلنا أن كلاً من الزوجين قد تعلقت آماله بالآخر وحصل بينهما نوع من الود فقويت التهمة فامتنع التعليم ويجب عند تعذر التعليم مهر مثل بعد وطء ونصفه قبله إن طلق وفي قول تجب أجرة التعليم أو نصفها ولو طلقها بعد التعليم وقبل الدخول رجع عليها بنصف أجرة التعليم.
ولو طلق قبل وطء وبعد تسليم الصداق وقد زال ملكها عنه ببيع أو هبة أو تلف فنصفُ بدله من مثل أو قيمة فإن كان زال وعاد تعلق حق الزوج بالعين في الأصح لوجوده في ملك الزوجة. ولو وهبته له ثم طلق فالأظهر أن له نصف بدله إن كان الطلاق قبل الدخول لأنه مَلَكَهُ قبل الطلاق من غير جهة الطلاق وقيل لا شيء له لأنها عجلت له ما يستحقه بالطلاق وعلى هذا أي على الأظهر لو وهبته النصف فله نصف الباقي وربع بدل كله وفي قولٍ النصف الباقي لأنه استحق نصف الصداق بالطلاق وانحصرت الهبة في نصيبها وفي قول يتخير بين بدل نصف كله أو نصف الباقي وربع بدل كله حتى لا يلحقه ضرر التشطير لأن الهبة وقعت على النصف مشاعاً ولو كان الصداق ديناً فأبرته منه ثم طلق قبل الوطء لم يرجع عليها على المذهب بخلاف العين حيث أنها في الدين لم تأخذ منه مالاً فلم يغرم منه شيئاً وليس لولي عفو عن صداق على الجديد كسائر الديون للمولّيه وقيل يجوز على اعتبار أنه الذي بيده عقدة النكاح.
? فصل في المتعة ?
والمراد بالمتعة مالٌ يجب على الزوج دفعه لامرأته المفارقة حال الحياة بطلاق وفي معناهُ لمطلقة قبل وطء متعة إن لم يجب شطر مهر لها بأن كانت مفوضة ولم يفرض لها شيء قال تعالى: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ولم تفرضوا لهن فريضة ومتعوهنَّ) البقرة236. وكذا الموطوءة في الأظهر وهي التي طلقت طلاقاً بائناً مطلقاً أو رجعياً وانقضت عدتها لعموم قوله تعالى: (وللمطلقات متاع بالمعروف) البقرة248. وقيل لا تستحق المتعة لأنها غنية بالمهر عن المتعة وفرقة لا بسببها كطلاق بأن كانت من الزوج كردته ولعانه وإسلامه فإن كان ذلك قبل الوطء فيجب لها الشطر من المهر ولا متعة وإن كان بعد دخول فيجب لها المتعة كما تقدم ويستحب أن لا تنقص المتعة عن ثلاثين درهماً فقد أخرج البيهقي عن ابن عمر أنه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/478)
قال: (يمتعها بثلاثين درهماً) وقيل هي قيمة درع وخمار أي ثياب تسترها للصلاة فإن تنازعا قدّره القاضي بنظره معتبراً حالهما من إعسار الزوج ويساره ونسبها وصفتها قال تعالى: (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره وللمطلقات متاعٌ بالمعروف) البقرة236. وقيل حالُهُ لظاهر الآية وقيل حالها فقط لأنها كالبدل عن المهر وقيل أقل مالٍ كما يجزئ ذلك في الصداق.
? فصل في الاختلاف في المهر ?
اختلفا في قدر مهر أو صفته كأن قالت نكحتني بعشرة آلاف أو قالت بدار مؤثثة وقال بدار من غير أثاث تحالفا كما في البيع لأن كل واحد منهما مدعٍ ومدعَى عليه ويتحالف وارثاهما إن مات الزوجان أو وارث واحد منها والآخر لقيامه مقام مورثه وليس تحالف الوارثين كتحالف الزوجين حيث أن الزوجين يحلفان على البت في لنفي والإثبات أما الوارثان فيحلفان على البت في الإثبات ونفي العلم ويقول وارث الزوج: والله لا أعلم أن مورثي نكحها بعشرة آلاف إنما نكحها بخمسة آلاف ويقول وارث الزوجة: والله لا أعلم أنه نكح مورثتي بخمسة آلاف بل بعشرة آلاف.
ثم بعد التحالف يُفْسَخُ المهر ويجب مهرُ مثل وإن زاد على ما ادعته ولو ادعت تسمية فأنكرها تحالفا في الأصح لأن حاصله الاختلاف في قدر المهر فهو كالمسألة ولو ادعت نكاحاً ومهر مِثْلٍ فأقرَّ بالنكاح وأنكر المهرَ أو سكت بأن قال: نكحتها ولا مهر لي عليّ أو قال: نكحتها ولم يزد على ذلك فالأصح تكليفه البيان لوضع المهر لأن النكاح يقتضيه فإن ذكر قدراً وزادت تحالفا لأنه اختلاف في قدر المهر وإن أصرَّ منكراً المهر حلفت أنها تستحق مهر مثلها وقضي لها بالمهر عليه ولو اختلف في قدره زوج وولي صغيرة أو مجنونة تحالفا في الأصح لأن العاقد هو الولي وله ولاية قبض المهر وقيل لا يحلف الولي لأنه بيمينه أثبتت حقاً لغيره وهذا ممنوع وقيل ينتظر بلوغ الصغيرة أما البكر البالغة فتحلف دون وليها. ولو قالت: نكحني يوم كذا بألف ويوم كذا بألف وطالبته ألفين وثبت العقدان بإقرار أو بينة أو بيمينها بعد نكوله لزم ألفان لإمكان ذلك بأن يتخلل العقدين خلعٌ.
فإن قال لم أطأْ فيهما أو في إحداهما صدق بيمينه وسقط الشطر لموافقة الأصل وهو عدم الوطء. وإن قال: كان الثاني أي العقد الثاني تجديد لفظ لا عقداً لم يقبل قوله لأنه خلاف الظاهر وله تحليفها على نفي ما ادعاه.
ملاحظة: لو أعطاها مالاً فقالت: أعطيته لي هديةً وقال: بل أعطيتُهُ لكِ صداقاً فالقول قوه بيمنيه لأنه أعلم بكيفية إزالة ملكه.
? فصل في وليمة العرس ?
الوليمة مشتقة من المولم وهو الاجتماع وهي اسم لكل دعوة أو طعام يُتخَذ لحادث سرور واستعمالها في العرس أشهر. وإن كانت تستخدم في الأملاك والنفاس والختان والبناء وقدوم الغائب ونحوها وليمة العُرْسِ سنةٌ مؤكدة لثبوتها عنه صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً فقد روى الشيخان عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم أولم على صفية بتمر وسمن وأقط. وروى الشيخان عن أنس (أنه صلى الله عليه وسلم رأى عبدالرحمن بن عوف وعليه درع زعفران –أي ثوب مصبوغ بالزعفران- فقال: مَيهم –أي ما الخبر؟ -، قال: تزوجتُ امرأة من الأنصار، فقال: ما أصدقتها؟ فقال: وزن نواة من ذهب وفي رواية (على نواة من ذهب)، فقال: (بارك الله لك أولم ولو بشاة)). وفي قول أو وجه واجب. لظاهر خبر عبدالرحمن (أولم). والإجابة إليها فرض عين وقيل كفاية وقيل سنة والأصل في ذلك إخبار منها حديث ابن عمر (من دُعِيَ إلى الوليمة فليأتها) رواه الشيخان عن ابن عمر ومنها حديث جابر (إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طَعِمَ وإن شاء ترك) رواه مسلم. وأخرج أبوداود عن ابن عمر (من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله). والأخبار محمولة على تأكيد الاستحباب لأن المقصود هو إعلان النكاح وتمييزه عن السفاح وإنما تجب أو تسن بشرط أن لا يخص الأغنياء وأن يدعوه في اليوم الأول بنفسه أو بنائبه الثقة المأمون وإذا دعا الأغنياء فقط فقد انتفى الوجوب حتى يدعو الفقراء معهم رواه الشيخان عن أبي هريرة (شرُّ الطعام طعامُ الوليمة يُدعى إليها الأغنياء ويرتط الفقراء).
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/479)
فإن أولم ثلاثة أيام لم تجب في الثاني وتكره في الثالث فقد أخرج أحمد وأصحاب السنن عن رجل من ثقيف يقال له زهير (الوليمة في اليوم الأول حق وفي الثاني معروف وفي الثالث رياءٌ وسمعة). وأن لا يحضره لخوف أو طمع في جاهه بل يحضر تودداً وتقرباً وإرضاءً لأخيه المسلم وأن لا يكون ثَمَّ مَنْ يتأذى به لعداوة بينهما أو لا يليق به مجالسته كأرذال الناس وأهل الفجور وأهل الغيبة والنميمة ولا مُنْكَرٌ ولا يكون في الدعوة منكر كاختلاط الرجال بالنساء والكلام البذيء الفاحش أو شرب خمر واستعمال أواني الذهب والفضة أو وجود ملاهٍ محرمة. فقد روى أحمد والترمذي وغيرهما عن جابر (مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعدنَّ على دائرة يُدارُ عليها الخمر). فإن كان المنكر يزول بحضوره فليحضر إجابةً للدعوة ودفعاً للمنكر ومن المنكر فراش حرير وصورة حيوان على سقفٍ أو جدار أو وسَادَةٍ أو سِتْرٍ أو ثوبِ ملبوس فقد روى الشيخان عن عائشة (امتنع من الدخول على عائشة من أجل أن النمرقة التي عليها التصاوير، فقالت: أتوب إلى الله ورسوله مما أذنبت فقالت: اشتريتها لك لتقعد عليه وتتوسدها، فقال صلى الله عليه وسلم: إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون فيقال لهم أحيوا ما خلقتم وأن البيت الذي فيه هذه الصور لا تدخله الملائكة). وروى النسائي عن علي رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا أدخل بيتاً فيه صور فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صور) ويجوز ما على أرض وبساط ومخدة ومقطوع الرأس وصورة شجر لأن ما وضع على الأرض والبساط وكل ما يوطأ فهو مهان مبتذل غير معظّم. ولا تسقط إجابة بصومٍ فقد أخؤج مسلم عن أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من دُعِيَ إلى وليمة فليأتها فإن كان مفطراً فليأكل وإن كان صائماً فَلْيَدعُ) أي يدعو لصاحب الوليمة وفي رواية فليقل إني صائم فإن شقَّ على الداعي صوم نفل فالفطر أفضلُ فقد روى الدارقطني والبيهقي من حديث جابر (يتكلفُ لكَ أخوك المسلم وتقول: إني صائمٌ، أفطرْ ثم اقضِ يوماً مكانه) والحديث أُعِلَّ بالإرسال. ويأكل الضيف بما قُدمَ له بلا لقط أي تأكيد من صاحب الوليمة لأن الدعوة وتقديم الطعام قرينة الإباحة. ولا يتصرف فيه إلا بأكل لأن المضيف أباح الأكل عرفاً وله أي للضيف أخذ ما يَعْلَمُ رضاه به أي إن وجدت قرينة واضحة تدل برضا المالك فلا بأس أن يأخذ الضيف ما يعلم رضاه ويحل نثر سُكَّرٍ وغيره في الإملاك أي عقد النكاح على المرأة وكذا في سائر الولائم ولا يكره في الأصح. فقد روى الطبراني في الأوسط عن جابر (أن النبي صلى الله عليه وسلم حضر في إملاك فأُتي بأطباق عليها جوز ولوز وتمر فنثرت فقبضنا أيدينا فقال صلى الله عليه وسلم: ما بالكم لا تأخذون؟ فقالوا: لقد نهيتنا عن النُهبى، فقال: إنما نهيتكم عن نهبى العساكر، خذوا على اسم الله فجاذبنا وجاذبناه) ساق الحديث العقيلي وقال: لا يثبت في الباب شيء. ويحل التقاطه وتركه أولى ويحل التقاط المنثور لأن صاحبه أباحه قال الشافعي في نثر السكر واللوز والجوز: لو تُرِكَ كان أحبُّ إليَّ لأنه يؤخذ بخلسة ونهبة وللا يتبينُ لي: أنه حرام).
? كتاب القَسْم والنشوز ?
القَسْم مصدر قسمت الشئ وأما القِسم فهو النصيب وأما القَسَم فهو اليمين وعماد القسم الليل. قال تعالى: (وجعلنا الليل لباسا) عمَّ10.
يختص القسَم بزوجات أى وجوب القسممختص بالزوجات فلا يتجاوزهن إلى الإماء ولا إلى الرجعية.قال تعالى: (فإن خفتم ألاتعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) النساء3، وأشعرت الآية أنه لايجب العدل بين الإماء فى القسَم ومن بات عند بعض نسائه لزمه المبيت عند من بقى منهن فيعصى بترك التسوية ولو أعرض عنهن أو عن الواحدة إذا كان تحته واحدة فقط لم يأثم لأن المبيت حقه ولأن من داعية الطبع ما يغنى من إيجابه فقد أخرج أحمد وأصحاب السنن عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان عند الرجل إمرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل أو ساقط). ويستحب ألا يعطلهن وذلك بأن يبيت عندهن ويحصنهن وأدنى درجاتها أن لا يخلي الزوجة كل أربعة ليالٍ عن ليلة لقوله صلى الله عليه وسلم: (ولكني أصوم وأفطر ,اصلي وأنام وأمس النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) وتستحق القسم مريضة ورتقاء وحائض ونفساء لأن المقصود منه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/480)
الأنس لا الوطء لا ناشزة والناشزة هي الخارجة عن طاعة الزوج فلا تستحق القسم ومن النشوز خروج من البيت دون إذنه أو أنها لا تمكنه من نفسها أو لم تزل رائحة كريهة أو لم تغتسل عن حيض أو نفاس فإن لم ينفرد بمسكن دار عليهن في بيوتهن توفية لحقهن في القسم وإن انفرد فالأفضل المضي إليهن صوناً لهن وحفظاً لكرامتهن وله دعاؤهن إلى مسكنه وعليهن الإجابة ومن امتنعت فهي ناشزة إن كان الامتناع من غير عذر كمرض ومطر ومشقة لا تحتمل والأصح تحريم ذاهبه إلى بعض ودعاء بعض منهن إلى مسكنه لما في ذلك من التفضيل وعدم التسوية والإيحاش إلا لغرض كقُربِ مسكن مَنْ مضى إليها أو خوف عليها كأن تكون شابة والأخرى عجوزاً أو تكون في منزل منعزل يُخاف من الإقامة فيه منفرداً ويَحْرُمُ أن يُقِيمَ بمسكن واحدةً ويدعوهن أي الباقيات إليه لما في ذلك من تفضيلها عليهن والمشقة الحاصلة من الحضور إلى بيت الضرة ولانتفاء العدل في ذلك وأن يجمع بين ضرتين في مسكن إلا برضاهما لأن جمعهما يولد الخصومة ويشوش العشرة فإن رضيتا جاز ولكن بكره وطء إحداهما بحضرة الأخرى لأنه بعيد عن المروءة وفيه طرخ للحياء ولو طلب ذلك وامتنعت الزوجة لم يلزمها الإجابة ولا تصير بذلك ناشزاً.
وله أن يرتب القَسْم بين الزوجات على ليلة ويوم قبلها أوبعدها وهو الأولى لأن أول الأشهر الليالي والليل يعتبر من غروب الشمس إلى طلوع الفجر فقد روى البخاري في قصة سودة (أنها وهبت يومها وليلتها لعائشة). وروى أحمد وغيره عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يطوف علينا جميعاً فيقبل ويلامس فإذا جاء وقت التي هو في بيتها أقام عندها). زاد أبوداود في أوله (كان لا يفضل بعضنا على بعض في قسم) والأصل الليل والنهار تبع لأن الليل وقت السكون والنهار وقت الانتشار والحركة. فإن عَمِلَ ليلاً وسكن نهاراً فعكسه أي أن الأصل في الحقه النهار واليل تبع وليس للأول أي من الأصل في حقه الليل دخول في نوبة على أخرى ليلاً إلا لضرورة كمرضها المخوف أو شدة طلق أو خوف نهب وحرق وحينئذ إن طال مكثه قضى مثل ما مكث في نوبة المدخول عليها وإلا فلا أي إذا لم يطلْ مكثه فلا يقضي وله الدخول نهاراً لوضع متاع ونحوهوينبغي ألا يطول مكثه والصحيح أنه لا يقضي إذا دخل لحاجة أي إن طال الزمن لأن النهار تابع مع وجود الحاجة للدخول وأن له ما سوى وطء من استمتاع فقد روى أبوداود عن عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليَّ في يوم غيري فينال مني كل شيء إلا الجماع). وأنه يقضي إن دخل بلا سبب لتعديه ولا تجب تسويةٌ فالإقامة نهاراً لأن المقصود لأن المقصود بالقسم الإيواء وذلك يحصل بالليل دون النهار لحديث عائشة أنها قالت: (ما كان يومٌ إلا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف علينا جميعاً فيقبل ويلمس فإذا جاء إلى التي هي يومها أقام عندها) رواه الدارقطني.
وأقل نُوَبِ القسم ليلة وهو أفضل من الزيادة عليها اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم وليقرب عهده بهن ويحوز ثلاثاً لا زيادة على المذهب وليلتين برضاهن وبدون رضاهن والصحيح وجوب قرعة للابتداء بواحدة منهن وقيل يتخير بينهن فيبدأ بمن شاء منهن ولا يفضل في قدر نوبة بين مسلمة وكتابية وذات شرف وغير ذلك لكن لحرة مِثْلا أمةٍ فقد روى البيهقي عن جابر (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تُنْكَحُ الأمة على الحرة للحرة الثلثان من القسم وللأمة الثلث).
وتختص بكر جديدة عند زفاف بسبع بلا قضاء وثيب بثلاث لما روى البخاري موقوفاً عن أنس (للبكر سبع وللثيب ثلاث) وروى مسلم وأبوداود عن أبي قلابة عن أنس (إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً) قال أبوقلابة: لو قلت أن أنساً رفعه لصدقت ولكنه قال: السنة كذلك فإذا قضى سبعاً أو ثلاثاً فلا يقضي للباقيات ويسنُّ تخييرها أي الثيب بين ثلاث بلا قضاء وسبع بقضاء فقد روى مسلم عن أم سلمة ومالك في الموطأ (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم سلمة: (إن شئت سبعت لكِ وسبعت عندهن وإن شئت ثلثت عندك ودُرْتُ)).
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/481)
ومن سافرت وحدها بغير إذنه فناشزة فلا يقسم لها سواءً سافرت لحاجتها أو لحاجته وبإذنه لغرضه لأنن المانع لنفسه منها ولغرضها لحج وعمرة وتجارة لا يقضي لها في الجديد فإذنه يرفع الإثم فقط. ومن سافر لنقلة حَرُمَ أن يستصحب بعضهن فقط ولو بقرعة ولا أن يسافر ويترك الجميه لانقطاع أطماعهن من الوقاع كالإيلاء إلا برضاهن وفي سائر الأسفار الطويلة وكذا القصيرة في الأصح يستصحب بعضهن بِقُرْعةٍ إذا تنازعهن فقد أخرج الشيخان عن عائشة (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرع بين نسائه إذا أراد السفر فأيهنَّ خرج سَهْمُها خرج بها).
ولا يقضي مدة سفره للمقيمات لأن عائشة ذكرت في حديثها السفر ولم تذكر القضاء ولأن المسافرة اختصت بمشقة السفر فاختصت بالقسم فإذا وصل المقصد وصار مقيماً أي أقام ونوى الإقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويم الخروج قضى مدة الإقامة للباقيات لا الرجوع في الأصح لأنه من السفر المأذون فيه ومَنْ وهبت حقها من القَسْم لغيرها لم يلزم الزوج الرضا بذلك لأن الاستمتاع بها حق له فلا يلزمه تركه فإن رضي بالهبة ووهبت نوبتها لمعينة بات عندها أي المعينة ليلتيهما كل ليلة في وقتها متصلتين أو منفصلتين وقيل إذا كانتا منفصلتين يواليهما بأن يقدم أو يؤخر ليلة الواهبة أو وهبت لهنَّ سوّى بينهن فيجعل الواهبة كالمعدومة. أو وهبت له فله التخصيص بواحدة منهن وقيل يسوِّي بين الباقيات لأن التخصيص يورث الوحشة والحقد فيجعل الواهبة كالمعدومة. فقد روى الشيخان والشافعي عن ابن عينية عن هشام بن عروة عن أبيه (أن سودة وهبت يومها لعائشة).
وروى أبوداود والترمذي عن ابن عباس قال: (خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل).
? فصل في أحكام النشوز ?
ظهرت أمارات نشوزها وعظها بلا هجر وذلك بأن تجيبه بكلام خشن بعد أن كان بليِّن أو وجد منها إعراضاً وعبوساً بعد لطف وطلاقة وجه أو كان من عادتها إذا دخل عليها قامت له وخدمته ثم صارت لا تأبه لدخوله أو كان من عادتها إذا دعاها للفراش أجابته باشة مسرورة ثم صارت بعد ذلك تأتيه مُتكرهة. فعندئذ يعظها بلا هجر ولا ضرب فلعلها تبدي عذراً أو تتوب فإن تحقق نشوز ولم يتكرر وعظ وهجر في المضجع كأن يقول اتقِ الله فإن لم يفلح هجر في المضجع لما في الهجر من أثر ظاهر في تأديب النساء فلا يضاجعها ويغلظ لها في القول ولا يضرب في الأظهر لعدم تأكد الجناية بالتكرر قلت الأظهر يضرب والله أعلم قال تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن) النساء34.
وروى الترمذي وابن ماجة عن عمرو بن الأحوص مرفوعاً (فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح). وروى الشيخان عن عم بن الخطاب (هجر النبي نساءه شهراً فلم يدخل عليهن).
فإن تكرر ضَرَبَ إن علم أن الضرب مفيد في ذلك. قال الإمام الشافعي (لا يضربها ضرباً مبرِّحاً ولا مدمياً ولا مزمناً ويتقي الوجه). والمبرِّح: هو الشديد الذي يُخْشى منه تلف النفس أو تلف العضو، والمدمي: الذي يجرح فيُخْرج الدم، والمزمن: أي المتوالي لأن القصد التأديب لا الأذى، ويتقي الوجه: لأنه مجمع المحاسن. وقال الشافعي أيضاً: ولا يبلغ به حداً.
روى الشيخان عن عبدالله بن زمعة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجلد أحدكم امرأتخ جلد العبد ثم يضاجعها في آخر اليوم ولا يزيد في ضربها على عشرة أسواط)).
فلو منعها حقاً كقَسْمٍ ونفقة ألزمه القاضي توفيَتَهُ إذا طلبته فإن لم يتأهل للحجر عليه ألزم وليَّهُ وذلك إن كان غير مكلفٍ أو محجوراً عليه. فإن أساء خلقه وآذاها بلا سبب نهاه فإن عاد إليه عزَّرَهُ بما يراه مناسباً وإن قال كلٌ إن صاحبه متعدٍ تعرف القاضي بثقة يَخْبُرُهما أي يعرف حالهما كجار وإن تعذرت المعرفة أسكنهما بجوار ثقة ليتعرف أحوالهما. فإن اشتد الشقاق بعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها وهما وكيلان لهما فقد أخرج عبدالرزاق في مصنفه عن ابن جريج قال حدثني ابن أبي مليكة (أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة وأن عثمان بعث معاوية وابن عباس ليصلحا بينهما) وفي قول مولَّيَان عن الحاكم لأن الله سماهما حكمين والوكيل مأذون له ليس بِحَكَمٍ ويشهد للأول ما رواه الشافعي والبيهقي وغيرهما عن عبيدة السلماني قال:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/482)
(جاء إلى علي رضي الله عنه رجل وامرأة ومع كل واحد منهما فِئامٌ –جماعة- من الناس فقال عليٌّ: (ابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها)، ثم قال للحكمين: (أتدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأتيما أن تفرقا فرقتما) فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله ليَ وعليَّ، وقال الرجل: أما الجمع فنعم وأما الفرقة فلا، فقال عليٌّ: (كذبت لا والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله لك أو عليك)) فنلاحظ أن علياً احتاج إلى رضاهما، ويشهد للثاني قوله تعالى: (فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها) النساء35، والخطاب لغير الزوجين وسماهما الله تعالى حكمين.
فعلى الأول أنهما حكمان يشترط رضاهما فيوكِّل الزوج حكَمَه بطلاق وقبول عوض خلع وتوكل حكمها ببذل عوض وقبول طلاق به أي بالعوض وعلى قول أنهما موليان من الحاكم لا يشترط رضا الزوجين ببعث الحكمين.
? كتاب الخلع ?
وهو بالضم والفتح وهو النزع لأن كل من الزوجين لباس للآخر وأصله قبل الإجماع قوله تعالى: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) البقرة229. وخبر البخاري عن ابن عباس (أنه صلى الله عليه وسلم قال لثابت بن قيس وقد سألته زوجته يطلقها على حديقتها التي أصدقها إياها: (خذ الحديقة وطلقها تطليقةً)) وهو أول خلع في الإسلام.
والخلع هو فُرقة بعوض بلفظ طلاق أو خلع كقوله طلقتك أو خالعتك على كذا فتقبل شرطه زوج يصح طلاقه بأن يكون بالغاً عاقلاً مختاراً فلو خلع عبدٌ أو محجور عليه بسفه صح لتحقق الشروط فيهما ولو بغير إذن السيد والولي ووجب دفع العوض إلى مولاه ووليه ليبرأ الدافع منه ويملكه السيد كسائر أكساب العبد وكذلك يصح خلع المفلس لأن خُلْعَهُ لا يؤثر في المالية فيتضرر الغرماء.
وشرط قابله أي الخلع من زوجة أو أجنبي إطلاق تصرفه في المال بكونه مكلفاً غير محجورعليه وللحجر أسباب خمسة: الرق والسفه والمرض والصبا والجنون فالخلع مع الصبا والجنون لغو فإن اختلعت أمةٌ بلا إذن سيد بدين في ذمتها لأنها لا تملك أو عَيْنِ مالِهِ أو مال غيره بانت لوقوع الخلع يعوض وللزوج في ذمتها مهر مثل يتبعها به بعد العتق في صورة العين أي بدل العين لأن المقصود هو مهر المثل وفي قول قيمتها أي قيمة العين إن كانت متقومة. وفي صورة الدين المسمّى حيث يصح التزام الرقيق بطريق الضمان ويُتْبَعُ به بعد العتق واليسار. وفي قول مهر مثل وهو المشهور ويفسد المسمى لأنها ليست أهلاً للإلتزام. وإن أذن السيد وعين لها من ماله عيناً له أو قدّر ديناً فامتثلت تعلق الزوج بالعين وبكسبها في الدين وبما في يدها من مال التجارة إن كانت مأذونة كما في مهر العبد في النكاح وإن أطلق الإذن اقتضى مهر المثل من كسبها فإن خالعت بمهر مثلها أو أقل من ذلك في كسبها صح الخلع وإن اختلعت على أكثر من مهر مثلها صح وكان مهر مثلها في كسبها وكانت الزيادة على مهر مثلها في ذمتها بعد أن تعتق.
وإن خالع سفيهة أو قال طلقتك على ألفٍ فقبلت طلقت رجعياً ولغا ذكر المال لأن السفيه ليست من أهل الالتزام ولا تسقط الرجعة لأنها من حق الزوج فإن لم تقبل لم تطلَّق لأن الصيغة تقتضي القبول فهي كالطلاق المعلق. ويصح اختلاع المريضة مرض الموت وإن كن بأكثر من مهرها أو بمهر مثلها لأن لها الحق بالتصرف في مالها ولا يحسب من الثلث إلا زائد على مهر مثل بل هو من رأس المال وما زاد فهو تبرع فيحسب من الثلث ورجعية في الأظهر لأنها زوجته لا بائنٍ لأنها ليست زوجته ويصح عوضه قليلاً وكثيراً ديناً وعيناً ومنفعة كالصداق ولو خالع بمجهول أو خمر بانت بمهر المثل لأن المرجع إلى مهر المثل عند فساد العوض وفي قول ببدل الخمر وهو قدرها من العصير ولهما التوكيل الزوج والزوجة فلو قال لوكيله خالعها بمائة لم ينقص منها وله أن يزيد ما لم ينهه عن الزيادة. وإن أطلق الإذن لم ينقص عن مهر مثل لأنه المرجع فإن نقص فيهما بأن خالع بدون المائة في الأولى وبدون مهر المثل في الثانية لم تطلَّق لمخالفته للمأذون به وفي قول يقع بمهر المثل لفساد المسمّى بنقصه عن المأذون به وهو الراجح لصريح الإذن في الخلع.
ولو قالت لوكيلها إختلع بألف فامتثل نفذ وكذا لو إختلعها بأقل من ألف وإن زاد فقال اختلعتها بألفين من مالها بوكالتها بانت ويلزمها مهر المثل لفساد المسمّى بزيادته على المأذون فيه وفي قول الأكثر منه أي مهر المثل وما سمته للوكيل لرضاها بما سمته زائداً على مهر المثل وإن أضاف الوكيل الخلع إلى نفسه بأن قال من مالي نخلعُ أجنبي وهو صحيح والمال عليه لأن إضافته إلى نفسه إعراض عن التوكيل وإن أطلق فالأظهر أن عليها ما سمت وعليه الزيادة لأنها لم ترضَ بالزيادة فكأنه افتداها بما سمته وزيادة من عنده ويجوز توكيله أي الزوج في الخلع ذمياً وعبداً محجوراً عليه بسفه لأنه لا يتعلق بوكيل الزوج من الخلع عُهْدَةٌ بخلاف وكيل الزوجة فإنه يتعلق به عهدة كما مرَّ ولا يجوز توكيل محجور عليه بسفه في قبض العوض عيناً كان أو ديناً لأنه ليس أهلاً لذلك والأصح صحة توكيله امرأةً بخلع زوجته أو طلاقها لأنه يجوز له أن يوكل امرأته بتطليق نفسها بقوله لها طلقي نفسك فهو توكيل أو تمليك فإن كان توكيلاً فجاز وإن كان تمليكاً فمن جاز تمليكهه الشيء جاز توكيله فيه. ولو وكَّلا رجلاً تولى طرفاً واحداً فقط من أحد الزوجين كما في البيع والنكاح وقيل الطرفين لأن الخلع يكفي فيه اللفظ من أحد الطرفين كما لو تلقَ الخلع بأن تدفع له مبلغاً من المال أو عيناً معينة فدفعت.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/483)
ـ[محمد عبدالكريم محمد]ــــــــ[21 - 07 - 07, 02:49 ص]ـ
الجزء الرابع عشر
? فصل في الصيغة وما يتعلق بها ?
الفرقة بلفظ الخلع طلاق يُنقِصُ عدد الطلقات فإن طلقها ثلاث مرات لم ينكحها إلا بمحلل وبه قال عثمان وعلي وابن مسعود لأن فرقة لا تفتقر إلى تكرار اللفظ ولا تنفرد به المرأة فكان كصريح الطلاق. قال الشافعي في الجديد: هو صريح في الطلاق لأن دخول العوض فيه كدخول النية في كنايات الطلاق. أخرج صاحب كنز العمال عن عثمان (أنه جعل الفداء طلاقاً). وفي قول فسخ لا ينقض عدداً ويجوز تجديد النكاح بعده من غير حصر وبه قال ابن عباس وأحمد واسحاق وابن ثور والمسعودي واختاره ابن المنذر وقال الشافعي في القديم (أنه فسخ). فعلى الأول وهو أن الخلع طلاق لفظ الفسخ كناية والمفاداة كخلع في الأصح كأن قال فسخت نكاحك بألف أو قال فاديتك بخمسمائة فقالت قبلت أو افتديت صح الخلع لورود القرآن به قال تعالى: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) البقرة229. ولفظ الخلع صريح وفي قول كناية أي في الطلاق فعلى الأول أي كون الخلع صريحاً في الطلاق لو جرى بغير ذكر مال وجب مهر مثل في الأصح لجريان العرف بأن الخلع يكون على المال فإن لم يذكر المال رجع إلى مهر المثل وحصلت البينونة ويصح الخلع بكنايات الطلاق مع النية كما يصح بصريحه وبالعجمية أي يصح الخلع نظراً للمعنى والعجمية هي كل لغة غير العربية ولو قال بعتك نفْسَكِ بكذا فقالت اشتريت فكناية خلع وكذلك لو قالت قبلت فهو كناية خلع أي فرقة بعوض وإذا بدأ بصيغة معاوضة كطلقتك أو خالعتك بكذا وقلنا الخلع طلاق وهو الأصح فهو معاوضة لأخذه عوضاً وتنازله عن البُضع فيها شوب تعليق لأن الطلاق معلق بالمال وله الرجوع قبل قبولها لأن هذا حال جميع المعاوضات ويشترط قبولها بلفظ غير منفصل بكلام أجنبي فلو اختلف إيجاب وقبول كطلقتك بألف فقبلت بألفين أو طلقتك ثلاثاً بألف فقبلت واحدة بثلث الألف فلغو كأحكام البيع ولو قال طلقتك ثلاثاً بألف فقبلت واحدة بألف فالأصح وقوع الثلاث ووجوب الألف لاستقلال الزوج بالطلاق وإنما يعتبر قبول المرأة بالمال فقبلت بألف وقد طلب ألفاً.
وإذا بدأ بصيغة تعليق كمتى أو متى ما و (ما) زائدة للتأكيد أي في أي وقت أعطيتني فتعليقٌ للطلاق فلا رجوع له عنه كسائر التعليقات ولا يشترط القبول لفظاً ولا الإعطاء في المجلس أي مجلس التواجب فمتى وجد الإعطاء طُلِّقَت وإن قال إن أو إذا أعطيتني كذا فكذلك تعليق لا رجوع للزوج فيه قبل الإعطاء ولا يشترط فيه اللفظ لكن يشترط إعطاء على الفور أي في مجلس التواجب وأن لا يتخلل كلام أو سكوت طويل عرفاً وإنما ترك الفور في قوله (متى) لأنها صريحة في جواز التأخير شاملة لجميع الأوقات أما (إن) فلا تشمل جميع الأوقات.
وإن بدأت بطلب طلاق فأجاب فمعاوضة فيها شوب جعالة فلها الرجوع قبل جوابه لأنها تبذل المال لتحصل على ما يستقل به الزوج كمن بذل الجُعْلَ ليحصل على ما يستقل به العامل.
ولو طلبت أويطلقها ثلاثاً بألف وهو يملك الثلاث فطلق طقلة واحدةً فهي واحدةٌ بثلثه أي ثلث الألف تغليباً لحكم الجعالة. وإذا خالع أو طلق بعوض فلا رجعة له عليها سواء كان الخلع فسخاً أو طلاقاً فتملك نفسها فإن شرطها أي شرط الرجعة فرجعيٌ أي طالق رجعي ولا مال لأن شرط الرجعة مع المال متنافيان فيتساقطان ويبقى مجرد الطلاق وفي قول طلاق بائن بمهر مثل لفساد العوض بشرط الرجعة ولو قالت طلقني بكذا وارتدت عقب قولها فأجاب بالقبول فوراً إن كان الارتداد قبل دخول أو بعده وأصرت حتى انقضت العدة بانت بالردة ولا مال ولا طلاق ولا نكاح وإن أسلمت فيها طلقت بالمال لصحة الخلع ولا يضر كلام يسير بين إيجاب وقبول ولو كان الكلام أجنبياً من المطلوب لأنه لا يُعدُّ إعراضاً.
? فصل في الألفاظ الملزمة للعوض ?
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/484)
قال أنت طالق وعليك أو لي عليك كذا ولم يسبق طلبُها بمال وقع رجعياً قبلت أم لا ولا مال قال الشافعي: وإن قال لها: أنتِ طالق وعليك ألف درهم ... فهي طالق ولا شيء عليها. وإن كان ذلك لأن قوله أنت طالق ابتداء وإيقاع وقوله: وعليك استئناف كلام فلمْ يتعلق بما تقدم فيكون الطلاق رجعياً فإن ضمنت لها ألفاً لم يلزمها بهذا الضمان حقٌ لأنه ضمان ما لم يجب وإن أعطته الألف كان ابتداءَ هبة لم تنقطع به رجعته فإن قال أردت ما يُراد بطلقتك بكذا وصدقته فكهو أي كقوله أنت طالق على ألف فإذا قبلت بانت ولزمها المال في الأصح وهو نص الشافعي في الأم ومقتضاه انعقاد البيع بقوله: بعتك هذا على أن يكون لي عليك ألف وأدنى درجاته أن يُجعل كناية في البيع وإن سبق طلبها للطلاق بمال بانت بالمذكور لتوافقهما على مال معين. وإن قال أنت طالق على أن لي عليك كذا فالمذهب أنه كطلقتك بكذا فإذا قبلت بانت ووجب المال وهو الصحيح كما في المسألة السابقة أي انعقاد البيع بقوله: بعتك هذا على أن يكون لي عليك ألف.
وإن قال ضمنت لي ألفاً فأنت طالق فضمنت في الفور بانت ولزمها الألفُ لوجود االشرط في العقد المقتضي للإلزام وإذا قال متى ضمنت لي ألفاً فأنت طالق فمتى ضمنت طُلِّقت لأن متى للتراخي. وإن ضمنت دون ألف لم تطلَّق لعدم وجود المعلق عليه ولو ضمنت ألفين طلقت لوجود المعلق عليه في ضمن الألفين ولو قال طلقي نفسك إن ضمنت لي ألفاً فقالت على الفور في مجلس التواجب طلقتُ وضمنت أو عكسه أي قالت ضمنت وطلقت بانت بألف لأن أحدهما: الطلاق والضمان شرط في الآخر فهما قول واحد فاستوى التقديم والتأخير وإن اقتصرت على أحدهما بأن قالت ضمنت ولم تُطَلْقي أو قالت طُلِّقْتُ ولم تضمن فلا طلاق ولا مال لأنه فوض إليهما التطليق وجعل لذلك شرطاً فلابدَّ منهما معاً. وإذا علق الطلاق بإعطاء مالٍ فوضعته بين يديه طلِّقت لتمكينه من المال والأصح دخوله في ملكه أي دخول المُعْطى في ملكه لتملك المرأةُ البضع الذي هو مقابل المال وإن قال إن أقبضتني أو سلمت إليَّ أو دفعت إليَّ كذا فأنت طالق فقيل كالإعطاء فيما ذكر من أحكام والأصح كسائر التعليق حيث أن الإقباض لا يقتضي التمليك بخلاف الإعطاء فلابد من صيغة تدل على التمليك فلا يملكه إلا إذا سبقت قرينة تدل على التمليك فإن سبق كقوله إن أقبضتني لأشتري منزلاً أو لأقضي ديني أو لأشتري ثياباً فهو تمليك كالإعطاء ولا يشترط للإقباض مجلس كمجلس الإيجاب والقبول قلت ويقع الطلاق رجعياً لما تقرر أن الإقباض لا يقتضي التمليك ويشترط لتحقق الصفة وهو الإقباض أخذٌ بيده منها ولا يكفي وضعه بين يديه لأن لا يسمى قبضاً ولا مكرهة والله أعلم فلا يمنع الإكراه من وقوع الطلاق لوجود الصفة ولو علق الطلاق بإعطاء عبد وَصَفَهُ بصفةِ سلمٍ فأعطته عبداً لا بالصفة لم تطلق. أو بها سليماً طلقت وملكه الزوج أو بها أي الصفة معيباً فله مع وقوع الطلاق رده بالعيب ومهر مثل لفساد العوض وفي قول قيمته سليماً بناء على ما سبق هل الصداق في يد الزوجة مضمون ضمان عقد أو ضمان يد. ولو قال عبداً من غير وصف طلقت بعبد على أي صفة كان إلا مغصوباً في الأصح لأنه لا يمكن تمليك المغصوب وله مهر مثل للجهالة بالعوض ولو ملك طلقة فقالت طلقني ثلاثاً بألف فطلق الطلقة التي يملكها فله ألف لأنه حصل بهذه الطلقة المقصود وهو البينونة الكبرى وقيل ثلثه توزيعاً للمسمّى وقيل إن علمت الحال فألف إن علمت أنه لا يملك إلا واحدة وإلا فثلثه إن جهلت الحال ولو طلبت طلقة بألف فطلق واحدة بمائة وقع الطلاق بمائة لرضاه وقيل بألف كما لو سكت عن العوض ويلغو ذكر المائة موافقة لها وقيل لا يقع للمخالفة بين الإيجاب والقبول ولو قالت طلقني غداً بألف فطلق غداً أو قبله بانت لأنه حصّل مقصودها وزاد بمهر مثل لفساد الخلع بدخوله شرط تأخير الطلاق وهو فاسد لا يعتد به وقيل في قول بالمسمّى وهو بعيد لفساد الخلع ولزوم المسمّى إنما يكون عند صحة الخلع وإن قال إن دخلت الدار فأنت طالق بألف فقبلت ودخلت طُلِّقت على الصحيح بالمسمّى لوجود المعلق عليه مع القبول وفي وجه أو قول بمهر مثل لأن المعاوضة لا تقبل التعليق وكأن قبله الطلاق فيؤثر في فساد العوض ويرجع إلى مهر المثل.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/485)
ويصح اختلاع أجنبي وإن كرهت الزوجة لأن الطلاق مما يستقل به الزوج والأجنبي مستقل بالالتزام فبراءً لها وقد يكون له غرض صحيح كتخليصها من يسيء عشرتها ويمنعها حقوقها وهو كاختلاعها لفظاً في ألفاظ الالتزام وحكماً فهو من جانب الزوج ابتداء معاوضة فيها شائبة تعليق ومن جانب الأجنبي معاوضة فيها شائبة الجعالة. ولوكيلها أن يختلع له أي لنفسه كما له أن يختلع لها وذلك بأن يصرح بالاستقلال أو التوكيل وللأجنبي توكيلها في الاختلاع فتتخير هي بين الاختلاع لنفسها أو له بأن تنوي أو تصرح بذلك ولو اختلع رجلٌ وصرح بوكالتها كاذباً لم تطلَّق لأن الطلاق مربوط بالمال وم يلتزمه واحدٌ منهما. وأبوها كأجنبي فيختلع بماله فيجوز له إن شاء فإن اختلع بماله وصرح بوكالة عنها كاذباً أو ولاية لم تطلَّق لأنه ليس بولي في ذلك ولا وكيل فيه أو صرح باستقلال فَخُلْعٌ بمغصوبٍ فهو غاصب لمالها لأنه ليس له صرف مالها في الخلع فيقع الطلاق بائناً ويلزمه مهر مثل وفي قول بدل المبذول.
? فصل في الاختلاف في الخلع أو في عوضه ?
ادعت الزوجة خلعاً فأنكر صُدِّقَ بيمينه إن لم يكن معها بينة لأن الأصل عدم الطلاق وإن قال طلقتُكِ بكذا كألف مثلاً فقالت مجاناً بانت ولا عوض فإن كان ليس له بينة حلفت لأنه يدعي عليها ديناً في ذمتها والأصل براءة الذمة ويحكم عليه بالبينونة لأنه أقرَّ على نفسه بذلك وإن اختلفا في جنس عوضه أو قدره ولا بينة تحالف ووجب مهر مثل بأن قال خالعتك على ألفي درهم فقالت بل على ألف أو قال: خالعتك على ألف دينار كويتي فقالت: بل على ألف دينار أدرني فإنهما يتحالفان في الحالتين وأمثالها على النفي والإثبات كما قلنا في المتبايعين ولو خالع بألف ونويا نوعاً لزم ذلك النوع إلحاقاً للمنوي بالملفوظ وقيل يجب مهر مثل للجهالة باللفظ ولا عبرة للنية لأن البيوع على ظاهر اللفظ ولو قال أردنا دنانير فقالت بل دراهم أو فلوساً تحالفا على الأول وهو لزوم المنوي ووجب مهر المثل بلا تحالف في الثاني والله أعلم للجهالة باللفظ من غير تحالف.
فائدة: ضابط مسائل الخلع أن منها ما يقع فيه الطلاق بالمسمى وهو أن تكون الصيغة صحيحة والعوض صحيح ومنها ما يقع بمهر المثل وهو الذي صيغته صحيحة والفساد في العوض ومنها ما يقع فيه الطلاق رجعياً وهو الذي يكون فيه الفساد في الصيغة حيث يوقع الزوج الطلاق منجزاً غير معلق.
ومنها ما لا يقع أصلاً وهو الذي يكون فيه الطلاق مُعْلَقاً ولم يوجد شرط التعليق.
? كتاب الطلاق ?
هو لغة حل القيد وشرعاً حل عقد بلفظ الطلاق ونحوه وهو ملك للأزواج منهم على زوجاتهم والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة) الطلاق1. وحديث أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة بنت عمر راجعها فقال صلى الله عليه وسلم: أتاني جبريل فقال راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة) رواه أبوداود وغيره بإسناد حسن.
وروى أحمد في المسند عن ابن عمر أنه قال: (كان تحتي امرأة أحبها وكان أبي يكرهها فأمرني أن أطلقها فأتيت النبي فأخبرته فأمرني أن أطلقها) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
يشترط لنفوذه التكليف إلا السكران فلا ينفذ طلاق الصبي والمجنون ولكن ينفذ طلاق السكران الذي زال عقله بمسكر تعدياً وهو المراد حيث أُطْلِقَ. روى الترمذي عن أبي هريرة (كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه والصبي) ويقع بصريحه بلا نية وبكناية بنية والكناية ما تحتمل معنى الصريح وغيره ومعنى بنية أن يقصد إيقاع الطلاق بهذه الألفاظ فصريحُهُ الطلاق وكذا الفراقُ والسراح على المشهور لأن القرآن ورد بهذه الألفاظ الثلاثة على وجه الأمر: قال تعالى: (فطلوهن لعدتهن) البقرة231. وقيل الفراق والسراح كنايتان لأنهما لم يشتهرا إشتهار الطلاق.
كطلقتك وأنت طالق وأنت مطلقة ويا طالقُ وأما الفراق والسراح فالصريح منهما لفظتان لا غير وهو قوله فارقتك أدانت مفارقة أو سرحتك أو أنت مسرحة لا أنت طلاق وأنت الطلاق في الأصح بل هما كنايتان كقولِهِ فعلُك هذا فيه الطلاقُ أو قوله لو لا صبري أنت طالقٌ من زمان بعيد أز قوله لو لا أبوك لكنتِ أنتِ الطلاق وطلاق والطلاق مصادر ولا تستعمل المصادر في العين إلا توسعاً.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/486)
وترجمة الطلاق بالعجمية صريح في المذهب لشهرة استعمالها عند أهلها شهرة استعمال العربية عند أهلها وأطلقتك وأنت مُطْلَقةٌ كناية لعدم اشتهاره في معنى الطلاق ولو اشتهر لفظ للطلاق كالحلال عليّ حرامٌ أو حلالُ اللهِ عليَّ حرامٌ فصريح في الأصح عند من اشتهر عندهم هذا اللفظ وغلب في الاستعمال وحصل التفاهم به قلت الأصح أنه كناية والله أعلم لأن الصريح ما ورد في القرآن وما تكرر على لسان حملة الشريعة لا على لسان العوام فإن نوى به طلاقاً كان وإن نوى تحريم عينها أو تحريم وطئها أو فرجها بلا طلاق وجبت عليه كفارة يمين لما روى البيهقي والسيوطي والطبري في التفسير عن ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى منزل حفصة فلم يجدها وكانت عند أبيها فاستدعى جاريته مارية القبطية فأتت حفصة فقالت يا رسول الله: في بيتي وفي يومي وعلى فراشي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أرضيك وأسرُّ إليكِ سراً فأكتميه هي على حرام، فأنزل الله (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم) التحريم1).
وكنايته كأنت خلية برية بتةٌ بتلةٌ بائن إعتدى إستبرئي رحمك إلحقي بأهلك أي لأني طلقتك حبلك على غاربك والغارب هو ما تقدم من الظهر وارتفع من العنق أي أني خليتُ سبيلك كما يخلى البعير في الصحراء وزمامه على غاربه لا أنده سَرْبَكِ والسَرْب الإبل وكل ما يرعى من الأموال أي لا أهتم لشأنك إعزُبي أي كوني بلا زوج إغربي أي صيري غريبةً عني أو انصرفي عن وجهي دعيني وحدي ودعيني لأنك لست زوجة ونحوها مثل انكحي –تزوجي- فتشي عن غيري- لعل الله يكتب لل منّا أحسن من هذا النصيب والإعتاق كناية طلاق وعكسه اي الطلاق كناية عتق لاشتراكهما في إزالة الملك فإذا قال لزوجته أعتقتك أو أنت حرة ونوى الطلاق طلقت وإذا قال لعبده طلقتك ونوى العتق عَتَقَ.
وليس الطلاق كناية ظهار وعكسه أي وليس الظهار كناية طلاق وإن اشتركا في التحريم لإمكان استعمال كل في موضعه فلا بخرج عنه للقاعدة المشهورة "إن ما كان صريحاً في بابه ووجد نفاذاً في موضوعه لا يكون صريحاً ولا كناية غيره".
ولو قال أنت عليَّ حرام أو حرمتك ونوى طلاقاً أو ظهاراً حصل ما نواه لأن كلاً منهما يقتضي التحريم فجاز أن يكني عنه بالحرام أو نواهما أي الطلاق أو الظهار معاً تخيّرَ ثبت ما اختاره ولا يقعان معاً لأن النكاح يزيله الطلاق والظهار لا يزيله وقيل طلاق لأنه أقوى وقيل ظهار لأن الأصل بقاء الزوجية أو تحريم عينها أو يدها أو فرجها أو وطئها لم تحرم وعليه كفارة يمين لما ورد في قصة مارية السابقة وكذا لا تحرم عليه وإن كُرِهَ له ذلك وعليه كفارة يمين في الحال إن لم تكن له نية في قوله أنت عليَّ حرام في الأظهر لما ذكر سابقاً. والثاني إن هذا القول لغو فلا كفارة عليه فقد ذكر ابن أبي شيبة في المصنف أن مسروقاً قال: (لا أُبالي أن أحرمها أو أحرِّمَ قصعة ثريد).
وروي أن رجلاً جاء إلى ابن عباس فقال: إني قلت لزوجتي أنتِ عليَّ حرام، فقال: هي عليك حلال ثم تلا (يا أيها النبي لِمَ تُحَرِمُ ما أحل الله لك) التحريم1.
ولو قاله أي أنت عليَّ حرام لأمته ونوى عتقاً ثبت العتق أما إذا نوى طلاقها أو ظِهارها لم يلزمه شيء لأن الطلاق أو الظهار لا يصح من السيد في أمته أو تحريم عينها أو يدها أو فرجها أو وطئها كما مرَّ أو لا نية له فكالزوجة فيما مرَّ من أحكام فلا تحرم عليه في ذلك وتلزمه كفارة يمين لأن الأمة هي السبب في ورود الآية (يا أيها النبي لِمَ تُحَرِمُ ما أحل الله لك) التحريم1. ولو قال هذا الثوب أو الطعام أو العبد حرامٌ عليّ فلغو لعدم قبول هذه الأشياء التحريم أما الزوجة والأمة فإنه قادر على تحريمها بالطلاق والعتق.
وشرط نية الكناية اقترانها بكل اللفظ وقيل يكفي بأوله وينسحب ما بعده عليه وقيل لا بل بآخره فقوله أنت بائن لا يكفي فيه قوله أنت ويسكت ولذا قيل يتعلق بأوله أو آخره وإشارة ناطق بطلاق لغوٌ لأنه مستغنٍ بالكلام عن الإشارة وإن قصده بها فهي لا تقصد للإفهام إل نادراً وقيل كنايةٌ لحصول الإفهام بها ويعتدُّ بإشارة الأخرى في العقود والحلول كالبيع والعتق والنكاح والدعاوى والأقارير.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/487)
فإن فَهِمَ طلاقَهُ بها أي الإشارة كلُّ أحدٍ فصريحه كأن قيل له كم طلقت زوختك فأشار بأصابعه الثلاثة وإن اختص بفهمه فظنون أي أهل الذكاء فكناية تجتاج إلى نية وقيل يقع الطلاق بإشارة المفهمة نوى أو لم ينوِ.
ولو كتب ناطق طلاقاً كأن كتب زوجتي طالق ولم يَنْوِهِ أي الطلاق فلغو وتكون كمن يجرب قلماً أو ينظر إلى جمال خطٍ وإن نواه فالأظهر وقوعه لأن الكتابة طريق للإفهام كالعبارة والأصح أن لا يقع به طلاق لأن الكتابة فعل والفعل لا يقع به طلاق كما أن الإخراج من المنزل مع نية الطلاق لا يقع به طلاق كما أن الرجعة لا تحصل بالوطء.
فإن كتب إذا بلغك كتابي أو وصلك أو استلمت فأنت طالقٌ فإنما تَطْلُق ببلوغه لها رعاية للشرط المعلق عليه الطلاق. وإن كتب إذا قرأت كتابي فأنت طالقٌ وهي قارئة فقرأته طُلِّقتْ وكذلك لو نظرت فيه وفهمت ما فيه ولم تتلفظ بشيء فلا خلاف بأنها تطلق. وإن قُرِيء عليها فلا تطلق في الأصح طلقت لأن القراءة في حق الأميّ الإطلاع.
? فصل في تفويض الطلاق إليها ?
له تفويض طلاقها إليها كأن يقول لها طلقي نفسك إن شئت لقوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً) الأحزاب28. (فقد خير النبي صلى الله عليه وسلم نساءه فاخترنه) رواه الشيخان عن عائشة.
وهو تمليك في الجديد فيشترط لوقوعه أي الطلاق تطليقها على الفور حتى لا ينقطع القبول عن الإيجاب كسائر التمليكات. وإن قال طلقي نفسك بألف فَطَلَّقتْ بانت ولزمها ألف لأن حكم تمليك الطلاق بعوض البيع وفي قول توكيل بالطلاق فلا يشترط فور في الأصح كما لو وكَّلَ أجنبياً في طلاقها. وفي اشتراط قبولها خلاف الوكيل أي الخلاف في قبول الوكالة لفظاً والأصح لا يشترط وعلى القولين التمليك والتوكيل له الرجوع قبل تطليقها لأن التمليك والتوكيل يجوز الرجوع فيهما قبل القبول والتصرف ولو قال لها إذا جاء رمضان فطلقي نفسك لغا على التمليك لأن التمليك لا يقبل التعليق ولو قال أبيني نفسك فقالت أبنت نفسي ونويا عند قولهما الطلاق وقع كما يقع الصريح وإلا بأن لم ينويا أو أحدهما فلا يقع لأن الزوج إن لم ينوِ لم يقع الطلاق لأنه لم يجعل إليها الطلاق وإن نوى الزوج ولم تنوِ الزوجة لم يقع لأنها لم توقعه.
ولو قال طلقي نفسك فقالت أبنت ونوت أو قال أبيني ونوى فقالت طلقت وقع ولا يضر اختلاف لفظيهما لأنها أُمِرَتْ بالطلاق في الحالتين ففعلته فيهما ولو قال طلقي نفسك ونوى ثلاثاً فقالت طَلَّقْتُ ونوتهن أي الثلاث فثلاث لأن اللفظ يحتمل العدد وإلا واحدة في الأصح أي إذا لم تنوِ هي ثلاثاً ولو قال طلقي نفسك ثلاثاً فوحدت أو عَكْسَهُ بأن قال طلقي نفسك واحدة فثلثت فواحدة لأنه هو المتفق عليه في الحالتين.
? فصل في اشتراط القصد في الطلاق ?
إذا مرَّ بإنسان نائم أو زائل العقل طلاقاً لغا إلا السكران تبعد فإن طلاقه يقع. قال صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاثةٍ: عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق) أخرجه أحمد في المسند.
ولو سبق لسانٌ بطلاق بلا قصد لغا لما رواه ابن ماجة قال النبي صلى الله عليه وسلم (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ولا يصدق ظاهراً لا بقرينة لتعلق حق الغير بقوله ولكن إن صدقته وجب عليها تمكينه من نفسها.
ولو كان اسمها طالقاً فقال: يا طالقُ وقصدَ النداء لم تطلقْ لأنه صرف الطلاق عن معناه وكذا إن أطلق في الأصح حملاً على النداء وإن كان اسمها طارقاً أو طالباً فقال: يا طالق، وقال: أردت النداء فالتف الحرف بلساني صدق لظهور القرينة ولو لم يقل ذلك طلقت عملاً بظاهر الصيغة ومثله كل من تلفظ بصيغة ظاهرة في الوقوع لكنها تقبل الصرف بالقرينة فإن وجدت القرينة عُمِلَ بها ظاهراً.
ولو خاطبها بطلاق هازلاً أو لاعباً أو وهو يظنها أجنبية بأن كانت في ظلمة أو نكحها له وليه أو وكيله ولم يعلم وقع لما روى سعيد بن منصور في السنن والطحاوي في شرح معاني الآثار وابن جرير في التفسير عن أبي هريرة (ثلاثة جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة) قال الترمذي حديث حسن وقال الحاكم صحيح الإسناد. قال البغوي: وحض في الحديث الثلاث لتأكد أمر الفرج.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/488)
ولو لفظ أعجمي به بالعربية ولم يعرف معناه لم يقع لانتفاء قصده وقيل إن نوى معناها أي العربية وقع طلاقه لإشعار قصده للطلاق ولا يقع طلاق مُكْرَهٍ لما روى أبوداود وأحمد عن عائشة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا طلاق في إغلاق) وفسر الشافعي الإغلاق بالإكراه. فإن ظهرت قرينة اختيار بأن أكره عن ثلاث تطليقات فوحّدَ أو على طلاق صريح أو تعليق فكنى أو نجز أي طلب منه التعليق بالطلاق فنجز الطلاق أو على أن يقول (طلقت) زوجتي فسرّح فقال سرّحْتُ زوجتي أو بالعكوس أي أكره على واحدة فثلث أو كناية فصرح أو تنجيز فعلق أو تسريح فطلق وقع الطلاق لأنه مختار فيما أتى به وإن لم يقصد الإيقاع.
وشرط حصول الإكراه قدرة المُكْرِه على تحقيق ما هدد به عاجلاً ظلماً بولاية أو تَغَلُّبٍ وعَجْزُ المكْرَه عن دفعه بهربٍ وغيره كاستغاثة بغيره وظنه أي المُكْرَه أنه إن امتنع حققه أي حقق المُكْرِهُ ما هدد به. ويحصل الإكراه بتخويفٍ بضربٍ شديدٍ أو حبس أو اتلاف مالٍ ونحوها كأخذ مال أو استخفاف بوجيهويختلف الإكراه من شخص لشخص فما يكون إكراهاً بحق شخص قد لا يكون إكراهاً بحق آخر وقيل يُشْتَرطُ قتلٌ أي تهديد بالقتل فلا يحصل الإكراه إلا به وقيل يشترط قتل أو قطع لطرف أو ضرب مَخُوفٍ أي يخاف منه الهلاك فالتخويف بغير ذلك لا يحصل به الإكراه ولا يحصل الإكراه بالتهديد بالعقوبة المؤجلة كقول المُكْرِه للمُكْرَه لأضربنَّك بعد أسبوع مثلاً.
ولا تشترط في عدم طلاق المُكْرَهِ التورية في الصيغة كأن ينوي بالإخبار كاذباً أو إطلاقها من قيد أو يقول بعدها سراً إن شاء الله تعالى ولا في المرأة بأن ينوي غيرها بأن يقول طلقت فاطمة وينوي غير زوجته أي فاطمة أخرى وقيل إن تركها أي التورة بلا عذر وقع طلاقه لإشعار ذلك بالاختيار فإن تركها لعذر كعدم معرفة أو لدهشة أصابته لم يقع الطلاق قطعاً. ومن أثم بمزيل عقله من شراب أو دواء نفذ طلاقُهُ وتصرفُه له وعليه قولاً وفعلاً على المذهب كالنكاح والطلاق والبيع والشراء والإسلام والردة والقتل والقطع كما هو الحكم في السكران. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكارى) النساء43. فخاطبهم في حال السُّكْر فدل ذلك على أن السكران مُكَلَفٌ. وروى مالك في الموطأ والبيهقي في السنن (أن عمر استشار الصحابة رضي الله عنهم وقال: إن الناس انهمكوا في شرب الخمر واستحقوا حدَّ العقوبة فيه فما ترون؟ فقال عليٌّ: إنه إذا شرب سَكِرَ وإذا سَكِرَ هذى وإذا هذى افترى فحدُّهُ حدُّ المفتري) فلو لم يعتبر لكلامه حكماً لما زيد في حده لأجل هذيانه. وفي قول لا ينفذ شيء من تصرفه لأنه ليس له فهم وقصد صحيح ويجاب على هذا بأنه لما كان سُكْرُهُ بمعصية سقط حكمُهُ فَجُعِلَ كالصاحي فيصح منه جميع التصرفات. أما من يشرب الدواء والنبيذ لحاجة فيغيب عقله فحكمه حكم المجنون.
وقيل عليه أن تنفذ تصرفاته فيما يكون عليه لا في الذي يكون له تغليظاً كالطلاق والإقرار والضمان ولا ينفذ في النكاح والسكران هو الذي اختلّ كلامه وانكشف سرَّهُ المكتوم ويبقى له بعض تمييز ولو قال رُبُعك أو بعضك أو جزؤَك أو كبدُك أو شعرك أو ظفرُك طالق وقع الطلاق بطريق السراية أو بالتعبير بالجزء عن الكل وكذلك دَمُك طالق يقع به الطلاق على المذهب لأن به قوام البدن وفي وجه لا يقع لأنه كفضلة لا فضلةٌ كريق وعرق وكذا منيٌّ ولبن في الأصح لأنها أجزاء منفصلة غير متصلة اتصال خلقة وقيل حكمها حكم الدم لأن أصلها دمٌ ولو قال لمقطوعة يمين يمينك طالق لم يقع على المذهب لأن البعض مقطوع فلا يسري إلى الكلّ ولو قال أنا منك طالقٌ ونوى تطليقها طُلَّقت وإن لم ينوِ طلاقاً فلا لأن اللفظ كناية حيث أضيف إلى غير محله حيث أضافه إلى نفسه والأصل إضافته إلى الزوجة وكذا إن لم ينوِ إضافته إليها في الأصح لا تطلق لأنها محل الطلاق فلابد من وقوعه صرفه بالنية إلى محله. ولو قال أنا منكِ بائن اشترط نية الطلاق كسائر الكنايات وفي الإضافة إليها الوجهان السابقان في قوله أنا منكِ طالق أصحهما اشترط النية ولو قال استبرئي رحمي منك فلغو لأن اللفظ لا معنى له وشرط الكناية أن يحتمل اللفظُ المعنى وقيل إن نوى طلاقها وقع على قول من قال أن المعنى استبرأ الرحم التي كانت لي وهو بعيد.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/489)
? فصل في بيان الولاية على الزوجة ?
خطاب الأجنبية بطلاق وتعليقه بنكاح وغيره لغو فلا تطلق على زوجها لأنه ليس له عليها ولاية. فقد روى الحاكم في المستدرك وصححه من حديث جابر (لا طلاق إلا بعد نكاح ولا نكاح إلا بعد ملك) وروى الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (ليس على الرجل طلاق فيما لا يملك).
والأصح صحة تعليق العبد طلقة ثالثة كقوله إن عتقتُ أو إن دخلتِ الدار فأنت طالق ثلاثاً فيقعن أي الثلاث إذا عتق أو دخلت بعد عتقه لأنه ملك أصل الطلاق فيملك توابعه إن كان ذلك ممكناً وهو شرط الحرية وقد وُجِدَ ويلحق الطلاق رُجعية لأنها في حكم الزوجات لا مُختلعة لانتفاء الولاية عليها ولو علقه أي الطلاق بدخولٍ فبانت منه بطلاق أو فسخ أو خلع ثم نكحها ثم دخلت لم يقع إن كانت دخلت في البينونة لانحلال اليمين للدخول فيها وكذا لا يقع الطلاق إن لم تدخل في الأظهر أي إن لم تدخل في البينونة بل دخلت في النكاح لارتفاع النكاح الذي علق به الدخول. وفي قول ثالث يقع إن بانت منه بدون ثلاث لأن العدد يكون على ما بقي من الثلاث ولو طلق دون ثلاث وراجع من طلقها أوجد نكاحها ولو بعد زوج عادت ببقية الثلاث دخل بها الزوج الثاني أو لا يدخل وإن ثلث أي طلق ثلاثاً عادت بثلاث كما لو ابتدأ نكاحَهَا إجماعاً.
وللعبد طلقتان فقط وإن كانت الزوجة حرة لما روى الدارقطني عن ابن عمر مرفوعاً (طلاق إثنتان). ولما روى البيهقي والدارقطني عن ابن مسعود موقوفاً (الطلاق بالرجال والعدة بالنساء) أي عدد الطلقات بالزوج وأما الحر فيملك ثلاث تطليقات لقوله تعالى: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) البقرة229.
وقد روى الدارقطني عن أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئلَ عن قوله تعالى: (الطلاق مرتان ... ) فأين الثالثة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (أو تسريح بإحسان)).
ويقع الطلاق في مرض موته أي الزوج ويتوارثان كما في حال الصحة في عدة رجعي لا بائن لانقطاع الزوجية بالبينونة وفي القديم ترثه لأنه محمول على قصد حرمانها من الميراث فيعاقب بنقيض قصده.
? فصل في تعدد الطلاق ?
قال طلقتك أو أنت طالقٌ ونوى عدداً من طلقتين أو ثلاث وقع ما نواه وكذا في الكناية يقع ما نواه إن نوى عدداً. ولو قال: أنت طالق واحدةً ونوى عدداً فواحدةٌ عملاً بظاهر اللفظ وقيل المنوى عملاً بالنية. قلت: ولو قال أنت واحدةٌ أي بالرفع ونوى عدداً فالمنوي حملاً على أن معنى الواحدة التفرد من دون زوج وقيل تقع واحدة فقط والله أعلم لأن لفظ الواحدة نصٌ لا يحتمل ما زاد.
ولو قال أنت طالق ثلاثاً فماتت قبل تمام لفظه طالق لم يقع لخروجها عن محل الطلاق قبل تمام اللفظ. أو بعده قبل شروعه في قوله ثلاثاً فثلاث لتضمن كلامه الثلاث حين قال: أنت طالق وقد تمّ معه لفظ الطلاق في حياتها وقيل واحدة كما لو اقتصر على أنت طالق فيحكم بواحدة وقيل لا شيء لأن الكلام بآخره ومات ولم يتم الكلام إلى آخره ولأن الكلام لا يُعطى بعضه حكم كله. وإن قال: أنت طالقٌ، أنت طالقٌ، أنت طالقٌ وتخلل فصل بين هذه الصيغ كأن سكت فوق سكتة التنفس ونحوها فثلاثٌ فإن قال أردت التأكيد لم يقبل قوله ويُدَّين فيما بينه وبين الله تعالى. وإلا أي وإن لم يتخلل فصلٌ فإن قصد تأكيداً بما بعد الأولى للأولى فواحدة لأن التأكيد معهود في كلام العرب أو استئنافاً فثلاث وكذا إن أطلق في الأظهر عملاً بظاهر اللفظ وقيل بل واحدة لأنها هي المتيقنة وما بعدها قد يكون تأكيداً. وإن قصد بالثانية تأكيداً للأولى وبالثالثة استئنافاً أو عكس أي بأن قصد بالثانية استئنافاً وبالثالثة تأكيداً للثانية فثنتان يقعان عملاً بقصده أو بالثالثة تأكيدَ الأولى فثلاث في الأصح للفصل بين المؤكَّدِ والمؤكَّد به على اعتبار أن الثانية استئناف وقيل يغتفر الفصل اليسير. فيقع طلقتان وإن قال: أنت طالق وطالق وطالق وقع بالأولى طلقة وبالثانية طلقة لأن الثاني عطف لا يحتمل التأكيد ولذا قال صح قَصْدُ تأكيد الثاني بالثالث لا الأول بالثاني كما ذكرنا وهذه الصورُ في موطوءة فلو قالهن لغيرها فطلقة بكل حال لأنها تبينُ بالطلقة الأولى فلا يقع ما بعدها ولو قال لهذه أي لغير المدخول بها إن دخلت الدار فأنت طالقٌ وطالقٌ فدخلت فثنتان في الأصح لأنهما متعلقان بالدخول ولا ترتيب بينهما ولأنه لا يمكن تعلق
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/490)
الشرط بأحد اللفظين دون الآخر ولو قال لموطوءة أنت طالقٌ طلقةً مع أو معها طلقةٌ فثنتان يقعان معاً لقبول المحل لذلك وكذا غيرُ موطوءة في الأصح يقعان معاً وقيل على الترتيب تبين بواحدة ولا تقع الثانية ولو قال: أنت طالق طلقة قبل طلقة فثنتان في موطوءة وطلقة في غيرها لأنها تبين بها للترتيب فلا تصادف الثانية نكاحاً. ولو قال أنت طالق طلقة بعد طلقة أو قبلها طلقة فكذا الحكم فيقع ثنتان في موطوءة وواحدة في غيرها في الأصح فيهما ومثله أنت طالق طلقة فوقها طلقة أو أنت طالق طلقة تحتها طلقة.
ولو قال طلقة في طلقة وأراد مع فطلقتان لأن لفظة في تستعمل بمعنى مع كقوله تعالى: (فادخلي في عبادي) الفجر29، أي مع عبادي. ومثل قوله: (ادخلوا في أمم) الأعراف، أي مع أمم.
أو الظرف أو الحساب أو أطلق فطلقة واحدة لأنها مقتضى الظرف ويوجب الحساب والمحقق في الطلاق ولو قال نصف طلقة في نصف طلقة فطلقة في كل حال لما ذكر من إرادة المعية أو الظرف أو الحساب أو لم يرد شيئاً. ولو قال طلقة في طلقتين وقصد معية فثلاث أو ظرفاً فواحدة أو حساباً وعَرَفَهُ فثنتان لأنه موجبه عند أهل الحساب حيث واحد في اثنين يساوي اثنين أو: 1 X 2 = 2.
وإن جهله وقصد معناه عند أهل الحساب فطلقة لأن ما لا يُعْلَمُ لا تصح إرادته بحال وقيل ثنتان لقصد معنى الحساب وإن لم ينوِ شيئاً فطلقة واحدة لأنها المحقق وفي قول ثنتان إن عرف حساباً حملاً على الحساب ولو قال بعض طلقة فطلقة لأن الطلاق لا يتبعض. قال تعالى: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد) البقرة230، ولم يفرق بين أن يطلقها طلقة أو بعض طلقة أو قال: أنتِ طالق نصفي طلقةٍ فطلقةٌ لأن نصفي الطلقة طلقةٌ إلا أن يريد كلَّ نصف من طلقة فيقع طلقتان لأن كل نصف يسري إلى نصفه فهما طلقتان والأصح أن قوله نصف طلقتين طلقة لأن ذلك نصفها وثلاثة أنصاف طلقةٍ أو نصف طلقة وثلث طلقة طلقتان نظراً في الأولى إلى زيادة النصف الثالث على الطلقة فيحسب من أخرى ويسري في الثانية إلى تكرار لفظ طلقة مع العطف فيسري الثلث ولو قال: أنتِ طالق نصف وثلث طلقة فطلقة لأنها أجزاء الطلقة ولم يكرر لفظ طلقة ولو قال لأربع أوقعت عليكن أو بينكن طلقة أو طلقتين أو ثلاثاً أو أربعاً وقع على كلٍ طلقةٌ واحدة فقط لأن ما ذكر إذا وزع عليهن خصَّ كلَّ واحدةٍ منهن طلقة أو بعضها فيسري فإن قصد توزيعَ كلِّ طلقة عليهن وقع في ثنتين ثنتان وفي ثلاث وأربع ثلاث كما يقع في الواحدة واحدة وهذا التوزيع بعيد عن فهم العوام فلا يعتبر فإن قال أردت ببينكُنَّ بَعْضَهُنَّ لم يقبل ظاهراً في الأصح. أي أراد فلانة وفلانة مثلاً فلا يقبل قوله لأن ظاهر الكلام يقتضي التشريك أما باطناً فيدين بينه وبين الله تعالى.
ولو طلقها ثم قال لأخرى أشركتك معها أو أنت كهيَ فإن نوى طُلِّقتْ وإلا فلا لأنه كناية فلاتطلَّق إلا بنية طلاق. وكذا لو قال آخر ذلك لامرأته أي بعد أن سمع رجلاً آخر طلق امرأته.
? فصل في الاستثناء ?
يصح الاستثناء في الطلاق بشرط إتصاله بالمستثنى منه ولا يضرُ في الاتصال سكتةُ تنفس وعي أو تذكر أو انقطاع صوت لأن ذلك لا يعد فاصلاً استثناء الكلام الأجنبي ولو يسيراً قلت ويشترط أن ينوى الاستثناء قبل فراغ اليمين في الأصح والله أعلم لأنه يرفع بعض ما ذكر فَشُرِطَ اتصاله وقد ورد الاستثناء في القرآن الكريم (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً) العنكبوت14. والاستثناء ضد المستثنى منه فإن استثنى من إثبات كان المستثنى نفياً وإن استثنى من نفي كان المستثنى إثباتاً وسواءٌ استثنى أقل العدد أو أكثره فإنه يصح.
قال تعالى حاكياً عن إبليس: (ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) الحجر39 - 40، وقال تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) الحجر42. فاستثنى العباد من الغاوين واستثنى الغاوين من العباد. وأيهما كان أكثر فقد استثنى من الآخر ولا يصح استثناء جميع العدد لأنه غيرُ مستعمل في الشرع ولا في اللغة ويشترط عدم استغراقه للمستثنى منه كما ذكرنا فإن قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً لم يصح الاستثناء ووقع الطلاق ثلاثاً.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/491)
وإن قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين وواحدةً فواحدةٌ لأننا لا نجمع الثنتين مع الواحدة للاستغراق بل يفرد كل بحكمه وقيل ثلاثٌ بناءً على جميع المستثنى فيكون مستغرقاً فيبطل الاستثناء أو قال لزوجته أنت طالقٌ ثنتين وواحدةً إلا واحدة فثلاث وذلك بإلغاء االواحدة من الواحدة وقيل ثنتان بناءً على أننا نجمع المستثنى منه فيكون ثلاثاً ونستثني منه واحدة فيبقى اثنتان.
وهو أي الاستثناء من نفي إثبات وعكسه أي ومن إثبات نفي فلو قال أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين إلا طلقة فثنتان لأنه أثبت ثلاثاً ثم نفى منها اثنتين فبقيت واحدةٌ مثبتة ثم أثبت من الطلقتين اللتين نفى واحدة فصار مثبتاً لاثنتين فوقعتا وقد ورد الاستثناء من الاستثناء في القرآن الكريم (قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته) الحجر58 - 60.
أو ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا اثنتين فثنتان لأنه لما عقب المستغرق بغيره خرج عن الاستغراق أي ثلاثاً لا تقع إلا ثلاثاً إلا ثنتان تقعان وقيل ثلاث لأن المُسْتغرق يلغو فيلغو ما بعده وقيل طلقة بناءً على إلغاء المُسْتَغرق وحده. أو خمساً إلا ثلاثاً فثنتان وقيل ثلاث اعتباراً للاستثناء من الملفوظ وقيل من المملوك فهو لا يملك إلا ثلاث طلقات فاستثنى ما يستغرقها فبطل الاستثناء فبقيت ثلاث. أو ثلاثاً إلا نصف طلقة فثلاث على الصحيح تكميلاً للنصف الباقي بعد الاستثناء وقيل ثنتان تكميلاً للنصف المستثنى.
ولو قال أنت طالق إن شاء الله أو إن لم يشأ الله طلاقك وقصد التعليق لم يقع الطلاق لأن المعلق عليه غير معلوم ولأن الوقوع بخلاف مشيئة الله محال ويمنع التعليق بالمشيئة إنعقاد تعليقٍ وعتقٍ أيضاً كأن قال إن كلمت فلاناً فأنت طالق إن شاء الله وكأن قال أنت حر إن شاء الله ويمينٍ ونذرٍ وكل تصرفٍ كبيع وإقرار وإجارة وتقديم التعليق على المعلق به كتأخيره عنها فقوله أنتِ طالقٌ إن شاء الله مثل قوله: إن شاء الله أنتِ طالق ولو قال يا طالق إن شاء الله وقع في الأصح نظراً لصورة النداء المُشْعِر بوقوع الطلاق وقيل لا يقع لأنه يريد إنشاء الطلاق وهو يقبل التعليق. أو قال أنت طالق إلا أن يشاء الله الطلاق فلا يقع في الأصح لأن استثناء المشيئة يوجب حصر الوقوع في حالة عدم المشيئة أي تعليق بعدم المشيئة وقد تقدم أنه لا يقع الوقوع في حالة عدم المشيئة أي تعليق بعدم المشيئة وقد تقدم أنه لا يقع.
? فصل في الشك في يالطلاق ?
شك في طلاق فلا أي تردد هل فيه طلاق أم لا فلا يقع إجماعاً أو في عدد هل طلق واحدة أم أكثر فالأقل لأنه اليقين ولا يخفى الورع بأن يحتاط فيأخذ بالأسوأ.
ولو قال إن كان ذا الطائر غراباً فأنت طالق وقال آخر إن لم يكنه فامرأتي طالق وجُهِلَ أي حال الطائر لم يحكم بطلاق أحدٍ منهما لأ، أحدهما لو انفرد بما قاله لم يحكم بطلاقه لجواز أنه غير المعلق عليه فتعليق الآخر لا يغير حكمه. فإن قالهما رجل لزوجتيه طلقت إحداهما وعليه اعتزالهما حتى تتبين الحال ولزمه البحث والبيان أي البحث عن الطائر والبيان لزوجتيه إن أمكن ولو طلق إحداهما بعينها ثم جهلها وُقِفَ حتى يذكّر المطلقة منهما ولا يُطالب ببيان لزوجتيه عن المطلقة منهما إن صدقتاه في الجهل بالمطلقة فإن كذبتاه وقالت إحداهما أنا المطلقة لم يكفه أن يقو لا أدري بل يحلف أنه لم يطلقها فإن نكل وحلفت هي حُكِمَ بطلاقها.
ولو قال لها أي لزوجته ولأجنبية إحداكما طالق وقال قصدت الأجنبية قُبِلَ في الأصح لأنه أعلم بنيته وقيل لا يقبل قوله لأن الأجنبية ليست محلاً لطلاقه.
ولو قال زينب طالقٌ وقال: قصدت أجنبية فلا يقبل قوله على الصحيح لأنه خلاف الظاهر ويدين فيما بينه وبين الله تعالى. ولو قال لزوجتيه إحداكما طالق وقصد معينة طُلِّقَتْ لأن اللفظ صالح لكلٍ منهما فإن صرفه بالنية لإحداهما انصرف وإلا بأن لم يقصد معينة بل أطلق فإحداهما تُطلَّق حتماً ويلزمه البيان في الحالة الأولى وهو قصدُ واحدة منهما والتعيين في الثانية وهو قصد واحدة مُبْهَمَة فيما لتعلم المطلقة منهما بذلك وتعزلان عنه إلى البيان أو التعيين وعليه البدار منهما أي البيان والتعيين ونفقتهما في الحال إلى أن يبين أو يعين لحبسهما عنده حبس الزوجات يجب أن يقع في محل معين. ويقع الطلاق باللفظ في المعنية وغيرها وقيل إن لم يعين المطلقة
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/492)
فعند التعيين لأن الطلاق يجب أن يقع محل معين. والوطء ليس بياناً ولا تعييناً أي لا يبين أن الممسسوة زوجه والأخرى مطلقة فقد يطأ واحدة و المطلقة الأخرى. وقيل تعيين كالتصرف في المبيع في زمن الخيار.
ولو قال مشيراً إلى واحدة هذه المطلقة فبيان أنها المطلقة أو أشار إلى الأخرى وقال هذه الزوجة فإن الأخرى هي المطلقة. أو قال مشيراً إليهما أردت هذه وهذه أو هذه بل هذه أو هذه مع هذه أو هذه هذه حكم بطلاقهما ظاهراً لإقراره أو باطناً فالمطلقة واحدة منهما فقط إذ لا وجه لحمل إحداهما عليهما جميعاً.
ولو ماتتا أو إحداهما قبل بيان وتعيين بقيت مطالبته أو المطلق بالبيان والتعيين لبيان الإرث لأنه ثبت له الميراث في إحداهما يقيناً فيوقف من مال الميتة نصيب زوج ولو مات المطلق فالأظهر قبول مال وارثه لا تعيينه أي له بيان المطلقة لأنه قد يعلم قصد مورثه ولا يقبل تعيينه لأن التعيين اختيار ورغبة فلا يخلفه الوارث فيه ولو قال إن كان هذا الطائر غراباً فامرأتي طالق وإلا أي وإن لم يكن غراباً فعبدي حرٌّ منع منهما إلى البيان لأنه قد حَنِثَ في الطلاق أو العتق لأنه لا يخلو إما أن يكون الطائر غراباً أو غير غراب فإن مات لم يُقبلْ بيانُ الوارث على المذهب لأنه متهم في بيان أن الطائر غراب بمنع المرأة من الإرث وإبقاء العبد في الرق بل يقرع بين العبد والمرأة فلعلها تخرج على العبد فإنها مؤثرة في العتق دون الطلاق فإن قَرَعَ العبد أي خرجت القرعة عليه عَتَقَ أو قَرَعَتْ أي خرجت القرعة عليها لم تُطَلَّقْ لأن القرعة لا مدخل لها بالطلاق ولكن يستحب أو تترك الإرث تورعاً. والأصح أنه لا يُرَّق لأن القرعة لم تؤثر في الجهة التي خرجت عليها فلا تؤثر في الجهة الأخرى وقيل تؤثر في الرقِّ أما عدم تأثيرها في جهة النساء لأنه لا مُدخل للقرعة فيهنَّ في أصل الشرع.
? فصل في بيان الطلاق السني والبدعي ?
الطلاق سني وبدعي ويحرم البدعي وهو ضَرْبَان أحدهما طلاقٌ في حيضٍ ممسوسةٍ أي موطوءة وإنما كان حراماً لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) الطلاق1. روى مسلم عن ابن عمر (أنه قرأ فطقلوهنَّ – لقِبَلِ عدتهن) أي مستقبلات عدتهن وقيل إن سألته زوجته طلاقها في حيضها لم يحرم لرضاها بتطويل العدة. ويجوز خُلْعُهَا فيه أي في الحيض لا أجنبي في الأصح لا أنها إن خلعت هي فقد أرادت تخليصَ نفسها بالخلع أما الأجنبي فلا يعلم حاجتها إلى الخلاص بالمفارقة. ولو قال: أنت طالق مع آخر حَيْضِكِ فسنيٌ في الأصح لاستعقابه الشروع في العدة بناءً على أن القرء هو الطهر الذي يتقدمه دم ويعقبه دم أي المحتوش بدمين أو مع آخر طهر لم يطأها فيه فبدعي على المذهب لأن بعده حيض فلا يستعقب الشروع في العدة وقيل سني لأنه طلاق في طهر لم تمسَّ فيه وطلاق في طهر وطِيء فيه من قد تحبل ولم يظهر حمل أي والضرب في الثاني من الطلاق البدعي هو طلاق المرأة التي يمكن أن تحبل بأن لم تكن صغيرة ولا آيسة في طهر مُسَّتْ فيه فلو وطيءَ حائضاً وطهرت فطلقها فبدعي في الأصح لاحتمال علوقها بحمل بذلك الوطء مما يؤي إلى الندم إذ أن الإنسان قد يطلق الحائل دون الحامل كما يتضرر الولد بهذا الطلاق ويحل خلعها أي الموطوءة في الطهر كالحائض وطلاق في ظهر حملها يحل ومَنْ طلَّق بدعياً سُنَّ له الرجعة لما روى البخاري قال: حدثنا إسماعيل بن عبدالله قال حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر (أنه طلق امرأته في الحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: مُرْهُ فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمسَّ فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء). ثم إن شاء طلق بعد طهر للحديث السابق ولو قال لحائض: أنتِ طالقٌ للبدعة وقع في الحال أو للسنة فحين تطهر ولا يتوقف وقوع الطلاق على اغتسالها أو قال لمن في طهر لم تمسَّ فيه أنتِ طالق للسن وقع الطلاق في الحال لوجود صفة الطلاق السني. وإن مُسّتْ فيه أي الطهر فحين تطهر بعد حيضٍ لشروعها حينئذ في حال السنة أو قال الزوج لمرأته: أنت طالق للبدعة ففي الحال إن مست فيه أي في هذا الطهر وإلا فحين تحيض أي حين ترى دمَ الحيضِ ولو قال: أنتِ طالق طلقة حسنة أو أحسن
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/493)
الطلاق أو أجمله فكالسنة في الحكم فإن كانت في حيض لم يقع الطلاق حتى تطهر أو في طهر لم تمس فيه وقع في الحال أو مست فيه فحين تطهر بعد حيض أو طلقة قبيحة أو أقبح الطلاق أو أفحشه فكالبدعة. فإن كانت في حيض وقع في الحال وكذا إن كانت في طهر مُسّتْ فيه وإن كانت في طهر لم تُمسّ فيه فحين تحيض أما لو خاطب في هذه العبارات مَنْ ليس طلاقها سنياً ولا بدعياً كالآيسة والصغيرة والحامل وقع الطلاق في الحال. أو قال: أنت طالقة طلقة سنية بدعية أو حسنة قبيحة وقع في الحال ويلغو ذكر الصفتين لتضادهما.
ولا يحرم جمع الطلقَات بأن يطلق ثلاثاً دفعة واحدة لانتفاء المحرم له والأولى له تركه لما روى الشيخان عن ابن عمر (أن عويمراً العجلاني لاعَنَ امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: إن أمسكتها فقد كذبت عليها هي طالق ثلاثاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا سبيل لك عليها)) فعمويمر العجلاني طلقها ثلاثاً حيث لم يخبره رسو الله صلى الله عليه وسلم أنها قد بانت منه باللعان وكان طلاقها بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم إيقاعه الثلاث فلو كان محرماً أو كان لا يقع لأنكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (لا سبيل لك عليها) أي لا سبيل لك عليها بالطلاق لأنها قد بانت منك باللعان.
وأخرج الدارقطني في السنن وعبدالرزاق في المصنف والحاكم في المستدرك وغيرهم (أن ركانة بن عبديزيد طلق امرأته سهيمةالبتةَ فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: (ما أردت بقولك: البتة؟) فقال: واحدة، فقال رسول الله: والله ما أردتَ إلا واحدة، فقال: والله ما أردتُ إلا واحدة، فردها النبي صلى الله عليه وسلم) فدل على أنه لو أراد الثلاثَ وقعنَ إذ لم يقعن لم يكن لاستحلافه معنى، رواه الشافعي في الأم في أحكام الرجعة.
ولو قال: أنت طالق ثلاثاًَ واقتصر على ذلك أو ثلاثاً للسنة وفسَّرَ بتفريقها على أقراء أي قال إنه ينوي في كل قرء طلقة لم يقبل بالظاهر لمخالفته لمقتضى اللفظ إلا ممن يعتقدُ تحريم الجمع للثلاث دفعة واحدة كالمالكي فيقبل قوله لموافقة تفسيره لاعتقاده والأصح أنه يُدَّين أي من لا يعتقد بذلك ومعنى يدَّين أي يعمل فيما نواه في الباطن إن كان صادقاً بأن يراجعها ويطلبها ولها تمكينه إن ظنت صدقه بقرينة. قال الشافعي رضي الله عنه: له الطلب وعليها الهرب. ويُدَيَّن من قال: أنتِ طالقٌ وقال: أردتُ إن دخلتْ الدار أو إن شاء زيدٌ لأنه لو قال ذلك لما كان في الكلام انقطاع وتناقضٌ ولو قال: نسائي طوالقٌ أو من امرأة لي طالق وقال: أردتُ بعضهن كفلانة وفلانة لا فلانة فالصحيح أنه لا يقبل قوله ظاهراً لمخالفته لعموم اللفظ المحصور بأفراد قليلين إلا بقرينة بأن خاصمته زوجته وقالت: تزوجتَ، فقال منكراً قولها: كلُّ امرأة لي طالق وقا: أردتُ غير المخاصمة فيقبل قوله رعاية للقرينة.
? فصل في تعليق الطلاق بالأزمنة ?
قال: أنتِ طالق في شهر كذا أو غرته أو أوله أو رأسه وقع الطلاق بأول جزء منه وهو أول جزء من الليلة الأولى من الشهر هذا إن كان التعليق قبل دخول الشهر أما إذا علق في الشهر اعتبر ذلك الجزء من العام القابل أو في نهاره أو في أول يوم منه فبفجر أول يوم منه لأن الفجر أول النهار أو قال لزوجته: أنت طالقٌ آخره فبآخر جزء من الشهر وقيل بأول النصف الآخر من الشهر إذ كله آخر الشهر ولكن هذا مردود بسبق الفهم إلى آخر جزء من الشهر ولو قال ليلاً لزوجته: أنتِ طالق إذا مضى يومٌ قبغروب يوم غده تطلق لأنه بالغروب يبدأ يوم آخر أو نهاراً ففي مثل وقته من غده لأنه اليوم حقيقة وهو أربع وعشرون ساعة.
أو قال لزوجته أنتِ طالق هذا اليوم فإن قاله نهاراً فبغروب شمسه تطلق وإلا بأن قال ذلك لها ليلاً لغا أي لا يقع شيء لأن (أل) العهدية تصرفه إلى الحاضر ولا نهار وأما اعتبار (أل) للجنس فهذا يعني أيام الدنيا ولا تطلق مطلقاً وذلك محال وبه أي بما ذكر يقاس شهر وسنة فإن قال ليلاً أو نهاراً: إذا مضى شهر فأنتِ طالق، طلقت بمضي ثلاثين يوماً ومن ليلة الحادي والثلاثين أو نهاره بقدر ما سبق التعليق من ليلته أو يومه وإذا قال لامرأته: إن مضت سنةٌ فأنتِ طالق، اعتبر ذلك من حين حلف فإذا كان أوّل ىلاشهر اعتبر جميع السنة بالأهلة فإذا مضى اثنا
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/494)
عشر شهراً طلِّقت لأن الاعتبار بالسنة الهلالية. قال تعالى: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس) البقرة189. وإذا كان اليمين وقد مضى من الشهر سبعة أيام مثلاً عدَّ بعده أحد عشر شهراً بالأهلة وعدَّ من الثالث عشر ما يكمل الشهر الذي طلق فيه ثلاثين يوماً فإن قال: إنما أردت سنة شمسية وهي ثلاث مائة وخمسة وستون يوماً لم يقبل ظاهراً ويدين فيما بينه وبين الله تعالى. أو قال أنتِ طالقٌ أمَسِ وقصد أن يقع في الحال مستنداً إليه أي إلى أمس وقع في الحال ولغا قصد استناده إلى أمَسِ وقيل لغو فلا يقع به شيء لاستحالته أو قصد أنه طلق أمْسِ وهي الآن معتدة صدق بيمينه في ذلك وتعتبر عدتها من الأمس أو قال: طلقتُ في نكاحٍ آخر، فإن عُرِفَ له نكاح آخر غير هذا صدق بيمينه لوجود القرينة وإلا فلا يصدّق ويحكم بوقوع الطلاق في الحال.
وأدوات التعليق مَنْ كمن دَخَلَتْ في الدار فهي طالق وإن وإذا ومتى ومتى ما وكلما كقوله لامرأته إن دخلت أو إذا دخلت أو منى دخلت أو متى ما دخلت أو كلما دخلت فأنت طالق وأيُّ كأي وقت دخلت الدار فأنت طالق ولا يقتضين فوراً في المعلق عليه إن علق بإثبات أي بمُثْبتٍ كالدخول في غير خلع أي أنه في الخلع يقتضي الفور في المشيئة لتضمنه تمليك الطلاق لها مقابل مال معين لأن المعاوضة تقتضي الفورية إلا أنتِ طالقٌ إن شئت فإنه يقتضي الفور كما يقتضي أن يكون التعليق بإن وإذا على مشيئتها خطاباً لا بمشيئة غيرها ولا يقتضين تكراراً للمعلق عليه بل إذا وجد مرة واحدة انحلت اليمين لدلالتهن على مجرد وقوع الفعل إلا كلما فإنها تقتضي التكرار.
ولو قال: لو طلقتكِ فأنتِ طالق، ثم طلق أو علق بصفة فوجدت الصفة كقوله إن دخلت الدار فأنت طالق فدخلت فطلقتان واحدة بالتنجيز وواحدة بالتعليق بصفة فوجدت الصفة أو كلما وقع طلاقي أي قال لامرأته: كلما وقع عليكِ طلاقي فأنتِ طالق فطلق فثلاث في ممسوسة واحدة بالتنجيز وثنتان بالتعليق بكلما واحدة بوقوع المنجز وواحدة بوقوع هذه الواحدة وفي غيرها أي غير الممسوسة طلقة واحدة لأنها تبين بها فلا يقع المعلق بعدها ولو قال وتحته أربع: إن طلقتُ واحدة فعبد حر وإن طلقتُ ثنتين فعبدان حران وإن طلقتُ ثلاث فثلاثة من عبيدي أحرار وإن طلقتُ أربعاً فأربعة من عبيدي أحرار فطلق أربعاً معاً أو مُرَتباً عتق عَشَرَةٌ من عبيده واحد بطلاق الأولى واثنان بطلاق الثانية وثلاثة بطلاق الثالثة وأربعة بطلاق الرابعة ومجموع ذلك عشرة.
ولو علق لكلما فخمسة عشر على الصحيح واحدٌ بطلاق الأولى وثلاثة بطلاق الثانية لأنه صدق به طلاق واحدة واثنتين وأربعة بطلاق الثالثة لأنه صدق به طلاق واحدة وطلاق ثلاث وسبعة بطلاق الرابعة لأنه صدق به طلاق واحدة وطلاق اثنتين وطلاق أربع وقيل سبعة عشر باعتبار صفة الثنتين في طلاق الثالثة وقيل عشرون باعتبار صفة الثلاث أيضاً في طلاق الرابعة وضابط ذلك أنه في غير كلما المجموع هو مجموع الآحاد وفي كلما يزاد على الناتج ما تكرر منها ففي الأربع مجموع الآحاد واحد واثنان وثلاثة وأربعة فجملتها عشرة وتكرار فيها الواحد مع الاثنين والثلاثة والأربعة أي ثلاث مرات والاثنان تكرر مرة واحدة فقط مع الأربعة وجملتها خمسة فتزاد على العشرة فيكون المجموع خمسة عشر عبداً ولو علق بنفي فعلٍ بأن قال لامرأته: إن لم تدخلي الدار فأنتِ طالق فالمذهب أنه إن علق بإن كإن لم تدخلي وقع الطلاق عند اليأس من الدخول كأن ماتت قبل الدخول فيحكم بوقوع الطلاق قبل الموت بزمن لا يمكن فيه الدخول أما لو أبانها قبل الدخول فلا طلاق. أو بغيرها من أدوات التعليق كإذا مثلاً فعند مضي زمن يمكنه فيه ذلك الفعل من وقت التعليق ولم تفعل يقع الطلاق والفرق بين إن وإذا أن إنْ حرف شرط لا إشعار له بالزمن بخلاف البقية فإنها ظرف زمان كمتى فتناولت جميع الأوقات ومعنى إذا لم تدخلي الدار فأنتِ طالق معناه أي وقت فاتك دخول الدار فأنت طالق فيقع بمضي زمن يمكن فيه الدخول ولم تدخل ولو قال: أنتِ طالق إن دخلت أو أن لم تدخلي بفتح أن وقع في الحال لأن (أن) للتعليل فالمعنى للدخول وعدمه فلم يفترق الحال بين الدخول وعدمه فإن قال: إنما أردت التعليق قُبل ظاهراً لأن هذا مما يخفى على العوام قلت: إلا في غير النحوي فتعليق في الأصح والله أعلم لعدم التمييز بين إن وأن والظاهر
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/495)
قصده التعليق.
? فصل في أنواع من التعليق بالحمل والولادة والحيض وغيرها ?
عَلَّقَ بحمل فإن كان حمل ظاهر وقع أي قال لها: إن كنت حاملاًَ فأنت طالق فيقع في الحال إن كان بها حمل ظاهراً وإلا بأن لم يكن بها حملٌ ظاهر فإن ولدته لدون ستة أشهر من التعليق بانَ وقوعُهُ أي الطلاق حين التعليق لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر أو وضعته لأكثر من أربع سنين من التعليق أو بينهما أي بين الستة أشهر والأربع سنين ووطئت بعد التعليق وأمكن حدوثه به أي حدوث الحمل بهذا الوطء لا يقع بالتعليق طلاق لأنه يجوز أن يكون الحمل موجوداً حال التعليق ويجوز أن يكون حدث من الوطء فلا يقع الطلاق بالشك والأصل بقاء النكاح. وإلا أي إن لم يطأها الزوج بعد اليمين فالأصح وقوعه أي الطلاق لأنا تبينا أنها كانت حاملاً وقت التعليق وإن قال: إن كنت حاملاً بذكرٍ فطلقةٌ أو أنثى فطلقتين فولدتهما وقع ثلاث لتحقق الصفتين المُعَلَق عليهما معاً. وتنقضي عدتها في هذه الصورة بالولادة وتبين منه أو قال إن كان حملك ذكراً فطلقة أو أنثى فطلقتين فولدتهما لم يقع شيء لعدم تحقق أي من الصفتين فالحمل ليس ذكراً ولا أنثى إنما هما معاً.
أو قال إن ولدت فأنت طالق فولدت اثنين مرتباً طلقت بالأول وانقضت عدتها بالثاني فبوضع الأول طلقت لوجود الصفة وبوضع الثاني تنقضي عدتها لأنها في حكم الحامل قال تعالى: (وأولات الأحمال أن يضعن حملهن) الطلاق4. أما إذا وضعتهُما معاً فلا تنقضي عدتها لأن الطلاق وقع بالوضع فتشرع بعدتها من حين الوضع. وإن قال كلما ولدت فأنت طالق فولدت ثلاثة من حمل واحد مرتبين وقع بالأوليين طلقتان أي بالأول طلقة وبالثاني طلقة لأنها رجعية عند ولادة الثاني فإذا ولدت الثالث لم يقع به طلاق لأنها بانت به فوجدت الصفة ولم تكن محلاً للطلاق. وانقضت عدتها بالثالث لتبين براءة الرحم على الصحيح لما مرَّ ولو قال لأربع كلما وَلَدَتْ واحدةٌ فصواحبها طوالق فولدت معاً طلقن ثلاثاً ثلاثاً لأن لكل واحدة منهن ثلاث صواحب وَلَدْنَ وكانت عدتهن بالأقراء أو وَلَدْنَ مرتباً طلقت الرابعة ثلاثاً وكذا الأولى إن بقيت عدتها والثانية طلقةً والثالثة طلقتين وانقضت عدتهما أي الثانية والثالثة بولادتهما فلا يقع عليهما طلاق بولادة من بعدهما لأنه لما ولدت الأولى وقع على كل واحدة طلقةٌ دونها ولما ولدت الثانية وقعت على الأولى طلقة وعلى الثالثة طلقة وعلى الرابعة طلقة وبانت الثانية بولادتها ولما ولدت الثالثة وقعت على الأولى طلقةٌ ثانية وعلى الرابعة طلقة ثالثة ولم يقع على الثانية شيء قد بانت بولادتها وبانت الثالثة بولادتها أيضاً. ولما ولدت الرابعة وقع على الأولى طلقة ثالثة ولم يقع شيء على الثانية والثالثة لأنهما ليستا محلاً للطلاق وبانت الرابعة بولادتها وقيل لا تطلق الأولى وتطلق الباقيات طلقة طلقة لأن الأولى لما ولدت وقع على الباقيات طلقة طلقة ولم يقع عليها بولادتها طلاق لأن الصفة هي ولادة الصاحبة فلما ولدتْ المطلقاتُ بعد غيرها لأنها ليست بصاحبة لواحدة منهن لبينونتها بالولادة ولكن هذا مدفوع بأن الطلاق الرجعي لا ينفي الصحبة الزوجية.
وإن ولدت ثنتان معاً ثم ثنتان معاً طلقت الأوليان ثلاثاً ثلاثاً بولادة كل من صواحبها الثلاث وقيل طلقة واحدة ووانتفت الصحبة والأخريان طلقتين طلقتين لانقضاء عدتهما بولادتهما وتصدَّق بيمينها في حيضها إذا علقها به أي علق طلاقها بحيضها وقالت: حضت فتصدق بيمينها لا في ولادتها في الأصح لإمكان إقامة البينة على الولادة بخلاف الحيض فإنه يتعذر وإن شوهد الدم لإمكان أن يكون استحاضة وقيل تصدق لأنها مؤتمنة على رحمها وقد قال تعالى: (ولا يحل لهنَّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) البقرة228.
ولا تصدق فيه أي في حيضها في تعليق طلاق غيرها كأن قال الزوج لإحدى زوجتيه: إن حضت فضرتُكِ طالق، فقالت: حضتُ إذ لو صدقت في ذلك بيمينها لزم الحكم للإنسان بيمين غيره وهو ممتنع فلا تحلف ولا يقع الطلاق فيصدق الزوج عملاً بأصل تصديق المنِكِر إذ لابد من اليمين وهي منها ممتنعة فيصدَّقُ الزوج بيمنيه.
ولو قال إن حضتما فأنتما طالقتان فزعمتاه وكذبهما صدق بيمينه ولم تطلق واحدة منهما ولم يقع الطلاق لأن الأصل عدم الحيض وبقاء النكاح.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/496)
وإن كذَّبَ واحدةً طُلِقَتْ المكذَبةُ فقط وإذا حلفت أنها حاضت لثبوت حيضها بيمينها وحيض ضرتها بتصديق الزوج ولو قال: إن أو إذا أو متى طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثاً فطلقها وقع المنجز فقط لأن الجمع بين المنجز والمعلق ممتنع ووقوع أحدهما ممكن والمنجز أولى لأنه أقوى من حيث افتقار المعلق إليه ولأنه جعل الجزاء سابقاً على الشرط بقوله قبله والجزاء لا يتقدم فيلغو وقيل ثلاثٌ الطلقة المنجزة وثنتان من المعلق ولغت الثالثة لاستحالتها. وقيل لا شيء يقع على المنجز والمعلق وهو ما يسمى بالدور أو طلاق التنافي لأنه لو وقع الطلاق المباشرُ وما أدى إثباته إلى إسقاطه سقط إثباتُهُ.
ولو قال: إن ظاهرتُ منك أو آليتُ أو لاعنتُ أو فسخت بعيبك فأنت طالقٌ قبله ثلاثاً ثم وجد المُعَلقُ ففي صحته الخلاف في المسألة السابقة فعلى الأول يصح ويلغو التعليق لاستحالته وعلى الثالث يلغوان جميعاً.
ولو قال: إن وطئتك فأنت طالق قبله فذكر واحدة أو أكثر ثم وطيء لم يقع طلاق قطعاً إذ لو طلقت لم يكن الوطء مباحاً وخروجه عن كونه مباحاً محال ولو علقه بمشيئتها خطاباً فقال: أنتِ طالق إن شئت اشترطت أي مشيئتها على فور لتضمن ذلك تمليك الطلاق لما فيه من صيغة البيع فاقتضى الفورية أو غيبة بأن قال: زوجتي طالق إن شاءت أو بمشيئة أجنبي فلا يقع الطلاق في الأصح لانتفاء التمليك في الأجنبي وبعده في الأولى. ولو قال: المعّلَّقُ بمشيئة من الزوجة أو الأجنبي شئتُ وكان كارهاً بقلبه وقعَ الطلاقُ ظاهراً وباطناً لأن القصد اللفظ الدال على القبول لا في الباطن لخفائه وقيل لا يقع باطناً لانتفاء المشيئة في الباطن وهذا مردود بأن الباطن لا يعرف والتعليق كان باللفظ وقد وُجِدَ.
ولا يقع بمشيئة صبية وصبي ولو كانا مميزين لأنه لا اعتبار لقول غير البالغ في التصرفات وقيل يقع بمميز لأننا اعتبرنا مشيئة في اختيار لأبويه فنعتبرها هنا ولا اعتبار لهذا القياس ولا رجوع له أي لا رجوع للمعلِقِ قبل المشيئة من المُعَلَّق عليه لأنه تضمن تمليكاً فيه شائبة تعليق بصفة فامتنع الرجوع كسائر التعليقات.
ولو قال: أنتِ طالق ثلاثاً إلا أن يشاء زيدٌ طلقةً فشاء زيدٌ طلقةً لم تطلق لأن معنى الكلام إلا أن يشاء زيد فلا تطلقين وقيل يقع طلقة لأن المعنى إلا أن يشاء زيدٌ طلقة واحدة.
ولو علَّقَ بفعله ففعل ناسياً للتعليق أو مكرهاً لم تطلق في الأظهر لحديث ابن ماجة وغيره (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) أو علق طلاق زوجته بفعل غيره ممن يبالي بتعليقه فلا يخالفه ولا يبحث عن أذيته وعلم المُعَلَّقُ به أي بالتعليق فكذلك إن فعله ناسياً أو مكرهاً أو جاهلاً فلا يقع الطلاق وإلا فيقع قطعاً بأن لم يكن يبالي بتعليقه أو كان يبالي به ولكنَّ الزوج لم يعلمه ففعل المعلق عليه عالماً أو ناسياً وقع الطلاق.
? فصل في الإشارة إلى العدد وأنواع من التعليق ?
قال: أنتِ طالقٌ وأشار بأصبعين أو ثلاث ولم يقل هكذا لم يقع عدد إلا بنية لأن الطلاق لا يتعدد إلا بلفظ أو نية. فإن قال مع ذلك القول أو الإشارة هكذا وأشار بأصبع وقعت عليها طلقة أو أيضاً طلقت في إشارة أصبعين طلقتين وفي ثلاثٍ ثلاثاً لأنه شبه الطلاق بأصابعه وهي عدد. فإن قال: أردت بالإشارة في الصورة الأخيرة بالأصبعين المقبوضتين صدّق بيمينه لأنه يحتمل الإشارة بهما فتقع طلقتان ولو قال عبدٌ لامرأته: إذا مات سيدي فأنتِ طالق طلقتين وقال سيده له: إذا مِتُّ فأنت حرٌّ فعتق به أي بموت سيده بأن خرج من ثلث مال سيده فالأصح أنها لا تحرم عليه بل له الرجعة في العدة لأنه أصبح يملك ثلاث تطليقات وتجديد النكاح بعد انقضاء العدة قبل زوج أي قبل أن تنكح زوجاً غيره ولو نادى إحدى زوجتيه فأجابته الأخرى فقال: أنتِ طالقٌ، وهو يظنها المناداة لم تطلق المناداة وتطلق المجيبة في الأصح لأنها هي التي خاطبها بالطلاق أما الأخرى فلم تخاطب بالطلاق.
ولو علق الطلاق بأكل رمانة وعلق ثانياً بأكل بنصف رمانة كأن قال: إن أكلت نصف رمانة فطالق فأكلت رمانة واحدة فطلقتان لحصول الصفتين بأكلها رمانة ولو كان التعليق بكلما طلقت ثلاثاً لأنها أكلت رمانة مرة ونصف رمانة مرتين.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/497)
والحلف بالطلاق ما تعلق به حثٌّ أو منعٌ أو تحقيق خبر ذكره الحالف ليُصَدَّق فيه فإذا قال لزوجته: إن حلفتُ بطلاق منك فأنتِ طالق، هذا مثال للتعليق على الحلف ثم قال: إن لم تخرجي فأنتِ طالق، فهذا مثال للحث على الفعل أو إن خرجت فأنتِ طالق وهذا مثال على المنع أو إن لم يكن الأمر كما قلتُ فأنت طالق وهو مثال على تحقيق الخبر وقع المعلق بالحلفِ حالاً لأنه ما قاله هو الحلف بأقسامه.
ويقع الآخر إن وجدت صفته من الخروج أو عدمه أو عدم الأمر كما قاله وهي في العدة ولو قال بعد التعليق بالحلف: إذا طلعت الشمسُ أو جاءَ الحجاجُ فأنتِ طالق، لم يقع المعلق بالحلف لأنه ليس بِحَثٍّ ولا منع ولا تحقيق خبر فيكون الحلف تعليق محض بصفة فإن وُجِدت وقع الطلاق ولو قيل له استخباراً: أطلقتها؟ فقال: نعم، أو إحدى مرادفاتها مثل أجل، إيّ، بلى، فإقرار به أي إقرار بالطلاق فإن كان كاذباً فهي زوجته باطناً ويَدينُ فإن قال: أردت طلاقاً ماضياً وراجعت صدق بيمينه وإن لم يعرف له طلاق سابق وإن قيل ذلك له التماساً لإنشاء طلاق فقال: نعم فصريح في إيقاع الطلاق وقيل كناية لأن نعم ليست من صرائح الطلاق ولكن لها تعلق بما قبلها من السؤال.
? فصل في أنواع أخرى من التعليق ?
علق طلاقها بأكل رغيف أو رمانة فقال: إن أكلت هذا الرغيف أو هذه الرمانة فأنتِ طالق فبقي لبابة من رغيف أو حبةٌ من الرمانة لم يقع طلاقة لأنه يصدق أنه لم تأكل الرغيف والرمانة ولو أكلا أي الزوجان تمراً وخلطا نواهما فقال لزوجته: إن لم تميزي نواك عن نواي فأنت طالق فجعلت كلَّ نواة وحدها لم يقع الطلاق إلا أن يقصد تعييناً لنواه فإنه يقع الطلاق ولو كان بفمها تمرةٌ فعلق الطلاق ببلعها ثم برميها ثم بإمساكها كأن قال: إن بلعتها فأنت طالق وإن رميتها فأنت طالق وإن أمسكتها فأنت طالق فبادرت مع فراغه من تعليق الطلاق بأكل بعضٍ من التمرة ورمي بعضٍ لم يقع فإن لم تبادر وقع الطلاق لإمساكها ولو اتهمها بسرقة فقال: إن لم تصدِّقيني بما أقول فأنت طالق فقالت: مرة سرقت ومرة أخرى ما سرقت لم تطلق لأنها صادقة في أحد الكلامين ولو قال: إن لم تخبريني بعدد حب هذه الرمانة قبل كسرها فأنت طالق فالخلاص من هذا اليمين أن تذكر عدداً يُعْلَمُ أنها لا تنقص عنه كمئة مثلاً ثم تزيد واحداً واحداً فتقول مئة وواحد منه واثنان وهكذا حتى تبلغ ما يَعْلَمُ أنها لا تزيد عليه فتكون مخبرة بعددها والصورتان السابقتان فيمن لم يقصد تعريفاً فإن قصده لم تخلص من اليمين بما ذكرته وقوله تعريفاً أي بعيناً تاماً.
ولو قال لثلاث من لم تخبرني بعدد ركعات فرائض اليوم والليلة فهي طالق فقالت: واحدةٌ سبع عشرة ركعة وتقصد الأيام التامة غير الجمعة للمقيم وأخرى خمس عشرة أي يوم جُمعةٍ وثالثة إحدى عشرة أي لمسافر لم يقع طلاق على واحدة منهن لصدقهن فيما ذكرنه ولو قال أنت طالق إلى حينٍ أو زمانٍ أو بعد حينٍ طلقت بمضي لحظةٍ لأن ذلك يقع على المدة الطويلة والقصيرة. قال تعالى: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) الروم17. وقال تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر) الإنسان1. ولو علق الطلاق برؤية زيد أو لمسه أو قذفه تناوله التعليق حياً وميتاً لأن رؤية الميت ولمسه وقذفه كرؤية الحي ولمسه وقذفه بخلاف ضربه بأن قال لها إذا ضربتُ زيداً فأنت طالق فضربه ميتاً فلا تطلق لأن قصد الضرب أن يتألم المضروب وهذا لا يوجد في ضرب الميت.
ولو خاطبته زوجته بمكروه كيا سفيه يا خسيس فقال: إن كنت كذلك أي كما تقولين سفيهاً أو خسيساً فأنت طالق إن أراد مكافأتها بإسماع ما تكره من الطلاق بكونها أغاظته بالشتم طلقت حالاً وإن لم يكن سفه ولا خسة أو أراد التعليق أعتبرت الصفة كسائر التعليقات وكذا إن لم يقصد مكافأة أو تعليقاً في الأصح نظراً لظاهر اللفظ إذ المعتمد في التعليقات الوضع اللغوي لا العرف والسفهُ منافي إطلاق التصرف أي إذا كانت في الشخص لا يكون صاحبها مطلق التصرف والخسيس قيل مَنْ باع دينه بدنياه بأن ترك دينه ليشتغل بدنياه ويشبه أن يقال هو من يتعاطى غير لائق به بُخْلاً لأن ذلك قضية العرف لا زهداً أو تواضعاً أو طرحاً للتكلف وأخس الأخساء من باع دينه بدنيا غيره.
? كتاب الرجعة ?
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/498)
هي بفتح الراء يجوز كسرها قيل بل هو الأكثر لغة وهي المرة من الرجوع وشرعاً ردُّ مطلقة لم تبنْ إلى النكاح والأصل فيه الكتاب والسنة وإجماع الأمة وأركانه: محل وصيغة ومرتَجِعٌ. قال تعالى: (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً) البقرة 288. ومعنى بردهن أي برجعتهن.
وقال تعالى: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) البقرة229. فأخبر أن من طلق مرتين فله الإمساك وهو الرجعة وله التسريح وهو الثالثة وروى أبوداود عن عمر بن الخطاب (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة وراجعها) وروى الشيخان عن ابن عمر وفيه (مُرْهُ فليراجعها).
شرط المرتجع أهليةُ النكاح بنفسه بأن يكون بالغاً عاقلاً فلا تصح رجعة صبي ولا مرتد ولا مجنون وإذا طلق فجُنَّ فللولي الرجعة على الصحيح حيث له ابتداء النكاح بأن يكون المجنون محتاجاً للنكاح وتحصل براجعتك وَرَجَعْتكِ وارتجعتُكِ وهي صريحة في الرجعة ويستحب أن يضيف إليها إليَّ أو إلى نكاحي. والأصح أن الردَّ والإمساك صريحان لورودهما في القرآن الكريم قال تعالى: (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً) البقرة228. وقال تعالى: (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) الطلاق2. وقيل هما كنايتان لأن الردَّ لم يتكرر في القرآن والإمساك يحتمل معاني أخرى كالإمساك في البيت أو في اليد وقيل لا يشترط التكرار فهو صريح وأن التزويج والنكاح كنايتان لأن ما كان صريحاً في بابه لا يكون صريحاً في غيره كما أن النكاح لا يخلو من عوض والرجعة لا تتضمن عوضاً فلم ينعقد أحدهما بلفظ الآخر وليقل رددتها إليَّ أو إلى نكاحي بناءً على قولنا أن الردَّ صريح في الرجعة والرد المجرد قد يُفْهَمُ منه الردُّ إلى أهلها بسبب الفراق ولذا نُدِبَ إضافة إليَّ أو إلى نكاحي والجديد أنه لا يشترط الإشهاد في الرجعة لأنها في حكم استدامة النكاح السابق لقوله صلى الله عليه وسلم لعمر: (مُرْ ابنك فليراجعها) ولم يأمره بالإشهاد فلو كان شرطاً لأمره به فتصح بكناية مع النية كاخترت رجعتك لأنه يستقل بها كالطلاق ولا تقبل تعليقاً كالنكاح فإن قال راجعتك إن شئت فقالت في الحال: شئت لم تصح الرجعة لأنه عقد يستبيح به البضع فلم يصح تعليقاً على صفة كالنكاح ولا تحصل بفعل كوطء لأن ذلك حرم بالطلاق ومقصود الرجعة حله فلا تحصل الرجعة بما مقصودها بتحصيله قال تعالى: (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) البقرة228.
وتختص الرجعة بموطوءة طلقت بلا عوض لم يستوفَ عدد طلاقها والزوجة باقية في العدة بخلاف من انقضت عدتها أو طلقت بعوض محلٌ لحلٍ لا مرتدة فإنها لا تحل لأحد لأن مقصود الرجعة الحل والردة تنافي الحل.
وإن ادعت انقضاء أشهر كأن تكون آيسة أو صغيرة وأنكر الزوج صدق بيمينه لأن ذلك راجع إلى وقت الطلاق والقول قوله فيه أو وضع حمل لمدة إمكان وهي ممن تحيض لا آيسة فالأصح تصديقها بيمين لأن النساء مؤتمنات على أرحامهن أما الآيسة من الحيض فلا تصدق في دعوى الوضع لأنها لا تحبل أصلاً.
وإن ادعت ولادة ولد تام فبإمكانه ستة أشهر ولحظتان من وقت النكاح لحظة للوطء ولحظة للولادة وستة أشهر هي أقل الحمل أو سقْطٍ مصوّرٍ فمائة وعشرين يوم ولحظتان أو ادعت أنها وضعت سقطاً فيه صورة آدمي ظاهرة أو خفية بقول القوابل فأقل إمكانه مائة وعشرين يوماً ولحظتان روى لشيخان عن ابن مسعود (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يُجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعون يوماً نطفة وأربعون يوماً علقة وأربعون يوماً مضغة ثم ينفخ فيه الروح)).
وأخرج مالك في الموطأ أنه بلغه (أن عثمان أتى بامرأة ولدت لستة أشهر فتشاور القوم في رجمها فقال علي: أنزل الله (وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) الأحقاف15، والفصال في عامين فكان أقل الحمل ستة أشهر).
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/499)
أو مضغة بلا صورة ظاهرة فثمانون يوماً ولحظتان للخبر السابق أو انقضاء أقراء فإن كانت حرة وطلقت في طهر فأقل الإمكان اثنان وثلاثون يوماً ولحظتان وذلك بأن تطلق وقد بقي من الطهر لحظة ثم تحيض أقل الحيض يوماً وليلة ثم تطهر أقل الطهر خمسة عشر يوماً ثم تحيض وتطهر كذلك ثم تطعن في الحيض لحظة وهذه اللحظة لاستبانة القرء وليست من العدة. أو طلقت في حيض أو نفاس فسبعة وأربعون يوماً ولحظة وذلك بأن يعلق الطلاق بآخر جزء من الحيض ثم تطهر أقل الطهر خمسة عشر يوماً ثم تحيض أقل الحيض يوماً وليلة ثم تطهر وتحيض كذلك ثم تطهر أقل الطهر ثم تطعن في الحيض لحظة وهذه اللحظة للاستبانة أو أمة طلقت في طهر فستة عشر يوماً ولحظتان وذلك بأن تطلق وقد بقي من الطهر لحظة ثم تحيض أقل الحيض وتطهر أقل الطهر ثم تطعن في الحيض لحظة لاستبانة القرء الثاني وهو تمام عدة الأمة فقد روى مالك في الموطأ (أن نفيعاً وكان عبداً لأم سلمة سأل عثمان وزيداً فقال: طلقت امرأتي وهي حرة تطليقتين، فقالا: حرمت عليك). وروى مالك في الموطأ عن ابن عمر مرفوعاً وموقوفاً (العبد يطلق تطليقتين) وروى ابن ماجة والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر مرفوعاً (طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان). وروى الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر (عدة الحرة ثلاثة حيض وعدة الأمة حيضتان) أو طلقت أمة ولو مبعضة في حيض فأحد وثلاثون يوماً ولحظة هو أقل إمكان انقضاء أقرائها وذلك بأن يعلق الطلاق بآخر جزء من الحيض ثم تطهر أقل الطهر وتحيض أقل الحيض ثم تطهر أقل الطهر ثم تطعن في الحيض لحظة على اعتبار أن القرء هو الطهر الذي قبله دم وبعده دم أي الطهر المحتوش بدمين. وتصدق إن لم تخالف عادة دائرة أي تصدق المرأة بيمينها إن لم تخالف عادتها وكذا إن خالفت في الأصح لأن العادة قد تتغير وهي مؤتمنة على فرجها قال تعالى: (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) البقرة228.
ولو وطيء رجعيته واستأنفت الأقراء من وقت الوط راجع فيما كان بقي من أقراء الطلاق فإن وطي بعد قرء أوشهر فله الرجعة في قرأين أو شهرين أما الحامل فلها الرجعة ما لم تضع ويحرم الاستمتاع بها أي بالرجعية لأن النكاح يبيح الاستمتاع فيحرمه الطلاق فإن وطيء فلا حدَّ لشدة الخلاف ولو كان متعمداً ولا يعزر مَنْ وطيء أو لمس أو نظر إلا معتقدَ تحريمه وذلك لإقدامه على معصية عنده ويجب مهر المثل إن لم يُرَاجع وكذا يجب مهر مثل إن راجع على المذهب لأن الرجعة لا ترفع أثر الطلاق ويصح إيلاء وظهار منها وطلاق لها ولو بمال فلو قال وله مطلقة رجعية كل زوجة لي طالق طُلِّقت الرجعية لبقاء الولاية عليها ويتوارثان الزوج والرجعية لبقاء أثر الزواج وعليه نفقتها وإذا ادعى الزوج والعدة منقضية رجعة فيها فأنكرت الزوجة فإن اتفقا على وقت الانقضاء كيوم الجمعة وقال راجعت يوم الخميس فقالت: بل السبت صُدِّقَتْ بيمينها أنها لا تعلم أنه راجعها يوم الخميس لأن الأصل عدم الرجعة إلى يوم السبت أو لم يتفقا على وقت الانقضاء با اتفقا على وقت الرجعة كيوم الجمعة وقالت: انقضت العدة الخميس وقال: انقضت السبت صدق بيمينه للاتفاق على وقت الرجعة والأصل بقاء الزوجية وعدم انقضاء العدة.
وإن تنازعا في السبق بين العدة والرجعة بلا اتفاق بأن قالت: انقضاء العدة سابق وقال الزوج: الرجعة سابقة فالأصح ترحيح سبق الدعوى فإن ادعت الإنقضاء ثم ادعى رجعة قبله أي قبل انقضاء العدة صدقت بيمينها أو ادعاها أي الرجعة قبل انقضاء العدة فقالت بعده أي بعد قوله صُدِّقَ هو لأن الظاهر أن عدتها لم تنقضِ لأنها ما دامت لم تظهر انقضاء العدة فالمصدق هو فإن ادعيا معاً فقال الزوج: راجعت وقالت الزوجة: انقضت العدة ولم يسبق أحدهما الآخر لأن الإنقضاء عادة لا يظهر إلا منها كما أن الأصل عدم الرجعة ومتى ادعاها أي الرجعة والعدة باقية وأنكرت صدق بيمينه لقدرته على إنشاء الرجعة في العدة لاستقلاله بالرجعة. قال تعالى: (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف) الطلاق2، أي قاربن بلوغ أجلهن لأن العرب تقول مجازاً إذا قارب المسافر بلوغ بلد لقد بلغ البلد الفلاني. ومتى أنكرتها أي الرجعة وصُدِّقت بقولها ثم اعترفت قُبِلَ اعترافها كمن أنكر حقاً لغيره ثم اعترف به قُبِلَ قوله والرجعة حق للزوج فإن تزوجت فتغرم مهر مثل لإفسادها النكاح عليه وإن
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(82/500)
كانت عدتها غير منقضية فترجع إليه إن راجع لأنه لم يُقرَّ بانقضاء عدتها أصلاً.
وإن طلق دون ثلاث وقال: وطئت فليَ رجعة وأنكرت الوطء صدقت بيمين أنه ما وطئها لأن الأصل عدم الوطء وهو مقرٌّ لها بالمهر فإن قبضته فلا رجوع له بشيء من المهر عملاً بإقراره وإلا فلا تطالبه إلا بنصف منه لإقرارها بعدم الوطء. ولا نفقة لها ولا كسوة ولا سكنى ولا توارث.
? كتاب الإيلاء ?
الإيلاء في اللغة هو الحَلِف واليمين فيقال تألّى يتألّى. قال تعالى: (ولا يأتل أولو القضل منكم والسعة) النور22. وفي الشرع: أن يحلف ألا يطأ امرأته مطلقاً أو مدة معلومة وقد كان ذلك فرقةً مؤبدة في الجاهلية والأصل فيه قوله تعالى: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم) البقرة226. وروى البخاري عن أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم ألى من نسائه شهراً). والإيلاء: هو حلف زوج يصح طلاقه بأن يكون بالغاً عاقلاًَ ليمتنعن من وطئها أي الزوجة مطلقاً أو فوق أربعة أشهر كأن يقول: والله لا أطؤكِ خمسة أشهر فيمهل أربعة أشهر ثم يطالب بالوطء أو الطلاق فقد روى البيهقي عن عمر (أنه خرج مرة ليلاً في شوراع المدينة فسمع امرأة تقول:
تطاول هذا الليل وأسود جانيه .......................... وأراقني أن لا خليل ألاعبه
فوالله لو لا الله تخشى عواقبه .......................... لحرك من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يصدني .......................... وأخشى لبعلي أن تنال مراتبه
فسأل عمر النساء: كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقلن له: تصبر شهرين وفي الثالث يقل صبرها، فكتب إلى أمراء الأجناد: أن لا تحبسوا عن امرأته أكثر من أربعة أشهر)، وأما قولها من هذا السرير فقصدت نفسها لأنها فراش الزوج. والجديد أنه لا يختص بالحلف بالله تعالى وصفاته لأن الحلف كما ذكرنا ما تعلق به حث أو منع أو تحقيق خبر فهو أعمُّ من اليمين الذي لا يكون إلا بالله أو صفته وحينئذ فإن المعنى الشرعي أعم من المعنى اللغوي بل لو علق به بالوطء طلاقاً أو عتقاً كقوله: إن وطئتك فضرتك طالق أو قال: إن وطئتك فالله عليَّ صلاةٌ أو صوم أو حج أو عتق كان مولياً لأنه يمتنع من الوطء لأنه علق بالوطء الطلاق أو العتق أو الصلاة أو التزام قربة ولو حلف أجنبي عليه أي على ترك الوطء كقوله لأجنبية والله لا أطؤكِ فيمينٌ محضة وليست إيلاء فإن نكحها فلا إيلاء بحلفه المذكور حيث أنه عند الحلف لم يكن زوجاً ولو آلى من رتقاء أو قرناء أو آلى مجبوب لم يصح إيلاؤه على المذهب إذ لا إيذاء فلا يتحقق منه الغرض.
ولو قال: والله لا وطئتكِ أربعة أشهر فإذا وطيء فوالله لا وطئتك أربعة أشهر وهكذا مراراً فليس بمولي في الأصح لانحلال كل يمين بالوطء فتمتنع المطالبة ولكن يأثم للإيذاء المقصود ولو قال: والله لا وطئتك خمسة أشهر فإذا مضت فوالله لا وطئتك سنة فإيلاءان لكلٍ حكمه فلها المطالبة في الشهر الخامس بموجب الإيلاء الأول بالفيئة أو الطلاق فإن طالبته وفاء خرج عن موجبه بإنقضاء الشهر الخامس تدخل مدة الإيلاء الثاني فلها المطالبة بعد أربعة أشهر منها بالفيء أو الطلاق فإن أخرت المطالبة في الإيلاء الأول حتى مضى الشهر الخامس منه فلا تطالبه لانحلال اليمين وكذا إن تركت المطالبة بالثاني حتى مضت السنة.
ولو قيد الامتناع عن الوطء بمستبعد الحصول في الأربعة الأشهر كنزول عيسى صلى الله عليه وسلم أو خروج الدجال فمولٍ لظن تأخر حصول للقيد به عن الأربعة الأشهر وإن ظن حصوله أي المقيد به قبلها أي الأربعة ألأشهر كأن قال: لا أطؤكِ حتى ينزل المطر فلا أي فليس بمولٍ وكذا لو شك كأن قال: والله لا وطئتكِ حتى يموت فلان فلا يكون مولياً لأنه لا متيقن بقاؤم أكثر من أربعة أشهر في الأصح وقيل إن الظاهر بقاؤه أكثر من أربعة أشهر فيكون مولياً. ولفظه أي اللفظ المستعمل في الإيلاء صريح وكناية فمن صريحه تغييب ذكر بفرج ووطء وجماع وافتضاض بكر كأن يقول: والله لا افتضتكِ وهي بكر لاشتهار ذلك بمعنى الوطء والجديد أن ملامسة ومباضعة ومباشرة وإتياناً وقرباناً ونحوها كالمس والإفضاء كقوله والله لا أمسكِ أو لا أفضي إليكِ كنايات. فلا يكون مولياً إلا أن ينوي به الجماع لأن هذه الألفاظ تحتمل الجماع وغيره. قال تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) البقرة187.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)
(83/1)