ج 6 ، ص : 350
الآية على أن حضرة الرّسول لم يكتم شيئا من الوحي ، خلافا للأمامية القائلين بذلك من أنه كتم بعضه تقية ، وحاشاه من ذلك ، لأن الإمساك المار ذكره كان عن جماعة مخصوصين مكابرين آنفين لا عن غيرهم ، ومع هذا قد أمره ربه بإبلاغهم وحيه.
روى مسلم عن عائشة رضي اللّه عنها قالت من حدثك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كتم شيئا مما أوحي إليه فقد كذب ، ثم قرأت هذه الآية - أخرجاه في الصّحيحين - وفي رواية قالت لو كتم شيئا لكتم قوله تعالى (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) الآية 37 من سورة الأحزاب المارة في قصة زيد رضي اللّه عنه.
أما ما خصّ به من علم الغيب مما ليس بقرآن وقد تلقاه عن ربه بواسطة الأمين جبريل مما لا يسعه عقول النّاس إذ ذاك ، فهذا مما لم يؤمر بتبليغه إذ لم يكن من القرآن ، لأن وجوب التبليغ عليه مقصور على القرآن فقط لأنه له ولأمته ، أما غيره مما أوحى إليه فمنه ما هو واجب إبلاغه للناس لتعلقه بهم ، ومنه ما هو خاص به فقط ، ومنه ما هو مخيّر بين تبليغه وكتمه.
قال تعالى (فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى )
الآية 10 من سورة النّجم أي شيئا عظيما أوحاه إليه وأسرّه بأشياء جليلة لا تظهر لنا في الدّنيا بل حينما يعطي الشّفاعة الكبرى بالآخرة ، وإنما لم يظهرها لنا لأنا قد لا نعيها ولا ندرك ما ترمي إليه ، ولا نقدر أن نتصورها ، وقد أشار سيد العارفين الامام زين الدّين الحديث الذي رواه البخاري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال حفظت من رسول اللّه دعاءين ، فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني الحلقوم ، وقال :
إني لأكتم من علمي جواهره كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا
وقد تقدم في هذا أبو حسن إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا
فرب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنا
وقدمنا في سورة الإسراء ج 1 ما يتعلق في هذا البحث فراجعه.
واعلم أن حضرة الرّسول لو أعلم أهل زمانه معنى قوله تعالى (وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ) من هذه الطّائرات والسّيارات والكهرباء والرّاديو والهاتف والصّواعق والذرة وغيرها لما(6/350)
ج 6 ، ص : 351
وسعته عقولهم ، ولأدى ذلك إلى عدم إيمان بعضهم ، ولو سمعوا منه ما هو أقرب من ذلك للعقل لو صموه بالسحر والكهانة ولم يصدقوه ، اللهم عدا خواص الأصحاب كأبي بكر رضي اللّه عنه إذ صدقه بالإسراء وما رآه فيه ، والمعراج وما وقع له فيه وهو أعظم من هذا ، ولذلك سمي الصّدّيق ، وقد ارتد بعض النّاس حينما قص عليهم ما كشف له في الإسراء والمعراج ، مع أنه أظهر لهم الدّلائل عليه ، فكيف لو أباح لهم بما هو من هذا القبيل ؟ قالت عائشة : كان صلّى اللّه عليه وسلم يحرس فلما نزلت هذه الآية استغنى عن الحراسة.
وروى البخاري ومسلم عن عائشة قالت سخر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مقدمة المدينة ليلة ، فقال ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسنى اللّيلة ، قالت فبينما نحن كذلك سمعت خشخشة السّلاح ، فقال من هذا ؟
قال سعد بن أبي وقاص ، فقال له صلّى اللّه عليه وسلم ما جاء بك ؟ فقال وقع في نفسي خوف على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فجئت أحرسه ، فدعا له صلّى اللّه عليه وسلم ثم نام.
ويدل هذا الحديث على صلاح المؤمى إليه وكونه من أهل المعرفة والكشف وهو كذلك ، وهو من عرفت حادثته مع أمه في إسلامه ، وقد بشره الرّسول بالجنة ، إذا فلا ينكر على بعض السّادة الصّوفية العارفين ما يخبرون به من هذا القبيل أسوة بذلك واللّه تعالى واسع الفضل يمن بما يشاء على من يشاء من عباده ، وهو الجواد الكريم.
أخرج في الصّحيحين عن جابر رضي اللّه عنه قال كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بذات الرّقاع فإذا أتينا شجرة ظليلة تركناها لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فجاء رجل من المشركين (وقال البخاري هو غورث بن الحارث) وسيف رسول اللّه معلق بالشجرة ، فاخترطه ، فقال تخافني ؟ فقال لا ، فقال من يمنعك ؟ قال اللّه ، فتهدده أصحابه وعصمه اللّه كما عصمه من الحوادث التي ذكرناها في الآية 11 المارة ، كيف وقد قال تعالى (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) قال تعالى «قُلْ» يا سيد الرّسل لهؤلاء المكابرين من اليهود والنّصارى «يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْ ءٍ» يعتد به من الدّين ولستم على شيء مما تدعونه مما جاءكم به موسى وعيسى عليهما السّلام لأنكم غيرتم وبدلتم ، وإنما أنا بريء مما أحدثتموه بعدهما في أمر دينكم «حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ» كما أنزلا ، وتعملوا بما فيهما حقيقة ، وترجعوا عن كل(6/351)
ج 6 ، ص : 352
ما حرّفتموه وغيّرتموه منهما «وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ» من الكتب الأخرى فتقيمونها أيضا على ما كانت عليه.
واعلموا أن إقامتها لا تكون إلّا بإعادتها على ما كانت عليه عند نزولها ومراعاتها والمحافظة عليها والعمل بما فيها الذي من جملته الايمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم وكتابه الذي أنزل إليه من ربه الذي أنزل تلك الكتب على أنبيائكم الأوّل ، فإذا لم تؤمنوا بمحمد وتصدقوا كتابه فلستم بمؤمنين بشيء منها ، ولهذا قال تعالى «وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» وهو القرآن «طُغْياناً وَكُفْراً» زيادة على ماهم عليه لعدم الإيمان به ، وإذا كانوا كذلك وأصروا على ماهم عليه فهم كفرة «فَلا تَأْسَ» يا حبيبي ولا تحزن «عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» (67) بك وبكتابك ، فإن ضرر كفرهم عليهم وإن عدم إيمانهم بك وجحدهم كتابك وعدم إقامتهم ما في كتبهم كفر ، والكافر لا يعبأ به ، وقدمنا في سورة فصلت الآية 42 ج 2 أن القرآن نور لأناس ، ضلال لآخرين ، فراجعها.
قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا» بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم كالمنافقين «وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ» قال في شذور الذهب رفع باعتباره معطوفا على محل ان الّذين آمنوا إلخ ، لأنه مرفوع بالابتداء ، والخبر محذوف تقديره كذلك ، فكأنه قيل إن الّذين آمنوا بألسنتهم من آمن منهم بقلبه إلخ فلا خوف عليهم إلخ والصّابئون والنّصارى من آمن منهم إلخ فلا خوف إلخ ، وقد حذف من الثاني بدلالة الأوّل ، ومثل هذه الآية من جهة أشكال الإعراب الآية 162 من سورة النّساء المارة ، وهي (لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ) إلخ ، فإنها نصبت على المدح ، تقديره وأمدح المقيمين ، وإنما قطعت هذه الصّفة عن بقية الصّفات لبيان فضل الصّلاة على غيرها.
وقرأ أبي بن كعب الصّابئين بالياء ، وعلى قراءته لا أشكال في الاعراب وهناك أوجه أخرى في إعراب هاتين الكلمتين من الآيتين المذكورتين أعرضنا عنها لأنها دون ما جرينا عليه كما سيأتي ، ونظير هذه الآية 62 من البقرة المارة وكذلك آية طه 63 وهي (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) فيها أشكال من حيث الاعراب بيناه فيها ، فراجعه.
واعلم أن من يعرف العربية يجد لكل وجهة في الاعراب فلا(6/352)
ج 6 ، ص : 353
يغلّط أحدا ولا ينتقد كلاما.
«وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ» إيمانا مخلصا «بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» وثبت على إيمانه «وَعَمِلَ صالِحاً» معه وآمن بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم لأن الإيمان لا يتم إلّا به وماتوا على هذا الإيمان الجامع «فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ» في هذه الدّنيا «وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)» على مافاتهم فيها في الآخرة لما يرون من نعيمها الدّائم لأنه ينسيهم الدّنيا وما فيها.
وإنما خص اليوم الآخر في هذه الآية لأن الايمان به بعد الايمان باللّه ورسوله
وهو أشرف الإيمان ، ومن لم يؤمن به لا يسمى مؤمنا ، وإن أهل الملل السّت المبينين في الآية 17 من سورة الحج المارة ليسوا على شيء إذا لم يؤمنوا به مع الإيمان باللّه ورسوله وكتبه ، لأنه أحد أصول الدين الثلاثة التي لا يقبل الإيمان إلّا بها ، وقراءة كلمة الصّابئين بالرفع على الابتداء هي قراءة الجمهور من القراء وجارية على نيّة التأخير ، أي والصّابئون كذلك إذا آمنوا ، فقدم المبتدأ وحذف الخبر على حد قوله :
فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيّار بها لغريب
أي فإني لغريب وقيار كذلك ، وإنما كان رفع الصّابئين مع أن الحالة تقتضي نصبها لأنهم أشد الفرق ضلالا ، وسموا صابئين لأنهم خرجوا عن كلّ الأديان إلى اتباع هواهم وشهواتهم.
وحبا بمعنى خرج ، وقد ذكرنا أن صاحب شذور الذهب أرى العطف على محل أن الّذين إلخ.
وقال غيره لا يصح هذا العطف ولا يجوز ارتفاع الصّابئين بالعطف على محل ان واسمها ، وعلى قوله بأن العطف على المحل يصح إذا فرغ من الخبر فيجوز أن تقول أن زيدا منطلق وعمرو بالعطف على محل أو اسمها ، ولا يجوز أن تقول أن زيدا وعمرو منطلقان ، وقرأ أبي بن كعب وابن كثير بالنصب تخلصا من هذه الإشكالات ، وهم إنما قرأوها بالتلقي لا من أنفسهم ، ولذلك ينبغي قراءتها على ما هي عليه.
ونظير هذه الآية الآية 62 من البقرة المارة وما يقاربها في المعنى الآية 17 من سورة الحج بزيادة المجوس والمشركين قال تعالى «لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ» على العمل بالتوراة وامتثالهم أمر رسولهم «وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا» بعد موسى وهرون لا قامة أحكامها ، فنقضوا الميثاق وصاروا لشدة تعنّدهم وكثرة تعنتهم «كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ(6/353)
ج 6 ، ص : 354
بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ»
من الأحكام والأوامر والنّواهي فترى «فَرِيقاً كَذَّبُوا» بعيسى ومحمد ومن تقدمهما من الرّسل «وَ» كتبهم «فَرِيقاً يَقْتُلُونَ 70» الأنبياء كيحيى وزكريا وبعض من تقدمهم من الرّسل بغيا وعدوانا وجرأة على مخالفة أمر اللّه ورسوله.
راجع نظير هذه الآية الآية 87 من البقرة المارة وما يقاربها في المعنى الآية 29 من الأعراف في ج 1.
وهذا دأبهم في كتب اللّه وديدنهم في رسله ، إذ يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ، راجع الآية 85 من البقرة
«وَحَسِبُوا» علموا وتحققوا ، ويدل على أن معنى حسب هنا علم تعقيبا بأن المخففة من الثقيلة لأن فعل الظّن بمعناه لا يدخل على التحقيق تدبر.
على أن هنا نافية لا مخففة لأن المخففة يعقبها اللام ولا لام هنا ، تدبر.
أي إلى هؤلاء الّذين كذبوا الرّسل وقتلوهم تيقنوا «أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ» بلاء وعذاب بذلك عليهم كلا بل يكون بأشد مما يتصوره العقل «فَعَمُوا» عن الحق وقتلوا زكريا ويحيى وبزعمهم عيسى فكذبهم اللّه وأخزاهم وأعم قلوبهم وأعمى أبصارهم عنه بدلالة ما جاء في الآية 158 المارة من سورة النّساء وكذبوا محمدا بزعمهم أن كلّ رسول يأتيهم بغير شرعهم يجب عليهم تكذيبه وقتله قاتلهم اللّه «وَصَمُّوا» عن سماع الحق منهم كما صموا عن سماع قول هارون عليه السّلام ومن معه حينما نهاهم عن عبادة العجل ، راجع الآية 90 من سورة طه في ج 1 «ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» بعد ذلك «ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا» زمن الرّسل من بعد موسى ولم يصغوا لأوامرهم ، ثم أبدل من ضمير عموا وصموا على طريق بدل البعض من الكل قوله جل قوله «كَثِيرٌ مِنْهُمْ» أي أن أكثر اليهود كانوا كذلك ، وإن القليل منهم رأى وسمع وأذعن وآمن «وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (71)» لا يخفى عليه شيء من أعمالهم وأقوالهم.
قال تعالى «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ» تقدمت هذه الجملة بعينها في الآية 15 المارة وكررت بمناسبة تبرأ عيسى من قولهم هذا كما حكى اللّه عنه بقوله عز قوله «وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ» لا فرق بيني وبينكم في عبوديته وربوبيته فاعبدوه مثلي لأني عبد له ، واعترفوا بربوبيته ، لأنه ربي وأنتم كذلك ثم حذرهم(6/354)
ج 6 ، ص : 355
عن الإشراك به بما حكى اللّه عنه «إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ» غيره أو أشركه في عبادته فعبد غيره من إنسان وحيوان وجماد وكوكب وملائكة وجن وانس «فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» إذا مات على شركه ومن يحرم اللّه عليه الجنّة يغضب عليه «وَمَأْواهُ النَّارُ» في الآخرة بسبب كفره وظلمه لنفسه «وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (72)» يمنعونهم من عذاب اللّه ويحولون دون تنفيذه فيهم ثم ذكر اللّه تعالى نوعا آخر من كفرهم فقال «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ» وهم عند نزول القرآن المرقوسية والنّسطورية من فرق النصارى ويريدون بقولهم هذا أن اللّه تعالى ومريم وعيسى آلهة ثلاثة والإلهية مشتركة بينهم ، وكلّا منهم إله ، كما سيأتي تفصيله آخر هذه السّورة عند قوله تعالى (أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ) الآية الآتية ، فيكون المعنى على قولهم هذا أن اللّه أحد ثلاثة آلهة أو واحد منها ، وفي تفسير آخر أنه جوهر وأحد ثلاثة أقانيم أب وابن وروح قدس ، وقدمنا ما يتعلق في هذا في الآية 17 من سورة النّساء المارة ، والأقنوم هو الأصل ، فيكون المعنى أن مجموع هذه الثلاثة إله واحد كما تقول إن الشّمس تتناول القرص والشّعاع والحرارة وكلها شمس ، ويعنون بالأب الذات ، وبالابن الكلمة ، وبروح القدس الحياة ، وإن الكلمة التي هي قول اللّه اختلطت بعيسى اختلاط الماء باللبن ، وزعموا أن الأب إله والابن إله والرّوح إله والكل واحد ، وكلّ من هذين التفسيرين باطل بداهته لأن الثلاثة لا تكون واحدا ، والواحد لا يكون ثلاثة «وَما» في الوجود «مِنْ إِلهٍ» البتة يعبد بحق «إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ» وهو اللّه الفرد الصّمد لا ثاني له ولا شريك ولا ولد ولا صاحبة ولا والد له وهو واحد لا من طريق العدد ولكن من طريق أنه لا شريك له ولا ند ولا ضد ولا وزير ولا معين أبدا ، تعالى اللّه عن ذلك علوا
كبيرا ، ثم هددهم بقوله عزّ قوله «وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ» من الإشراك بالذات الواحدة المقدسة المبرأة المنزهة عن كلّ شيء «لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73)» لا تطيقه قواهم ، وإنما قال تعالى منهم لسابق علمه بإيمان بعضهم ، قال تعالى فيها لهم بالكف عن خطتهم هذه «أَ فَلا(6/355)
ج 6 ، ص : 356
يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ»
من مقالتهم هذه القبيحة وعقيدتهم الخبيثة فيفردون الإله بالعبودية ويؤمنون به وحده ايمانا خالصا حقيقيا ويصدقون رسوله محمد بكل ما جاءهم به من عنده ليغفر اللّه لهم ما سبق منهم «وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (74) بعباده التائبين يريد لهم الخير لتنالهم رحمته
، قال تعالى ردا لمزاعمهم الفاسدة «مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ» ليس بإله ولا بابن للإله كما أن الرّسل كلهم لم يدعوا دعوى الافتراء هذه البتة «وَأُمُّهُ» مريم بنت عمران ليست بإله ولا بأم للإله ، وإنما هي «صِدِّيقَةٌ» مخلصة لربها وليست بنبية ولم يرسل اللّه من النّساء نبيا قط :
ولم تكن نبيا قط أنثى ولا عبد وشخص ذو افتعال
وهي وابنها «كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ» كسائر النّاس والذي يحتاج إلى الطّعام لا بد أن يبول ويتغوط ويمرض ويحتاج لغيره ، ومن كان هذا شأنه لا يصح أن يكون إلها إذ لا يليق بالإله أن يتصف بما يتصف به خلقه ، لأنه نقص ، والإله مبرأ من النّقص ، ومن كان محتاجا لغيره كان عاجزا والعجز لا يليق بالإله القادر على كلّ شيء فيا محمد «انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ» الدالة على فساد عقولهم وآرائهم وقلة إدراكهم وقصر نظرهم «ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ» (75) ويصرفون أنفسهم عن استماع هذه الآيات البديعة واعلم أن إعراضهم عنها أبدع وأعجب «قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً» وتدعون عبادة اللّه المالك لذلك المحي المميت «وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ» لأقوال عباده خفيها وجليها «الْعَلِيمُ» (76) بما في ضمائرهم ونياتهم فهل يكون هذا ممن له عقل «قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ» فتجاوزوا الحدود التي حدها لكم «غَيْرَ الْحَقِّ» الذي هو بين الافراط والتفريط راجع الآية 171 من النّساء المارة نظيرة هذه الآية في المعنى لأن مجاوزة الحق مذمومة كالتقصير فيه ، وإن المغالاة في الدّين مذمومة كالاهمال فيه والصّد عنه ، لأن ذلك من هوى النّفس ، ولذلك يقول اللّه تعالى «وَلا تَتَّبِعُوا» يا أهل الكتابين «أَهْواءَ قَوْمٍ» من قبلكم «قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ» ضلالكم واضلالكم هذين لأن مغالاة النّصارى أوصلتهم إلى أن قالوا إن عيسى ابن اللّه وإله(6/356)
ج 6 ، ص : 357
أيضا ، ومغالاة اليهود حدت بهم إلى أن قالوا عزير بن اللّه ، ووصموا حضرة الإله بالبداء أي النّدم ، تعالى عن ذلك كله ، فزاغوا عن طريق الحق «وَأَضَلُّوا» أناسا «كَثِيراً» غيرهم بذلك عن أتباعهم ومواليهم «وَضَلُّوا» هم أيضا «عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ» (77) ببغيهم واتباعهم أهواءهم.
تشير هذه الآية إلى أن كلّا من اليهود والنّصارى بغوا على اللّه بتقولاتهم تلك ، وتفيد أن المغالاة في الدّين قد تؤدي إلى الكفر ، ولهذا نهى اللّه ورسوله عن المغالاة وأمرا بالقصد ، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم قال إن الدّين يسر ولن يشاء الدّين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والرّوحة وشيء من الدّلجة.
قال تعالى «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ» حيث قال لهم لما اصطادوا الحيتان بالحيلة ، اللهم العنهم واجعلهم خنازير وقردة ، فكانوا بأمر اللّه تعالى حالا ، وقدمنا ما يتعلق بلعنهم وبعض أعمالهم التي استحقوا عليها اللعن في الآية 64 المارة والآية 164 من الأعراف في ج 1 فراجعهما «وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ» لعنوا على لسانه أيضا وهم أصحاب المائدة حين أكلوا منها وادخروا ولم يؤمنوا ويصدقوا ، فقال اللّهم العنهم واجعلهم خنازير ، فكانوا أيضا ، كما سيأتي في الآية 115 الآتية إن شاء اللّه ، ولأن داود وعيسى بشرا أمتهما بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ولعنا من يكفر به فكفروا به «ذلِكَ» اللعن الواقع عليهم «بِما عَصَوْا» أنبياءهم «وَكانُوا يَعْتَدُونَ» (78) أي بسبب اعتدائهم عليهم وعلى أتباعهم «كانُوا» هؤلاء الملعونون «لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ» فيما بينهم ولا ينهى بعضهم بعضا عنه «لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ» (79) ويقولون.
وهؤلاء اليهود «تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ» أيها الرّائي «يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا» ويطلعونهم على خبيئة أمرهم ، وهؤلاء الخبثاء الّذين هذا شأنهم «لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ» من العمل لآخرتهم «أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» بأعمالهم تلك في الدّنيا «وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ» (80) في الآخرة تشير هذه الآية إلى نوع من أعمال المنافقين بموالاتهم الكافرين ، لأنهم مثلهم بل أقبح ، لأن أولئك كافرون ظاهرا وباطنا يجتنبهم النّاس ، فلا يركنون إليهم ، ولا يفشون لهم أسرارهم(6/357)
ج 6 ، ص : 358
ولا يغترون بهم ،
وهؤلاء بحسب إيمانهم الظّاهر قد يغتر بهم النّاس فيفشون لهم أسرارهم فينقلونها للكفار فيكونون أشد فتنة على المسلمين من الكافرين ، ولهذا قال تعالى «وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ» محمد صلّى اللّه عليه وسلم «وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ» من الكتاب «مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ» يتقوون بهم على المؤمنين الصّادقين ، ولما استمالوهم لكشف أسرارهم لينقلوها لهم «وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ» (81) خارجون عن طاعة اللّه ورسوله غير مؤمنين بهما ، راجع الآية 51 المارة ، ولهذا اتخذوا الكفار أولياء مع علمهم بأن المؤمنين خير لهم منهم.
مطلب أشد النّاس عداوة وأقربهم مودة للمسلمين وان التشديد في الدّين غير مشروع ولا ممدوح وكفارة اليمين :
قال تعالى يا سيد الرّسل «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا» لأن هذين الصّنفين أكثر عداوة للمسلمين من غيرهم «وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ» القرب لمودة المسلمين «بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً» يأمرونهم بالخير وينهونهم عن الشّر ، ومنهم من يعترف بأحقية دين الإسلام فيركن لأهله ويميل لطاعته ، ومنهم من يعتقد به ويعمل بما فيه خفية عن قومه «وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ» (82) عن قول الحق بل يذعنون له ويتواضعون لأهله ويستكينون لمجالستهم «وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ» من كلام اللّه يؤثر في قلوبهم ولشدة تأثيره فيهم «تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ» لرقة أفئدتهم وخشوعها لسماعه و«مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ» فيه ، ولذلك فإنهم فيما بينهم «يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا» به وبمن أنزل عليه «فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ» (83) عليه بأنه حق وصدق «وَ» يقولون عند سماعه أيضا «ما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ» وحده ونترك التثليث وغيره ، لأن عيسى بشر وقد بشر بمحمد لنؤمن به «وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ» على لسان رسوله محمد لنؤمن به أيضا «وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ» (84) من أتباعه وأمته فنكون مثلهم «فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا» من الإيمان باللّه وحده والتصديق برسوله محمد وما جاء به «جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ» الجزاء الحسن والثواب(6/358)
ج 6 ، ص : 359
الكريم هو «جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ» (85) عند اللّه تعالى في الآخرة الدّائمة إذا فعلوه بأنفسهم وإخوانهم وجميع الخلق في الدّنيا «وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا» المنزلة على أنبيائنا «أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ» (86) في الآخرة لا يبارحونها.
قال بعض المطلعين إن مذهب اليهود وجوب إيصال الأذى بأي طريق كان إلى من خالف دينهم وخاصة المسلمين حكى اللّه عنهم في قوله (لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ» الآية 76 من آل عمران المارة ، والنّصارى بخلاف ذلك فإنه يحرم عليهم أذى الناس أجمع ، وإن أول ما دخل فيه اليهود من الخوض بآيات اللّه تغاضيهم عن إقامة حدوده في التوراة ، أخرج أبو داود عن عبد اللّه بن مسعود أن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرّجل يلقى الرّجل فيقول يا هذا اتق اللّه ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله ، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب اللّه قلوب بعضهم ببعض ، ثم لعنهم بالآية المارة ، والمراد بالمعنى الطّرد من رحمة اللّه تعالى والعياذ باللّه ، ثم قال : لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ثم لتأخذن على يد الظّالم ولتأطرنه (أي تردنه) على الحق أطرا وتقصرنه على الحق قصرا ، أو ليضربن اللّه قلوب بعضكم ببعض ، ثم يلعنكم كما لعنهم.
ويدخل في هذه الآية من آمن من النّصارى قبلا كالنجاشي وأصحابه ومن بعدهم إلى يوم القيامة ، وإن المدح فيها بحق النّصارى ليس على إطلاقه لأنه في مقابلة ذم اليهود والمشركين.
ولا يتجه قول من قال إن هذه الآية نزلت في النّجاشي حين الهجرة الأولى الواقعة سنة خمس من البعثة ، وقد أشرنا إليها في الآية 203 من آل عمران المارة فراجعها لأنها عامة فيهم وفي غيرهم ممن هذا شأنه ، والنّجاشي بأولهم.
قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ» من الطّاعم الطّيبة والمشارب اللّذيذة والرّوائح الكريمة والملابس الفاخرة والمساكن الواسعة والمطايا المطهمة الجميلة والسّلاح المحلى «وَلا تَعْتَدُوا» ما حده اللّه لكم مما أحله إلى ما حرمه «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» (87) حدوده فتحرموا حسب أهوائكم ما لم يحرمه ربكم ، وتحللوا ما حرمه ، راجع الآية 93 من آل عمران المارة «وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ(6/359)
ج 6 ، ص : 360
حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ»
تأكيدا للوصية بما أمروا به ، وأكد هذا التأكيد بقوله «الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ» (88) تدل هذه الآية على أن اللّه تعالى تكفل برزق خلقه ، ولذلك قال كلوا ، وإذا كان كذلك وهو كذلك فعلى العبد أن يجمل في طلب الرّزق ، قال صلّى اللّه عليه وسلم أجملوا في طلب الرّزق.
وفي رواية في طلب الدّنيا فإن كلا ميسّر لما كتب له منها.
يعني أن الرّزق المقدر للعبد سيأتيه سواء ألحف بطلبه أو أجمل ، وإذا كان كذلك فليرفق بالسعي وليتعفف بالطلب فهو أحسن له وأحشم وأوقر.
قال علماء التفسير إن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم ذكر النّاس يوما وشدد في وصف القيامة حتى رق النّاس وبكوا فاجتمع أبو بكر وعلي وعبد اللّه ابن مسعود وعبد اللّه بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن في بيت عثمان بن مظعون الجهني واتفقوا على أن يترهبوا ويجبوا مذاكيرهم ويصوموا الدّهر ويقوموا اللّيل ولا يأكلوا اللّحم والودك ويسيحوا في الأرض فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأتى دار عثمان فلم يجدهم فقال لا مرأته أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه ؟ فكرهت أن تكذب ، وكرهت أن تبدي سرّ زوجها ، فقالت ، يا رسول اللّه إن كان أخبرك أحد فقد صدق ، فلما سمعوا بمجيء الرّسول إليهم ذهبوا إليه ، فقال لهم ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا ؟ قالوا بلى يا رسول اللّه وما أردنا إلّا الخير ، فقال إني لم أومر بذلك ثم قال إن لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا ، وقوموا وتاموا ، فإني كذلك وآكل اللّحم والدّمم ، وآتي النّساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ، ثم جمع الناس وخطبهم وقال ما بال أقوام حرموا النّساء والطّعام والطّيب وشهوات الدّنيا فإني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا ، فإنه ليس في ديني ترك اللّحم والنّساء ، ولا اتخاذ الصّوامع ، وسياحة أمتي الصّوم ورهبانيتهم الجهاد ، اعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئا وحجوا واعتمروا وأقيموا الصّلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد ، شددوا على أنفسهم فشدد اللّه عليهم ، فتلك بقاياهم في الدّيار والصوامع
، فأنزل اللّه هذه الآية راجع الحديث المار في الآية 77 هذا وما يرى من بعض الزاهدين في ترك الطّيبات(6/360)
ج 6 ، ص : 361
من الأكل والشّرب واللّباس والتجافي عن الحلال لا بطريق التحريم وحاشاهم من ذلك ، وإنما يكون ذلك من بعضهم هضما لأنفسهم وكراهة في الدّنيا فيتركون التنعم فيها أملأ بما عند اللّه لهم من النّعيم الدّائم ، لأنهم يرون التنعم في الدّنيا يشغلهم عن دوام ذكر اللّه والقيام بما يقتضي له من الخشوع والخضوع والإنابة لحضرته الكريمة ليس إلا ، فعلى العاقل ألا يعترض عليهم ، ويجالسهم ، ويتبرك بهم فهم القوم الّذين لا يشقى جليسهم كما جاء في الحديث الصّحيح ، قال تعالى «لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ» راجع نظيرتها في الآية 225 من البقرة المارة ولما كانت هذه الجملة عامة استدرك بما يخصصها بقوله «وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ» أي إذا حلفتم وعظمتم حلفكم وتعمدتم عقدها وقصدتم به اليمين المستوجبة الكفارة (وقرىء عقدتم بالتخفيف) وأردتم أن تخنثوا في يمينكم المعقد لما رأيتم أن الخير في عدم الإصرار عليه ، فعليكم أن تكفّروا عنه وتفعلوا المحلوف عليه ، فإذا أردتم الخلاص من هذا اليمين الذي حنثتم فيه «فَكَفَّارَتُهُ» لتحليل ما حلفتم عليه قصدا لا خطأ ولا نسيانا ولا إكراها هو «إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ» غداء وعشاء بحالة وسطى غير ملتفتين لمن يسرف في إطعام أهله أو يقتر عليهم وخير الأمور أوساطها «أَوْ كِسْوَتُهُمْ» بحالة وسطى أيضا «أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» عتقها من الرّق «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ» شيئا من ذلك يكفّر به عن يمينه لفقره «فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ» فقط عليه يكفر بها عن يمينه «ذلِكَ» المتلو عليكم أيها المؤمنون «كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ» وخلاصكم من الحنث فيها «إِذا حَلَفْتُمْ» وحنثتم باختياركم ورضاكم لأن الكفارة لا تجب إلّا بعد الحنث حقيقة «وَاحْفَظُوا» يا أيها النّاس «أَيْمانِكُمْ» من الحنث ما استطعتم وقدرتم ، والأحسن لكم والأليق بكم ألّا تحلفوا أبدا تعظيما لاسم اللّه وتكريما لجلاله ، ولهذا حذركم بالتحفظ عليها ، وكانت العرب تحمد قليل الحلف والبار بحلفه المحافظ عليه ، قال قائلهم :
قليل ألا يا حافظ ليمينه إذا بدرت منه الاليّة برّه
راجع تفصيل هذا في الآية 225 المذكورة آنفا من البقرة ، هذا واعلم أن(6/361)
ج 6 ، ص : 362
العلماء استنتجوا من هذه الآية وآية البقرة حرمة القسم على ترك الطّاعة وإن عدم المؤاخذة المشار إليه في الآية عدم إيجاب الكفارة به ، وإن اللّغو باليمين هو ما يجري على لسانك من غير قصد مثل لا واللّه ، وبلى واللّه على قول الشّافعي وأحمد رحمهما اللّه ، وقال أبو حنيفة ومالك هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه لم يكن فيظهر أنه وقع بالفعل ، ولكل وجه ، واللّه أعلم بما يريد.
وقد قابل جل شأنه اللغو بالقصد لينفي ما هو غير مقصود مما قالاه وغيره «كَذلِكَ» مثل ما بينا لكم كفارة أيمانكم «يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ» في جميع ما تحتاجون إليه من أمر دينكم ودنياكم «لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (89) نعمه عليكم ، قال ابن عباس رضي اللّه عنه لما نزلت الآية السّابقة قال الّذين اتفقوا على الرّهبانية يا رسول اللّه كيف نفعل بأيماننا التي تحالفنا عليها ؟ فأنزل اللّه هذه الآية وبين لهم المخرج وسهله عليهم ، الحكم الشّرعي يجب أن يكون الصّيام متتابعا قياسا على كفارة الظّهار والقتل ، وجوز الشّافعي تفرقها لأن كفارة الظّهار والقتل جاءت بالنص ولا نص على تتابع كفارة اليمين ، أما ما احتج به من أنه ورد في بعض القراءات ثلاثة أيّام متتابعات لا قيمة لها ولا عبرة بها لأنها لم تكن متواترة ، ويشترط في القرآن التواتر.
وقال بعض المفسرين قراءة شاذة والشّاذ لا يصلح للاحتجاج إلّا إذا ثبتت أو رويت كتابا أو سنة ، وإذ لم تثبت فهي قراءة لا أصل لها ، وقد ذكرنا غير مرة أن مثل هذه الزيادات التي يعدها بعض العلماء أنها قراءة أو من القرآن لا تعد قراءة ولا تسمى قرآنا وذلك أن بعض القراء كانوا يكتبون كلمات تفسيرية على هامش مصاحفهم أو بين سطوره فيظن من لا يعرف قصدهم أنه من القرآن ، فيقول قرأ ابن مسعود كذا من حيث لم يقرأ هو ولا غيره إلّا ما هو بين الدّفتين ، ويحرم عد غيره قرآنا ، لذلك فلا يجوز القول بذلك بتاتا ، فكل ما ليس في القرآن الموجود الثابتة قراءته بالتواتر لا يكون قرآنا أبدا ، راجع آخر سورة الأحزاب المارة في هذا الشّأن.
هذا ، وللحانث الخيار بين الصّوم والإطعام والإكساء والعتق ، وتصرف هذه الكفارة إلى مسلم محتاج غير عبد مملوك.
روى البخاري ومسلم عن عبد الرّحمن بن سمرة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يا عبد الرّحمن لا تسأل الإمارة فإنها(6/362)
ج 6 ، ص : 363
إن أتتك عن مسألة وكلت إليها ، وإن أتتك من غير مسألة أعنت عليها ، وإذا حلفت على يمين فرأيت خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك.
مطلب تحريم الخمر بتاتا وأسباب هذا التحريم وذم الخمر والميسر وشبههما والحكم الشّرعي فيه وضرره في الوجود :
قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ» راجع الآية 3 المارة من هذه السّورة عن معناها ومعنى «وَالْأَزْلامُ» أيضا وكيفية استعمالها فكل هذه الأربعة «رِجْسٌ» خبث نجس مستقذر «مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ» الذي يزبنه للناس يغويهم بها ويدعوهم إليها «فَاجْتَنِبُوهُ» تباعدوا عن هذه الأشياء كلها ولا تقربوها ، وأفرد الضّمير بسبب عوده إلى الرّجس المشتمل عليها كلها «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (90) في أموركم وتفوزون بأعمالكم وتنجحون بأقوالكم وتتحفظون من كلّ ما يضركم
«إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ» بتزيينه لكم هذه القبائح الأربعة الخبيثة «أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي» شرب «الْخَمْرِ وَ» لعب «الْمَيْسِرِ» القمار «وَيَصُدَّكُمْ» بسببها «عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ» الذي ينبغي لكم المداومة عليه قياما وقعودا وعلى جنوبكم «وَعَنِ الصَّلاةِ» المكتوبة عليكم يريد صدكم عنها فيشغلكم بذلك «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» (91) عن ذلك كله أيها النّاس وتاركو هذه الأرجاس المضرة في دينكم ودنياكم وعاقبة أمركم ؟
وهذا أبلغ من قوله (انْتَهُوا) لأن اللّه تعالى يقول قد بينت لكم ما فيها من المضار والصّوارف والموانع والزواجر بعد أن ذممتها لكم قبلا ، أفلا تنتهون عنها بعد ذلك كأنكم لم توعظوا بعد! ثم أعقب ذلك الزجر بقوله جل قوله «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ» فيما يأمرانكم به وينهيانكم عنه «وَاحْذَرُوا» كل الحذر من مخالفتهما ، لأنهما لم يأمراكم إلّا بما فيه نفعكم ، ولم ينهياكم إلّا عما يضركم ، فضلا عن وجوب الطّاعة لهما عليكم مطلقا «فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ» بعد هذا البلاغ وهذا الانذار ولم تنتهوا عن شرب الخمر ولعب الميسر «فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» (92) وعليكم منا العقاب الأليم إذا أصررتم على تعاطيهما.
ففي هذه الآية من التهديد والوعيد والزجر الشّديد والتخويف العظيم ما لا يخفى.
واعلموا(6/363)
ج 6 ، ص : 364
أيها النّاس لما أنزل اللّه الآية السّالفة (لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) إلخ وكانت مما يستطاب عندهم قبل الإسلام وعند من لم ينكف عنها بعد نزول الآيات الثلاث المتقدم ذكرها والتي سنشير إليها بعد ، ولم ينكفوا عن الميسر أيضا لشدة توغلهم فيهما وإن بعض صغار العقول لم ينتبهوا إلى مغزاها الذي أشرنا إليه في الآية 219 من سورة البقرة ، بين اللّه تعالى في هذه الآية الأخيرة الرّابعة الحاسمة لما في هذا الباب أنهما ليستا من الطّيبات بل من الخبائث الموبقات ، ولذلك قال تعالى (إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) لأن السّكر يفحش كلام الرّجل فيفضي إلى النّزاع ويولد العداوة والبغضاء ، وكذلك المقامر قد يؤدي قماره إلى أن يلعب على أثاث بيته وملكه بل وداره التي يسكن فيها ، حتى يتوصل إلى أن يلعب على بنته وزوجته بعد فراغ ذات يده ، ونفاد ملكه ، بل قد يفضي إلى الانتحار فينتج عنه العداوة والبغضاء والخزي والعار أيضا ، فأراد اللّه تعالى أن يحفظ عباده من هاتين الشّائنتين فحرمهما عليهم كما أراد صون الألوهية عن الإشراك بها ، وأراد صرف عباده إلى التوكل عليه في أمورهم كلها ، فحرم عليهم الأنصاب والأزلام المتقدم ماهيتها في الآية السّابقة من هذه السّورة.
وكان عمر رضي اللّه عنه يقول اللّهم بين لنا في الخمر والميسر بيانا شافيا ، كما جاء في الحديث الذي رواه ميسرة عنه ، وأخرجه الترمذي من طريقين ، وقال رواية ميسرة هذه أصح ، وأخرجه أبو داود والنّسائي بأبسط منه وإنما قال ما قال رضي اللّه عنه وأرضاه لما يرى ما يتولد عنهما من القبائح ، وكرر مقالته هذه بعد نزول الآيات الثلاث الأولى 67 من سورة النّحل المارة في ج 2 والثانية من سورة البقرة الآية 219 والثالثة 43 من سورة النّساء المارتين وكانت أحكام اللّه تعالى جارية على التدريج في تشريعه لعباده ، راجع بحثه في المقدمة ج 1 في التدريج بالأحكام فأنزل اللّه هذه الآية الرّابعة القاطعة بالتحريم فلما سمعها عمر رضي اللّه عنه قال :
انتهينا انتهينا.
وروى مصعب بن سعد عن أبيه قال صنع رجل من الأنصار طعاما فدعانا وشربنا ، وذلك قبل التحريم زاد حتى انتشينا ، فتفاخرت الأنصار وقريش فقالت الأنصار نحن أفضل منكم فقال سعد بن أبي وقاص المهاجرون خير منكم(6/364)
ج 6 ، ص : 365
فأخذ رجل لحي جمل فضرب به أنف سعد فغرزه أي نخسه ، فجرحه ، فأتى سعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأخبره ، فنزلت.
وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما نزلت هذه الآية في قبيلتين شربوا وثملوا وعبثوا ببعضهم ، ولا منافاة بين هذه الرّوايات لجواز صدورها كلها ، وجواز تعدد الأسباب للنزول.
وأخرج الترمذي عن ابن عمر قال قال صلّى اللّه عليه وسلم من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب اللّه عليه ، فإن عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحا ، فإن تاب تاب اللّه عليه ، فإن عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحا ، فإن تاب تاب اللّه عليه ، فإن عاد الرّابعة لم يقبل اللّه له صلاة أربعين صباحا ، فإن تاب لم يتب اللّه عليه وسقاه من نهر الخبال.
قالوا يا أبا عبد الرّحمن وما نهر الخبال ؟ قال صديد أهل النّار.
وأخرجه النسائي وعنه قال قال صلّى اللّه عليه وسلم لعن اللّه الخمر وشاربها وساقيها وبايعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه - أخرجه أبو داود - وقد جاء من حديث عائشة رضي اللّه عنها أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم قال كلّ شراب أسكر فهو حرام - أخرجاه في الصّحيحين - وزاد الترمذي وأبو داود : ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام (والفرق إناء يسع ستة عشر رطلا برطل المدينة وهو عبارة عن مئة وثمانية وعشرين درهما) فلم يبق مع هذا قول مقبول بشرب ما لم يسكر كثيره فقليله لا بأس به ، لأنه لو شرب هذا القدر لبنا لأسكره.
وقيل إن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وجماعة من الأنصار قالوا أفتنا يا رسول اللّه في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للمال والعقل فنزلت آية البقرة.
وقد بينا الآيات النّازلة في الخمر على الترتيب آنفا وإن الإسلام عند نزول آية النّحل شربوها حلالا في مكة إذ ليس فيها ما يدل على التحريم إلّا ما يفهم من عدم وصفها بالحسن وخلاف الحسن مكروه ، والمكروه يتساهل فيه النّاس.
وجاء في فقه الشّافعي رحمه اللّه : وفاعل المكروه لم يعذب.
ثم لما أنزلت آية البقرة في المدينة تركها أناس كثير نفوسهم طاهرة عرفوا منها مغزى وصف الإثم بالكبر ، فانتهوا من تلقاء أنفسهم ، وتسامح الغير فلم يقتفوا لما يتقفى ولم ينتبهوا لما انتبه له أولئك الكرام ، فداوموا على شربها ، ثم لما نزلت آية النّساء حين أولم عبد الرّحمن بن عوف لجماعة من أصحابه وسقاهم ، فقاموا إلى(6/365)
ج 6 ، ص : 366
الصلاة فقرأ أحدهم (أعبد ما تعبدون) حرّم اللّه السّكر في الصّلاة فقط ، فصاروا بشربونها بعد العشاء والفجر لبعد المدة بين الصّلاتين بحيث يزول أثر السّكر ، ثم لما أولم عتبة بن مالك لجماعة من المسلمين منهم سعد بن أبي وقاص وسوى لهم رأس بعير وبعد ان أكلوا وشربوا ووقع بينهم ما وقع كما مر آنفا أنزل اللّه هذه الآية التي نحن بصددها ، فكانت الحاسمة لتعاطي شرب الخمر واللّعب بالقمار ، وكان نزولها بعد وقعة الأحزاب.
وعلى صحة هذا فتكون هذه الآية متقدمة في النّزول على سورتها كبعض الآيات المار ذكرها ويروى أن حمزة بن عبد المطلب شرب ورأى أنصاريا بيده ناضح ويتمثل في هذين البيتين من نظم كعب بن مالك :
بلغنا مع الأبواء نصرا وهجرة فلم ير حيّ مثلنا في المعاشر
فأحياؤنا من خير أحياء من مضى وأمواتنا من خير أهل المقابر
فقال له حمزة أولئك المهاجرون ، فقال الأنصاري بل نحن (وذلك أن الأنصار أول من آمن منهم بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم اثنان وسبعون رجلا وامرأتان ، وهم الّذين بنوا الإسلام بالمدينة وصاروا مأوى للمهاجرين من أهل مكة ، وساووهم بمالهم ومسكنهم وتخلوا لهم عن بعض نسائهم كما ألمعنا إليه في الآية 103 من آل عمران المارة لهذا قال ما قال) فتنازعا فجرّد حمزة سيفه ، فهرب الأنصاري ، فضرب ناضحه (القرب التي تنضح الماء فيترشح منها مقطعه) فشكاه الأنصاري إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال عمر مقالته المنوه بها آنفا ، فنزلت هذه الآية ، وقد يستبعد صحة هذه الرّواية ، لأن حمزة رضي اللّه عنه قتل في حادثه أحد قبل نزول هذه الآية ، وعند فرض صحتها تنطبق على آية البقرة لا على هذه ، لأن سورة البقرة من أول القرآن نزولا في المدينة ، وسورة المائدة هذه من آخر نزوله ، إذ لم ينزل بعدها إلّا التوبة والنّصر ، وقد أشرنا في المقدمة إلى حكمة ترتيب هذا التحريم من اللّه تعالى جلت قدرته ، ليعلم النّاس أن أوائل هذه الأمة قد الفوا شربها وكثرة انتفاعهم يبيعها وشرائها فلم يمنعهم من تعاطيها دفعة واحدة لعظم الثقل على النّفوس إذ ذاك ، وأن التدريج في الأحكام هو أحد أسس التشريع الإسلامي الثلاث ألمعنا إليها في المقدمة أيضا ، ولهذا ذكرنا أن النّسخ الذي تغالى به بعض علماء النّاسخ والمنسوخ ومشى(6/366)
ج 6 ، ص : 367
عليه بعض المفسرين في هذه الآيات وشبهها هو عبارة عن التقييد والتخصيص ونفي الملزوم في المعنى كما هو في الآية الثالثة ليس إلا ، تدبر.
روى البخاري ومسلم عن أنس قال ما كان لنا خمر غير فضيحتكم ، وإني لقائم أسقي أبا طلحة وأبا أيوب وفلانا وفلانا ، إذ جاء رجل فقال حرمت الخمرة ، فقالوا أهرق هذه القلال يا أنس فما سألوا عنها ، ولا راجعوها ، ولا تأخروا عن تركها وإهراق أوانيها لحظة واحدة بعد خبر هذا الرّجل ، فانظروا رحمكم اللّه إلى هذا الإيمان الكامل وهذه الطّاعة والانقياد لأمر اللّه كيف هي ، فهل من مزدجر ، فهل من متعظ.
وقيل في ذمها :
خذوا كأسها عني فما أنا شارب ولا أنا عن ديني ودنياي راغب
لقد حرم اللّه المدام وانني إلى اللّه مما تستحلّون تائب
أأشرب سما ناقعا في زجاجة تحوم حوالي شاربيها المصائب
لئن شبهوا كاساتها بكواكب فقد أنذرتنا في النّحوس الكواكب
وان عصروها من خدود كواعب فكم من رزايا جرهن الكواكب
وقال يزيد بن محمد المهلبي في ذمها :
لعمرك ما يخفى على الكأس شرها وإن كان فيها لذة ورضاء
مرارا تريك الغي رشدا وتارة تخيل أن المحسنين أساءوا
وان الصّديق الماحض النّصح مبغض وان مديح المادحين هجاء
وجرّبت اخوان النّبيذ فقاما يدوم لاخوان النّبيذ إخاء
وكيف يدوم والجامع بينهما معصية اللّه ، والاخوة لا تكون دائمة ونافعة إلا إذا كانت على تقوى اللّه.
راجع الآية 67 من سورة الزخرف في ج 2.
والحاصل أن ما حرم من الشّراب هو أول الخراب ومفتاح الشّر لكل باب ، يمحق الأموال ويهرم الرّجال ، ويذهب الجمال ، ويهدم المروءة ، ويوهن القوة ، ويمحي الشّهامة فيضع الشّريف ، ويهين الظّريف ، ويذلّ العزيز ، ويفلس التجار ، ويهتك الأستار ، ويورث العار والشّنار ، فالسعيد من اجتنبه ، والشّقي من ألفه ، والهالك من اعتاده وتوغل فيه.
الحكم الشّرعي أجمعت الأمة على التقيد بأمر اللّه القاضي(6/367)
ج 6 ، ص : 368
بتحريمها وحدّ شاربها وتفسيقه ، وإكفار مستحلها ، ووجوب قتله حدا.
قال ابن وهبان في منظومته :
وفي عصرنا فاختير حد وأوقعوا طلاقا لمن من مسكر الحب يسكر
وعن كلهم يروى وأفتى محمد بتحريم ما قد قلّ وهو المحرر
وروي عن جابر أن رجلا قدم من جيشان - وجيشان من اليمن - فسأل النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم أو مسكر هو ؟ قال نعم ، قال صلّى اللّه عليه وسلم كلّ مسكر حرام وإن على اللّه عهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال.
قالوا وما طينة الخبال يا رسول اللّه ؟ قال عرق أهل النّار أو عصارة أهل النّار.
وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال كلّ مسكر خمر ، وكلّ مسكر حرام ، ومن شرب الخمر في الدّنيا ومات وهو يدمنها لم يتب منها لم يشربها في الآخرة ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
والحكمة في تحريم الخمر والميسر ما بيناه آنفا لأنهما من الآفات التي تسبب أضرارا مادية ومعنوية ، فتوجد الخصومات والأحقاد بين النّاس ، وتفقد العدالة والثقة في المعاملات ، وينشأ منها شقاء العامة.
ولقاعدة الشّرعية إذا تعارض دفع الضّرر وجلب النّفع قدم دفع الضّرر على جلب النّفع.
والخمرة المحرمة التي يكفر مستحلها هي المنصوص عليها في القرآن الحاصلة من عصير العنب فقط على رأي أبي حنيفة رحمه اللّه.
وإن كلّ مسكر من غيره لا يسمى خمرا ولا يكفر مستحله إلّا أنه حرام إذا أسكر ، مستدلا بقوله صلّى اللّه عليه وسلم كلّ شراب أسكر فهو حرام ، ولأن علّة التحريم هو ما جاء في الآية المفسرة هذه (إنما يريد الشّيطان إلخ ، وذهب مالك والشّافعي وأحمد إلى أن كلّ مسكر من عصير العنب أو غيره كله حرام لقوله صلّى اللّه عليه وسلم ما أسكر كثيره فقليله حرام ، ولما قدمنا من الأحاديث الأخر ، وشمّلوا الميسر في كلّ الألعاب من نرد وغيره لقوله صلّى اللّه عليه وسلم من لعب بالنرد فقد عصى اللّه ورسوله.
والمراهنة من القمار أيضا لما روي عن قتادة عن حلاس أن رجلا قال لآخر إذا أكلت كذا وكذا بيضة فلك كذا وكذا فارتفعا إلى علي كرم اللّه وجهه فقال هذا قمار ، أما الرّهان في السّباق بين الخيل والإبل(6/368)
ج 6 ، ص : 369
وغيرها فجائز إذا كان الذي يستحق الجائزة السّابق فقط لقوله صلّى اللّه عليه وسلم لا سبق إلّا في خفّ حافر ونعل ، ورخصوا المسابقة في الرّمي أيضا ، أما ما جاء في ضررها المادي فقد أجمعت الأطباء على أن مدمن الخمر يكون كثير النّسل وأولاده عقيمين أو لا تعيش لهم ذرية وما ضرّ تناوله طبا حرم تعاطيه شرعا ، ولهذا حرمته أميريكا وتركيا برهة من الزمن ثم رجعتا إليه لما يدرّ عليهم من حطام الدّنيا ، وأهل الدنيا لا يتركونها من أجل اللّه ، قاتلهم اللّه وإنها ستتركهم يوما ما حتما ، وإذ ذاك يندمون ولات حين مندم.
والمراد بالخمر هو ما يستخلص من عصير العنب وغيره نيئا قاذفا بالزبد وهي التي يسمونها الآن (انبيت) وهو ما لم تمسه النّار أصلا فهذا هو الذي قليله وكثيره حرام ويكفر مستحله.
أما المطبوخ من عصير العنب والرّطب والتمر والزبيب وغيرها كالعرق من جميع المسكرات الحديثة فهي حرام أيضا على القطع ، إلا أنه لا يكفر مستحلها بل يفسق ويجري عليه الحد الشرعي ، وإنها إنما تفارق الخمرة المنصوص عليها في القرآن من تكفير مستحلها فقط وتشاركها في بقية الأحكام ، ويحرم بيعها بسائر أنواعها وجميع أجناسها ، كما يحرم تعاطيها لأنها من الأشياء النّجسة التي يحرم تناولها كالخنزير.
راجع الآية الثالثة المارة من هذه السّورة.
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال بلغ عمر بن الخطاب أن فلانا باع خمرا فقال قاتل اللّه فلانا ألم يعلم أن رسول اللّه قال لعن اللّه اليهود حرمت عليهم الشّحوم فحملوها فباعوها.
ورويا عن عائشة قالت خرج علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال حرمت التجارة في الخمر.
وروي عن ابن عمر أن عمر رضي اللّه عنهما قال على المنبر منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة العنب والتمر والعسل والحنطة والشّعير والخمر ما خامر العقل كرر ثلاثا ، ووردت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان عهد إلينا فيهن
عهدا ننتهي إليه.
يحدد الكلالة وأبواب من أبواب الرّبا أخرجه البخاري ومسلم راجع الآية 16 من سورة النّساء المارة والآية 235 من سورة البقرة أيضا واعلم أن الخمر يختلف تأثيرها باختلاف كمية الغول الذي فيها ، وهذه الكلمة استعملها الأجانب بلفظ (آلكول) ثم عربها العرب بلفظ (الكحول) ولم يرجعوا إلى(6/369)
ج 6 ، ص : 370
أصلها المذكور في القرآن العظيم وهو (الغول) وإذ كان حرف الغين لا يوجد باللغة الأجنبية ، فقد قلبوها كافا ، ونحن بدل من أن نقلب هذه الكاف غنيا ونعيدها لأصلها قلبناها حاء فصارت الكحول ، وحتى الآن ينطقون بها.
وإنما سماه اللّه تعالى (غولا) في قوله جل قوله (لا فِيها غَوْلٌ) الآية 47 من الصّافات ج 2 لأنه يذهب العقل ، أي ليس فيها ما يذهب العقل ويغتاله كخمرة الدّنيا ، راجع تفسير الآية 68 من الصّافات أيضا تجد الفرق بين خمر الدّنيا وخمرة الآخرة التي يقول فيها ابن الفارض :
وفي سكرة منها ولو عمر ساعة ترى الدّهر عبدا طائعا ولك الحكم
وقال :
على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له فيها نصيب ولا سهم
واعلم أنه كلما ازدادت كمية الغول فيها ازداد ضررها وعظم شرها ، وقد يتعرض شارب الخمر أحيانا إلى القيء والصّداع المؤلم ويصحبه التهاب معدوي حادّ وما قيل أن قليل الخمر يزيد في قوة التفكير لا صحة له ، بل تقلل الذكاء وتضعف القوة المفكرة لأنه ينافض الواقع ، وذلك أن من يهاب الإقدام على أمر أو لا تواتيه شجاعته على عمل في حالة الصّحو يقدم عليه في حالة السّكر ، وهذا الإقدام في الظاهر يكون لعدم إدراكه عاقبة الأمر ، فهو يفعله عن قلة عقل لا عن عقل ، ومقدرته حالة السّكر دون مقدرته حالة الصّحو وقوته كذلك ، ألا ترى السّكران تلعب به الجهال وبمجرد دفعة بسيطة يقع على الأرض بخلاف ما لو كان صاحيا ، وذلك لأنه ينقص من قوة الاحتمال الجسماني كما ينقص من قوة الإدراك العقلي ، ومما هو مشاهد ان متناول الخمرة يكون قليل النّشاط حاملا لأن قوة الجسم على مقاومة التغيرات الجوية ومقدرته على ضبط درجة حرارته تضعف من تأثير الخمر ، فكثيرا ما أودت ضربة الشّمس بحياة كثير من مدمني الخمر.
هذا ، ومن جملة أضرار الخمر الالتهاب المزمن في الحنجرة والمعدة وقد يصاب الكبد بنوع من هذا الالتهاب المزمن ويسمونه (سروزس الكحول) وهو مرض يكثر عند مدمني الخمر ، وكثيرا ما يؤدي إلى الموت إذا انحبست الدّودة اليابية في الكبد ، لأن(6/370)
ج 6 ، ص : 371
شدة حرافته تهري هذه الأعضاء مع الرّئة أيضا فيحصل له الموت آنيا كالمسلول المنتهي.
وقد ثبت طبا أن أعمار مدمني الخمر وقدرتهم على مقاومة الأمراض أقل بكثير من غيرهم ، وقد جرب هذا في طائفة من الأرانب واتضح أن مقاومة الطائفة التي ألفها شراب الخمر مع الماء لهذا المرض اقل بكثير من مقاومة طائفة الأرانب التي لم يعطوها ذلك وأقل أعمارا منها وثبت أيضا أن نسل مدمني الخمر أضعف من غيرهم ، وإن القلب يتأثر من كثرة الغول ، وإن إدمان الشّرب يصلّب الشرايين بحالة قد تقضي إلى الموت.
وثبت أيضا أن مدمن الخمر معرض لمرض عصبيّ يسبب الموت بأول صدمة ويسمّونه (ولربم ترنز) وقد يؤدي هذا المرض إلى الرّعشة والهذيان وقلة النّوم ، بل يفضي لعدمه ، وإذا لم يسارع إلى التداوي فإنه يجره إلى الموت المقدر له على ذلك ، وقد يعتريه هذا المرض لعدم حصوله على ما يكفيه من الشّرب الذي اعتاده ، أجارنا اللّه ، لأنه كلما زاد من الشّراب تخرقت تلك الأعضاء الكريمة ، فيحتاج إلى ملئها ومتى ما نقّص فرغت تلك الحروق ، فيحتاج إلى أن يشرب أكثر من معتاده لملئها ، إذ قد يفضي فراغها إلى وقف الدّم فتبطل حركته فيحصل الموت وهلة.
وما قيل أن الخمر تدفىء الجسم حتّى يكاد شاربها يتصبب عرقا من الحرارة فهو قيل عار عن الصّحة ، لأن المشاهدات الطّيبة والعادية أثبتت خلاف هذا ، وعدم فائدة الجسم بالتدفئة ، لأن هذه المسألة عرضت على بساط البحث في المؤتمر الدّولي التاسع عشر في بلجيكا ، وظهر أن تأثير الخمر الظاهر في تدفئة الجسم عقيب تناولها إنما هو شعور كاذب ، إذ يعقبه انخفاض في درجة حرارة الجسم حتى عن حالته الطّبيعية ، وقد أثبت هذه الحقيقة بصورة جلية المشاهدات الحسية في جزيرة (ايسلندا) التي هي من أشد البلاد بردا ، وقد كثر بين أهليها الوفيات لدرجة عظيمة وتبين أن السّبب في ذلك استغناؤهم عن مكافحة البرد بشرب الخمر الذي سبّب صعود الدّم بتأثير الغول من داخل الجسم إلى سطح الجلد فأبادته برودة الجو تدريجا وانتهت الحياة بانتهاء الحرارة من الجسم.
وهذا كمن يستعمل المقويات للجماع فإن ما يراه من القوة الحسية منحوتة من دمه بسبب تلك المقويات لا منها ، وهؤلاء كثيرا ما يفلجون أو يموتون فجأة.
ومما يؤيد هذا(6/371)
ج 6 ، ص : 372
ما حدث لأصحاب الرّحالة العالمي الدّكتور (سكوت) حينما وصل بهم إلى القطب الجنوبي وكان نهاهم عن الشّرب لما شاهد من تأثيره المميت في تلك الأجواء الباردة ، وان منهم حينما اشتد عليه البرد لجأ إلى الشّراب خلافا لتعاليمه التي ذكرهم بها فما كان منهم إلّا أن لقوا حتمهم ، والّذين تقيدوا بتعاليمه فلم يشربوا نجوا من الموت.
وجاء في الحديث الذي رواه أبو داود عن ديلم الحميري قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قلت يا رسول اللّه إنا بأرض باردة نعالج فيها عملا شديدا وإنا نتخذ شرابا من هذا القمح ، وفي رواية من الذرة ، ونتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا ، قال هل يسكر ؟ قلت نعم ، قال فاجتنبوه ، قلت إن النّاس غير تاركيه ، قال إن لم يتركوه فقاتلوهم.
وهذه معجزة خالدة في هذا.
ومن جملة معجزاته قوله صلّى اللّه عليه وسلم إن اللّه تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها.
وذلك لما أطلعه اللّه على ما ذكر من تأثيرها فيما سبق في هذا وغيره مما سيظهر بعد ، وإنما لم يذكر حضرة الرّسول لهذا السّائل ضررها المادي لعدم إدراكهم إيّاه في زمنه ، ولأنه يريد ألا يسألوا عن العلل لما أمر اللّه به ونهى عنه ، ويريد أن يمتثلوا ما يأمرهم به من نفسه كأمر اللّه تعبدا وانقيادا وإذعانا لأمره أيضا دون فتح باب للسؤال عن العلّة والسّبب ، لأنه لا ينطق عن هوى ، بل بما يلهمه ربه ، ولهذا قال تعالى (ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) الآية 7 من سورة الحشر المارة ، فكان أمره أمر اللّه ونهيه نهيه ، وان كثيرا من أفعال اللّه لا تعلل ، وهو لا يسأل عما يفعل ، وهذا ما أردنا ذكره في الخمر ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، وسيرى ندم الآخرة على عدم الامتثال أشد من ندم الدّنيا.
وأما الميسر فقد قدمنا ما يتعلق به من المضار في الآية 22 من سورة البقرة بصورة واضحة فراجعها ، وهو مشتق من اليسر ، لأنه أخذ المال بسهولة ، وكان النّاس في الجاهلية يقامرون على أموالهم وأهليهم ، فأيهما قمر صاحبه ذهب بماله وأهله ، ولذلك نهى اللّه عنه وأكد رسوله نهيه ، ألا فليعلم العاقل أن اللّه تعالى لم ينهنا عن شيء إلّا بقصد نفعنا لكونه مضرا لنا في ديننا ودنيانا وعاقبة أمرنا ، ولم يأمرنا بشيء إلّا لنفعنا في الأحوال الثلاثة أيضا ، وقد أباح اللّه لنا الطّيّبات واللّهو في غير ما حرم ، وليس(6/372)
ج 6 ، ص : 373
بعد الحلال إلّا الحرام ، ولا بعد الحق إلّا الضّلال فنحمده ونشكره ، وهو القائل جل قوله «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا» أكلوا وشربوا مما حرم عليهم أو لعبوا بالقمار وشربوا الخمر وأكلوا من الكسب الحرام أو فعلوا كلّ محرم قبل نزول تحريمه ، فكله عفو لهم لأنهم لم يخالفوا فيه إذ لم يحرم عليهم أولا «إِذا مَا اتَّقَوْا» هذه المحرمات واجتنبوها بعد تحريمها ، وما هنا صلة لتقوية الكلام وتحسينه أي إذا اتقوا وسنأتي على بحثها في الآية 136 من سورة التوبة الآتية إن شاء اللّه ، فإذا امتنعوا عنها «وَآمَنُوا» باللّه ورسوله إيمانا خالصا وأذعنوا لما نهوا عنه أولا وآخرا «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» بعد إيمانهم واجتنابهم المنهيات «ثُمَّ اتَّقَوْا» جميع ما حرم عليهم في مستقبل زمنهم «وَأَحْسَنُوا» عملهم فيما بينهم وبين ربهم وخلقه أجمع فقد أحسنوا لأنفسهم وغيرهم «وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (93) من خلقه وهنيئا لمن أحبه اللّه.
وقد ذكرنا في سورة البقرة عند قوله تعالى (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) الآية 23 المارة وفي الآية 38 من سورة يونس ج 1 وفي مواضع أخرى أنه لا يوجد في القرآن حرف زايد أصلا ، وأن كل حرف فيه يؤدي معنى خاص ، كما أن ما هنا أي في قوله تعالى (إِذا مَا اتَّقَوْا) ليست بزائدة كما يقول البعض لأنها تؤدي معنى أنهم غير واثقين بالتقوى لعدم الاعتماد على النّفس ، وهذا شأن المؤمن ، فقد جاء في البخاري أن بعض السّلف الصّالح عرف عددا من الاصحاب يخشون النّفاق على أنفسهم لشدة تقواهم وقلة وثوقهم بأنفسهم ، فتأمل رحمك اللّه فائدة الإتيان بما في هذه الآية ومثلها في أمكنة أخرى ، وضرر القول بزيادتها لفوات هذا من المعنى المراد فيها ، عصمك اللّه ، وسنزيدك توضيحا عن مثلها في آية التوبة الآتية إن شاء اللّه ، أما إذا لم يتقوا وفعلوا هذه المحرمات والعياذ باللّه بعد تحريمها عليهم ومعرفتهم بالتحريم وعلمهم به فهم في خطر عظيم إذا لم يتداركهم اللّه برحمته بإلهامهم التوبة النّصوح عنها ، ويدخل في هذه الآية من يدخل بالإسلام بعدها فإن اللّه تعالى يعفو عما وقع منه قبله ويصير حكمه حكم المؤمنين.
واعلم أن كلمة (طعم) تطلق على الأكل والشّرب والنّوم ، وعلى هذا قوله : (6/373)
ج 6 ، ص : 374
فإن شئت حرمت النّساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا
النقاخ الماء والبرد النّوم ومثلها كلمة طبخ تطلق على المأكول والملبوس وعليه قوله :
قالوا اقترح شيئا تجد لك طبخة قلت اطبخوا لي جبة وقميصا
أخرج الترمذي عن البراء بن عازب قال مات ناس من الأصحاب وهم يشربون الخمر ، فلما نزل تحريمها قال ناس من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كيف بأصحابنا الّذين ماتوا وهم يشربونها ؟ فنزلت هذه الآية.
وروى مسلم عن عبد اللّه بن مسعود قال لما أنزلت هذه الآية ليس على الّذين إلخ ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قيل لي أنت منهم يعني قبل لرسول اللّه ان ابن مسعود منهم ، والقائل واللّه أعلم جبريل عليه السّلام ، وليس هذا بكثير على صاحب رسول اللّه وحواريه.
قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ» يختبركم ويمتحنكم به حال إحرامكم بالحج أو العمرة ، وذلك أن اللّه تعالى ابتلاهم بالصيد فصارت الوحوش تغشي رحالهم ، فهموا بأخذها لأنها كانت منهم ، كما قال تعالى «تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ» لقربه منكم كالأفراخ والبيوض وما لا يقدر أن يفرّ أو يهرب «وَرِماحُكُمْ» تنال كبار الصّيد كحمر الوحش والغزلان والطّيور لأن اللّه تعالى جعله عليهم بكثرة وأوقع عليه السّكينة ، وهذا كابتلاء بني إسرائيل بالحيتان إذ جعلها في يوم السّبت تعوم على وجه الماء وشاطئه ليختبرهم أيضا ، فلما أجرموا عليها وأخذوها هلكوا راجع الآية 162 من الأعراف في ج 1 وذلك بسبب احتيالهم على صيدها «لِيَعْلَمَ اللَّهُ» أي ليعلم عباده لأنه عالم من قبل بما يقع منهم قبل إظهاره لهم «مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ» ممن لم يخفه أي من ينفذ أمره من حيث لم يره ، فلم يصطد حالة الإحرام ممن يخالف أمره فيصيد ، ولهذا قال تعالى «فَمَنِ اعْتَدى » أي صاد حالة الإحرام ، وقال تعالى اعتدى بدل صاد لما فيه من التعدي على حدود اللّه إن صاد «بَعْدَ ذلِكَ» الاختبار والنّهي «فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ» (94) في الآخرة لأن التعرض للصيد والاعتداء عليه خروج عن طاعة اللّه تعالى وانخلاع عن خشيته ومكابرة وعدم مبالاة في أمره ونهيه وإن لم يراع أحكام اللّه في هذه المسائل الهينة لا يهابه في الأمور العظيمة ، ولهذا(6/374)
ج 6 ، ص : 375
شدد العقوبة على مرتكبها كما شددها على بني إسرائيل ، وإذ مسخهم قردة وخنازير ولكن اللّه لطف في هذه الأمة المحمدية ورفع عنها المسخ الظّاهري حرمة لنبيها صلّى اللّه عليه وسلم.
قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ» أيها المحرمون مناوئا أمر اللّه «مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ» في الدّنيا أن يتقرب إلى اللّه تعالى «مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ» أي مثل الذي صاده في الخلقة والجثة ، وإذا لم يكن له مثل فمثل قيمته.
واعلم أن مثل النعامة الجمل ، ومثل حمار الوحش البقرة ، ومثل الضّبع الكبش ، ومثل الظّبي الشاة والأرنب السّخل والضّب السّخلة واليربوع الجفيرة وهي التي بلغت أربعة أشهر من ولد الشّاة والجفر الذكر ، ومثل الحمامة وكلّ ما عب وهدر من الطّيور كالفاخقة والقمري وذوات الأطواق شاة ، وما سواها من الطّير ففيه القيامة بالمكان الذي أصيب فيه ، وهذا الحكم عام.
وما قيل أن سببه أبو اليسر كأن شد على حمار وحش وهو محرم فقتله على فرض صحته لا يخصصه فيه ولا يقيده به ، فهو حكم مطلق عام إلى يوم القيامة ، وعليه فلا يحل الصّيد ولا التقيد ولا التعرض له مادام الرّجل محرما وفي الحرم ولو غير محرم ، والمرأة كذلك.
روى البخاري ومسلم عن أبن عمر رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال خمس من الدّواب ليس على المحرم في قتلهن جناح الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور.
ورويا عن عائشة مثله.
ويستفاد منه أن لا شيء في قتل السّباع من البهائم الضّارية قياسا على الكلب العقور كالذئب والنّمر والفهد وغيرها ، ولا الحشرات المضرة كالحيّة والرّتيلة وغيرها.
وظاهر القرآن أن الصّيد خطأ لا جزاء فيه ، وبه قال سعيد ابن جبير ، وعامة الفقهاء والمفسرين على خلافه على أن الحق واللّه أعلم معه إذ لا قياس في الكفارات ، ولأن اللّه تعالى خصه بالتعمد صراحة ، والمخطئ غير المتعمد فكيف يوجبه عباده ، وقد جاء في الحديث الصّحيح عنه صلّى اللّه عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه ، فلما ذا نوجبه نحن ؟ قال تعالى «يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ» إذا اختلفتم في مثله عينا أو قيمة ، فحكموا أيها المسلمون العادلين منكم بذلك وافعلوا ما يحكمان به وسوقوه «هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ» وأصلا إلى الحرم(6/375)
ج 6 ، ص : 376
داخلا فيه ويذبح هناك ويتصدق به إن شاء.
قالوا تفيد الآية أن المثل القيمة لا العين ، لأن التقويم مما يحتاج إلى النّظر والاجتهاد دون الأشياء المشاهدة ، ولأن المثل المطلق في الكتاب والسّنة والإجماع مقيد بالصورة والمعنى أو بالمعنى لا بالصورة أو بالصورة لا بالمعنى ، ولأن القيمة أريدت فيما لا مثل له اجماعا فلم يبق غيرها إجماعا مرادا ، ولا عموم للمشترك ، إلا أن قوله تعالى من النّعم يوجب المثل لا القيمة ، وهو ظاهر القرآن ، ولا موجب للانصراف عنه.
أما إذا أتلف شيئا لا مثل له من النّعم فيصار إلى القيمة حتما.
قال تعالى «أَوْ كَفَّارَةٌ» على الصّائد عند عدم القدرة على أداء المثل أو القيمة وهي «طَعامُ مَساكِينَ» بقدر الكفاية لكل مسكين نصف صاع «أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً» بما يقابل الإطعام لعدم قدرته عليه فإنه يصوم عن كلّ نصف صاع يوما واحدا ، وهذا الجزاء الذي رتبه اللّه تعالى على المخالف في الدّنيا «لِيَذُوقَ وَبالَ» عقابه وجزاء «أَمْرِهِ» جرمه الذي اقترفه في عدم امتثاله أمر اللّه هذا إذا وقع بعد التحريم ، أما ما كان قبله فقد «عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ» منكم من الاقدام على الصّيد في الحرم مطلقا سواء كان محرما أو غير محرم لأن اللّه تعالى لا يعاقب على ما لم يأمر به عند مخالفته كما أنه لم يعاقب على فعل الصّيد خارج الحرم أو المحرم حال الإحرام «وَمَنْ عادَ» بعد أن صاد وكفّر عن فعله فصاد في الحرم أو حال الإحرام «فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ» في الآخرة انتقاما عظيما «وَاللَّهُ عَزِيزٌ» بالغ القوة والعظمة «ذُو انْتِقامٍ» (95) شديد فظيع ممن عصاه إذا لم يعف عنه.
وتفيد هذه الآية أن لا كفارة في العود على المخالفة يعني أن من صاد وكفّر عن ائمة ثم صاد ثانيا حال الممنوعية لا تكفيه الكفارة ولا تطهره ، لأن عوده بعد النّهي جريمة اقترفها باختياره تطاولا على اللّه تعالى ، لأن عوده يعد جرأة عليه تعالى وعدم مبالاة بالكفارة التي أوجبها عليه ، واللّه تعالى يغتاظ من عدم مراعاة حرماته.
هذا ، والحكم الشّرعي كذلك ، والكفارة هنا على التخيير أيضا ، فإن شاء ذبح من النّعم مثل الصّيد وتصدق به على مساكين الحرم ، وإن شاء قوم المثل دراهم وأنفقها ، أو قوم الدراهم طعاما ، وتصدق به ، وإن شاء صام عن كلّ نصف صاع يوما واحدا.
قال(6/376)
ج 6 ، ص : 377
تعالى «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ» حلوه ومالحه «وَطَعامُهُ» أكله حل لكم أيضا سواء كنتم محرمين أو في الحرم ولكم أن تتمتعوا به «مَتاعاً لَكُمْ» أيها المقيمون تنتفعون به حال إقامتكم «وَلِلسَّيَّارَةِ» المسافرين يتزودون منه أيضا حال سفرهم كما فعل موسى عليه السّلام حيث تمتع بالحوت الذي قصه اللّه علينا في الآية 61 فما بعدها من سورة الكهف في ج 2 «وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً» على أن لا تصيدوه في الحرم ولا في غيره ما دمتم محرمين وقد كرر اللّه تعالى تحريم الصّيد ثلاث مرات : أول السّورة في الآية الرّابعة ، وهنا مرتين تأكيدا للتقيد بتحريمه ، وعدم التعدّي على ما حده اللّه تعالى ، وحذر عليه أولا بالنهي عن إحلال شعائر اللّه ، وعدد ثانيا بالانتقام ممن يخالفه فيه خاصة ، وأوعد عليه في هذه الآية الثالثة بقوله «وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» (96) في الآخرة لا إلى غيره ، وهناك تلقون جزاءكم على ما قدمتم وسبب التكرار هو قطع لطمع النّفوس من الإقدام على الصّيد بصورة ماقة لأن للنفس فيه حظا أكثر من قيمته ، والنّاس لهوى نفوسهم أطوع ، ولهذا فإن
حضرة الرسول لم يأكل من صيد غير المحرم وهو محرم تورعا وتنبيها لأمته ليتحاشوه ولا يقدموا عليه.
أخرج في الصّحيحين عن الصّعب بن جثامة اللّيثى أنه أهدى للنبي صلّى اللّه عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء فرده عليه ، فلما رأى ما في وجهه من الكراهة قال إنا لم نرده عليك إلّا انا حرم.
وأخرج في الصّحيحين عن أبي قتادة في صيد غير المحرم وأكله المحرم أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها (أي حمارة الوحش المصيدة) قالوا لا ، قال كلوا ما بقي من لحمها.
فحمل الحديث الأوّل على وجود الأمر أو الإعانة للصائد غير المحرم من قبل المحرم ، أو أنه صيد لأجل المحرم ، وهو من باب الورع لأنه يجوز أن يأكل منه بلا سؤال أو علم.
قال تعالى «جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ» لمصالحهم في أمر دينهم ودنياهم لأنه به يقوم الحج وتتم المناسك ، وبه يجتمع إسلام الكرة الأرضية فيتعارفون فيه ، ويتذاكرون فيما يصلح شأنهم ويلمّ شعثهم ويوحد كلمتهم ويقف كلّ منهم على ضروريات الآخر ومحصولاته من تجارة وبيع وشراء(6/377)
ج 6 ، ص : 378
وضرع وزرع وصناعات ومصارفها ويجلبون معهم من بلادهم مما يصنعون للبيع والاطلاع ويتداولون بشأنه فيما بينهم لأن كلّ غريب طريف وقد يتباهى النّاس باقتناء الأشياء الغريبة والنّادرة ، ولهذا ترى في الحرم الشّريف جميع مصنوعات ومنسوجات البلاد ، ويوجد فيه مالا يوجد في غيره من الأثاث والرّياش تصديقا لقوله تعالى (يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ ءٍ) الآية 57 من سورة القصص في ج 1 وعادة جلب الأموال والأشياء إلى الحرم عادة قديمة قبل الإسلام يؤتى بها من كل حدب وصوب وتكدس فيه حتى إذا لم تصرف كلها تركوا الباقي فيه دون حراسة لا يخافون عليه سرقة ولا نهبا ، ولهذا ولكون قاتل الأبن إذا رآه الأب فيه لا يكلمه لقب بالبلد الأمين ، وهو محرم بالجاهلية والإسلام ، ولا يستطيع أحد أن يشاحن أحدا فيه على مال أو سرقة أو سلب أو سبي.
قال تعالى (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ) الآية 198 من البقرة المارة هذا فيما يتعلق في أمر دنياهم ويتذاكرون أيضا في أمر آخرتهم ، لأنه في إقامة مناسك الحج علو الدّرجات عند اللّه تعالى ، وتكفير الخطايا والسّيئات ، وزيادة الكرامة في الجنّات «وَالشَّهْرَ الْحَرامَ» جعله أيضا لما فيه من الأمن العام على من عرف ومن لم يعرف وفي الشّهر للجنس فيشمل الأشهر الأربعة لأنها من هذه الحيثية سواء «وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ» جعلها اللّه أيضا قياما للناس ، لأن من يسوق الهدي إلى الحرم لا يتعرض له أحد ، ولأن فيه وسعة على الفقراء ، راجع الآية الثانية المارة وبحث الحج في الآية 193 من البقرة 26 من سورة الحج المارتين «ذلِكَ» جعل اللّه هذه الأشياء قواما للناس في أمورهم الدّينية والدّنيوية والأخروية «لِتَعْلَمُوا» أيها النّاس «أَنَّ اللَّهَ» تعالى عالم في الأزل بمصالحكم وحوائجكم في هذه الشّعائر ، وهو جل شأنه «يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» كليّاتهما وجزئيّاتهما ، ظاهرهما وباطنهما ، خفيهما وجليهما «أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (97) من كلّ ما كان ويكون قبل كونه ومكان كونه وزمنه ورقت إعدامه وإعادته «اعْلَمُوا» أيها النّاس «أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» لمن انتهك حرماته «وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (98) لمن تاب وأناب ومات على(6/378)
ج 6 ، ص : 379
الإيمان والتوبة واعلموا أيضا أيها النّاس أنه «ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ» إليكم بلسانه مما أمره به ربه وقد قام بما أمر وبلغ وبشر وأنذر ، فلزمتكم الطّاعة وقامت عليكم الحجة ، فاحذروا أن تفرطوا أو تفرطوا وانتبهوا أيها المعرضون ، وتيقظوا لما يراد بكم فانتهوا عما نهاكم عنه ، وافعلوا ما أمركم به ، فإن عليكم رقيبا منه «وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ» من علانية الأقوال والأفعال والأعمال «وَما تَكْتُمُونَ» (99) من الضّمائر والدّخائل والنّيات والخواطر وإن علمه في كلا الأمرين سواء ، لا يعزب عن علمه شيء ، ولا تخفى عليه خافية من أهل السّموات والأرض السرّ عندة كالعلانية.
وفي هذه الآية من التهديد والوعيد ما لا يخفى على بصر ممن كان له قلب راع وفكرة ثاقبة ونظر فيما يؤول إليه الأمر واستمع قول اللّه ورسوله سماع قبول.
مطلب في الخبيث والطّيب والنّهي عن سؤال اللّه بما لم يكلف به عباده وما حرمته الجاهلية قبل الإسلام :
يا سيد الرسل «قُلْ» للناس كافة بأنه «لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ» عند اللّه في الرّتبة والمنزلة فلا يعادل الحلال الحرام ولا الجيد الرّديء كما لا يستوى الحق والباطل والنّور والظّلمة والكفر والإيمان والأعوج والعدل والزين والشّين فبينهما بون شاسع ، فلا تغتر أيها الإنسان بما ترى «وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ» لأن عاقبته سيئة وآخرته قبيحة ، فأهل الدّنيا يعجبهم كثرة المال وتسرهم زخارفها ، وأهل اللّه يعجبهم ما عند اللّه ويزداد فرحهم به لأنه باق دائم وذلك زائل فان ، والمزق الباقي خير من الذهب البالي «فَاتَّقُوا اللَّهَ» عباد اللّه وآثروا ما يبقى على ما يفنى واتركوا الشّر واطلبوا الخير «يا أُولِي الْأَلْبابِ» النافعة المفكرة العارفة ما يضرها وما ينفعها.
واعلموا أن القليل الدّائم خير من الكثير الزائل ، فآثروا الأحسن والأخير «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (100) في دينكم ودنياكم وآخرتكم ، روى جابر عن عبد اللّه أن رجلا قال يا رسول اللّه إن الخمر كانت تجارتي فهل ينفعني ذلك المال ان عملت فيه بطاعة اللّه ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلم إن أنفقت في حج أو جهاد لم يعدل جناح بعوضة ، إن اللّه طيب لا يقبل إلّا الطّيب ، فنزلت هذه الآية وهي غاية في نفي المساواة عند اللّه(6/379)
ج 6 ، ص : 380
تعالى بين النّوعين والتحذير من ردّيتهما.
قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» وتحزنكم وتكدر خواطركم لأنكم لا تقدرون على فعلها أو يعز عليكم تناولها فقد تكون لمضرتكم أقرب من منفعتكم «وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ» أي إذا صبرتم عن السّؤال عنها إلى نزول القرآن فيها فهو خير لكم وإن لم ينزل فيها القرآن فهو خير لكم أيضا ، فلا تتعرضوا للسؤال عنها فلعلها محزنة لكم أو تكون تكاليف شاقة لا تطيقونها «عَفَا اللَّهُ عَنْها» عنكم فلم يكلفكم إياها فلما ذا تتعجلون على اللّه بالسؤال عنها وتتطلبونها من حيث لا لزوم لكم بها ؟ روى البخاري ومسلم ع عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال كان قوم يسألون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم استهزاء ، فيقول الرّجل من أبي ويقول الرّجل تضل ناقته أين ناقتي ، فأنزل اللّه فيهم هذه الآية.
وروى مسلم عن أبي هريرة قال خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال يا أيها النّاس قد فرض اللّه عليكم الحج فحجوا ، فقال رجل أني كلّ عام يا رسول اللّه ؟ قال فسكت حتى قالها ثلاثا ، ثم قال ذروني ما تركتكم ، ولو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ، وإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ثم سألوا عن البحيرة والسّائبة الآتيتين بعد هذه الآية وعما كان من أعمال الجاهلية وبعضهم اقترح إنزال آية ، فأنزل اللّه هذه الآية ردعا لهم ، لأن من سأل عن نسبه لم يأمن أن يلحقه العار بان يلحقه صلّى اللّه عليه وسلم لغير أبيه فيفتضح ويفضح أمه وقومها ومن سأل عن الحج لم يأمن أن يؤمر به فيصعب عليه وعلى الأمة أجمع وجوب تكرره ، وكذلك من يسأل عن أشياء لم تفرض فيوشك أن تفرض بسبب سؤاله فتكلف الأمة كلها زمرة ، فلهذا نهاهم اللّه تعالى عن السّؤال لحضرته خشية افتراض ما يسألون عنه ، فيعجزون عن أدائه ، فيعاقبون على تركه «وَاللَّهُ غَفُورٌ» كثير المغفرة للناس لو يعلمون ما قدرها ، ولذلك لا يؤاخذكم عما يبدر منكم ويستر عليكم ما تقترفونه خفية لعلكم تتوبون وترجعون ، وقد أبت رحمة اللّه بكم أن يفضحكم لمرة أو مرتين أو يسلط عليكم عدوا منكم وعدوا من غيركم «حَلِيمٌ» (101)(6/380)
ج 6 ، ص : 381
بعفوه عنكم وعدم تعجيل العقوبة وتكليفكم ما لا تطيقون أو تتحرجون منه.
روى البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال ان من أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على النّاس فحرم من أجل مسألته ورويا عن المغيرة بن شعبة أنه كتب إلى معاوية أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم كان ينهى عن قيل وقال واضاعة المال وكثرة السّؤال ثم بين تعالى مدى خطأهم بما ينتج عن السّؤال بقوله جل قوله «قَدْ سَأَلَها» أي هذه المسألة المنهي عنها «قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ» (102) وذلك أن قوم صالح عليه السّلام سألوه إخراج النّاقة من الصّخرة ليؤمنوا باللّه فدعا اللّه ربه ، فأجاب دعوته وأخرجها لهم منها ، فعقروها وكفروا بها ، فأهلكهم اللّه بسبب سؤالهم ، راجع قصتها في الآية 79 من الأعراف في ج 1 ، وقد سأل قوم موسى رؤية اللّه جهرة فكانت عليهم وبالا راجع قصتهم في الآية 57 من سورة البقرة المارة ، وسأل قوم عيسى المائدة فلما أنزلت كذبوا بها فكانت عليهم وبالا كما سنأتي قصتها في الآية 116 الآتية فإياكم أيها المسلمون والمسألة عن شيء يتعلق بأمر دينكم ومعاملتكم من غير ما فرض اللّه عليكم منها فتحملون أنفسكم ما لا تقدرون عليه ، لأنكم إذا سألتم عن شيء لا وقوع له فلربما يجاب طلبكم ويفرض عليكم فلا تعملون به فيعود عليكم بالوبال ثم قال تعالى ردا للسائلين «ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ» هي النّاقة إذا ولدت خمسة أبطن لم يركبوها ولم يجزوا وبرها ولم يمنعوها الماء والكلأ ، ويعمدون إلى ولدها الخامس إن كان ذكرا ذبحوه فيأكله الرّجال والنّساء ، وإن كان أنثى شقوا أذنها وتركوها وخصصوا منافعها للرجال وحرموها على النّساء ، فإذا ماتت حلّت للرجال والنّساء «وَلا سائِبَةٍ» هي النّاقة إذا تابعت اثنتي عشرة سنة إناثا سيبت فلم تركب ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلّا ضيف فما نتجت بعد ذلك من ذكر فعلوا به كما فعلوا بابن البحيرة ، وإن كان
أنثى شقوا أنفها ثم سيبت مع أمها ويفعل بها كما يفعل بأمها ، ومن هذا ما ينذرونه لآلهتهم فإنه يسيب ولا يركب ولا ينتفع به «وَلا وَصِيلَةٍ» هي الشّاة إذا ولدت سبعة أبطن فإذا كان السبع ذكرا ذبحوه وأكله الرّجال والنّساء ، وإذا كان أنثى تركوها ، وإن ولدت(6/381)
ج 6 ، ص : 382
ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر من أجل الأنثى «وَلا حامٍ» هو الفحل إذا نتج من صلبه عشرة أبطن قالوا حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يذبح ، حتى إذا مات أكله الرّجال والنّساء ، هذا مما اختلفوه من أنفسهم لأن اللّه تعالى لم يأمر بشيء منه ولم ينزله في كتابه ، ولم يكلف هؤلاء الجهلة تلك الأمور بل ابتدعوها ابتداعا ، ومن هذا القبيل الأفعال المارة في الآية 139 فما بعدها من سورة الأنعام المارة في ج 2 فهي أيضا لا أصل لها في الشّرائع السّماوية ولم ينزل اللّه شيئا منها في كتابه على أحد من أنبيائه «وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا» يحرمون ويحللون تبعا لآبائهم الّذين اخترعوا ذلك «يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ» في نسبة ما يحلونه أو يحرمونه اليه تعالى «وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» (103) بأن هذه الأشياء ابتدعها رؤساؤهم وقلدوهم بفعلها من غير علم بأحقيتها.
روى البخاري ومسلم عن عائشة قالت قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا ورأيت عمرا (هو عمر بن عامر بن لحي بن قمعه بن خندق أخر بني كعب) يجرّ قصيه (أمعائه) في النّار ، وهو أول من سيّب السّوائب وتبعه من بعده الناس والضّمير في أكثرهم يعود للاتباع المقلدين هذه العوائد المختلفة ، لأن فيهم من يعقل إنها ليست بشيء ولكن لا يقدرون أن يستبدوا وحدهم بتركها ولا يستطيعون منع غيرهم.
قال تعالى «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ» فاعملوا به وافعلوا عن هذه الأعمال الواهية التي لا أصل لها «وَإِلَى الرَّسُولِ» أي اركنوا إليه ليبين لكم كذب ما تضيفونه إلى اللّه من هذه الأشياء وغيرها ، ويوضح لكم ما حرم عليكم وأحل لكم كما أنزل اللّه «قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا» من حلال وحرام ، فهو كافينا عن مراجعتكم لا نريد غيره ، فردّ اللّه عليهم بقوله «أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ» الّذين قلدوهم بها «لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً» من طرق التحليل والتحريم «وَلا يَهْتَدُونَ» (104) إلى طريق الحق ودين قويم وشريعة صحيحة وصراط مستقيم ، أتقتدون بهم وهم على ضلال ، أليس هذا جنونا وحمقا وسفها ، لأن الاقتداء إنما يعتبر إذا كان المقتدى به عالما مهتديا عاقلا مفكرا(6/382)
ج 6 ، ص : 383
لا جاهلا ضالا غبيا ، ولكن إذا كان الأكثر منهم على هذا فانهم يسيطرون على الأقل لأن الحكم غالبا للأكثرية.
مطلب لا يستفاد من هذه الآية ترك الأمر بالمعروف وكيفية استماع الشّهود على وصية الميت وسبب نزول هذه الآية :
قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ» فالزموها وأصلحوها واحفظوها من الوقوع فيما لا يحل ، واعملوا لخلاصها من عذاب اللّه وما يقربها منه وباعدوها عن الحرام ، ولا تركنوا إلى الظّلم فتمسكم النّار ، فإذا تقيدتم بهذا وفعلتموه فاعلموا أنه «لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ» إلى ذلك وتمسكتم به وقمتم بالحق ، لأن عصيان الباغي وكفر الطّاغى لا يضركم ، وإنما يعود ضرره عليه إذا نصحتموه ولم يقبل نصحكم ولم يسترشد بإرشادكم ، ولم يؤمن كإيمانكم وهؤلاء ان كانوا كافرين مشركين فاقسروهم على الإيمان إذ لا دين لهم ، وان لم يقبلوا فاقتلوهم ، وان كانوا كتابيين فاضربوا عليهم الجزية واتركوهم وشأنهم لأنكم لم تؤمروا بقتالهم على الإسلام.
قال تعالى (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) الآية 257 من البقرة راجع تفسيرها تعلم أن دين الإسلام قام بالعدل لا بالإكراه ، وبالرغبة لا بالرهبة ، ولهذا فإن حضرة الرّسول لم يجبر أحدا من أهل الكتابين على الإيمان به ، هذا وليعلم أن المطيع من هذه الأمة لا يؤخذ بذنب العاصي ، كما لا ينتفع العاصي بطاعة المطيع ، وان المؤمن لا يؤخذ بذنب الكافر ، والكافر لا ينتفع بإيمان المؤمن ، راجع الآية 10 من سورة التحريم المارة.
قال سعيد بن جبير نزلت هذه الآية في أهل الكتاب أي في عدم جبرهم على الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم لأنكم وإياهم «إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً» في الآخرة وحينذاك «فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (105) في هذه الدّنيا.
واعلم أن هذه الآية لا يستدل فيها على عدم الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر كما زعم بعضهم وضرب بها المثل ، لأن الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ثابتان بالكتاب والسّنة ثبوتا قطعيا لا قول فيه البتة ؟ أخرج الترمذي عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر الصّديق رضي اللّه عنه قال أيها النّاس انكم تقرءون هذه الآية (يا أَيُّهَا الَّذِينَ) إلخ ولا تضعونها موضعها(6/383)
ج 6 ، ص : 384
ولا تدرون ما هي ، واني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول إن النّاس إذا رأوا ظالما فلم يأخذوا على يديه أو شك أن يعمهم اللّه بعقاب منه.
وأخرجه أبو داود بزيادة ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ولا يغيروا إلّا يوشك أن يعمهم اللّه بعقاب.
قال ابن مسعود مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قيل منكم فإن ردّ عليكم فعليكم أنفسكم ، إن القرآن نزل منه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن كقصص الأوّلين وأخبارهم ، ومنه وقع تأويلهن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ومنه أي قد وقع تأويلهن بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بيسير ، كارتداد بعض العرب والحوادث التي وقعت ، ومنها قتل عثمان رضي اللّه عنه ، ومنه آي يقع تأويلهن آخر الزمان كأشراط السّاعة وغيرها (والأشياء المحدثة مما أشار إليها القرآن وحضرة الرّسول من البواخر والصّواعق وتقارب البلدان وكثرة القتل وغيرها) راجع الآية 8 من سورة النّحل ج 2 ومنها آي يقع تأويلهن يوم القيامة كالحساب والعقاب والنّار ، فما دامت قلوبكم واحدة فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر وإذا اختلفت قلوبكم وأهواءكم والبستم شيعا وأذاق بعضكم بأس بعض جاء تأويل هذه الآية ويكون على كلّ امرئ نفسه ، قيل لا بن عمر لو صليت في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه فإن اللّه يقول «عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ» فقال إن هذه الآية ليست لي ولأصحابي لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال ألا ليبلغ الشّاهد الغائب ، فكنا نحن الشّهود وأنت الغائب ، ولكنها لأقوام بعدنا ان قالوا لم يقبل منهم.
وأخرج الترمذي في حديث غريب عن أمية الشّعباني قال أتيت أبا العالية الحسني فقلت كيف نصنع بهذه الآية ، قال أيّة آية ؟ قلت (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) إلخ قال أما واللّه لقد سألت عنها خبيرا ، سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متّبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ، ودع العوام ، فإن من ورائكم أيّام الصّبر ، فمن صبر فيهن قبض على الجمر ، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم.
وفي رواية قبل يا رسول اللّه أجر خمسين رجلا منا أو منهم ؟ قال لا بل أجر خمسين رجلا منكم.
راجع الآية 39 من سورة الرّوم(6/384)
ج 6 ، ص : 385
في ج 2 في بحث التفرق
في الدّين تجد ما يتعلق بتمام هذا البحث ، قال تعالى :
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» إن مما أمرتم به «شَهادَةُ بَيْنِكُمْ» أي أن يشهد ما بينكم «إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ» قارب وقته بما يراه المريض من نفسه أو يرى أولياؤه فيه من علاماته وأراد أن يوصي بشيء فليشهد «حِينَ الْوَصِيَّةِ» على ما يوصي به من بعده «اثْنانِ» بالرفع خبر شهادة رجلان «ذَوا عَدْلٍ» موصوفان بالعدالة من أهل الصّلاح والتقوى والأمانة «مِنْكُمْ» من ملتكم المؤمنين ، وإذا لم يوجد حين الوصية من أهل دينكم فأشهدوا من حضر من الملل الأخرى ، وقدموا أهل الكتاب على غيرهم لشمول قوله تعالى «أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» أي من أي ملة كانوا «إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ» سافرتم «فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ» فإذا أدى هؤلاء الشّهود شهادتهم ور كنتم إليها فاعملوا بها ، وإلّا إذا اتهمتموهم بالخيانة أيها الأولياء والورثة فلكم أن «تَحْبِسُونَهُما» توقفونها «مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ» الأحسن أن تكون صلاة العصر لما جاء فيها من الأخبار ، واللّفظ مطلق يدخل فيه كلّ صلاة مفروضة ، لأن أل فيها للعهد ، والقصد من تحليفهما بعد الصّلاة اجتماع النّاس ليشهدوا حلفهما ويتبينوا صدقهما من كذبهما ، لأن الرجل قد يحلف وحده ويستنكف عن الحلف أمام النّاس خشية سوء سمعته ، وكان أهل الحجاز قبلا يقعدون للخصومة بعد العصر ، هذا إذا كانا مسلمين ، وإذا كانا كتابيين أو من ملة أخرى يحلفون بالوقت وفي المكان الذي يعظمونه ، ولهذا كانت اللام للعهد ، إذ لو كانت للجنس لكان التحليف بعد مطلق صلاة وكأن لم يشهده أحد وفي شهوده فرية للتحليف ، تدبر «فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ» أمام الجمع الغفير بحضور الورثة في أعظم محل معظم عندهما ، فإذا كان بالمدينة مثلا يكون التحليف في مسجد رسول اللّه عند المنبر الشّريف ، وإن كان في المسجد الأقصى يكون عند الصّخرة الشريفة ، وإذا كان في مكة يكون بين الرّكن والمقام ، وفي
البلدان الأخرى في أعظم مسجد عندهم ، وإن كان من الكتابيين في القدس في كنيسة القيامة ، أو في بيت لحم ، عند محل الولادة الشّريفة ، أو في ضريح موسى عليه السّلام ، أو في أعظم كنيسة أو بيعة ، أو عند المبكى ، وكذلك إذا كانا كافرين ففي أعظم(6/385)
ج 6 ، ص : 386
محل يعظمونه وبحضور علمائهم وقسوسهم ورهبانهم وحاخامهم ورؤساهم ، وهذا التحليف لا يكون إلا «إِنِ ارْتَبْتُمْ» في صدقهما وظننتم الكذب في شهادتهما ويكون اليمين باللّه تعالى وحده ، ويجوز أن يشدد الحلف بشيء من صفاته الجليلة ، وإذا كانا كتابيين جاز توثيق حلفهما بالتوراة والإنجيل ، أما الكفار فباللّه فقط ، لأن ما يعظمونه لا قيمة له عند اللّه ، سواء كان إنسانا أو حيوانا أو كوكبا أو جمادا لأنها كلها أوثان لا يجوز تعظيمها بالحلف ولا بغيره ، وتعظيم الزمان هنا مثل كونه بعد العصر مما يكثر فيه الجماعة ، وفي المكان مثل الجوامع والبيوت المعدة لذكر اللّه عند أهل الأديان والصّيغة بأن يقول واللّه العظيم المنتقم الجبار الذي أنزل القرآن على محمد ، أو التوراة على موسى ، والإنجيل على عيسى ، والزبور على داود ، أنّا نقول الحق ونشهد به «لا نَشْتَرِي بِهِ» أي اليمين الذي هو عهد اللّه الذي أقسمنا به «ثَمَناً» عوضا بشيء من حطام الدّنيا ، ولا نحلف كاذبين باللّه لأجل عوض نأخذه ، أو غرض نقصده ، أو شيء نرغبه ، أو حق نجحده ، أو خوف نهابه «وَلَوْ كانَ» المشهود له «ذا قُرْبى » منا «وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ» التي أمرنا بحفظها ونهينا عن كتمها «إِنَّا إِذاً» إن كتمناها أو شيئا منها أو أدينا هذه الشّهادة على غير ما هي ، أو خنّا فيها ولم نؤدها كما سمعناها من الموصي «لَمِنَ الْآثِمِينَ» (109) عند اللّه المستوجبين عقوبة شهادة الزور «فَإِنْ عُثِرَ» اطلع وظهر بعد حلفهما هذا «عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً» أي عقوبة لظهور خيانتهما وبيان كذبهما (و
كلّ من اطلع على أمر كتم عليه أو أخفى عنه قيل له عثر عليه «فَآخَرانِ» أي شاهدان من أولياء الميت وأقربائه «يَقُومانِ مَقامَهُما» مقام الوصيين الّذين اطلع على كذبهما في اليمين وخيانتهما فيما أوصاهما به الميت أو أشهدهما على ما أوصى به ، وهؤلاء لا يكونان إلا «مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ» أي جنى عليهم من أهل الميت وعشيرته وأقربائه «الْأَوْلَيانِ» بالميت في غيرهما الأحقان بإرثه «فَيُقْسِمانِ» هذان المختصان بإرث الميت ، ويجب أن يراعى فيهم الأقرب فالأقرب ، لأن اللّه تعالى وصفهما بالأولوية «بِاللَّهِ» يحلفان به جل جلاله في الزمان والمكان والصّفة المذكورة آنفا وبتعظيم اليمين بشيء من صفات اللّه وكتبه(6/386)
ج 6 ، ص : 387
وبحضور جماعة بعد الصّلاة ، وحضور رؤساء الدين
كما مر في الشّاهدين الأولين ، لأن اللّه تعالى قال (يَقُومانِ مَقامَهُما) أي بكل ما هو مطلوب في الشّاهدين الأولين يطلب في هذين ، ثم يزيدان في حلفهما ثلاثة شروط أخر في صيغة الحلف علاوة على الشّروط المارة ، وهي ما ذكرها اللّه بقوله عز قوله «لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما» أي أعدل من شهادة الوصيين والشّاهدين الّذين حلفا أولا ، وأيماننا نحن الوليين أصدق من أيمانهما ، ويقولون أيضا «وَمَا اعْتَدَيْنا» في حلفنا هذا ولم نتجاوز الحق فيه ولم نتعد الصّدق به ، ويختمون حلفهم بما قاله تعالى «إِنَّا إِذاً» إن كنا كذبنا بحلفنا أو زدنا في قولنا أو نقصنا أو غيرنا شيئا فيه «لَمِنَ الظَّالِمِينَ» (107) أنفسنا وغيرنا المستحقين عقاب اللّه للكاذب المعتدي المتجاوز الحق «ذلِكَ» الحكم الذي ذكرناه من رد اليمين على أولياء الميت عند الاشتباه بالوصيين بعد حلفهما «أَدْنى » أقرب وأولى «أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها» بأن يؤدوها كاملة كما سمعوها دون زيادة ولا نقص ولا تغيير ولا تبديل ولا خوف ولا خشية ولا غرض ولا عوض ولا تحوير ما كما هو الواجب على جميع الشّهود في جميع الخصومات أن يكونوا كذلك «أَوْ يَخافُوا» أي وأقرب وأولى لخوف الأوصياء والشهداء الأولين في «أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ» على أولياء الميت ، كما في هذه الحادثة الآتي بيانها فيفتضحون بظهور خيانتهم ويسقطون من أنظار النّاس ، كما افتضح هؤلاء في الدّنيا واستحقوا عذاب اللّه في الآخرة كما استحقاه «وَاتَّقُوا اللَّهَ» أنتم أيها الأولياء والأوصياء والشّهداء ، من أن تخونوا أو تكذبوا فيما عهد إليكم به أو كلفتم بيانه «وَاسْمَعُوا» ما يعظكم اللّه به ، وأطيعوا أمره ، ولا تخرجوا عن حدوده ، «وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» (108) المتجاوزين أمره المخالفين نهيه الحائدين عن طريق الصّواب.
واعلم أن رفع (اثْنانِ) على خبر كما جرينا عليه أولى من جعله فاعلا على قول الغير إذ يحتاج إلى تقدير جملة وهي (فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان) وأولى من قراءة النّصب في شهادة ، وجعل جملة (إذا حضر) ظرفا للشهادة ، وجملة (حين الوصية) بدلا منه ، وفي إبداله دليل على وجوب الوصية وهو كذلك حرصا على براءة الذمة فيما له وعليه ، راجع الآية 8(6/387)
ج 6 ، ص : 388
من سورة النّساء المارة.
وخلاصة هذه الحادثة على ما روي بأن تميما الدّاري وعدي بن بدا النّصرانيين خرجا في تجارة إلى الشّام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص فمرض فكتب جميع ما عنده في كتاب وجعله بين أمتعته وأوصى تميما وعديا أن يدفعا متاعه لأهله في المدينة ، ومات رحمه اللّه ففتشا متاعه فوجدا فيه إناء فضة منقوشا بالذهب وزنه ثلاثمائة مثقال ، وغيباه ، فلما رجعا إلى المدينة دفعا متاعه لأهله ، ففتشوه فوجدوا الكتاب ، فقال أهل الميت لهما هل باع صاحبنا شيئا من متاعه ؟ قالا لا ، قالوا هل اتجر تجارة ؟ قالا لا ، قالوا هل طال مرضه فأنفق شيئا على نفسه ؟ قالا لا ، قالوا إنا وجدنا في متاعه كتابا فيه جميع ما كان معه ، وقد فقدنا إناء فضة منقوشا بالذهب وزنه ثلاثمائة مثقال ، قالا لا ندري به ، فاختصموا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأتى بهما فأصرّا على الإنكار ، فحلفهما رسول اللّه عند المنبر بطلب الورثة فحلفا وخلى سبيلهما ، لأن الكتاب بخط المتوفّى لا بخطهما ، ولذلك فإن حكمه لا يسري عليهما ولا توجد بينة حاضرة غيرهما ، قالوا ثم بقي ورثة الميت يتحرون على ذلك الإداء ، فوجدوه بمكّة عند رجل اعترف أنه اشتراه منهما.
فجيء بهما أمام رسول اللّه فسألهما ، فقالا إنا اشتريناه من بديل قبل وفاته وبعناه إلى هذا بمكة ، وإذ لم يتذرعا بهذا الوضع عند سؤالهما أولا وحلفهما على عدم وجوده عد كلامهما تناقضا مانعا من سماعه ، فقد طلب حضرة الرّسول البينة من أهل الميت فتقدم عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة من أهله وورثته وحلفا بعد العصر على الصّورة المذكورة في الآية ، وأن الإناء لمورثهما فدفع الإناء إليهم ، وأفهم المشتري أن له حق الرّجوع باسترداد ثمنه من المذكورين ، ولما أسلم بديل قال صدق اللّه إنا أخذنا الإناء وبعناه ، فنزلت هذه الآية.
الحكم الشّرعي عدم وجوب الحلف على الشّهود وعليه فيراد بهما الوصيان ، وهما لا يحلفان إذ لا حلف عليهما إذا أرادا براءة ذمتهما فيحلفان ليطمئن الوارث بقولهما ، فلهما ذلك ، والاستشهاد مطلوب على الوصية ، وهذه الحادثة لم يشهد عليها لعدم وجود أحد إذ ذاك غيرهما والموصي ، ومن
زعم أن هذه الآية منسوخة على رأيه لأن شهادة الكافر لا تقبل على المسلم اقتباسا من قوله تعالى (شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ) الآية 283(6/388)
ج 6 ، ص : 389
من سورة البقرة فهو زعم فاسد ، لأن آية البقرة مقدمة على هذه ، والمقدم لا ينسخ المؤخر قولا واحدا ، وقد أجمعت العلماء على أن المائدة من آخر القرآن نزولا ولا نسخ فيها البتة ، وهذه الآية المصدرة بيا أيها الّذين آمنوا صرحت أولا بلفظ (منكم) بما يدل على أنه يريد المؤمنين ، وفي حالة عدم وجود أحد من المؤمنين قال (من غيركم) وغير المؤمنين يدخل فيه الكتابي والكافر بما يدل على قبول شهادة غير المؤمن دلالة ظاهرة لا احتمال فيها ولا تأويل ، ولهذا فإن اللّه تعالى أوجب الحلف على المذكورين لأن الشّاهد المسلم لا حلف عليه ، وغيره يحلف للتوثق منه ، وإذا جاز نصا استشهاد غير المسلم فلأن تجوز توصيته من باب أولى حرصا على محافظة الحقوق وصيانته أربابها ، لأن من كان بأرض لا إسلام فيها يجوز أن يشهد أو يوصي من حضر عنده كتابيا كان أو كافرا ، لأن الضّرورات تبيح المحظورات ، وكما يختار المسلم على غيره عند وجوده يختار الكتابي على الكافر ، قال القاضي شريح : تقبل الشّهادة في مثل هذه الحالة ولو كافرا من عبدة الأصنام.
أخرج أبو داود عن الشّعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته ، فأشهد رجلين من أهل الكتاب ، فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعري ، فأخبراه وقدما تركته ووصيته ، فقال أبو موسى هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأحلفهما بعد العصر باللّه ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا ، وأنها لوصية الرّجل وتركته ، فأمضى شهادتهما ولأنه لو لم يشهد في مثل هذه الحالة من حضر عنده من النّاس أيا كان يضيع المال ولربما كان له ديون أو عليه أو عنده وديعة أو أمانة فيسبّب عدم الإشهاد ضياع ذلك ، ولهذا فلا مانع شرعا من ذلك ، بل يطلب أن يشهد أو يوصي غير المسلم ولو كان وثنيا على وصيته عند الحاجة.
مسألة : إذا ادعى الوصي أن الميت باعه شيئا من متاعه أو أوصى له به أو وهبه إياه ولا شهود لديه على ذلك ، والورثة تنكر ، فيحلف الوصي على ذلك ، ثم ترد اليمين على الورثة الأدنياء من الميت ، فإذا حلفوا على كذب الوصي الموصى له بذلك الشّيء أخذوا المال المدعى بيعه أو هبته أو الوصية به ، وإذا فكلوا ترك الموصي ، وهذا تصوير ما جاء(6/389)
ج 6 ، ص : 390
في هذه الآية لأن تميما وعديا بعد أن وجد الإناء ادعيا أنهما اشترياه من الميت ولا بينة لهما ، فلذلك حلف الورثة على أنه ملك مورثهما وأنهما لم يعلموا بأنه خرج من ملك مورثهم بوجه من الوجوه الشّرعية.
واعلم أن هذه الآية وأوائل سورة البينة والآية 73 من آل عمران المارتين من أصعب ما في القرآن العظيم نظما وأعرابا وحكما فكانت من أصعبها تفسيرا أيضا.
قال تعالى واذكر لقومك يا سيد الرّسل «يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ» يوم القيامة للسؤال «فَيَقُولُ» جل قوله لهم «ما ذا أُجِبْتُمْ» من قبل أممكم حينما دعوتموهم في الدّنيا إلى توحيدي وطاعتي وهذا الاستفسار بقصد التوبيخ لأقوامهم الّذين لم يلبوا دعوتهم ، وإلّا فهو عالم بمن أجاب ومن اعرض «قالُوا لا عِلْمَ لَنا» يا ربنا «إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» (109) تعلم بما كان منهم وإنما اختاروا السّكوت عن البيان مع أنهم يعلمون بعض أحوال أممهم أدبا مع اللّه عز وجل ، ولعلمهم بإحاطة علمه بكل شيء قد فوضوا الأمر اليه لأنه لا يعرّب عن علمه شيء مما عمله أقوامهم ولا شيء مما عملوه هم أيضا لأجلهم ، وانهم وان كانوا اطلعوا على بعض ظواهر أممهم فانهم لا يعلمون بواطنهم وهو جل شأنه حليم لا يسفه وعادل لا يظلم ، وانّ إجابتهم لا تدفع في ذلك اليوم عن أممهم شرا ولا تجلب لهم خيرا ما لم تتعلق به المشيئة فكأنهم قالوا لا حقيقة لعلمنا إزاء علمك البالغ ولا نعلم حقيقة أفعالهم وأقوالهم تجاه علمك بذلك حال حياتنا معهم ولا ما أحدثوه بعد وفاتنا فعلم ذلك كله مختص بعلمك.
واذكر يا أكمل الرّسل لأمتك «إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ» إذ أنبتها نباتا حسنا وطهرتها واصطفيتها على نساء زمانها وهذا أول نعمة أنعمتها عليك إذ أخرجتك منها و«إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ» جبريل عليه السّلام حالة كونك «تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ» وأنت طفل أنطقتك ببراءة أمك مما وصمها به قومك «وَكَهْلًا» تكلمهم أيضا بما أعطيتك من المعجزات وأنزلت عليك الآيات ، وشرفتك بالرسالة لتدعو قومك حال بلوغك سن الكهولة إلى الإيمان بك من غير تفاوت في كلامك من حيث الفصاحة في هذين الوقتين ، وهذا من جملة ما خصصتك به «وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ» الإنجيل الذي أنزلته عليك بعد أن(6/390)
ج 6 ، ص : 391
علمتك الكتابة والقراءة تتلو عليهم ، وقيل إنه علمه كتب الأولين النّازلة على الأنبياء قبله لأن فيها التوراة ، مع أن التوراة ستأتي بعد ، ولهذا فالأحسن الإيراد بالكتاب هنا الكتابة بالقلم «وَالْحِكْمَةَ» الفهم والاطلاع على أسرار العلوم والعالم والكلام الصّائب المحكم وحقائق الأشياء «وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ» قراءة وتلقينا ولفظ الكتاب يطلق على التوراة والإنجيل والزبور والقرآن فقط حقيقة ، ومجازا على جميع الكتب والصّحف ، ومن المعلوم أن ما قبل التوراة كلها صحف لا كتاب قبلها البتة ، لهذا فإن تأويل الكتاب بكتابة القلم أولى «وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ» خلقا تصوره بيدك «كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي» لك في ذلك وتعليمي إيّاك تقوية لدعوتك «فَتَنْفُخُ فِيها» في
الصّورة التي صورتها من الطّين على هيئة الطّير ويجوز إعادة الضّمير إلى الطّير لأنها مؤنثة.
قال تعالى (أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ) الآية 19 من آل عمران المارة تذكير الضّمير ، وهناك يعود إلى الكاف من قوله لكم أو إلى الطّين والمراد الشيء المماثل لهيئة الطّير «فَتَكُونُ» تلك الصورة المنفوخ فيها «طَيْراً بِإِذْنِي» بأمري وكرره تأكيدا لكونه وقع وصار كما أراد بتوفيق اللّه تعالى وقدرته لا بتخليق عيسى ومعرفته ، لأن المخلوق لا يخلق وأن التصوير بغير الرّوح لا يسمى خلقا «وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ» مطموس العينين ولادة ، فكأن عليه السّلام تعلم ذلك بتعليم اللّه إياه وأمره أن يشق له موضع عينيه فتكون له عينان يبصر بهما كغيره من الحيوان بلا فرق «وَالْأَبْرَصَ» تبرأ أيضا بمجرد مسحك إياه «بِإِذْنِي» وأمري «وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى » من قبورهم أحياء ، كما صح أنه عليه السّلام نادى ساما بن نوح عليه السّلام من قبره فقام ، راجع الآية 50 من آل عمران المارة ، مع أنه مرّ على وفاته آلاف السّنين وأحيا العازر ، وابن العجوز ، وبنت العشار ، وغيرهم ممن مات حديثا ودفن ، ولا فرق في ذلك ، لأن اللّه تعالى يقول كان ذلك «بِإِذْنِي» وإذا كان بإذنه وأمره فيستوى عنده القديم والحديث ، والبالي والباقي ، فهو الفاعل الحقيقي لهذه الأشياء ، وإنما أجراها على يد رسوله عيسى عليه السّلام معجزة له وعدها من جملة نعمه عليه في الدّنيا «وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ» حين أرادوا(6/391)
ج 6 ، ص : 392
قتلك إذا دلهم عليك صاحبك المنافق وجاء بهم عليك ليقتلوك فمنعتهم أن يصلوا إليك ورفعتك إلى السّماء وألقيت شبهك على ذلك المنافق فقتلوه بذلك جزاء وفاقا لجرمه ، هذا في الدّنيا وصلبوه إهانة له ، وسيكون جزاؤه في الآخرة أشدّ وأفظع ، ثم رفعتك إلى السّماء وأقمتك فيها لانتهاء مدتك الأولى في الأرض ، راجع الآية 54 من سورة آل عمران المارة ، وما كانت عداوة بني إسرائيل معك «إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ» العجيبة والآيات الباهرة الغريبة المثبتة لصدقك فكفروا بها حسدا وعدوانا وتمسكا بتقاليدهم لبقاء الرّياسة لهم «فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ» بتلك الآيات «إِنْ هذا» الذي جئت به ليس بحقيقة وما هو «إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» (110) وذلك أن اللّه تعالى طبع على قلوبهم وأعمى أبصارهم فلم يميزوا بين الحقيقة والخيال عنادا وعتوا ، تنبه هذه الآية تدل على قبح من يقول بإلهية عيسى ، لأنه من جملة عباد اللّه ، وأن ما فعله من المعجزات كان بفعل اللّه وإقداره عليها ، وتدل على أنه كان عبد اللّه ورسولا له ، ليس إله ، ولا ابنا للإله ، وأن أمه كسائر النساء ، وإنما اختصها بما يكرمها ويفضلها على غيرها.
وتشير إلى أن ما نسب إلى عيسى جرم عظيم لا يوازيه جرم من كذّب الرّسل فقط ، لأن تكذيبهم طعن فيهم ، وهذا طعن في اللّه تعالى لو صمه باتخاذ الولد والزوجة والشّريك تبرأ عن ذلك وتنزه.
واذكر لقومك يا حبيبي قصة أخرى مما يتعلق بعيسى أيضا وهي «وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ» أصحاب عيسى فالهمتهم وقذفت في قلوبهم «أَنْ آمِنُوا بِي» أنا اللّه ربكم ومالك أمركم «وَبِرَسُولِي» عيسى كما آمن الّذين من قبلكم بأنبيائي «قالُوا آمَنَّا» استجابة لما ألقيته في روعهم ، ثم قالوا معلنين تمكين إيمانهم يا ربنا «وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ» (111) لك منقادون إلى عظمتك والحواري الصّفي والخاصّة والوزير والأمين والخليفة ، روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد اللّه قال : ندب النّبي صلّى اللّه عليه وسلم الناس يوم الخندق فانتدب الزبير ، ثم ندبهم فانتدب الزبير ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير بن العوام رضي اللّه عنه أي صفيه وخاصته ، وقد أخبر صلّى اللّه عليه وسلم بأنه يقتل ، فقال بشر قاتل الزبير بالنار ، وقتل رضي اللّه عنه في حادثة الجمل قبل البصرة ودفن هناك ، وقبره يزار بالتعظيم والإجلال حتى الآن ، وقد(6/392)
ج 6 ، ص : 393
تشرفت بزيارته رضي اللّه عنه ، وسميت البلدة التي دفن بها باسمه ، وهذا أيضا من معجزات سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم وإخباره بالغيب الذي أطلعه اللّه عليه.
واذكر لقومك يا سيد الرّسل «إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ» خوانا عليه طعام إذ لا يسمى الخوان مائدة إلّا وعليه الطّعام ، وإلّا فهو خوان أو سفرة أو طبق أو طاولة «قالَ» عيسى عليه السّلام «اتَّقُوا اللَّهَ» يا قوم في سؤالكم هذا ، لأنه اقتراح على اللّه ، وقد علمتم ما فعل اللّه بالمقترحين عليه ، لأن طلبكم هذا بعد ظهور المعجزات المذكورة ، وبعد وجودي أنا من غير أب ، وهو أكبر معجزة عبارة عن تعنّت يستوجب غضب الرّب عليكم ، فانتهوا عن هذا يا أصحابي وتدبروا العاقبة وخذوا عبرة من الّذين اقترحوا على أنبيائهم الآيات كيف فعل اللّه بهم ، فأعرضوا عن هذا «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (112) باللّه وإياكم أن تركنوا إليه ، واعلموا أنكم إذا أصررتم على هذا تكونون ممن يشك بقدرة اللّه القادر على إجابة طلبكم.
وإنما خوفهم وحذرهم لأن هذا لم يسأله أحد من الأمم قبلهم ، وانه مما تخشى عاقبته ، لأن قوم صالح اقترحوا على نبيهم شيئا لم يقترحه أحد قبلهم ، فكانت عاقبتهم الدمار ، قال بعض المفسرين إن طلبهم هذا جاء على حد قوله تعالى فيما حكاه عن إبراهيم عليه السّلام (وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) الآية 263 من البقرة المارة ، لأنهم كانوا عارفين باللّه مقرين بكمال قدرته على أنه لا مانع من إجراء الآية على ظاهرها كما يؤيده قوله تعالى «قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها» حيث لحقنا الجوع والحال ليس بهم من جوع ولكن يريدون معرفة حق اليقين بعد أن علموا من نبيهم علم اليقين ، ومما يدل على عدم وجود الجوع أمرهم بالصيام كما سيأتي «وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا» بقدرة اللّه فنزداد يقينا «وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا» عيانا ومشاهدة كما علمناه غيبا واستدلالا «وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ» (113) لمن وراءنا من بني إسرائيل وللّه بكمال القدرة ولك بالقرب من ربك أكثر ممن تقدمك من الرّسل ولأنفسنا بالتصديق البالغ ، فلما رأى إصرارهم وإجماع كلمتهم على ذلك أمرهم عليه السّلام بصيام ثلاثين يوما وقال لهم إذا أفطرتم بعدها فلا تسألوا اللّه شيئا إلّا أعطاكم إياه ، ففعلوا.(6/393)
ج 6 ، ص : 394
مطلب في نزول المائدة وما قاله عيسى عليه السّلام لطالبيها وما أجاب به ربه عند سؤاله عما عزى إليه قومه :
وعند ذلك «قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً» نتخذه من عوائد برك وإحسانك وجودك وكرمك خاصّا «لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا» ممن يأتي بعدنا عاما «وَآيَةً مِنْكَ» لنا دالة على كمال عظمتك وبالغ قدرتك وتصديقا لنبيك «وَارْزُقْنا» هذه المائدة وألهمنا الشكر عليها «وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» (114) لأنك ترزق بغير حساب وتعطي بغير مسألة ، فاستجاب اللّه تعالى له حالا بدلالة عدم وجود العطف على دعائه ، بما يدل على عدم التراخي ، إذ «قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ» قالوا نزلت يوم الأحد ، واتخذه النّصارى عيدا بدل السّبت من ذلك اليوم «فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ» إنزال هذه المائدة ومشاهدتها والأكل منها «مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ» (115) قبلكم ولا بعدكم لأنه آية حسيّة ملموسة لا يمكن أن يقال إنها سحر أو غيره ، ولأنها وقعت عن اقتراح ، وقد جرت عادة اللّه بتعذيب المقترحين إذا لم يؤمنوا تعذيب استئصال ، قالوا فجحدها جماعة من بني إسرائيل وكفروا بها فمسخوا خنازير ، خزيا لهم وهوانا ، وهو عذابهم الدّنيوي والعذاب الأخروي مخبوء لهم ، وهو أشد وأفظع خزيا ومهانة ، فكانت وبالا على المنكرين ، وفاز من صدق بصحبة نبيه ، ونجا مما حل بهم.
ولا وجه لقول من قال إن المائدة لم تنزل ، لأن اللّه تعالى قال (إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ) أي إن أردتم لأن قول اللّه هذا من قبيل الوعد وهو لا يخلف الميعاد ، والذي ينكر هذه ينكر نتق الجبل على بني إسرائيل أيضا ، لأنه كان معلقا على قبولهم الأخذ بالتوراة أخرج الترمذي عن عمار بن ياسر قال : قال صلّى اللّه عليه وسلم أنزلت المائدة من السّماء خبزا ولحما ، وأمروا ألّا يخونوا ولا يدخروا ، ولقد خانوا وادخروا ورفعوا للغد ، فمسخوا قردة وخنازير.
وقال عبد اللّه بن عمر : إن أشد النّاس عذابا يوم القيامة المنافقون ، ومن كفر من أصحاب المائدة ، وآل فرعون أي لقوله تعالى (إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) الآية 140 من النّساء المارة ، وقوله في آل فرعون(6/394)
ج 6 ، ص : 395
(النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا) الآية 47 من سورة المؤمن ج 2 ، ولقوله في أصحاب المائدة (عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ) الآية المارة ، قال ابن عباس نزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها وهم ينظرون إليها وهي تهوي إليهم منقضة حتى سقطت بين أيديهم ، فلما رأوها لا تشبه موائدهم قال شمعون أكبر الحواريين أمن طعام الدّنيا يا روح اللّه ؟ قال لا من طعام الدّنيا ولا من الجنّة ، ولكنه شيء اخترعه اللّه لكم ، فكارا مما سألتم واشكروا اللّه يزدكم ، قالوا كن أول من يأكل ، قال إنما يأكلها من سألها ، فخافوا أن يأكلوا منها ، فدعا إليها أهل الفاقة والمرض ، فأكل منها ألف وثلاثمائة رجل وهي بحالها ثم طارت وهم ينظرون إليها حتى توارت صعودا ، قال الكلبي ومقاتل أنزل اللّه سمكة وخمسة أرغف فأكلوا منها ما شاء اللّه ، فلما نشروا الخبر ضحك من لم يشهدها وقالوا سحركم ، فمن أراد اللّه به خيرا ثبّته ، ومن أراد فتنته رجع إلى كفره ، فمسخوا ، قالوا وليس فيهم صبي ولا امرأة ، وبعد ثلاثة أيّام هلكوا ، وكذلك كلّ ممسوخ ، قالوا والسّبب في تسميتهم حواريين إنهم كانوا قصارين أي صباغين ، وان مريم عليها السّلام كانت وضعت عيسى عند رئيسهم ليتعلم منه ، وكان عرض له سفر فقال يا عيسى إنك قد تعلمت هذه الصّنعة وهذه ثياب قد علمت عليها بخيط من جنس الذي تصبغ به ، وهذه أواني الصّبغ ودتان مختلفة بحسبها فأريد أن تصبغ كلا منها في دنه بمقتضى اللّون المطلوب ، وان تفرغ منها قبل قدومي ، وتركه وذهب ، فقام عيسى فطبخ دنا واحدا بلون
واحد ووضع الثياب كلها فيه ، وقال كوني بأمر اللّه على ما أريد منك من الألوان مثل ما قال المعلم فقدم معلمه وقال له ماذا عملت بالثياب ؟ قال فرغت منها وهي هذه كلها في جب واحد ، قال أفسدتها وسببت لي خصومة أهلها ، قال عيسى لا ، ثم أخرجها فإذا هي كما أراد : الأصفر أصفر ، والأحمر أحمر ، والأخضر أخضر ، والأسود أسود ، فتعجب المعلم من ذلك وعلم أن هذا من اللّه ، فآمن به هو وأصحابه وأظهروا معجزته للناس.
وقيل سموا حواريين لصفاء قلوبهم.
واذكر يا محمد لقومك أيضا «وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي(6/395)
ج 6 ، ص : 396
وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ»
فبادره
عيسى بكلمة التبري «قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ» قولا «ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ» أن أقوله وكيف يكون ذلك مني وأنا عبد محتاج لا أستحق العبودية ، ولا حاجة لتقديم المعذرة في مثل هذا اليوم العظيم ، لأن المقام مقام تواضع وخشوع إلى جلالك وإني «إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ» كما قيل عني «فَقَدْ عَلِمْتَهُ» يا رب وهذا جواب على غاية من الأدب ونهاية من الاحترام وبعيد في المسكنة ، إذ فوض الأمر المسئول عنه إلى ربه لعلمه أنه عالم به في الأزل وعالم بما قاله وعمله منذ خلقه إلى يوم سؤاله فما بعد ذلك ، ولهذا قال «تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ» لأنك تعلم حقيقة أمري ولا أعلم حقيقة أمرك ، وهذا من الفصاحة بمكان لأنه وقع على طريقة المشاكلة والمطابقة ، ثم أكد قوله هذا بقوله «إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» (116) مما كان وسيكون من مبدأ الكون إلى نهايته وما بعد ذلك إلى الآخرة وما يكون فيها.
وبعد أن مهّد جوابه هذا إلى ربه واستأنس من جبروته بما وفق إليه من الجواب قال يا رب وعزتك «ما قُلْتُ لَهُمْ» شيئا من نفسي «إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ» من الوحي الذي شرفتني به وهو «أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ» لا تشركوا به غيره «وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ» مقيما أراقبهم على أعمالهم وأقوالهم وأنصحهم وأرشدهم لتوحيدك والإصلاح بين النّاس «فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي» بانقضاء أجلي في الدّنيا أولا ورفعي إلى السماء إذ نجيتني من كيد اليهود «كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ» من بعدي كما كنت رقيبا علي وعليهم وعلى الخلق أجمع من قبل «وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» (117) في الدّنيا والآخرة لا يغيب عنك عمل عامل من خلقك ولا شيء من أمرهم الآن وفيما مضى ويأتي ، ثم لما أطلعه على ما وقع منهم من المخالفات لتعاليمه أحجم عن الدّفاع عنهم وقال متضرعا يا رب قد وقع منهم ذلك وأنت أولى بهم من «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ» على ما صدر منهم وهم مستحقون العذاب «فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ» وقد جحدوا آياتك وكذبوا رسلك وافتروا عليك وعلي وأنت الحكم المقسط بمن يكفر بعد ظهور دلائل الإيمان له ووجود الحجة عليه بعد ظهور(6/396)
ج 6 ، ص : 397
المحجة ، وهم الآن معترفون بما وقع منهم إذ لا يقدرون على دفع ما تنزله فيهم من العذاب ولا رفع ما وجب عليهم من العقاب كما كانوا عاجزين قبل بل هم الآن أعجز «وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ» كفرهم وتطاولهم وبهتهم ومخالفتهم فبفضل جودك ولطف رحمتك وعطفك على عبادك ، وأنت الذي لا تسأل عما تفعل ولك تعذيب الطائع وتنعيم العاصي وما هذا عليك بعزيز «فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ» الذي لا عزيز غيرك الغالب الذي لا يفلت أحد مما تريده به «الْحَكِيمُ» (118) بأفعاله بعباده.
واعلم أن هذا القول من اللّه تعالى إلى عيسى يوم القيامة بدليل قوله (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ) الآية الآنفة وبدليل سياق الآية نفسها لأنها بلفظ الاستفهام الإنكاري تقريعا لمن ادعى ذلك في عيسى وألصق به ما هو براء منه وتوبيخا لهم على رءوس الأشهاد ، ووجه السّؤال تثبيت الحجة على قومه وتكذيبا لادعائهم بإلهيته وإن من قال بإلهيته قال بإلهية أمه على سبيل التبعية لأنها ولدته وقال بأن اللّه ثالث ثلاثة أيضا ، ولا يقال بعدم لياقة طلب المغفرة من عيسى عليه السّلام لقوم كافرين ، لأن قوله ذلك ليس على طريق المغفرة ولو كان لقال (إنك أنت الغفور الرّحيم) لأن هاتين الصّفتين لائقتان بهما ولكنه قال ذلك على طريق تسليم الأمر للّه وتفويضه لمراده ، ولهذا قال (فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) إذ يجوز في الحكمة عدم تعذيب الكافر ، ومما يرد قول القائل إن هذا السّؤال وقع من عيسى عليه السّلام عند رفعه إلى السّماء قوله تعالى «قالَ اللَّهُ هذا» اليوم الذي وقع فيه هذا القول ، لأن الإشارة تكون لأقرب مذكور ، ولم يأت ذكر لرفعه هنا البتة ، فمن جوّز إعادة الضّمير إليه أي أعاد اسم الإشارة إلى يوم الرّفع نصب كلمة «يَوْمُ» وأراد أن هذا القول من اللّه إلى عيسى يوم رفعه وليس بشيء لمنافاته السّياق والسّباق ولإجماع القرّاء على رفع كلمة يوم ، أي يوم القيامة يوم سؤال الخلق عما كان منهم ، بدليل قوله جل قوله «يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ» الواقع منهم في الدّنيا فإنه ينفعهم في هذا اليوم يوم الآخرة إذ لا يكون النّفع الحقيقي إلّا فيه ، لأنه هو يوم الجزاء.
أما احتجاج القائل بأن هذا كان عند الرّفع مستدلا بقوله تعالى «إِذْ» بصدر الآية لأنها للماضي ولم يعلم أنها تأتي بمعنى (إذا) فتكون للمستقبل ، (6/397)
ج 6 ، ص : 398
قال تعالى (وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ) الآية 51 من سورة سبأ في ج 2 ، وهذا الفزع الذي لا فوت منه إنما يقع يوم القيامة ، قال الرّاجز :
ثم جزاك اللّه عني إذ جزى جنّات عدن في السّموات العلى
أي إذا جزى ، ولا يكون هذا الجزاء إلّا يوم القيامة ، ومما يرد هذا القول ويؤيد ما مشينا عليه قوله تعالى «لَهُمْ» أي الصّادقين في ذلك اليوم «جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً» ولا يكون هذا الخلود في تلك الجنّات إلّا في الآخرة «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ» أي أهل الجنّات بطاعتهم له في الدّنيا «وَرَضُوا عَنْهُ» بما من عليهم وأعطاهم من عظيم ثواب وجزيل كرامة في الآخرة «ذلِكَ» الأجر الجزيل والخير الكثير هو «الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» (119) الذي ما فوقه فوز ونجاح كبير ما فوقه نجاح «لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ» من مخلوقات يتصرف فيهم كيف يشاء ويريد كما يتصرف فيهما مثل ما يريد ويختار ، وهو المستحق للعبادة وحده ، وأن عيسى وأمه ومن في الأرض والسّموات وما بينهما جميعا عبيد خاضعون لعظمته ، منقادون لقهره ، «وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (120) لأن جميع المكونات النّامية والجامدة تحت قدرته ، وله أن يدخل من يشاء في رحمته ويوصل من يشاء إلى ملكوته ، ويقطع من يشاء عن ملكه.
ويمنع من يشاء من عطفه ، وأن عيسى وغيره من جملة عباده الداخلين تحت قدرته إذ لا شيء في الكون علويه وسفليه إلّا وهو في قبضته سبحانه هو الواحد القهار ، قال قتادة ، متكلمان لا يخطئان يوم القيامة عيسى عليه السّلام لأنه يقوم فيقول ما قصّ اللّه عنه في هذه الآيات فكان صادقا في الدّنيا والآخرة فينفعه اللّه بصدقه ، وأما المتكلم الآخر فهو إبليس عليه اللّعنة فإنه يقوم فيقول ما ذكر اللّه عنه في الآية 33 من سورة إبراهيم عليه السّلام المارة في ج 2 التي أولها (وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ) إلخ فقد صدق عدو اللّه بما قال ، ولكن لم ينفعه صدقه.
روى مسلم عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم تلا قوله عز وجل في إبراهيم عليه السّلام ما ذكر اللّه عنه في قوله (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ» الآية 36 من سورته في(6/398)
ج 6 ، ص : 399
ج 2 وقول عيسى عليه السّلام (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ) إلخ الآيتين المارتين أعلاه ، وقال اللّهم أمّتي أمّتي ، وبكى ، فقال اللّه تعالى يا جبريل اذهب إلى محمد (وربك أعلم) فسأله ما يبكيك ؟ فأتاه جبريل فسأله ، فأخبره صلّى اللّه عليه وسلم بما قال وهو أعلم فقال اللّه يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك فيهم.
وعن أبي ذر رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قام حتى أصبح بآية إن تعذبهم فإنهم عبادك) إلخ ، أخرجه النّسائي أي أنه عليه السّلام قام يصلي اللّيل كله يقرأ في صلاته هذه الآية وما ذاك إلّا لشدة حرصه على نجاة أمته صلّى اللّه عليه وسلم الّذين سيباهي بهم الأمم يوم القيامة ، والذي تحمل مشاقا عظيمة في سبيل هدايتهم لسلوك الحق الذي يوصلهم إلى رحمته ورضاه ، ولهذا فإنه حينما أرسل له الملك (على أثر ما عملوا به عند ذهابه لثقيف كما ذكره قبل) واستأذنه بأن يطيق عليهم الأخشبين قال لا يا رب بل اهد قومي فإنهم لا يعلمون ، وإني لأرجو أن تخرج من أصلابهم من يتولى بيتك.
وكان ذلك والحمد للّه بتوفيقه جل توفيقه.
هذا ، واللّه أعلم ، واستغفر اللّه ، ولا حول ولا قوة إلّا باللّه العلي العظيم ، وصلّى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه أجمعين ، وسلم تسليما كثيرا ، والحمد للّه رب العالمين.
تفسير سورة التوبة - براءة
عدد 27 - 113 و8
نزلت بالمدينة بعد المائدة ، وهي مئة وتسع وعشرون آية ، وأربعة آلاف وأربعمائة وثمانية وثمانون حرفا ، ولا يوجد في القرآن سورة مبدوءة بما بدئت به ، ولا مثلها في عدد الآي ، وتسمى سورة براءة ، ولم تبدأ بالبسملة ، ولم تكتب بأولها خلافا لسور القرآن العظيم كلها ، لأن حضرة الرّسول لم يأمر كتبة الوحي بذلك ، ولم يؤمر بكتابتها حين أنزلت عليه من ربه عز وجل بواسطة الأمين جبريل عليه السّلام ، وهو لا يأمر كتبة الوحي إلّا بكتابة ما أنزل عليه ، فلا ينطق عن هوى ، ولا يأمر إلّا بما يأمره به ربه ، ولا يفعل إلّا ما يريده منه.
هذا ، وما قيل إنها لم تبدأ بالبسملة لأنها سورة عذاب وقد أنزلت بالسيف وإنذار الناس بقطع المعاهدات ، والبسملة تدل على الرّحمة لأنها شعار لها وهي أمان من(6/399)
ج 6 ، ص : 400
العذاب والقتال وافتتاح لكل خير واسم اللّه تعالى يدل على السّلام وإنما جاءت ينبذ العهود المعقودة مع الكافرين وتهديدا لهم بالحرب والقتل ، يرده أن البسملة كتبت أول المطففين والهمزة وقد بدأتا بالويل ، وأين الويل من الرّحمة ، وكتبت أول سورة المنافقين والكافرين وشتان بينهما وبين الرّحمة ، لهذا فإن ما جرينا عليه من أنها أنزلت هكذا بلا بسملة ، وأن حضرة الرّسول أفرها وأمر بإثباتها في الصحف على ما هي عند اللّه تعالى ، وهذا هو الصّواب ، لأن القراء والعلماء اتفقوا على جواز قراءة البسملة عند تلاوة (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ) الآية 37 الآتية وأمثالها ، وكان صلّى اللّه عليه وسلم يكتب للمحاربين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، وإنّ ترك كتابتها هنا وإثباتها في سورة النّمل دليل على أنها آية مكررة في القرآن العظيم حيث أنزلت كتبت ، وحيث لم تنزل لم تكتب ، وهذا هو الصّحيح كما ذكرناه في المقدمة في بحث البسملة فراجعه.
مطلب عدم صحة القول بانها والأنفال سورة واحدة لعدم الفصل بينهما بالبسملة وعدد غزوات الرّسول وما هي :
وما قيل إن سورة التوبة وسورة الأنفال سورة واحدة ولذلك لم تكتب البسملة أولها اكتفاء بالبسملة أول الأنفال قيل لا يرتكز على نقل صحيح ولا دليل واضح ، ولا يستند لقول ثابت يوثق به ، لأنهما لو كانتا سورة واحدة لنزلتا دفعة واحدة معا ولأمر الرّسول بضمهما بعضهما بعض لأن مجرد وضعها تحت الأنفال لا يدل على أنها منها ، لأن وضع السّور بمواضعها الموجودة الآن بالمصاحف بحسب ترتيب القرآن أمر توقيفي من قبل حضرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم بإشارة من جبريل عليه السّلام على نسق ما هو مدون في اللّوح المحفوظ عند اللّه عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ولهذا فإن الحق أنهما سورتان منفردتان نزلت كلّ واحدة منهما على حدة ، وبينهما سبع سنين ، لأن الأنفال نزلت بعد البقرة عقب حادثة بدر ، وهذه من آخر القرآن نزولا.
هذا وإن كثيرا من المفسرين والقراء قالوا إن سورة الضّحى والانشراح سورة واحدة ، والفيل وقريش واحدة ، وقد وضع لكل منهما البسملة مع أن كلا منهما نزلت بعد الأخرى ، ويوجد بينهما ارتباط في(6/400)
ج 6 ، ص : 401
المعنى أيضا ، ووضعت البسملة لكل منهما ، إذا فلا دليل لمن قال إنهما سورة واحدة إلا اشتباهه بالتوبة بحسب ترتيب القرآن تحت الأنفال وعدم وضع البسملة أولها ، ولم يعلم أنها نزلت بلا بسملة ، ولم يدر مدى المدة الكائنة بينهما بحسب النّزول ، وغاب عنه أن لكل منهما اسم على حدة ، فنلك الأنفال لا غير ، وهذه لها عشرة أسماء : براءة لما فيها من التبري ونبذ العهود ، والتوبة إذ تسبب فيها على المخلفين ، والفاضحة لأنها فضحت أحوال المنافقين ، والمقشقشة لأنها قشقشت النّفاق أي برأت منه ، والمبعثرة لأنها تبعثر أي تبحث عن أحوال المنافقين ، والكافرين ، وسورة العذاب لما فيها من كثرة ذكره والمخزية لما جاء فيها من إخزاء المنافقين ، والمدمّرة لما ذكر فيها من إهلاكهم ، والمشرّدة لأنها شردت جموعهم وأتباعهم ، والمثيرة لأنها أنارت أي أظهرت معاينهم وكشفت أسرارهم وهتكت أستارهم.
هذا ويكره ابتداؤها بالبسملة لأنها نزلت بغيرها ، ولأن حضرة الرّسول لم يبسمل عند قراءتها ، ولم يثبت لها البسملة بالصحف ولم يأمر الكتبة بذلك ، وقد خصت بعدمها من جميع سور القرآن ، وما عموم إلّا وخصص ، فهذه من المخصوصات بعدم البسملة ، ولكن يسن للقارى أن يتعوذ أولها كسائر آيات القرآن لقوله تعالى :
(فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) الآية 99 من سورة النّحل في ج 2.
قال تعالى يا أيها النّاس هذه «بَراءَةٌ» قاطعة حاسمة «مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (1) وقد جاء الخطاب فيها بلفظ الجمع تعظيما لسيد المخاطبين وتفخيما لمقامه الكريم عند اللّه ، وإذ كان الإنذار بإنهاء العهود الكائنة مع حضرة الرّسول والكافرين ، ينذرهم بالغزو والإقسار على الإيمان ، رأينا أن نذكر أولا غزوات حضرة الرّسول التي جاء ذكرها في القرآن العزيز ليطلع عليها القارئ ويعرف أسبابها وماهياتها ونتائجها ، وهي اثنتا عشرة غزوة : الأولى غزوة بدر التي نوه اللّه بها في الآية 6 من الأنفال عند قوله تعالى (كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ) إلخ ، الثانية غزوة أحد الملمع إليها في الآية 140 من آل عمران عند قوله تعالى (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) إلخ ، الثالثة غزوة حمراء الأسد المشار إليها في الآية 173 من آل عمران أيضا عند قوله تعالى (الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ)(6/401)
ج 6 ، ص : 402
الآية ، الرابعة غزوة بدر الصّغرى المعزو إليها في الآية 174 عند قوله تعالى (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) الآية من آل عمران أيضا ، والخامسة غزوة بني النّضير المذكورة في الآية الثالثة من سورة الحشر المارة عند قوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) الآية السّادسة غزوة الأحزاب المسطورة في الآية 10 منها عند قوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) فما بعدها من سورة الأحزاب المارة ، السابعة غزوة بني قريظة المرموز إليها في الآية 27 من سورة الحشر أيضا عند قوله تعالى (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ) الآية ، الثامنة غزوة الحديبية المذكورة في الآية 11 من سورة الفتح عند قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ) الآية ، التاسعة غزوة خيبر المبينة في الآية 19 من سورة الفتح أيضا عند قوله تعالى (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ) الآية ، العاشرة غزوة فتح مكة المستفتح بها أول سورة الفتح أيضا وفي الآية 11 من سورة الحديد ما يتعلق بها عند قوله تعالى (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ) الآية ، الحادية عشرة غزوة حنين الآتي ذكرها في الآية 27 من هذه السّورة عند قوله تعالى (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) الآية ، الثانية عشرة غزوة تبوك التي تبيّن في الآية 119 من هذه السّورة أيضا عند قوله تعالى (لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ) الآتية أيضا ، وقد بينا هذه الغزوات وأسبابها وزمانها ومكانها وما حدث فيها في المواضع المذكورة فراجعها تقف على ما تريده ، وقد وقعت بينها غزوات كثيرة لم يشر اللّه تعالى إليها في كتابه هذا فمن أراد الاطلاع عليها فليراجع كتب السّير وأجمعها السّيرة الحلبية ، وأجودها
سيرة ابن هشام ، يجد فيهما ما يخطر بباله ، وقد بعث صلّى اللّه عليه وسلم سرايا جمة برياسة بعض أصحابه رضي اللّه عنهم ، وكلها لصد العدوان وقمع التعدي ودفع الأعداء والعداء ، وتأمين سير الدّعوة المحمدية وإعلاء كلمة اللّه تعالى وبسط دينه القويم في أرضه وقد جنح صلّى اللّه عليه وسلم إلى سلم من سالم ومعاهدة من طلب المعاهدة ، وعدل عن القتال في مواضع كثيرة أملا بدخولهم في الإسلام طوعا وقد كان ذلك فآمن من كتب اللّه له الإيمان ، حتى إذا لم يبق له طمع بايمان الآخرين إلا بالسيف وفاقا لمراد اللّه تعالى وطبقا لما هو مدون في أزله ، وقد آذنه اللّه تعالى(6/402)
ج 6 ، ص : 403
بالقتال فاضطر لمقاتلتهم لقصد إصلاح المجتمع الإنساني وحفظا لكيانه من التفرق الذي نهى اللّه عنه ، وليحملهم على كلمة الإسلام وتوحيد كلمتهم وعبادتهم للّه تعالى ورفض الأوثان كافة ، وقد كان صلّى اللّه عليه وسلم باذلا جهده مفرغا وسعه منذ بعثته إلى نزول هذه السورة في دعوتهم ونصحهم وإرشادهم إلى الدّين الحق وإخلاصهم فيه باللين والعطف مع تحمل الأذى والجفاء منهم ورميهم له بما لا يليق بجنابه وبالحضرة الإلهية ورغم ذلك كله وما قام به من الطّرق الأخرى الحكيمة وزيادة خفض الجانب لهم مع تعديهم عليه فعلا ، فقد شرع المنافقون ينشرون الأراجيف بين النّاس ويثبطونهم عن ملازمة الرّسول ليقلوا من عزمهم ويثلوا جمعهم ويفرقوا كلمتهم وينقصوا حزمهم ويفلوا عزمهم ويمنعوهم من متابعة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وطلق المشركون ينقضون عهودهم مع رسول اللّه دون سبب وصاروا يناوءون حضرته لما رأوا أفعال المنافقين وصبره عليهم وردهم بالحسنى لما يسمعه منهم ويقابل جرأتهم بالرقة وأنفتهم باللطف وعنادهم بالمسايرة وعتوهم بالمداراة ، لأنه صلى
اللّه عليه وسلم لا يتحرك بحركة إلّا بأمر اللّه تعالى الذي يترقبه بفارغ الصّبر ، ويريد أن يحين الأجل المقدر لأمره بقتالهم ، ولكنه مفوض أمره وأمورهم إليه ، وجعل علمه تعالى بحاله كافيا عن سؤاله أسوة بجده خليل اللّه إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام ، وهو يعلم بتعليم اللّه إياه أن لا حركة ولا سكون إلا بتقديره وقضائه ، ولكل أجل كتاب ، ولما حان ذلك الوقت المرتقب وبرز من عالم الغيب إلى عالم الشّهادة ومن القوة إلى الفعل أمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلم في هذه السّورة ينقض جميع العهود التي عقدها معهم لئلا ينسب إلى الغدر ونكث العهد وفك الميثاق على حين غفلة ، ونفي اسم الإغرار والتغرير عنه وعن أصحابه ، وقطع المعذرة في إيمان من يريد الإيمان أنذرهم إنذارا قاطعا لكل حجة إنذارا ما بعده إنذار وحجة ما بعدها حجة ، ومن أنذر فقد أعذر.
وقد أمهلهم اللّه تعالى مدة كافية ليختاروا الطّريق الذي يرضونه لأنفسهم لئلا يقولوا أعجلنا وضيق علينا الأجل ، فقال جل قوله «فَسِيحُوا» أيها المشركون والمنافقون «فِي الْأَرْضِ» آمنين مطمئنين على أنفسكم وأموالكم وأعراضكم وبلادكم وذراريكم وإمائكم لا يعارضكم معارض ولا ينازعكم منازع مدة «أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ» لا مدة لكم بعدها وهي كافية لأن تتحروا وتتذاكروا وتتشاوروا وتلموا شعئكم وتجمعوا شملكم وتتعاهدوا وتتواثقوا(6/403)
ج 6 ، ص : 404
وتتعاقدوا بعضكم مع بعض وتعملوا كلّ ما تريدون من خير أو شر «وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ» أيها الكافرون والمنافقون مهما كنتم ومهما التف إليكم ممن هو على شاكلتكم وما جمعتموه من عدة وعدد «غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ» ولا فائتين أمره ، فهو غالب لكم وقاهركم لأنكم عاجزون أمام عظمته خائبين مخزيين مهما كنتم «وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ» (2) أجمع ومن والاهم على كفرهم لا محالة ، وناصر المؤمنين عليهم.
وفي هذه الآية إشارة إلى دعوتهم للإسلام إذ أخبرهم بمصير الباقين على كفرهم ثم إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على أثر نزول هذه الآية العظيمة أعلن إلى جميع المعاهدين معه أن من كانت مدة عهده أقل من هذه المدة التي ضربها اللّه تعالى رفعه إليها ، ومن كانت معاهدته أكثر حطه إليها ، ومن كان عهده دون أجل أجله بها ، وذكر لكل منهم انه بعد انقضاء هذا الأجل فكل من يبقى على كفره يكون محاربا للّه ورسوله ، وإنه يقتل حيث أدرك ، ويؤسر ويسبى وتنهب أمواله وأملاكه ولا ينجيه من القتل إلّا ان يسلم ويتوب من كفره ونفاقه ويخلص إيمانه للّه تعالى ويصدق رسوله عن يقين صادق طوعا ورضاء وهذه الآية العظيمة نزلت في غرة شوال السّنة التاسعة من الهجرة ، والمراد بالبراءة هنا انقطاع العصمة تقول برئت من فلان إذا قطعت العصمة بينك وبينه ولم تبق بينكما علاقة ما ، وتباعد أحدكما عن الآخر فلم تبق بينكما مناسبة ولا رابطة ، وهي كناية عن الإنذار بالحرب ومن هنا أخذت الحكومات عادة قطع المناسبات بسحب السّفراء من الدّول المخالفة لها عند إرادة حربها قبل أن يبادروها بالحرب ثم يتقدموا لها بالإنذار.
وقيل ان الخطاب لحضرة الرّسول وأصحابه الكرام لأنه هو الذي عاقد المشركين ، وأصحابه عالمون راضون بما عاهدهم به موافقون عليه والرّاضي بالشيء الموافق عليه كفاعله قال تعالى «وَأَذانٌ» إعلام وبلاغ وإخطار وإنذار «مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ» عامة وقع من اللّه تعالى وأنزله على رسوله ليذيعه عليهم «يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ» يوم عرفة التاسع من ذي الحجة السّنة التاسعة من الهجرة ليطلع عليها العام والخاص وليذيعه كلّ من يسمعه على بلاده وغيرهم ، ولا أعظم من هذا الجمع المجمّع من أنحاء البلاد والقرى والأمصار فلا يبقى أحد إلّا وبلغه هذا الإنذار الخطير وسمي(6/404)
ج 6 ، ص : 405
يوم عرفة هذا بيوم الحج الأكبر لأنه معظم الحج ، ولأنه صادف يوم جمعة ووقع فيه هذا الإخطار العظيم ، ولأن العرب كانوا يسمون العمرة حجا أصغر ، وحاء عن علي كرم اللّه وجهه أن رجلا أخذ بلجام دابته فقال له ما الحج الأكبر ؟ قال يومك هذا خل عن دابتي وكان يوم عرفة يوم الجمعة وعن ابن عمر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وقف يوم النّحر عند الجمرات في حجة الوداع فقال : هذا يوم الحج الأكبر.
فكان يوم عرفة يوم الجمعة الذي أنزلت فيه (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) الآية 4 من المائدة المارة ومن ذلك اليوم قد تعورف على أنه إذا صادف يوم عرفة يوم الجمعة يكون الحج حجا أكبر ، أي أكبر أجرا من غيره لتوالي الخطب فيه ، ولفضل يوم الجمعة على سائر الأيام ، وهو عيد المسلمين ، وحج الفقراء والمساكين.
مطلب إنذار اللّه إلى النّاس بانتهاء معاهدات الحرب وعدم صحة عزل أبي بكر من إمارة الحج وتهديد الكفار إذا لم يؤمنوا بعد هذا الانذار :
ثم بيّنتعالى هذا الأذان بقوله جل قوله «أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ» برىء منهم أيضا - على أن رسوله مرفوع - وقرأه بعضهم منصوبا عطفا على لفظة الجلالة ، أي أن اللّه برىء وأن رسوله بريء منهم.
ولا تجوز قراءة الجر على زعم الجر بالتوهم أو بالمجاورة أو بالتبعية ، ويكفر مستحلها لما فيها من الكفر بنسبة البراءة من اللّه تعالى لحضرة رسوله وحبيبه وصفيه ومختاره من خلقه.
حكي أن أعرابيا سمع رجلا يقرؤها فقال إن كان اللّه بريئا من رسوله فانا منه بريء فلبّبه الرّجل إلى عمر ، أي مسكه من لبته ، وأخذة ، وحكى قراءته إلى عمر ، فزجره ونهاه عن أن يعود إليها ، وأمر بتعليم العربية.
وقال آخرون إن سبب الأمر بتعليم العربية قصة أبي الأسود الدّؤلي مع ابنته التي حكاها إلى سيدنا علي كرم اللّه وجهه ، وانه هو الذي أمر بتعليم العربية ، والكل وارد وجائز ، قال تعالى «فَإِنْ تُبْتُمْ» أيها الكفار والمنافقون بعد هذا الإنذار فآمنتم وأخلصتم «فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» في الدّنيا حيث تأمنون على أنفسكم وأموالكم وأهليكم ودياركم وما ملكت أيمانكم ، وفي الآخرة تأمنون من عذاب اللّه وتنالوا جنته «وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ» وأعرضتم عن التوبة المدعوين إليها وبقيتم على ما أنتم عليه «فَاعْلَمُوا(6/405)
ج 6 ، ص : 406
أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ»
ولا خالصين من عذابه ولا سابقين عقابه إذ لا مهرب منه إلّا إليه ، ولا تكرار هنا لأن الأولى جاءت في معرض التهديد لمدة نقض العهد ، وهذه في معرض الوعيد لمن لم يتب وأصر على عناده.
ثم خاطب رسوله بما فيه تقريعهم فقال عز قوله «وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» (3) لا تطيقه قواهم ولا نجاة لهم منه ، وهذه الآية جاءت على طريق التهكم ، لأن البشارة عادة تكون في النّعم لا في النّقم على حد قولهم انهم قوم تحيتهم الضّرب وإكرامهم الشّتم.
وقوله تعالى (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) الآية : 5 من سورة الدّخان ج 2 تهكما به وتقريعا.
واعلم أن ابتداء هذا الأجل الذي أشرنا إليه آنفا على القول الصحيح وهو اليوم العاشر من ذي الحجة ، لأن يوم التبليغ لا يحسب لأن يوم النّزول الذي هو غرة شوال وانتهاؤها اليوم العاشر من ربيع الآخر السّنة العاشرة من الهجرة ، لأن العبرة بتاريخ التبليغ بالنسبة للمبلغين ، وكان المبلغ لهذا سيدنا علي كرم اللّه وجهه ، وذلك أن عادة العرب المطرّدة بينهم أن لا يبرم العهد ولا ينقضه إلا المعاهد نفسه أو واحد من أهل بيته ، ولما كان حضرة الرّسول لم يحج في السّنة التاسعة وقد أمّر على الحج سيدنا أبا بكر رضي اللّه عنه وقد أمر اللّه رسوله بإبلاغ ما جاء في أول هذه السّورة للناس ، ولم يمكن إجراء هذا التبليغ من قبل الصّديق أمير الحج للسبب المذكور ، أرسل ابن عمه عليا كرم اللّه وجهه ليتلو أوائل هذه السورة على النّاس نيابة عنه في الموقف ، ليطلع عليه كلّ النّاس ، والشّاهد يعلم الغائب روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ان أبا بكر بعثه في الحجة التي أمّره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع في رهط ليؤذنوا في النّاس يوم النّحر أن لا يحج بعد اليوم مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان! وفي رواية ثم أردفه النّبي صلّى اللّه عليه وسلم بعلي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن ببراءة ، قال أبو هريرة فأذن معنا في أهل منى ببراءة أن لا يحج بالبيت بعد اليوم مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان! ولا يفهم من هذا الحديث عزل أبي بكر عن الإمارة بل دوامها بدليل إرساله أبا هريرة يؤذن في النّاس في رهط معه ، وما كان إرسال علي كرم اللّه وجهه من قبل حضرة الرّسول بعد إلّا بسبب ما تقدم لأن العهد لا يقرّره إلّا سيد القبيلة ولا(6/406)
ج 6 ، ص : 407
ينقضه إلّا هو ولا ينوب عنه في التبليغ به إلّا رجل منه فلو أن أبا بكر مبلغ ما يتعلق بنقض العهود من هذه السّورة لأنكره النّاس ولن يعبئوا به لأنهم يقولون هذا مخالف لما نعهده ونعرفه فلا نعتبره ، لأنهم كانوا ينقيدون بعوائدهم كقانون لا يخرمونها أبدا ، ومما يؤيد دوام إمارة أبي بكر صلاة سيدنا علي خلفه في الموسم ، فلو أنه جاء بدلا منه لصلى هو بالناس ، لذلك فإن كلّ ما جاء في قضية عزل أبي بكر عن إمارة الحج لا صحة له البتة ، إذ لا دليل على إبقاء إمارته أقوى من الصلاة ، واعلم انه لا تكرار في الأذانين ، لأن الأوّل يفيد براءة اللّه ورسوله من عهود المشركين وهو إعلان بثبوت البراءة أي قول اللّه تعالى (بَراءَةٌ) إلخ هو الأذان الأوّل.
والأذان الثاني وهو قوله تعالى (وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ) يفيد الإخبار بوجوب الإعلام في براءة اللّه ورسوله منهم ، ولذلك علقه بالناس أي إذا أعرضوا وأصروا على ما هم عليه فإنه لا يتولاهم ولا ينصرهم بل يهلكهم ويخذلهم والتكرار لا يسمى تكرارا إلّا إذا كان الثاني عين الأوّل باللفظ والمعنى والمغزى ، فإذا كان كلّ يرمي لشيء آخر لا يسمى تكرارا قال تعالى «إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» هذا استثناء من المدة المضروبة يعني أن اللّه تعالى يبرأ من عهود المشركين كلها بعد تلك المدة إلّا من عاهدهم الرّسول وهم بنو حمزة ، حي من كنانة «ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً» من شروط العهد الذي عاهدتموهم عليه «وَلَمْ يُظاهِرُوا» يعاونوا ويمالئوا «عَلَيْكُمْ أَحَداً» من أعدائكم فهؤلاء إذا وفوالكم بالشروط فضموا إليها هذان الشّرطان «فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ» التي ضربتموها لهم ولا تجروهم مجرى الكافرين والمنافقين الّذين نكثوا عهودهم وأخلوا شروطها إذ لا يقاس الموفي بالغادر ولا يعامل معاملته ، واتّقوا اللّه في ذلك «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ» (4) مخالفته الموفين بعهودهم المحافظين على أقوالهم ، وإنما خصّ اللّه تعالى هذه الطّائفة ليعلّم النّاس ويحذرهم من أن يسووا بين النّاقض عهده النّاكث به والقائم به المحافظ عليه ، وما عام إلّا وخصص : قال تعالى : «فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ» الأربعة المضروبة في هذه المدة ، وسماها حرما وليس كلها حرم لحرمة نقض العهد فيها ولأنها صارت محرمة بتخصيصها لانتهاء عهود المعاهدين حتى صار النّاس يعدون(6/407)
ج 6 ، ص : 408
أيامها عدا لما يترتب على انقضائها من أمور عظيمة ، ومن قال أنها الأشهر الحرم الأربعة المعهودة المعلومة فلا دليل يؤيد قوله ، إلا إذا أراد أن أولها عشرون من
ذي الحجة والمحرم كله من الأشهر الحرم وآخرها هو ربيع الأوّل وعشر من ربيع الثاني أدخلها معها فسمّاها كلها حرما تسامحا لأن صفر والرّبيعين ليسوا من الحرم ، أما إذا أراد بها غرة شوال الذي كان بها نزول الآية فقد أخطأ أيضا ولم يصب الهدف إذ ليس شوال من الأشهر الحرم ، ورجب لم يدخل فيها إذ لا عبرة لتاريخ النّزول ، لأن النّاس لا يعلمون به ، وإنما العبرة لتاريخ التبليغ ، بدليل قوله تعالى (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ) أي بعد الإنذار الكائن في التاسع من ذي الحجة ، تأمل.
«فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» في الحل والحرم قاتلوا أولم يقاتلوا لأنهم أنذروا وأمهلوا لكي يؤمنوا ولمّا لم يفعلوا فلم تبق لهم حرمة «وَخُذُوهُمْ» أسرى واسلبوا أموالهم «وَاحْصُرُوهُمْ» في قراهم وديارهم وضيقوا عليهم في ملاجئهم وامنعوهم من الفرار من مكة حتى يؤمنوا أو يهلكوا «وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ» ممر يمرون به أو مجاز يجتازونه أو محل يختفون فيه أو مغارات يختبئون بها أو سريا ينفذون منه لمحل يقبهم أو غيره ، فضيقوا عليهم الطّرق كافة حتى يؤخذوا من كلّ جهة فيضطروا إلى الإيمان قسرا «فَإِنْ تابُوا» من شركهم وآمنوا إيمانا صحيحا «وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ» اتركوهم لأنهم صاروا مثلكم لا فضل لكم عليهم إلّا بقدم الإسلام وزيادة التقوى «إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ» كثير المغفرة لما سبق منهم بعد أن تابوا وأنابوا «رَحِيمٌ» (5) بعباده لا تضيق رحمته التي وسعت كلّ شيء عمن التجأ إلى بابه ورجع إليه من خلقه بل يقبل توبتهم ويرفع القتل والسّبي عنهم ما لم يكونوا في حالة يأس من الحياة.
قال تعالى «وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ» استأمنك يا سيد الرّسل ودخل في جوارك وأمانك بعد انسلاخ المدة المذكورة أو في أثنائها «فَأَجِرْهُ» آمنه على نفسه وماله وأهله ولا تقتله «حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ» ويعرف ما له من الثواب إن آمن وما عليه من العقاب إن بقي على كفره ، فإن آمن بعد ذلك فقد نجا ، وإلّا فلا سبيل لك عليه حالة كونه في جوارك وما دام في(6/408)
ج 6 ، ص : 409
أمانك «ثُمَّ» بعد أن تيأس من إيمانه لا تقتله أيضا بل «أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ» دار قومه التي يأمن فيها بأن توصله إليها بأمانتك وتحت خفارتك كما أتاك آمنا لئلا تنسب إلى الغدر أو التغرير أو غيره لأنه بعد أن أصر على كفره فإن تركته وشأنه يخشى عليه من أن يفتك به قبل وصوله أهله من قبل أصحابك بحجة انه كافر لا أمان له فتخفر ذمتك واعلم ان قبول المستأمن وإبلاغه إلى المحل الذي جاء منه أو الذي يأمن فيه على نفسه وماله وأهله واجب على المستأمن والمجير وكلّ من يعقل ويعلم واجبات نفسه وغيره ويحفظ سمعته وسيرته «ذلِكَ» الأمر بأمن المستأمنين على كفرهم «بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ» ما يراد منهم في الآخرة ولا ما يكلفونه في الدّنيا فهم محتاجون إلى الإرشاد ، فإذا نصحوا وتبينت لهم معالم الدّين ولم يقبلوا فتكون عليهم الحجة ، ومن أنذر فقد اعذر وهذه الآية عامة محكمة واجب العمل بها إلى يوم القيامة.
قال تعالى على سبيل التعجب «كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ» وهم غير مؤمنين بها أي لا يكون لهؤلاء عهد عندهما البتة لأنهم ينقضون عهودهم وينكثون مواثيقهم ويخلفون وعودهم ويغدرون من استأمنهم ، وهكذا شأن كلّ من لا يؤمن باليوم الآخر ، لأن من يؤمن به يخاف الحساب والعقاب فيفي بوعده وعهده.
ثم استثنى جل جلاله من ذلك طائفة خاصة بينها بقوله عز قوله «إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» ولم ينكثوا كبني حمزة فهؤلاء تربصوا بهم لانقضاء عهدهم واتركوهم الآن «فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ» على العهد ووفوا لكم بشروطه «فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ» على الوفاء وإياكم أن تنكثوا بهم وبكل معاهد لأن المحافظة على المواثيق من سمات المؤمنين وواجباتهم ، واتقوا اللّه في عهودكم كلها واحذروه من أن تنقضوا شيئا منها «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ» (7) نقض العهود وخلف الوعود والموفين بها والعهد هو العقد الموثق باليمين ، والبراءة خاصة بالمعاهدين ، والأذان المذكور بالآيتين لفظه عام فيهم وفي غيرهم قال تعالى :
«كَيْفَ» يكون للمشركين عهد وهم إن يظفروا بكم «وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ» بعد توكيد الأيمان «لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا» حلفا وقرابة «وَلا ذِمَّةً» عهدا وميثاقا «يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ» بكثرة ما يحلفون لكم وما يعطونكم(6/409)
ج 6 ، ص : 410
من عهد ووعد وميثاق «وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ» عن الوفاء بشيء من ذلك «وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ» (8) خارجون عن الطّاعة لا مروءة تمنعهم عن الكذب ولا شمائل تردعهم عن النّكث ولا شهامة تردهم عن الغدر ، وهكذا شأن الكافرين إذ لا يتقيدون بشيء من ذلك لعدم خوف العاقبة من اللّه وعدم الحياء من النّاس ، ولم يقل تعالى قوله كلهم فاسقون لأن منهم من يوفي بعهده ووعده ويؤمن من غدره «اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا» من متاع الدّنيا الفاني وأعرضوا عن ثواب اللّه الباقي «فَصَدُّوا» أنفسهم وغيرهم «عَنْ سَبِيلِهِ» المستقيم وطريقه القويم وشريعته العادلة «إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» (9) من أنواع الكفر وفنون صرف النّاس عن الإيمان ، وكيف لا تقاتلون هؤلاء وهم أبدا «لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً» ولا تكرار هنا أيضا ، لأن الأولى مقيدة بقوله فيكم بما يفيد الخصوص ، وهذه عامة مطلقة في كلّ مؤمن قدروا عليه فإنهم يقتلونه ويسلبونه ويستحلون ماله ودمه ، إذ لا دين يزجرهم عن ذلك ، فإذا ظفرتم بهم فلا تبقوا عليهم ، كما إنهم إذا ظفروا بكم لم يبقوا عليكم ، ولا تظنوا أن هذا اعتداء منكم عليهم ، لأنكم أنذرتموهم ونصحتموهم وصبرتم عليهم حينما كانوا يؤذونكم ولم يرتدعوا ولم يرأفوا بكم «وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ» (10) عليكم الّذين بدؤوكم بنقض العهود
ومع هذا «فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ» اقبلوهم لأنهم صاروا مثلكم ، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم فأنتم وإياهم بالحقوق سواء ، لأنهم صاروا إخوانكم «فِي الدِّينِ» الجامع بينكم ، ولا تكرار في هذه الآية أيضا لأن الأولى سيقت إثر الأمر بالقتل وشبهه فكان جوابها أمرا وهو «فَخَلُّوا» وهذه الآية سيقت بعد الحكم عليهم بالاعتداء فكان جوابها حكما وهو «فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ» لتساويهم في أحكامه وهذه أجلب لقلوبهم من تلك للفرق الظّاهر بين تخلية سبيلهم وبين إثبات الأخوة الدّينية لهم ، وفيها دلالة على تحريم دماء أهل القبلة «وَنُفَصِّلُ الْآياتِ» الدالات على أحكامنا في خلقنا ونبيّنها بيانا كافيا ونوضحها توضيحا شافيا «لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» (11) معانيها ويفقهون مداركها.
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال لما توفي النّبي صلّى اللّه عليه وسلم واستخلف أبا بكر رضي اللّه عنه(6/410)
ج 6 ، ص : 411
وكفر من كفر من العرب ، قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لأبي بكر حينما رآه مصرا على قتال مانعي الزكاة كيف نقاتل النّاس وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أمرت أن أقاتل النّاس حتى يقولوا لا إله إلّا اللّه فمن قال لا إله إلّا اللّه فقد عصم مني ماله ونفسه إلّا بحقه وحسابه على اللّه عز وجل ؟ فقال أبو بكر واللّه لأقاتلنّ من فرق بين الصّلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، واللّه لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها - وفي رواية عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم - لقاتلتهم على منعها فقال عمر فو اللّه ما هو إلّا أني رأيت أن اللّه شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق ، أي ان أبا بكر أخذ في هذه المقارنة بين الصّلاة والزكاة ، فإن من جحد الصّلاة فقد حل قتله ، وكذلك من يجحد الزكاة وهو اجتهاد صائب ورأي ثاقب في فطنة حادة وفقه منه وذكاء وفراسة.
واعلم أن المراد بالعقال زكاة عام من الإبل والغنم لا عقال البعير الذي يربط به يده كما يقوله البعض ، لأن مثل أبي بكر لا يقاتل النّاس على مثله ، أما العناق فهو الأنثى من أولاد المعز ، ولهذا ترقى رضي اللّه عنه بكلامه من القليل الذي هو سخلة إلى الكثير الذي هو زكاة سنة ، وتطلق العناق أيضا على زكاة عامين وهو أولى بالمعنى هنا واللّه أعلم.
قال تعالى «وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ» على ألّا يقاتلوكم ولا يعينوا عليكم أحد «وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ» فعابوه وثلبوه وقدحوا به «فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ» رؤساءهم وشيوخهم «إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ» ولا عهد ولا ذمة ولا وفاء «لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ» (12) عن النّكث في العهود والطّعن فيكم ، وإذا لم تبادروهم بالقتال تقل هيبتكم في قلوبهم بل ابدأوهم به لتزداد هيبتكم في قلوبهم ، وهذا الأمر فيهم وفي أتباعهم ، لأن الأتباع تبع للقادة ، وإن قتال رؤسائهم قتال لهم كافة طبعا ، وإنما خص الأئمة لأنهم هم الّذين عقدوا عليهم العقود ، وهم الّذين نكثوها ، وأتباعهم تبع لهم في ذلك ، أي قاتلوهم جميعا ، قال تعالى منبها المؤمنين «أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ» في المعاهدات «وَهَمُّوا» قبلا «بِإِخْراجِ الرَّسُولِ» من بلده مكة حين أجمع رؤساؤهم على قتله كما تقدم في الآية 40 من سورة العنكبوت في ج 2 بيان عملهم هذا فراجعها ، «وَهُمْ(6/411)
ج 6 ، ص : 412
بَدَؤُكُمْ»
بالقتال «أَوَّلَ مَرَّةٍ» حينما كنتم في مكة وأخرجوكم منها صاغرين حتى هاجرتم إلى الحبشة والمدينة ولم يمكنوكم من دخول مكة يوم الحديبية وقالوا يوم بدر لا ننصرف حتى نستأصل محمدا وأصحابه وقاتلوا حلفاءكم من بني خزاعة «أَ تَخْشَوْنَهُمْ» الآن أيها المؤمنون وتنسون مساويهم القديمة معكم بعد أن منّ اللّه عليكم بما منّ من الفتوحات والقوة والكثرة في المال والرّجال وتتأخرون عن قتالهم ، ولا يكون منكم هذا أبدا ، وهذا التنبيه المصدر في هذه الآية ينمّ بالتوبيخ والتقريع على من يتمنع عن قتالهم ويحث على الانتقام منهم بعد أن أجاز اللّه ذلك لهم «فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ» في مخالفة أمره في ترك قتالهم ، كلا لا تخشوهم أبدا واخشوا اللّه الذي سينصركم عليهم.
ولا يرد على هذا قوله تعالى (وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) الآية 23 من سورة الأنفال المارة ، لأن المراد فيه عذاب الاستئصال وهو يشمل المذنب وغيره والمخالف والموافق ، أما عذاب القتل المقصود في هذه الآية فإنه لا يتعدى إلى غير المذنب المخالف ، بل هو مقصور عليها فاعلموا ذلك «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (13) به إيمانا كاملا ثم حثهم على القتال فقال «قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ» لتشفّوا منهم «وَيُخْزِهِمْ» بالأسر والسّبي «وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ» بالقتل والجلاء «وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ» (14) من داء الأذى الكامن في صدورهم مما كانوا ينالونه منهم قبلا ، وهذه الآية عامة في جميع الكفار ، ونزولها في خزاعة التي تعدت عليها قبيلة بني بكر وأعانتها قريش عليها خلافا لعهد الحديبية المار ذكره في الآية 11 من سورة الممتحنة المارة لا يخصصها فيهم ولا يمنع إطلاقها وشمولها لغيرهم ، لأن في قتل هؤلاء الكفرة أخذا لثأرهم وظفرا للمؤمنين عامة وسببا لقوة اليقين وثبات العزيمة «وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ» الوجد الذي كان فيها عليهم بما يحل فيها من الفرح العظيم والسّرور الجسيم بانجاز وعد اللّه تعالى لهم بالنصر والفوز «وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ» منهم يقوى إيمانه إذا تاب وأناب.
وبعد نزول هذه الآية أسلم ناس كثيرون منهم «وَاللَّهُ عَلِيمٌ» بمن سيقت له العناية بالهداية «حَكِيمٌ» (15) بما يفعل بعباده وما يأمرهم به وينهاهم عنه.
قال تعالى «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا»(6/412)
ج 6 ، ص : 413
وتهملوا فلا تؤمروا بالجهاد ولا تمتحنوا به ؟ وهذا استفهام معترض في وسط الكلام وفيه معنى التوبيخ على وجود الحسبان من بعضهم ؟ والخطاب المؤمنين ، وما قيل للمنافقين فليس بشيء ، ودخول أم في هذا الاستفهام للفرق بين الاستفهام المبتدأ به وبين الاستفهام المعترض «وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ» أي يظهر صدقه وعزيمته في الجهاد ويميزه عمن لم يجاهد حقيقة فيعلن كذبهم للملأ ودعواهم الفارغة فيفضحهم على رؤوس الأشهاد ، وإلّا فهو عالم بهم من قبل وبما يكون منهم كما هو عالم بما كان «وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً» أي بطانة من المشركين ، فيفشوا أسرارهم إليهم ، ولم يتخذوا خيانة للمسلمين بموالاة غيرهم فيكون وجودهم خديعة لهم ، وكلّ شيء أدخلته فيما ليس منه فهو وليجة والرّجل في غير قومه وليجة راجع الآية 51 المارة في سورة النساء فيما يتعلق في هذا المعنى ، ولم تكرر هذه الكلمة في غير هذه السّورة ، ومن معاني لما التوقع فتدل على أن ذلك قد وقع من بعضهم ، لذلك نبههم اللّه إلى اجتنابه «وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ» (16) من موالاة الكفار واتخاذ بطانة منهم وإخلاص المخلصين للّه ولرسوله الّذين لم يوالوا غيره ولم يتخذوا سواه.
قال تعالى «ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ» التي خصها لتوحيده والقيام بشعائره «شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ» أي لا يصح ولا يكون لهم ذلك ولا يستقيم فعله منهم ولا يمكنهم أن يجمعوا بين أمرين متضادين عمارة بيوت اللّه تعالى مع الكفر به في حالة من الأحوال أبدا «أُولئِكَ» الّذين هذه صفتهم «حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ» التي عملوها بالدنيا من جميع وجوه البر والخير لأنها لم تكن خالصة لوجهه بل لمجرد السّمعة والرّياء ، وما كان خالصا منها فقد كوفئوا به في الدّنيا بما منّ اللّه عليهم من صحة ومال وولد وجاه وغيرها ، وحرموا ثوابها في الآخرة ، ولهذا قال تعالى «وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ» (17) لا يتحولون عنها أبدا ومن كان هذا شأنهم ، وهذه عاقبتهم لا يكونون أهلا لعمارة مساجد اللّه المخصصة لعبادته وحده «إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ» في أمر دينه(6/413)
ج 6 ، ص : 414
ودنياه نابذا كلّ ما سواه وراء ظهره لا يقدم على ما نهاه عنه ويحذره كلّ الحذر «فَعَسى أُولئِكَ» العامرون المساجد المؤمنون باللّه ورسوله «أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ» (18) لعمارتها لها غيرهم.
قال تعالى مبعدا لظنهم على طريق الاستفهام الإنكارى «أَ جَعَلْتُمْ» ايها النّاس «سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» بالفضل والثواب وحسن العاقبة سوآء كلا «لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ» في ذلك البتة ، لأن هؤلاء يثابون على أعمالهم بإيمانهم ، وأولئك محبطة أعمالهم ممحوق ثوابها بكفرهم وظلمهم «وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» (19) أنفسهم وغيرهم باختيارهم الضّلال على الهدى.
قال تعالى «الَّذِينَ» مرفوع بالابتداء «آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ» إيمانا خالصا وخبر المبتد المعطوف عليه ما بعده هو «أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ» من الّذين قاموا بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام «وَأُولئِكَ» المؤمنون المهاجرون المجاهدون «هُمُ الْفائِزُونَ» (20) عند اللّه يوم القيامة بالجنة وعند النّاس بالدنيا بالحمد والثناء والذكر الحسن ،
وهؤلاء هم الّذين «يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ» (21) لا ينقطع أبدا عنهم حالة كونهم «خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ» (22) لا أعظم منه ولا يحيط به عقل البشر يمنحه اللّه من يشاء من عباده ، لأن الإيمان باللّه لا يوازيه عمل وكلّ عمل بلا إيمان لا قيمة له عند اللّه.
مطلب تفضيل الإيمان على كلّ عمل مبرور كعمارة المساجد والإطعام وفك الأسرى وغيرها :
وسبب نزول هذه الآيات على ما قاله العلماء أن العباس افتخر بالسقاية ، وافتخر شيبة بالعمارة ، وعلي كرم اللّه وجهه بالإيمان والإسلام والجهاد ، فنزلت هذه الآيات.
روى مسلم عن النّعمان بن بشير قال كنت عند منبر النّبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال رجل ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلّا أن أعمر المسجد الحرام ، وقال الآخر الجهاد في سبيل اللّه أفضل مما قلتم ، فزجرهم عمر وقال لا ترفعوا أصواتكم عند منبر النّبي وهو يوم الجمعة ، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فأستفتيه عما اختلفتم فيه ، فأنزل(6/414)
ج 6 ، ص : 415
اللّه هذه الآيات.
وقد سبق أن ذكرنا غير مرة جواز تعدد أسباب النّزول ، أما ما قيل بأن العباس حين أسرّ قال لعلي حين وبخه على قتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما لكم تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا ؟ فقال علي وهل لكم محاسن وأنتم على ما أنتم عليه من الكفر والضّلال ؟ قال نعم ، قال ما هو ؟ قال نعمر المسجد ونحجب الكعبة ونسقي الحجيج ونفك الأسير ، فنزلت هذه الآيات فيها ، فهو قول بعيد عن الصّحة ، لأن هذه السّورة لم تنزل إذ ذاك ، وقضيه العباس هذه في حادثة بدر وبينهم سنون ، ولم يستثن شيئا منها.
أما ما قاله ابن الجوزي بأن الآيتين الأخيرتين منهما وهما (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ ...) نزلتا بمكة فلم يوافقه على هذا إلّا ابن الغرس من جميع العلماء ، ويرد قولهما ما قاله في المستدرك عن أبي بن كعب ، وما جاء في تفسير أبي الشّيخ عن علي بن زيد عن يوسف المكي عن ابن عباس أنها آخر آية نزلت منها أي سورة التوبة هذه ، وأنت خبير بأن ابن الجوزي كان ديدنه نقل الأقوال الضّعيفة والمختلف فيها ، وكان يعاكس رأي من تقدمه غالبا : وهذا الذي سبب له الشّهرة بين النّاس (على حدّ خالف تعرف) وقد اقتفى أثره من يحب الشّهرة من العلماء ويدعي التبحر بالعلم وصاروا ينقلون عنه وعن ابن تيمية الأقوال المخالفة لإجماع الأمة بذلك القصد ، وأمثال هؤلاء يجب مقتهم لأن وجودهم مفسدة للدين ، حتى انهم شأنوا سمعة ابن الجوزي وابن تيمية بحيث من لم يعرف مقامهما بظن أن كلّ أقوالهما مخالفة للاجماع ، وليس الأمر كذلك.
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم جاء إلى السّقاية فقال العباس يا فضل اذهب إلى أمك فأت رسول اللّه بشراب من عندها ، فقال اسقني (أي مما عندك من الشّراب) فقال يا رسول اللّه إنهم يجعلون أيديهم فيه ، قال اسقني (لا بأس من وضع الأيدي بالشراب) فشرب منه ، ثم اتى زمزم وهم يستقون ويعملون فيها ، فقال اعملوا فإنكم على عمل صالح ، ثم قال لو لا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذا (يعني عاتقه).
وروي مسلم عن أبي بكر ابن عبد اللّه المزني قال كنت جالسا مع ابن عباس عند الكعبة فأتاني أعرابي فقال ما لي أرى بني عمكم يسقون العسل واللّبن وأنتم تسقون النّبيذ أمن حاجة بكم(6/415)
ج 6 ، ص : 416
أم من بخل ، فقال ابن عباس الحمد للّه ما بنا من حاجة ولا بخل ، إنما قدم النبي صلّى اللّه عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى بإناء من نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة ، فقال أحسنتم إذا عملتم كذا ، فاصنعوا ، فلا نريد تغيير ما أمر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولما أمر اللّه المؤمنين بالتبرّي من المشركين قالوا كيف يمكن أن يقاطع الرجل أباه وأخاه وابنه فنقطع أرحامنا ونضيّع أموالنا ونخرّب دورنا فأنزل اللّه «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ» لأموركم وتجعلونهم بطانة لمهماتكم ومكتما لأسراركم «إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ» فإنهم لا يؤتمنون على شيء من ذلك أبدا «وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ» بعد هذا النهي «فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» (23) أنفسهم بمخالفتهم أمر اللّه والمقام مع أعدائه وموالاتهم دونه ، فيا محمد «قُلْ» لهؤلاء الميالين إلى الكفرة «إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها» بسبب مباعدتكم عن أقربائكم وتعلقاتكم من الكفار «وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها» بينهم للتقرب منهم «أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ» وترون أن رعاية هذه المصالح الفانية أولى من طاعة اللّه ورسوله والمجاهدة في سبيله المؤدية إلى الدّار الباقية والجنات العالية «فَتَرَبَّصُوا» انتظروا وهي كلمة تهديد ووعيد لمن يؤثر بحقه أولئك أو شيء منهم على محبة اللّه ورسوله فليرقب مغبة ذلك وخاصة عافيته «حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ» القاضي باستئصالكم لخروجكم عن طاعته «وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» (24) الخارجين عن طاعته وهذا تهديد بالغ ما فوقه تهديد ، لأن اللّه تعالى قال (أحب) والحب لا يكون إلّا عن زيادة شوق في الشّيء ، ولهذا جعل عقابهم شديدا.
قال يحيى ابن معاذ لأبي يزيد البسطامي هل سكرت مما شربت من حبه ؟ فأجابه بقوله :
شربت الحب كأسا بعد كأس فما نفسد الشّراب ولا رويت
هذا أبو يزيد وانظر لقول ابن الفارض :
شربنا على ذكر الحبيب مدامة سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم(6/416)
ج 6 ، ص : 417
ولكل وجهه ، الحكم الشّرعي ، إذا تعارض ما هو من مصالح الدّين مع ما هو من مصالح الدّنيا وجب على المسلم ترجيح مصالح الدّين في مثل هذه الأشياء المذكورة في الآية المارة.
مطلب في الرّخص والعزائم وواقعة حنين
وان الرّخص الواردة في اختيار بعض الأمور كالنطق بكلمة الكفر عند الإكراه وشراب الخمر مخافة القتل وغير ذلك من الرّخص التي نقلت دعائمها عن ابن عباس رضي اللّه عنهما فلا تنافيها هذه الآية ، لأن ما جاء فيها انما نؤاخذ به إذا كان عن حب واختيار لا عن بغض وإكراه ، وإنما قلنا دعائم الرّخص أي أساساتها وقوائمها عن ابن عباس لأنه كان رضي اللّه عنه يتوسع في الأمور اجتهادا منه ويفتي بها كما كان عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما يتشدد فيها ، ولهذا صار من قبيل ضرب المثل (رخص ابن عباس) (وعزائم ابن عمر) راجع تاريخ القضاء في الإسلام للمعري تجد ما يتعلق بهذا وهو أوسع من رسالة القضاء في الإسلام للكنوي ، والآية 24 من سورة النّساء المارة تقف على ما قيل في ابن عباس من أجل توسعه في الرّخص ، ثم شرع جل شرعه يعدد نعمه على المؤمنين بقصد لقاء النّفرة للمشركين ، وبيان ان معونتهم لهم لا قيمة لها ، وانهم إذا اتكلوا على اللّه يغنهم عنهم ، فقال جل قوله «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ» ومحلات متعددة ، فقد جاء في الصحيحين في حديث زيد بن أرقم أن مجموع غزواته صلّى اللّه عليه وسلم تسع وعشرون قاتل في ثمان منها ، وسراياه ما بين الإحدى والخمسين إلى الاحدى والسّتين ، وان ما ذكرناه في أوائل السّورة عبارة عما ذكر منها في القرآن العظيم فقط «وَيَوْمَ حُنَيْنٍ» واد بين الطّائف ومكة معروف «إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ» فاستغنيتم بها وطشتم كأنكم تغلبون بسبب الكثرة «فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً» بل خذلتم وأظهرنا لكم انكم لا تغلبون إلّا باعتمادكم على اللّه لا على عدد أو عدد «وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ» فرأيتموها لم تسعكم مع ما هي عليه من السّعة العظيمة حتى انكم لم تجدوا موضعا تقرون إليه بحيث صرتم ترونهم ملأوا السّهل والجبل لما ألقى في قلوبكم من الرّعب منهم ، «ثُمَّ
وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ»(6/417)
ج 6 ، ص : 418
عنهم منهزمين منهم «ثُمَّ» بعد ما عرفتم أن النّصر لا يكون إلّا من عند اللّه وباعتماد عليه وصدق التوكل وكمال الثقة به تعالى ، ووقر هذا في قلوبكم إذ «أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ» طمأنينته بإزالة الخوف من أفئدتكم وتقليل الأعداء بأعينكم وتكثيركم بأعينهم ، وقد عمم هذه السّكينة المتضمنة ما ذكر «عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ» الكائنين معه في هذه الحادثة «وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها» من ملائكته الكرام وقد جمعهم مع أنهم نورانيون ليكثر بهم سوادكم في أعين أعدائكم وخلق فيهم قدرة النّظر إليهم دونكم لإلقاء الرّعب في قلوبهم ، ولو لا ذلك لما رأوهم لأن أبصارهم لا طاقة لها على رؤيتهم ولو بصورة البشر ، وإنما حجبكم عن رؤيتهم وحال دون نظركم إليهم مع قدرته على ذلك كما فعل بأعدائكم لئلا تتكلوا عليهم وليكون اتكالكم على اللّه وحده «وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا» بأيديكم قتلا وأسرا وسبيا «وَذلِكَ» العذاب المبرح هو «جَزاءُ الْكافِرِينَ» في الدّنيا ولعذاب الآخرة المخبوء لهم أشد وأعظم «ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ» ممن يؤمن منهم «وَاللَّهُ غَفُورٌ» للتائبين ما سلف منهم «رَحِيمٌ» بعباده يقبل توبتهم رؤوف بأوليائه ينصرهم بعد الانهزام ، وقد عد اللّه تعالى عليهم الانهزام ذنبا كما أن الاعتماد على النّفس ذنب آخر يجب التوبة عنه ، وخلاصة هذه القصة هو ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما فتح اللّه عليه مكة في شهر رمضان السّنة الثامنة من الهجرة كما قد أوضحناه أول سورة الفتح المارة ، خرج بعد ايام إلى حنين لقتال هوازن وثقيف وكانوا أربعة آلاف ، وكان على هوازن مالك بن عوف النّقري ، وعلى ثقيف كنانه بن عبديا ليل ، في اثني عشر ألفا من المهاجرين والأنصار ولفيف من الطلقاء فلما التقى الجمعان قال سلمة بن
سلامة بن رقيش الأنصاري لن نغلب اليوم من قلة ، فساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كلامه لأنه يعلم ان الكثرة بغير معرفة اللّه تعالى لا نجدي نفعا ، ولهذا الكلام وكلهم اللّه إلى كثرتهم لأنه تعالى لم يرض قوله ولأن أحدا من القوم لم يرد عليه قوله ، اعتبروا كلهم راضين بمقالته ، ولذلك استاء حضرة الرّسول لما بلغته مقالته تلك وسكوت القوم عليه ، فوكلهم اللّه لأنفسهم فخذلوا كما سيأتي تفصيله بعد وما قيل إن القائل لهذه الكلمة هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم زور ، وبهت وافتراء(6/418)
ج 6 ، ص : 419
وعدوان
،
وحاشاه فى ذلك ، لأنه متوكل على ربه في جميع أحواله وأقواله ، عالم بأن الكثرة لا تغني من اللّه شيئا ، متيقن أن النّصر والمعونة من اللّه وحده لا بكثرة ولا بقلة ، وكذلك أخطأ من ألصق هذه التهمة بأبي بكر الصّدّيق رضي اللّه عنه إذ يبعد صدورها من مثله ولا يتصور وقوعها منه وهو على ما عرف عليه من اليقين الكامل والتوكل الخالص ، ويكفي هذا القول وهو أن ما قاله ابن الجوزي المار ذكره آنفا ، وهو إن صح عنه في بعض مخالفاته التي نقلها عنه أتباعه ممن لا يوثق بكلامهم ، روى البخاري ومسلم عن أبي إسحق قال جاء رجل إلى البراء فقال أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة ؟ فقال أشهد على نبي اللّه ما ولى ، ولكن انطلق أخفّاء من النّاس حسرا (أي ليس عليهم سلاح ، ويقال عزلا فيمن لا سلاح لهم ، وحسرا لمن كان لديهم بعض السّلاح ولا دروع لهم ، والأخفّاء (الموسوعون الّذين ليس لهم ما يعوقهم) إلى هذا الحي من هوازن وهم قوم رماة فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد ، فانكشفوا ، فأقبل القوم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأبو سفيان بن الحارث رئيس الطّلقاء يقود بغلة ، فنزل ودعا بما دعا موسى عليه السّلام يوم انفلاق البحر ، وهو اللّهم لك الحمد ، وإليك المشتكى ، وبك المستغاث ، وأنت المستعان ، وعليك التكلان ، ولا حول ولا قوة إلّا بك.
واستقر وهو يقول :
أن النّبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
اللهم أنزل نصرك ، زاد أبو خيثمة ثم صفهم.
وروى مسلم عن العباس بن عبد المطلب قال شهدت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فلم نفارقه ، ورسول اللّه على بغلة بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي ، فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين ، فطفق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار ، قال ابن عباس وأنا آخذ بلجام بغلته أكفّها إرادة أن لا تسرع ، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول اللّه ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم أي عباس ناد أصحاب السّمرة ، فقال عباس وكان رجلا صيّتا فقلت بأعلى صوتي أين أصحاب السّمرة ، أي الشّجرة وإذا كانت هي المراد فتكون واللّه أعلم هي(6/419)
ج 6 ، ص : 420
الشجرة التي بايعه الأصحاب تحتها يوم الحديبية ، وفي رواية قال يا أصحاب سورة البقرة هذا رسول اللّه ، فتراجع القوم ، قال فو اللّه لكان عطفهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها ، فقالوا لبيك لبيك ، قال فاقتتلوا والكفار وكانت الدعوة في الأنصار يقولون يا معشر الأنصار ، قال ثم قصرت الدّعوة على بني الحارث بن الخزرج ، فقالوا يا بني الحارث بن الخزرج ، فنظر رسول اللّه وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم هذا حين حمي الوطيس أي اشتد الحرب وهذه كلمة لم تسمع قبل نهي من مقتضياته وإنشائه صلّى اللّه عليه وسلم ، والوطيس التنور ، قال ثم أخذ صلّى اللّه عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال انهزموا ورب الكعبة أو ورب محمد ، قال فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى ، قال فو اللّه ما هو إلّا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا لا يقطع شيئا وأمرهم مدبرا.
وروى مسلم عن سلمة بن الأكوع قال غزونا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حنينا ، قال فلما غشوا رسول اللّه نزل عن بغلته ثم قبض قبضة من تراب الأرض ثم استقبل به وجوههم وقال : شاهت الوجوه ، فما خلق اللّه منهم إنسانا إلّا ملاعينه ترابا بتلك القبضة ، فولوا مدبرين ، فهزمهم اللّه بذلك ، وقسم رسول اللّه غنائمهم بين المسلمين.
وروي أن رجلا من المشركين قال لما التقينا وأصحاب محمد لم يقضوا لنا حلبة شاة ، فسقناهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء أي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فتلقانا عنده رجال بيض الوجوه حسان ، فقالوا لنا شاهت الوجوه فانهزمنا ، وهؤلاء الجنود الّذين ذكرهم اللّه تعالى في هذه الآية وقد سبق أن ذكرنا أن الملائكة لم تحارب مع رسول اللّه إلّا يوم بدر ، وفي غيره تكون مددا لتكثير سواد المسلمين وهو الصّحيح كما أشرنا إليه في الآية 12 من سورة الأنفال المارة ، وقول هذا المشرك يؤيد عدم قتالهم ، إذ اقتصر فيه على القول الذي سمعه منهم ، فلو كان هناك قتال لذكره في هذه الرّواية ، لأنه يقول راويها تلقانا رجال يقولون كذا وكذا ، ولم يقل حاربونا أو رمونا أو غير ذلك.
وروى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن أناسا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء اللّه على رسوله من أموال هوازن ما أفاء ، فطفق رسول اللّه يعطي رجالا من قريش المئات(6/420)
ج 6 ، ص : 421
من الإبل ، فقالوا يغفر اللّه لرسول اللّه يعطي قريشا ويتركنا ، وإن سيوفنا لتقطر من دمائهم.
قال أنس فحدث بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في قولهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم ولم يدع معهم غيرهم ، فلما اجتمعوا جاءهم رسول اللّه فقال حديث بلغني عنكم ، فقال له فقهاء الأنصار أما ذو رأينا يا رسول اللّه فلم يقولوا شيئا ، وأما أناس منا حديثة أسنانهم فقالوا يغفر اللّه لرسول اللّه يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم إني لأعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم ، أفلا ترضون أن تذهب النّاس بالأموال ، وترجعون إلى رحالكم برسول اللّه ؟ فو اللّه ما تنقلون به خير مما ينقلون به ، قالوا بلى يا رسول اللّه قد رضينا ، قال فإنكم ستجدون بعدي أثرة (حالة غير مرضية تتأثرون فيها بحيث يؤثّر وغرها في قلوبكم ، وتطلق هذه الكلمة على المكرمة المتوارثة وليست مرادا هنا) شديدة فاصبروا حتى تلقوا اللّه ورسوله على الحوض ، قالوا سنصبر.
ورويا عن عبد اللّه بن زيد بن عاصم قال لما أفاء اللّه على رسوله يوم حنين قسم في النّاس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا فكأنهم وجدوا إذا لم يصبهم ما أصاب النّاس ، فخطبهم فقال يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم اللّه بي ، وكنتم متفرقين فألفكم اللّه بي ، وعالة فأغناكم اللّه بي ، كلما قال شيئا قالوا اللّه ورسوله آمنّ ، قال فما منعكم ألا تجيبوا رسول اللّه كلما قال شيئا ، قالوا اللّه ورسوله أمّن.
قال لو شئتم لنلتم جئتنا كذا وكذا (أي وحيدا فآريناك ونصرناك وقمنا بمؤنة أصحابك وساويناهم بأنفسنا وقسمنا عليهم أموالنا وأزواجنا ، ولكنهم من أدبهم مع حضرة الرسول لا يقولون ذلك ولا يتصورون أن يجابهوا حضرة الرّسول به) ترضون أن تذهب النّاس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي إلى رجالكم ، لو لا الهجرة لكنت امرأة من الأنصار ، ولو سلك الأنصار واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم ، الأنصار شعار والنّاس دثار (الشعار اللّباس الذي يلي شعر الجسد ، والدّثار ما يلبس فوقه) يريد أنهم الأصل وغيرهم الفرع.
هذا وقد ذكر البغوي أن الزهري قال بلغني أن شيبة بن عثمان قال استدبرت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوم حنين أريد قتله بطلحة بن عثمان وابنه عثمان حيث قتلا يوم أحد ، فأطلع اللّه رسوله على(6/421)
ج 6 ، ص : 422
ما في نفسي فالتفت صلّى اللّه عليه وسلم إليّ وضربني في صدري وقال أعيذك باللّه يا شيبة فأرعدت فرائصي ، فنظرت إليه فإذا هو أحب إلي من سمعي وبصري ، فقلت أشهد أن لا إله إلّا اللّه وأنك رسول اللّه ، قد أطلعك اللّه على ما في نفسي ، وأسلم وحسن إسلامه.
وروى مسلم عن رافع بن خديج قال أعطى رسول اللّه أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن قصي والأقرع بن حابس كلّ إنسان مئة من الإبل ، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك
، فقال عباس :
أتجعل نهبن ونهب البعيد بين عيينة والأقرع
فما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرئ منهما ومن يخفض اليوم لا يرفع
قال فأتم له رسول اللّه مئة.
وروى البخاري عن المسور بن مروان أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد عليهم مالهم وسبيهم ، فقال لهم رسول اللّه إن معي من ترون ، وأحبّ الحديث إلي أصدقه ، فاختاروا إحدى الطّائفتين ، إما المال وإما السّبي ، وقد كنت استأنيت بكم ، وفي رواية كان صلّى اللّه عليه وسلم انتظرهم بضعة عشرة ليلة حين قتل من الطّائف ، فلما تبين لهم أنه غير رادّ عليهم إلّا إحدى الطّائفتين ، قالوا إذا نختار سبينا ، فقام صلّى اللّه عليه وسلم في النّاس فأثنى على اللّه بما هو أهله ، ثم قال أما بعد ، فإن إخوانكم هؤلاء جاءونا تائبين ، وإني قد رأيت أن أردّ إليهم سبيهم ، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك لهم فليفعل ، فقال النّاس قد طيبنا ذلك لهم يا رسول اللّه ، فقال لهم في ذلك إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم ، فرجع النّاس ليكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول اللّه فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا.
فهذا الذي بلغنا من سيرة هوازن قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا» التاسع من الهجرة الذي نزلت فيه هذه السّورة وحج فيه أبو بكر بالناس نائبا عن رسول اللّه ولم يحج به رسول اللّه لئلا يرى مشركا أو عريا بالطواف بالبيت قبل الإنذار الذي قدمه إليهم مع ابن عمه علي كرم اللّه وجهه الذي هو بالنسبة له بمنزلة هرون من(6/422)
ج 6 ، ص : 423
موسى ، كما ورد عنه صلّى اللّه عليه وسلم والمراد هنا أنهم نجسوا العقيدة لا أنهم أنفسهم نجسة كما ذهب إليه بعض الإمامية راجع الآية (5) من سورة المائدة المارة «وَإِنْ خِفْتُمْ» أيها المؤمنون إن انقطاع المشركين عن الحضور إلى البيت الحرام بسبب لكم «عَيْلَةً» فقرا وفاقة بانقطاع تجارتهم والبيع والشّراء معهم «فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» بأن يكثر لكم الدّرّ والنّبات ، ويزيد في تجارة المسلمين ويكثر وفودهم على البيت بما يكفيكم عنهم «إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ» كثير الألطاف على عباده «عَلِيمٌ» بما ينشأ عن مجيئهم وعدمه وما يصلح به شأنكم من غيرهم «حَكِيمٌ» (28) بتحقيق آمالكم وكفايتكم من طرق لم تكن ببالكم ، وانّما شرط المشيئة على نفسه الكريمة جلت وعظمت تعليما لعباده ليكونوا دائمي التضرع والابتهال إليه في طلب الخير ودفع الشّر ، ويقطعوا آمالهم من الخلق ويخلصوا التوكل عليه والإنابة في كلّ أمورهم.
الحكم الشّرعي : لا يجوز لكافر أن يدخل حرم مكة المشرفة ذميا كان أو مستأمنا ، ويجب على الإمام إذا أتاه رسول كافر من دار الكفر أن يخرج هو إليه لا أن يدخله الحرم ، ولهذا فإن جميع سفراء الدّول قد خصص لإقامتهم محلات في جدة خلافا للدول الأخرى فإنهم يسكنون في العاصمة نفسها ، وبما أن عاصمة الحجاز مكة المكرمة وقد حرمها اللّه على الكفرة جعلت إقامتهم في جدة أما بقية الأراضي الحجازية مما بين اليمامة ونجد واليمن والمدينة المنورة وما بين جبلي طي وطريق العراق فيجوز لهم دخولها بالإذن على أن لا يقيموا بها أكثر من ثلاثة أيّام.
ويدخل الحرم في المسجد الحرام لأن دخولهم فيه قريب من نفس المسجد ، يؤيد هذا قوله تعالى (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» وهو إنما أسري به من بيت أم هانيء ، وهو من الحرم فأطلق عليه لفظ المسجد لأن مكة حكمه ، وأما بقية البلاد الإسلامية السّائرة فللكافر الإقامة فيها بعهد وأمان وزمة ولا يدخلون المساجد إلّا بإذن من أمير مسلم ، روى مسلم عن ابن عمر أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول لأخرجن اليهود والنّصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلّا مسلما.
زاد في رواية لغير مسلم ، وأوصى فقال :
أخرجوا من المشركين من جزيرة العرب قال تعالى «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ(6/423)
ج 6 ، ص : 424
بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ»
مواتية غير ممتنعة وقوة وقهر وغلب ، يقال لكل من أعطى شيئا كرها عن غير طيب نفس أعطى عن يد «وَهُمْ صاغِرُونَ» (29) أذلاء مهانون.
الحكم الشّرعي : تؤخذ الجزية من أهل الكتاب عامة ومن مشركي العجم ، أما العرب المشركون فالإيمان أو السّيف ، إذ لا تقبل منهم الجزية إذا أرادوا البقاء على كفرهم ، وتؤخذ من المجوس ، أخرج مالك عن جعد بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال ما أدري كيف أصنع في أمرهم ، فقال عبد الرّحمن ابن عوف أشهد أني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول سنوا بهم سنة أهل الكتاب.
مطلب أسباب ضرب الجزية على أهل الكتاب وما هي ، ومعاملتهم بالحسنى وبيان مثالبهم التي يفعلونها ويأمرون بها :
ومن قال إنها لا تؤخذ من أهل الكتاب العرب فقوله رد عليه.
وبما رواه أنس أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر رومة ، فأخذه فأتوا به فحقن دمه وصالحه على الجزية ، أخرجه أبو داود ، وهو رجل من العرب من غسان وأقل الجزية من كلّ حالم أي محتلم عاقل دينار في كلّ سنة أخرجه أبو داود.
وعن معاذ بن جبل عن رسول اللّه لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كلّ حالم دينارا أو عدله من المعاقربة (ثياب تكون في اليمن) وأكثرها على الغني أربعة دنانير وعلى المتوسط اثنان ، والفقير واحد فقط ، وأخرج مالك في الموطأ عن أسلم أن عمر ضرب على أهل الذهب أربعة دنانير ، وعلى أهل الورق أربعين درهما ، ومع ذلك شرط عليهم أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيّام لمن يؤمهم أو يمرّ بهم في غزوة أو تجارة أو زيارة أو غيرها ، راجع الآية 69 من سورة الحج المارة والآية 64 من سورة المائدة أيضا.
وليس القصد من أخذ الجزية إقرارهم على دينهم بل حقن دمائهم وإمانة لهم لعلهم يرغبون في الحريّه الكاملة فيؤمنون ، وعليه فيجب على المسلمين كافة أن يعاملوهم معاملة حسنة ويحفظوا مالهم وعرضهم وذراريهم وخدمهم وأن يروهم كلّ ما يأمر به الإسلام من محاسن الأخلاق وعلو الآداب واللّين والعطف(6/424)
ج 6 ، ص : 425
والرّقة أملا بدخولهم في الإسلام عن رغبة وشوق واختيار لا عن كراهية وبغض واضطرار ، لأنهم أهل كتاب فلربما يعيدون نظرهم إلى كتبهم فيفكرون فيها ويدققون ما ترمي إليه من صدق نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم وصحة دينه الذي تشير إليه كتبهم ، وإنما أمهلوا فلم يقاتلهم الرّسول ولم يأمر بقتالهم وقد قبل منهم الجزية لهذه الغاية وحرمة لآبائهم الّذين انقرضوا على شريعة التوراة والإنجيل الصّحيحين ، لذلك علينا معشر المؤمنين أن نقوم بواجبهم ونخترم حقوقهم ونريهم مكارم الأخلاق ومحاسن هذا الدين الحنيف ونعاملهم كمعاملة بعضنا لبعض بل أحسن ، وقد أمرنا اللّه بالآداب وحسن الخلق الذي مدح رسوله عليه في كتابه ليركن إليه النّاس عن طيب نفس وليتعشّق النّاس دينه الحق وقوله الصّدق الذي أمر اللّه النّاس باتباعه وأمر الأنبياء وأتباعهم باتباعه ، ولهذا أمر اللّه تعالى رسوله بعدم قتالهم إذا أرادوا الجزية وتركهم لعلهم يتذكرون في هذا.
ولما أمر اللّه تعالى بقتال طوائف من اليهود والنّصارى الموصوفين بالآية المتقدمة ليؤمنوا أو بضرب عليهم الجزية ذكر وجه كفرهم بقوله عز قوله «وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ» وحاشا اللّه أن يكون له ولد ، وإنما قالوا ما قالوه افتراء من تلقاء أنفسهم كما قالت طائفة من العرب بهتا الملائكة بنات اللّه ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، فكل من له لبّ سليم أو عقل كامل لا يقول هذا سواء أكان من النّصارى أو اليهود أو غيرهم ، وإنما تقول الجهلة الّذين لا فطنة لهم بسبب ما أتاهم اللّه من المعجزات التي لا يتصور صدورها من البشر ، ولم يعلموا أن اللّه يظهر على يد من يشاء من عباده الخوارق ، أما ما جاء في الإنجيل بلفظ الأب فلا يراد منه معنى الأبوة التي مصدرها التوالد ، بل المراد منه المربّي ، فهو جل جلاله بهذا المعنى أب للخلق كافة ، قال الفيلسوف الشّهير (رينان) إن عيسى عليه السّلام عند ما قال أبي عن اللّه لم يرد أن اللّه أبوه حقا ، وإنما عنى بذلك أنه كالأب في الحنان والعطف.
بل هو أشد حنانا وعطفا على خلقه من آبائهم.
فانظر أيها المدرك قول هذا ، واعلم أن القائلين بأن عيسى ابن اللّه من أهل الكتاب وأراد النّبوة نفسها بمعنى الوالد فهو في عداد المشركين ، إذ لا فرق بين من يعبد الوثن الجامد وبين من(6/425)
ج 6 ، ص : 426
يعبد الإنسان أو الملك أو الكوكب ، راجع تفسير الآية (259) من البقرة والآية (5) من آل عمران المارتين تقف على سبب اتخاذ عزير وعيسى ابنين للّه ، تعالى عن ذلك ، وقد جاء في رواية عطية الصّوفي عن ابن عباس أنه قال إنما قالت اليهود ذلك لأن عزيرا كان فيهم وكانت التوراة عندهم فأضاعوها وعملوا بغير الحق فرفع اللّه عنهم التابوت وأنساهم التوراة ، فقال عزير عليه السّلام قد ردّ اللّه إلي التوراة فعلمهم إياها ، فلما نزل إليهم التابوت عرضوا ما تعلموه من عزير عليها ، فوجدوه موافقا لما في التابوت حرفيّا ، فقالوا
ما أوتي هذا إلّا لكونه ابنا للّه ، وقد أماته اللّه مئة عام ثم أحياه ، راجع الآية المذكورة في البقرة ، وأما النّصارى فبقوا بعد رفع عيسى إحدى وثمانين سنة يصلون ويصومون ، فاختلفوا مع اليهود وقتل برلص اليهودي من النّصارى ما قتل ، وقال اليهود إن كان الحق مع عيسى فقد كفره والنّار مصيرنا فعرقب فرسه وندم وتنصر وقال : قد نوديت إلى اللّه قبل توبتي ، فأحبه النّصارى ، وعمد إلى أحدهم المسمى نسطورا فعلمه أن عيسى ومريم والإله ثلاثة ، وعلم منهم رجلا اسمه يعقوب بأن عيسى ليس بإنسان بل هو ابن اللّه ، وعلم آخر اسمه ملكان بأن عيسى هو اللّه ، وكان تعلم الإنجيل وجمع الثلاثة المذكورين ، وقال لهم إني رأيت عيسى في المنام وقد رضي عني وأني سأذبح نفسي تقربا إليه ، واذهبوا أنتم فادعوا النّاس إلى ما علمتكم ، وذبح نفسه فذهب لثلاثة المذكورون إلى بيت المقدس وإلى الرّوم وكلّ منهم دعا النّاس إلى ما أمر به وتعلم من بولص المذكور لعنه اللّه كيف اختلق هذه الفرية من نفسه وضحى بنفسه للتمسك به وإكفار النّاس ، وهو أول من يدخل في قوله تعالى ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيمة ومن أوزار الّذين يضلّونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون الآية (25) من سورة النّحل في ج 3 وراجع الآيات 19 ، 75 ، 76 من سورة المائدة المارة ، قال تعالى «ذلِكَ» القول الذي ابتدعوه واختلفوه «قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ» غير مستند إلى نقل ولا منتم إلى علم مجرد عن الحقيقة افتروه على اللّه «يُضاهِؤُنَ» بتقولهم هذا ويشابهون به «قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ» بأن يوافقوا ما قالوه من أن الملائكة بنات اللّه قال تعالى في حق(6/426)
ج 6 ، ص : 427
هؤلاء العرب (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ) الآية 57 من سورة النحل في ج 2 «قاتَلَهُمُ اللَّهُ» جميعا «أَنَّى يُؤْفَكُونَ» (30) يصرفون الحق إلى الباطل والصّدق إلى الكذب وفي هذه الجملة معنى التعجب وهو راجع إلى الخلق لأن الخالق لا يتعجب من شيء.
واعلم أن ما ذاع على ألسنة النّاس في قولهم أي شيء خلقه اللّه وتعجب منه ويريدون الإبل في قوله تعالى (أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) الآية 18 من سورة الغاشية ج 2 فهو من هذا القبيل لا كما يزعم العوام تأمل.
واعلم أن هؤلاء اليهود والنّصارى «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» لأنهم أطاعوهم في معصيته واتبعوهم فيما يحللون ويحرمون حسب شهواتهم وأهوائهم فكأنهم عبدوهم «وَ» أن النّصارى اتخذوا «الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ» إلها لاعتقادهم البنوة فيه والحلول في ذات اللّه كما اتخذت اليهود عزيرا ابنا للّه «وَما أُمِرُوا» من قبل أنبيائهم ولا في كتبهم المنزلة عليهم من اللّه «إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً» وهو الإله العظيم الذي «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» (31) به من خلقه وإنهم بدّلوا وغيروا أحكام اللّه المنزلة إليهم على لسان رسلهم اتباعا لقادتهم ورؤسائهم قال عبد اللّه بن المبارك :
وهل بدّل الدّين إلّا الملوك وأحبار سوء ورهبانها
ولو لا هؤلاء الكذابون المشغوفون يحب الرّياسة لما وقع شيء من ذلك ولكن إرادة اللّه قضت به أولا فلا يقع شيء في كونه إلّا بإرادته فآمن من آمن بحسن يقينه وكفر من كفر بسوء حاله طبق ما هو مقدر في علمه «يُرِيدُونَ» هؤلاء بعملهم هذا «أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ» دينه المنير المؤيد بالبراهين الواضحة والحجج الدّامغة والدلائل السّاطعة التي هي في شدة بيانها وكمال ظهورها كالنور «بِأَفْواهِهِمْ» بمجرد أقوالهم الكاذبة الصّادرة عن غير رويّة وتفكر ونظر «وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» (3) ذلك الإتمام فإنه سيتمه رغم أنوفهم وهذا وعد قد أنجزه اللّه لرسوله حال حياته وقد أظهر دينه وأعلاه على سائر الأديان وهو حتى الآن قامع رؤوس الكافرين والمبتدعين بحقه وصدقه ولا يزال إن شاء اللّه كذلك حتى يرث الأرض ومن عليها قال صلّى اللّه عليه وسلم لا تزال طائفة من(6/427)
ج 6 ، ص : 428
أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة قال تعالى «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى » أي القرآن الهادي للناس أجمع لو اتبعوا أحكامه وأوامر المنزل عليه وعملوا فيهما «وَدِينِ الْحَقِّ» الإسلام الذي لا أحق منه قال تعالى (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) الآية 85 من آل عمران المارة : «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» (33) وسيتم هذا عند نزول سيدنا عيسى عليه السّلام ، إذ لا يبقى دين في زمنه غير دين الإسلام ، ولا يبقى على وجه الأرض إلّا مسلم وكافر ، ثم ينهار الإسلام أولا بأول حتى لا يبقى من يقول اللّه ، فتقوم السّاعة على شرار الخلق وكلهم إذ ذاك أشرار ، فإنا للّه وإنا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلّا باللّه.
روي عن أبي هريرة في حديث نزول عيسى قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ويهلك في زمنه الملل كلها إلّا الإسلام.
يدل على هذا قوله تعالى (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) الآية 158 من سورة النّساء المارة ، ونظير هاتين الآيتين الآيتان 9 و10 من سورة الصّف المارة ، وقد عدّد اللّه تعالى في هذه الآيات مثالب بني إسرائيل ، وسبق أن بينا قسما منها في الآيات من 40 إلى 60 من سورة البقرة في معرض تعداد النّعم عليهم ، وكذلك في الآيات ص 62 إلى 123 ومن 130 إلى 147 من البقرة أيضا وآيات أخر منها ومن غيرها ، مما يدل على أنهم لم يقابلوا نعم اللّه التي أسبغها عليهم بالشكر بل بالإنكار والجحود ، وأوامره بالعناد والكفر ، حتى توصلوا إلى قتل أنبيائهم قاتلهم اللّه وأخزاهم في الدّنيا والآخرة.
قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» أنفسهم وغيرهم لقاء ما يأخذونه منهم من حطام الدّنيا ، مع أن الواجب عليهم ألّا يفعلوا شيئا من ذلك ، لأن الأحبار بمثابة العلماء العاملين ، والرّهبان بمثابة المشايخ الصّوفية الكاملين المتقيدين بحدود اللّه ، وكلمة كثير تفيد أن القليل منهم لا يفعل ذلك بل يجمع لنفسه وغيره منه ويتقيد بأوامره ونواهيه «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ(6/428)
ج 6 ، ص : 429
وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ»
(34) يوم القيمة «يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ» ويقال لهم حين يفعل بهم ذلك «هذا» جزاء وعقاب وعذاب «ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ» من الذهب والفضة التي لم تؤدوا حق اللّه منها «فَذُوقُوا» وبال تضييعكم حق اللّه وعدم إعطائه لفقرائه جزاء «ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ» (35) في دنياكم ، وفي هذا معنى الذم لمالهم ذلك لأنهم لم ينتفعوا به.
والكنز يطلق على الجمع وغيره ، راجع الآية 267 من سورة البقرة الدّالة على فرضية الزكاة ، وهذه الآية عامة في كلّ من ذلك شأنه ، لأنها نزلت في مانعي الزكاة ، وإن ورودها بسياق ذم أهل الكتاب الّذين يأخذون أموال النّاس بالباطل لا يخصصها فيهم ، روى مسلم عن زيد بن وهب قال مررت بالربذة فإذا بأبي ذر ، فقلت ما أنزلك بهذا المنزل ؟ قال كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ) فقال معاوية نزلت في أهل الكتاب ، فقلت نزلت فينا وفيهم.
فكان بيني وبينه في ذلك كلام ، فكتب إلى عثمان يشكوني ، فكتب إليّ عثمان أن أقدم إلى المدينة ، فقدمتها ، فكثر علي النّاس حتى كأنهم لم يروني من قبل ذلك ، فذكرت ذلك لعثمان ، فقال إن شئت تنحيت قريبا ، فذلك الذي أنزلني هذا المنزل ، ولو أمّر عليّ عبد حبشي لسمعت وأطعت ، يريد رضي اللّه عنه إفهامهم بأن عثمان رضي اللّه عنه نفاه إلى ذلك المكان وأن طاعته واجبة عليه.
ومعنى الكنز ما روي عن ابن عمر قال أعرابي أخبرني عن قول اللّه تعالى عز وجل (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ إلخ) قال ابن عمر من كنزها فلم يؤدّ زكاتها ويل له ، وهذا كان قبل أن تنزل آية الزكاة ، فلما نزلت جعلها اللّه طهرا للأموال أخرجه البخاري.
وفي رواية مالك عن عبد اللّه بن دينار قال سمعت عبد اللّه بن عمر قال كلّ مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا.
وهذا هو الحكم الشّرعي في ذلك ، وإن مانع الزكاة يدخل في هذا الوعيد.(6/429)
ج 6 ، ص : 430
مطلب في ذم مانعي الزكاة وعقابهم ، ومعنى الكنز ، وسبب نفي أبي ذر ، والأشهر الحرم ، واختلاف السّنين ، وعدد أيامها :
أخرج مسلم عن أبي هريرة قال قال صلّى اللّه عليه وسلم ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلّا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فتكوى بها جبينه وجنبه وظهره ، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يقضي اللّه بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنّة وإما إلى النّار.
قيل يا رسول اللّه فالإبل ؟ قال ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها ، ومن حقها حلبها يوم وردها إلّا إذا كان يوم القيمة يبطح لها بقاع قرقر (المستوي من الأرض الواسعة الملساء) أوفر مما كانت لا يفقد منها فصيلا واحدا فتطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنّة وإما إلى النار ، قيل يا رسول اللّه والبقر والغنم ؟ قال ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا ليس فيها عقصاء (ملتوية القرنين) ولا حلجاء (لا قرون لها) ولا عضباء (مكسورة القرنين) تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مرّ عليه أولاها رد عليه أخراها ، في يوم كان مقدارة خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد ، فيرى سبيله إما إلى الجنّة وإما إلى النّار.
وروى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من آتاه اللّه مالا فلم يؤدّ زكاته مثل له ماله شجاع أقرع (حيّة مسنّة) له زبيبتان (شعرتان) في شدقيه يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهمزتيه (العظمان النّاتئان من لحييه) يعني شدقيه ، ثم يقول أنا مالك أنا كنزك ، ثم تلا قوله تعالى (ولا تحسبن الّذين يبخلون) الآية 180 من آل عمران المارة.
وفي موطأ مالك من كان عنده مال لم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطلبه حتى يمكنه يقول له أنا كنزك.
وروى البخاري ومسلم عن أبي ذر قال انتهيت إلى النّبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة ، فلما رآني قال هم الأخسرون ورب الكعبة ، قال فجئت حتى جلست فلم أتقار حتى قمت فقلت يا رسول اللّه فداك أبي وأمي من هم قال(6/430)
ج 6 ، ص : 431
هم الأكثرون أموالا إلّا من قال هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم ، ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلّا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما نفدت أخراها عادت أولاها حتى يقضى بين النّاس.
ورويا عن الأحنف بن قيس قال قدمت المدينة فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل خشن الثياب خشن الجسد خشن الوجه فقام عليه فقال بشّر الكافرين برحف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفيه ، ويوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثديه ، يتزلزل قال فرفع القوم رؤوسهم فما رأيت أحدا منهم رجع إليه شيئا ، قال فأدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية فقلت ما رأيت هؤلاء إلّا كرهوا ما قلت لهم ، فقال إن هؤلاء لا يعقلون شيئا ، قلت من هذا قالوا أبو ذر ، قال فقمت إليه فقلت ما شيء سمعتك تقول من قبل ؟ فقال ما قلت إلا شيئا سمعته من رسول اللّه نبيهم صلّى اللّه عليه وسلم.
والرّضف هو الحجارة المحماة ، والغض بالضم والفتح غرضوف الكتف ، والغرضوف كلّ عظم رخص يؤكل كمارن الأنف ورؤوس الأضلاع ورهابة الصّدور وداخل قوف الأذن ونغض الكتف (والقوف هو أعلى الأذن أو مستدار سمعها) وجاء في حديث عمر رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال له ألا أخبرك بخير ما يكنز المرأة الصّالحة التي إذا نظر إليها سرّته ، وإذا أمرها أطاعته ، وإذا غاب عنها حفظته.
أخرجه أبو داود.
وجاء عن ثوبان أن بعض الأصحاب سأل حضرة الرّسول عن خير المال قال أفضله لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة صالحة تعين المؤمن على إيمانه - أخرجه الترمذي - قال تعالى «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ» قدرها على ما هي عليه الآن «يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» فجعلها لكل سنة وأيّام السّنة ثلاثمائة وخمسون يوما وربع يوم
تقريبا بحسب الهلال ، فتنقص السّنة الهلالية عن الشّمسية عشرة أيّام وثلث اليوم تقريبا ، ويسبب هذا النّقص تدور السنة الهلالية ، فيقع الحج والصّوم تارة في الصّيف ، وطورا في الخريف ، ومرة في الشّتاء ، وأخرى في الرّبيع بحيث يدوران في كلّ يوم من أيّام السّنة ويعودان(6/431)
ج 6 ، ص : 432
للمركز الذي كانا فيه في كلّ ثلاث وثلاثين سنة وثلث السّنة مرة ، وقدمنا ما يتعلق في هذا البحث في الآية 16 من سورة الحجر في ج 2 والآية 13 من الإسراء في ج 1 بصورة مفصلة فراجعها «مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ» واحد فرد وهو رجب وثلاثة مرة وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، وهي محترمة في الجاهلية والإسلام زادها اللّه حرمة وتعظيما وجعل الحسنات فيها مضاعفة وكذلك السّيئات لما فيها من انتهاك حرمتها ، راجع الآية الخامسة المارة ، من حرمتها أنه إذا وجد الرّجل قاتل ابنه أو سالب أو هانك عرضه لا يتعرض له ، ولهذا فإن الّذين بينهم شىء من ذلك لا ينقطعون عن مكة فيها فيجلبون لهم الطّعام والألبسة ويبيعونهم إياها ، لأن أهالي مكة دائما محتاجون للقوت واللّباس من أهل البلاد الآخرين ، ولعل هذا أحد أسباب التحريم رحمة بأهالي مكة لئلا ينقطع عنهم الجلب ولو من أعدائهم «ذلِكَ» جعل الشّهور اثني عشر أحدا للسنّة وتخصيص أربعة منها بالحرمة «هو الدِّينُ الْقَيِّمُ» الذي سنة اللّه لعباده وأراد بقاءه ودوامه على مر السّنين بلا تغيير ولا تبديل ولا تحويل ، وان تعظيم الحرم فيها من مقتضيات الدّين الذي تعبدنا اللّه به.
الحكم الشّرعي : وجوب التقيد بمراسم الحج والصّوم والأخذ بهذا الحساب من أجلها واتخاذ الأعياد التي سنت فيها وإجراء المعاملات على حسبها لما فيها من قوام الأمر بين اللّه والنّاس ، وان التغيير والتبديل والتحويل يسبب الظّلم للنفس وللغير ، ومن المهلكات في الدّنيا والآخرة ، ولهذا قال اللّه تعالى «فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ» أيها النّاس فتقدموا بعض الأشهر على بعض أو تضعوا شهرا مكان الآخر كما فعله من قبلكم حال جاهليتهم «وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً» فتعاونوا وتناصروا على قتلهم ولا تفرقوا وتخاذلوا فتفشلوا وتجبنوا ، بل كونوا يدا واحدة على قلب واحد متكاتفين متعاونين على قتال أعدائكم ، فإذا كنتم كذلك فإن اللّه تعالى يبشركم بالفوز ويضمن لكم النّصر والظّفر إذا اتقيتموه بقوله عز قوله «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» (36) مناهية المتبعين أوامره ومن يكن اللّه معه ينصره ويخذل عدوه في الأشهر الحرم وغيرها ، لأن الكفرة إذا قاتلوا المؤمنين فيها جاز لهم قتالهم فيها كما هي الحال في الحرم(6/432)
ج 6 ، ص : 433
أيضا ، راجع الآيتين 191 ، 217 من سورة البقرة المارة.
قال تعالى «إِنَّمَا النَّسِي ءُ» التأخير من شهر محرم إلى غير محرم الذي كان يفعله الجاهلية «زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ» لا يجوز لأحد أن يفعله أبدا ، إذ لا مبرر له ، وأما ما كان من زعم الجاهلية وفعلهم التأخير فإنه كان حال كفرهم وتجردهم من الدّين وعدم معرفتهم الحلال من الحرام ، فكان عملهم يزيد في كفرهم وقد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم اختلاقا ، وذلك أنهم كانوا إذا حاربوا واستداموا في الحرب حتى جاءهم شهر حرام ولم ينتهوا من حربهم بعد يحلونه ويحاربون فيه ويحرمون شهرا بدله تبعا لهواهم ، ولذلك ذم اللّه صنيعهم هذا وجعله من الإضلال بعد الضّلال ، فقال عز قوله «يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا» من قبل كبارهم فيحملون على ذلك بعضهم فيوافقوهم على ضلالهم ، وكان عليهم إذا حل الشّهر الحرام أن يتركوا الحرب ويتعاهدوا أمورهم ويتفاوضوا بينهم ويتداولوا بما يفضي إلى الصّلح حقنا للدماء ، لأن اللّه تعالى لم يحرم القتال في هذه الأشهر عبثا ولا لعبا ، وإنما لغايات سامية تكون في منفعة النّاس ، وقد نشأ هذا الضّلال لأنهم «يُحِلُّونَهُ» أي ذلك الشّهر الحرام «عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً» آخر إذا لم يصادف حربا ، ثم يبدلون الأشهر ويحورونها «لِيُواطِؤُا» يوافقوا ويماثلوا «عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ» من إبقائها على حالها أربعة بمواقعها «فَيُحِلُّوا» بفعلهم هذا «ما حَرَّمَ اللَّهُ» من الأشهر ويحرموا بدلها مما أحله اللّه بحسب ما تسول لهم أنفسهم ، وهؤلاء قوم «زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ» فظنوها حسنة وهي في غاية من القبح ونهاية من الخبث وزيادة في الكفر «وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» (37) إلى الصّواب بل يضلهم ويعميهم عنه لركونهم للاعوجاج وميلهم له اختيارا ورضى به ورغبة فيه عن
طيب نفس ، ونائب فاعل زين هو الشّيطان الذي يلقي في قلوبهم النّجسة أمثال هذه المخالفات فيعملونها.
واعلم أنه لا يجوز إنقاص أشهر السّنة عن هذا العدد ، ولا إنقاص الأشهر الحرم منها أو تبديلها لورود النّص القاطع فيه ، لأن نقصها وزيادتها مخالف لأمر اللّه تعالى ، أما ما تعمله اليهود من نقص عدد أشهر بعض السّنين وزيادتها في بعضها فهو من جملة مخالفاتهم لأوامر أنبيائهم وكتابهم وتحريفهم ما جاء عن اللّه تعالى(6/433)
ج 6 ، ص : 434
فيكفيهم ما ذمهم اللّه به في القرآن العظيم في آيات عديدة وليس بعد ذم اللّه ذم ، فمن تسول له نفسه الاقتداء بفعلهم هذا فليشاركهم بغضب اللّه عليهم في الدّنيا وعذابهم في الآخرة وبهما كفاية له ولأمثاله.
روى البخاري ومسلم عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه قال : إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق السّموات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا ، منها أربعة حرم ، ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، ورجب مفرد الذي بين جمادى وشعبان.
أي حافظوا عليها ولا تبدلوا أو تؤخروا أو تحوروا فتخالفوا أمر اللّه فتسترجبوا غضبه.
واعلم أن أول من سنّ التأخير في الأشهر الحرم نعيم بن ثعلبة وتبعه فيه قومه ومنهم جنادة بن عوف الذي أدرك رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وآخر ملوكهم القلمس وهو الذي أخر المحرم عن وقته من أجل السّبب المتقدم ذكره وفيه يقول الكميت :
ونحن النّاسئون على معدّ شهور حلّ نجعلها حراما
وهذا من باب الافتخار الجاهلي لأنهم كانوا لا يبالون بأن يفتخروا بالقتل والسّبي والتحريم والتحليل ، كما يفتخرون بالكرم والشّجاعة والفصاحة ، لأنهم لا يتقيدون بدين يمنعهم عن ذلك ، ولا عادة يذمون بها ، لذلك فإن افتخارهم بما هو مباح كافتخارهم بما هو محرم على حد سواء ، وكلّ منهما عندهم مما يفتخر به.
مطلب فى المجاهدين وما ذكره اللّه من هجرة رسوله والحث على الجهاد وغزوة تبوك وما وقع فيها :
قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ» تباطئتم عن تلبية الأمر حالا ولم تسرعوا للاجابة وملتم إلى الإخلاد «إِلَى الْأَرْضِ» والمكث فيها وكراهية الذهاب للجهاد في سبيل اللّه «أَ رَضِيتُمْ» أيها المؤمنون الأعزاء الكرام «بِالْحَياةِ الدُّنْيا» الدنيئة واغتررتم بزخارفها المموّهة الفانية وآثرتموها «مِنَ الْآخِرَةِ» الباقية ذات النّعيم الدّائم ، فتبّا وخسرا لمن آثر ما يفنى على ما يبقى ، وآثر القعود على الجهاد «فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي» جنب الحياة «الْآخِرَةِ» مستمرة الرّاحة عظيمة الاستراحة «إِلَّا قَلِيلٌ» (38) جدا ، أخرج مسلم عن المسور قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم(6/434)
ج 6 ، ص : 435
واللّه ما الدّنيا من الآخرة إلّا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم ثم يرفعها فلينظر بم يرجع.
أي لا يرجع بشيء أصلا.
وهذه الآية تشير إلى وجوب الجهاد في كل وقت وحال لأنها تنصّ على أن التشاغل عنه منكر ، ولذلك عابهم اللّه عليه.
ثم ذكر ما يترتب على عدم إجابتهم والمسارعة للجهاد فقال «إِلَّا» إن لم «تَنْفِرُوا» إلى ما استنصركم إليه رسولكم وتخرجوا حالا إلى جهاد عدوكم الذي يوجهكم اليه وتتقاعسوا عن تلبية أمره لقتال أعداء اللّه أعدائكم الحريصين على استئصالكم «يُعَذِّبْكُمْ» ربكم الذي أمر نبيكم بذلك إرادة عزكم وإكرامكم «عَذاباً أَلِيماً» في الدّنيا بالذل والهوان والخزي والعار ، وفي الآخرة بالعذاب الأليم وإحراقكم بنار الجحيم ، ويوشك أن يدمركم حال مخالفته «وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ» يلبون دعوته ويسرعون لما أمرهم به دون توان رهبة من اللّه ورسوله ورغبة في إعلاء كلمته وإهلاك أعدائه وانتشار دعوته وإعزاز المسلمين وإذلال الكافرين.
ونظير هذه الآية في المعنى الآية الأخيرة من سورة محمد عليه الصلاة والسّلام والآية الثالثة من سورة الجمعة المارتين «وَلا تَضُرُّوهُ» أيها المخالفون أمره «شَيْئاً» أبدا بعدم تلبيتكم أمره كما أنه لا يضرّه شيء إذا أبادكم وأتى بغيركم بل يعود الضّرر كله عليكم «وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (39) لا يعجزه شيء لأن إهلاككم وإحداث قوم غيركم يكون بكلمة كن ليس إلا.
ثم أكد تعالى استغناء رسوله عنهم إذا شاء بقوله «إِلَّا تَنْصُرُوهُ» حين يستنصركم لما به صلاحكم ونجاحكم «فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ» من قبل وأغناه عنكم في حادثة بدر والأحزاب وغيرهما ، وهو قادر الآن أيضا على نصره «إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا» حين عزموا على قتله أو إخراجه من مكة أو حبسه فأذن اللّه له بالخروج من بينهم وأعمى أبصار أعدائه عن أن يروه حين خروجه وهم على بابه بانتصاره مصلتين سيوفهم لقتله حين خروجه ، وحتى عليهم التراب ولم يروه وأعمى الّذين لحقوه من أن يدركوه وأعجزهم من أن يمسكوه حينما كان «ثانِيَ اثْنَيْنِ» هو وصاحبه أبو بكر فقط لا ثالث لهما إلّا اللّه ، وقد حفظه ورعاه «إِذْ هُما فِي الْغارِ» الواقع في الجبل الكائن عن يمين مكة على مسيرة ثلاث فراسخ وكان(6/435)
ج 6 ، ص : 436
يسمع قوله «إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ» أبي بكر رضي اللّه عنه الذي من أنكر صحبته فقد كفر لجحده ما نص اللّه عليه في كتابه.
روى البخاري ومسلم عن أبي بكر قال نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على روسنا ، فقلت يا رسول اللّه لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه ، فقال يا أبا بكر ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما ؟ وقد بقينا فيه ثلاثا بحمى اللّه فقط وخفارة ملائكة الكرام.
ولما ضاق ذرع أبي بكر أنزل اللّه على رسوله قوله جل قوله يا محمد قل لصاحبك «لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا» ومن كان اللّه معه لا يخاف ولا يحزن ولا ينبغي له أن يضيق صدره مما يقدره عليه «فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ» أمنه وطمأنينته «عَلَيْهِ» وعلى صاحبه «وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها» وهم الملائكة الّذين تولوا حفظهما وصرفوا وجوه الكفار عنهما في الغار ، فلم يروهما مع وقوفهم عليهما ، لما رأوا من أعشاش الحمام ونسج العنكبوت وكأنها قديمة مما أيقنهم أنه لم يكن في الغار أحد ، ولم يدخل إليه من عهد قديم ، وكذلك كلأه ورفيقه حينما خرجا من الغار وأعمى المشركين عنهم وفعل ما فعل بسراقة كما بيناه في قصة الهجرة المندرجة آخر الجزء الثاني ، فراجعها ، وقد أيده بهذه الجنود أيضا في حوادث بدر والأحزاب وحنين وأحد بعد الهزيمة «وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى » لأنها مدعاة إلى الكفر به «وَكَلِمَةُ اللَّهِ» بالرفع والواو فيها للحال وقرأ بعضهم كلمة بالنصب عطفا على كلمة الأولى وليست بشيء ، وقراءة الرّفع أولى وأبلغ لأن كلمة اللّه عالية ولا تزال عالية سامية ، وهي نداء للاسلام ودعاء للإيمان ولذلك فإنها «هِيَ الْعُلْيا» في الماضي والحال والاستقبال إلى الأبد إن شاء اللّه «وَاللَّهُ عَزِيزٌ» غالب قوي على أعلائها ودوامها ورفعة شأنها وشأن الإسلام على غيرهم «حَكِيمٌ» (40) بإعلاء كلمته وإعظامها وإذلال كلمة الكفر وإدنائها ، فيعلي الإيمان وأهله بعزته ، ويهين الكفر وملته بعظمته ، قال الزهري : لما دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الغار أرسل اللّه زوجا من الحمام فباضتا في أسفل النّقب ونسجت العنكبوت بيتا.
وقال صلّى اللّه عليه وسلم اللّهم أعم أبصارهم ، فجعل الطّلب يضربون يمينا وشمالا(6/436)
ج 6 ، ص : 437
حوالي الغار ويقولون لو دخلاه لتكسر البيض وتفسخ نسج العنكبوت ، وأنشد أبو بكر رضي اللّه عنه :
قال النّبي ولم يجزع يوقرني ونحن في سدف في ظلمة الغار
لا تخش شيئا فإن اللّه ثالثنا وقد تكفل لي منه بإظهار
وإنما كيد من نخشى بوادره كيد الشّياطين قد كادت لكفار
واللّه مهلكهم طرا بما صنعوا وجاعل المنتهى منهم إلى النّار
وهذا البحث قد مر في الآيتين 31 و36 من الأنفال ، وفي الآية 40 من سورة العنكبوت ج 2 فراجعها.
قال الأبوصيري :
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحم
إلخ الأبيات من البردة.
وقال في الهمزية :
أخرجوه منها وآواه غار وحمته حمامة ورقاء
إلخ الأبيات ، وقيل في هاتين القصيدتين ما مدح خير البرية بأحسن من البردة والهمزية ، وهو كذلك ، لأنهما جامعتان مانعتان ، وكلّ المداح عيال على صاحبهما رحمهم اللّه.
قال تعالى «انْفِرُوا خِفافاً» نشطين سراعا حال النّداء بلا توان «وَثِقالًا» متروين بكمال الاستعداد ركبانا ومشاة شبانا وشيوخا ، فقراء وأغنياء ، عزلا ومسلحين ، عزبانا ومتأهلين ، مشاغيل وبطّالا ، فيدخل في كلمتي خفافا وثقالا كل من لم يستثنه اللّه الآتي ذكرهم في الآيتين 93 و94 من هذه السّورة ، والمنقطعين إلى طلب العلم المشار إليهم في الآية 123 الآتية ، وكذلك الّذين هم في ثغور المسلمين ، والّذين على ذراريهم وأموالهم وادارتهم.
ولا نسخ في هذه الآية لأن عمومها مقيد بالمستثنى منها كالآية 18 من سورة الفتح المارة ، والقاعدة أن العام يحمل على الخاص ، والمطلق على المقيد دائما ، ولهذا فإن هذه الآية محكمة «وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ» وهذا الأمر للوجوب بهما أو بأحدهما ، فمن لم يقدر عليهما معا لأجل إعلاء كلمة اللّه ونصرة دينه وإعزاز لأمته أن يجاهد فيهما «فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فليكن بأحدهما «ذلِكُمْ» الجهاد بالمال والنّفس «خَيْرٌ لَكُمْ» مع القدرة عليهما عند اللّه في الآخرة وعند النّاس في الدّنيا ، (6/437)
ج 6 ، ص : 438
لما يترتب عليه من المصالح ، لأن التخلف عنه والقعود مذمّة لكم عندهما ، فضلا عن أنه يغضب رسول اللّه وأصحابه والمسلمين أجمع «إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (41) ما ترمي إليه هذه الدّعوة من النتائج الحسنة والخيرات الكثيرة والمبرات النّافعة ، ومذمّة ما ينشأ عن التخلف من العاقبة السّيئة والمضرات العامة والذل والهوان نزلت هذه الآيات في غزوة تبوك ، وذلك أن حضرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم بعد أن فتح مكة وغزا هوازن وحنين وأوطاس وحاصر ثقيفا بالطائف وفتحها وأتى الجعرانة احرم بالعمرة ، ثم رجع إلى المدينة أمر بغزو الرّوم ، وكان ذلك في شدة الحر وزمن عسرة وقلة وحاجة ، وكانت عادته صلّى اللّه عليه وسلم إذا أراد غزوة ورىّ بغيرها إلا في غزوة تبوك ، فإنه جلّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا لعدوهم أهبة كاملة بكل ما يستطيعون من العدة والذهاب لاستقبالهم سفرا بعيدا ومفاوز وعدوا كبيرا كثيرا ذا عدد وعدد ، وكان ذلك في شهر رجب سنة تسع من الهجرة ، وهؤلاء الرّوم هم بنو الأصفر ، وإنما سمّوا روما لأن العيص بن إسحق تزوج بنت إسماعيل عليه السلام فولدت له ولدا به صفرة فنسبوا إليه وسمي روما ، وتسمى هذه الغزوة غزوة العسرة ، لأنها كانت في سنة مجدبة ، وسببها أنه قد بلغ حضرة الرّسول تجمع الرّوم في تبوك لغزو المسلمين ، فجمع جموعه وقد أتى له عثمان رضي اللّه عنه بعشرة آلاف دينار ، فجعل يقلبها بيده ويقول ما على عثمان ما فعل بعد اليوم ، ثم أعان عثمان حضرة الرّسول أيضا بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وخمسين فرسا ، وجاءه أبو بكر رضي اللّه عنه بأربعة آلاف درهم ، وعمر رضي اللّه عنه بنصف ماله ، وعبد الرّحمن بن عوف بمئتي أوقية ، والعباس وطلحة بمال كثير ، وعاصم بن عدي بتسعين وسقا من تمر ، والنّساء بكل ما قدرن عليه من حليهنّ ، وبعد أن جهز جيشه المبارك بما قدر عليه سار على بركة اللّه بثلاثين ألفا ، وقد رأوا في
غزوتهم هذه شدة وضنكا ، حتى إنهم لينحرون الإبل بغية الشّرب من كروشها مما وقر فيها من الماء ، وقد استخلف على المدينة محمد بن سلمة ، وخلف عليا على أهله ، فقال له أتخلّفني على الصّبيان والنّساء ؟ فقال له ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هرون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي.(6/438)
ج 6 ، ص : 439
مطلب مثالب المنافقين ومصارف الصّدقات وسبب وجوبها وتحريم السّؤال :
وللعلم بما في هذه الغزوة من بعد الشّقة وكونها زمن الحر والجدب وعسرة النّاس وضيقهم ، ولعلمهم أن عدوهم فيها عدو قوي ، كان من المسلمين من تثاقل منها وأحب التخلف عنها ، أنزل اللّه تعالى في عتاب المخلفين وتوبيخهم على ما وقر في قلوبهم ، فقال عز قوله «لَوْ كانَ» ما استنفرتم إليه «عَرَضاً» مغنما «قَرِيباً» محله سهلا تناوله «وَسَفَراً قاصِداً» وسطا لا مشقة فيه «لَاتَّبَعُوكَ» يا حبيبي طمعا في المنافع الدّنيوية دون تروّ أو تردد ولعاتبوك على عدم استصحابهم معك ، كما مرّ في الآية 15 من سورة الفتح المارة «وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ» في هذه الغزوة واستطالوا مسافتها وطريقها الشّاق ، وتخوفوا من الحر وقلة الزاد والماء ، لذلك لم يلبوا دعوتك ولم يرغبوا بها فتخلف من تخلف منهم ، وصاروا ينتحلون الأعذار لتغض عنهم وتأذن لهم بالتخلف «وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ» لك هؤلاء المتخلفون المنافقون بأعذار كاذبة ، بينها اللّه بقوله عز قوله «لَوِ اسْتَطَعْنا» الخروج معك يا رسول اللّه إلى تبوك «لَخَرَجْنا مَعَكُمْ» ولم يعلم هؤلاء أنهم بهذه الأيمان الواهية والأعذار المنتحلة «يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ» لأنهم يقترفون جرما علاوة على جرمهم بالتخلف ، لأن اللّه تعالى يعلم أنهم مستطيعون على الخروج وأن ما يختلفونه من الأعذار لا صحة لها ، ولم يمنعهم مانع إلّا بعد محل هذه الغزوة وتوقع مشاقها «وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» (42) في حلفهم وعذرهم ، لأن هذا مدون أيضا في اللّوح قبل أن يبدوه لك يا سيد الرّسل ، وقد أظهره اللّه الآن لكم ليفتضحوا وليعلموا أن اللّه تعالى بالمرصاد لهم ولغيرهم ، لا يعزب عن علمه شيء وأنه يخبر رسوله ليطلع أصحابه عليه.
واعلم أن حضرة الرّسول قبل نزول هذه الآية كان أذن لهم بالتخلف بناء على ما تقدموا به إليه من الأعذار الموثقة بالأيمان ، ولهذا فإنه تعالى عاتبه على ذلك بألطف وأرق أنواع العتاب ، إذ صدره بقوله عز قوله «عَفَا اللَّهُ عَنْكَ» وزادك تبصرا في هؤلاء المنافقين الّذين يبطنون غير ما يظهرون «لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ» بالتخلف يا سيد الرّسل حتى يحتجوا به فهلا استأنيت وترويت بإذنهم «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا» باعتذارهم فتأذن(6/439)
ج 6 ، ص : 440
لهم «وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ» (43) منهم فلم تأذن لهم ، هذا ، وقد ثبت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لم يفعل شيئا طيلة حياته بغير إذن من ربه عز وجل إلّا في هذه الحادثة وواقعة أسرى بدر التي مر ذكرها في الآية 68 من سورة الأنفال ، وعفوه عن المتخلفين الآتي ذكرهم في الآية 117 الآتية ، وقد عاتبه اللّه تعالى عليهما وعن هذه أيضا هنا ، وعن العفو في الآيات 67 فما بعدها من سورة الأنفال المارة.
ولا دلالة في هاتين الحادثتين على صدور الذنب منه صلّى اللّه عليه وسلم كما زعم بعضهم ، بل هو عمل غايته أنه خلاف الأولى إذ لم يتقدم له من ربه نهي بعد أخذ الفداء والعفو عن الأسرى ، كما لم يتقدم له نهي عن إعطاء الإذن بالتخالف لهؤلاء حتى يعدّ ذنبا يكون فيه مخالفا لربه ، وحاشاه ، وحتى أن أهل العلم لم يعدوه معاتبا عليه لما جاء في هذه الآية من تصديرها بكلمة عفا اللّه عنك ، وقد أخطأ من أول عفا هنا بمعنى غفر ، إذ عدّ ما صدر منه خطأ وحاشا ساحة الرّسول من الخطأ فيما ينهاه عنه ربه ، بل معنى عفا على ظاهرها ، وهي على حدّ قوله صلّى اللّه عليه وسلم : عفا اللّه لكم عن صدقة الخيل والرّقيق ، ومن قال إن العفو لا يكون إلّا عن ذنب لم يعرف كلام العرب ، إذ لو كان هناك ذنب لذكر العفو بعده ، لأن ذكر الذنب بعد العفو لا يليق ، وقد يأتي العفو بمعنى الزيادة ، راجع الآية 271 من البقرة المارة ، لأن قوله عفا اللّه عنك يدل على المبالغة في التعظيم والتوقير ولا يدل على سابقة ذنب ، فهو كما تقول لمن توقره عفا اللّه عنك ما عملت في أمري ، رضي اللّه عنك بماذا تجاربني عافاك اللّه ، أما تنظر إلي زادك اللّه خيرا ، أما تعطني غفر اللّه لك ، أما تدعو لي ، وما أشبه ذلك من كلّ ما يستفتح به الكلام ، كأصلحك اللّه ، وأعزك ، وأدام بقاءك ، وأطال عمرك ، قال علي ابن الجهم حينما خاطب المتوكل وقد أمر بنفيه :
عفا اللّه عنك ألا حرمة تعود بعفوك إن أبعدا
ألم تر عبدا عدا طوره ومولى عفا ورشيدا هدى
أقلني أقالك من لم يزل يقيك ويصرف عنك الرّدى
وأمثال هذا كثير.
قال تعالى «لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ(6/440)
ج 6 ، ص : 441
الْآخِرِ»
إيمانا خالصا معتذرين من «أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ» لأنهم يتقون سوء العاقبة «وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ» (44) أمثالهم الّذين يخافون غضب اللّه ورسوله وتنقيد المؤمنين «إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ» ليتخلف عن الجهاد معك ويقعد مع النّساء والمرضى «الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» إيمانا حقيقيا «وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ» فشكوا في دينهم ونصرة نبيهم من قبل اللّه «فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ» (45) يتحيرون لأن إيمانهم صوري يظهرونه لكم خشية الوقوع بهم قتلا وأسرا ويبطنون الكفر ، فهم أسوا حالا من الكفار «وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ» معكم إلى الغزو عن صدق «لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً» تهيأوا له وهيأوا أدوات السّفر وآلات الجهاد مبدئيا «وَلكِنْ» لم يريدوه ولهذا «كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ» معكم لكراهتهم الخروج «فَثَبَّطَهُمْ» وقفهم وأخرهم عنه لزهدهم في ثوابه وكسلهم عنه لضعف رغبتهم فرغب اللّه عنهم ومنعهم عنه لا لقصدهم ذلك ، بل لما كان في علمه من وقوع المفسدة منهم في الغزو وإيقاع الرّعب في قلوب غيرهم لما هم عليه من الجبن «وَقِيلَ» لهم من قبل الرّسول حينما طلبوا التخلف عنه «اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ» (46) النساء والصّبيان والمعذورين وإنما أمرهم بالقعود على سبيل الغضب عليهم ، إذ ليس لهم طلب التخلف والإعراض عن الغزو ساعة الحاجة ، إلا أنه وافق ما في علم اللّه ، لأن عدم خروجهم أحسن لقوله تعالى «لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا» اضطرابا يؤثر في عقولكم بتهويلهم إلى النّاس مشقة السّفر وقوة العدو وجدب الزمن وحاجة المسلمين إلى عدد أكثر وعدد أقوى تضاهي ما عند الرّوم ، فضلا عن قلة الزاد والرّاحلة للنقل والحمل وإظهار التضجر لعدم كفايتها بما يسبب للبعض الجبن والخوف ، والتكلم بطرق الفساد والإفساد بما يؤدي الى
الغلب والفشل ، والمستثنى منه غير مذكور ، وعليه فيكون الاستثناء متصلا من الشّيء المتصور ، والخبال بعضه الذي يصدق على الشر والمكر والبغي والغدر ، أي ما زادوكم شيئا إلّا خبالا بإيقاع الفتنة بينكم وبث النّميمة الموجبة لها ، ولهذا فإن القول بكون الاستثناء منقطعا ضعيف ، إذ يشترط فيه أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه ، وعليه يجب أن يكون(6/441)
ج 6 ، ص : 442
المعنى ما زادوكم خيرا إلّا خبالا ، تدبر «وَلَأَوْضَعُوا» أوقعوا «خِلالَكُمْ» بينكم الأحاديث الكاذبة لإفساد ذات بينكم «يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ» بإيقاع الخلاف بينكم وتحريض بعضكم على بعض ويكرهوكم لهذه الغزوة ، إذ يقول بعضهم لبعض لا طاقة لكم بالروم ، فإنهم سيظهرون عليكم إذا غزوتموهم «وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ» أي منكم عيون وجواسيس لهم يوصلون أخباركم إليهم ، لأنهم ميالون لطاعتهم وقبول شبهاتهم وتصديق تسويلاتهم لقلة يقينهم وضعف دينهم ، أو أنهم يتلقون أقوالهم بالقبول ، لأنهم مغفّلون بلّه لا يميزون بين العدو والصّديق ، فيظلمون أنفسهم وغيرهم «وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ» (47) الّذين يفعلون ذلك ويخدعون غيرهم فيجازيهم على إغرارهم وإفسادهم في الدّنيا والآخرة ، وهؤلاء وأمثالهم قبل هذه الغزوة «لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ» بأصحابك يا سيد الرّسل وأرادوا صدهم عن دينك وردهم إلى الكفر وتخذيل النّاس عنك وعن أصحابك «مِنْ قَبْلُ» طلبهم التخلف عنك الآن ، وانتحالهم الأعذار الكاذبة كما فعل عبد اللّه بن سلول يوم أحد ، إذ انخذل هو وأصحابه عنك ، ورجعوا من الطّريق بقصد تخذيل أصحابك وإرادتهم الفتك بك ليلة العقبة حينما أرادوا أن يلقوا الحجر عليك ليقتلوك وغير ذلك مما ألمعنا إليه في الآية 67 من سورة المائدة المارة «وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ» ظهر البطن بقصد إبطال حقك الذي جئتهم به وأجالوا آراءهم فيها ، ودبروا الحيل ، وصوّروا المكايد ، لتشتيت أمرك وإقصاء النّاس عنك ، وأداموا على أفعالهم القبيحة معك ، ولم ينفكوا عنها «حَتَّى جاءَ الْحَقُّ» بنصرك عليهم وظفرك بهم ، فأبطل اللّه مكايدهم ومحق تدبيرهم ، فاضمحلّ أمرهم «وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ» بتأييدك «وَهُمْ كارِهُونَ» (48) له رغم أنوفهم «وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي» بالتخلف عن هذه الغزوة «وَلا تَفْتِنِّي» فتوقعني بالإثم إن
تخلفت دون إذنك ، فأفتتن ، وذلك لما تجهز صلّى اللّه عليه وسلم إلى هذه الغزوة ، قال للجد بن قيس المنافق يا أبا وهب هل لك في جلاد بني الأصفر تتخذ منهم سراري ووصفاء ؟
فقال لقد عرف قومي أني مغرم بالنساء ، فأخشى إذا رأيت بناتهم أن لا أصبر عنهن فائذن لي بالقعود ولا تفتني بهن ، وأعينك بمالي ، فأعرض عنه صلّى اللّه عليه وسلم ، وقال(6/442)
ج 6 ، ص : 443
أذنت ، فأنزل اللّه تعالى «أَلا» إن المستأذنين لهذه الحجة الواهية «فِي الْفِتْنَةِ» العظيمة المحققة وهي مخالفتك يا محمد والتخلف عنك «سَقَطُوا» وقعوا فيها لعدم تلبية أمرك فيما لا يظنون ولا يتصورون من مهاوي الكفر «وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ» (49) أمثال هؤلاء يوم القيامة يوم يظهر لهم ما كانوا يبطنون ويحيق بهم جزاؤه ، ثم طفق يعدد بعض مساوئ المنافقين عدا ما بينه في الآية 9 فما بعدها المارات وغير ما بينه عن مثالبهم في الآية السّادسة فما بعدها من سورة البقرة المارة وفي غيرها ، بما فضحهم اللّه وأظهر دخائلهم ، وزاد فضحهم في هذه السّورة ، إذ بين فيها أجل مثالبهم ، فقال جل قوله «إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ» نصرتك وظفرتك بعدوك واغتنامك منه «وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ» من خذلان وانكسار وهزيمة «يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا» الذي توسمنا به وهو اختيارنا القعود «مِنْ قَبْلُ» أن نصاب بما أصيبوا لو خرجنا معهم لهذه الغزوة «وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ» (50) بذلك
فيا أكمل الرّسل «قُلْ» لهؤلاء المنافقين الّذين راق لهم التخلف عنك «لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا» من خير أو غيره سواء قعدنا أو خرجنا ، فلا مانع لقضاء ربنا ولا راد لقدره «هُوَ مَوْلانا» حافظنا وناصرنا ومتولي أمورنا أحسن من أنفسنا ، وهو أولى بها منا وإليه وكلنا أمرنا «وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» (51) في أمورهم كلها لا على غيره لما في التوكل على غيره من الخببة والهلاك «قُلْ» يا أيها المنافقون «هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ» النصر والغنيمة أو الشّهادة والمغفرة ، فلا تنتظروا أن يصيبنا غيرهما ، روي عن أبي هريرة أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : تكفل اللّه أو تضمن اللّه لمن خرج في سبيل اللّه لا يخرجه إلّا جهادا في سبيلي وإيمانا بي وتصديقا برسلي ، فهو علي ضامن أني أدخله الجنّة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة ، أخرجاه في الصّحيحين «وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ» إحدى السّوأتين «أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ» فيهلككم ويكفينا مؤنة قتالكم «أَوْ بِأَيْدِينا» فيسلطنا عليكم ونظفر بكم فنقتلكم ونفعل ما يريده اللّه بكم «فَتَرَبَّصُوا» بنا إحدى تلك الحسنيين(6/443)
ج 6 ، ص : 444
«إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ» (52) بكم إحدى تلك السّوأتين ، فابقوا على غيظكم إن اللّه ناصرنا عليكم «قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً» من تلقاء أنفسكم مختارين «أَوْ كَرْهاً» رغم أنوفكم بإلزام اللّه تعالى إياكم الإنفاق مقسورين ، وهذا ردّ على المنافق جد بن قيس المار ذكره «لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ» لكونه ليس عن طيب قلب ولم يرد به وجه اللّه.
وتعم هذه الآية كلّ من لم يطلب وجه اللّه بصدقته ولم تكن عن طيب نفس.
ثم بين اللّه تعالى سبب عدم قبول نفقتهم بقوله عز قوله «إِنَّكُمْ كُنْتُمْ» ولا تزالون إلى نزول هذه الآية «قَوْماً فاسِقِينَ» (53) خارجين عن الطّاعة ، والخارج عن طاعة اللّه لا يقبل منه صرفا ولا عدلا ، قالوا وبأثناء الطّريق ضلت ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال بعض المنافقين يزعم أنه نبي ولا يدري أين ناقته ، فأطلع اللّه نبيه على قوله فقال عليه الصّلاة والسّلام اني واللّه لا أعلم الغيب ولا أعلم الا ما علمني ربي ، وقد دلني عليها وهي الآن في الوادي في شعب كذا وكذا ، وقد حبستها شجرة بزمامها ، فذهبوا فوجدوها كما ذكر صلّى اللّه عليه وسلم ، وأتوا بها وهذا من معجزاته صلّى اللّه عليه وسلم كغيرها لأنها في الاطلاع على الغيب والإخبار به ، قال تعالى «وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ» لجحودهم طاعتهما فكان جحودهما لذلك كفرا ، والكفر مانع من قبول الصّدقات ، لأنها لا تكون خالصة للّه تعالى لأن الصّدقة من نوع العبادة ، ولا تقبل العبادة إلّا إذا كانت خالصة للّه ، راجع الآية الأخيرة من سورة الكهف ج 2.
وهؤلاء المنافقون لا يخلصون صدقاتهم للّه «وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى » لأنهم لا يرجون ثوابها ولا يخافون عقاب اللّه على تركها «وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ» (54) لأنهم يعتقدون الصدقة غرامة ومنعها مغنما ، ولذلك ذمهم اللّه تعالى بقوله عز قوله «فَلا تُعْجِبْكَ» يا حبيبي «أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ» التي استدرجناهم بها ليبطروا فإنها من متاع الدّنيا الفاني ، وما كان كذلك فلا يستحق ان يتعجب منه ، وما أعطاهم اللّه تعالى إياه لتكون نعمة يستقيدون ثوابها ، بل نقمة «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» لما فيها من المشاق في تحصيلها وحفظها والغم بما يقع(6/444)
ج 6 ، ص : 445
عليها من المصائب والهمّ بمعيشتها وجمعها وعدم الثواب بما يقع عليها من المحن لصاحبها ، لأنه لا يعتقد بوجود الآخرة ولا أنه مخلوق لها ، بخلاف المؤمن فإنه يعتقد ذلك ، فيثاب على ما يصيبه فيها ، وأولئك يحرمون منها «وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ» متحسرين على ما فاتهم منها وما خلفوه فيها ، وما جمعوه لها بكدّ يمينهم وعرق جبينهم وتركوه لغيرهم ولم يتمتعوا به فماتوا «وَهُمْ كافِرُونَ» (55) باللّه والكافر لا ينتفع بما يورثه ولا بما يوصي به ، لأن عاقبته النّار ، فلهذا تكون نعمهم في الدّنيا نقما عليهم في الآخرة ، ومن مثالبهم وكذبهم طفقوا يتقولون على أثر مصاب أهل الكتاب والكافرين مما أوقع فيهم المسلمون «وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ» وانهم آمنوا بربكم وكتابكم ورسولكم أيها المؤمنون يضرهم شركم ويسرهم خيركم «وَما هُمْ» في الحقيقة «مِنْكُمْ» وأن حلفهم كذب
ولا زالوا كما كانوا يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان صورة تقية ليغرّوكم ، فلا تقبلوا منهم ولا تصدقوهم في شيء من ذلك ، وإن حلفوا «وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ» (56) يخافون منكم أن تطلعوا على نفاقهم ، فتفعلوا بهم فعلكم بالكفرة أو بأهل الكتاب ، ولهذا يبادرونكم بالإيمان ويحلفون على ذلك لتصدقوهم كي يأمنوا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم.
ثم بين تعالى بيانه ما يحوك في صدورهم بقوله «لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً» يلجأون إليه «أَوْ مَغاراتٍ» يختفون بها عنكم «أَوْ مُدَّخَلًا» نفقا وسربا في الأرض يندسون فيه ، أو شيئا آخر يتحصنون به منكم أو يتغيبون عن وجوهكم «لَوَلَّوْا إِلَيْهِ» سراعا وتحرزوا به وتركوكم «وَهُمْ يَجْمَحُونَ» (57) يقفزون هربا للتخلص من رؤيتكم لا يردهم شيء كالفرس الجموح العزوم لشدة بغضهم إيّاكم ، ولكنهم لم يجدوا شيئا من ذلك ، فاضطروا إلى البقاء معكم ، وشرعوا يختلفون الطّرق التي تقنعكم بأنهم صاروا مثلكم في الإيمان ، ويؤكدوه لكم ذلك بما يرضيكم من صنوف التملق والتودد لكم بأيمانهم الكاذبة وتقاتهم تقية لكم ومنكم ، وفي الحقيقة هم أشد النّاس كراهة لكم «وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ» يا حبيبي «فِي الصَّدَقاتِ» يعيبك ويطغى عليك في قسمتها وإعطائها أناسا دون أناس ، ويسخرون فيما بينهم عليك في ذلك كأنك لم تعدل بها ولم تعطها لمستحقيها ، ولكنهم «فَإِنْ أُعْطُوا(6/445)
ج 6 ، ص : 446
مِنْها رَضُوا»
وسكتوا ، فلم يحمدون ، ولم يذكروك بسوء «وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ» (58) فيتفوهون عليك لما لا يرضي بقصد تنفير النّاس عنك.
روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال : بينما نحن عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو يقسم فيئا ، أتاه ذو الخويصرة (حرخوص بن زهير التميمي) فقال يا رسول اللّه اعدل ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم ويلك من يعدل إذا لم أعدل ؟ وفي رواية قد خبت وخسرت إن لم أعدل ، فقال عمر رضي اللّه عنه وأرضاه ائذن لي لأضرب عنقه ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم.
وقيل إن القائل أبو الجواض المنافق أو رجل من البادية.
وقيل إن المنافقين قالوا ما يعط محمد الصّدقة إلّا من يحب.
والكل جائز ، لأنهم أهل لأن يصدر منهم كلّ سوء ، ولأن تعدد أسباب النّزول جائز أيضا ، راجع الآية 8 من سورة المنافقين المارة تجد ما يتعلق بهذا ومروءة سيدنا عمر وانتدابه كلّ ما فيه ذبّ عن حضرة الرّسول ودفع عن كرامته ورفع لما يسوءه ، فأنزل اللّه هذه «وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا» أي هؤلاء العيّابون المنتقدون المنافقون «ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» من هذه الصّدقات ولم يعترضوا على حضرة الرّسول «وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ» هو كافينا «سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» ما يسد حاجتنا «وَرَسُولُهُ» يتفضل علينا بما يراه من هذه الصّدقات ، وإنه لا يعطي إلّا بحق ولا يمنع إلا بحق ، وقالوا «إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ 59» بأن يوسع علينا ويغنينا عن الصّدقة وغيرها ، بأن يفتح لنا طريقا آخر يكفينا به عنها لكان خيرا لهم من اعتراضهم هذا وقولهم رجما بالغيب في حق الرّسول الذي لا يفعل إلّا حقا ، ولا يقول إلا حقا ، وان أقواله وأفعاله عن حكمة يعلمها ، إذ يتلقاها عن ربه عز وجل وهم عنها غافلون لكان أجمل لهم وأحسن ، ألا فليتق اللّه الّذين يهرفون بما لا يعرفون ويقولون ما لا يعلمون ، فإن الاعتراض على رسول اللّه اعتراض على اللّه ، والاعتراض على اللّه كفر ، لأنه لا يسأل عما يفعل.
ثم بين جل بيانه أصحاب الاستحقاق في الصّدقات : (6/446)
ج 6 ، ص : 447
مطلب في الأصناف الثمانية ومن يجوز إعطاؤه من الزكاة ومن لا يحوز وبعض مثالب المنافقين أيضا :
قال جل قوله «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها» السعاة الّذين يفوض الإمام إليهم قبضها من الواجبة عليهم «وَفِي الرِّقابِ» العبيد المكاتبين إعانة لهم على دفع ما عليهم لأسيادهم ليتخلصوا من الرّق «وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ» الحديثي عهد بالإسلام بقصد ترغيبهم فيه ، فإنهم يعطون من هذه الصّدقة ليزداد نشاطهم للتمسك بأصول الإسلام ، فيأتلفون عليه «وَالْغارِمِينَ» الّذين استغرقتهم الدّيون لأنفسهم لغير معصية ، أو أنهم استدانوا للمعروف كمنع فتنة بين المسلمين ، أو الموجود قتيل بينهم لم يعرف قالته ، فاستدانوا لأداء ديته ، وإن كانوا أغنياء ، فإنهم يعطون من الصّدقة ، لأنهم استدانوا ذلك وأعطوه من أنفسهم لإصلاح ذات البين ورفع الشّقاق بين المسلمين.
روي عن عطاء بن يسار أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : لا تحل الصّدقة لغني إلّا لخمسة : لغاز في سبيل اللّه ، أو لعامل عليها ، أو لرجل أسير إعانة ، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق عليه فأهدى المسكين للغني - أخرجه أبو داود مرسلا لأن عطاء هذا لم يدرك النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ورواه معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن سعيد الخدري عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم بمعناه «وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ» الغزاة «وَابْنِ السَّبِيلِ» المسافر الذي انقطع عن أهله وماله وإن كان غنيا في بلده ، لأنه لا يطوله ولا يعرف من يقرضه في المحل الذي انقطع فيه ، فهؤلاء الأصناف الثمانية يعطون من صدقة الفرض الواجبة على الأغنياء كما يعطون من غيرها أيضا «فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ» لهم على حسب الترتيب الوارد في هذه الآية ، لأن الفقير أحوج من المسكين ، لأنه من لا مال له ولا كسب ، والمسكين من لا يكفيه كسبه ، راجع الآية 81 من سورة الكهف في ج 2.
وقال صلّى اللّه عليه وسلم ، اللهم إني أعوذ بك من الفقر.
وقال : أحيني مسكينا واحشرني مع المساكين.
وهو أحوج من المؤلفة قلوبهم ، وهكذا إذا اجتمعوا يقدم الأحوج في الإعطاء.
واعلم أن الحصر في هذه الآية المصدرة بأداة الحصر يفيد عدم جواز دفع الصّدقة الواجبة لغيرهم ، وهو كذلك كما سيأتي بعد «وَاللَّهُ(6/447)
ج 6 ، ص : 448
عَلِيمٌ»
بمصالح عباده وحاجتهم «حَكِيمٌ» (60) في تخصيص الصّدقات لهؤلاء الأصناف الثمانية.
أخرج أبو داود عن زياد بن الحارث المدائني قال : أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فبايعته ، فأتاه رجل فقال أعطني من الصّدقة ، فقال له صلّى اللّه عليه وسلم إن اللّه لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصّدقات حتى حكم فيها هو ، فجزأها ثمانية اجزاء ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك.
الحكم الشّرعي في إيجاب اللّه الزكاة على عباده امتحانهم فيما آتاهم وتكليفهم ما يشقّ عليهم فعله ، ليختبر الطّائع المعطي من العاصي المانع ، ويظهره للناس فيعلمهم بمن له شفقة على عباده من غيره ، لأن المال ماله والأغنياء وكلاؤه عليه وخزانه له ، والفقراء عياله ، ولأن كثرة المال تقسي القلب وتغرقه في حب الدّنيا ، فأراد اللّه تعالى بالتصدق منه تقليل ذلك الحب لئلا تنهمك نفسه في شهوات الدّنيا ولذاتها فيهلك ، ولأن المال من أول أسباب البعد عن اللّه تعالى ، والتصدق به من أول أسباب التقرب إليه.
ولا يقال هنا أن الدّين يسر ولا حرج فيه ولا يكلف اللّه نفسا الا وسعها إلى غير ذلك من التمسك بحجج الجشعين بالمال المتكالبين عليه ، لأن اللّه لم يكلف رب المال التصدق بكل ما عنده أو بنصفه أو عشرة حتى يكون مدار للاحتجاج ، وانما كلفه بشيء يسير منه لا عسر في أدائه عليه ولا كلفة ، وهو في نطاق الوسع ، لأن الخارج عن الوسع هو ما لا قدرة للمرء على القيام به.
ولو علم المتصدق ماله عند اللّه من الأجر وكانت نفسه طاهرة لأحب التصدق بما يفضل عن حاجته فضلا عن إعطائه ما فرضه اللّه عليه وهو ربع العشر ، تطييبا لقلوب الفقراء المتعلقة قلوبهم بما في أيدي الأغنياء لينالوا نصيبهم من الانتفاع به ، فيحصل على دعواتهم الخيرية ، ورب دعوة صادفت وقت اجابة فينال عند اللّه ما هو خير من الدّنيا وما فيها.
أخرج النّسائي وأبو داود عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال لا تحلّ الصّدقة لغني ولا لذي مرّة (سوي قوي).
وأخرجا عن عبد اللّه بن عدي بن الخيار قال : أخبرني رجلان أنهما أتيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو في حجة الوداع وهو يقسم الصدقات ، فسألاه منها فرفع فينا نظره
وخفضه فرآنا جلدين ، فقال ان شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب.
أي لا يحل لكما أخذ شيء(6/448)
ج 6 ، ص : 449
من الصّدقة لأنكما قادران على الكسب والقادر كالغني ، والغني لا يجوز له أخذ الصدقة ، كما لا يجوز إعطاؤها له.
هذا وإن حد الغنى المانع من السّؤال وقبول الصدقة هو ما روي عن ابن مسعود أنه قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من سأل النّاس وله ما يغنيه جاء يوم القيمة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح ، قيل يا رسول اللّه وما يغنيه ؟ قال خمسون درهما أو قيمتها من الذهب أخرجه أبو داود والترمذي والنّسائي - وهذا لا يجوز له الأخذ من الزكاة إذا كان مالكا هذا القدر ، ولا يجوز للمتصدق أن يتصدق على واحد بأكثر من خمسين درهما فضة أو قيمتها من الذهب من الزكاة ، لأنه يصير الفقير المتصدّق عليه بذلك غنيا ولا يجوز للمتصدق أن يعطيه إذا كان عالما بحاله ، كما لا يجوز له الأخذ ، وان جباة المال العاملين على جمع الصّدقات يعطون منها بقدر أجر مثلهم أغنياء كانوا أو فقراء ، لأن ما يأخذون بمقابل جمعهم الصّدقة كسائر العمال الّذين يتقاضون راتبا لقاء أعمالهم التي تعهد إليهم.
ولما كان الهاشمي والمطلبي لا يجوز لهم أخذ الصّدقة فلا يجوز أن يكونوا عمالا عليها لأن أجرهم يكون منها ، فإذا أعطوا منها لا تجزىء كما لو أعطيت للغني ، ويجب إعادتها لأن إقدامهم على حرمة أخذها لا يسقط وجوبها عن المعطين العالمين.
أما الجاهلون حال المتصدق عليهم فلا إعادة عليهم وسقط عنهم الوجوب ، لأنهم أعطوها لهم بظنهم فقراء غير هاشميين ولا مطلبيين.
قال صلّى اللّه عليه وسلم إنا وبنو عبد المطلب شيء واحد لم يفارقونا في جاهلية ولا في إسلام.
وتحرم الصدقة على مواليهم أيضا ، أخرج الترمذي والنّسائي عن أبي رافع أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم استعمل رجلا من بني مخزوم على الصّدقة ، فأراد أبو رافع أن يتبعه ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم لا تحل لنا الصّدقة وإن مولى القوم منهم.
وكان صلّى اللّه عليه وسلم يعطي أشراف العرب يتألفهم الإسلام لضعف عقيدتهم لتقوى رغبتهم فيه وتكون نيتهم جازمة بفعل أركان الدين.
وكان يقربهم تألفا لقومهم وترغيبا لأمثالهم ، وذلك من خمس الخمس ، كما أعطى أبا سفيان والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن والعباس بن مرداس كما ذكرناه في قصة حنين عند تفسير الآية 27 المارة ، فراجعها.
وكان صلّى اللّه عليه وسلم يدفع منه إلى المسلمين الّذين هم في موضع لا تبلغه جيوش الإسلام إلّا بكلفة كبيرة ومؤنة(6/449)
ج 6 ، ص : 450
كثيرة ، والمسلمون الّذين هم بإزائهم لا يجاهدونهم لضعف حالهم أو عقيدتهم.
كما أعطى أبو بكر رضي اللّه عنه عدي بن حاتم ثلاثين بعيرا ، وكذلك كان يعطي مؤلفة الكفار الّذين يرجى إسلامهم أو يخاف شرهم ، فقد أعطى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم صفوان بن أمية لما كان يرى من ميله إلى الإسلام ليستميلهم ويقوى نيتهم فيه ، وكيفية إعطاء الصّدقة أن تعطى الأصناف الأربعة الأوّل إليهم بأيديهم بدليل لام الملكية ، والصّنف الخامس يعطى نصيبهم منها إلى أسيادهم لتخليص رقابهم ولا يمكنون منها ليتصرفوا فيها.
وكذلك الصّنف السّادس وهم الغارمون بنوعيهم فانه يعطى نصيبهم لدائنيهم لتخليص ذمتهم من الدّين ، ولا يمكنون من التصرف به أيضا ، والصّنف السّابع يعطى من الصّدقة بقدر ما يوصله إلى مسكنه أو غرضه ، والصّنف الثامن يعطون ما يكفيهم من الصّدقة للنفقة والكسوة والسّلاح والمحمولة وإن كانوا أغنياء ، لما تقدم في حديث عطاء بن يسار المار ذكره آنفا.
ويجوز صرف نصيب.
الصنف السّابع البر لعموم اللّفظ كتكفين وتجهيز ودفن الموتى الفقراء ، وبناء الجسور والحصون والمساجد والمكاتب التي يدرس فيها القرآن العظيم والفقه والحديث وما يتفرع عنها ، ودور المرضى والمجانين لقلة وجودها في هذا الزمن ، ولا سيما ما يأوي اليه الفقراء والمنقطعون في البوادي ، وطريق الحج وغيره ، وعلى المتصدق أن يختار في صدقته الأصلح ولا سيما طلبة العلم لقلة الرّغبة فيه ، وبهذا الزمن للترغيب في طلبه والسّفر إلى من يأخذوا عنه إذا لم يوجد في بلده من يعلمه.
وهم قليل ولا سيما في هذه الأيام ، وقد سهل السّفر إذ تقاربت البلدان بسبب السّيارات والطّيارات وتعبيد الطّرقات إلى أي بلدة شاء.
ويطلب من المتصدّق أن يتحرى موضع الحاجة في صدقته ، ويقدم الأولى فالأولى ، ولا يعطيها فروعه وأصوله وزوجاته وكلّ من تلزمه نفقته ، والأولى أن يصرفها لفقراء بلدته ومن فيها من الأصناف ، ويجوز أن ينقلها لمحل آخر يقصد دفعها للأحوج والأصلح والقريب الفقير ، قال صلّى اللّه عليه وسلم اختاروا لنفقاتكم كما تختارون لنطفكم ، ويرجح الفقراء من أقاربه على غيرهم ، لأن الصّدقة عليهم صدقة وصلة.
هذا وإن فضل الصّدقة قد بيناه في الآية 291 فما بعدها من سورة البقرة فراجعها تقف على جميع أصنافها وثوابها.
قال تعالى(6/450)
ج 6 ، ص : 451
«وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ» محمدا صلّى اللّه عليه وسلم «وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ» سماع قوى جارحة السّمع كثيرة ، ويعبر علماء البيان عن مثل هذا بإطلاق الجزء على الكل مبالغة ، أي كأنه كله سمع لشدة سماعه ، وقوة حاسته ، وعليه قوله :
إذا ما بدت ليلى فكلي أعين وإن هي ناجتني فكلي مسامع
كما يطلق الكل على الجزء في مثل قوله تعالى (يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ) الآية 16 من البقرة أي رؤوسها ، ويريد المنافقون في هذه الكلمة أنه صلّى اللّه عليه وسلم يصدق كل ما يسمعه ويقبله دون تحقيق عن صحته ، وهذا هو معنى الأذن عندهم ، فانهم يطلقون هذه الجارحة على من شأنه سماع الكلام وقبوله على علاته باعتبار أن جملته أذن سامعة ويقصدون بذلك الطّعن به صلّى اللّه عليه وسلم ، أي أنه ليس بعيد غور في الأمور ، بل هو سريع الاغترار بكل ما يسمع دون تروّ ونظر ، قاتلهم اللّه وأخزاهم ، فإنهم أخذوا شيئا من عادات اليهود بمثل هذا راجع الآية 105 من سورة البقرة المارة ، مع أنهم واليهود سواء ، بل هم شر من اليهود) يعلمون علم اليقين أنه صلّى اللّه عليه وسلم أكمل البشر في حركاته وسكناته ومبرأ من كلّ عيب ومنزّه من كلّ طعن ، ولكنهم لا يريدون أن يعترفوا بذلك حسدا وعنادا ، وقد أنزل اللّه هذه الآية في جماعة من المنافقين كانوا يجلسون بعضهم إلى بعض ويقولون ما لا ينبغي بحق الرّسول ، كاليهود في هذه العادة ، فقال أحدهم نبتل بن الحارث نخاف أن يبلعه قولنا ، وكان ينمّ حديث الرّسول إليهم وكان مشوّه الخلقة أزنم ثائر الشّعر أحمر العينين أسفع الخدين ، وقد قال فيه صلّى اللّه عليه وسلم من أحب أن ينظر إلى الشّيطان فلينظر إليه ، فقال له الجلاس بن سويد إذا بلغه قولنا ننكره ونحلف له فيصدقنا لأنه أذن.
قال تعالى «قُلْ» يا سيد الرّسل لهؤلاء الفجرة هب أني أذن كما تقولون ، ولكن «أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ» أسمع ما هو صالح لكم لا ما هو شرّ وفساد ، والمعنى أنكم كما تقولون ، ولكنه نعم الأذن ، لأنه مسمع خير لا على الوجه الذي تذمّونه به ، لأنه يقبل منكم ما تقولون وتعتذرون به ، مع علمه أنه خلاف الواقع لكرم أخلاقه وعلو آدابه ، فإنه يتغافل عما لا يليق ولا يريد أن يكذبكم وقرىء (أذن وخير) بالتنوين وبلا تنوين أذن ، وجرّ خير بالإضافة كقولك رجل صدق ، (6/451)
ج 6 ، ص : 452
وشاهد عدل ، فإنه يجوز فيهما الحالان.
ثم ذكر بعض أوصاف حضرة الرّسول الذي يريدون مس كرامته مسهم اللّه بناره ، فقال «يُؤْمِنُ بِاللَّهِ» ويوقن بوعده ويوفي بعهده ويصدق بوحدانيته «وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ» بصدقهم ويخشى ظنه بهم ويريد لهم الخير ، وقد جاءت التعدية أولا بالباء لأن الإيمان باللّه نقيض الكفر فلا يتعدى إلّا بالباء ، وثانيا باللام لأنه عبارة في تصديق المؤمنين ، فلا يتعدى إلا باللام ، تأمل.
واعلم أن القرآن هو مصدر العربية ومن بحره أخذ علماؤها قواعدها ووضعوا أصولها ، وإياك أن تتصور العكس فيعكس عليك.
قال تعالى أنؤمن لك الآية 112 وقال آمنتم له الآية 47 من سورة الشّعراء ج 1 ، وقال (وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا) الآية 17 من سورة يوسف في ج 2 بما يدل على ذلك وغيرها في القرآن كثير «وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ» إيمانا كاملا لا نفاقا ، وسمي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رحمة لأنه يحمل أحكام النّاس على الظّاهر ، ولا ينقب عن بواطن أحوالهم ، ولا يهتك أسرارهم.
قال تعالى «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ» من المنافقين وغيرهم بالقول أو الفعل أو الإشارة أو اللّمز «لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ 61» في الآخرة عدا خزي الدّنيا ومن مثالبهم ما قاله تعالى «يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ» «لِيُرْضُوكُمْ» بظواهرهم «وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ» (62) حقا والحال أن اللّه ورسوله أولى بأن يرضوهما حقيقة لا تصنعا ورياء ، وذلك أن المنافقين اجتمعوا في دار أحدهم وصاروا يتداولون في حق الرّسول ، فقال وريقة بن ثابت إن كان ما يقوله محمد حقا فهو شر من الحمير ، فقال عامر بن قيس من غلمان الأنصار إن ما يقوله محمد حق وأنت شر من الحمير ، فحقروه ، فجاء فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بذلك ، فاستدعاهم فسألهم ، فأنكروا وحلفوا أن عامرا كذاب ، وحلف عامر أنه صادق وأنهم كذبة ، وقال اللّهم صدق الصّادق وكذب الكاذب ، فنزلت هذه الآية.
قال تعالى «أَ لَمْ يَعْلَمُوا» هؤلاء المنافقون الجلاس وأضرابه «أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» بمخالفة أمرهما أو بمجانبتهما أو بمعاداتهما أو يعاون أعداءهما على ذلك «فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ» استمراره في النّار ودوامه في العذاب «الْخِزْيُ الْعَظِيمُ» (63) في الآخرة(6/452)
ج 6 ، ص : 453
والفضيحة التي ما بعدها فضيحة ، والعار الذي ما وراءه عار.
واعلم أن لفظ ألم تعلم وألم يعلم وما تصرف منهما خطاب لمن علم شيئا أو نسيه أو أنكره كما ذكره العلماء البيانيّون أي أنسيتم أو أنكرتم ذلك.
قال تعالى «يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ» من النّفاق وما تحركه أنفسهم به في الاستخفاف بحضرة الرّسول «قُلِ» يا سيد الرّسل «اسْتَهْزِؤُا» واسخروا ما شئتم بحق حضرة الرّسول «إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ» (64) ومظهره للناس ليفضحكم به ويظهر لهم كذبكم وحلفكم الخاطئ.
واعلم أنما خاطبهم اللّه بهذا على لسان رسوله ، لأن ما وقع منهم مجرد استهزاء وسخرية ، ولهذا ختم اللّه هذه الآية بما يدل على التهديد العظيم والوعيد الوخيم الدّالين على التعذيب البالغ.
قال تعالى «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ» عما يقولونه فيك فيما بينهم «لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ» الخوض الدّخول في المائع كالماء والطّين ، ثم استعمل لكل دخول فيه تلويث مادة أو معنى ولم يكفهم الخوض الذي قد يؤتى لغير ظاهره حتى وضحوا المراد منه باللعب ، فيا سيد الرّسل «قُلْ» لهؤلاء الجاحدين بما لا يليق «أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ» (65) استفهام إنكاري لما لا ينبغي ذكره ، وذلك أن حضرة الرّسول حين كان في غزوته المذكورة آنفا قال رهط من المنافقين أيرجو هذا الرّجل أن يفتح له قصور الشّام وحصونها هيهات هيهات ، فأطلعه اللّه تعالى عليه ، فقال احبسوا على هذا الرّكب فأتوا بهم ، فقال إنكم قلتم كذا وكذا ، ولما لم يروا بدا من الاعتراف إذ أخبرهم حضرة الرّسول بلفظ ما قالوا بعد أن قالوا يا نبي اللّه إنما كنا نخوض ونلعب ، أي نتحدث في الرّكب ونلهو فيما بيننا ، وقال المنافق وديعة بن ثابت أخو أمية ابن زيد لعوف بن مالك ما لقى أمنا أر عينا بطونا وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند اللّقاء.
مطلب ظهور المنافقين وفضحهم وعدم قبول أعذارهم
وروى ابن عمر أن رجلا من المنافقين قال في غزوة تبوك ما رأيت مثل هؤلاء القوم أرعب قلوبا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللّقاء.
قاتله اللّه يريد حضرة(6/453)
ج 6 ، ص : 454
الرسول وأصحابه المؤمنين ، فذهب عوف ليخبر حضرة الرّسول بقولهما ، فوجد القرآن قد سبقه ، ونزلت هذه الآيات.
قال عوف فتعلق المنافق بعقب ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والحجارة تنكبه من القوم حيث صاروا يرجمونه لقبح ما سمعوا منه وهو يقول يا رسول اللّه إنا كنا نخوض ونلعب.
وقال ابن كيسان.
كمن رجال منافقون في العقبة عند رجوع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من تبوك ليفتكوا به فأخبره جبريل عليه السّلام بمكانهم وما أضمروه له فقال لحذيفة اذهب إلى هؤلاء واضرب وجوه رواحلهم ، ففعل حتى نحاهم عن الطّريق وقال هلا عرفتهم قال لا يا رسول اللّه فقال صلّى اللّه عليه وسلم انهم فلان وفلان حتى عدهم اثني عشر رجلا ، فقال حذيفة هلا بعثت من يقتلهم يا رسول اللّه فقال صلّى اللّه عليه وسلم أكره أن تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل بقتلهم بل يكفيناهم اللّه ، فلما أتى بهم طفقوا يعتذرون.
قال تعالى قل يا سيد الرسل لهم «لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ» بأفعالكم هذه واستهزائكم وأقوالكم القبيحة هذه ، وطعنكم لحضرة الرّسول وأصحابه المؤمنين المبرأين عما وصمتموهم به ، المنزهين عما ألصقتموه بساحتهم الطّاهرة ، مما أوجب كفركم «بَعْدَ إِيمانِكُمْ» الذي كنتم تحتجون به ظاهرا وقد ظهر أمركم للخاص والعام فلا محل لقبول أعذاركم الواهية حيث أكذبها اللّه ، ولما رأوا أنه قد سقط في أيديهم وعلموا أنه قد فضح أمرهم شرعوا يطلبون العفو عما سلف منهم ، فقال تعالى «إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ» تابت عما بدر منها وأقلعت عن نفاقها وأحسنت إيمانها «نُعَذِّبْ طائِفَةً» أصرت ع النّفاق ومباشرتهم له.
واعلم أن لفظ الطّائفة عند العرب كلفظ النّاس يطلق على الواحد والجماعة ، راجع الآية 174 من آل عمران المارة ، قال محمد ابن اسحق إن الذي عفا عنه اسمه مخاشن بن حمير الأشجعي لأنه تاب فرر نزول هذه الآية ، وقال اللّهم إني لا أزال أسمع آية تقرأ أعنى بها تقشعر منها الجلود وتجبّ منها القلوب ، اللهم اجعل وفاتي قتلا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت فأجيب يوم اليمامة ولم يعرف مصرعه واسمه عبد الرّحمن ، أي سمي بذلك ، رحمه الملك الدّيان.
قال تعالى «الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ» قيل كان الرّجال المنافقون(6/454)
ج 6 ، ص : 455
ثلاثمائة والنّساء المنافقات مئة وسبعين ، وكلهم تشابهت قلوبهم بالنفاق والبعد عن الإيمان كأنهم نفس واحدة ، كما يشير إلى قوله تعالى «بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ» بعضهم وأنفسهم «بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ» أنفسهم وبعضهم «عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ» عن الإنفاق في سبيل اللّه وعلى الفقراء وعلى أقاربهم أيضا بخلا بما أعطاهم اللّه ، فكأنهم «نَسُوا اللَّهَ» الذي من عليهم حال الضّيق فلم يذكروه عند الرّخاء «فَنَسِيَهُمْ» من رحمته عند الشّدة ، لأنهم لما تركوا أمر اللّه تعالى جاؤوا بمنزلة النّاسين له ، لأن مطلق النّسيان لا يعد عيبا ، إذ لا يخلو منه أحد ، فجازاهم اللّه تعالى بأن صيّرهم بمنزلة الشّيء المتروك ، فحرمهم من ثوابه وهذا هو نص النّسيان بالنسبة للّه تعالى.
أما معناه الذي هو عليه بالنسبة فمحال بحقه تعالى القائل «إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ» (67) الخارجون عن طاعة اللّه ورسوله «وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ» في الإيلام والانتقام ، ولهم زيادة على هذا أنه تعالى غضب عليهم «وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ» (68) لا يحول عنهم ولا يتحولون عنه ، فهو ملازمهم أبدا.
واعلم أن فعل وعد إذا أريد به الشّر كما هنا كان مصدره وعيدا ، وإذا صرف إلى الخير يكون مصدره وعدا ، واستعماله غالبا يكون في الخير ، وأوعد في الشّر ، ثم التفت من الغيبة إلى الخطاب ، والالتفات من أنواع البديع المستحسنة ، وقد اقتبسه علماء هذا الفن من كلام اللّه ورسوله وسموه بهذه الاسم ، كما سموا علم المعاني وغيره من العلوم التي أحدثت تسميتها بعد عهد الرّسول ، لأنها لم تكن معروفة ولا مبدية.
فقال فعلتم أيها المنافقون أفعالا قبيحة كثيره «كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» أي الكفار إذ كانوا يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ، ويبخلون بمالهم عن طرق الخير مثل فعلكم هذا وأنهم «كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ» حظوظهم
وأنصبائهم من الدّنيا وشهوتها ، وآثروها على الآخرة ورضوا بها ، ولم ينظروا إلى العاقبة.
وسمي النّصيب خلاقا لأنه مما يخلقه اللّه للانسان ويقدره له مثل القسم «فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ» أيها المنافقون الفجرة والكافرون(6/455)
ج 6 ، ص : 456
الفسقة «كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ» في الباطل والكذب على اللّه ورسوله وعلى النّاس أجمع «كَالَّذِي خاضُوا» من الاستهزاء والسّخرية بهم وبأتباعهم وتعديتم عليهم بأنواع المنكرات ، والذي هنا واقع صفة لموصوف محذوف مصدر دل عليه الفعل المذكور قبله ، أي كالخوض الذي خاضوه «أُولئِكَ» الّذين هذه صفتهم من أولئك الفجار «حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» (69) في الدّارين.
واعلم أن تأويل لفظ الذي على ما مشينا عليه أحسن وأولى من قول من قال بإسقاط الذي أي أصله الّذين ، وعليه فيكون المعنى وخضتم كالّذين خاضوا ، لأن التشبيه هنا للخوض لا للحائض ، تدبر.
وأليق وأرضى من قول من قدر لفظ فوج أي كالفوج الذي خاضوا ، إذ لا ذكر له تأمل.
واعلم أن ما وقع في هذه الآية من تكرار بعض الألفاظ قد وقع تأكيدا للقول وتبكيتا بالمخاطبين به ، وتقبيحا لأعمالهم وأعمال من شبهوا بهم ، وتقريعا بأفعالهما.
روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : لتتبعنّ سنن الّذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضب لا تبعتموهم.
قلنا يا رسول اللّه اليهود والنّصارى ؟ قال فمن دونهم.
أي الكفار والمجوس كما مر في الخبر آنفا أو ممن غيرهم ، ثم التفت من الخطاب إلى الغيبة تفننا في القول ليعلم عباده ذلك فقال جل شأنه «أَ لَمْ يَأْتِهِمْ» أي هؤلاء المنافقين «نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» من الأمم الماضية «قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ» قوم هود «وَثَمُودَ» قوم صالح «وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ» قوم شعيب «وَالْمُؤْتَفِكاتِ» قوم لوط عليهم السّلام حين «أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ» وكذبوا بها فأهلكناهم بالغرق والرّيح العقيم والرّجفة والصّيحة والبعوضة والظّلمة والقلب والرّحم ، وإنما خص اللّه تعالى هذه الأقوام دون غيرهم الكثيرين لأن آثارهم باقية في بلادهم الشّام والعراق واليمن ، ولأنهم يمرون عليها ذهابا وإيابا عند أسفارهم للميرة والتجارة وغيرها ، ويعرفون أخبارهم المتناقلة عن أسلافهم ، وكيفية إيقاع العذاب بهم واستئصالهم من وجه الأرض على حين غفلة وبسرعة لم يقدروها.
قال تعالى «وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ» بما أوقعه فيهم من العقوبات(6/456)
ج 6 ، ص : 457
القاسية «وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» (70) فاستحقوها جزاء وفاقا ، فاحذروا أيها السّامعون أن يصيبكم ما أصابهم إن فعلتم فعلهم أو أصررتم عليه ، ولم تتوبوا في زمن تقبل فيه التوبة ، راجع الآيتين 27 و28 من سورة النّساء المارة
قال تعالى بمقابل الآية السّالفة «وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ» والفرق بين هذه الجملة والجملة المصدرة به الآية السّالفة هو أن اتفاق المؤمنين كان على تقوى من اللّه ورضوان بتوفيق اللّه وهدايته ، لا بمقتضى هوى النفس والطّبيعة الخبيثة كالمنافقين والكافرين المشار إليهم فيها ، الّذين كانت موافقتهم بعضهم لبعض بتقليد رؤسائهم ، فلهذا قال بحقهم بعضهم من بعض ، وبحق المؤمنين أولياء بعض «يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» فيما بينهم أنفسهم وبين غيرهم راجع الآية 113 الآتية «وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ» الّذين هذا شأنهم «سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (71) في تدبير أمور عباده ، لا بشوب تدبيره نقص ولا خلل ، ومن عزته أنه لا يمتنع عليه من أراده ، فلا يغالب ولا يتابل «وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ» وهذه بمقابل الآية السّابقة عد (67) «جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ» زيادة على مساكنهم في جناتهم ، لأن عدن دار الأصفياء عند اللّه تعالى ، وهؤلاء بلا تشبيه كالمترفين من أهل الدّنيا عندهم تصور في بلادهم وقصور في مصايفهم.
واعلم أن مرجع العطف في هذه الآية إلى تعدد الوعود لكل واحد أو للجميع على سبيل التوزيع ، أو إلى تغاير وصفه ، أولا بأنه من جنس ما هو أبهى الأماكن التي يعرفونها ، فتميل إليه طباعهم أول ما يقرع أسماعهم ، وصفه بأنه محفوف بطيب عار عن شوائب الكسورات التي لا تخلو عنها أماكن الدّنيا ، وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ، ثم وصفه بأنه دار إقامة وثبات في جوار رب العالمين لا يقربهم فيها فناء ولا تغير ، ثم وعدهم بما هو أكبر من ذلك وأعظم وهو الزيادة الأخرى المبينة بقوله عند قوله «وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ» من ذلك كله ومن كلّ شيء ، لأنه غاية المقصود ونهاية المطلوب «ذلِكَ» العطاء الجزيل والعطف الجليل «هُوَ(6/457)
ج 6 ، ص : 458
الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»
(72) في الآخرة لا فوز أعظم منه ، والخير الكثير الذي لا أفضل منه.
روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال إن اللّه تبارك وتعالى يقول لأهل الجنّة يا أهل الجنّة ، فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك ، فيقول هل رضيتم ، فيقولون وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ، فيقول ألا (أداة لاستفتاح الكلام وتختص بالمستقبل وتكون للطلب بلين ورفق وضدها هلا الكائنة للعنف والشّدّة وتدخل على الماضي والمستقبل) أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط بعده عليكم أبدا.
قال تعالى «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ» وشدّد بالجهاد والإرهاب «عَلَيْهِمْ» في الدّنيا أنت وأصحابك بمعونتنا ونصرنا «وَمَأْواهُمْ» عندنا في الآخرة «جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» (73) هي لأهلها قال ابن مسعود دلّت هذه الآية والدّلائل السّمعية على أن جهاد الكفار بالسيف وجهاد المنافقين بالحجة ، والآية عامة لم يذكر فيها كيفية الجهاد ، فلا بد من دليل واضح يقيدها بما قاله ابن مسعود ويصرفها عن ظاهرها ، وإلّا فلا دليل فيها يخصصها بما قاله ، وإنما عدل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن قتل بقية المنافقين لا لأنه علم من هذه الآية أن جهادهم بالحجة ، بل لأن من تكلم بالكفر سرا وجحده علنا وقال إني مسلم يحكم بإسلامه في الظّاهر شرعا ، واللّه يتولى السّرائر ، وإلّا لفسد الكون ، قال تعالى (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً) الآية (93) من سورة النّساء المارة ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم لأسامة بن زيد أشققت قلبه ؟ راجع تفسيرها ، ولو لا هذه الآية والحديث لفتك بكثير من المسلمين بحجة أنهم كافرون باطنا ، أو أنهم أسلموا ليخلصوا أنفسهم من القتل ، ويأبى شرع اللّه ذلك ، ولقائل أن يقول إن من المنافقين ممن علم اللّه ورسوله بأنهم يموتون على نفاقهم كعبد اللّه بن سلول وثعلبة الآتي ذكرهما ، فلما ذا لم يقتلهم رسول اللّه ؟ فالجواب عن هذا أنه لا يقتلهم حرمة للشرع المعمول بظاهره لآخر الزمان ولئلا يتذرع بعض الولاة أو غيرهم بذلك فيقتل من يشاء ويترك من يشاء بتلك الحجة ، ولقد أجمعت الأمة على أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه دفعا لما يترتب على ذلك من المفاسد ، ومن هذا الباب(6/458)
ج 6 ، ص : 459
قوله صلّى اللّه عليه وسلم صلّوا خلف كلّ بر وفاجر ، وجاهدوا مع كلّ بر وفاجر.
الحديث ، لقطع باب الفتنة حيث يتطرق النّاس إلى الطّعن بكل من يكرهون ، وانظر لقوله تعالى «يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ».
مطلب في فضايح المنافقين وإسلام بعضهم وما قيل في الأيام وتقلباتها والصّحبة وفقدها.
قال ابن عباس كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم جالسا في ظل شجرة فقال إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعين الشّيطان ، فإذا جاء فلا تكلموه ، فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق ، فدعاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال تشتمني أنت وأصحابك ، فأنكر ، قال فأحضر أصحابك ، فانطلق فأتى بأصحابه فحلفوا باللّه ما قالوا وما فعلوا ، فتجاوز عنهم ، فأنزل اللّه هذه الآية تكذيبا لهم ، وقد أعلمه اللّه بهم وبما قالوه «وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا» لأنهم أرادوا اغتيال حضرة الرّسول وهم المار ذكرهم في الآية 65 ، وإنما جاء ذكرهم هنا لأنه تعالى عدد في هذه السّورة أحوال المنافقين المتنوعة في الأقوال والأفعال وقصّها على رسوله وأصحابه على ملأ النّاس ففضحهم فضاحة كبرى لدى الخاص والعام ، حتى بلغ أخبارهم وفضائحهم أهل البوادي والقرى ، فلم تبق لهم قيمة ولا عبرة عند أحد «وَما نَقَمُوا» هؤلاء الاثنا عشر رجلا الّذين كمنوا له على الطّريق ليغتالوه والّذين أنكروا عليه أعماله الطيبة التي لا يعرفون مغزاها ، وأفعاله الكريمة التي يجهلون مرماها ، وعابوا عليه شمائله الشّريفة حسدا ونجاسة «إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ» فجعلوا موضع شكرها كفرا وجحودا ، وعملوا بضد ما هو واجب عليهم ، لأنهم كانوا قبل مقدم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم المدينة في ضنك عيش وعداوة شديدة فيما بينهم وذل كبير بين مجاوريهم ، فوسع اللّه عليهم ببركة رسوله وألف بينهم ، وأظفرهم بأعدائهم ، وجعل لهم عزة ومكانة بين النّاس وعلى معنى الآية قول الشّاعر :
ما نقم النّاس من أمية إلّا أنهم يحلمون إن غضبوا(6/459)
ج 6 ، ص : 460
وقول الآخر :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهنّ فلول من قراع الكتائب
«فَإِنْ يَتُوبُوا» هؤلاء المنافقون ، توبة نصوحا عما سلف منهم ولا يعودوا إليها ، ويرجعون إلى الإيمان الخالص باللّه وتصديق رسوله «يَكُ خَيْراً لَهُمْ» في الدّنيا والآخرة «وَإِنْ يَتَوَلَّوْا» عن التوبة ويعرضوا عن اللّه ورسوله ويصروا على كفرهم ونفاقهم ، فلا يرجعون إلى اللّه ، فإنه «يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا» بالذل والهوان والقتل والسّبي والأسر والجلاء «وَالْآخِرَةِ» بالعذاب الشديد الدّائم «وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ» شرقها ولا غربها «مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ» (74) يحميهم وينصرهم ويحفظهم من ذلك ولا من يمنعهم من إيقاع أحد العذابين بهم ، بل لا بد من وقوعها بهم وأن في الأرض للجنس ، فتشمل الدّنيا كلها وأرض الآخرة أيضا.
ولما نزلت هذه الآية جاء الجلاس بن سويد وقال يا رسول اللّه أسمع اللّه قد عرض عليّ التوبة وأنا أستغفر اللّه ، وإن عامرا قد صدق بما قال على ما صدر مني وهو قوله في الآية 92 المارة ، فقبل توبته وحسن حاله.
وهذا من كرم أخلاقه صلّى اللّه عليه وسلم ومن شأنه الكرام الّذين تأسوا به ، أدام اللّه الكرام.
الكاظمين الغيظ والعافين عن النّاس ، وأين هم الآن ، يا حسرتاه!
ولما شاب رأس الدّهر حزنا لما قاساه من فقد الكرام
أقام يميط عنه الشّيب غيظا وينثر ما أماط على الأنام
ولكن النّاس يا أسفاه كزمانهم.
قال المعري :
ألا إن أخلاق الفتى كزمانه فمنهن بيض في العيون وسود
فلا تحسدن يوما على فضل نعمة فحسبك عارا أن يقال حسود
وقول الآخر :
مضى زمن وكان النّاس فيه كراما لا يخالطهم خسيس
فقد دفع الكرام إلى زمان أخسّ رجالهم فيهم رئيس
تعطلت المكارم يا خليلي فصار النّاس ليس لهم نفوس
فقد مات الكرام ولم يبق إلّا تغني النّاس بمكارمهم ، ولم تبق خلة صادقة ، ولا(6/460)
ج 6 ، ص : 461
مواساة بين الأحبة وقد استغنى كلّ بنفسه ، فلا يسأل جار عن جاره ، ولا صديق عن صديقه ، ويتبجح كلّ بنفسه ، وأين النّاس من قول الإمام الشّافعي رحمه اللّه :
وتركي مواساة الأخلاء بالذي حوته يدي ظلم لهم وعقوق
وإني لأستحي من اللّه أن أرى بحالي اتساعا والصّديق مضيق
وقد صار الأصدقاء كما وصفهم القائل :
كم من صديق مظهر نصحه وفكره وقف على عثرتك
إياك أن تقربه أنه عون مع الدّهر على كربتك
ولهذا قال علي كرم اللّه وجهه لابنه الحسن إياك ومصاحبة الفاجر ، فإنه يبيعك بالتافه ، وإياك ومصادقة الكذاب ، فإنه كالسراب يقرب عليك البعيد ويبعد عنك القريب ، وهؤلاء إخوان هذا الزّمن ، فلا حول ولا قوة إلّا باللّه القائل «وَمِنْهُمْ» الّذين يظهرون خلاف ما يبطنون «مَنْ عاهَدَ اللَّهَ» أمام رسوله وأكد ميثاقه بالقسم فقال «لَئِنْ آتانا» اللّه تعالى شيئا «مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ» منه بما فضل عن حاجتنا في طرق الخير والبر «وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ» (75) فيه بأن نخرج صدقة كاملة عن طيب نفس ولا نبخل بما يمن به علينا «فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ» كلّه فلم يعطوا منه شيئا حتى الزكاة المعروفة ، ونقضوا عهدهم الموثق بالأيمان ونكثوه ولم يوفوا بشيء منه «وَتَوَلَّوْا» عن طاعة اللّه ورسوله «وَهُمْ مُعْرِضُونَ» (76) عنهما ولم يلتفتوا إلى تعاليمهما ولهذا «فَأَعْقَبَهُمْ» اللّه «نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ» بأن ورثهم البخل ومكنّه فيهم وجعله مستمرا ثابتا فيها «إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ» في الآخرة وحرمهم من التوبة «بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ» من التصدق إذا أغناهم وقد وفى اللّه تعالى وهم نكثوا به «وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ» (77) في قولهم لحضرة الرّسول ووعدهم له بالتصدق والصّلاح قال تعالى «أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ» مع بعضهم من الطّعن بحضرة الرّسول وقولهم فيما بينهم سرا ما الصّدقة إلّا أخت الجزية أو هي غرامة وضعها علينا «وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» (78) لا يخفى عليه شيء مما أسروه وأعلنوه ، ومن هؤلاء المنافقين ضرب آخروهم «الَّذِينَ يَلْمِزُونَ»(6/461)
ج 6 ، ص : 462
يعيبون ويطعنون «الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ» المتبرعين بها غير المفروضة عليهم ، يريدون عبد الرّحمن بن عوف وعاصم بن عدي من الأغنياء إذ تصدق الأوّل بأربعة آلاف درهم في يوم واحد ، والآخر بمائة وسق من تمر فبارك اللّه لهما ، حتى أن بلغت تركة عبد الرّحمن لزوجاته من النّقد فقط مئة وستين ألف درهم «وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ» أي الفقراء الّذين يتصدقون بالقليل ويعنون بهم أبا عقل الأنصاري وأمثاله ، إذ تصدق بصاع من تمر ، ومنهم من تصدق بدرهم ، فقالوا تصدق الأولان رياء وسمعة وعابوا الآخرين على قلة صدقتهما ، وهم لا يتصدقون بقليل ولا كثير ، قاتلهم اللّه ما ألعنهم وأخسّهم.
روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود البدوي قال : لما نزلت آية الصّدقة كما نحمل على ظهورنا ، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير ، فقالوا هذا مرائي ، وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا إن اللّه لغني عن صاع ، فنزلت هذه الآية «فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ» فيقولون هؤلاء الأغنياء لا عقول لهم ، إذ يبذرون أموالهم ، وهؤلاء الفقراء لا عقول لهم إذ يتصدقون وهم محتاجون ، وصاروا يهزأون بالفريقين ، فوبخهم اللّه بقوله «سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ» وأهانهم وأذلهم وجازاهم على فعلهم هذا الذم والهوان في الدّنيا «وَلَهُمْ» في الآخرة «عَذابٌ أَلِيمٌ» (79) ، وللمتصدقين ثواب عظيم ، لأنهم لم يتصدقوا إلّا لمرضاة اللّه طلبا لثوابه ، وكلّ متصدق يتصدق على قدر طاقته قال صلّى اللّه عليه وسلم تصدقوا ولو بشق تمرة.
وجاء في حديث آخر فضل درهم ألف درهم ، في تصدق فقير بدرهم وغني بألف ، لأن الغني يتصدق عن سعة ، والفقير عن حاجة.
وقال تعالى (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ) الآية 9 من سورة الحشر المارة.
وقال تعالى (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ) الآية 9 من سورة الدّهر المارة أيضا.
مطلب قصة ثعلبة وما نتج عنها وحكم وأمثال في البخل والطّمع والجبن وغيرها :
وخلاصة القصة هو أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري جاء ذات يوم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال يا رسول اللّه ادع اللّه أن يرزقني مالا ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم ويحك يا ثعلبة ، (6/462)
ج 6 ، ص : 463
قليل يؤدى شكره خير من كثير لا تطيقه ، ثم أتاه بعد ذلك فكرر مقالته ، وقال والذي بعثك بالحق لئن رزقني اللّه مالا لأعطين كلّ ذي حق حقه ، فقال له أما لك أسوة في رسول اللّه ، والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت.
ثم أتاه الثالثة فكرر مقالته ، فقال والذي بعثك بالحق لئن رزقني اللّه مالا لأعطين كلّ ذي حق حقه ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : اللهم ارزق ثعلبة مالا.
فاتخذ غنما فنمت حتى ضاقت بها المدينة ، فتركها ونزل واديا منها ، وصار يصلي الظهر والعصر مع الرّسول ، وبقية الأوقات في محل غنمه ، ثم تباعد بها عن المدينة فصار لا يشهد إلّا الجمعة مع حضرة الرّسول بالمدينة ، ثم تباعد بها حتى صار لا يشهد جماعة ولا جمعة ، فذكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقالوا إن غنمه نمت حتى صارت لا يسعها واد ، فتباعد بها عن المدينة ، فقال يا ويح ثعلبة ، حيث ألهته غنمه عن حضور الصلوات مع حضرة الرّسول ، فحرم من مشاهدته ومن ثواب الجمعة والجماعة وفضيلة المسجد بسبب ما طلبه ، وهذا ما كان يتوخاه حضرة الرّسول فيه ، فسوّفه مرارا ليعدل عن طلبه ولم ينجح به ، فدعا له فكان من أمره ما كان ، ولما حان جمع الصّدقات بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من يأخذ الصّدقة وكتب لهما ما يجب أخذه ، وقال لهما مرّا على ثعلبة ورجل من بني سليم فخذا صدقاتهما ، فجاءا ثعلبة وأقرآه كتاب رسول اللّه ، فقال ما هذه إلّا جزية ، عودا علي إذا فرغتما ، فجاءا السلمي وقد سمع ما قاله ثعلبة ، فقام وأعطاهما خيار ماله ، وقال لهما إن نفسي طيبة بذلك ، وبعد أن جمعا صدقات النّاس وعادا بها مرا عل ثعلبة ، واستقرأهما كتاب رسول اللّه ثانيا وقال ما هذه إلّا أخت الجزية ، اذهبا حتى أرى رأيي ، فلما أقبلا على رسول اللّه ، قال لهما قبل أن يتكلّما يا ويح ثعلبة ، وهذه معجزة منه صلّى اللّه عليه وسلم ، إذ أخبره اللّه بما وقع منه ، وقاله لعمال الصّدقة ثم أخبراه بما فعل ، فأنزل اللّه هذه الآيات ، فذهب رجل من أقاربه فأخبره بما نزل فيه ، فأتى رسول اللّه وكلفه أن يقبل صدقة ، فقال قد منعني ربي من قبولها ، فطفق يحثو التراب على رأسه ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم قد أمرتك فلم تطعني.
فلما قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أتى بصدقته إلى أبي بكر فلم يقبلها ، فلما ولي عمر أتاه بها فلم يقبلها أيضا وكذلك(6/463)
ج 6 ، ص : 464
عثمان رضي اللّه عنهم ، لأن حضرة الرّسول لم يقبلها ، وهلك في خلافة عثمان ، والحديث في هذه القضية رواه البغوي بسند الثعلبي عن أبي أمامة الباهلي ، وأخرجه الطبري بسنده أيضا ، وإنما لم يقبلها رسول اللّه جزاء لمخالفة عهد اللّه وإهانة له لقوله إنها أخت الجزية ليعتبر غيره ، وما قيل إن هذه الآية نزلت في حاطب بن بلتعة أو متعب بن قشير فقيل ضعيف ، وهي عامة في كلّ من هذا شأنه ، ونزولها في ثعلبة لا يقيدها أو يخصصها فيه ، لأن العبرة دائما لعموم اللّفظ لا لخصوص السّبب ، ولما أبان للمنافقين نفاقهم ، وشاع بين النّاس ما أظهره اللّه تعالى مما تكنه بواطنهم الخبيثة ، ولم يروا بدا من الاستتار جاءوا إلى رسول اللّه يطلبون منه الاستغفار ، فأنزل اللّه تعالى خطابا لسيد المخاطبين قوله جل وعلا «اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ» حيث قضي الأمر في شأنهم فاستغفارك لهم وعدمه سواء منهما أكثرت منه «إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ» أي عدم المغفرة لهم «بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» وأصروا على كفرهم ، وكمن ذلك في قلوبهم ، وخرجوا عن الطّاعة «وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» (80) الخارجين عن طاعته ، ومن شفقة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ورأفته بهم لو يعلم أنه إذا استغفر لهم أكثر من سبعين مرة ، وأنه تعالى يغفر لهم لفعل ، ولكن سبق السّيف العذل ورفعت الأقلام وجنت الصّحف بما هو كائن ،
ثم ذكر نوعا آخر من مثالبهم ، فقال جل قوله «فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ» ولم يذهبوا معه إلى غزوة تبوك التي هي آخر غزواته صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان عليهم أن يأسفوا ويحزنوا لما فاتهم من صحبته في هذه السّفرة الطّويلة ويتأثروا على مخالفة أمره وهم بالعكس راق لهم البقاء في المدينة «وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» مع رسوله وأصحابه لإعلاء كلمة اللّه وكسر شوكة أعدائه ونصرة أوليائه واختاروا الرّاحة والقعود مع أهليهم وأولادهم وأموالهم على مرافقة الرّسول وتكثير سواده ، «وَقالُوا» لبعضهم يقصد تثبيطهم وغزوة رسول اللّه ما تخلفوا ، ولكنهم قوم فقدوا عقولهم فاتركهم «فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا» في هذه الدّنيا الفانية على راحتهم فيها وتخلفهم عن الجهاد معك «وَلْيَبْكُوا كَثِيراً» في الدّار الآخرة الباقية على ما فرط منهم وفرحوا به «جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» (82) من الأعمال القبيحة والأفعال الخبيثة.
قال علي كرم اللّه وجهه لابنه الحسن : إن أغنى الغنى العقل ، وأكبر الفقر الحمق.
وإذا كانوا حمقا ولا عقول لهم فلا يرجى منهم خير ولا عود إلى الخير.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا.
وروى البغوي بسنده عن أنس بن مالك قال :
سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول يا أيها النّاس ابكوا فإن لم تستطيعوا أن تبكوا فتباكوا فإن أهل النّار يبكون في النّار حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تقطع الدّموع ، فتسيل الدّماء ، فتفرغ العيون فلو أن سقنا أجريت فيها لجرت.
فتأمّلوا رحمكم اللّه في هذا واعقلوا ما يراد منكم ، فالعقل هو الإمام الحق والصّاحب الوفي والنّور المضيء ، والشّاهد الذكي المميز الحق من الباطل ، والخير من الشّر ، والصّدق من الكذب ، المشوّق إلى العلم والحكمة ، والآلف من الدّناءة والخسة ، وبه توجد السّعادة العظمى والسّلامة في الآخرة والأولى ، فالسعيد من جعل همه في معاده ولم يخض بما لا يعنيه ، ولا يترك الخوف في أمنه ولا بيأس من الأمن في خوفه ، وتدبر الأمور في علانيته وسرّه ، ولم بذر الإحسان في قدرته ، وحادث النّاس فيما يجهل ، فإن في المحادثة تلقيحا للعقل وترويحا للقلب ، وتسريحا للهم ، وتنقيحا للأدب.
وعليه فليأخذ ما استطاع من كلامه ففيه المزالق ، وقيل فيه :
إذا فكّر الإنسان ألفى لسانه عدوا له يجني عليه بما يجني
فإن هو لم يطلقه الفاء مطلقا وإن هو لم يسجنه ألقاه في السّجن(6/464)
ج 6 ، ص : 465(6/465)
ج 6 ، ص : 466
وقال الآخر :
احفظ لسانك أيها الإنسان لا يلدغنّك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءه الشّجعان
وخفف ما استطعت من الدّنيا ، فإنه لا يجتمع حب الدّنيا والآخرة بقلب واحد.
واحذرها فإنها تقمصت بجلد الشّاة على قلب الذئب ، قال أبو نواس :
ألا كلّ شيء هالك وابن هالك وذو نسب في الهالكين عريق
إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشف له عن عدو في ثياب صديق
فالدنيا هي الدّاء الدّفين ودواؤه تركها وترك أهلها لأنهم داء لا دواء لهم ، قال الحيص بيص :
يا طالب الطّب من داء أصيب به إن الطّبيب الذي أبلاك بالداء
هو الطّبيب الذي يرجى لعافية لا من يذيب لك الترياق في الماء
فهذا ثعلبة كيف غرّته الدّنيا فخسرها مع الآخرة بسبب الطّمع :
يا ويح من جعل المطامع قائدا يقتاده نحو الرّدى بزمام
من كان قائده المطامع لم يفر يوما بعيش مسرة وسلام
فنتيجة الطّمع الهلاك ، فلا ثرجو خيرا من طمع :
وراعي الشّاة يحمي الذئب عنها فكيف إذا الرّعاة لها ذئاب
قال تعالى «فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ» يا حبيبي من غزوتك هذه «إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ» أي المتخلفين بلا عذر ثم جاءوك «فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ» إلى غزوة أخرى «فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا» بسبب «إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ» (83) العاجزين والصّبيان والنّساء وأرباب العاهات ، فتبا لكم على اختياركم القعود معهم ، أما أنا فقد أغناني اللّه عنكم وأرجعني وأصحابي بخير ، لأن اللّه وعدني بذلك ، ووعده حق ، وقد حل بكم النّدم على اختياركم القعود وما فعلتم ولات حين مندم ، وقد فاز من فاز بمرافقتي وخسر وخاب من تقاعس ، وقد جف القلم بما هو كائن للفريقين.
قال تعالى «وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ(6/466)
ج 6 ، ص : 467
عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ»
(84) خارجون عن طاعتهما ، وهذه الآية تشير إلى إهانتهم بعد الموت كما كانوا قبله ، وقد وصفهم اللّه بالفسق بعد الكفر ، مع أنه داخل فيه ، لأن الكافر قد يكون عدلا يؤدي الأمانة ولا يسيء إلى أحد ، وقد يكون مع كفره على ضد ذلك خبيث النّفس ماكرا مخلدعا غشاشا.
ولما كان المنافقون جامعين لهذه الصّفات القبيحة المخزية ، نعتهم اللّه تعالى بالفسق بعد الكفر ، وكلاهما خيثان.
مطلب موت ابن أبي سلول وكون العلة لا تدور مع المعلول ، وأسباب التكرار في الآيات وعدم زيادة (ما) ولا غيرها في القرآن :
روى البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب ، قال لما مات عبد اللّه بن أبي سلول دعى له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليصلي عليه ، فلما قام صلّى اللّه عليه وسلم وثبت إليه ، فقلت يا رسول اللّه أتصلي على ابن أبي سلول وقد قال يوم كذا : كذا وكذا أعدد عليه قوله ، فتبسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وقال أخّر عنّي يا عمر ، فلما أكثرت عليه قال إني خيّرت فاخترت.
أي خيرت في آية الاستغفار عدد 80 المارة لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت ، وهذا من كرم أخلاقه صلّى اللّه عليه وسلم وعظيم عفوه وكثير صفحه عمن أساء له ، وشدة حرصه على من ينيب اليه ، لأن هذا من أشد النّاس عداوة له صلّى اللّه عليه وسلم فداك أبي وأمي ما أحلمك يا رسول اللّه.
واعلم أيها القارئ أن هذا لا يعارض قوله تعالى (ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى ) الآية 8 من سورة المنافقين المارة ، لأن هذا الاستغفار مخير فيه لا منهي عنه ، والفرق بينهما واضح ، تأمل.
وقد علم صلّى اللّه عليه وسلم بطريق الوحي أنه لا يغفر له ، قال فصلى عليه ثم انصرف فلم يمكث إلّا يسيرا حتى نزلت الآية ، قال فعجبت من جرأتي على رسول اللّه يومئذ ، وهذا الحديث مقيد بحديث سأزيد على السّبعين الذي يفيد الوعد المطلق ، لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضا ، وتقيد وتخصص أيضا ، كالآيات القرآنية ، واللّه ورسوله أعلم.
وقد أخرج هذا الحديث الترمذي وزاد فيه ، فما صلّى صلّى اللّه عليه وسلم بعده على منافق ، ولا قام على قبره حتى قبضه اللّه ، وفي رواية جابر للبخاري ومسلم أنه ألبسه قميصه ونفث عليه ، (6/467)
ج 6 ، ص : 468
وإنما فعل هذا حضرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم مع هذا وهو راس المنافقين ، مع علمه أنه مات على نفاقه تطييبا لخاطر ابنه عبد اللّه لشدة إخلاصه وصلاحه وصدقه ومحبته لحضرة الرّسول ينبيك عن هذا ما نوهنا به في الآية 8 من سورة المنافقين المارة مما قاله لابنه وما ذكره بحضرة الرّسول ، ولذلك قال حضرة الرّسول على قبره وصلّى عليه قبل النّهي ، وهذا من بعض محاسن أخلاقه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولما رأى المنافقون وقوم عبد اللّه بن سلول ما قام به صلّى اللّه عليه وسلم من مقابلة إساءة عبد اللّه لحضرته بالإحسان حال حياته ، وبالإحسان بعد وفاته أسلم كثير منهم ، وإنما كساه ثوبه بعد موته لأنه كان حينما جيء بالعباس أسيرا يوم بدر كساه عبد اللّه ثوبه ، وقد حفظ له معروفه ذلك وهو أهل المعروف وأولى ممن يقابل السّيئة بالحسنة.
هذا وان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم زار قبر أمه عام الحديبية قبل النّهي لما لها من حق الأمومة ، وذلك قبل نزول هذه الآية ، لأنها نزلت بعد غزوة تبوك ، فلا يرد عليه مقال ، ومن قال أن زيارته لها بعد النّهي أي بعد نزول هذه الآية فقد أخطأ ، لأن التاريخ يكذبه ، على أنها رحمها اللّه من أهل الفترة ، وأباه كذلك ، والقول الصّحيح أن أهل الفترة غير مؤاخذين ، راجع الآية 15 من سورة الإسراء في ج 1.
ولا مانع يمنع من زيارة قبور الكفار ، لأن القصد من الزيارة التذكر بالآخرة ، قال صلّى اللّه عليه وسلم كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة.
ومن جعل العلّة في الزيارة الدّعاء لهم لا مستند له ، لأن الدّعاء يكون في كلّ مكان على أنه لو فرض صحة ذلك فإن العلة لا تدور مع المعلول ، لأن الخمر حرمت لعلة الإسكار ، فهل يقال بإباحتها لمن لم يسكر بسبب إدمانه عليها أو لأمر آخر ، وقد حرم الزنى لعلة اختلاط الأنساب فهل يباح لعقيم أو عجوز لا يتصور منهما ذلك ، وحرم القمار لعلة أخذ أموال النّاس بغير حق ، فهل يباح اللّعب به إذا لم يتحقق أخذ المال بغير حق ، لأن المقامر قد يربح وقد يخسر ، وقد لا يربح ولا يخسر ، وهكذا في سائر المحرمات ، فانه لا يجوز قربها ولو لم تحقق العلة ، ولهذا فإن عدم الدّعاء للأمرات لا يمنع من زيارة قبورهم تأمل قوله صلّى اللّه عليه وسلم تذكركم الآخرة لأن فيها عبرة وعظة حصل الدّعاء أم لم يحصل.
قال تعالى «وَلا تُعْجِبْكَ(6/468)
ج 6 ، ص : 469
أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ»
(85) وهذه نظير الآية 55 المارة وتفسيرها تفسيرها ، وقد يكرر اللّه بعض الآيات في سورة واحدة لحكمة يعلمها ، لأن تجدد النّزول له شأن في تقرير ما أنزل وتأكيد له ولئلا يغفل المخاطب عنه وليعتقد أهميّته وخاصة فيما يتعلق بالأموال والأولاد ، الآتي ذكرهما في أكثر السّور ، لأنهما أشد جذبا للقلب من غيرهما ، ولهذا حذر اللّه تعالى من الانهماك بهما المرّة بعد الأخرى مبالغة في التحذير من الانشغال بهما عن أمور الآخرة.
واعلم أنه قد يوجد تقارب بين الآيات الكريمة ، قد لا يحس بها ، فهذه الآية صدّرت بالواو الاستئنافية إذ لا علاقة لها بما قبلها ، ولم تزد فيها (لا) بعطف الأولاد ، دلالة على عدم التفاوت بينهم وبين المال في المحبة عندهم ، وصدرت الأولى بالفاء المفيدة للعطف على ما قبلها وهي لا ينفقون إلّا وهم كارهون الآية 54 المارة لشدة محبتهم بالمال وزيد فيها (لا) لزيادة التأكيد الدّال على أنهم معجبون بها وإعجابهم بأولادهم أكثر وجاء فعل يعذبهم مقرونا باللام مع العلم بأن التعليل في أحكام اللّه محال وفي هذه بلفظ ان دون اللام وان حرف التعليل فيها بمثابة ان قال تعالى (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ) الآية (6) من سورة البينة المارة أي ما أمروا إلّا أن يعبدوا اللّه ، وجاء في الأولى في الحياة الدّنيا تبينها على أن حياتهم كلا حياة وهنا في الدّنيا فقط إشارة إلى أن حياتهم بلغت في الخسة إلى أنها لا تستحق الذكر ولا تسمى حياة لذلك انتصر في ذكرها وقدم الأموال على الأولاد فيها لشدة الحاجة إليها مع أن الأولاد أعز منها لأنها تصرف في سبيلهم كما أنهم يفارقون أنفسهم بطلبها ومهما كان في الولد عز فالفقر أذل في عزة الأولاد لهذا فإن من لم يتفكر في الآيات يظنّ أنها مكررة حرفيا مع أنها قد لا توجد الآية كلها مكررة بعينها أما الجمل في الآيات والكلمات فيها فهو كثير ولكن كلّ لمناسبة أخرى وقد بيّنا بعض أسباب التكرار في الآية الأخيرة من سورة الكافرين في ج 1 ولا يخفى أيضا أن التكرار واقع في بيان التوحيد وأحوال القيامة وقصص الأنبياء ، وذلك أن العرب كانوا وثنيين ينكرون هذه الأشياء ومثلهم أهل الهند والصّين والمجوس(6/469)
ج 6 ، ص : 470
فلأجل التقرير والتأكيد اقتضت حكمة اللّه بالتكرار في الجمل والكلمات ومعنى الآيات لا الآيات نفسها وهو من إعجاز القرآن وبلاغته فكان التحدي فيه بالبلاغة والفصاحة في الجمل والكلمات والآيات إيجازا وإطنابا مع مراعاة الدّلالة على المعنى في كلّ وحفظ أعلى مرتبة البلاغة في كلّ من الموجز والمطنب ليعلم أن القرآن ليس من كلام البشر لأن هذا الأمر عند البلغاء يعدونه خارجا عن طوق البشر ومن أراد أن يطلع على تفاصيل أسباب التكرار فليراجع ص 31 وما بعدها من كتاب إظهار الحق ج 2 في الباب الخامس لصاحبه المغفور له رحمة اللّه الهندي.
قال تعالى «وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ» من القرآن آمرة «أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ» قدم الإيمان لأن الجهاد بدونه لا يفيد «اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ» الأغنياء القادرون على الجهاد مالا وبدنا الواجب عليهم فيها «وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ» (86) المعذورين عن الجهاد.
قال تعالى موبخا لهم على قولهم هذا «رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ» لضعف إيمانهم وقلة يقينهم وزيادة جبنهم وكثرة خوفهم وكان عليهم لو كان عندهم مروءة أن لا يرضوا لأنفسهم ذلك الخزي والهوان ويعدون أنفسهم من قسم النّساء والصّبيان ومن هو في حكمهما من المرضى والعاجزين بل عليهم أن يسارعوا إلى ما فيه عزهم وفخارهم ويلبّوا أمر رسولهم طاعة لربهم ولكنهم عدلوا عن ذلك كله «وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ» (87) مراد اللّه في الجهاد ولا يعلمون أنه لمصالحهم واعلم أنه لم تدخل ما بعد إذا هنا لاحتمال تطرق النّفي فيما بعدها ومثلها في الآية (30) من سورة محمد عليه السّلام المارة لأن ما لا تدخل بعد إذا مطلقا كما يفعله بعض من لم ينظر إلى ما بعدها حتى أن كتبة هذا الزمن تجدهم يدخلونها بصورة مستمرة غير ناظرين إلى المعنى الذي يتخيل منها لقلة معرفتهم بالعربية واغترارهم بالقاعدة (إن ما بعد ذا زائدة) ولا يعرفون أن الزائد لا يكون في كتاب اللّه كما لا يوجد النّاقص فيه وسنبين لك هذا البحث مستوفيا في الآية 123 الآتية بعد وقد بينا بعضه في الآية 93 من سورة المائدة المارة فراجعها قال تعالى «لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ» لا يستأذنون ولا يرضون لأنفسهم(6/470)
ج 6 ، ص : 471
الذلة والمهانة بالتخلف بل رغبوا بما عند اللّه تعالى من الأجر والثواب ولذلك «جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ» لإعلاء كلمة اللّه وعزة المؤمنين فرخصوا أنفسهم فباعوها في سبيل اللّه ولم يحسبوا للموت حسابا ، وكان قائلهم يقول :
أقول لها وقد طارت شعاعا من الأبطال ويلك لم تراعي
فإنك لو سألت بقاء يوم على الأجل الذي لك لم تطاع
فصبرا في مجال الموت صبرا فما نيل الخلود بمستطاع
فهؤلاء الرّجال الّذين يحبون الموت لتوهب لهم الحياة الطّيبة في الدّنيا والآخرة لا أولئك «وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ» في الدّنيا من الغنائم والتفوق على غيرهم من الإقدام والتفادي «وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (88) الفائزون في الآخرة إذ «أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها» جزاء طاعتهم للّه ورسوله «ذلِكَ» الجزاء الحسن هو «الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» (89) الذي لا يوازيه فوز ، وفخر عظيم لا يعادله فخر ، وأجر كبير لا يقابله أجر.
مطلب في المستثنين من الجهاد ، والفرق بين العرب والأعراب وأول من آمن وخبرهم ، وتقسيم المنافقين ، وعذاب القبر :
قال تعالى «وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ» بتشديد الذال ومن شدد العين معها فقد أخطأ ، لأن الذال تدغم مع العين للتضاد ، ولم يقل أحد بتنزيل التضادّ منزلة التناسب ، وقرىء المعتذرون أي طالبي العذر ، لأن التاء للطلب على أن الأصل المعتذرون ، فأدغمت التاء في الذال ونقلت حركتها إلى العين ، وذلك لما رأوا أن سقط في أيديهم ، ولم يروا أن الأرض تسعهم مما لحقهم من الخجل ممن كان من أصحابهم مع حضرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وهم «مِنَ الْأَعْرابِ» الّذين تخلفوا عن رسول اللّه في غزوة تبوك بعد أن عاد منها حضرة الرّسول وصاروا يعتذرون إليه بأن عدم خروجهم معه كان خوفا من أن بغير أعداؤهم على أموالهم وذراريهم حالة غيابهم وطلبوا منه «لِيُؤْذَنَ لَهُمْ» بقبول عذرهم والمعذر من يرى أن له عذرا ولا عذر له ، وهؤلاء الّذين تخلفوا كسلا ، وأما المتخلفون نفاقا فهم المذكورون(6/471)
ج 6 ، ص : 472
في قوله تعالى «وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ» فلم يأتوا ولم يعتذروا إذ عرفوا أنهم سقط في أيديهم «سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ» أعنف العنف «عَذابٌ أَلِيمٌ» (90) لأن تخلفهم كان مخالفة لأمر الرّسول وجرأة على اللّه ، أما الّذين لم يكن تخلفهم لهذا فمفوضون لأمر اللّه ،
ثم بين تعالى المعذورين الغير مكلفين بالجهاد فقال «لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ» المسنين الهرمين ومن دون البلوغ من الصّبيان والنّساء لعدم تكليفهم ولضعفهم ورقة قلوبهم «وَلا عَلَى الْمَرْضى » وذوي العاهات والزمنى «وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ» بالغزو من السّلاح والزاد والرّاحلة «حَرَجٌ» إثم إذا تخلفوا عن الجهاد ، أما إذا خرجوا طوع أنفسهم لتكثير سواد المسلمين وحفظ متاعهم وتهيئه ما يتمكنون عليه من الخبز والتضميد والتنظيف ومداواة الجرحى ، فلهم الثواب العظيم ، لأن اللّه تعالى أسقط عنهم الوجوب ولم يحرم عليهم الخروج ، فإذا أقاموا في البلد لا إثم عليهم ، بل يؤجرون إذا نظروا إلى أولاد وأموال المجاهدين ورعايتها وحفظها ، وهذا مغزى قوله جل قوله «إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» بأن حافظوا على ما ذكر وقاموا بحوائج ذراري وأهالي المجاهدين ما استطاعوا عليه بصدق وأمانة وإخلاص ، ولا سيما إذا أوصلوا الأخبار السّارة إلى أهالي المجاهدين وردوا أراجيف المرجفين وكتموا أسرارهم ولم يفشوها لأحد ، فهذا كله من الإحسان للمجاهدين وأهليهم وداخل في معنى النّصح الذي ذكره اللّه ، لذلك قال «ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» يلامون عليه أو يعاتبون فيه وقد سماهم اللّه محسنين فيكفيهم فضلا على غيرهم وأجرا على ما وصفهم اللّه به وتقديرا عند رسوله «وَاللَّهُ غَفُورٌ» لمن تخلف منهم «رَحِيمٌ 91» بهم يثيبهم بحسب نيتهم «وَلا» حرج ايضا «عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ» فبلغوا معك تبوك لقتال عدوك «قُلْتَ» لهم «لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ» وكانت الشّقة بعيدة في هذه الغزوة لا يمكن المشي فيها على الأقدام بصورة مستمرة «تَوَلَّوْا» أعرضوا بظهورهم عنك وهو جواب إذا «وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ» ، واعلم أن هذا التعبير يقع في علم البلاغة بمكان عظيم ،
لأن العين جعلت هنا كلها دمعا ويعبر عن مثل هذا في البلاغة(6/472)
ج 6 ، ص : 473
بفيض دمعها «حَزَناً» على عدم خروجهم معك بسبب «أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ» (92) للتأهب معك والواو هنا للحال أي تولوا والحال أن أعينهم إلخ.
ثم ان العباس وعثمان ويامين بن عمرو لما رأوا تأثرهم تمكنوا من تجهيز جملة منهم وذهبوا مع حضرة الرّسول.
أخرج ابن أبي حاتم والدّارقطني في الأفراد عن زيد بن ثابت قال : كنت أكتب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فنزلت براءة ، واني لواضع القلم على أذني إذ أمرنا بالقتال ، فجعل رسول اللّه ينظر ما ينزل عليه ، إذ جاءه أعمى.
فقال كيف يا رسول اللّه وأنا أعمى ؟ فنزلت (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى ) الآية.
ونقل الطّبراني عن محمد بن كعب وغيره ، قالوا جاء أناس من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يستحملونه فقال ما قصه اللّه في الآية.
وهذا شامل لقول من قال إنها نزلت في البكائين السبعة : سالم بن عمير وهو من بني عمير وعبد الرّحمن بن كعب أبي يعلى وسلمان ابن صخر وعبد الرّحمن بن زيد الذي تصدق بعرضة - بفتح العين والضّاد - وعمرو ابن خيثمة وعبد اللّه بن عمرو وغيرهم الّذين ذكرهم البغوي ، والثلاثة الّذين ذكرهم مجاهد ، أو العرياض بن سارية.
قال تعالى «إِنَّمَا السَّبِيلُ» طريق اللّوم والعقوبة والمؤاخذة «عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ» أقوياء قادرين الّذين «رَضُوا» رغبة منهم «بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» (93) حقيقة ما أعده اللّه للمجاهدين في الدّنيا والآخرة ، وقبح ما اختاروه ، ووخامة عاقبته في الدّارين.
قالوا ولما وصل صلّى اللّه عليه وسلم تبوكا لم يرقها أحد من الرّوم ، فاستنار أصحابه بمجاوزة تبوك ، فقال عمر إن كنت أمرت فسر ، فقال لو أمرت لم أستشر.
وهناك جاءه يوحنا صاحب إيلياء ومعه أهل جرباء واذرح ومتينياء من بلاد الشّام ، فصالحوه على الجزية ، وكتب لهم كتاب أمان لهم ولأموالهم ما داموا على العهد.
وبعد مضي عشرين يوما أقاموها بتبوك للراحة من وعثاء السفر رجعوا إلى المدينة.
وان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بنى مساجد في طريقه من تبوك إلى المدينة ووصلوا إليها سالمين ، وامتدحه العباس رضي اللّه عنه بقصيدة مشهورة مطلعها :
وأنت لما ولدت أشرقت ال أرض وضاءت بنورك الأفق(6/473)
ج 6 ، ص : 474
فنحن في ذاك الضّياء وفي النور وسبل الرّشاد نخترق
قال تعالى وأولئك المتخلفون سيأنونكم «يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ» من سفركم «إِلَيْهِمْ» بالمعاذير الباطلة الواهية لتقبلوا منهم وتصفحوا عنهم ، «قُلْ» لهم يا سيد الرّسل «لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ»
ولا نصدق عذركم «قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ» الكاذبة قبل إبدائها ، وصار لنا علم حقيقي بها ، فلا مجال لتصديقها البتة «وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ» ويريه للنّاس من كلّ ما تقولون وتوعدون به من النّصر والمعونة في المستقبل ، ويظهر صدقه وكذبه في الدّنيا ، وهل تتوبون مما أنتم عليه أو تموتون مصرّين على نفاقكم «ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ» في الدّار الآخرة وإذ ذاك «فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (94) ويجازيكم بحسبه قال تعالى «سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ» يا سيد الرّسل هؤلاء المنافقون بأنهم «إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ» من غزوتكم هذه «لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ» ولا تؤنّبوهم «فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ» واتركوهم وشأنهم ، وقد طلبوا اعراض الصّفح ، فأعطوا اعراض المقت ، وذلك «لأنّهم رجس» ، لا تطهرهم المعاتبة ولا يصلحهم التوبيخ في الدّنيا «وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ» في الآخرة «جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» (95) من قبائحهم وخبثهم «يَحْلِفُونَ» هؤلاء المنافقون وعددهم بضعة وثمانون رجلا ، وهم الّذين نزلت فيهم هذه الآيات «لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ» مع أنهم خارجون عن طاعتكم كلا لا تفعلوا «فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ» (96) الخارجين عن طاعته المناوئين لرسوله وللمؤمنين ، وإنما وصفهم اللّه بما ذكر ليعلم رسوله بما في قلوبهم ، فلا يقبل عذرهم ، ولا يصدق إيمانهم ، أما المعذورون حقيقة ، فقد قال صلّى اللّه عليه وسلم عند دنوه من المدينة مخاطبا أصحابه الّذين معه إن في المدينة قوما ما سرتم سيرا ولا قطعتم واديا إلّا كانوا معكم ، حبسهم العذر هذا ، ولما انتهى صلّى اللّه عليه وسلم من غزوته هذه ، وعاد إلى المدينة طفق يشير بما عليه أعرابها ، فقال ما أنزله اللّه عليه «الْأَعْرابُ أَشَدُّ
كُفْراً وَنِفاقاً» من الحضر «وَأَجْدَرُ» بذلك وأحرى وأولى أن يكون كفرهم ونفاقهم أشد من أهل القرى والمدن(6/474)
ج 6 ، ص : 475
بسيب بعدهم عن سماع القرآن وأحاديث الرّسول ومواعظ العلماء ، لذلك قال تعالى وأخلق «أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ» من الأحكام والأخلاق والآداب والأمثال والقصص الموجبة للاتعاظ والاعتبار «وَاللَّهُ عَلِيمٌ» بأحوال عباده كلهم «حَكِيمٌ» (97) بهم ميسر كلا لما خلق له ومعط كلا ما يستحقه.
واعلم أن الأعراب هم الّذين يتبعون في البوادي مساقط الغيث ومنابت الكلأ ، يخيّمون هنا يوما ، وهنا أياما بحسب وجود الماء والمرعى ، ويقال للواحد منهم أعرابي مفرد أعراب ومن استوطن القرى والمدن يقال له عربي مفرد عرب ، وعليه فإن المهاجرين والأنصار من العرب لا من الأعراب ، وإنما وصفهم اللّه بالكفر والنّفاق لكثرة تصلّبهم بهما وبعدهم عن معرفة حقيقة الإسلام مع ما هم عليه من كرم وشجاعة ، وإقراء الضّيف وإغاثة الملهوف ومعونة ذي الحاجة والمروءة والغيرة ، وأوصاف أخر قد لا يتحلى بها كثير من النّاس لا كما يقوله البعض بأنهم أجلاف كلا بل أشراف ، ولكن مع الأسف لا حظ لهم في الآخرة إذا لم يؤمنوا.
قال تعالى «وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ» من الصّدقات الواجبة عليه بمقتضى الدّين الحق «مَغْرَماً» يعدها كغرامة وهي التزام ما لم يلزم ، فلا يعتقد وجوبها وهي أحد أركان الإسلام ، ولا ثوابها ولا يعطبها إلّا خوفا أو رياء «وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ» أيها المؤمنون «الدَّوائِرَ» تقاليب الزمن بما يحوك في صدورهم من الحقد عليكم بسبب أخذ الصّدقة منهم ، وينقلبوا عليكم فينتقموا منكم عند أول سانحة ، ولذلك فإنهم يتحينون الفرص السّيئة لينقضوا عليكم ولكن «عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ» تدور وينقلب الزمن بسوء عليهم لا عليكم ، فلا يرون فيكم إلّا ما يسوءهم ، ولا ترون فيهم إلّا ما يسركم «وَاللَّهُ سَمِيعٌ» لما يقولونه فيكم أسرّوا فيه أم جهروا «عَلِيمٌ» (98) بما ينوون من السّوء عليكم ويتمنون وقوعه فيكم ، نزلت هذه الآيات في أعراب أسد وغطفان وتميم ، ثم استثنى منهم جماعة بقوله جل قوله «وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ» من الصّدقات «قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ» لأنهم يعطونها عن طيب نفس «وَصَلَواتِ الرَّسُولِ» أدعيته صلّى اللّه عليه وسلم لهم يتخذونها أيضا(6/475)
ج 6 ، ص : 476
ويرغبون بها ، لأن حضرة الرّسول كان يدعو للمتصدقين بالبركة والخير.
ثم ينبّه على ما يتعظ له هؤلاء الأبرار فقال «أَلا إِنَّها» صلوات الرّسول في الحقيقة «قُرْبَةٌ» عظيمة ومنفعة جزيلة وبرّ شامل «لَهُمْ» للمتصدقين ولهم في الصّدقات وصلوات الرّسول قربة عند اللّه وأجر عظيم وثواب كبير وخير جزيل «سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ» الواسعة على نيتهم هذه وعقيدتهم الحسنة «إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ» لما يقع من الخلل في صدقاتهم وما سبق من أعمالهم «رَحِيمٌ» (99) بهم وبأمثالهم المؤمنين المتصدقين لأجله ، الطالبين دعاء الرّسول ، وهذه شهادة من اللّه تعالى للمتصدقين المتيقنين أجر صدقاتهم مؤكدة بحرفي التنبيه والتأكيد وناهيك بها شهادة ، فعلى المتمولين أن يسارعوا في صدقات أموالهم عن رغبة ويكثروا منها ما استطاعوا طلبا لهذا الثواب المشهود به من اللّه.
وتفيد هذه الآية أن من لم يؤد صدقته بهذه النّية ويطلب فيها مرضاة اللّه فإنهم يعرضون أنفسهم لسخط اللّه ويعدّون من الكانزين المشار إليهم في الآية 35 المارة ، لأن الذي يعطيها خوفا أو رياء لا يعد مؤديها كما أراد اللّه ، اللهم وفق عبادك إلى السّخاء بما مننت به عليهم من فضلك ، واجعله لخيرهم وقهم من البخل والشّح المؤدي لهلاكهم ، وامح شقاءهم ، واثبت لهم السّعادة إنك على كلّ شيء قدير.
قال قسّ بن ساعدة : أفضل المال ما قضى به الحقوق ، وأفضل العلم وقوف المرء عند علمه ، وأفض العقل معرفة المرء بنفسه ، وأفضل المروءة استبقاء ماء الوجه ، ولهذا حث الشّارع على السّعي كما جاء به الكتاب ، وحبذه كلّ ذي رأي وعقل ، وفيه قيل :
فسر في بلاد اللّه والتمس الغنى تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
وما بلغ الحاجات في كلّ وجهة من النّاس إلّا من أجدّ وشمرا
فلا ترض من عيش بدون ولا تنم وكيف ينام اللّيل من كان معسرا
وقال أبو بطال :
جمعت مالا ففكر هل جمعت له يا جامع المال أبوابا تفرقه
المال عندك مخزون لوارثه ما المال مالك إلّا يوم تنفقه
إن القناعة من يحلل بساحتها لم يلق في ظلها عمّا يؤرقّه(6/476)
ج 6 ، ص : 477
فالمال الذي يوفق صاحبه لهلكته بالخير لا أحسن منه إلّا الدّين الصّحيح ، وقيل فيه :
ولم أر بعد الدّين خيرا من الغنى ولم أر بعد الكفر شرا من الفقر
وما الفرق بين حلال المال وحرامه إلّا أن الأوّل يدل على الجد والعمل والثاني يدل على الغش والكذب.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أرأيتم ان كان جهينة ومزينة وأسلم وغفار خيرا من تميم وبنى أسد وبني عبد اللّه بن غطفان ومن بني عامر بن صعصعة ؟ فقال رجل : خابوا وخسروا ، قال نعم هم خير من بني تميم وبني أسد وبني عبد اللّه بن غطفان ومن بني عامر ابن صعصعة.
ورويا عنه أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم قال أسلم سالمها اللّه ، وغفار غفر اللّه لها.
ورويا عنه قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار مواليّ ، ليس لهم مولى دون اللّه ورسوله.
وإنما مدح هؤلاء حضرة الرّسول لكمال يقينهم وحسن نيتهم وصدق عقيدتهم وأدائهم زكاة أموالهم طيبة بها أنفسهم.
قال تعالى «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ» فسلكوا سبيلهم بالإيمان واقتفوا آثارهم بالأعمال الصّالحة إلى يوم قيامتهم على هذا الشّرط الذي شرطه اللّه عليهم ، فهؤلاء «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ» بحسن نيّاتهم وبما أنعم اللّه عليهم من خيره الفيّاض «وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ» الفضل الذي منحهم اللّه إياه هو «الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» (100) من الرّب العظيم والفلاح الجسيم والنّجاح الذي ما بعده نجاح ، وهؤلاء هم الّذين صلّوا إلى القبلتين وأهل بدر وأهل بيعة الرّضوان ، ويدخل في عموم الآية جميع الأصحاب نسبيّا ، وتشمل من حذا حذوهم أيضا ، أما من لم يتبعهم بإحسان ولم يقتف آثارهم فليس منهم ، ولا ينال ما نالوه ، ولا يدخل في عدادهم ، والنّاس بعدهم مراتب.
واعلم أن أول من آمن به صلّى اللّه عليه وسلم من النّساء خديجة الكبرى رضي اللّه عنها ، ومن الصّبيان علي كرم اللّه وجهه ورضي عنه ، ومن الرّجال أبو بكر رضي اللّه عنه وأرضاه ، ومن الأرقاء بلال وزيد بن حارثة رضي اللّه(6/477)
ج 6 ، ص : 478
عنهما ، والّذين أسلموا بواسطة أبي بكر أولهم عثمان بن عفان فالزبير بن العوام فعبد الرّحمن بن عوف فسعد بن أبي وقاص فطلحة بن عبد اللّه ، فهؤلاء العشرة هم أسبق النّاس إيمانا من المهاجرين ، والسابقون من الأنصار سعد بن زرارة وعوف ابن مالك ورافع بن مالك بن العجلان وقطينة بن عامر وجابر بن عبد اللّه بن ذياب ، وهؤلاء الّذين بايعوا حضرة الرّسول ليلة العقبة الأولى ، والبراء بن معرور ، وعبد اللّه ابن عمرو بن حزام أبي جابر ، وسعد بن عبادة ، وسعد بن الرّبيع ، وعبد اللّه ابن رواحة ، ورفقاءهم ، وهم سبعون رجلا الّذين بايعوا حضرة الرّسول عند العقبة الثانية ، راجع الآية 103 من سورة آل عمران تجد هذا هناك ، وسبب اتصال الأنصار بحضرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم أيضا.
وأول من آمن على يد مصعب بن عمير من أهل المدينة قبل الهجرة قد ذكرناهم هناك أيضا.
وإنما خص اللّه السّابقين الأولين في هذه الآية بهذه المزية العظيمة لأن الهجرة أمر شاق على النّفس لما فيها من مفارقة الوطن والأهل ، والنّصرة منقبة شريفة ورتبة عالية ، وقد امتاز الأنصار المذكورون على غيرهم بإبواء حضرة الرّسول وأصحابه ومواساتهم لهم بالمال والسّكن ، حتى ان بعضهم ترك بعض زوجاته لبعضهم ، وهؤلاء الأكارم حازوا خير الدّنيا والآخرة.
ويعلم من تقديم المهاجرين في كلام اللّه أنهم أفضل من الأنصار ، لأن الهجرة أشق على النّفس من أشياء كثيرة ، والأنصار هم أهل المدينة ، ولقبوا بهذه الصّفة قبل غيرهم ، وصار علم شرف لهم لنصرتهم حضرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم.
روى البخاري ومسلم عن عمران بن حصين أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : خير النّاس قرني ثم يلونهم ، ثم الّذين يلونهم.
قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة.
والأخيريّة النّسبية موجودة حتى الآن وما بعدئذ بدلالة قوله صلّى اللّه عليه وسلم لا يأتي يوم إلا والذي بعده شرّ منه ، وما يقع من الأخيريّة فهو من تنفسات الزمان.
ورويا عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه.
والقرن من مئة إلى مئة وعشرين سنة ، وهو مستوى عمر الإنسان لو عاش سالما من تخم الأكل المهلكة وتحفظ من الحر والقر المدمّرين للانسان ، ومن الجوع المفرط وما يعتريه بسبب(6/478)
ج 6 ، ص : 479
هذه الأشياء من الأمراض ، وما يفضي إليه من ترد وهدم وغرق وحرق وقتل وشبهها ، وقد قدر اللّه تعالى هذا لعمر الإنسان ، لأن الحيوان بعيش في الغالب سبعة أمثال مدة بلوغه ، وأكثر ، وأقل ، بحسب ما هو مقدر عند اللّه من الأجل المبرم والمعلق ، وزمن بلوغ الإنسان على القول الوسط خمس عشرة سنة ، فتكون مع سبعة أمثالها مئة وعشرين ، وهو معنى القرن ، وكثيرا ما يقضون قبل ذلك بما يقدره اللّه عليهم من تلك العوارض ، وكثيرا ما يعيشون أكثر ، وقد عاش شيخنا الشّيخ حسين الأزهري مفتي الفرات سابفا مئة وسبعا وعشرين سنة مستجمعا كمال حواسه العشرة ، ولم يعتره شيء من أمارات الهرم ، رحمه اللّه ، وبلّغنا ما بلغه ، وجعل لنا لسان صدق مثله.
ثم قسم اللّه المنافقين ثلاثة أقسام ذكر الأوّل بقوله عز قوله «وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ» المحيطين بالمدينة «مُنافِقُونَ» يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر وهم من مزينة وجهينة وأسجع وغفار وأسلم أي القليل منهم ، بدليل لفظ من التبعيضية ، والكثير منهم ممدوحون كما مر في الحديث السّابق عقب الآية (99) المارة الدّالة على مدحهم ، وفي هذا القسم المذموم الممقوت المذكورون في قوله تعالى «وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ» منافقون «مَرَدُوا» تمرنوا واعتادوا «عَلَى النِّفاقِ» وهم من الأوس والخزرج ، وأنت يا سيد المرسلين «لا تَعْلَمُهُمْ» لأنهم يظهرون لك الإيمان والإخلاص والصّدق والطّاعة والحمية ولكن «نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ» لأنا مطلعين على ما تكنّه صدورهم من الكفر والغش والبغض والكذب والعصيان ولهذا فإنا «سَنُعَذِّبُهُمْ» على تزويرهم هذا ، وخداعهم لك «مَرَّتَيْنِ» الفضيحة والخزي والهوان والعار والشّتار في الدّنيا ، والعذاب الدّائم المقيم مدة البرزخ في القبر وكلا هذين العذابين في الدّنيا ، لأن مدة البرزخ من أيامها ، وعلى هذا عامة المفسرين يؤيده قوله تعالى ، ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ» (101) في الآخرة لأنها محل ردّ كل الخلق فإنه مكان مكافآتهم ومجازاتهم ، وهذه الآية من الآيات الصّريحة الدّالة على عذاب القبر ، راجع الآية 46 من سورة المؤمن المارة في ج 2.
واعلم أن هذه الآية تشير إلى أن حضرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم لا يعلم الغيب ، وأن كلّ ما يخبر به هو(6/479)
ج 6 ، ص : 480
من تعليم اللّه إياه وإخباره له بواسطة أمينه جبريل عليه السّلام.
قال الكلبي قام النبي صلّى اللّه عليه وسلم خطيبا يوم جمعة فقال : أخرج يا فلان فإنك منافق ، فأخرج أناسا من المسجد وفضحهم ولم يك عمر شهد تلك الجمعة لحاجة كانت له ، فلقيهم وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم استحياء ، لأنه لم يشهد الجمعة ، وظن أن النّاس قد انصرفوا واختبأوا هم منه أيضا ، إذ ظنوا أنه قد علم بأمرهم خجلا من أن يراهم ، فدخل المسجد فإذا بالناس لم ينصرفوا ، فقال له رجل أبشر يا عمر فإن اللّه قد فضح المنافقين اليوم - أخرجه ابن أبي هاشم والطّبراني في الأوسط عن ابن عباس - وفي رواية ابن مردوية عن أبي مسعود الأنصاري أنه صلّى اللّه عليه وسلم أقام في ذلك اليوم وهو على المنبر ستة وثلاثين رجلا ، ثم بين القسم الثاني بقوله «وَآخَرُونَ» من مسلمي المدينة الّذين تخلفوا عن الرّسول بشائبة النفاق ، فلم يخرجوا معه إلى تبوك «اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ» أمام حضرة الرّسول عند رجوعه وأظهروا له النّدم والأسف على ما وقع منهم ، ولم يتقدموا بمعاذير واهية مختلفة كالأولين ، فهؤلاء بفعلهم هذا وبيانهم الواقع طوعا منهم يعدّون قد «خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً» وهو خروجهم مع حضرة الرّسول في الغزوات السّابقة وصدقهم فيها وندمهم على عدم ذهابهم مع الرّسول في هذه الغزوة ندامة حقيقة «وَآخَرَ سَيِّئاً» وهو تخلفهم عنه في هذه الغزوة وموافقتهم المنافقين على عدم الخروج معه قبلا ، وهؤلاء لم يكن اللّه ليضيع أعمالهم السّابقة الصّادقة ، ولذلك قال جل قوله «عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ» لسابق فعلهم الحسن وتحسين نيتهم والتمني من اللّه تعالى للتحقيق ، لأن اعترافهم برضاهم دليل على صدق نيتهم.
وتشير هذه الآية على قبولهم ، ولذلك لم يذكر اللّه ما يدل على عقابهم.
روى الطبري عن ابن عثمان قال : ما في القرآن آية أرجى عندي من هذه الآية ، وذلك لأن ظاهرها يفيد أن مجرد عمل صالح وجد من الإنسان مع أعمال سيئة يرجى له الخير ، وقد لا يخلو مسلم من عمل خير مهما كان شريرا والحمد للّه ، راجع الآية 6 من سورة الرّعد المارة وما ترشدك إليه من المواضع ترشد لما تريد ، واعلم أن الخلط هنا عبارة عن الجمع المطلق كاختلاط النّاس والأواني وغيرها بعضها ببعض ، (6/480)
ج 6 ، ص : 481
والواو هنا نائبة عن مع ، إذ بقي كلّ عمل صالح على حاله ، فالطاعة تبقى على حالها موجبة للثواب ، والمعصية تبقى على حالهما مفضية للعقاب ، والقول بالإحباط باطل ، وهذا على خلاف قولك خلطت الماء بالعسل لا متزاجهما واندماج كلّ منهما بالآخر ، فلم يبق العسل عسلا ولا الماء ماء ، ومن قال بالإحباط أراد هذا المعنى الأخير تأمل.
ومما يدل على قبول التوبة وعدم الإحباط ختم الآية بقوله «إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (102) لأن تصديرها بحرف التأكيد دليل على انه ينجز الوعد لهم يسائق مغفرته ورحمته ، ومن دلائل قبول التوبة أيضا قوله تعالى خطابا لسيد المخاطبين «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ» أي المعترفين المذكورين «صَدَقَةً» تكون كفارة لما صدر منهم «تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها» من أدران خطاياهم «وَصَلِّ عَلَيْهِمْ» ادع بالتجاوز عما اقترفوه وإزالة الصّدأ من قلوبهم بالكلية «إِنَّ صَلاتَكَ» يا حبيبي لو يعلمون «سَكَنٌ لَهُمْ» وأمن وطمأنينة لأفئدتهم بقبول توبتهم «وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (103) بنيتهم وإخلاصهم في قولهم وفعلهم ونزلت هذه الآية بعد قبول توبتهم وبعد أن تصدقوا بمالهم فرحا بقبول توبتهم وهي عند اللّه كذلك قبل ذلك فلا يخطر ببالك غيره ولا يتصوره إلّا زنديق أو منافق ، لأن اللّه ورسوله غنيّان عن أموال النّاس لا سيما أن الصّدقة لا تحل لحضرة الرّسول ، وإنما يأخذها ليعطيها مستحقيها ، وإنما حمى اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلم من أخذ الصّدقة لنفسه وحرمها على أقاربه أيضا وإن كانوا فقراء ، لئلا يظن به أحد في أخذها ظنا يسيء السّمعة ، لا سيما أن النّفس سريعة الظّن بالسوء بطيئة بالحسن ، روي عن عبد اللّه بن أبي أوفى وكان من أصحاب الشّجرة قال كان النّبى صلّى اللّه عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقة قال اللّهم صلّ عليهم «فأتاه أبي بصدقة فقال اللّهم صل على آل أبي أوفى - أخرجاه في الصّحيحين - والدّليل الثالث على قبول توبتهم قوله جل قوله «أَ لَمْ يَعْلَمُوا» هؤلاء النّادمون المعترفون بخطائهم «أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ» المعطاة كفارة للذنوب التي تيب عليها وغيرها الصّادرة عن طيب نفس والأخذ منه تعالى يكون بواسطة رسوله دليل القبول «أَنَّ اللَّهَ هُوَ
التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (104) نزلت هاتان الآيتان في جماعة(6/481)
ج 6 ، ص : 482
من المسلمين الّذين تخلفوا عن غزوة تبوك وهو أوس بن ثعلبة ووديعة بن حزام وأبو لبابة بن عبد النّور وغيرهم ، وهم دون العشرة وأكثر من الخمسة ، وقد قال بعضهم لبعض أنكون من الضّلال ومع النّساء ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه في الجهاد واللّأواء (أي الشّدة) ، فلما قرب مجيء الرّسول إلى المدينة أرثفوا أنفسهم في سواري المسجد وقالوا واللّه لبقين حتى يطلقنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما مر بهم قال من هؤلاء ؟ قالوا الّذين تخلفوا عنك عاهدوا اللّه أن لا يطلقوا أنفسهم حتى ترضى عنهم ، قال وأنا أقسم أن لا أطلقهم حتى أومر ، فأنزل اللّه الآية الأولى فأطلقهم ، فقالوا يا رسول اللّه هذه أموالنا التي خلّفتنا عنك وتصرف بها واستغفر لنا ، قال ما أمرت أن آخذ منها شيئا ، فأنزل اللّه الآية الثانية ، فأخذ ثلثها وتصدق به كفارة لذنوبهم.
وهذا مما يؤيد أن المراد في هذه الآية غير الزكاة الواجبة التي قال بها بعض المفسرين لأن تلك لها قدر معلوم ، ولأن الزكاة فرضت في السّنة الثانية من الهجرة في شوال أو شعبان على اختلاف في الرّواية ، وهذه الآية نزلت مع سورتها في السّنة التاسعة من الهجرة ، أي بعد فرض الزكاة بسبع سنين ، ولم يقل أحد بتقديم نزول هذه الآية على سورتها لأن نزولها دفعة واحدة مجمع عليه كما أشرنا إليه آنفا ، وما قاله بعض الفقهاء ، الأصل فيها أي الزكاة قبل الإجماع قوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ) الآية ، وقوله تعالى (وَآتَوُا الزَّكاةَ) وهذه
الجملة مكررة كثيرا في القرآن المكي والمدني ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم بني الإسلام على خمس.
فيه تسامح بذكر هذه الآية فقط ، لأن السّياق والسّياق ينافيه ، ويأباه تخالف انتظام الآيات وتناسبها وأسباب نزولها ، والحق الاقتصار على الآية الثانية والحديث لاحتمال وقوعها في السّنة الثانية ، وقد ذكرنا في الآية 261 و265 من سورة البقرة المارة الدّالة على فرض الزكاة بعموم أنواعها صراحة فراجعها ، وراجع الآيتين 97 و98 قبلها أيضا ليطمئن قلبك ويتبقن صحة ما ذكرناه لك ، واللّه أعلم.
قال تعالى «وَقُلِ» يا سيد الرسل لهؤلاء التائبين وغيرهم ، لأن اللفظ عام ، وقد ذكرنا أن العام لا يتقيد بخصوص السّبب «اعْمَلُوا» عملا صالحا تأييدا لتوبتكم هذه «فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ» عيانا فيرحمكم ويجازيكم عليه جزاء(6/482)
ج 6 ، ص : 483
خيرا كثيرا «وَرَسُولُهُ» يراه باطلاع اللّه إياه عليه ويستغفر لكم وهو مجاب الدعوة عند ربه «وَالْمُؤْمِنُونَ» يرونه أيضا لما يقذفه اللّه في قلوبهم من محبة الصالحين فكأنهم يرون أعمالهم الحسنة إذ يتمثل الحسن فيهم ويدعون لكم «وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ» فيها على السّواء عنده لا فرق بين السر والجهر «فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (105) في الدّنيا على اختلاف أنواعه وأصنافه ويجازيكم على الخير بأحسن منه وعلى الشّر مثله.
ثم أشار إلى القسم الثالث فقال عزّ قوله «وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ» وجماعة من المسلمين المتخلفين الّذين وسموا بالنفاق بسبب تخلفهم مؤخر أمرهم في القبول وعدمه لحكم اللّه فيهم بعد وهؤلاء «إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ» بعدله وقضائه «وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ» بفضله ورضائه «وَاللَّهُ عَلِيمٌ» بما وقع منهم عالم بأسباب تخلفهم ونيتهم فيه «حَكِيمٌ» (106) فيما يقضه عليهم وهم الثلاثة الآتي ذكرهم بعد.
مطلب سبب اتخاذ مسجد الضّرار ومسجد قباء وفضله ، والترغيب في الجهاد وتعهد اللّه للمجاهدين بالجنة ، وعدم جواز الاستغفار للكافرين :
قال تعالى حكاية عن بعض أعمال المنافقين السّابقة فاضحا سرائرهم في أفعالهم كما فضحها بأقوالهم ونياتهم ، فقال «وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً» بأصحاب رسول اللّه أهل مسجد قباء «وَكُفْراً» باللّه ورسوله «وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ» الّذين يصلون فيه بأمر من حضرة الرّسول «وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ» اتخاذهم ذلك المسجد والمراد بهذا هو أبو عامر الرّاهب وقد أعده له ، هؤلاء المنافقون مناوأة للمسلمين الّذين أعدوا مسجدهم لهم ولرسولهم «وَلَيَحْلِفُنَّ» لك يا سيد الرّسل الّذين بنوه وهم وديعة بن ثابت وخزام بن خالد الذي أخرج المسجد المذكور من داره ، وثعلبة بن حاطب المار ذكره ، وحارثة بن عمر وولداه مجمع وزيد ، وشعيب بن قشير ، وعبادة بن حنين ، وأبو حنيفة بن الأذعر ، ونفيل بن الحارث ، ونجاد بن عثمان ومخرح القائلين بحلفهم لك لتصدقهم ما «إِنْ أَرَدْنَ» ببنائه «إِلَّا الْحُسْنى » أي إلّا الإرادة الحسنة(6/483)
ج 6 ، ص : 484
والفعلة الطّيبة والخصلة المرضية ، كذكر اللّه والصّلاة فيه عند ضيق الوقت غير الممكن فيه الوصول إلى مسجد رسول اللّه رفقا بالعجزة وذوي العاهة وتوسعة عليهم لقربه من بيوتهم ، وخاصة للصلاة فيه ليالي الشّتاء وحالة المطر ، وكانوا بعد أن أكملوه كلفوا حضرة الرّسول أن يصلي به ويدعو لهم بالبركة ، فقال لهم صلّى اللّه عليه وسلم أنا على جناح سفر ، وإن قدمنا من تبوك أتيناكم فصلينا به إن شاء اللّه.
فأعلم اللّه تعالى رسوله بالقصد من بقائه وقصه عليه في هذه الآية ، وختمها بالشهادة على كذبهم ، فقال جل قوله «وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» (107) فيما ذكروه لك وحانثون في حلفهم ، وإن القصد من بنانه إضرار المؤمنين وتفريق كلمتهم وكفر باللّه ورسوله وانتظار حضور الرّاهب المذكور الذي حينما قدم على المدينة ، قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ما هذا الدّين الذي جئت به ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلم جئت بالحنيفية السّمحة دين ابراهيم عليه السّلام ، فقال الرّاهب أبو عامر أنا عليها ، فقال له صلّى اللّه عليه وسلم لست عليها ، قال أبو عامر بلى ولكنك أدخلت في الحنيفية ما ليس منها ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم ما فعلت ولكن جئت بها بيضاء نقية ، قال أبو عامر أمات اللّه الكاذب منا طريدا وحيدا غريبا ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم آمين ، فسماه النّاس أبا عامر الفاسق ، لخروجه على حضرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم ومقابلته له بكلام خارج عن نطاق الأدب والأخلاق وعار عن الصّحة.
هذا ولما كان يوم أحد قال أبو عامر الفاسق للنبي صلّى اللّه عليه وسلم لا أجد قوما يقاتلونك إلّا قاتلنك معهم ، فلم يزل كذلك إلى يوم حنين ، فلما انهزمت هوازن يئس أبو عامر الفاسق وهرب إلى الشّام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا ما استطعتم من قوة وسلاح وابنوا لي مسجدا ، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الرّوم فآتي بجد ، فأخرج محمدا وأصحابه ، فصدقوا كلامه لخبث نيتهم وقح طريتهم وهم الاثنا عشر رجلا المار ذكرهم في الآية 65 ، فبنوه لذلك القصد وتلك الغاية ، ففضحهم اللّه تعالى وقال صلّى اللّه عليه وسلم إلى مالك بن الدّغشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشي : اهدموا هذا المسجد الظّالم أهله ، فهدموه عليهم وأحرقوه واتخذ لرمي القاذورات والكناسة ، ومات الخبيث بالشام طريدا وحيدا غريبا.
وروي أن بني عمرو بن عوف الّذين بنوا مسجد قباء أتوا عمر بن الخطاب في خلافته ، (6/484)
ج 6 ، ص : 485
فسألوه أن يأذن لمجمع بن حارثة أن يؤمهم في مسجدهم ، فقال لا ونعمة عين ، أليس هو إمام مسجد الضّرار ، قال مجمع يا أمير المؤمنين لا تعجل علي فو اللّه لقد صليت فيه وأنا لا أعلم ما ائتمروا عليه ، ولو علمت ما صليت معهم فيه وكنت غلاما قارئا للقرآن وكانوا شيوخا لا يقرأون ، ولذلك صليت بهم ولا أحسب أنهم على سوء نية ، ولا أحسب إلّا أنهم يتقربون إلى اللّه ، ولم أعلم ما في أنفسهم ، فعذره عمر وصدقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء الآتي ذكره.
قال تعالى «لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً» لأنه لم يؤسس على تقوى من اللّه «لَمَسْجِدٌ» عظيم عند اللّه جليل عند رسوله ، واللام فيه للابتداء ، وفيه معنى القسم ، والمراد به مسجد قباء لأنه «أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ» بني ، واعلم أن لفظ من عام في الزمان والمكان ، فلا
محل للقول الذي نقله النّسفي رحمه اللّه بأن القياس أن يقال منذ لأنه لابتداء الغاية في الزمان ومن لابتداء الغاية في المكان ، لأن اللّه أعلم بما ينزل من الألفاظ الموافقة للمعاني المقصودة ، وإني لأعجب كلّ العجب من جرأة بعض المفسرين على مثل أقوال هكذا ، مع علمهم بأن مصدر العلوم العربية التي يتبححون بها ويدعون معرفتها كلها مستقاة من القرآن العظيم ، وإن ما كان منها مخالفا له لا قيمة لها ولا عبرة ، فالذي جعل من بمعنى ما وما بمعنى من ألا يجعل منذ بمعنى غاية المكان ، ألا يجعل من لابتداء الغاية في الزمان كيف يقال هذا من هذا الرّجل وهي قد أنزلت على منبع الفصاحة ومصدر البلاغة ، ومع هذا يتطاولون ويقولون القياس كذا وكذا ، أيعترضون على اللّه الذي هو أعلم بما ينزل ، فلا حول ولا قوة إلّا باللّه ، راجع الآية 67 من سورة يونس ج 2 ، والآية 5 من سورة الحج المارة وابتهر بجرأة المفسرين لهما واستغفر اللّه والزم الأدب ، فهو «أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ» مصليا من مسجد الضّرار الذي أسس على الكفر استعدادا لحضور ذلك الرّاهب الكافر ، لأن هذا المسجد المبارك «فِيهِ رِجالٌ» كرام على ربهم «يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا» طهارة كاملة من النجاسة الحسية والمعنويّة ، والكلية الظّاهرة والباطنة ، ويأخذون فيها بالعزيمة دون الرخصة «وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ» (108) لما نزلت هذه الآية مشى رسول اللّه(6/485)
ج 6 ، ص : 486
صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه حتى وقف على باب مسجد قباء ، فقال يا معشر الأنصار إن اللّه عزّ وجل أثنى عليكم فما الذي تصنعون ؟ فقالوا يا رسول اللّه نتبع الغائط الأحجار ثم نتبعها بالماء فتلا عليهم الآية وهي عامة في الطّهارة ولا يفهم من هذا نزول الآية منفردة عن سورتها كغيرها من الآيات التي ذكرنا أسباب نزولها ، بل نزلت هذه وغيرها مع سورتها دفعة واحدة كما ذكرنا ، وتلاوة هذه الآيات وغيرها بمفردها لا يعني نزولها وحدها تأمل.
أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال كان النّبي صلّى اللّه عليه وسلم يزور قباء راكبا وماشيا يصلى فيه ركعتين.
وأخرج البخاري عن سهل ابن عمر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يأتي مسجد قباء كلّ سبت راكبا وماشيا ، وكان ابن عمر يفعله.
وأخرج النّسائي عن سهل بن حنيفة قال : قال صلّى اللّه عليه وسلم من خرج حتي يأتي هذا المسجد مسجد قباء فيصلي فيه كان له كعدل عمرة.
وأخرج الترمذي عن أسد بن ظهير أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : الصلاة في مسجد قباء كعمرة.
وما قيل أن المراد في المسجد المذكور في هذه الآية مسجد الرّسول ينافيه سياق الآية ومغزى الحادثة والتاريخ أن مسجد الرّسول أفضل المساجد كلها بعد المسجد الحرام.
روى البخاري ومسلم عن عبد اللّه بن زيد قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة.
ورويا عن أبي هريرة مثله بزيادة ومنبري على حوض.
وأخرج النّسائي عن أم سلمة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنّة (أي ثوابت).
وجاء في الحديث الصّحيح أن الصلاة فيه تعدل خمسمائة صلاة في غيره.
ثم ضرب اللّه مثلا لهذين المسجدين مسجد الضرار ومسجد قباء المسمى مسجد القرى بقوله جل قوله «أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ» منه تعالى «خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ» متداع للسقوط كما سيأتي بيانه بعد «فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ» سقط مع بنائه فيها لأنه ظلم نفسه بذلك «وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» (109) أنفسهم المسوين بين مسجد التّقوى ومسجد الضّرار ، أي من أسس بنيانه على شفير واد أكل الماء ما تحته فصار هائرا أو واهيا متداعيا للسقوط مثله كالرمل الذي ينهار لرخاوته وعدم تماسكه.
وهذا الاستفهام المصدر فيه جاء(6/486)
ج 6 ، ص : 487
على سبيل سؤال التقرير ، وجعل جوابه مسكوتا عنه لوضوحه ، أي ليس هذا كمن أسس بنيانه على قواعد محكمة وقصد به تقوى اللّه ورضوانه ، فلا شك أنه خير وأحكم ممن يؤسس بنيانه على ما ذكر ، ولم يقصد به إلّا مناوأة اللّه ورسوله والمؤمنين طلبا لمرضاة الفاسق المذكور ، ومن كان هذا شأنه فإن عاقبته النار لا محالة ، وعاقبة الآخر محبة اللّه ورسوله ، والحصول على رضوانهما ودخول الجنّة.
قال تعالى مشددا في حزنهم وكآيتهم على ما فعلوا وقعدوا «لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ» كالحزازة تحوك في صدورهم لعظم جرمهم.
والإثم حزاز القلوب لكثرة تردده فيها وسيبقي كذلك ، «إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ» كمدا فيموتوا على غيظهم وغدرهم وحدهم وحسرتهم «وَاللَّهُ عَلِيمٌ» بنيتهم في بنائه ، ولذلك فضحهم على لسان رسوله وأصحابه بسبب بغضهم لهم «حَكِيمٌ» (110) بحكمه عليهم فيما ذكر جزاء جرأتهم على اللّه ورسوله.
قال تعالى «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» في هذه الدّنيا «أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ» في الآخرة بدلا منها ، ثم بين هذه المبايعة بقوله «يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» بأموالهم وأنفسهم «فَيَقْتُلُونَ» أعداءه وأعداءهم «وَيُقْتَلُونَ» في طاعته وطاعة رسوله ابتغاء مرضاته.
قال كعب بن زهير :
لا يفرحون إذا نالت رماحهم قوما وليسوا مجازيع إذا نيلوا
لا يقع الطّعن إلّا في نحورهم وما لهم من حياض الموت تهليل
وكان قائلهم يقول ما قاله الشّريف الرّضي :
ونحن النّازلون بكل ثغر نريق على جوانبه الدّماء
ونحن اللابسون لكل مجد إذا شئنا ادّراءا وارتداء
ولو كان العداء يسوغ منا لسنا النّاس كلهم العداء
وقال حافظ ابراهيم المصري في هذا المعنى :
شمّر وكافح في الحياة فهذه دنياك دار تناحر وكفاح
وانهل مع النّهال من عذب الحيا فإذا رقا فامتح مسح المتّاح(6/487)
ج 6 ، ص : 488
وإذا ألحّ عليك خطب لا تهن واضرب على الإلحاح بالإلحاح
وخض الحياة وإن تلاطم موجها خوض البحار رياضة السّبّاح
هكذا كانوا ، وخلف من بعدهم خلف يريدون الأمور بالتمنّي ، وقد ردّ عليهم أمير الشّعراء أحمد شوقي المصري بقوله :
وما نيل المطالب بالتمنّي ولكن تؤخذ الدّنيا غلابا
وما استعصى على قوم منال إذا الإقدام كان لهم ركابا
فيا رب وفق أمتك للحزم واجمع كلمتهم على العزم لاسترداد عزتهم ويا رسول اللّه إنا نتوسل بك إلى ربك أن يتبعوا طريقك ويلازموا خطتك وأنت المجاب الدّعوة الذي كلّمت أقلام البلغاء ونطق الفصحاء بمدحك ومنهم شوقي القائل في قصيدته النبوية التي عارض فيها الهمزية :
فرسمت بعدك للعباد حكومة لا سوقة فيها ولا أمراء
اللّه فوق الخلق فيها وحده والنّاس تحت لوائها أكفاء
والدّين يسر والخلافة بيعة والأمر شورى والحقوق قضاء
وأمثال هؤلاء قد وعدهم اللّه الجنّة «وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا» منجرا نافذا مثبتا في في اللّوح المحفوظ بعلم اللّه الأولي ليس محسنا ، ولهذا فإنا أثبتناه «فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ» وهذه الآية تدل دلالة صريحة على أن الجهاد مأمور به في جميع الشّرائع ، وأن اللّه تعالى قد عاهد المجاهدين على ما ذكره فيها كما عاهد المؤمنين في هذا القرآن عليه «وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ» أخبروني أيها الناس والجواب عن هذا الاستفهام (لا أحدا البتة) فإذا عرفتم هذا العهد الموثوق أيها المجاهدون الصّادقون «فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ» ربكم الذي أعطاكم هذا الوعد وهو لا يخلف الميعاد ، وتكفل لكم بهذا القول ، ومن أصدق من اللّه قيلا ، وحدث به رسولكم عنه ومن أصدق من اللّه حديثا.
«وَذلِكَ» الحصول على ما وعد اللّه به المجاهدين «هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» (111) وهذا جاء مجرى التلطف من اللّه في الدّعاء إلى طاعته والترغيب إلى جهاد عدوه ، لأنا مملوكون للّه تعالى ، والمشتري لا يشتري ما يملك ، ولم يقل جل قوله إن اللّه(6/488)
ج 6 ، ص : 489
اشترى من المؤمنين قلوبهم مع أنها الأصل ومحل الإيمان ، لأنها ليست بأيدي عباده ، فالقلب بيت الرّحمن وهو بين إصبعيه يقلبه كيف يشاء ، ولأن الإنسان لا يصحّ له أن يبيع ما لا يملك كما لا يصحّ له أن يبيع طيرا بالهواء أو حوتا في الماء ، قال تعالى «التَّائِبُونَ» من الكفر والنّفاق والبغي والعصيان «الْعابِدُونَ» اللّه تعالى بإخلاص جهد المستطاع بالسر والإعلان «الْحامِدُونَ» ربهم على السّرّاء والضّراء الرّاضون بما أنعم عليهم المنان «السَّائِحُونَ» في الأرض المتفكرون بما أبدعه اللّه من الخلق وإلى طلب العلم والتهذيب النّفسي وإلى الجهاد في في سبيل الملك الحنان «الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ» في إقامة الصّلوات في أوقاتها المحافظون على أركانها المراعون شروطها ، وعبر بالركوع والسّجود عن الصّلاة لأنهما معظمها واختصاصهما بها للّه تعالى بخلاف القيام والقعود والقراءة «الْآمِرُونَ» أنفسهم وغيرهم «بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ» راجع بيانها في الآية (111) من سورة البقرة المارة ، وأدخلت الواو هنا لأن العرب تعتبر السّبعة عددا تاما فنعطف عليه ما بعده ، راجع الآية 43 من سورة الكهف في ج 2 فيما يتعلق بهذا والقرآن نزل بلغتهم «وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ» فلم يتجاوزوا شيئا منها ولم يتعدوا ما حده لهم ، فهؤلاء المتصفون في هذه الصّفات العالية هم المؤمنون «وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» (112) أمثال هؤلاء بأن لهم الجنّة عند ربهم كالغزاة المار ذكرهم إذا لم يقصدوا بتركهم الغزو مطلق الرّاحة أو كلا عنه أو مخالفة لآمرهم أو رغبة
عنه.
قال تعالى «ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ» الّذين ماتوا على شركهم ، أما الأحياء من الكفرة فيصح الدّعاء لهم بالهداية ، ويجب إرشادهم للايمان «وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى » لهم فلا يجوز الاستغفار لهم ، ولا ينبغي فعله «مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ» (113) بتحقق موتهم على الكفر بحسب الظّاهر ، وعليه فلا يصح ولا يستقيم الدّعاء لهم شرعا ، اما قبله فلا بأس بل هو مطلوب لقوله صلّى اللّه عليه وسلم لأن يهد اللّه بك رجلا خير لك من حمر النّعم وجعل بعض المفسرين نزول هذه الآية في أبي طالب حين قال له صلّى اللّه عليه وسلم لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ، (6/489)
ج 6 ، ص : 490
مع أن أبا طالب رحمه اللّه توفي في مكة السّنة العاشرة من البعثة قبل الهجرة بثلاث سنين كما أشرنا في الآية 26 من الأنعام في ج 2 ، وهذه السّورة من آخر القرآن نزولا فلا يستقيم نزولها فيه ، على أنه لا يستبعد أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان لا يزال يستغفر له من وفاته إلى نزول هذه الآية كلما جاء ذكره أو تذكر موافقه وشدة حرصه عليه وزيادة محبته له وتوسمه الخير فيه حال حياته لعظيم حقه عليه ولا يراد أنها عقب قوله لاستغفرت لك إلخ ، بل المراد أن هذا هو سبب النّزول فلذلك لا يصح.
وما ورد من أنه صلّى اللّه عليه وسلم بعد موت أبي طالب صار يبكي عليه ولم يخرج من بيته حتى نزلت هذه الآية ، فهو قول وامر لا يعتد به ولا يلتفت إليه ، لأن بين وفاته ونزول هذه الآية ما يزيد على اثنتي عشرة سنة ، ويبعد عليه صلّى اللّه عليه وسلم مثل ذلك ، وحاشاه ، ولذلك فإن غالب ما ينقله بعض النّاس عن أهل البيت في هذا الصدد لا صحة له أيضا ، لأنهم يعلمون أنه مات مؤمنا وينقلون في أخيه العباس أنه سمعه نطق بالشهادتين في آخر رمق من حياته علنا.
مطلب في إيمان أبي طالب وسبب استغفار ابراهيم لأبيه وكذب ما نقل عن ابن المقفع وقصة المخلفين الثلاثة وتوبتهم :
ومما يدل على إيمانه سر الأبيات التي نقلها عنه أهل بيته وغيرهم في مدح ما علمه حضرة الرّسول وهي :
ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البريّة دينا
الأبيات المارة في الآية 57 من سورة القصص ج 1 لأن قوله فيها :
لو لا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحا بذاك قمينا
أي مجاهرا به على رؤس الأشهاد وما أخفيته ، مما يدل على أنه مؤمن فيما بينه وبين ربه ، لا أنه سرّ أخاه العباس بالإيمان خفية عن قومه ، بل اعترف له بالإيمان قبل وفاته وأن الذي نزل في أبي طالب هو قوله تعالى : (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) الآية المذكورة في سورة القصص.
والصّحيح في هذا أن المسلمين لما رأوا رسول اللّه يستغفر لوالديه وجده عبد المطلب صاروا يستغفرون لموتاهم(6/490)
ج 6 ، ص : 491
المحقق موتهم على الكفر ، فأنزل اللّه هذه الآية ينهاهم بها عن الاستغفار لهم.
ثم أنه تعالى أجاب عما وقع في قلوبهم من استغفار إبراهيم عليه السّلام لأبيه وقالوا إذا كان إبراهيم يستغفر فلما ذا لا نستغفر لموتانا ، لأنهم ووالد ابراهيم في الكفر سواء بقوله عز قوله «وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ» بأن يؤمن به لا عبثا ولا قصدا مع العلم ببقائه على كفره ولا عن شيء آخر.
وقرأ بعضهم أباه بالباء الموحدة ومنهم الحسن ، ولكن لا عبرة بها لأن كلّ ما هو مخالف لما في الصّحف لا يلتفت إليه ، لأنه على هذه القراءة يكون إبراهيم الذي وعد بالاستغفار ، والحال أن أباه هو الذي وعده بالإيمان ، ولذلك صار يستغفر له على أمل إيمانه دون وعد منه بل لحق الأبرة.
وما قيل إن ابن المقفع صحف ثلاثة أحرف بالقرآن العظيم هذه الياء بالباء ، وعين عزّة وشقاق الآية الثانية في سورة ص ج 1 بالغين المعجمة والرّاء بدل الزاي ، فتصير (غرّة) وغين (يغنيه) من قوله تعالى (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) الآية 38 من سورة عبس في ج 2 بالعين المهملة ، فيصير (يعنيه ، فقيل كذب ، ونقل زور ، وكلام بهت لا يلتفت إليه إلّا ضعيف اليقين قليل العقيدة باللّه تعالى الذي تعهد بحفظ كلامه من التبديل والتغيير ، راجع الآية 10 من سورة الحجر المارة في ج 2 وما ترشدك إليه في المواضع.
ومن هذا ابن المقفع حتى يجرؤ على ذلك وهو في أهل زمن لا يجرؤ أن ينبس بنبت شفة على كتاب اللّه تجاه أهله الذي أجمعت عليه الأصحاب بعد رسول اللّه ، والتابعين من بعدهم ، واقتفى أثرهم اجماع علماء الأرض ، فلو حدثته نفسه بذلك هل يقرونه عليه ؟ كلا ، بل لقطع منه الحلقوم ، وهذا القرآن كما بيناه في الآية المذكورة من الحجر وفي مواضع أخرى مبينة فيها أن جميع ما بين الدّفتين الموجود الآن هو كلام اللّه تعالى بتمامه وحروفه كما أنزله لم ينقص منه حرف ، ولم يزد فيه حرف ، ولم يبدل منه حرف واحد أبدا ، راجع تفسير آخر سورة الأحزاب المارة وما ترشدك إليه ، وفي المقدمة في بحث نزول القرآن تجد ما تكتفي به.
وهذا الاستثناء في الآية هذه مفرّغ من أعم العلل أي ما كان استغفار ابراهيم عبثا ولا لعبا ولكن عن موعدة من أبيه(6/491)
ج 6 ، ص : 492
له بالإيمان به وبربه ولذلك استغفر له عما سلف منه إذا هو آمن «فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ» مصر على كفره به.
وهذا العلم جاء لابراهيم بطريق الوحي من ربه عز وجل أو الإلهام أو بواسطة الملك «تَبَرَّأَ مِنْهُ» وهذا يدل دلالة صريحة على صدور الوعد من آزر لابنه ابراهيم بالإيمان باللّه وحده كما يفهم من نسق الآية وسياقها لا من ابراهيم له بالاستغفار ، لأن وعد ابراهيم له كان بعد ذلك ولهذا علّفه على إيمانه ، قال تعالى حكاية عن خليله ابراهيم عليه السلام (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا) الآية 46 من سورة مريم في ج 1 كما أيده اللّه تعالى في هذه الآية المفسرة ثم أكد ما كان عليه عليه الصّلاة والسّلام من الخلق الكريم بقوله (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ) كثير التأوه فرقا من ربه جليل الخوف خشية منه رقيق القلب خاشع خاضع متضرع «حَلِيمٌ» (114) صفوح عن الأذى صبور على البلاء لا يقابل أحدا بما يكره ، ولا السّيئة بالسيئة ، بل يعفو ويكظم يقول له أبوه لأرجمنك ويقول له السّلام عليك الآية 48 من مريم في ج 1 وقد تأسى نبينا صلّى اللّه عليه وسلم بكل أخلاق الأنبياء قبله كما أعطي معجزاتهم كافة ، وكان من كرم خلقه العفو والسّفح ، ولذلك جاء الإسلام وسطا في الأخلاق بين الأفراط والتفريط ، والتقريب بين المثل الأعلى والواقع ، وانسجام بين العقل والغريزة التيهي قوة مع رحمة ، وحكم مع عدل ، وتواضع مع عزّة ، ومساواة مع
تسامح ، وتشاور مع عزم ، ولين مع حزم ، راجع الآية 161 من آل عمران تجد ما يتعلق بهذا ، قال تعالى «وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً» بسبب استغفارهم لمشركين «بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ» للايمان ، وسبب نزول هذه الآية هو أن اللّه تعالى لما نهى المؤمنين عن الاستغفار لآبائهم المشركين خافوا عاقبة ما صدر منهم وصاروا يضربون أخماسا بأسداس على ما فرط منهم ، فأنزل اللّه هذه الآية تطمينا لهم بعدم المؤاخذة وتطبيبا لخواطرهم ، وإعلاما بأن ما وقع منهم لا يضرّهم ولا يعاقبهم اللّه عليه ، لصدوره قبل النّهي بتأويل منهم ، وحاشا رحمة اللّه أن يعذب قبل أن ينهى أو يريد قبل أن يأمر بالنسبة للظاهرة ، ولهذا ختم هذه الآية بقوله «حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ» (115) الخوض فيه وما يستحبونه(6/492)
ج 6 ، ص : 493
فكل ما وقع منهم قبل البيان لا يؤاخذون عليه ، أما بعده فمفوض لمشيئة اللّه تعالى ولهذا يتقدم لهم بالإنذار والإعلام حتى لا تبقى لهم معذرة إذا اقترفوا شيئا مما نهوا عنه بعد البيان فيؤاخذوا عليه ويعاقبوا ، وحاشا أصحاب رسول اللّه من الاقدام على شيء نهاهم اللّه عنه أو كرهه لهم «إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (116) قبل ظهوره لخلقه علما حقيقيا لا كعلم السّحرة والكهنة الصّورى والمموّه الكاذب فإنه لا يلتفت إليه ، قال :
دع المنجم يكبو في ضلالته إن ادعى علم ما يجدي من الفلك
تفرد اللّه بالعلم القديم فلا إنسان يشركه فيه ولا الملك
أعد للرزق من أشراكه شركا وبئست العدتان الشّرك والشّرك
فالعلم الذي هو العلم لا ينسب إلّا إلى اللّه العالم بكل شيء ، ومن علمه هذا ما خالطته نفوس أصحاب رسول اللّه من الخوف عما صدر منهم ما ثلج صدورهم بما أنزله في هذه الآية وأزال ما كان يتردد فيها.
هذا وإن ما قاله الكلبي ومقاتل بأن قوله تعالى (حَتَّى يُبَيِّنَ) إلخ نزلت في أمر النّاسخ أي حتى يتبين لهم المنسوخ بالناسخ وذلك أن هناك أشياء كثيرة كانت عندهم قبل الإسلام يعدونها حلالا ولا بأس بها ، منها ما ابتكروها ابتكارا من عند أنفسهم ، ومنها ما تلقوها عن أسلافهم فقلدوهم فيها ومنها ما اقتفوا بها آثار أهل الكتابين كوأد البنات ، وقتل غير القاتل وشرب الخمر ، ومنع النّساء من الإرث ، وكذلك الأولاد والصّغار ، وتحريم السوائب ، والوصائل وتحليل أكل بعض الحيوان للرجال دون النّساء ، وغيرها ما ذكر اللّه في سورة الأنعام والمائدة والبقرة وغيرها ، ومن هذا القبيل توجه الإسلام في الصّلاة إلى الكعبة بدلا من بيت المقدس ، أي ما كان اللّه ليبطل أعمالكم بالنسوخ حتى تبين لكم نزول النّاسخ فتعملوا به ، وهذا لعمري بعيد عن الصّحة ، لأن هذه الآية عامة وكثير مما نهوا عنه لم ينزل فيه ناسخ ، ولم يكن النّاسخ إلا عن شيء نزل قيل بكتاب سماوي فلا يشترط له النّاسخ ، لأن النّسخ معناه نسخ نص سابق بنص لا حق ولا يوجد فيما اعتادوه قبل الإسلام نص سماوي ، لذلك لا يلتفت لهذا القول ، ولا يعقل قول المؤمى إليها به.
وعلى كلّ فلا قيمة له ولا(6/493)
ج 6 ، ص : 494
عبرة به ، تأمل ، وراجع بحث النّاسخ والمنسوخ في المقدمة تقف على ذلك.
قال تعالى «إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» يأمر من فيهما بما يشاء وينهى عما يشاء لا يقيد شيء دون آخر في كلّ ما فيهما وما بينهما وما فوقهما وتحتهما «يُحْيِي وَيُمِيتُ» من فيهما ويغني ويفقر ويعظم ويحقر ، لا راد لما يريد ، ولا معطى لما منع «وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ» أيها النّاس قويكم وضعيفكم «مِنْ وَلِيٍّ» يلي أموركم غيره «وَلا نَصِيرٍ» (116) يمنعكم منه أو يحول دون إرادة ما قدر إيقاعه فيكم لأن مقدراته نافذة عليكم بآجالها لا تقدم ولا تؤخر ثم أنزل جل إنزاله ما يتعلق بالمتخلفين الصّادقين والثلاثة الآتي ذكرهم ، فقال جل قوله «لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ» وقت غزوة تبوك المار ذكرها لما فيها من بعد الشّقة وقلة السّلاح والرّكوبة فضلا عن أنها كانت زمن الحرّ والجدب «مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ» على الثبات مع حضرة الرّسول لتلك الأسباب واشتداد الضنك حتى كان العشرة منهم يتعاقبون على الرّاحلة الواحدة في الرّكب وفي الزاد حتى كان الرّجلان يقتسمان التمرة وفي الماء حتى شربوا عصير كروش الإبل وفي الزمن حتى كان الجماعة يظللون أنفسهم بعباءة واحدة من هجير الشّمس ، وفي المكان من البعد حتي شارف بعضهم على الهلاك من التعب قيل الوصول المرحلة وفي كلّ شيء في هذه الغزوة عسر ومشقة وقلة لم يلاقوها في جميع غزواتهم ، ولهذا سميت غزوة العسرة وامتحن فيها من امتحن فنجى من نجى بحسن نيته وهلك من هلك بسوئها «ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ» وتجاوز عن زلتهم وخطئهم ، وعفا عمّا همّ به بعضهم من ترك الرّسول والتخلي عنه وما اعتراهم من الضّجر ، وإنما كرر فعل التوبة لزيادة التأكيد والتطمين لهم بالصفح عما وقع منهم كله من قول وفعل ونية وهم وعزم «إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ
رَحِيمٌ» (117) لأنهم من خلص عباده فرأف بهم ورحمهم ودفع عنهم ما لا يطيقون بكرمه وحنانه ، ودفع عنهم ما عجزوا عنه بمنه ولطفه وتاب عليهم برده وعطفه.
والفرق بين الرّأفة والرّحمة أن الرّجل قد يرحم من يكرهه ولا يرأف به ، فالرحمة عامة ، والرّأفة خاصة بمن يحب.(6/494)
ج 6 ، ص : 495
والمراد من توبته على حضرة الرّسول لاقدامه على أمرين في هذه الغزوة لم يتلق فيها شيء من ربه ، الأوّل أذنه المنافقين بالتخلف الذي عاتبه عليه في الآية 23 المارة بقوله (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ) الآية ، الثاني توبته على المهاجرين والأنصار بما وقع في قلوبهم من الميل إلى التخلف في هذه الغزوة ولما وقع في قلوب بعضهم بأنهم عاجزون عن قتال الرّوم ، مع أنهم كانوا سبعين ألفا ذهب منهم مع حضرة الرّسول ثلاثون ألفا فقط كما تقدم في القصة عند تفسير الآية 46 المارة وقد ورد أن الجيش إذا بلغ اثني عشر ألفا لا يغلب عن قلة ، وكلاهما من باب ترك الأفضل ، فلا يعد ذنبا كما بيناه في الآية 67 المارة في سورة الأنفال ، فتكون الأمور التي فعلها حضرة الرّسول طيلة حياته دون وحي ربه هي ثلاثة فقط (هاتان وقبول الفداء) في أسرى بدر المار ذكرها في الآية 67 المارة آنفا من الأنفال.
هذا وقد أظهر اللّه على يد رسوله في هذه الغزوة معجزات كثيرة ، منها ما ذكر في القصة المارة في الآية 46 ومنها فيما بعدها في هذه السّورة ، ومنها ما أسنده الطّبري عن عمر رضي اللّه عنه قال إن أبا بكر قال يا رسول اللّه إن اللّه عوّدك في الدّعاء خيرا فادع اللّه أن يعطينا ماء ، وذلك لشدة ما لحقهم من الظّمأ ، قال أتحب ذلك ؟
قال نعم ، فرفع يديه صلّى اللّه عليه وسلم فلم يرجعا حتى أرسل اللّه سبحانه وتعالى سبحانه فمطرت فملأوا ما معهم من الأدلية ، ثم ذهبنا ننتظر فلم نجدها جاوزت المعسكر.
قال تعالى «وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا» تاب اللّه عليهم أيضا وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الرّبيع الأنصاريّون ، وهم المعنيون بقوله تعالى (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ) الآية 116 المارة ، وهذه الآية معطوفة على الآية الأولى ، أي لقد تاب اللّه على النّبي إلخ وعلى الثلاثة إلخ وفائدة هذا العطف هو أن ما ذكر من ضم توبته إلى توبة الرّسول كان دليلا على تعظيمه وإجلاله ، وهذا العطف يوجب أن يكون قبول توبة النّبي صلّى اللّه عليه وسلم وتوبة المهاجرين والأنصار في حكم واحد ، وذلك يوجب إعلاء شأنهم وكونهم مستحقين لذلك «حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ» من شدّة الحزن والهم والغم والجفوة «وَظَنُّوا» تيقنوا وتحنقوا مما رأوا من عدم الالتفات إليهم «أَنْ(6/495)
ج 6 ، ص : 496
لا مَلْجَأَ»
لهم يلجأون إليه «مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ» وحده لا أحد ينجيهم مما هم فيه إلّا هو تعالى «ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ» ورحمهم لعلمه بصدق نيتهم فيما سبق في علمه الأزلي وعطف عليهم بقبول التوبة «لِيَتُوبُوا» في المستقبل عما يصدر عنهم كما يتوبوا عما صدر منهم قبلا فيكونون في كلّ أحوالهم تائبين وينيبون لجلال ربهم عن صدق واخلاص ونصح وحسن نية ويرجعوا إلى ربهم وطاعة رسولهم «إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ» على عباده الرّاجعين إليه المنان عليهم من فضله «الرَّحِيمُ» (118) بهم وإن ذكر صفة الرّحيمية بعد صفة التوابية يشير إلى أن قبول التوبة لأجل محض الرّحمة والكرم والفضل لأجل الوجوب عليه إذ لا واجب على اللّه لعبيده سواء في توبتهم أو في أعمالهم وأقوالهم.
وفي هذا يعلم عدم وجوب قبول التوبة على اللّه.
والتضعيف في الثواب يدل على المبالغة أي أنه تعالى إذا شاء قبول توبة العبد عفا عن ذنوبه كلها ، وإن كانت مثل زبد البحر ، كما ورد بذلك الخبر إذ له أن يتجاوز عنها ولو كانت من أنواع الجنايات وأعظمها ، فهو الجواد على عباده بفنون الآلاء مع استحقاقهم أفانين العذاب.
وخلاصة القصة هو ما جاء في الحديث المروي عن ابن شهاب الزّهري عن عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن كعب بن مالك ، أن عبد اللّه بن كعب قال سمعت كعبا يقول إني لم أتخلف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلا في غزوة تبوك ، وقد طفقت أتجهز ولم أزل أتمارى حتى غدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والمسلمون ، ويحزنني أن أرى لي أسوة (أي من المتخلفين) عن حضرة الرّسول إلا رجلا مغموصا بالنفاق أو ممن غدر اللّه ، ولم يذكرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال رجل من بني سلمة يا رسول اللّه حبسه برؤه والنّظر في عطفه ، قال معاذ بن جبل بئس ما قلت واللّه يا رسول اللّه ما علمنا عليه إلّا خيرا ، قال كعب فلما بلغني قدوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم طفقت أقول بم أخرج من سخطه وقد استعنت بكل ذي رأي من أهلي حتى عرفت إني لم أنج بشيء أجمعت صدقه فجاء المخلفون يعتذرون إليه ويحلفون فقبل منهم ووكل سرائرهم إلى اللّه فجئت ، وجلست بين يديه فقال ما خلفك قلت يا رسول اللّه واللّه لو جلست عند غيرك لرأيت إني سأخرج من سخط بعذر لند أعطيت جدلا (قوة) في الحجة وشدة في البرهان وبراعة في الدّليل(6/496)
ج 6 ، ص : 497
بحيث لا أغلب في المناظرة) ولكن علمت لئن حدثتك حديث كذب ترضى به مني ليوشكن أن يسخطك علي ولئنّ حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه اني لأرجو فيه عفو اللّه واللّه ما كان لي من عذر واللّه ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال صلّى اللّه عليه وسلم أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي اللّه فيك ثم قلت هل لقي هذا أحد معي قالوا رجلان قالا مثل ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك مرارة بن الرّبيع العامري وهلال بن أمية الوافقي صالحان شهدا بدرا ثم إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نهى المسلمين عن كلامنا نحن الثلاثة فتغيروا علينا حتى تنكرت لنا الأرض فلبثنا على ذلك خمسين يوما وليلة فأما صاحباي فاستكانا
وقعدا يبكيان وأما أنا فأشهد الصّلاة وأطوف بالأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأسلم عليه في مجلسه فأقول في نفسي هل حرّك شفنيه برد السّلام اللّهم لا ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النّظر أي أطلب غفلة منه لأنظر إليه وأرى هل ينظر إلي أم لا ، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا ألتفت نحوه أعرض عني حتى طالت على جفوة المسلمين فتسورت حائط ابن عمي أبي قتادة فسلمت عليه فو اللّه ماره علي السلام فقلت أنشدك باللّه هل تعلم أني أحب اللّه ورسوله وكررت عليه مرارا فقال اللّه ورسوله أعلم فقاضت عيناي وتوليت فبينا أنا في سوق المدينة إذ بنبطي من أهل الشّام دفع إلي كتابا من ملك غسان فقرأته فإذا فيه [أما بعد فإنه بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك اللّه يدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك ] قال فقلت وهذه أيضا من البلاء فتيممت به التنور فسجرته به (وهذا من كمال إيمانه رضي اللّه وإلّا لكان هذا الكتاب مما يهون عليه مصابه وبالخاصة أنه من ملك غسان لو أبقاه تلاه كلما ضاق ذرعه ولتبجح به بين النّاس) قال رضي اللّه عنه حتى إذا مضت أربعون يوما من الخمسين واستلبث الوحي أرسل رسول اللّه يأمرنا أن نعتزل نساءنا فقلت لامرأتي الحقي بأهلك حتى يقضي اللّه قال ثم صليت صبح الخمسين ليلة فبينا أنا جالس على الحال التي ذكرها اللّه سمعت صوت صارخ يا كعب بن مالك أبشر فخررت ساجدا للّه تعالى وعرفت أن قد جاء الفرج وأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بتوبة اللّه علينا فذهب النّاس يبشرونني ورفيقاي فكسوت البشير(6/497)
ج 6 ، ص : 498
ثوبي ثم انطلقت إلى رسول اللّه والنّاس يتلقونني فوجا فوجا يهئنؤنني فلما وصلت سلمت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وصليت أمامه فقال أبشر بخير يوم مر عليك قد قبل اللّه توبتك وتوبة رفيقيك فقلت يا رسول اللّه إن من تمام توبتي أن أنخلع من مالي صدقة اللّه ورسوله فقال أمسك عليك بعض مالك فقلت يا رسول اللّه إنما أنجاني اللّه بالصدق وأن من توبتي أن لا أحدث إلّا صدقا ثم تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الآيات النازلة فينا لقد تاب اللّه إلى الرّحيم وهذه هي التوبة الصّحيحة.
مطلب في مدح الصّدق وفوائده وذم الكذب ونتائجه وما يتعلق بذلك والرّابطة عند السّادة الصّوفية :
فقد سئل أبو بكر الوراق عن التوبة النّصوح فقال هي أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه وهذه نتيجة الصّدق الذي هو قوام أمر الخلق ، لأن الكذب لا ينجي ، وهو داء عضال لا ينجو من نزل به ، ومن صنف الكذبة الحمقى ، فإن الأحمق ضال مضل إن أونس تكبّر ، وإن أوحش تكدر ، وإن استنطق تخلّف.
مجالسته مهينة ، ومعاتبة محنة ، ومجاورته تعرّ ، وموالاته تضر ، ومقاربته عمى ، ومقارنته شتاء.
هذا ومن المتخلفين من ندم فلحق به صلّى اللّه عليه وسلم ، ومنهم من بقي وساوره النّدم ، قال الحسن رضي اللّه عنه : بلغني أنه كان لأحدهم حائط خير من مائة ألف درهم ، فقال :
يا حائطاه ما خلفني إلّا ظلك ، وانتظار ثمارك ، اذهب فأنت في سبيل اللّه.
ولم يكن لآخر إلّا أهله ، فقال : يا أهلاه ما بطأني ولا خلفني إلّا التفتن بك ، فلا جرم واللّه لأكابدن الشّدائد حتى ألحق برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : فتأبط زاده ولحق به عليه الصّلاة والسّلام ورضي عنهما ، وعن أبي ذر الغفاري أن بعيره أبطأ به ، فحمل متاعه على ظهره واتبع أثر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ماشيا ، فقال عليه الصّلاة والسّلام لما رأى سواده كن أبا ذر ، فقال النّاس هو ذاك يا رسول اللّه ، فقال رحم اللّه أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده.
وكانت الأوليان وستكون الثالثة يوم البعث إن شاء اللّه تصديقا لحضرة الرّسول الصّادق صلّى اللّه عليه وسلم راجع الآية (35) المارة(6/498)
ج 6 ، ص : 499
تجد ذكره ، وعن أبي خيثمة أنه بلغ بستانه وكانت له امرأة حسناء فرشت له في الظّل ، وبسطت له الحصير ، وقربت إليه الرّطب والماء البارد ، فنظر فقال ظل ظليل ورطب يانع وماء بارد وامرأة حسناء ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الضّح والرّيح ؟ ما هذا بخير فقام ورحل ناقته وأخذ سيفه ورمحه ومر كالريح فمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم طرفه إلى الطّريق ، فإذا براكب يزهاه السّراب ، فقال كن أبا خيثمة فكان ، ففرح به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم واستغفر له.
قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ» لا تخالفوه أبدا واعملوا بأوامره ما استطعتم ، واجتنبوا نواهيه كلها «وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ» (119) المخلصين له المتوكلين عليه صادقين في إيمانكم وعهودكم ووعودكم ، صادقين في دين اللّه في أمركم ونهيكم فعلا وقولا ونية ، صادقين في كلّ شؤونكم ، قائمين بالحق حتى يكون عقدة راسخة في قلوبكم مستقرة في أعماق نفوسكم تحبون لإخوانكم ما تحبون لأنفسكم ، فتكونوا صفا واحدا جنبا إلى جنب فتنجحوا في كلّ أموركم كما نجح من قبلكم بتوغلهم في معاني كتاب اللّه ، فصاروا أمة متفقة ، وكان كلّ منهم بمثابة أمة ، كما قال تعالى (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً) قلده السّلف الصّالح منكم فكانوا مثلهم ، فإذا أردتم الفوز في الدّنيا والآخرة كونوا مثلهم لإعلاء كلمة اللّه تنجحوا في الدّارين.
قال ابن عباس : الخطاب في هذه الآية لمن آمن من أهل الكتاب ، أي كونوا مع المهاجرين والأنصار وانضموا في سلكهم في الصّدق وبقية المحاسن كلها.
على ان الآية عامة فيهم وفي غيرهم ، والمراد بالصادقين عند نزول هذه الآية حضرة الرّسول وأصحابه ، لأنه تعالى لما حكم بقبول توبة الثلاثة المذكورين أعقبها بما يكون كالزاجر عن فعل ما مضى من المتخلفين عن رسول اللّه ، فقال (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ) في مخالفة أمر رسولكم لا تعيدوها أبدا (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) هو وأصحابه وساووهم ، لا تفضلوا أنفسكم عليهم فتتخلفوا عن الجهاد معه ، وتكونوا مع المنافقين ، واحذروا مرافقة الكذبة فإن الكذب من أسوأ الرّذائل وأقبحها لكونه ينافي المروءة ، وقد جاء في الخبر لا مروءة لكذوب.
وقال تعالى (إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ) الآية 106 من سورة النّحل(6/499)
ج 6 ، ص : 500
المارة في ج 2 ، لأن المراد بالكلام الذي يتميز به الإنسان عن سائر الحيوانات إخبار الغير عمّا لا يعلم ، فإذا كان الخبر غير مطابق لم تحصل فائدة النّطق ، وقد حصل منه اعتقاد غير مطابق ، وذلك من خواص الشّيطان ، فالكاذب إذا شيطان ، وكما أن الكذب من أقبح الرّذائل فالصدق من أحسن الفضائل وأحلى كلّ حسنة ، ومادة كلّ خصلة محمودة ، وملاك كلّ خير وسعادة ، وعنصر الرّضاء ، وبه يحصل كل كمال وأصل الصّدق الصّدق في عهد اللّه تعالى الذي هو نتيجة الوفاء بميثاق العظمة.
قال تعالى (رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) الآية 24 من سورة الأحزاب المارة ، أي في عقد العزيمة ووعد الخليفة.
قال تعالى (إِنَّهُ) أي إسماعيل عليه السلام (كانَ صادِقَ الْوَعْدِ) الآية 55 من سورة مريم المارة في ج 1 ، فإذا روعي الصّدق في المواطن كلها حتى الخاطر والفكر والنيّة والقول والعمل أدّى ذلك إلى اتصافه بالصدق الخالص ، حتى ان مناماته.
ووارداته على قلبه تصدق بإذن اللّه تعالى.
روي عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال : عليكم بالصدق فإنه يقرب إلى البر والبر يقرب إلى الجنّة ، وإن العبد ليصدق فيكتب عند اللّه صديقا ، وإياكم والكذب فإن الكذب يقرب إلى الفجور والفجور يقرب إلى النّار ، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند اللّه كذّابا.
وانظر ما قال تعالى حكاية عن إبليس (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) الآية 84 من سورة ص في ج 1 فإنه إنما ذكر الاستثناء لئلا يكذب ، لأنه لو لم يذكره لصار كاذبا في ادّعاء إغواء الكل ، فكأنه استنكف عن الكذب ليكون صادقا في حلفه.
فإذا كان إبليس يستنكف عن الكذب ، فالمسلم من باب أولى أن يستنكف عنه.
وتدل هذه الآية الجليلة عل أن إجماع المسلمين يجب الخضوع له ، لأن اللّه تعالى أمر عباده المؤمنين بالكون معهم ، لأن ملازمة الصّادقين تؤثر في من يلازمهم فيكتسب منهم الصّدق وما يتشعب منه كالنصح والإخلاص والأمانة والأخلاق الفاضلة والآداب الحسنة ، لأن المجالسة تفيد اكتساب ما هو الأحسن عند المجالس ، ولهذا أمر صلّى اللّه عليه وسلم مجالسة العلماء ، والقصد من الرّابطة عند السّادة الصّوفية هي تعلق الرّابط بأحوال وصفات المرابط والمحبة له والكون معه ، لأن الكون مع الصّادق له تأثير(6/500)
ج 6 ، ص : 501
عظيم ، وقد أمرنا بالمحبّة ، قال تعالى (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) الآية 31 من آل عمران المارة.
إذا فالاتباع له تأثير عظيم أيضا في المتبوع راجع الآية 34 من سورة المائدة المارة تجد ما يتعلق في هذا البحث فيلزم من هذا وجوب اتباع أمر الرّسول وقبوله والأخذ بما تجمع عليه أمته ، لأن المسلمين لا يجتمعون على ضلالة ، راجع الآية 115 من سورة النّساء المارة ، ولهذا جعل السادة الصّوفية الرّابطة شرطا من شروطهم ويلقنونها للمريد كما يلقنونه الذكر المتعارف عندهم بعدده وأوقاته وكيفياته.
قال تعالى «ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ» بأن يختاروا لها الخفض في العيش والدّعة والرّاحة «عَنْ نَفْسِهِ» الطاهرة ، فليس لهم أن يضنوا بأنفسهم ويكرهوا لها ما يصيب نفس الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم من التعب والنّصب ، ويختاروا لها ما لا يختارونه لنفس الرّسول ، أي لا ينبغي لهم ذلك ولا يليق بهم تفضيل أنفسهم على نفس رسولهم ، بل يجب عليهم أن يفضلوا نفس الرّسول على أنفسهم ويؤثروها في كلّ حال ويحرصوا على مصاحبته في الشّدة والرّخاء ، وعليهم أن يلقوا أنفسهم بين يديه ويفدوا أنفسهم أمامه «ذلِكَ» وجوب متابعة حضرة الرّسول وعدم التخلف عنه وتفضيل نفسه على أنفسهم والخروج معه مطلوب منهم ليعلموا «بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ» في غزوهم معه «ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ» قوية مهلكة «فِي سَبِيلِ اللَّهِ» لإعلاء كلمته ونصرة رسوله «وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ» ويضيق صدورهم ويكدّر خواطرهم «وَلا يَنالُونَ» يأخذون ويصيبون «مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا» قليلا كان أو كثيرا من قتل وأسر ونهب وجلاء ولو بتكثير سواد المسلمين بالكون معهم أو غلبة مجردة أو الغارة عليهم بما يلقي الرّعب في قلوبهم «إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ» ينتفعون بثوابه حيث يقبله اللّه منهم بسبب إحسانهم هذا «إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» (120) من عباده ، وإذا كان كذلك ، فيلزمهم متابعة رسولهم في كلّ حال لينالوا هذا الثواب العظيم من الرّب العظيم الذي سماهم محسنين بسبب ذلك.
الحكم الشّرعي المشيرة إليه هذه الآية هو وجوب(6/501)
ج 6 ، ص : 502
متابعة حضرة الرّسول في الغزو وعدم التخلف عنه ، وهذه الآية محكمة عامة جار حكمها في زمن الرّسول ومن بعده من الخلفاء والأئمة والسّلاطين والأمراء والحكام إذا دعوا النّاس للجهاد لإعلاء كلمة اللّه ودفع الظّلامة عن المسلمين وصونهم من التعدي عليهم أو على ثغورهم وجبت متابعتهم وإجابة دعوتهم والجهاد معهم بالمال والنّفس معا عند القدرة أو بأحدهما حتما بلا خلاف على القادر.
أما ما قاله قتادة من أن حكمها خاص برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقول لا مبرر له ، لأن الغزو ليس من خصوصيات حضرة الرّسول نفسه ليختص الحكم فيه بل هو من جملة مصالح المسلمين ، وما كان من مصالح المسلمين كان عاما ، وإلّا لما قام به الخلفاء الرّاشدون من بعده صلّى اللّه عليه وسلم.
قال الوليد بن مسلم : سمعت الأوزاعي وابن المبارك وابن جابر وسعيدا يقولون إنها لأول هذه الأمة وآخرها ، ونقل الواحدي عن ابن عطية أن هذا إذا أمرهم ودعاهم ، وقال هذا هو الصّحيح.
وما قاله ابن زيد من أن هذه الآية منسوخة في قوله تعالى (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) الآية الآتية بعد هذه ، وانها كانت حين كان الإسلام قليلا ، قول غير سديد ، لأن هذه الآية خاصة بمن كان يأتي من الأحياء ليسأل حضرة الرّسول عن أمر الدّين كما سنبينه في تفسيرها إن شاء اللّه.
أما القول بقلة الإسلام وضعفه عند نزول هذه الآية فغير صحيح ، لأنه كان كثيرا وقويا بالنسبة لأعدائه إذ ذاك ، والقوة تعتبر في كل زمان بما يناسبه ، حتى إن أعداء الإسلام في هذا الزمن أكثر وأكثر بالنسبة لزمن نزول
هذه الآية ، إذا لا حجة بالقلة والكثرة ، تدبر.
قال تعالى «وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً» في سبيل اللّه «صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً» من شق التمرة فما فوقها «وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً» في ذهابهم وإيابهم «إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ» به عمل صالح مقبول عند اللّه يثابون عليه «لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» (121) في الدّنيا من الجهاد وغيره وإنهم يؤجرون على كلّ شيء بأحسنه وأكثر ثوابا.
تدل هذه الآية على أن من قصد طاعة اللّه كانت جميع حركاته وسكناته حسنات مثاب عليها عند ربه.
ومن قصد معصيته كانت عليه سيئات معاقب عليها إلّا أن يتغمده اللّه برحمته.(6/502)
ج 6 ، ص : 503
مطلب في فضل الجهاد والنّفقة فيه وفضل طلب العلم واستثناء أهله من الجهاد ، والحكمة في قتال الأقرب بالأقرب وكون الايمان يزيد وينقص وبحث في ما :
روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد السّاعدي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال رباط يوم في سبيل اللّه خير من الدّنيا وما عليها ، وموضع سوط أحدكم في الجنّة خير من الدّنيا وما عليها ، والرّوحة يروحها الرّجل في سبيل اللّه أو الغدوة خير من الدّنيا وما عليها ، وفي رواية وما فيها.
ورويا عن أبي سعيد الخدري قال :
إن رجلا سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال أي النّاس أفضل ؟ قال مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل اللّه.
قال ثم من ؟ قال ثم رجل في شعب من الشّعاب يعبد اللّه وفي رواية يتقي اللّه ويدع النّاس من شره.
وروى البخاري عن ابن عباس قال ما اغبرت قدما عبد في سبيل اللّه فتمسه النّار.
وقال ثابت بن سعيد ثلاث أعين لا تمسها النّار : عين حرست في سبيل اللّه ، وعين سهرت في كتاب اللّه ، وعين بكت في سواد اللّيل من خشية اللّه.
وروى مسلم عن ابن مسعود الأنصاري البدري قال : جاء رجل بناقة مخطومة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال هذه في سبيل اللّه ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة.
وأخرج الترمذي والنّسائي عن جريم بن مالك قال قال صلّى اللّه عليه وسلم من أنفق نفقة في سبيل اللّه له سبعمائة ضعف.
وقد ألمعنا لما يتعلق في هذا في الآيتين 174 و176 من سورة البقرة فراجعها.
واعلم أن مناسبة هاتين الآيتين بما قبلها هو أنه لما أمر اللّه عباده بالكون مع الصّادقين ومتابعة الرّسول في غزواته ومشاهده كلها أكد ذلك فنهى في هذه الآية عن التخلف عنه ، فقال (ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ) إلخ الآية أي ما صح وما استقام لهم فعل ذلك.
والأعراب الّذين كانوا حول المدينة المرادون في هذه الآية هم مزينة وجهينة والنّجع وأسلم وغفار ، ولكن يستفاد من مغزى هذه الآية تناول جميع الأعراب الّذين كانوا حول المدينة خلافا لما قاله ابن عباس بتخصيص الفرق الخمس المذكورين ، لأن اللّفظ عام والتخصيص دون نصّ تحاكم.(6/503)
ج 6 ، ص : 504
وعلى كلا القولين فليس لأهل المدينة ولا من حولها من الأعراب كافة أن يتخلفوا عن حضرة الرّسول إلّا المرضى والضّعفاء والعاجزون ، فلهم التخلف بنص الآية 92 المارة ، وبقوله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) الآية الأخيرة من البقرة المارة ، لأنهم غير مكلفين بالجهاد.
أما إذا خرجوا من تلقاء أنفسهم لتكثير سواد المسلمين وخدمتهم حسب المستطاع فلا بأس وهم مثابون كما أشرنا في الآية 92 المذكورة.
وليعلم العاقل أن الذهاب للجهاد لا يعد سببا للموت إذا كان في الأجل فسحة ، وإذا حل مات على فراشه وهو في مأمن منه حسب ظنه قال :
وقد يهلك الإنسان من باب أمنه وينجو بحول اللّه من حيث يحذر
يرى الشّيء مما يتقي فيخافه وما لا يرى مما يقي اللّه أكثر
كما أن المرض قد لا يكون منضيا للموت ، وقد يحدث صحيحا على حين غفلة.
روى أن الخليفة المقتفي مرض مرضا شديدا فنوى إن هو برىء أن يفعل خيرا ، فلما برىء شغل عما كان نواه ، ثم مرض مرضه الذي مات فيه فتذكر ما نذره في مرضه الأوّل وما فرط منه في ذلك بكى وأنشد :
إذا مرضنا توبنا كلّ صالحة وإن شفينا فمنا الزيغ والزلل
نرضي الإله إذا خفنا ونسخطه إذا أمّنا فما يزكو لنا عمل
قال تعالى «وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً» إلى طلب العلم والجهاد «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ» راجع الآية 66 المارة في معنى الطّائفة من حيث إطلاقها على الواحد والجماعة والعشرة «لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ» ولا يخرجون جميعهم فيتركون بلادهم وذراريهم وأموالهم ونساءهم تحت الخطر ، فلا يصح لهم ذلك ولا يستقيم ، ولا ينبغي فعله ، بل يخرج أناس للجهاد وطلب العلم ويبقى الآخرون للعمل والحراسة «وَلِيُنْذِرُوا» هؤلاء الخارجون لطلب العلم وتعلم أمر الدّين «قَوْمَهُمْ» وتعلقاتهم وغيرهم الّذين بقوا للعمل والحراسة ويرشدوهم لما تعلموه «إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ» بعد إكمال تحصيلهم ، وليكن قصدهم هذا لا الترؤس عليهم ، ولا أخذ أموالهم أجرا عما يعلمونهم ، ولا التباهي والتفاخر عليهم بما تعلّموه «لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (122) مناهي اللّه فلا(6/504)
ج 6 ، ص : 505
يقربونها ، ويعرفون أوامره فيفعلونها ، وكلمة لو لا تفيد الحث على ذلك بشدة لما فيها من معنى الأمر.
واعلم أن صدر هذه الآية له وجهان الأوّل ما ذكرناه في تفسيرها باختصاصها في طلب العلم فتفيد الوجوب على كلّ مستعد له من جماعة سلوك العلم لا على الجمع ، لأن العلم باعتباره علما يشمل الأصول والفروع ، يكون طلبه على طريق الكفاية.
أما علم الحال المتلبس به الشّخص فعلى طريق العين ، فمن أراد النّفقه في الدّين فلينفر في سبيله ويسلك طريق التزكية والتصفية حتى يظهر العلم على لسانه متفجرا من قلبه ، فالعلم يكون بالتعلم فلا ينزل على الشّخص من السماء إلّا على خرق العادة ، وكذلك لا يخرج من تخوم الأرض.
والمراد من النفقة رسوخ العلم في القلب ليتغلغل في عروق النّفس فيظهر أثره على الجوارح فيمنع صاحبه ارتكاب ما حرّم اللّه بكليته ، وإلّا فإذا بقيت جوارحه تخالف ما علمه لا يكون عالما ، ألم تر كيف سلب اللّه العلم من الرّاهب الذي أشار اللّه إليه في الآية (175) من الأعراف في ج 1 حتى سماء اللّه غاويا.
قال تعالى «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» الآية 28 من سورة فاطر في ج 1 ، لأن رهبة اللّه التي تحصل للعالم تمنعه من مخالفته سرا وجهرا ، فإذا تفقه العالم وظهر علمه على جوارحه أثر في غيره فيسمع قوله ، ويؤتمر بأمره ، وينتهى بنهيه ، لأن النّاس يرتدون بما يترشح عليهم منه كما كان حال حضرة الرّسول مع الأصحاب ، إذ صاروا بعد الجهل المركب علماء كاملين عارفين ، وقد أنزل اللّه تعالى على بني إسرائيل :
يا بني إسرائيل لا تقولوا العلم في السّماء من ينزل به ، ولا في تخوم الأرض من يصعد به ، ولا من وراء البحر من يعبر ويأتي به ، العلم مجعول في قلوبكم ، تأدبوا بين يدي اللّه بآداب الرّوحانيين ، وتخلقوا بأخلاق الصّديقين ، أظهروا العلم في قلوبكم حتى يغمركم ويغطيكم ، وهذا على القول بأن الطّائفة المتأخرة هي المراد بما تعلم العلم ، فيكون المراد منها أنه يجب على كلّ فرقة من فرق البلاد أن يشدّوا الرحال في زمن الرّسول إليه لطلب العلم ، والآخرون لجهاد العدو ، وبعد زمن الرسول إلى المحل الذي فيه العلماء ، فيتعلمون منهم أصول الدّين ويعودون فيعلمون قومهم ، لأن هذه الآية تحتوي على أمرين : الأمر بالهجرة ، والأمر بالجهاد.
وأمر(6/505)
ج 6 ، ص : 506
الجهاد ينقسم إلى قسمين : قسم لقتال العدو ، وقسم لتعلم العلم ، لأنه من الجهاد أيضا.
واعلم أن وجوب السّفر لطلب العلم يتعين إذا لم يكن في البلد عالم يمكنه التعلم منه ، وإلّا فلا يكون واجبا بل مباحا ، وإنما كان واجبا زمن الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم لأن الشّريعة لم تستقر بعد لنزولها تدريجا ، أما الآن وقد استقرت الشّريعة وكان يوجد في بلده من يكفي لتلقين العلم فلا وجوب بالسفر لمكان آخر ، هذا على صرف الآية في سبيل العلم ، والثاني يكون في سبيل صرفها للجهاد فقط ، وذلك إذا أمر الرّسول به وأرسل السّرايا مع من يؤمره عليها فليس لهم أن ينفروا جميعا ويتركوا رسول اللّه وحده ، بل تذهب طائفة منهم التي يأمر بها حضرة الرّسول إلى الجهاد ، وتبقى طائفة للحراسة ، وحفظ ما ينزل على حضرة الرسول من القرآن وما يأمر به من الأحكام والآداب الكائنة بغياب الطّائفة الغازية لتعلمه لها عند إيابها.
وإنما صح تأويل هذه الآية على الوجهين المذكورين لإمكان جعل صدر هذه الآية من بقية أحكام الجهاد وارتباطها بما قبلها ، وإمكان جعلها مبتدأة وتخصيصها بطلب العلم وهو الأوجة الذي جرينا عليه ، والقولان لابن عباس رضي اللّه عنهما ، ولهذا اختلف في سبب نزولها ، فقال عكرمة لما أنزل اللّه تعالى بالمتخلفين ما أنزل ، قال المنافقون هلك المتخلفون أجمع فنزلت هذه الآية تطمينا لهم.
وقال مجاهد غيره ، والأنسب ما روي عن ابن عباس من أن اللّه تعالى لما بالغ في فضح عيوب المنافقين قال المؤمنون واللّه لا نتخلف في غزوة ولا سرية ، وتهبأوا كلهم للنفور ، وتركوا الرّسول وحده ، فنزلت ويكون المعنى عدم جواز نفور المؤمنين كلهم للجهاد ، بل تبقى طائفة لخدمة الرّسول وحفظ الوحي والأحكام والآداب التي يأمر بها لنعلمها للغازين عند حضورهم ، لأن القصد من النّفقة دعوة الخلق إلى الحق وإرشادهم إلى الدّين القويم والصّراط المستقيم وإنقاذهم من هوة الجهل والضّلال ، فمن تفقه لهذا الغرض كان ناجيا عند اللّه سائرا على المنهج النّبوي ، ومن عدل عنه فطلب به الدّنيا كان داخلا في قوله تعالى (بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) الآية 106 من سورة الكهف ج 2.
روى البخاري ومسلم عن معاوية قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول(6/506)
ج 6 ، ص : 507
من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدّين وإنما أنا قاسم واللّه معطي ، ولم يزل أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم السّاعة وحتى يأتي أمر اللّه.
ورويا عن أبي هريرة قال قال صلّى اللّه عليه وسلم : تجدون النّاس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا.
وأخرج الترمذي عن ابن عباس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : فقيه واحد أشد على الشّيطان من ألف عابد.
راجع الآية 11 المارة من سورة المجادلة تجد ما يتعلق بفضل العلم والعلماء ، وكذلك في الآية المارة آنفا من سورة فاطر «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) إلخ.
والفقه في اللّغة الفهم ، وهو الأصل بعلم شاهد إلى علم غائب فهو أخص من العلم.
واصطلاحا العلم بالأحكام الشّرعية ومتعلقات الدّين التي لا بد له منها في معرفة اللّه تعالى وما يجب في حقه ، وما يستحيل ، وما يجوز ، وما يجب في حق الأنبياء ، وما يستحيل ، وما يجوز ، ومن العبادات والمعاملات بقدر الكفاية من علم الحال.
والطّائفة ما فوق الثلاثة غالبا فإذا خرج واحد منها لهذه الغاية سقط الإثم عن الآخرين.
والحكم الشّرعي هو طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة وهو قسمان فرض عين وهو ما تقدم
من معرفة علم الحال كالصوم والصّلاة والحج والزكاة للمتولين.
ومعنى كلمة الشّهادة للكل ، وفرض كفاية كتعلم ما به يبلغ درجة العلماء ورتبة الاجتهاد وفإذا وجد في البلد واحد من هذا القبيل قادر على الفتيا والتعليم كفى وسقط الإثم عن الباقين ، وإلّا فكلهم آثمون.
ومثل هذا يصدق عليه الحديث المار ذكره في قوله صلّى اللّه عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم.
وقدمنا ما يتعلق في فضل العلم في الآيتين المذكورتين آنفا في سورة المجادلة وفاطر فراجعهما ، ومنها ما جاء في فضل تعلمه ما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل اللّه له طريقا إلى الجنّة.
وما أخرجه عن أنس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال من خرج في طلب العلم فهو في سبيل اللّه حتى يرجع ، وأخرج أبو داود عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل (آية محكمة) أي لا اشتباه فيها من تأويل أو تفسير أو اختلاف في حكمها (أو سنة قائمة) أي مستمرة دائمة متّصل العمل بها (أو فريضة عادلة) أي لا جور فيها(6/507)
ج 6 ، ص : 508
ولا حيف.
وقد ذكرنا أن علم الحال واجب على كلّ فرد من أفراد الأمة.
ومنه معرفة العقود وما يفسدها أو يبطلها إذا كان يتعاطى البيع والشّراء وغيرهما.
وبصيرة عامة كلّ ما هو لازم له من العبارة والمقالة.
وهناك أحاديث تتعلق في هذا البحث كثيرة لا يسعها هذا السّفر فنسأل اللّه أن يجعلنا من العالمين العاملين به ، النافعين لعباد اللّه ، الخالين من شوائب السّمعة والرّياء وحب الجاه ونشر الصّيت ورفع القدر ، إنه على كلّ شيء قدير وبالإجابة جدير.
قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ»
لما كان القتال واجبا على المسلمين لجميع الكفرة أمر اللّه تعالى بأن نقاتل أولا الأقرب منهم فالأقرب لدار الإسلام ، إذ ليس من العدل أن يقاتل البعيد ويترك القريب إذ لا يؤمن منه أن ينتهز فرصة غياب القوة الحامية للبلاد الاسلامية وقراها فيهجم على بلادهم وذراريهم ونسائهم وأموالهم فيستولي عليها ويتحصّن بها ، فيقتل ويسلب كيف شاء ويعود أو يبقى بها ، وهذا من قبيل التعليم والإرشاد من اللّه تعالى إلى عباده فيما هو من صالحهم ، وباب عظيم من أبواب الحرب يعلمه اللّه تعالى لعباده ليقوا أنفسهم من عدوهم إذا غفلوا عن الأخذ به.
هذا ولا وجه لقول من قال إن هذه الآية منسوخة بآية القتال المارة ، لأنها نزلت بعد الأمر بقتال المشركين كافة ، والآيات قبلها والمقدم لا ينسخ المؤخر قولا واحدا ، وهي آخر آية نزلت في القتال ، لأن اللّه تعالى لما أمرهم بقتال جميع المشركين الواردة في الآية 28 المارة أرشدهم إلى الطّريق الأصوب بذلك بأن يبدأوا أولا بقتال الأقرب في ديارهم ، فمن يليهم في البعدية تدريجا ليأمنوا على من وراءهم ، لأن قتال الأبعد والأقرب دفعة واحدة فيه خطر الالتفاف والتطويق.
وفي قتال الأبعد قبل الأقرب أشد خطرا في التطويق والالتفاف ومظنة قطع المواصلات والتحاق الأطراف بهم ، مما يزيد في شكيتهم ويكثر سوادهم ويزيد الخطر على المؤمنين ، ولهذا أول ما بدأ صلّى اللّه عليه وسلم بقتال قومه المختلطين مع أصحابه المتداخلين معهم ليأمن غائلتهم ، ثم انتقل إلى العرب الآخرين القاطنين في الأطراف ، ثم إلى أهل الكتاب المحيطين في المدينة ، ثم إلى الرّوم العيدين عنه ، وهكذا أصحابه ومن بعده رضوان اللّه عليهم أجمعين ، إذ بدأوا بقتال أعدائهم(6/508)
ج 6 ، ص : 509
الأقرب فالأقرب في بلاد المسلمين حتى استولوا على غالب الأمصار بصورة تدريجية بتوفيق اللّه تعالى.
ويدل قوله تعالى «وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً» شدة وعنفا في القول والمشي قبل القتال ليستدلوا على قوتكم وشجاعتكم ومناعتكم ويحظر على المؤمنين أن يلينوا جانبهم لأعدائهم ، بل يظهروا لهم الجلد وكلّ خشونة وعنفوان ، وأنهم يتفقؤون عظامهم لما في هذا من إيقاع الرّعب في قلوبهم وإذلالهم ، وعليهم أن لا يتقوهم بشيء ويتقوا اللّه في جميع أحوالهم «أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» (123) بالمعونة والنّصر والغلبة وقهر الأعداء.
واعلم أن الغلظة تقرأ بفتح الغين وكسرها وضمها وخير الأمور أوساطها ، ومعناها النّهاية في الشّدة قال تعالى (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) الآية (75) المارة (ومنهم من أول الغلظة بالشجاعة والغيظ هي ضد الرّقّة) وأقوى تأثيرا في الزجر والمنع عن القبيح.
واعلم أن الأمر قد لا يكون مطردا في هذا الباب بل قد يحتاج تارة إلى الرّفق واللّطف ، وأخرى إلى الضّيق والعنف ، وهذا هو معنى (وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) أي أنه لا يجوز الاقتصار على اللّين ولا على الغلظة ، لأن اللّين يطمع العدو ، والغلظة تنفره ، وهذا في كلّ دعوة تتصل بالدين فتكون أولا بإقامة الحجة مع اللّين والرّأفة ، وعند الإياس بالقتال والشّدة ، ويشير قوله تعالى (أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) إلى أن الإيمان والقتال على الوجه المار ذكره من باب التقوى ، والمراد بالمعيّة الولاية الدّائمة راجع قوله تعالى (اللَّهَ مَعَنا) في الآية (41) من هذه السّورة ، وقوله تعالى (وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ) في الآية 13 من سورة المائدة وقوله تعالى (وَاللَّهُ مَعَكُمْ) في الآية 45 من سورة محمد المارات وما ضاهاها.
قال تعالى «وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ» من القرآن العظيم وهذه عطف على قوله تعالى «وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ» في الآية 85 المارة إلّا أن هذه وصلت بها ما للتأكيد والتحسين.
مطلب في ما بعد إذا ومثالب المنافقين ومنة اللّه على عباده بإرسال محمد صلّى اللّه عليه وسلم :
واعلم أن ما توصل بإذا في كلّ ما لا يتطرقه النّفي في الكلام بعدها ، أما فيما يتطرقه النّفي كالآية المعطوفة هذه عليها فلا تتصل بها ما ، ومثل (إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ(6/509)
ج 6 ، ص : 510
وَالْفَتْحُ)
و(إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها) و(إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) و(انْفَطَرَتْ) وشبهها ، لأنك إذا زدت ما في هذه الجمل وأمثالها تطرقها النّفي وهي لا تحتمله فيختل معناها فلا يمكنك أن تقول مثلا إذا ما السّماء انفطرت إلخ إذ يكون على تقدير ما بعد إذا لم تعلم نفس ما قدمت وأخرت ، لأن علم ذلك عند وجود هذه الحوادث ، وهذا قال تعالى (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) وكذلك في بقية الجمل المذكورة ، فإن وجود ما بعد إذا فيها تقييد المعنى بتطرق النّفي ، أما إذا أمن تطرق لنفي كالآية المفسرة هذه فلا بأس بوجود ما فيها ، ويصح تغير القرآن حذفها ، مثل قولك إذا قدم الطّعام أكلنا ، فإذا زدت ما فقلت إذا ما قدم الطعام أكلنا بقي المعنى على حاله ، ومن هنا تعلم غلط بعض الكتّاب الّذين يصلون ما بإذا مطلقا دون أن ينظروا إلى المعنى بعدها ، هل يتطرق النّفي أم لا ؟
وهل يبقى المعنى على حاله أم لا ؟ تدبر «فَمِنْهُمْ» المنافقون «مَنْ يَقُولُ» لصاحيه على طريق الاستهزاء والسّخرية «أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ» السورة المنزلة على محمد «إِيماناً» كما يقوله المؤمنون من أصحابه ، فيا سيد الرّسل قل هؤلاء الفاجرين «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا» باللّه ورسوله وكتابه واليوم الآخر إيمانا خالصا حقيقيا «فَزادَتْهُمْ إِيماناً» على إيمانهم لأنهم بعد أن تأمّلوا معناها وتدبّروا مرماها وتعقلوا مغزاها زادت معرفتهم باللّه وما يتحتم عن الإيمان به وبرسوله ، وكفى بعوام النّاس اعترافهم بها أنها من عند اللّه بيقين جازم وإقرارهم بها عن ثفة وتصديق ، فكل هذا مما يزيد في قوة الإيمان فمثل زيادة الإيمان القوة تكون في الرّجل ، ومثل نقصه الضّعف فيه مع تساويهما في الإنسانية ، فلا يقال حينئذ كيف يزيد وكيف ينقص راجع الآية (5) من سورة البقرة والآية الثانية من سورة الأنفال المارتين تجد ما يتعلق في هذا البحث وفيما ترشدك إليه من المواضع «وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ» (124) بنزولها لما يرون من انشراح صدورهم لها ورغبتهم في سماعها وتشوقهم لحفظها والعمل بها طلبا للثواب في الآخرة عند منزلها «وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» شك وريبة وشبهة في صحتها كالمنافقين والكافرين «فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ» الغاش الغامر على قلوبهم المتغلغل فيها بسبب انغراز الكفر(6/510)
ج 6 ، ص : 511
فيها الذي أحدث الصّدأ بها علاوة على رجسها المتخزن بدخائل طباتها فصيّرها لا تعي الحق ولا تميزه على الباطل ، لأنهم كلما أحدثوا سخرية بآيات اللّه أحدث اللّه زيغا في قلوبهم فيتكاثف عليها فتعمى ، ولهذا كان هذا السّؤال من بعضهم.
وقد سمى الكفر رجسا لأنه أقبح الأشياء وهو كلّ شيء مستقذر «وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ» (125) بآيات اللّه بسبب إصرارهم على الاستهزاء بها.
واعلم أنه كما أن الإيمان يزيد وينقص ، فكذلك الكفر ، لأن من كفر بموسى ثم كفر بعيسى يكون أشد كفرا من كفر بموسى ومات على كفره ، وكذلك من كفر بعيسى وكفر بمحمد صلوات اللّه وسلامه عليهم وعلى إخوانهم الأنبياء أجمعين ، وهكذا كلما جحد الإنسان شيئا من شرائع الدين وأنكر ما جاءت به الرّسل عن اللّه وارتكب جرما حرمه اللّه عليه ازدادت جرائمه وقبائحه واستخفافه بآيات اللّه فيزداد الكافر كفرا والفاجر فجورا.
وان التمادي في التعنّت والبغي والطّغيان يسبب تكاثف الصّدإ على القلب ، وكذلك عدم المبالاة باللّه ورسله وكتبه تزيد رين القلب فيصير مطبوعا عليه والعياذ باللّه ، فيستوي عنده الخير والشّر ، ويميل طبعه الخبيث إلى السّخرية والاستهزاء ، قال عليه الصّلاة والسّلام إن الإيمان يبدو لمعة بيضاء في القلب وكلما ازداد الإيمان عظما ازداد ذلك البياض حتى يبيض القلب كله ، وأول النّفاق يبدو لمعة سوداء في القلب وكلما ازداد النّفاق ازداد ذلك السّواد حتى يسود القلب كله ، وأيم اللّه لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض ، ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود.
فتفيد هذه الآية والحديث على أن الرّوح لها مرض وهو الكفر والنفاق والأخلاق المذمومة والآداب السّافلة ، ولها صحة وصحتها الإيمان والإخلاص فيه والأخلاق الممدوحة والآداب الفاضلة ، وإن زيادة الإيمان بزيادة هذه الأعمال الكريمة ونقصه بنقصها ، وزيادة الكفر بزيادة تلك الأفعال الذميمة ونقصه بنقصها.
قال تعالى «أَ وَلا يَرَوْنَ» هؤلاء المنافقون «أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ» بأنواع البلاء ، ويختبرون بأصناف الشّقاء ويمتحنون بأضراب الشّدة والرّخاء «فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ» هذا لمجرد التكثير لا لبيان العدد ، أي أنهم يبتلون ببلاء كثير مما يذكرهم عاقبة عتوّهم ومغبة طغيانهم عند وقوفهم بين يدي رب العزّة والعظمة ، (6/511)
ج 6 ، ص : 512
فلو علموا هذا يقينا لأدى إلى لزوم رجوعهم إليه وتوبتهم مما هم عليه ، إلا أنهم يعلمون بسبب الغشاوة الغاشية قلوبهم المانعة من تأثرها بالآيات «ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ» (126) ليتعظوا بها أو يتأثروا منها ، لأنها كما أخبر اللّه لا تؤثر فيهم فيزداد بغيهم واشتهارهم فيها فيزدادون مقتا عند اللّه ، راجع الآية (44) من سورة فصلت في ج 2.
قال تعالى «وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ» ببيان عيوبهم وما يتناجون به في شأن حضرة الرّسول وأصحابه ويلصقون بهم من المثالب وما يضمرونه لهم من السّوء «نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ» يتغامزون بعيونهم وحواجبهم تعجبا وسخرية بما ينزل ويشير بعضهم إلى بعضهم بالهرب عن أعين النّاس خوف التصريح بالفضيحة ، قائلين لبعضهم «هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ» من المؤمنين إذا انصرفتم هلم انصرفوا
قبل أن يطلعوا عليكم فينهوكم ويقرّعوكم ويوبخوكم «ثُمَّ» أي بعد أن تواطلوا على الهزيمة «انْصَرَفُوا» من المجلس الذي أنزل فيه القرآن خشية أن يصارحوهم بما وقع منهم «صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ» عن الإيمان بها وأهمها وأعمها عن التعقّل فيها مجاراة لتهاونهم فيها وجهلهم بعاقبة أمرهم «بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» (127) معنى الآيات ولا يفهمون مغزاها ، ولا يتفكرون فيما ترمي إليه ، ولا يعقلون معناها ، لأنهم حرموا لذة الإيمان بها لعدم تخلّقهم على فطرة التوحيد والعرفان وعدم اتعاظهم بما انطوت عليه آيات هذا القرآن ، وصرفوا أوقاتهم في اللّغو وهفوات اللّسان وكلّ ما لا خير فيه من الكلام ، وليس في قرنائهم من يرشدهم لأنهم مثلهم ، قال الإمام الشّافعي رحمه اللّه :
لا خير في حشو الكلا م إذا اهتديت إلى عيونه
والصّمت أجمل بالفتى من منطق في غير حينه
وعلى الفنى بطباعه سمة تلوح على جبينه
من ذا الذي يخفى عليك إذا نظرت إلى [قرينه ] قال محمد بن إسحاق لإخوانه إذا قضيتم الصّلاة فلا تقولوا انصرفنا من الصّلاة فإن قوما انصرفوا فصرف اللّه قلوبهم ، ولكن قولوا قد قضينا الصّلاة.
والقصد من قوله هذا رحمه اللّه التفاؤل بترك هذه اللّفظة الواردة فيما لا ينبغي.
والترغيب في تلك(6/512)
ج 6 ، ص : 513
اللفظة الواردة في الخير فإنه تعالى قال (فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) الآية في آخر سورة الجمعة المارة.
قال تعالى مخاطبا مؤمني العرب ضاربا الصّفح عن المنافقين والكافرين ، إذ ختم ما أنزل بحقهم كما هو في علمه «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ» من قبل اللّه تعالى وقد جعله «مِنْ أَنْفُسِكُمْ» ومن جنسكم تعرفون نسبه وحسبه ومكانته في قومه ليكون بينكم وبينه جنسية نفسانية بها تقع الألفة بينكم وبينه ، فتخالطونه وتختلطون معه بتلك الأسباب فتتأثر من نورانيتها المستفادة من نور قلبه أنفسكم فتتنور بها وتنسلخ عنها ظلمة الجبلة والعادة التي كنتم عليها قبل إسلامكم ، وإذا كان كذلك فأنتم أولى بنصرته وموالاته من غيركم ، لأنه أكمل شرفكم ورفع شأنكم وأعلى فخركم ، فأبدل ذلكم عزّا ، وانحطاطكم رفعة ، وفقركم غنى ، وقرأ ابن عباس بفتح السّين أي من أنفسكم وأفضلكم وأحسنكم ، وهذه القراءة جائزة إذ لا تبديل فيها ولا زيادة ولا نقص.
راجع الآية 11 من سورة الحج المارة.
أخرج الترمذي عن العباس بن عبد المطلب عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال قلت يا رسول اللّه إن قريشا جلسوا يتذاكرون حسبهم بينهم ، فقالوا مثلك كمثل نخلة في كدّية (بضم الكاف وتخفيف الدّال الأرض الغليظة والصّفات الشّديدة العظيمة والشّيء الصّلب بين الحجارة والطّين) من الأرض ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : إن اللّه خلق الخلق فجعلني من خير فريقهم ، وخير الفريقين ، ثم تخيّر القبائل فجعلني من خير قبيلة ، ثم تخيّر البيوت فجعلني من خير بيوتهم ، فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا.
وروى مسلم عن وائلة بن الأسقع قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول إن اللّه اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم.
واصطفاني من بني هاشم.
وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا.
حتى كنت من القرن الذي كنت فيه.
وهذا الرّسول أيها المؤمنون «عَزِيزٌ» شاق صعب عظيم شديد «عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ» أي ما تعملونه من المكروه والإثم لزيادة رأفته بكم ، وكثرة غيرته عليكم لأنه يراكم بمثابه أعضائه وجوارحه ، فكما يشق عليكم تألم شيء منها يشق عليه ما يصيبكم من كلّ سوء ، (6/513)
ج 6 ، ص : 514
فيخاف عليكم كخيفته على نفسه حقا ولذلك فإنه «حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ» من أن ينالكم مكروه لشدة اهتمامه بكم كما يهمه جسده ، فلا يرضى بنقص أقل جزء منه ولا بشقائه فكذلك أنتم عنده ، ولذلك لا يريد لكم إلّا الخير ، وهو يبذل غاية جهده وقصارى وسعه ونهاية قدرته لهدايتكم لأنه «بِالْمُؤْمِنِينَ» المخلصين للّه الطائعين أوامره «رَؤُفٌ» وبالمذنبين والعاصين والغافلين «رَحِيمٌ» (128) بهم يريد أن يعفو اللّه عنهم ويرجو منه أن يشفّعه بهم ، ولهذا فإنه ليفيض عليهم العلوم والمعارف والكمالات ، ويجب أن يتصفوا بها كلها لينجيهم ربهم من عذاب الآخرة ويغفر لهم ما وقع منهم في الدّنيا ، ولذلك يسعى لإرشادهم ويطلب من ربه قبولهم وتوفيقهم للخير والذكر الحسن في الدّنيا لينالوا ثوابه في الأخرى.
اعلم أن اللّه تعالى لما أمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلم أن يبلغ ما جاء في هذه السّورة من التكاليف عباده ، وكانت شاقة يعسر تحملها إلّا لمن خصه اللّه تعالى بالتوفيق والكرامة ، ختم هذه السورة بما يوجب سهولة تحمل هذه التكاليف ، وهو أنه قد جعل هذا الرّسول الذي بلغهم منهم فكل ما يحصل من العز والشّرف في الدّنيا فهو عائد إليكم ، وفضلا عن هذا فإنه عليه الصّلاة والسّلام بحال يشقّ عليه ضرركم وتعظم رغبته في إيصال خير الدّنيا والآخرة إليكم ، فهو كالطبيب الشّفيق ولأب الرّحيم في حقكم ، والطّبيب الشّفيق ربما أقدم على علاجات صعبة يعسر تحملها ، والأب الرّحيم ربما أقدم على تأديبات شاقة ، إلا أنه لما عرف أن الطّبيب حاذق والأب رؤوف صارت تلك المعالجات المؤلمة متحملة ، وتلك التأديبات الشّاقة جارية مجرى الإحسان ، فكذا هنا ، لما عرفتم أنه رسول اللّه حقا فاقبلوا منه هذه التكاليف مهما كانت لتفوزوا بخير الدّارين.
قال تعالى «فَإِنْ تَوَلَّوْا» عنك يا سيد الرّسل بعد ما أسديت لهم هذا النّصح وأعرضوا عن قبول إرشادك ، ومالوا عن موالاتك وعدلوا عن مجالستك ، فاتركهم ولا تلتفت إليهم ، لأنك لست عليهم بجبار ولا مسطير ، لأنهم يظهرون ذلك الإيمان ، فلو كانوا يجاهرون بالكفر لكان لك أن تقاتلهم حتى يعطوا الجزية ، فلم يبق إلّا طريق النّصح ، فإذا رأيتهم تولوا عنك ولم يجنحوا لإرشادك «فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ» وحده هو كافيني عن جميع خلقه لا حاجة لي(6/514)
ج 6 ، ص : 515
بكم ولا باستعانتكم ، كما لا حاجة للانسان إلى العضو المتعفن الفاسد ، بل يجب قطعه لئلا يسري لغيره «لا إِلهَ» في الوجود ولا مؤثر في الكون ولا هادي للمضل «إِلَّا هُوَ» وحده ناصرك ومعينك وكافيك عن كلّ خلقه وهو المعول عليه بالاستقلال والإحاطة والاستيلاء التام «عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ» لا على غيره ، إذ لا رب سواه فهو الباقي وما سواه هالك فلا حول ولا قوة إلّا باللّه الذي من يتوكل عليه يكفيه ، ومن يرجع إليه يغنيه عن كلّ أحد ، إذ لا فعل ولا منع ولا عطاء إلّا منه ، إليه أنبت وأسلمت وآمنت «وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (129) تقرأ على الكسر على انه صفة العرش ، لأنه أعظم مخلوقاته ، لما ورد أن أرضكم هذه بالنسبة لعرش الرّحمن كحلقة
ملقاة في فلاة ، وبالرفع على أنه صفة للّه تعالى واللّه سبحانه هو الكبير العظيم بأسمائه وصفاته وأفعاله ، المستحق للتعظيم بأفضاله وآلائه.
والمراد من عظم العرش كبر جرمه واتساع جوانبه على ما هو مذكور في الأخبار ، ومنها ما ذكر آنفا ، والمراد من وصف الإله بالعظم وجوب الوجود والتقديس والتنزيه عن الجسمية والأجزاء والأبعاض ووصفه بكمال القدرة وكونه مبرأ من أن يتمثل في الأوهام أو تصل إليه الأفهام.
قال أبو بكر وهذه القراءة (أي قراءة العظيم بالرفع) أعجب لأن جعل العظيم صفة للرب العظيم أولى من جعله صفة العرش (أي وإن خصّصها الغير) ويوجد في القرآن أربع سور مختومة بلفظ العظيم : هذه والحديد والواقعة والحاقة.
هذا وقد ذكرنا أوّل هذه السّورة أنها نزلت كلها جملة واحدة ، كما أشرنا إليه في الآية (27) المارة ، وقال الحسن إن هاتين الآيتين الأخيرتين من آخر ما نزل من القرآن وما نزل بعدها قرآن.
والمراد بقوله هذا أنهما نزلتا بآخر هذه السّورة لا وحدهما أما قوله ما نزل بعدهما قرآن ، فلا يتجه إذ نزل بعدهما من السّور سورة النّصر ، ومن الآيات آية المائدة الخامسة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) وآية البقرة 282 وهي (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) على أصح الأقوال ، ومن قال ان الآيتين الأخيرتين من هذه السّورة نزلتا بمكة قيل لا مبرر له ولا عبرة به ولا قيمة له ، وكان هذا القائل نظر لما فيهما من التفريض فقال ما قال ، لأن هذه السّورة جاءت بالجزم والعزم ومقام(6/515)
ج 6 ، ص : 516
الشدة والغلظة فلا يناسبها ختمها بما يدل على التفريض على أن هذا لا يكون مدارا لإثبات قوله بأنهما مكيتان ، لأن الأجدر هنا أن يكون المقام مقام تفويض تحدثا بما أكرم اللّه به نبيه فيهما من النّصر والعلبة وفضيحة أعدائه والتوبة على أوليائه.
ومما يدل على كونهما مدنيتين وختم هذه السّورة بهما ما ورد عن أبي بن كعب أنه قال هاتان الآيتان (لَقَدْ جاءَكُمْ) إلخ آخر القرآن نزولا.
وفي رواية أحدث القرآن عهدا باللّه هاتان الآيتان أي من حيث لم ينزل بعدهما إلّا ما ذكرناه آنفا ، ومن علم أن كلام اللّه لا يشبه كلام خلقه علم أن كلامه لا يتقيد بمناسبة.
راجع الآية (82) من سورة النّساء المارة.
واعلم أن ما نقل عن حذيفة من قوله أنتم تسمون هذه السّورة بالتوبة وهي سورة العذاب ما تركت أحدا إلّا قالت منه (واللّه ما تقرءون ربعها) فهو نقل كاذب ورواية مفتراة وخبر بهت وقول زور ، لأن تصديق الجملة الأخيرة من هذه الرّواية الواهية عبارة عن وجود النّقص في القرآن العظيم الذي لا يحتمل النّقص ولا الزيادة ولا يتطرقان إليه البتة.
كيف وقد حفظه اللّه من كلّ باطل وتعهد بحفظه كما أشار إلى ذلك في الآية (30) سورة الحجر والآية 92 من سورة فصلت المارتين في ج 2 ، وهذا القول المختلق يخرج القرآن العظيم عن كونه حجة ولا خفاء ، فإن القول بوجود نقص في القرآن باطل لا يقوله إلّا مبتدع زنديق فاسق فاجر ، وهو كالقول بأن سورة الأحزاب كانت أكثر مما هي عليه الآن إذ أكلتها الأرضة وهي في بيت عائشة ، فإذا أكلتها من بيت عائشة فهل أكلتها من النّسخ التي عند كتبة الوحي ، وهل أكلتها من صدور الحافظين الأمينين.
ولما نسخ أبو بكر القرآن من اللّخاف وغيرها هلا اطلع على هذا النّقص وهو خليفة رسول اللّه الأوّل ، وهلا سأل من هذا عمر حين ولي الخلافة ونقل الصّحف إلى بيت حفصة ، ولما نقل المصاحف زمن عثمان من قبل كتبة الوحي ، هلّا اطلعوا على هذا النّقص الواقع في الأحزاب والتوبة ، وهم أعلم النّاس بالقرآن بعد المنزل عليه ، قاتل اللّه المفسدين ، قاتل اللّه المرجفين ، قاتل اللّه الزائفين ، ألا يعلمون أن القول بهذا كفر صريح لإنكارء ما تعهد اللّه بحفظه وحمايته ، ومن أوفى بعهده من اللّه ، هذا ، وقد أسهبنا بالبحث في هذا في المقدمة في بحث النّزول(6/516)
ج 6 ، ص : 517
وآخر سورة الأحزاب المارة فراجعها تعلم ، وأنت عالم ، بأن ما بين الدّفتين من القرآن العظيم هو تمام كلام اللّه الذي أنزله على حضرة رسوله بواسطة الأمين جبريل لم ينقص منه حرف واحد ولم يزد عليه حرف ، وإن ما نقل عن بعض الكذبة مدسوس عليهم ممن هو أكذب منهم.
هذا واللّه أعلم ، وأستغفر اللّه ، ولا حول ولا قوة إلّا باللّه العلي العظيم ، وصلّى اللّه وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين أجمعين.
(تفسير سورة النّصر
عدد 28 - 114 و110)
نزلت بالمدينة بعد التوبة في منى في حجة الوداع السّنة العاشرة من الهجرة.
وتعد مدنية للسبب المتقدم في مثلها.
وهي آخر سورة نزلت من القرآن على أصح الأقوال وأشهر الرّوايات.
وآخر آية نزلت منه آية (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) كما أشرنا بذلك في المقدمة ، وفي الآية الرّابعة من المائدة والآية 182 من البقرة وألمعنا إليه آنفا وذكرنا أيضا أن كلّ ما نزل بعد الهجرة يسمى مدنيا ولا يخر ؟ ؟ ؟ كونه مدنيا نزوله في غير المدينة ، كما أن كلّ ما نزل قبل الهجرة يسمى مكيا ؟ ؟ ؟ عن كونه مكيا نزوله بغيرها ، والعبرة بالهجرة لا بمواقع النزول.
وهي ؟ ؟ ؟ وسبع عشرة كلمة وسبعون حرفا.
لا ناسخ ولا منسوخ فيها.
وتسمى سورة الفتح أيضا وبيّنا السّور المبدوءة بما بدئت به في سورة الانفطار ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به ، وبيّنا السّور الموافقة لها في عدد الآي في سورة الكوثر.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» قال تعالى
«إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ» (1) أي إذا جاء المدد الكوفي والتأييد القدسي بالنصر العام والفتح الشّامل المطلق بعد فتح مكة وما وراءها من البلدان والقرى والمدن لا تقييد أو تخصيص بمكان دون مكان ولا بشيء دون شيء وهو فتح عام مادة ومعنى «وَرَأَيْتَ» يا أكمل الرّسل «النَّاسَ» على خلاف ألوانهم وأجناسهم ومللهم ونحلهم «يَدْخُلُونَ» طوعا ورضاءا واختيارا دون تكليف ولا إكراه «فِي دِينِ اللَّهِ» لسلوك طريقه المستقيم وتوحيد حضرته المقدسة وتصديق رسوله(6/517)
ج 6 ، ص : 518
وكتابه اللّذين جعلهما خاتمة لرسله وكتبه ويقبلون على الاعتراف بذلك كله «أَفْواجاً» (1) جماعات كثيرة وزمرا وإرسال القبيلة بأسرها والقوم بأجمعهم بحيث صاروا يتهافتون عن طيب نفس ورضاء خاطر ورغبة بهذا الدّين الحنيف رغبة نفس واحدة وصار استعدادهم المتشوق بتعاليم الإسلام ودعائم الإيمان اختياريا وصار بينك وبينهم روابط قوية مستمدة من تقوية المناسبات الودية الخالصة بعد أن كانوا على خلاف ذلك من التردد بقبول الإيمان والكراهية لاتباعك والنّقمة من تعاليمك وكان يؤمن بك الواحد والاثنين بادىء الرّأي غير متمكن الإيمان بداهة قبل أن يعرفوا ماهيته وما يؤول الأمر فيه إليه وما هي عاقبته كالقادم على ما لا يعرفه فإنه يقدم رجلا ويوخر أخرى ، إذ كانوا مستضعفين لا يقدرون أن يجاهروا بإقامة الدّين.
أما الآن فقد ظهر نوره في الآفاق وعرفت نتائجه الرّائعة لدى الخاص والعام وغرزت محبته بالقلوب السّليمة وإذ تم لك يا سيد الأحرار والعبيد هذا الأمر على ما تريد وفق إرادة ربك الأزلية «فَسَبِّحْ» يا حبيبي «بِحَمْدِ رَبِّكَ» الذي رباك وأعلى كلمتك وبلغك مناك شكرا على هذا العطاء الجزيل من فيضه الهطال وحمدا على إفضاله الجليل بإظهار كمالاته من حتى اليقين إلى عين اليقين «وَاسْتَغْفِرُوهُ» تواضعا وهضما للنفس وشرا لما كان هو خلاف الأولى «إِنَّهُ» جل جلاله وعز نواله «كانَ» من الأزل ولم يزل في الحال والمستقبل «تَوَّاباً» (3) على عباده الّذين هم في حيز قبوله منذ قالوا بلى كثير الغفران لهم ، جليل المنّ عليهم ، عظيم القبول ، يشملهم بعفوه ، ويغمرهم بعطفه ، وينشر عليهم رحمته ، ويكثر عليهم كرمه ، وبلطف بهم في كلّ أمورهم المادية والمعنوية ، لأن من عادته قبول من يرجع إليه بعد أن زاغ منهج صوابه ، والعفو عنه وإدخاله في جملة أحبابه.
هذا ولما كانت هذه السّورة الكريمة مشيرة إلى كمال الأمر لحضرة الرّسول وتمام الدّعوة التي خلق لأجلها قرأها على الأصحاب فاستبشر البعض منهم بما فيها من السّرور الذي ما بعده سرور ، وبكى ابن عباس رضي اللّه عنه فقال له صلّى اللّه عليه وسلم ما يبكيك (وهو قد عرف المرمى من بكائه) قال نعيت إليك نفسك ، فقال عليه السّلام لقد أوتي هذا الغلام علما كثيرا ، أي لما ألقي في روعه من مغزى هذه السّورة ، وعرفه حق معرفته.(6/518)
ج 6 ، ص : 519
وروي أنها لما نزلت خطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال إن عبدا خيّره اللّه بين الدّنيا وبين لقائه فاختار لقاء اللّه ، فعلم أبوبكر رضي اللّه عنه فقال فديناك بأنفسنا وأموالنا وآبائنا وأولادنا.
وعنه عليه السّلام أنه دعا فاطمة رضي اللّه عنها فقال يا بنتاه نعيت إليّ نفسي ، فبكت فقال لا تبكي فإنك أول أهلي لحوقا بي فضحكت.
وتسمى هذه السّورة سورة التوديع لأنها نزلت في حجة الوداع وآذنت بوداع المنزل عليه ووداع الوحي المقدس إذ لم ينزل بعدها سوى الآيتين المذكورتين آنفا.
روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي اللّه عنها قالت ما صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت إذا جاء إلخ إلّا ويقول فيها سبحانك ربنا وبحمدك اللّهم اغفر لي.
وقال ابن عباس لما نزلت هذه السّورة علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه نعيت إليه نفسه ، أي قبل أن يبكي ويقول ما قال ، ولهذا سأله عن سبب بكائه عند ما تلاها صلّى اللّه عليه وسلم.
وقال الحسن علم أنه قد اقترب أجله ، فأمر بالتسبيح والقربة ليختم بالزيادة من العمل الصّالح أجله ، وإنما أمر بالتسبيح ليشتغل في أمور الآخرة ويصرف نفسه إليها ، لأن اللّه تعالى كفاه مؤنة الدّنيا والحرب والقتال ، لأن النّاس انهالوا على الإسلام فدخلوا فيه زرافات ووحدانا متسابقين عليه بدعوة عامة من اللّه تعالى لا تحتاج لترغيب ولا ترهيب وقد تعبده ربه بالاستغفار ليقتدي به النّاس وليعلموا أن حضرة الرّسول مع عصمته وشدة اجتهاده على عبادة ربه وإخباره بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، أول سورة الفتح المارة ما كان يستغني عن الاستغفار فكيف بمن هو دونه.
واعلم أنه عليه الصّلاة والسّلام إنما كان يستغفر ربه عن ترك الأفضل وما هو خلاف الأولى لا لذنب صدر منه يشابه ذنوبنا حاشاء من ذلك وقد بينا ما يتعلق بهذا أول سورة الفتح المارة فراجعها هذا وما ذكره بعض المفسرين بأن المراد بهذا الفتح بهذه السّورة فتح مكة قد فنّدناه هناك أيضا وإنما هو الفتح العام لحضرة الرّسول ومن بعده من أصحابه وأتباعه كما أشرنا إليه أيضا في سورة الفتح ، وهذه السّورة سورة النّصر إنما تشير لهذا ولإتمام مهمّة الرسول من البعثة التي شرّفه اللّه بها وإلى دعوته لحظيرة القدس لتتغذّى روحه الطاهرة في جنّات خصصت لها وإلى انتهاء مدة مكثه في الأرض قال :
إذا تم أمر بدا نقصه توقع زوالا إذا قيل تم(6/519)
ج 6 ، ص : 520
وذلك أنه بفقد حضرة الرّسول ينقطع الوحي فيجعل نقصان في الأرض حال ضمه فيها.
هذا وبعد نزول هذه السّورة والآيتين المذكورتين من المائدة والبقرة ختم الوحي المقدس ولم يعش حضرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم بعدها سوى واحد وعشرين يوما ، وقيل أحد عشر يوما ، وقيل سبعة أيّام ، وعلى الأوّل المعول لترادف الأقوال فيه ، وبعد أن أدّى رسالة ربه كما أراده منه ختم أجله المقدر له ، ثم لاقى وجه ربه عز وجل برحلته إلى حظيرة قدسه يوم الاثنين في 12 ربيع الأوّل سنة 64 من ولادته و24 من البعثة والحادية عشرة من الهجرة ووقع ما وقع بعد وفاته ، ثم اتفقت الأصحاب على خلافة أبي بكر رضي اللّه عنه وكان ذلك ، ومن أراد الوقوف على تفصيل ما وقع بعد وفاته عليه الصّلاة والسّلام فليراجع السّير ففيها كفاية ، وقد رثاه بعض الأصحاب ببعض ما اختصه به من الصّفات الكريمة وما كان عليه من أخلاق عالية وأبدوا تأثرهم على فراقه مثبتة في السّير أيضا فمما قاله حسان رضي اللّه عنه وأرضاه :
كنت السّواد لناظري فعمى عليك النّاظر
من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر
وقالت فاطمة رضي اللّه عنها حينما وقفت على قبره الشّريف :
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها وغاب مذغبت عنا الوحي والكتب
فليت قبلك كان الموت صادفنا لما نعيت وحالت دونك الكتب
وقالت أيضا :
ماذا على من شم تربة أحمد أن لا يشم مدى الدّهور غواليا
صبت عليّ مصائب لو أنها صبّت على الأيّام صرن لياليا
وقال علي رضي اللّه عنه بعد أن علم بوفاة فاطمة بعد أبيها :
أرى علل الدّنيا عليّ كثيرة وصاحبها حتى الممات عليل
وإن افتقادي فاطما بعد أحمد دليل على ألا يدوم خليل
هذا واللّه أعلم.
وأستغفر اللّه.
ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه العلي العظيم.
وصلّى اللّه وسلم على سيدنا محمد وآله وأصحابه أجمعين.(6/520)
ج 6 ، ص : 521
(الخاتمة نسأل اللّه حسنها لديه)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أحمدك يا ولي العطاء والإرشاد ، وهادي الغواة ، إلى سنن الرّشاد ، يا بارى البرية ، ومالك الرّقاب ، يا من عليك التوكل ، وإليك المرجع والمآب ، يا مغيث كلّ حائر وملهوف ، ومجير كلّ هائل مخوف ، حمدا يوافي نعمك ، ويكافي مزيدك ، وأصلي وأسلم على النّور الموصوف بكل كمال ، وآله وأصحابه وأتباعه إلى يوم المال.
وبعد فأسألك يا إله كلّ موجود ، ويا مغيث كل طائع ، وعاص في الوجود ، أن تأخذ بيدي لألوذ برحمتك وحرمك المأمون من غرائر وغوافل وبغتات ريب المنون ، وألتجئ إلى عصمة حرزك الحصين ، وآوي إلى ركنك المصون المتين ، لتدرّ عليّ من خزائن برك وإحسانك ، ومن مكامن خزائنك ، وامتنانك ، وتمن علي بخير ما جرى به القلم من خير الدّين والدّنيا ويوم تزل به القدم ، وتعيذني من فتن العابثين وشر الأشرار ، ومن غرور الغرور والاغترار ، وتعصمني من الرّكون لزخارف الدّنيا وشهواتها ، وتحمني يا رب من كبواتها ، وتعينني بعنايتك ، وترعني برعايتك ، على كلّ ظالم ومن كلّ غاشم ، وتفيض علي من أنوار ربوبيتك ، وتغشني برحمتك ورأفتك ، وتقيني من العوائق وتخلصني من العلائق ، وتهذب نفسي من دنس الأوزار ورجس الأخلاق والآداب والأطوار ، وتنوّر قلبي بما يمحوا ظلمة الذنوب ويطرد ما يحوك فيه من خواطر العيوب ، وتلين قساوته ، وتطهره من الرّين وتدفع عنه صدأ الميل إلى المين ، وتثبتني على منهج الحق والهدى والرّشاد ، وتسلك بي سبل البر والتقى والسّداد ، وخصّ مرامي برضاك ولطفك ، واجعل همتي وهواي فيما ينشر علي عفوك وعطفك لأستميح لقاءك يوم اتقائك ، وأتشرف بنور قدسك وبهائك ، وأحصر خواطري فيما فيه رضاك ، وأجعل أشرف أيامي يوم لقاك مع الّذين أنعمت عليهم من الرّسل والأنبياء ، والّذين أكرمتهم من الصّديقين والشّهداء ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير.
وبعد تمّ بفضل اللّه ما أردت جمعه من هذا التفسير المبارك يوم الأربعاء في 1 رجب سنة 1358 الموافق ل 15 آب سنة 1939 ، وكان الفراغ منه بمثل اليوم(6/521)
ج 6 ، ص : 522
والشّهر الذي بدأته به وهو من الاتفاقات الغريبة ، والشّكر للّه أولا وآخرا.
ربنا تقبل منا ما قدمناه من العمل ، ولا تؤاخذنا على ما وقع منا من الزلل ، واغفر لنا ما هفى به الرّأي أو زلّ به القلم وأخطأ به الفكر ، وانفع عبادك به كما وفقتنا إليه ، واجعله خالصا لوجهك الكريم ، وبوّئنا بكرمك وجودك جنّات النعيم ، واغفر لنا ولوالدينا وأحسن إليهما وإلينا ، ومتعنا اللّهم بالعافية في هذه الدّنيا ما أحييتنا ، والعفو بالآخرة عما سلف منا ، ووفقنا دائما لما تحبه وترضاه في القول والعمل والنّية ، واحشرنا في زمرة سيدنا سيد البرية ، سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وعلى آله بكرة وعشية.
ثم أقول تحدثا بنعمة اللّه لا فخرا ولا ضجرا يأني قد قاسيت في جمع هذا السّفر الكريم والكتاب الجليل العظيم أنعابا جمة ومشاق مهمة ، ولكن بفضله ومنّه قد استعذبت كلّ مرارة وجدتها خلال تحريره ، وكلّ شدة قاومتها إبان تسطيره ، ويرحم اللّه ابن الفارض إذ يقول :
وتعذيبكم عذب لديّ وجوركم عليّ بما يقضي الهوى سهل
لأني وايم اللّه كنت كثيرا ما أتوضا في الوقت الواحد خمس مرات لطرو الانطلاق ، لأني آليت على نفسي أن لا أخط خطا منه إلّا على وضوء كامل ، وبعد صلاة ركعتين على الأقل ، وكثيرا ما كنت أنام والقلم بيدي ، وكم مرّة تمت مهموما لعدم وقوفي على المعنى المراد من بعض الآيات والأحاديث ، فأراه بفضل اللّه في منامي ، وأفيق فرحا مسرورا بما منّ اللّه عليّ ، فأقوم فأتوضا وأراجعه فأجده مسطورا في بعض التفاسير وشروح الأحاديث كما رأيته ، فأثبته حالا بمحله ، هذه حالتي في اللّيل ، وأما في النّهار فكثيرا ما يؤتى لي صباحا بالشاي فأغفل عنه فيبدل لي المرة بعد الأخرى فأشربه باردا ، وكذلك حالتي في الشّراب والطّعام ، وذلك لأني أخاف الذهول عن بعض ما تصورته ، أو نسيان ما تخيّلته من المعاني المتعلقة بتأويل بعض الألفاظ ، أو غياب ما وقر في قلبي مما أريده من التفسير ، أو ما أريد تحريره على آية مضى البحث فيها ، أو مراجعة بعض الآيات التي مرّ تفسيرها لتعلقها في معنى البحث الذي أنا فيه ، وإبقاء الملاحظة عليها فيما حضر من المعنى الذي يناسبها حتى لا أترك آية لها مساس بمثلها إلّا أشرت إليها وبيّنات عددها(6/522)
ج 6 ، ص : 523
ورمزت إلى لزوم مراجعتها ، حتى لا أضطر إلى التكرار الذي تباعدت عنه جهد المستطاع خشية الإطالة ، ولذلك أثبت عدد الآيات في تفسيري هذا حتى إذا ماروت بما يتعلق بآية أشرت إليها بعددها وسورتها والجزء التي هي فيه كي يسهل على القاري مراجعتها دون كلفة ، وكذلك الآيات التي لها نظائر في القرآن أشرت إلى نظائرها على ذلك المنوال ، وفي كلّ هذا أراني منشرح الصّدر ، طيب النفس ، شديد الرّغبة ، لا تعتريني ملالة ولا ضجر ولا انقباض ولا انكماش ، لأني كلما أتيت شيئا مهما كان تعبي فيه أعقبه سرور كثير ، ورحم اللّه شيخنا الشيخ حسين الأزهري إذ كان يقول لنا أثناء الدّرس : إن طالب العلم إذا وقف على مسألة لم يفهمها قبل ، يحصل له انبساط عظيم وفرح جزيل فيقول أين أبناء الملوك من هذه اللّذة ، وحقيقة واللّه ، وكم مرة قلتها وأنا منشرح الصّدر متسع الخاطر ، ولهذه اللّذة تزاحم المؤمنون على تفسير كلام اللّه الذي لا يمل رائده ولا يأم حتى صارت التفاسير لا تكاد تحصر عدا ، لأن من يمعن نظره وينعم ناظره لا يستطيع إهمال ما يظهر له من إضاءة قلبه ، وقد دوّنوا فيه ما يدهش لب العاقل ويذهل عقل اللّبيب ، ولكن النّفوس لم تشبع منه ، كما أنها لا تمل من قراءة القرآن مهما كررته ، ورحم اللّه الأبوصيري إذ يقول :
فلا تعد ولا تحصى عجائبها ولا تسام على الإكثار بالأم
ويعجبني ما قال العماد الكاتب ما ألف أحد كتابا إلّا قال في غده لو قدمت أو أخرت بما يدل على عجز عموم البشر والتفرد بالكمال لخالقهم.
لهذا فإني أتخيل بعد طبع هذا السّفر البديع الصّنع الذي لم يطرقه قلبي طارق عكوف العلماء على ما جريت عليه وإظهار تفاسير جمة من نوعه إن شاء اللّه تكون أكثر نفعا من غيرها ، إذ لا ترى سابقا إلّا وله لا حقا يهذّب ما صعب منه ، وينتقد ما ملح فيه ، فيعذب مرة ، ويزيد كرة ، ويثبت ما لم نقف عليه من تاريخ بعض السّور والآيات ، وما لم نعثر عليه من الوقائع والحوادث والغايات وأسباب النّزول حتى يبلغ الدّرجة القصوى في هذا الفنّ إن شاء اللّه.
وقد ألمعنا إلى بعض هذا وما يحتاجه القاري في خاتمة المطالب التي أثبتناها في الجزء الأوّل ، (6/523)
ج 6 ، ص : 524
والحمد للّه الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه.
وكان تسويده خلال ثلاث سنين اعتبارا من 1 رجب سنة 1359 الموافق 5 آب سنة 1940 وترتيبه قبل الشّروع فيه على الكيفية المبينة في المقدمة وتنظيم مدارجه والآيات المستثنيات من السّور على الوجه المذكور فيه ، واختيار الكتاب التي صمت على الأخذ منها المبينة في المقدمة أيضا ومطالعة الأبحاث اللازمة لدرجها فيه سنة كاملة وقضيت ثلاث سنين في تبييضه وتدقيقه ومراجعة ما لا بد من مراجعته لتصليح مما زاغت به الأقلام ، أو زلت به الأفهام ، أو اشتبه به الفكر ، أو نسيه القلب ، وأخطأ به الرّأي ، وتردد به الفؤاد ، واعتمدت فيه على اللّه الجواد ، مستمدا من روحانية سيد أنبيائه عليه الصّلاة والسّلام وأحاديثه الصّحيحة ، ومراجعة العلماء الأعلام.
وعلى هذه الصّورة تم بتوفاق اللّه وتيسيره وعونه ، وفضله وتقديره ، فبلغ ثلاثة أجزاء ، الأوّل والثاني يشملان على ما نزل في مكة ، والثالث على ما نزل في المدينة ، وقد أثبت آخر الأولين عدد السّور المفسرة فيهما ومدة نزولها ، والثالث هذا يحتوي على ثمان وعشرين سورة أولها البقرة وآخرها سورة النّصر ، وقد استغرق نزولها تسع سنين وتسعة أشهر وتسعة أيّام.
وبينا في المقدمة مدة نزوله كله ، ومبدأ النزول وآخره ، فراجعه في بحث نزول القرآن ، وهذا ما قاله بفمه وكتبه بقلمه العبد الفقير إلى رحمة الرّاجي عفوه وستره ورضاه السّائل لخيره الطالب لبره الرّاغب في عطاه السّيد عبد القادر ابن السّيد محمد حويش ، ابن السّيد محمود ، ابن السّيد خضر ، ابن السّيد حديد ، ابن السّيد فهد ، ابن السّيد جاسم ، ابن السّيد محمد ، ابن السّيد عبيد ، ابن السّيد حسين ، ابن السّيد جلال الدّين ، ابن السّيد عيسى المغربي آل السّيد غازي ، ابن السّيد يعقوب ، ابن السّيد محمد ، ابن السّيد حسين ، ابن السّيد شيخي ، ابن السّيد فضل اللّه ، ابن السّيد حامد ، ابن السّيد أبي بكر ، ابن السّيد صالح ، ابن السّيد رجب ، ابن السّيد محمد ، ابن السّيد المكي أحمد ، ابن السّيد عبد اللّه ، ابن السّيد حسني ، ابن السّيد يوسف ، ابن السّيد رجب ، ابن السّيد شمس الدّين ، ابن السّيد محمد ، ابن السّيد أحمد الرفاعي ، ابن السّيد علي المكي الكبير ، ابن السّيد يحيى ، ابن السّيد ثابت ، (6/524)
ج 6 ، ص : 525
ابن السّيد حازم ، ابن السّيد أحمد ، ابن السّيد موسى الثاني ، ابن السّيد ابراهيم المجيب المشهور المرتضى ، ابن الإمام موسى الكاظم ، ابن الإمام جعفر الصادق ، ابن الإمام محمد الباقر ، ابن الإمام زين العابدين ، ابن الإمام أمير المؤمنين الذي امتحن بأنواع المحن والبلاء أبي عبد اللّه الحسين (الهندبادي) هكذا في الأصل ، ابن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ، وهو إمام الأولياء والصّالحين وقائد الأصفياء المخلصين المخصوص بقوله صلّى اللّه عليه وسلم أنا مدينة العلم وعلي بابها ، رضي اللّه عنه وأرضاه آمين تم تبييضه في غرة رجب سنة 1361 الموافق للثالث والعشرين تموز سنة 1963 وتمت طباعته في ربيع الآخر سنة 1388 الموافق لتموز سنة 1968 والحمد للّه رب العالمين(6/525)
ج 6 ، ص : 526
فهرست القسم الثاني من الجزء الثالث
رقم الصّحائف بحوث المطالب 3 - 14 مطلب سورة الزلزلة ، 5 سورة الحديد وأنواع التسبيح والقرض الحسن وما نزل في أبي بكر والفتلة في الطّريقة المولوية.
15 - 19» في الحديد ومنافعه وكونه من معجزات القرآن وما يعمل منه ويستخرج فيه ويحتاج إليه.
20 - 25» سورة محمد عليه السّلام والآية المكية وصفة الجنّة وعلامات الساعة وحال أهل الجنّة وأهل النّار.
26 - 33» في عصمة الأنبياء وصلة الرّحم وتدبّر القرآن ومثالب المنافقين والكافرين والبخل وما يتفرع عنه.
34 - 40» سورة الرّعد وفي قوله تعالى بغير عمد وقارات الأرض الخمس ومعجزات القرآن ومعنى المعقبات في الآية (11).
41 - 51» في البرق والصّواعق والتسبيح والسّجود والفرق بين العالم والجاهل وانتفاع الميت بعمل غيره وبالصدقات وقضاء صومه وحجه وصلة الرّحم.
52 - 56» من أحوال أهل الكتاب والمحو والإثبات ونقص الأرض وحكم اللّه.
سورة الرّحمن.
57 - 61» كيفية خلق آدم عليه السّلام وخلق الجان ومعجزات القرآن في المشرقين والمغربين والتقاء البحرين ومعنى كلّ يوم هو في شان.
62 - 74» الآيات نعم لأناس نقم لآخرين ومزية الخوف من اللّه تعالى سورة الإنسان معنى الحين والنّذر والكرم وأول من سنّه 75 - 81» سورة الطّلاق كراهية الطّلاق النّهي عن البت فيه عدة الزوج والزوجة التوكل على اللّه مما يحمي من الانتحار.(6/526)
ج 6 ، ص : 527
رقم الصّحائف بحوث المطالب 82 - 83 مطلب الحكم الشّرعي في الإشهاد على الطّلاق والرّجعة ، أحوال المطلقات الآية الوحيدة الدّالة على أن الأرضين سبع كالسماوات.
84 - 87» سورة البينة المراد بالإخلاص وأهل الكتابين والمشركين غزوة بنى النّظير وإسكان اليهود في الحجاز.
88 - 99» سورة الحشر ، 94 أمر الرّسول أمر اللّه بيان قسمة الفيء والغنيمة ذم البخل والشّح عمل أبي طلحة رضي اللّه عنه وحب الأصحاب حب الرّسول.
100 - 104» قصة برصيصا الرّاهب وكفره قصة جريج الرّاهب وبراءته تسبب العلماء لإهانة أنفسهم معنى اسم اللّه المتين.
105 - 117» سورة النّور كيفية الجلد وشروطه وشموله لأهل الكتابين وغيرهم الاختلاف بين الخوارج وما نسب إلى عمر رضي اللّه عنه وغيره.
118 - 122» في كفر من يقذف عائشة رضي اللّه عنها والآيات العشر التي نزلت فيها قصة أهل الإفك وبراءة عائشة رضي اللّه عنها.
123 - 126» أدب الدّخول على الدّور وكيفية طرق الباب والدّخول بلا إذن والوقوف أمام باب الدّار حرمة النّظر إلى من فيها.
127 - 131» فيمن يجوز نظره ومن لا يجوز وستر الوجه وغيره لزينة التي لا يجوز النّظر إليها النّكاح وشروطه وآدابه وتدبره.
132 - 137» أرجاء زواج الفقير جواز مكاتبة البعيد معنى قوله تعالى إن أردن تحصنا ومعنى قوله تعالى اللّه نور السماوات والأرض.
138 - 147» في الزيتون وضرب المثل وما نقل عن كعب الأحبار ، 143 المطر والبرد وحصول البرق والرّعد وكون كلّ المخلوقات من الماء.
148 - 155» من معجزات القرآن الإخبار بما يأتي آثار عوائد الجاهلية الباقية ، جواز الأكل عند الأقارب والأصدقاء وجوب ملازمة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم.(6/527)
ج 6 ، ص : 528
رقم الصحائف بحوث المطالب 156 - 166» مطلب سورة الحج أحوال القيامة كيفية الخلق وترتيبه وما قاله صاحب الجمل ظهور عين الكفرة أهل الأديان السّتة السّجود وضرب المثل.
167 - 179» قواعد البيت العتيق وعمارته والحج إليه وفوائد الحج والذبائح وما يتعلق فيها مادة ومعنى المدافعة عن المؤمنين وأول آية نزلت في الجهاد.
180 - 188» قصة قوم صالح وأسباب إهلاك بعض الأمم وما وقع في بعض البلاد الآيات المكيات.
189 - 194» مطلب تعجيب رسول اللّه في بعض أفعال اللّه وضرب الأمثال وكون شريعتنا ناسخة لكل الشّرائع وعجز الأوثان وسجود التلاوة.
195 - 200» سورة المنافقين غزوة بني المصطلق وما وقع فيها وفاء به ابن سلول على حضرة الرّسول وأصحابه وقول ابنه له.
201 - 206» سورة المجادلة حكم يمين الظّهار وكيفيته والمخلص منه ويحث في المشاورة والنّجوى ومنع التكلم بغير لغة البعض.
207 - 213» آداب المجالسة وفضل العلم والعلماء وتقديم الصّدقة قبل مخاطبة حضرة الرسول وعفوها ومن أحوال المنافقين وما هم عليه دنيا وأخرى.
214 - 220» سورة الحجرات ما رد به خطيب وشاعر حضرة الرّسول على خطيب وشاعر بني تميم وسرية عتبة الفزاري والوليد بن عاقبة.
221 - 230» مراعاة العدل في الصّلح من قبل المصلحين بين الطّرفين والسّخرية والظّن والتجسس والألقاب والشّعوب والعشائر وتفرعاتها.
231 - 223» سورة التحريم قصة التحريم بتبيين الآيات فيه وما هو الذي أسره حضرة الرّسول لبعض أزواجه.
234 - 238» استئناس عمر رضي اللّه عنه مع حضرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم قول ابن رواحة إلى زوجته لما رأته مع الجارية حتى تخلص منها وقصة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم.(6/528)
ج 6 ، ص : 529
عدد الصّحائف بحوث المطالب 239 - 241 مطلب المثل الذي ضربه اللّه في نساء الأنبياء وقصة آسية زوجة فرعون ومريم بنت عمران رضي اللّه عنهما.
242 - 247» سورة التغابن يوم التغابن في الآخرة فتنة الأموال والأولاد بالدنيا الأمر بالتقوى حسب الاستطاعة ذم البخل وفضل الصّدقة.
248 - 257» سورة الصّف ، سورة الجمعة ، 255 الفرق بين (إن) النافية والمخففة.
والفرق بين لم ولما (وعموم الرّسالة).
258 - 281» أول جمعة أقيمت في الإسلام وسبب تسميتها وفضلها وفضل العمل بها ، سورة الفتح وقصته والذين هدر دمهم رسول اللّه وسببه.
282 - 293» امتياز أصحاب الرّسول والتوقي من ذكرهم بسوء ، 285 سورة المائدة ، في النّسخ والحرمات وأسباب تحريمها والأنصاب والأزلام والآية المستثناة.
294 - 302» أحكام الصّيد وما يؤكل منه ويحرم والكلب المعلم والصّيد بالبندقية وغيرها كيفية التيمم الوضوء بخمس صلوات كلمة إذا وفروض الوضوء.
303 - 310» تذكير حضرة الرّسول ببعض النّعم الإلهية على خلاصه من بعض الحوادث والتآمر على قتله صلّى اللّه عليه وسلم قصة موسى عليه السّلام مع الجبارين.
311 - 321» مدة الفترة.
وما بين عيسى ومحمد من الزمن وعوج بن عنق والحكمة من تيه بني إسرائيل وموت هارون وموسى عليهما السلام وقصة ولدي آدم عليه السّلام.
322 - 324» حد المفسدين في الأرض ومن تقبل توبتهم ومن لا تقبل توبة منهم وحكاية داود باشا حاكم العراق رحمه اللّه.
325 - 339» في الرّابطة عند السّادة الصّوفية وحد السّارق ومن معجزات الرسول وما يتعلق بالقصاص والأحكام التي لم تذكر في غير المائدة.(6/529)
ج 6 ، ص : 530
عدد الصّفحات بحوث المطالب 340 - 344 مطلب الّذين ارتدوا عن الإسلام زمن الرّسول وبعده وإخبار الرّسول بذلك وبمن دخل في الإسلام على طريق الاعجاز.
345 - 357» مثالب اليهود وما ينشأ عن التفرقة في الدّين من المفاسد.
وأن تبليغ الرّسول مقصور على القرآن فقط أمر الرّسول بترك حراسته.
358 - 362» أشد النّاس عداوة للمسلمين وأقربهم مودة لهم والتشديد في الدين غير ممدوح ولا مشروع وكفارة اليمين.
363 - 378» تحريم الخمر بتاتا وأسباب هذا التحريم وذم الخمر والميسر والحكم الشّرعي فيهما ومضرتهما في الوجود مادة ومعنى.
379 - 382» في الخبيث والطّيب النّهي عن رسول اللّه بما لم يكلف به الخلق وما حرمه الجاهلية قبل الإسلام بالتلقي من أسلافهم والابتداع منهم.
383 - 393» لا يستفاد من هذه الآية ترك الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وكيفية استماع الشّهود على وصية الميت وسبب نزول هذه الآية.
394 - 398» نزول المائدة وقول عيسى عليه السّلام لطالبيها وجواب اللّه عند سؤالها وما قاله قومه عند نزولها وما هي هذه المائدة.
399 - 404» سورة التوبة لا صحة لمن قال ؟ ؟ والأنفال سورة واحدة عدد غزوات الرّسول وما هي وبعض سراياه.
405 - 413» إنذار اللّه إلى النّاس بانتهاء معاهدات الحرب.
عدم صحة عزل أبي بكر عن إمارة الحج.
تهديد الكفار بالقتل إذا لم يؤمنوا بعد هذا الإنذار.
414 - 423» الايمان أفضل من جميع الأعمال المبرورة حتى على عمارة البيت الحرام.
417 في الرّخص والعزائم وواقعة حنين.
424 - 429» أسباب ضرب الجزية على أهل الكتاب ومتى يعاملون بالحسنى ونبذة في مثالبهم التي يفعلونها ويأمرون بها.(6/530)
ج 6 ، ص : 531
عدد الصّفحات بحوث المطالب 430 - 433» مطلب عقاب مانعي الزكاة وذمهم ومعنى الكنز وسبب نفي أبي ذر رضي اللّه عنه والأشهر الحرم واختلاف السّنين وشهورها وأيامها.
434 - 446» في المجاهدين والحث على الجهاد وهجرة الرّسول.
غزوة تبوك وما وقع فيها ومثالب لمنافقين ومصارف الصّدقات وتحريم السّؤال.
447 - 452» الأصناف الثمانية ومن يجوز إعطاءه من الزكاة ومن لا يجوز إعطاءه منها وبعض مثالب المنافقين أيضا وفضيحتهم وعدم قبول أعذارهم.
453 - 461» في فضايح المنافقين أيضا.
وإسلام بعضهم.
وما قيل في الأيام وتقلباتها.
وفي الصّحبة وفقدها وما قيل فيها ، 462 - 466» قصة ثعلبة وما نتج عنها.
وحكم وأمثال في الطّمع والبخل والجبن ونهي الرّسول عن الاستغفار للمنافقين.
467 - 480» موت ابن سلول ومنع النّبي من الصّلاة على المنافقين وان العله لا تدور مع المعلول وأسباب التكرار في الآيات وعدم زيادة ما بعد إذ في القرآن.
471 - 382» المستثنيين من الجهاد والفرق بين العرب والأعراب وأول الناس إيمانا وخيرهم وتقسيم المنافقين وعذاب القبر.
473 - 489» سبب اتخاذ مسجد الضّرار.
وفضل مسجد قباء والترغيب في الجهاد وتعهد اللّه للمجاهدين بالجنة وعدم جواز الاستغفار للكافرين.
490 - 497» في إيمان أبي طالب وسبب استغفار ابراهيم لأبيه وكذب ما نقل عن ابن المقفع وقصة الثلاثة المتخلفين عن غزوة تبوك.
498 - 502» مدح الصّدق وفوائده.
ذم الكذب ونتائجه وما يتعلق بهما من مناقب ومثالب مأخذ الرّابطة عند السّادة الصّوفية أيضا.(6/531)
ج 6 ، ص : 532
عدد الصّفحات بحوث المطالب 503 - 508» مطلب فضل الجهاد والنّفقة فيه وفضل العلم وطابعه واستثناء أهله من الجهاد والحكمة في قتال الأقرب فالأقرب وكون الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
509 - 516» بحث في ما بعد إذا ، وفي مثالب المنافقين عند سماع القرآن ومنة اللّه تعالى على عباده بإرسال محمد صلّى اللّه عليه وسلم.
517 - 520» سورة النّصر وما أشارت إليه من نعي رسول اللّه وختم الوحي المقدس ووداع حضرة الرّسول إلى حظيرة القدس.
521 - 533» الخاتمة فسأل اللّه حسنها ، 526 فهرست الكتاب ومطاليبه تقريظ آل الشّيخ حسين رمضان الخالدي السّيد عبد الرّزاق.
التقريظ الذي جادت به فريحة الأستاذ السّيد عبد الرّزاق ابن الشّيخ حسين الخالدي ينبيء عنه وعن تاريخ انتهائه واسم مؤلفه
حسن اليقين وقوة الإيمان قد يجذبان المرء للاحسان
ويوطئان على الجميل فؤاده ويحببان له قلى العصيان
يا خير من حمل اليراع مفسرا لكتاب مولاه بخير بنان
فأتى بكل لطيفة ومنيفة ببراعة جلت وحسن بيان
أظهرت قوة قادر متبصر أعيى الورى بفصاحة التبيان
أوضحت كيف تخور دون بلاغة القرآن عجزا قوة الإنسان
فبدا لذي الرّيب الجهول بأنه نظم البديع ومنزل الرّحمن
وأتيت بالسفر الذي اهديتنا فيه المسائل رائعات معاني(6/532)
ج 6 ، ص : 533
جمعتها كلما له فلفظنها دررا تلألأ في نحور غوان
ولذاك قد لقبته ببيانها فبدا لنا مغزاه بالعنوان
فأتى كما قد شئت أبدع ما رأى العلماء من شرح على القرآن لو لا مقالة حاسد غالت قلت هو الطّريد فما له من ثاني
قد فاق حسنا كلّ تفسير كما قد فاق صاحبه على الأقران
سهل المنال يناله من لا يكا ديعي المقال بكثرة الإمعان
إنتاج عانى بالفضائل والعلا أكرم بإنتاج الرّفيع العاني
قاضي بحكم الشّرع يقضي لا الهوى يرضى بحسن قضائه الخصمان
من لي بإيفاء الثناء وهل يفي أحد بمدح مفسر القرآن
فالعجز أولى ما يكون بمدحه فاترك تبجّله مديح لسان
وكلته للجمل التي شهدت له من صنعه بمهارة الإتقان
صنع مجيد قد أتى تاريخه أنعم بتفسير المجيد وشأن
151 752 88 357 التوقيع : عبد الرّزاق رمضان الخالدي ملاحظة : مجموع أرقام الشّطر الأخير من البيت الأخير 1358(6/533)
ج 6 ، ص : 534
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمد للّه الذي جعل كتابه هدّى للعالمين ، ونورا للمسترشدين ، والصّلاة والسّلام على الرّحمة المهداة للناس أجمعين سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين ، نحمده سبحانه وتعالى أن خص من شاء بما شاء من أسراره ، ومنح أصفياءه قبسا من نوره ، وإشعاعا من ضيائه ، وفتح لهم أبواب المعرفة لفهم آياته ، ليبينوا للناس ما نزل إليهم ، بثاقب أفهامهم ، ويوضحوا لهم ما استغلق عليهم بفصيح بيانهم ، ويجلوا ما خفي على مداركهم بواسع اطلاعهم ودقيق إدراكهم.
وبعد ، فإن اللّه سبحانه قد وفقني إلى الاطلاع على التفسير القيم للقرآن العظيم المسمى (بيان المعاني) لمؤلفه العلامة الفاضل السّيد عبد القادر ملا حويش آل غازي ، هذا التفسير الذي لم يسبقه إليه سابق إذ جمع فيه مؤلفه فأوعى ، إذ ذكر أسباب النزول وقصص الأولين ، واستخرج من الآيات ما فيها من الأحكام الشّرعية والعبر والمواعظ الإلهية ، بأسلوب أدبي رائع لا يمل القارئ من مطالعته ، ولا يسأم من قراءته ، بل كلما تعمق في سبر غوره ، ازداد تعلقا به واستمساكا بأهدابه ، فهو السّهل الممتنع الذي كثرت فيه المواضيع العلمية ، والمعاني البيانية ، والأساليب الأدبية ، والحكم والمواعظ الدّينية.
وإن من يطالع فيه ليخيل إليه أنه في بستان صنعته يد القدرة على أبدع مثال ، وأروع منوال ، لما اشتمل عليه من شهي الثمار وبديع الأزهار ، ومختلف الأوراد والأطيار ، يحار فيه القارئ من أي ثمر يجني ، أو من أي عبير يستنشق ، أو إلى أي نغم يصغي ، وبأي جمال يستمتع ، وحقيق أن نقول فيه : إن الوصف ليعجز عن بيان حقيقته ، وإن القلم ليعيا عن الإحاطة بأسراره وفوائده ، فهو للعالم نور ، وللأديب متعة ، وللمسترشد هدّى وضياء.
بيروت : 1 ذي القعدة سنة 1387 ه الشّيخ محمد بن محمد هاشم الشّريف 30 كانون الثاني سنة 1968 م مستشار المحكمة الشّرعية السّنية العليا 4217(6/534)