لفضيلة الشيخ
صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
الحمد لله حق الحمد، والثناء، له جلّ وعلا كله، فهو ولي الفضل وهو وليّ الإحسان وهو وليّ النعمة، ومن أعظم نعمه علينا أنْ بعث محمدا عليه الصلاة والسلام إلينا هاديا وبشيرا ونذيرًا، {وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين}، {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا}، وأشهد أنْ لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمدا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله، به أزال الله جلّ وعلا الشرك وجنده، وبه أقام الله جلّ وعلا التوحيد وأهله وبه أبصر الناس بعد العمى، وهُدِيَ الناسُ بعد الضلالة فما أعظم منته جلّ وعلا علينا ببعث محمد عليه الصلاة والسلام، وما أعظم مِنَّة محمد عليه الصلاة والسلام على أمته فإنهم لو فدَوه بأنفسهم وأولادهم وأهليهم وأموالهم ما قضوا حقه عليه الصلاة والسلام، أليس هو الذي وجدنا على شفا حفرة من النار فأنقذنا منها صلى على نبينا محمد كفاء ما أرشد وعلّم وبيّن، ونشهد أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق الجهاد وتركنا بعده على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده صلّى الله عليه وسلّم إلاّ هالك وصلى الله وسلم على صحابته الذين نصروه وعزَّرُوه وأيدوه، وصلى الله على من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم برحمة أرحم الراحمين، أما بعد:(1/1)
فأسأل الله جلّ وعلا أنْ يجعلني وإياكم ممن أعطاه قلبا خاشعًا ودعاءً مسموعًا اللّهم اجعلنا ممن تخشعُ قلوبهم لك وتلين أفئدتهم لذكرك اللّهم وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، فلا حول لنا ولا قوة إلاّ بك، نعوذ بك من إرادة العلو في الأرض والفساد، ونسألك أنْ تعيذنا من العِيّ، وأنْ تعيذنا من خطل الرّأي ومن البعد عن الصواب، اللّهم فوفقنا فأنت ولي التوفيق {ومن يهدِ الله فهو المهتدي}، ثم إني أشكر في فاتحة هذه المحاضرة الإخوة الكرام في مكتب الدعوة والإرشاد في محافظة الخرج على أنْ دعوا لهذه المحاضرة واهتموا بها وليس هذا بغريب فهم حريصون على الخير ويمثلهم فضيلة الأخ الشيخ عبد الرحمن الصغير وكذلك فضيلة الأخ الشيخ امام المسجد وكذلك بقية الإخوة الكرام، فأسأل الله جلّ وعلا لهم المزيد من فضله وأنْ يتقبل ما بذلوا وما انتقلوا من أجل نشر الحق والهدى، ثم إنّ هذه المحاضرة موضوعها ضوابط في فهم سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم وهذه المحاضرة ليست موعظة من المواعظ وإنما هي محاضرة تأصيلية في موضوع سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، فإذًا ربما انتفع منها الجميع وخُصّ بالانتفاع بها من كان له مساس وله صلة بالعلم والسنة والسيرة وبالدعوة والإرشاد، ولا شك أنّ سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم بها اهتم العلماء قديما وحديثا، وذلك لأنّ بهدي المصطفى(1/2)
صلّى الله عليه وسلّم تتبيّن الأشياء وقد قال لنا جلّ وعلا: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} فالاهتمام بالسيرة لابدّ منه لأنّ بالسيرة وبالاهتمام بها معرفةَ أحواله عليه الصلاة والسلام من ولادته إلى وفاته عليه الصلاة والسلام وبالسيرة يعلم المسلم ما كان عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم وصحابته من نشر الدين وما كابدوا فيه وأنهم بذلوا ما بذلوا وتركوا الأمة بعدهم على أمر واضح بيِّن ولم ينتشر الإسلام بسهولة بل بذل فيه عليه الصلاة والسلام بتأييد من ربه جلّ وعلا، وبذل فيه أصحابه الكرام ما بذلوا وهذا يظهر لك في السيرة.
ومن أوجه الاهتمام بالسيرة أيضا أنّ معرفة سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام وإنّ معرفة سيرة الصحابة معه عليه الصلاة والسلام يبعث في قلوب أهل الإيمان القوة في الإيمان والقوة في اليقين وأنهم مهما تكالبت عليهم الأمور ومهما قوي الشيطان وجنده فإنّ لهم في رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسوة حسنة وإنّ لهم في الصحابة الكرام أسوة حسنة، فقد شكا بعض الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام ما يلقى من شدة قريش عليه ، فقال عليه الصلاة والسلام: ((قد كان من قبلكم يؤتى بالرجل فينشر بالمنشار نصفين ما بين لحمه وعظمه ما يرده ذلك عن دينه فو الذي نفسي بيده ليُتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من مكة إلى صنعاء، أو قال: من بصرى إلى مكة، لا يخاف إلاّ الله جلّ وعلا))، وهذا يُبيّن ويبعث في المؤمن أنّ الحق ليس بكثرة الناس، وأنّ المؤمن إذا حصل له ما حصل من كيد الشيطان أو من كثرة الشهوات أو من كثرة المغريات فإنه يبعثه ذلك على الاستمساك أكثر وأكثر بدين الله جلّ وعلا؛ لأنّ الصحابة رضوان الله عليهم ما تركوا دينهم ولم يتركوا توحيد الله ولم يتركوا البراءة من الشرك ولم يتركوا ما أمنوا به مع عظم ما أصابهم عليهم رضوان الله، فكيف بحال أهل هذا الزمان الذين ربما تركوا شيئا من الدين لبعض المغريات.(1/3)
النظر في السيرة وقراءة السيرة يبعث في المؤمن قوة اليقين وقوة الاستعداد للثبات على دين الله، وكذلك يبعث في قلب المؤمن قوة العزة بالإسلام وأنه عزيز بتوحيد الله جلّ وعلا وعزيز بما قام في قلبه من معرفة الله والعلم به، والإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام وبما أنزل الله جلّ وعلا على رسوله: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}، وهذا من ضمن فوائد كثيرة يستفيدها كل مؤمن في النظر في سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، إذن فالأصل أنّ قراءة السيرة ليست قراءة قصص ولا حكايات وإنما هو قراءة عِظة واعتبار لأنّ بالسيرة أخذ الفوائد وأخذ ما ينفع المؤمن ويبعث فيه أنواعا من الخير والهدى والاستمساك بالحق، {فاستمسك بالذي أوحيَ إليك إنّك لعلى صراطٍ مستقيم}، {وإنّه لذكرٌ لك ولقومك وسوف تسألون}.
تنوعت اهتمامات أهل العلم بالسيرة وذلك لعظم شأنها.(1/4)
والسيرة المقصود بها ما أُثر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وعن أصحابه وعن التابعين وعن من بعدهم من أهل العلم في وصف حال سير النبي صلّى الله عليه وسلّم وحال طريقته وهيئته منذ وُلد عليه الصلاة والسلام إلى أنْ توفاه الله جلّ وعلا، فالسيرة إذن هي حكاية لما كان عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم من حين ولادته إلى أنْ توفاه الله جلّ وعلا فيها بيان ما حصل له من ولادته وما كان في ولادته من ظهور بعض المعجزات، وظهور بعض الإرهاصات لمبعثه عليه الصلاة والسلام وذكر رضاعه عليه الصلاة والسلام وذكر أحواله وأمه وأخواله وأشباه ذلك، وذكر هديه عليه الصلاة والسلام وسيرته في صغره حتى بعثه الله جلّ وعلا وما كان يتصف به قبل المبعث من أنواع الأخلاق والشمائل، كذلك سيرته عليه الصلاة والسلام حكاية لحاله منذ بعثه الله جلّ وعلا، فبلغ دعوة الله وصبر على ذلك وما ناله من الأذى وكيف بلغ والسبيل التي اتخذها للبلاغ إلى أنْ هاجر إلى المدينة ومن مهاجره إلى المدينة وتأسيسه لدولة الإسلام الأولى إلى أن توفاه الله جلّ وعلا ويدخل فيها عددُ من أهل العلم ما كان بعد ذلك من سيرة الخلفاء الراشدين وما حصل لهم من أنواع الفتوح.
إذًا فالسيرة طريقة وهيئة والسيرة أيضا مأخوذة من السَير سار يسيرُ سيرًا يعني ما سار عليه النبي عليه الصلاة والسلام وقد جاء في القرآن ذكر السيرة بمعنى الطريقة والهيئة في قول الله جلّ وعلا: {سنعيدها سيرتها الأولى} فالسيرة إذا تشمل طريقة السير وتشمل الهيئة التي كان عليها السير ولذلك تجمع السيرة على سِيَر ويذكر فيها أنواع المغازي والفتوح ويُذكر فيها أنواع ما حصل له عليه الصلاة والسلام وما حصل لصحابته من بعده فإذن السيرة لها معنًى لُغوي ولها معنى اصطلاحي كما ذكرت لك.(1/5)
ودرج العلماء على أنّ المراد بالسيرة حين تذكر السير ما دون في كتب مخصوصة أسموها كتب السيرة وكتب السير وهذا يجعلنا نفيضُ في أنّ الكتابة في سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم وفي مغازيه كانت متقدمة في الزمن الأول، فذكر العلماء أنّ أبان بن عثمان بن عفان ابن الخليفة الراشد هو أول من دوّن سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم ودوّن مغازيه وكانت وفاة أبان رحمه الله تعالى سنة (105هـ) وكان قد أخذ عن عدد كثير من الصحابة، وأخذ عنه عددٌ كثير أيضا من التابعين وممن شُهر أيضا بأخذه برواية السيرة وتتبعها عروة بن الزبير بن العوام فقد كان إمامًا في المغازي وله مغازي ألفها وجمعها باسم مغازي عروة، وقد جمع بعضها وطبع وكذلك ممن اهتم بالسيرة ابن شهاب الزهري الإمام المعروف سيد المحدثين في زمانه جمع في السيرة كتابًا وفي المغازي كتابًا في ما ذكره له عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، وكذلك ممن كتب في السيرة من الأولين من التابعين عاصم بن عمر بن قتادة وغيره، من ثقات أهل العلم في القرن الأول وفاتحة القرن الثاني، في هذا يتبيّن أنّ كتابة السيرة كانت متقدمة جدًّا، ولهذا صار أهل العلم بعدهم يأخذون مأخذ التابعين في العناية بالسير والعناية بالمغازي فقد جمع ما سمع من بعض هؤلاء جمعه العالم المعروف محمد بن إسحاق المدني في كتاب ((السير والمغازي)) والذي قيل إنه ألفه بإشارة من أبي جعفر المنصور لما زار ابن إسحاق بغداد وأشار أبو جعفر إلى ابنه وقال لابن إسحاق أتعرف هذا قال نعم هذا ابن أمير المؤمنين فقال له صنف له كتابًا فيه ذكر الأخبار من خلق آدم عليه السلام إلى يومنا هذا فكتب ابن إسحاق ذلك، وكتاب ابن إسحاق رُوي عنه وانتشر بعده رحمه الله تعالى وهو إمام في السير اجتمع لديه ما تفرق فيمن قبله من التابعين الثقات.(1/6)
وإذا كان كذلك فإنّ كتاب ابن إسحاق لم يوجد كاملاً في زماننا هذا وإنما وُجِد من مغازي وسير ابن إسحاق ما انتقاه ابنُ هشام العالم اللّغوي المعروف، وهذا الانتقاء أجمع العلماء على حُسنه وعلى أنه استخلص من سيرة ابن إسحاق ما أثني على مؤلفه به وهو لا يروي السيرة عن ابن إسحاق مباشرة وإنما يرويها بواسطة رجل عن ابن إسحاق وهذه السيرة هي المعروفة الآن بسيرة ابن هشام وهذا تطور في أهل العلم فكتب في السير عدد كتب ابن حزم في السيرة وسماها ((جوامع السيرة)) وكتب ابن سيد الناس سيرة والعلماء تتابعوا على كتابة السير ومعتمدهم فيما ذكره ابن هشام عن ابن إسحاق أو فيما ذُكر في غير ذلك من المغازي.
وكذلك من الذين اهتموا بكتابة السير ((الواقدي)) والعلماء منهم من يأتمنُه ويثني عيه في المغازي ومنهم من يقول هو في المغازي كشأنه في الحديث، لا يقبل حديثه ومغازي الواقدي غير موجودة الآن يعني فيما ذكر من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، واعتمدها عدد من أهل العلم والصواب أنّ الواقدي ليس بثبت فيما ينقل بل ربما حصل له من الخلط في الروايات والزيادات ما لا يعرف عن أهل العلم فلا يقبل من حديثه في المغازي ما تفرد به عن العلماء سيما ما كان معارضا لأصل من الأصول أو ما كان مخالفا لما دل عليه كلام أهل العلم في السير.
وممن كتب أيضا في السير ابن سعد صاحب الطبقات في أول الطبقات كما هو معروف وجماعة كتبوا في ذلك وهذه هي التي تسمى كتب السيرة أو كتب السير تتابع العلماء فيها إلى زماننا هذا.(1/7)
وهناك كتابة للسير بطريقة أخرى وهي طريقة أهل الحديث فإنهم اعتنوا بسيرة النبي صلّى الله عليه وسلّم وبذكر أحواله ومغازيه وأشباه ذلك فيما أوردوه في كتب الحديث، فتجد في صحيح البخاري رحمه الله كتاب المغازي وتجد في مسلم السير وتجد في أبي داود كذلك وهكذا في بعض أخبار وربما طوِلَت، وكذلك اعتنى بها أهل الحديث في مصنفات مفردة ذكروا فيها أسانيدهم فيما يتعلق بالسير ولكن فيها ما يصح وفيها ما ينكر، وكما قال الحافظ زين الدين العراقي:
وليعلم الطالبُ أنّ السيرَا
تجمع ما صح وما قد أُنْكِرَا
فصنّف البيهقي كتاب ((دلائل النبوة)) وصنف أبو نعيم الأصفهاني أو الأصبهاني أحمد بن عبد الله العالم المعروف صنف ((دلائل النبوة))، وصنف الفريابي ((دلائل النبوة))، فأهل الحديث اعتنوا بكتابة السير من جهتين الجهة الأولى ما ضمنوه في مصنفاتهم من الصحاح والمسانيد في ذكر السير سواء كانت مبوبة أو لم تكن مبوبة وكذلك ما أفردوه من التآليف في هذا، في ذكر دلائل النبوة وكما ذكرنا أنّ كتب السير ليست معتنية بالصحيح وإنما يذكر فيها ما نُقل في السيرة ولهذا قال الزين العراقي فيما ذكرت لك:
وليعلم الطالبُ أنّ السيرَا
تجمع ما صح وما قد أُنْكِرَا
ففيها الصحيح وفيها المنكر وهذا أمر بيّن فإنّ سيرة ابن إسحاق مثلا فيها من الصحيح كثير وفيها من المنكر الكثير فهذا من جهة ما اشتهر من ذكر مصادر السيرة وإذا كان كذلك فالذي ينبغي تحقيقًا لمقام السيرة أنْ تضبط مصادر السيرة وأنْ تؤخذ السيرة بضابط مهم في ذلك وهو جواب السؤال كيف نأخذ السيرة بطريقة مأمونة؟(1/8)
أعظم ما تؤخذ منه سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم القرآن لأنّ في القرآن ذكر حياته عليه الصلاة والسلام صغيرًا {ألم يجدك يتيما فآوى} وفيها ذكر حالته عليه الصلاة والسلام قبل البعثة... وفيها ذكر مبعثه عليه الصلاة والسلام وفيها ذكر مجيء الجن إليه يستمعون القرآن وفيها ذكر حالته عليه الصلاة والسلام مع المشركين ودعوته لهم وكذلك ما حصل من الهجرة ثم في القرآن ذكر المغازي جميعا فغزة بدر الكبرى في سورة الأنفال وغزوة أحد في سورة آل عمران وغزوة الخندق (الأحزاب)، في سورة الأحزاب، وفتح مكة وصلح الحديبية في سورة الفتح وحنين وتبوك في سورة براءة إلى غير ذلك فإذا جمع طالب العلم ما تكلم به المفسرون من الصحابة فمن بعدهم على هذه الآيات حصل على مصدر قوي معتمد على معاني القرآن وهذا اجتهد فيه طائفة من أهل العلم ولكن لم يُجمع فيما أعلم جمعًا كاملاً بحيث تكون السيرة على ما ذكره المفسرون حاول بعض المعاصرين ذلك واجتهد فيه لكن لم يجمع كلام المحققين من المفسرين على تلك الآيات.
فإذًا الذي ينبغي في السيرة أنْ نعتمد على القرآن فيها وما ذكره المفسرون في ذكر معاني الآيات التي فيها سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم.
ثم المصدر الثاني: الأحاديث الصحيحة خاصة في الصحيحين أو ما صح في غيرهما من الأحاديث التي فيه ذكر سيرة النبي صلّى الله عليه وسلّم فإذا قورنت هذه الأحاديث بما ذكر في كتب السير وجدنا أنّ بعض ما في كتب السير ليس بصحيح في مثل مثلا تاريخ بعض الغزوات وبعض الأحوال وقصة الإسراء والمعراج وأشباه ذلك الكثير فالمصدر الثاني المعتمد بعد كتاب الله جلّ وعلا وتفسيره أنْ تنظر في الأحاديث، وهذه الأحاديث فيها ما لم يذكر في كتاب الله جلّ وعلا واعتمد عليها الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم فيما فسروا من آيات القرآن على نهج السلف في التفسير في تفسير القرآن بالسنة.(1/9)
إذن، الاعتماد على ما في كتب الصحيح وكتب الحديث من مصادر السير هذا أولى وأبعد عن الخلط وما لا يصح في السير ولهذا دعا عدد من أهل العلم إلى كتابة صحيح السيرة النبوية وقد كتب بعض المعاصرين في ذلك لكنهم رقَوا جبلا عاليا عليهم لأنّ هذا الأمر يحتاج إلى علم بالحديث، متنا وإسنادا، وإلى علم بالتفسير وإلى علم باللغة وإلى علم بما في كتب السنة وإلى ما في كتب العقيدة الخ ذلك مما فقده بعض من كتب في ذلك.
من المصادر أيضا التي تعتمد كتب السيرة التي ذكرنا وكتب التاريخ فتجد مثلا أنّ تاريخ ابن جرير يحوي كثيرا من أخبار سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم بالأسانيد لكن هذه تأخذ منها ما لا يتعارض مع ما جاء في القرآن وتفسيره ومع ما ثبت في سنة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم فإذا لم نجد الحَدَث لا في الكتاب ولا في السنة فإنّ أخذه من كُتُبِ السير لا بأس به؛ لأنّها أرفع درجة بالاتفاق من أحاديث بني إسرائيل وقد قال لنا عليه الصلاة والسلام: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)) فإذا لم يكن ما في كتب السيرة معارضًا للكتاب والسنة فإنه لا بأس من أخذه ومن الاعتماد على ما جاء فيه وهكذا كان أهل العلم.
لهذا نرى أنّ ابن كثير رحمه الله في أوائل كتابه ((البداية والنهاية)) كتب سيرة طويلة للنبي عليه الصلاة والسلام أفردت في أربع مجلدات وقع جمع فيها ما بين ما ذكره أهل السير وما ذكره أهل الحديث وما جاء في الآيات ولكنها أيضا تحتاج إلى بعض مزيد من التمحيص.
إذًا فهذه هي المصادر العامة للسيرة وإذا تبيّن ذلك فتلحظ فيما سقنا أنّ أهل الحديث وأهل الأثر والمعتنون بعلوم سلف الأمة هم الذين اعتنوا بسيرة المصطفى(1/10)
صلّى الله عليه وسلّم فبعض الناس يقول إنّ المعتنين بالحديث والأثر والمعتنين بطريقة السلف ليس لهم عناية بالسيرة وهذا ليس بصحيح، بل إنّ الذين اعتنوا بسيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم من حيث الإثبات ومن حيث الانتقاء ومن حيث الفقه والدلالة هم أتباع سلف هذه الأمة، وإذا صار هناك قصور ممن اعتنى بالحديث والأثر فإنّ هذا مما ينبغي علاجه؛ لأنّ الاهتمام بالسيرة به يحصل للمرء المؤمن ولطالب العلم أنواع من العلوم والفوائد ما يحصلها إلاّ إذا قرأ السيرة، ويقوم في قلبه الاعتزاز بدين الله والفرح بنصرة هذا الدين في أول الأمر ويقوم في قلبه عظم المحبة للنبي عليه الصلاة والسلام ولأصحابه بما يزيد المؤمن من الاقتداء بهم والسير على منوالهم.
نجد أنّ أئمة هذه الدعوة كالإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله اعتنى بالسيرة أيضا فكتب كتابا في سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم مطبوع موجود كذلك ابنه الإمام الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب له كتاب أيضا في سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، وجعلوا في تضاعيف نقلهم للسيرة ذكر الفوائد وخاصة الفوائد الدعوية، وسيأتينا ذكر تأصيل فيما يتعلق بالفوائد الدعوية في سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم.
إذن فالعناية بالسيرة إثباتا وفقها واستنباطا كان عليه علماؤنا فالاهتمام بها من سمة طلاب العلم الجادين فيه ومن سمة المحبين للخير بعامة والناس ترقيق قلوبهم وبعث الهمة في نفوسهم وبعث العزة في نفوسهم يكون بطرق صحيحة ومن ذلك ذكر قصص السيرة وذكر ما جرى فيها من حوادث ومن أحكام.
نظر الناس والمؤلفين والدارسين للسيرة متنوع وهذا ما يمكن أنْ نسميه أو أنْ نعنون له بمدارس تناول السيرة (سيرة النبي عليه الصلاة والسلام).
فإنّ سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام تنوعت المدارس في تناولها وفي التأليف فيها وفي الباعث على الاهتمام بها إلى بضع مدارس:(1/11)
فأول تلك المدارس: المدرسة اللغوية وهذه المدرسة اهتم فيها أصحابها بأنْ يتناولوا السيرة بالاهتمام بما في السيرة من لغة صحيحة فإنّ من نقل السيرة من مثل التابعين ومن مثل ابن إسحاق إنهم نقلوها بلغة صحيحة وما أوردوا في السيرة من أشعار كثيرة وأخبار وخطب للعرب وحكايات وخطب للصحابة بل وأقوال في ذلك هذا كله من جهة اللغة معتمد ولهذا اعتنى بسيرة ابن إسحاق ابنُ هاشم رحمه الله تعالى وكان لغويًا متمكنا فاعتنى بالأشعار التي أوردها ابن إسحاق فأورد من الأشعار في ملخصه المسمى بسيرة ابن هشام أورد منها ما يتفق وما لا يؤخذ عليه في إيراده وترك أشياء من ذلك وأتبعها بشرح غريبها، وبالعناية بها كذلك سيرة ابن هشام تناولها العلماء الذين اعتنوا بهذا النوع من الاهتمام بالسيرة (الاهتمام اللغوي) تناولوها بالشرح وبالتفصيل وأصل قصدهم الاعتناء باللغة وقد يضيفون إلى ذلك اعتناء بجوانب أخرى من مثل الحافظ السهيلي في كتابه ((الروض الأنف)) الذي جعله شرحًا على سيرة ابن هشام فيما أشكل منها وكالحافظ أبي ذر الخُشني في ((تفسير غريب السيرة)) وكلا الكتابين مطبوع، أما كتاب السهيلي فكبير وأما كتاب أبو ذر الخُشني فمجلدة لطيفة هذا نوع من الاهتمام وهذا تجد منه أنّ كثيرين ممن اهتموا بالأدب واهتموا باللغة يعتنون بالسيرة فينبغي التفريق حين ترى المصنف في السيرة ما تصنيف مصنفه من جهة المدرسة فإذا علمت أنه لغوي بحَّاثة، وأنّ عنايته باللغة فإنك تبحث فيه ما تحتاجه من ذكر غريب السيرة وما شابه ذلك، فإنّ لهم عناية بهذا تفوق العناية بغيره من علوم السيرة.(1/12)
الأدباء يهتمون بالسيرة ومن المعاصرين من بلاد شتى من ألف في السيرة وتجد أنّ أكثرهم أدباء وذلك لأنّ الاهتمام بالسيرة ديدن الأدباء؛ لأنّ فيه رفعة الحصيلة الأدبية وقوة البلاغة وكثرة الشواهد عند المعتني به فصنف الكثيرون في السيرة متجهين إلى هذا الاتجاه في تقوية الاسلوب الأدبي ونقل السيرة على هيئة أسلوب أدبي رفيع يقوي ملكة الأديب أو دارس الأدب في هذا الباب وهذه المدرسة لها تفاصيل وحديث يطول ذكره في ذكر حسناتها والمآخذ عليها.(1/13)
النوع الثاني: من المدارس: في تناول السيرة مدرسة القوميين فإنّ المعتنين بالعرب والآخذين بالتعصب للعربية للعرب وللعرق العربي رأوا فوجدوا أنّ أمجاد -كما يزعمون- من قبلهم كتبت سيرهم وأنّ مجد العرب لم يبتدئ بالإجماع إلا بمحمد عليه الصلاة والسلام فبه رفعت العرب رأسها ورفعت العرب شأوها كما قال جلّ وعلا: {وإنّه لذكر لك ولقومك} وهذا لأنّ به رفع منار العرب فتناولوا السيرة وكتبوا فيها من جهة أنّ كل الأمم المتحضرة كاليونان وفارس والروم... الخ، لهم في ذكر عظمائهم سيرٌ صيغت بالصيغة الأدبية وكان المقصد منها تمجيد هذا العرق فتناول السيرة عدد من المعاصرين ومن المتقدمين لرفع العرق العربي ولرفع العرب عمن سواهم وهذه فيها مدارس مختلفة من مثل مدرسة طه حسين ومن نحا نحوه ممن كتبوا في السيرة فإنّهم لم يكتبوا في السيرة لنصرة دين محمد عليه الصلاة والسلام وإنما كتبوا في السيرة بالنظر إلى عرقية عربية بل إنّه كما ذكر مثل طه حسين في مقدمة كتابه ((على هامش السيرة)) ذكر أنّ السيرة هذه التي كتبها فيها أشياء لا يقبلها العقل ولا يقبلها الفؤاد ولكن لا تصلح حياة الناس إلاّ بنوع من الخرافات ونوع من الأحاديث التي تكون لهم كالاسترواح وتكون لهم كالمرح والمهيء لهم لسماع الحق يعني أنها قصص وحكايات ليس لها أصل وليس لها أهمية ذكر في مقدمة كتابه أنه بعثه على ذلك (على هذا التأليف) أنه وجد لليونان إلياذة ولهم أمجاد وللفرس أمجاد فيما صنفوا في تاريخ عظمائهم ورأى أنه لابد من التصنيف في هذا والكتابة فيه فكتب ذلك.(1/14)
وإذًا فالنظر في تأليف المؤلف ينبغي أنْ يسبقه تصنيف مدرسته وهو من أي مدرسة في السيرة؟ فإنه لو قرأ الناس كتابًا من كتب أصحاب المدرسة القومية في السيرة لأصابهم نوع من الخلل في فهم سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، بل وربما لم يؤمنوا بمعجزاته عليه الصلاة والسلام وبآياته وبراهينه على اعتبار أنها حكايات وأنه ليس لها رصيد من الصحة والواقع وإنما هكذا قيل.
المدرسة الثالثة: من المدارس التي اعتنت بالسيرة مدرسة العلماء والفقهاء وهؤلاء من المحدثين والفقهاء اعتنوا كثيرا أيضا بالسيرة فكتبوا السيرة مهتمين بما فيها من أحكام وما فيها من بيان للعقيدة وبيان للأحكام الفقهية وهذا ظاهر لك فيما اعتنى به أئمة الحديث كالبخاري وغيره، والأئمة من بعده أئمة المحدثين كالحافظ البيهقي في دلائل النبوة وكذلك من المتأخرين شيخ الإسلام ابن تيمية فإنّه نظر إلى السيرة نظرا فقيها وفصّل كلامه وما فرقه من الكلام على السيرة العلامة شمس الدين ابن القيم في كتابه ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) فإنه تناول السيرة بذكر التحقيق فيها وجمع بين ما جاء في القرآن وما جاء في السنة، وكلام أهل السير ونظر فيه نظرا فقهيا ونظر فيه نظرا عقديا وتبعه على هذه الطريقة الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وتلميذه وابنه عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب فإنّهم كتبوا في السيرة ناظرين إلى العلم وجمعوا فيها ما بين مقتضى العلم ومقتفى القصة أو مقتضى السيرة، ولا شكّ أنّ هذه المدرسة هي أنفع المدارس وأعظمها كما سيأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى.(1/15)
المدرسة الرابعة: المدرسة الدعوية المعاصرة، فإنّ المعاصرين من الدعاة على اختلاف انتسابهم في الدعوة اعتنوا بالكتابة في السيرة على مختلف المشارب وعنوا بكتابتهم في السيرة أنْ يأصلوا جوانب دعوية تهمهم وتهم الفئات التي ينتسبون إليها من طريق السيرة فإنّ في السيرة ما يمكن أنْ يكون دليلا بمجرده على مسائل كثيرة في الدعوة وقد يكون ذلك الاستدلال صوابا وقد يكون خطأ فظهرت في هذا العصر مدرسة كبيرة كتب في ((فقه السيرة)) وكتب في ((دروس وعبر من السيرة)) وفي ((دراسات في السيرة)) وأشباه ذلك من مدارس دعوية مختلفة في الاهتمام بالسيرة من وجهة نظر دعوية وكثير من هؤلاء لم يعتنوا بها من جهة ما صح من السيرة وما لم يصح وإنما جعلوا السيرة عبرة لما يريدون من الفوائد الدعوية سواء أصح ذلك أم لم يصح وسواء أثبت في العلم والفقه والعقيدة أو لم يثبت ذلك ولهذا تنوعت الكتب في هذا وهذه مدرسة أيضا من مدارس السيرة ويمكن تسميتها بالمدرسة الدعوية المعاصرة في تناول السيرة.(1/16)
المدرسة الخامسة: من مدارس السيرة مدرسة الروايات والقصة فإنّ كثيرين من السابقين ومن المعاصرين تناولوا السيرة على أنها روايات وعلى أنها قصص بل وربما تناولوا الصفحة الواحدة والصفحتين في السيرة بشيء من التفصيل وشيء من الاستطراد الأدبي فجعلوها عشر صفحات وعشرين صفحة من جهة الاستطراد فقلبوا السير إلى قصصٍ متنوعة لتكون لمن يقرأها عوضا عن الروايات الهابطة وعن القصص الفارغة التي انتشرت في هذا العصر فقام عددٌ ممن يحرصون على الاسلام ممن فيهم ديانة وخير على أنْ يعوضوا الناشئة في مقابلة خِضم السيل الجارف بالروايات والقصص والحكايات بأنواع شتى وبعضها مترجم من الشرق وبعضها مترجم من الغرب فقابلوها بنقل السيرة إلى قصص وروايات وهذا لا شك أنه أفاد كثيرًا من الناشئة لكن له سلبياته ولو تناولها بعض طلبة العلم الذي يعلمون حدود ما أنزل الله على رسوله فكتبوها على شكل قصصي وعلى شكل روايات لا بأس لكن تكون معتمدةً على ما يقضي به العلم والتحقيق فإنّ فيها نفعا كبيرا للناشئة وللشباب والفتيات وللكبار أيضا، هذه جملة من المدارس القديمة والحديثة في تناول السيرة.(1/17)
إذا نظرنا لما كتب في كتب السير من أخبار النبي صلّى الله عليه وسلّم والحكايات وما حصل له عليه الصلاة والسلام وجدنا أنّ السيرة استدل ببعض أحداثها وببعض ما ذكر فيها على أمور عند أهل العلم من علماء السلف والمحققين من أهل العلم ممن بعدهم يرون أنّ تلك الاستدلالات ليست بصحيحة بل ربما كانت باطلة بل ربما كانت شركية وهذا يقودنا إلى تفصيل لهذا النوع وهو الذي يمكن أنْ تسميه أنواع من الاستدلالات الخاطئة بأحداث من السيرة وهي جديرة من بعض طلبة العلم المتفرغين أنْ يرصد نفسه لجمعها فيجمع أنواع الاستدلال الباطلة مما جاء في السير على أمور لا يقرها العلم الصحيح ولا يقول بها الأئمة والعلماء فمن ذلك مثلا ما جاء في كتب السير أنّ المسلمين في غزوة اليمامة كان شعارهم (محمداه) وهذه ذكرها الطبري وذكرها ابن كثير في ((البداية والنهاية)) وأشباه ذلك، فقال قائلون: أنّ هذا يدل على جواز الاستغاثة بالنبي صلّى الله عليه وسلّم بعد مماته لأنّ معنى محمداه يعني (يا محمداه) أو هو دعوة له عليه الصلاة والسلام ولا شك أنّ الاستدلال على مسألة عقدية بل على مسألة هي لُبُّ التوحيد وأصله وهو الاستغاثة بالله جلّ وعلا وحده دون ما سواه الاستدلال بمثل هذا على تجويز الاستغاثة بالنبي صلّى الله عليه وسلّم ضربٌ لنصوص الكتاب والسنة الكثيرة المتواترة لفظا ومعنًى ضرب لها بخبر جاء في كتب السيرة وقد استدل بهذا بعض المخرفين وبعض دعاة البدع والضلالات وهذا لا شك أنه ناتج من ظن أنه كل ما ذكر في كتب السيرة وكل ما ذكر عن سير الصحابة فإنه صحيح في نفسه وهذا غلط فإنّ فيها أشياء نسبت إليهم لا تصح بل هي غلط في التوحيد وغلط في العقيدة وغلط في السنة.(1/18)
من مثل هذا المثال الذي ذكرته لك -ولو نظرنا- في تاريخ الطبري الذي يورد الأشياء بإسنادها لوجدنا أنّ اسناد هذه الحكاية التي ذكر فيها هذا الخبر مسلسل بكذاب ومجهول وضعيف وهذا كاف في إبطالها من أصلها والذي يعلم دين الرسول صلّى الله عليه وسلّم يبطلها ولو بدون النظر إلى الإسناد فإنّ الصحابة من كانوا ليستغيثوا بأحدٍ دون ربهم جلّ وعلا يعني ممن لا يقدر على الإغاثة وهم سادة هذه الأمة فلم يكونوا يستغيثوا بالنبي صلّى الله عليه وسلّم بعد وفاته، هذا مثال لأنّ هناك أنواعًا من الاستدلالات العقدية الباطلة ببعض ما يورد في كتب السير وكتب المغازي وأحوال الصحابة بعده عليه الصلاة والسلام أيضا من الأخطاء في أنواع ما يورد في السير أن الناس انتشرت فيهم أحاديث ضعيفة لا يصح نسبتها للنبي صلّى الله عليه وسلّم بل وأحاديث ربما منكرة وباطلة لأنها أوردت في السير وقد قدمت لك قول الحافظ العراقي:
وليعلم الطالبُ أنّ السيرَا
تجمع ما صح وما قد أُنْكِرَا
ففي ما ورد في السيرة منكرات وأشياء منكرة وقد علم أهل العلم كثيرا من هذه الأخبار بأنها ليست بصحيحة ولا يصح الاعتماد على السير فيها، فمن ذلك مثلا كثير من الحكايات في قصة ((بحيرى الراهب)) فإنّ أصل القصة صحيح من حيث الإسناد ومن حيث الرواية لكن ما جاء في كتب السير منها فإنّ فيه تفصيلات لا تثبت وإنما تروى هكذا بلاغا بلا إسناد وبعض جُمَلها صحيح فأصل القصة صحيح وكثير من المحاورات التي فيها ينقلها بعض الدعاة وينقلها بعض الخطباء وينقلها بعض الموجهين على أنها صحيحة وهي ليست بصحيحة وعليها اتكأ بعض أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم في قولهم أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم أخذ كثيرا من العلوم عن ((بحيرى الراهب)) وهي التي أوردها أو ذكرها عليه الصلاة والسلام وأصحابه وهذا باطل قطعا.(1/19)
ومن الأمثلة أيضا على ذلك القصة المشهورة أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم حينما كان يطوف همّ رجل بقتله فكلمه عليه الصلاة والسلام فقال له ما قال في إخباره بما في نفسه من نية قتله عليه الصلاة والسلام وهذه قد ضعفها عدد من أهل العلم وهذا النوع من الغلط في أخذ الأحاديث التي ترد في السيرة على أنها صحيحة هناك عدد من أهل العلم نبهوا عليه ومن المعاصرين منهم العلامة الألباني في كتابه ((الدفاع عن الحديث النبوي والسيرة)) وهو كتاب جيد في ذكر كثير مما يرد في السير مما لا يصح ومناقشة البوطي فيما أورده في كتابه ((فقه السيرة)) ذلك فيما علقه على كتاب ((فقه السيرة)) للغزالي المعاصر أورد كثيرا من الأحكام وحقق عددًا من الأحاديث وغيره من الشباب وطلبة العلم كتبوا أيضا كتابات في تحقيق بعض الأحاديث في السيرة، المقصود من هذا التنبيه على أنه لا يعني ورود الحديث في كتاب من كتب السيرة أنه في نفس الأمر صحيح وإنْ تداوله العلماء بالقبول فإنهم يتداولونه في الإجمال لكن إذا كان المقام مقام استدلال أو مقام احتجاج فإنهم لا يريدون ذلك إنما يحدثون به هكذا على ما جرى عليه العلماء الأولون.(1/20)
أيضا هناك أنواع من الاستنتاجات الفقهية كان مبناها على حوادث من السيرة وحوادث السيرة ليست أدلة في نفسها على مسائل الفقه حتى تثبت تلك الحوادث إمّا بدلالة القرآن عليها أو بما ثبت في السنة من ذلك وإما بما ذكره الصحابة في تفسير القرآن وتفسير السنة في تلك الاحوال لهذا تجد أنّ كثيرين أخذوا بعض حوادث السيرة فاستفادوا منها أحكاما فقهية وفي الواقع هذه الأحكام غلط لأنّ الدليل عليها ليس بقائم ولا يصح أنْ يكون دليلا إما لضعفه أو لنكارته أو لبطلانه وأشباه ذلك وابن القيم رحمه الله تعالى اعتنى كثيرا في كتابه ((زاد المعاد)) في ما ذكر من سيرة النبي صلّى الله عليه وسلّم اعتنى بتحقيق حوادث السيرة سواء ما كان منها في مكة أو في المغازي وتبيين الصحيح من الحكايات من جهة الفقه والفوائد الفقهية على ذلك فكتابه أصل في هذا الباب أيضا من الأغلاط في دراسة السيرة ما غَلِط به بعض المبتدئين من الدعاة أو بعض من لم يعتنِ بالعلم من المهتمين بالدعوة فجعلوا كثيرا من مسائل الدعوة أدلَتها من السيرة ولم ينظروا في ما جاء في النصوص أو ما قاله أهل العلم في تلك المسائل مثلا: استدل بعضهم بحادثة سعد بن أبي وقاص حينما رمى بحجر وشجّ وجه المشرك في مكة قال بعضهم إنّ هذا دليل على جواز الاغتيالات وأخذوا في مبحث الاغتيال مستندين إلى هذا وهذا لا شك أنه ليس بمنهج علمي صحيح إذ حوادث السيرة تؤخذ للعلم بها وإنما يحتج بما صح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أو صح عن صحابته وأقره عليه الصلاة والسلام في حياته.
من الأمثلة، مثلا: ما ذكره بعضهم من أنّ اجتماع بعض الشباب في مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم ليرى رأيه في غزوةأحد أنّ هذا دليل على مشروعية الاعتصام في المساجد ومشروعية المظاهرات وهذا لا شك أنه خروج عن المنهج العلمي الصحيح وتلمس للمخرج، وليس لإقامة دليل يقيم الحجة بين العبد وبين ربه جلّ وعلا.(1/21)
ومن أمثلة ذلك ما جاء في بعض كتب السيرة من ذكر الكتمان الذي كان بين الصحابة رضوان الله عليهم في مكة وخلصوا منها إلى أنّ هذا الكتمان والإيصاء بالتكاتم دليل على أنّ الدعاة يلجأون إلى الدعوة السرية وأنّ هذا أصل في الدعوة السرية وتنظيماتها وهذا إذا عرض على العلم الصحيح وكلام أهل العلم والمحققين وجد أنه ليس بدليل على ذلك إذ الكتمان في المسألة لا يدل على الكتمان في كل شيء وتفاصيل ذلك معروفة في كلام أهل العلم في كلام ابن القيم ومن تبعه.
كذلك من المسائل الدعوية التي ذُكرت كالاستفادة من كتب السيرة ما فصَّلْتهُ بعض الفئات أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم دعا في مكة ثلاثة عشر عاما وهذا يدل عندهم على أنّ الدعوة يجب أنْ تكون سرية كالعهد المكي بجميع ما في العهد المكي من أحكام وأنْ تكون مُدَّتُها ثلاثة عشر عامًا كما قالته بعض الأحزاب في بعض البلاد الإسلامية فجعلوا الدعوة منقسمة إلى عهد مكي وإلى عهد مدني والعهد المكي ثلاثة عشر عاما ولما أنشأ بعضهم هذه الفكرة وأنشا حزبًا عليها وانتهت ثلاثة عشر عاما بدون تمكين لهم قالوا هذا التمكين حصل للنبي صلّى الله عليه وسلّم بعد ثلاثة عشر عاما؛ لأنه هو المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، فإذا لم يحصل لنا التمكين نكرر ثلاثة عشر عاما فإذا لم يحصل نكرر ثلاثة عشر عاما وهذا من البعد في الاستدلال كما هو ظاهر لكل من له عقل صريح فضلا عن أنْ يكون من ذوي الانتساب إلى العلم .(1/22)
كذلك بعضهم أخذ من السيرة تقسيمات الدعوة إلى مراحل وجعل المجتمع الذي يعيش فيه أيا كان ذلك المجتمع كالمجتمع المكي، فيعاشر الناس بعزلة شعورية كما فصلته بعض الفئات الغالية ويعاشر الناس بأنهم مشركون أو أنه متوقف في شأنهم كما تقوله جماعات التوقف والتبين وأشباه ذلك وهذا أيضا من الأغلاط الكبيرة وجدوا مستمسكا من الاستدلال لكن ليس الشأن في وجود مستمسك من الدليل وإنما الشأن في أنْ يكون الدليل صحيحا ثم أنْ يكون وجه الاستدلال سليما وأما ما يكون من جهة نوع الاستدلال فهذا يكثر في الشريعة حتى احتج بعض الناس بأنّ الخمر غير محرمة؛ لأنّ الله جلّ وعلا ما حرّمها في القرآن إنما قال: {فاجتنبوه لعلكم تفلحون}، وهذا ترغيب وليس بتحريم إذا فلابدّ من عرض ما يتحصل عليه الدارس للسيرة إذا لم يكن طالب علم ولم يكن عالما يعرضه على أهل العلم هل ما استنتجه صحيح أم لا؟ هل العلم يوافق هذا الاستنتاج أم لا؟ سواء كان في مسائل العقيدة أم في مسائل السنة والبدعة أم في مسائل الحديث الصحيح والضعيف أم في مسائل الفقه والأحكام أم في مسائل الدعوة لأننا لن نقيم الدين ولن نقوم بقوة في الدعوة إلاّ بعد أنْ نُصَفي منهجنا في الأخذ والاستدلال فإذا كان المنهج في المرجعية والأخذ والاستدلال واضحا قويا واجتمعت الأمة واجتمع الدعاة واجتمع المهتمون بالإسلام والداعون إليه على نهج سواء وسط واضح لأنّ المصادر وكلام المحققين من أهل العلم واحد في ذلك لا يختلف يعني في أصول هذه الشريعة وأصول الأدلة في العقائد وفي الأحكام وفي الدروس والعبر والعظات إذا تبين لك ذلك فأغرب منه أنْ نجد أنّ بعض المناوئين للشريعة وأعداء الملة والدين من العلمانيّن ومن الاشتراكيّين وأشباه هؤلاء وجدوا في بعض نصوص السيرة ما يستدلون به على نحلهم وما يؤيد ما ذهبوا إليه.(1/23)
فأهل الاشتراكية استدلوا على اشتراكيتهم بإباحة المال للجميع وحتى إباحة النساء للجميع بقصة مؤاخاة النبي صلّى الله عليه وسلّم بين المهاجرين والأنصار حتى إنّ الرجل كان يرث أخاه لا من النسب ولكن الذي آخاه النبي صلّى الله عليه وسلّم معه في الدين فورث بعضهم من بعض حتى نزل قول الله جلّ وعلا: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} فاستدلوا على اشتراكهم في المال وعلى تنازل بعضهم عن زوجته لأخيه لو رغب أنّ هذا أصل من أصول الاشتراكية التي دعا إليها النبي صلّى الله عليه وسلّم واستدل بعضهم بوجود اشتراك النساء في العرب مع الصحابة من جهة التمريض أو جلب الماء أو نحو ذلك بأنّ هذا أصل بالقول بجواز الاختلاط المحرّم وأنّ المرأة تعمل مع الرجل في أي ميدان لا بأس بذلك في ميدان الطب أو التمريض أو في غير ذلك وجدوا في بعض الحوادث مدخلا لهذا. وكلٌّ أخذ بحادث وتفقه فيه وأصبح فقيها وإن كان ليس له من تحقيق الإسلام نصيب.
إذن السيرة هي قصص وأخبار وحكايات فلا يسوغ الاستدلال بما جاء فيها مطلقا حتى يكون ذلك الدليل صحيحا من جهة ثبوته ثم ينظر في وجه الاستدلال، إذا وصلنا إلى هذا وهناك فقرات أطويها لضيق الوقت وفي الحقيقة الموضوع مهم يحتاج إلى مزيد بيان لكن نخلص إلى خاتمة المطاف وذلك بذكر موضوع هذه المحاضرة وتلخيص ما سبق بمعرفة الضوابط التي يجب أنْ نأخذ بها في تلقي السيرة وفي الاستدلال والفهم
فأول هذه الضوابط:
أنّ ترتب قوة مصادر السيرة على ثلاث مراتب:
1- المرتبة الأولى: فهي للقرآن العظيم فما دل عليه القرآن فهو مقدَّم على غيره.(1/24)
2- المرتبة الثانية: ثم سنة النبي صلّى الله عليه وسلّم وهي مبينة وموضحة لما في القرآن، والسنة نعني بها ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام سواء كان من أحاديث الآحاد أم من الأحاديث المتواترة وسواء صح سنده لذاته أو لغيره سواء حسن سنده لذاته أو لغيره فإذا ثبت الحديث فإنه يؤخذ به في السيرة ويكون مقدما على غيره ويليه الأخذ بتفاسير اهل العلم من الصحابة فمن بعدهم في آي القرآن أو بعض أحاديث السنة فإنهم في الغالب فسروا القرآن بعلمهم بسنة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم.
3- المرتبة الثالثة: ما جاء في كتب السير وإذا وجدنا في كتب السير ما لا يتعارض مع الكتاب والسنة فإنّ لنا أنْ نأخذه وأنْ نقول بما فيه دون تردد لأنّه لا يخالف الكتاب والسنة سيما إذا اعتضد باتفاق العلماء عليه أو بجريانهم عليه فإنه لا حرج علينا في ذلك إذ كما قال بعض أهل العلم: السير بلا شك أرفع درجة وأقوى ثبوتا من أحاديث بني اسرائيل والنبي صلّى الله عليه وسلّم رخص لنا في الحديث عن بني اسرائل وقال: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)) وبنو إسرائيل لا نصدقهم ولا نكذبهم وأما ما روى في السير مما لا يصادم نصا من القرآن أو من سنة العدنان عليه الصلاة والسلام فإنه لا بأس من القول به والأخذ به؛ لأنّ العلماء تتابعوا على قبول ما فيها إذا لم يعارض ما جاء في الكتاب والسنة في الأصول وفي الفروع وفي السير هذا هو الضابط الأول.(1/25)
الضابط الثاني: أنّ السيرة يستفاد منها في أنواع من الفوائد الدعوية والإيمانية والعلمية فينبغي لمن يقرأ السيرة أو يذكر ما فيها أنّ ينتبه لإنزال كل مسألة منزلها فإذا كان إيراد القصة وحكاية الغزوة أو ما حدث للنبي عليه الصلاة والسلام ولأصحابه المقصود منه تقوية ما في القلوب من الإيمان ومحبة النبي عليه الصلاة والسلام وتقوية العزة في قلوب أهل الإيمان وفي قلوب الناشئة وربطهم بسيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم فإنه لا بأس بذلك ويؤخذ على هذا القدر ناظرا إلى الضابط الأول الذي ذكرناه، ثم إذا وجد في السيرة ما يخالف ما أفتى به أهل العلم سواء في التوحيد أو في تفسير القرآن أو في السنة أو ما أشبه ذلك أو في الدعوة أو في الأحكام الفقهية فإنه لابدّ له من البيان لأنّ إيراد القصة مع إيراد مشكل فيها من جهة الشرع أو ما هو منكر فيها من جهة الشرع والسكوت على ذلك لا يسوغ إذ هو نوعٌ من تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه وهذا ربما وقع في أنواع من الإلباس.
الجهة الثانية: من هذا الضابط: الاهتمام بالجوانب الفقهية والعلمية في السيرة بأنْ ينظر إليها نظر علمي يعني ينظر إليها طلبة العلم لا على أنها رواية وقصة وحكاية وهكذا بل إنما يأخذها مستفيد مما جاء فيها من جهة الأحكام.
فخذ مثلا قصة الحديبية وغزوة الحديبية بل فتح الحديبية فإنّ ابن القيم رحمه الله أخذ في ذكر الفوائد من هذا الحدث الفوائد الفقهية في العبادات وفي المعاملات بل وفي أمور تتعلق بالدول وتتعلق بولاة الأمر وتتعلق بالملوك وتتعلق بالأحوال ما تعجبُ منه وهذا لا شك أنه من النظر الفقهي العظيم الذي ينبغي أنْ يتحلى به طالب العلم.(1/26)
الضابط الثالث: أنّ سيرة النبي عليه الصلاة والسلام كانت صراعا بين التوحيد وبين الشرك وسيرته عليه الصلاة والسلام لم تكن سيرة قائد حزب ولا ممثل لفئة ولا طالب دولة ولا أشباه ذلك وإنما كانت صراعا في مسألة عظيمة بل أعظم المسائل بل أعظم المطالب وهو توحيد الله جلّ وعلا ولهذا ترى أنّ المحققين من أهل العلم ممن انتبهوا لعظم شأن الدعوة للتوحيد كابن تيمية وابن القيم والإمام محمد بن عبد الوهاب ومن بعده نظروا إلى تلك السيرة وتلك الأحداث ونزّلوها على المعركة بين التوحيد وبين الشرك وهذا أعظم ما يكون من الصواب في الاستدلال لأنها واقعة، وإذا كان في يوم ما عادت الكرة للشرك ولأهله واندرست معالم التوحيد فإنّ ظهور أثر السيرة في ذلك وظهور معالم السيرة عند الناظر فيها في الفرقان ما بين أهل الشرك وأهل الإيمان ظاهر بيِّن، لهذا من رأى كتاب السيرة للشيخ محمد بن عبد الوهاب وكتاب السيرة لعبد الله بن الشيخ رحمهما الله تعالى نظر إلى أنه مستفاد من جهة المعركة بين التوحيد والشرك وهذا استدلال صحيح في مكانه؛ لأنّه قائم على الاستدلال بالمطابقة فإنها هي حقيقة ما كان ما بين النبي عليه الصلاة والسلام وما بين أصحابه والناس ممن نظروا في السيرة مجمعون على هذا وأنّ المعركة ما بين داع إلى الله جلّ وعلا بل سيّد الدعاة إلى الله جلّ وعلا بل سيِّد المرسلين عليه الصلاة والسلام وبين المشركين الكفار المعاندين لله جلّ وعلا ولرسله عليهم صلوات الله وسلامه والله جلّ وعلا قال لنا عن نبيه: {قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} وبيَّن جلّ وعلا أن المراد من القصص العبرة فقال جلّ وعلا: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثًا يفترى} وهذا واضح معلوم في صنيع أهل العلم.(1/27)
الضابط الرابع: أن يهَابَ أهل العلم وطلبة العلم والدعاة من أن يخوضوا في السيرة بلا علم فلا يظننَّ الظانُّ أنَّ السيرة قصة تقبل الزيادة والنقصان فربما سمع بعضكم بعض من يميل إلى القصص والحكايات سواءً من جهة التعليم أو من جهة الإلقاء وذكر أحداثًا من السيرة وحلاَّها بزيادات من عنده ظانًّا أن باب السير باب قصص وأنه يسوغ فيه الزيادة وهذا ليس بصواب بل هو باطل في نفسه إذْ السيرة هي سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم فلا تقبل الزيادة على الحوادث إذا كان يريد أن يشرح ما ثبت فهذا شيئ جيد من الإيضاح ومن تعليق الناس وأخذ العبرة والفائدة لكن أن يزيد حكايات بخروج وذهاب وبذكر أحوال لم ترد في كتب السير ولم تصح فهذا نوع من القول على الله جلَّ وعلا بلا علم بل هو نوع من الكذب على النبي صلّى الله عليه وسلّم فسمعت أحاديث في بعض الغزوات جيئ فيها بأشياء لم ترد اصلاً وسمعت أحاديث في بعض حوادث جرت في مكة على صحابة النبي صلّى الله عليه وسلّم وبيعة العقبة بل وهجرة الصحابة إلى الحبشة وأشباه ذلك مما لم يرد أصلاً وزيادات اقتضاها الطابع القصصي وهذا لا يسوغ أن يعذر المرء فيه نفسه لأن الأمر شديد والكلام على سيرة النبي صلّى الله عليه وسلّم نوع من الكلام على سنته والكذب فيها كذب على سنة النبي صلّى الله عليه وسلّم وأعظم ما جاء في ذلك من التحذير قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المتواتر ((من كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوأ مقعده من النار)).(1/28)
الضابط الخامس: أن لا يستعجل بالنقد فيما يورده أهل العلم في السير فإن السير لها طابع وكثيرون وهَّمُوا بعض أهل العلم أو تعقبوهم بما ليس مجالاً للتعقب واستعجلوا في ذلك، فقصص السير ونوع ثبوتها والاجتهاد في تأول إيرادها هذا كثير فإذا لم تكن القصة أو السيرة أو الحكاية سواءٌ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أوعن الصحابة إذا لم تكن مصادمة لنصوص الكتاب والسنة أو لم تكن باطلة من جهة العقيدة والشريعة والسنة فإن إيرادها للعلماء فيه مآخذ فلا يأتيَنَّ آتٍ ويقول فلان يورد من السيرة ما لم يثبت وهذا يورد حديثًا ضعيفًا في السيرة وأشباه ذلك إذ الأصل عندهم ما ذكرته لكم من التوسع في نقل السيرة إذا لم يكن ما ينقل باطلاً أو منكرًا وهذا أصل عظيم لا بد من الاهتمام به لأنّ نقد أهل العلم أو الاعتراض عليهم بما ليس له حجة بينة غير مقبول وربما سبب أشياء غير محمودة.
الموضوع فيه زيادات لكن الوقت قصر وتضايق وفي الختام اسأل الله جلّ وعلا لي ولكم الانتفاع يسيرة النبي صلّى الله عليه وسلّم وأن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علمًا وعملاً وهدىً واهتداء وأسأله جلّ وعلا أن يصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأن يصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأن يصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا وأن يجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر وأسأله سبحانه أن يصلح ولاة أمورنا وأن يدلهم على الرشاد وأن يباعد بينهم وبين سبل أهل البغي والفساد وأساله سبحانه أن يجعلنا وأياهم من المتعاونين على البرِّ والتقوى ومن غير المتعاونين على الإثم والعدوان وأسأله سبحانه لي ولكم ولكل مسلم الختام الصالح الذي به السعادة الأبدية اللهم فاغفر حمًّا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
إجابة بعض سؤالات المحاضرة(1/29)
س1/ هناك من العلماء من يذكر بعض سير الصالحين في زهدهم وصلاحهم وصلاتهم الخ ما يكون أحيانًا معارضًا لفعله صلّى الله عليه وسلّم فما موقفنا من مثل هذا وجزاكم الله خيرًا؟
الجواب: الحمد لله، أفعال العلماء ليست بحجة على الشريعة وإنَّما الحجة فيما دلَّ عليه الكتاب والسنة وفعل الصحابة رضوان الله عليهم إذا اجتمعوا على ذلك وما ينقل في السير من أخبار بعض العلماء على أقسام: منه ما يمكن تأوله من مثل أنّ بعضهم كان يقوم اللّيل كله وهذا مخالف للسنة وأنّ بعضهم كان يختم القرآن في كلّ يوم مرة كما نقل عن الشافعي أنه ختم القرآن في شهر رمضان ستين مرة وكما نقل عن عثمان رضي الله عنه بل صح عنه أنه ختم القرآن في ركعة من ليالي الشتاء طويلة أوتر بها وقرأ فيها القرآن كلّه وجاء أيضا أنّ تلك الركعة كانت في جوف الكعبة وأشباه ذلك وهذه تأولها أهل العلم وذكروها وأهل العلم قد يفعلون بعض الأشياء لا على وجه المداومة وإنّما أحيانًا ولهذا ذكروا في مسألة ختم القرآن على حديث النبي عليه الصلاة والسلام: ((لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث)) أنّ هذا فيمن كان الغالب عليه أنّه يقرأ ذلك أما إذا استغل موسمًا فاضلاً بزمان فاضل كرمضان أو مكانا فاضل فأراد أنْ يزداد من الختمات لأجل ذلك فإنّ السلف فعلوا ذلك وهذا جائز وحملوا الحديث على من كان ذلك هو الغالب عليه وكذلك في مسألة الصلاة وقيام اللّيل كله إذا كان هذا هو الغالب عليه فإنه مخالف للسنة أما إذا حصل له عارض وقوة قلب وتضرع وأشباه ذلك وفعل مثل هذه الأشياء مرة واحدة فإنه يكون متأولاً في ذلك والسنة قاضية على فعله، بعض الحكايات عن أهل العلم أو عن الصالحين تكون باطلة في نفسها فيكون النقل غير صحيح مثل ما نقلوا عن أحمد حكايات في الزهد موضوعة ومثل ما نقلوا عن الشافعي حكايات في الزهد موضوعة كما نبه عليها العلماء، وهناك بعض ما ينقل عن الصالحين باطل شرعًا ولا يجوز الأخذ به ولا وعظ(1/30)
الناس به؛ لأنه يعطي صورة سيئة وقدوة سيئة مثل أنّ فلانًا قام يومه وليله على أكل فجلة، قال: فما وجد إلاّ فجلة، نَصَفَها بين يومين من شدة اعتنائه بالعلم وجلس خمسة أيام لا يأكل بعد شرائه سمكة لم يحسن أنْ يطبخها أو أن يطهوها لاشتغاله بالعلم أو أنّ فلانا أراد أنْ يخلص نفسه من الرّذائل فمشى بصدره وبطنه حبوًا بل زحفًا على شوك ليُعَلِّم نفسه شدة عذاب النار وأشباه ذلك من الحكايات هذه باطلة لا يجوز أنْ تقال للناس لأنها تعطي صورة سيئة وقدوة سيئة بل الناس بحاجة إلى سنة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم بحاجة إلى سيرة الصحابة وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((أما إنّي أخشاكم لله وأتقاكم لله أما إني أصوم وأفطر وأقوم اللّيل وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني)) فالكمال في هديه عليه الصلاة والسلام والمبالغة في الرقائق بما لا يصح شرعا يعطي نتائج سيئة من جهة عدم حسن ظن الناس بالأولين أو بتكذيبهم أو بما أشبه ذلك.
س2/ يقول قصة ((الغرانيق)) التي وردت في ((مختصر السيرة)) ما صحتها؟(1/31)
الجواب: قصة الغرانيق رُويت من أوجه مرسلة قال الحافظ ابن حجر: ((يقوي بعضها بعضا)) والمرسل يعتضد بالمرسل سيما في مثل ذلك وقصة الغرانيق لا تناقض أو تضاد أصلا شرعيا ولا نصا من كتاب الله جلّ وعلا ولا من سنته عليه الصلاة والسلام، فهي من القسم الثالث ولهذا أوردها العلماء بل إنّ قصة الغرانيق يمكن أنْ تكون في معنى قول الله جلّ وعلا: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلاّ إذا تمنّى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته} الآية في سورة الحج فبيّن جلّ وعلا أنه ما أرسل من نبي ولا رسول إلاّ إذا تمنى يعني إذا قرأ وتلا كتابه ألقى الشيطان في أمنيته يعني تكلم الشيطان بجنس صوته ليعتقد زيادة في كلامه من جهة الشيطان وهذا ما جاء في قصة الغرانيق المعروفة وفي قوله جلّ وعلا في سورة النجم لما تلا النبي صلّى الله عليه وسلّم: {أفرايتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} جاء في القصة أنه قال: ((وإنّهنّ الغرانيق العلا وإنّ شفاعتهنّ لترتجى)) وأشباه ذلك أو كما جاء، فجاءت زيادة فيها تصحيح عبادة غير الله جلّ وعلا فلما سمع المشركون ذلك سجدوا فأنزل الله جلّ وعلا قوله سبحانه: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلاّ إذا تمنّى ألقى الشيطان في أمنيته...}، فإذًا هذه القصة تداولها المحققون من أهل العلم فذكرها الحافظ ابن حجر، وذكر لها أوجهًا مرسلة في شرح البخاري وذكرها إمام هذه الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ((مختصر السيرة)) وذكرها العلماء ولم ينكروها وإنما أنكرها بعض أهل العلم وإنكاره له وجهه ولكن ليس بقاضٍ على ما رآه غيره من أهل العلم إذْ ليس في القصة ما ينكر من جهة التوحيد ولهذا أوردها أئمة التوحيد وتركها أولى خاصة عند من لا يفقه وإذا أوردت فلها وجهها.
س3/ يقول السائل: أفضل طريقة للتدرج في قراءة كتب السيرة فبماذا يبدأ طالب العلم من هذه الكتب بالترتيب؟ وما هو أفضل كتاب فيها؟(1/32)
الجواب: الأفضل أنْ يبتدئ ((بمختصر السيرة)) للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ((مختصر سيرة ابن هشام)) ثم بعده ((السيرة النبوية)) لابن كثير وفيها طول، ثم إذا نظر في ذلك وتبيّن له الصواب نظر في ((سيرة ابن هشام)) وما اختصر منها وهناك كتب طويلة في السيرة مثل ((السيرة الشامية)) و((السيرة الحلبية)) في عدة مجلدات، كالشروح لكتب السير.
س4/ هذه بعض الكتب يسأل بعض الإخوان عنها يقول: ما رأيكم في هذه الكتب في السيرة النبوية، ((الرحيق المختوم))، ((هذا الحبيب يا محب))، ((رجال حول الرسول صلّى الله عليه وسلّم)).
الجواب: هذه الكتب نافعة: ((الرحيق المختوم)) جيّد وكذلك كتاب أبي بكر الجزائري ((هذا الحبيب يا محب)) أيضا جيّد لكن درج عليهم ما درج على أصحاب السير في بعض المسائل فيستفاد منها كما يستفاد من غيرها، وهي أميز من غيرها وأكثر فائدة مما ألف في السنين المتأخرة.(1/33)