وقال ابن سعد: أنبأنا محمد بن عبدالله الانصاري، حدثنا أشعث بن عبدالملك الحمراني، عن الحسن، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسط تحته قطيفة حمراء كان يلبسها، قال: وكانت أرضا ندية.
وقال هشيم بن منصور عن الحسن قال: جعل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء كان أصابها يوم حنين.
قال [ الحسن (1) ]: جعلها لان المدينة أرض سبخة.
وقال محمد بن سعد: حدثنا حماد بن خالد الخياط، عن عقبة بن أبى الصهباء، سمعت الحسن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " افرشوا لى قطيفة في لحدي فإن الارض لم تسلط على أجساد الانبياء ".
وروى الحافظ البيهقى من حديث مسدد، حدثنا عبد الواحد، حدثنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: قال على: غسلت النبي صلى الله عليه وسلم فذهبت أنظر إلى ما يكون من الميت فلم أر شيئا، وكان طيبا حيا وميتا.
قال: وولى دفبه عليه الصلاة والسلام وإجنانه دون الناس أربعة، على والعباس والفضل وصالح مولى النبي صلى الله عليه وسلم، ولحد للنبى صلى الله عليه وسلم لحد، ونصب عليه اللبن نصبا.
وذكر البيهقى عن بعضهم أنه نصب على لحده عليه السلام تسع لبنات.
وروى الواقدي عن ابن أبى سبرة عن عبدالله بن معبد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم موضوعا على سريره من حين زاغت الشمس من
يوم الاثنين إلى أن زاغت الشمس يوم الثلاثاء، يصلى الناس عليه وسريره على شفير قبره فلما أرادوا أن يقبروه عليه السلام نحوا السرير قبل رجليه فأدخل من هناك.
ودخل في حفرته العباس وعلى وقثم والفضل وشقران.
__________
(1) ليست في ا.
(*)(4/535)
وروى البيهقى من حديث إسماعيل السدى، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: دخل قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس وعلى والفضل وسوى لحده رجل من الانصار وهو الذى سوى لحود قبور الشهداء يوم بدر.
قال ابن عساكر: صوابه يوم أحد.
وقد تقدم رواية ابن إسحاق عن حسين بن عبدالله، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان الذين نزلوا في قبر رسول الله على والفضل وقثم وشقران، وذكر الخامس وهو أوس بن خولى، وذكر قصة القطيفة التى وضعها في القبر شقران.
وقال الحافظ البيهقى: أخبرنا أبو طاهر الخداباذى، حدثنا أبو قلابة، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان بن سعيد، هو الثوري، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن الشعبى، قال: حدثنى أبو مرحب، قال: كأنى أنظر إليهم في قبر النبي صلى الله عليه وسلم أربعة: أحدهم عبد الرحمن بن عوف.
وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن الصباح، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبى خالد به.
ثم رواه عن أحمد بن يونس، عن زهير عن إسماعيل، عن الشعبى، حدثنى مرحب أو ابن عمى مرحب (1): أنهم أدخلوا معهم عبدالرحمن بن عوف، فلما فرغ على قال: إنما يلى الرجل أهله.
وهذا حديث غريب جدا وإسناده جيد قوى، ولا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقد قال أبو عمر بن عبد البر في استيعابه: أبو مرحب اسمه سويد بن قيس، وذكر أبا مرحب آخر وقال: لا أعرف خبره.
قال ابن الاثير في الغابة: فيحتمل أن يكون راوي هذا الحديث أحدهما أو ثالث غيرهما [ ولله الحمد ] (2).
__________
(1) ح: أو أبو مرحب.
(2) ليست في ا.
(*)(4/536)
ذكر من كان آخر الناس به عهدا عليه الصلاة والسلام قال الامام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبى، عن ابن إسحاق، حدثنى أبى إسحاق ابن يسار، عن مقسم أبى القاسم مولى عبدالله بن الحارث بن نوفل، عن مولاه عبدالله بن الحارث، قال: اعتمرت مع على في زمان عمر أو زمان عثمان، فنزل على أخته أم هانئ بنت أبى طالب، فلما فرغ من عمرته رجع فسكبت له غسلا فاغتسل.
فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق فقالوا: يا أبا حسن جئناك نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا عنه.
قال: أظن المغيرة بن شعبة يحدثكم أنه كان أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: أجل.
عن ذلك جئنا نسألك.
قال: أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم قثم بن عباس.
تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقد رواه يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق به مثله سواء، إلا أنه قال قبله عن ابن إسحاق قال: وكان المغيرة بن شعبة يقول: أخذت خاتمي فألقيته في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت حين خرج القوم: إن خاتمي قد سقط في القبر.
وإنما طرحته عمدا لامس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون آخر الناس عهدا به.
قال ابن إسحاق: فحدثني والدى إسحاق بن يسار، عن مقسم، عن مولاه عبدالله بن الحارث، قال: اعتمرت مع على.
فذكر ما تقدم.
وهذا الذى ذكر عن المغيرة بن شعبة لا يقتضى أنه حصل له ما أمله، فإنه قد يكون على رضى الله عنه لم يمكنه من النزول في القبر بل أمر غيره فناوله أياه، وعلى ما تقدم يكون الذى أمره بمناولته له قثم بن عباس.
وقد قال الواقدي: حدثنى عبدالرحمن بن أبى الزناد، عن أبيه، عن عبيدالله بن(4/537)
عبدالله بن عتبة، قال: ألقى المغيرة بن شعبة خاتمه في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال على: إنما ألقيته لتقول: نزلت في قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
فنزل فأعطاه.
أو أمر رجلا فأعطاه.
وقد قال الامام أحمد حدثنا بهز وأبو كامل، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبى عمران الجونى، عن أبى عسيب أو أبى عسيم قال بهز: إنه شهد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: كيف نصلى، قال: ادخلوا أرسالا أرسالا، فكانوا يدخلون من هذا الباب فيصلون عليه ثم يخرجون من الباب الآخر.
قال: فلما وضع في لحده قال المغيرة: قد بقى من رجليه شئ لم تصلحوه.
قالوا: فادخل فأصلحه.
فدخل وأدخل يده فمس قدميه عليه السلام.
فقال: أهيلوا على التراب.
فأهالوا عليه حتى بلغ إلى أنصاف ساقيه، ثم خرج فكان يقول: أنا أحدثكم عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم ! متى وقع دفنه عليه الصلاة والسلام وقال يونس عن ابن إسحاق: حدثتني فاطمة بنت محمد امرأة عبدالله بن أبى بكر وأدخلني عليها حتى سمعته (1) منها، عن عمرة، عن عائشة، أنها قالت: ما علمنا بدفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحى في جوف ليلة الاربعاء.
وقال الواقدي: حدثنا ابن أبى سبرة، عن الحليس بن هشام، عن عبدالله بن وهب، عن أم سلمة، قالت: بينا نحن مجتمعون نبكى لم ننم ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيوتنا
ونحن نتسلى برؤيته على السرير، إذ سمعنا صوت الكرازين (2) في السحر.
قالت أم سلمة: فصحنا وصاح أهل المسجد، فارتجت المدينة صيحة واحدة، وأذن بلال بالفجر، فلما ذكر
__________
(1) ا: تسمعه.
(2) الكرازين: جمع كرزن وهو الفأس الكبيرة.
(*)(4/538)
النبي صلى الله عليه وسلم بكى وانتحب، فزادنا حزنا وعالج الناس الدخول إلى قبره فغلق دونهم، فيالها من مصيبة ما أصبنا بعدها بمصيبة إلا هانت إذا ذكرنا مصيبتنا به صلى الله عليه وسلم.
وقد روى الامام أحمد من حديث محمد بن إسحاق، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى يوم الاثنين ودفن ليلة الاربعاء.
وقد تقدم مثله في غير ما حديث.
وهو الذى نص عليه غير واحد من الائمة سلفا وخلفا ; منهم سليمان بن طرخان التيمى، وجعفر بن محمد الصادق، وابن إسحاق، وموسى ابن عقبة وغيرهم.
وقد روى يعقوب بن سفيان، عن عبدالحميد، عن بكار، عن محمد بن شعيب، عن الاوزاعي أنه قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين قبل أن ينتصف النهار، ودفن يوم الثلاثاء.
وهكذا روى الامام أحمد عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات في الضحى يوم الاثنين ودفن من الغد في الضحى.
* * * وقال يعقوب: حدثنا سفيان، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا سفيان، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه و [ عن ] (1) ابن جريج، عن أبى جعفر، أن رسول الله توفى يوم
الاثنين، فلبث ذلك اليوم وتلك الليلة ويوم الثلاثاء إلى آخر النهار.
فهو قول غريب، والمشهور عن الجمهور ما أسلفناه من أنه عليه السلام توفى يوم الاثنين، ودفن ليلة الاربعاء.
__________
(1) ليست في ا.
(*)(4/539)
ومن الاقوال الغريبة في هذا أيضا ما رواه يعقوب بن سفيان عن عبدالحميد بن بكار، عن محمد بن شعيب، عن أبى النعمان، عن مكحول، قال: ولد رسول الله يوم الاثنين، وأوحى إليه يوم الاثنين، وهاجر يوم الاثنين، وتوفى يوم الاثنين لثنتين وستين سنة ونصف، ومكث ثلاثة أيام لا يدفن، يدخل عليه الناس أرسالا أرسالا يصلون لا يصفون ولا يؤمهم عليه أحد.
فقوله: إنه مكث ثلاثة أيام لا يدفن.
غريب، والصحيح أنه مكث بقية يوم الاثنين ويوم الثلاثاء بكماله، ودفن ليلة الاربعاء كما قدمنا.
والله أعلم.
وضده ما رواه سيف، عن هشام، عن أبيه، قال: توفى رسول الله يوم الاثنين.
[ وغسل يوم الاثنين ] (1) ودفن ليلة الثلاثاء.
قال سيف: وحدثنا يحيى بن سعيد مرة بجميعه عن عائشة به.
وهذا غريب جدا.
وقال الواقدي: حدثنا عبدالله بن جعفر، عن ابن أبى عون، عن أبى عتيق، عن جابر بن عبدالله، قال: رش على قبر النبي صلى الله عليه وسلم الماء رشا، وكان الذى رشه بلال بن رباح بقربة، بدأ من قبل رأسه من شقه الايمن حتى انتهى إلى رجليه، ثم ضرب بالماء إلى الجدار لم يقدر على أن يدور من الجدار.
وقال سعيد بن منصور، عن الدراوردى عن يزيد بن عبدالله بن أبى يمن، عن أم سلمة، قالت: توفى رسول الله يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء.
وقال ابن خزيمة: حدثنا مسلم بن حماد، عن أبيه، عن عبدالله بن عمر، عن كريب، عن ابن عباس، قال: توفى رسول الله يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء.
وقال الواقدي: حدثنى أبى بن عياش بن سهل بن سعد، عن أبيه، قال: توفى رسول الله
__________
(1) سقطت من ا.
(*)(4/540)
صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ودفن ليلة الثلاثاء.
وقال أبو بكر بن أبى الدنيا عن محمد بن سعد: توفى رسول الله يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الاول، ودفن يوم الثلاثاء.
وقال عبدالله بن محمد بن أبى الدنيا: حدثنا الحسن بن إسرائيل أبو محمد النهرتيرى (1)، حدثنا عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن أبى خالد، سمعت عبدالله بن أبى أوفى يقول: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ; فلم يدفن إلا يوم الثلاثاء.
وهكذا قال سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبدالرحمن، وأبو جعفر الباقر.
فصل في صفة قبره عليه الصلاة والسلام قد علم بالتواتر أنه عليه الصلاة والسلام دفن في حجرة عائشة التى كانت تختص بها شرقي مسجده في الزاوية الغربية القبليه من الحجرة.
ثم دفن بعده فيها أبو بكر ثم عمر رضى الله عنهما.
وقد قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن سفيان التمار، أنه حدثه أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما (2).
تفرد به البخاري.
وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن أبى فديك، أخبرني عمرو بن عثمان بن هانئ، عن القاسم، قال: دخلت على عائشة وقلت لها: يا أمه اكشفي لى عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه.
فكشفت لى عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا
لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء النبي صلى الله عليه وسلم.
أبو بكر رضى الله عنه عمر رضى الله عنه
__________
(1) نسبة إلى نهر تيرى، بلد من نواحى الاهواز (2) التسنيم: ضد التسطيح.
(*)(4/541)
[ تفرد به أبو داود ] (1).
وقد رواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن أبى فديك، عن عمرو بن عثمان، عن القاسم، قال فرأيت النبي عليه السلام مقدما، وأبو بكر رأسه بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر رأسه عند رجل النبي صلى الله عليه وسلم.
قال البيهقى: وهذه الرواية تدل على أن قبورهم مسطحة لان الحصباء لا تثبت إلا على المسطح.
وهذا عجيب من البيهقى رحمه الله، فإنه ليس في الرواية ذكر الحصباء بالكلية، وبتقدير ذلك فيمكن أن يكون مسنما وعليه الحصباء مغروزة بالطين ونحوه.
وقد روى الواقدي عن الدراوردى، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: جعل قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسطحا.
وقال البخاري: حدثنا فروة بن أبى المغراء، حدثنا على بن مسهر، عن هشام، عن عروة، عن أبيه، قال: لما سقط عليهم الحائط في زمان الوليد بن عبدالملك أخذوا في بنائه فبدت لهم قدم ففزعوا فظنوا أنها قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فما وجد واحد يعلم ذلك حتى قال لهم عروة: لا والله ماهى قدم النبي صلى الله عليه وسلم ; ما هي إلا قدم عمر.
وعن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أنها أوصت عبدالله بن الزبير: لا تدفني معهم وادفني مع صواحبي بالبقيع، لا أزكى به أبدا.
قلت: كان الوليد بن عبدالملك حين ولى الامارة في سنة ست وثمانين قد شرع
في بناء جامع دمشق وكتب إلى نائبه بالمدينة ابن عمه عمر بن عبد العزيز أن يوسع في مسجد المدينة، فوسعه حتى من ناحية الشرق (2) فدخلت الحجرة النبوية فيه.
وقد روى الحافظ ابن عساكر بسنده عن زاذان مولى الفرافصة، وهو الذى بنى المسجد النبوى أيام [ ولاية ] عمر بن عبد العزيز على المدينة، فذكر عن سالم بن عبدالله نحو ما ذكره البخاري، وحكى صفة القبور كما رواه أبو داود.
__________
(1) سقط من ا.
(2) ت: من ناحية السوق.
(*)(4/542)
ذكر ما أصاب المسلمين من المصيبة العظيمة بوفاته عليه الصلاة والسلام قال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا ثابت، عن أنس، قال: لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب.
فقالت فاطمة: واكرب أبتاه.
فقال لها: " ليس على أبيك كرب بعد اليوم ".
فلما مات قالت: وأبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه.
فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب ؟ ! تفرد به البخاري رحمه الله.
وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا ثابت البنانى، قال أنس: فلما دفن النبي صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسكم أن دفنتم رسول الله صلى الله عليه وسلم في التراب ورجعتم ؟ وهكذا رواه ابن ماجه مختصرا من حديث حماد بن زيد به.
وعنده قال حماد: فكان ثابت إذا حدث بهذا الحديث بكى حتى تختلف أضلاعه.
وهذا لا يعد نياحة بل هو من باب ذكر فضائله الحق عليه أفضل الصلاة والسلام،
وإنما قلنا هذا لان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النياحة.
وقد روى الامام أحمد والنسائي من حديث شعبة، سمعت قتادة، سمعت مطرفا يحدث عن حكيم بن قيس بن عاصم، عن أبيه - فيما أوصى به إلى بنيه - أنه قال: ولا تنوحوا على فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه.
وقد رواه إسماعيل بن إسحاق القاضى في النوادر، عن عمرو بن ميمون عن شعبة به.(4/543)
ثم رواه عن على بن المدينى، عن المغيرة بن سلمة، عن الصعق بن حزن، عن القاسم بن مطيب، عن الحسن البصري، عن قيس بن عاصم به.
قال: لا تنوحوا على فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه، وقد سمعته ينهى عن النياحة.
ثم رواه عن على عن محمد بن الفضل، عن الصعق، عن القاسم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن عن عاصم به.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عقبة بن سنان، حدثنا عثمان بن عثمان، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه.
وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا ثابت، عن أنس قال: لما كان اليوم الذى قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شئ، فلما كان اليوم الذى مات فيه أظلم منها كل شئ.
قال: وما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الايدى حتى أنكرنا قلوبنا.
وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه جميعا، عن بشر بن هلال الصواف، عن جعفر بن سليمان الضبعى به.
وقال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب.
قلت.
وإسناده على شرط الصحيحين، ومحفوظ من حديث جعفر بن سليمان، وقد
أخرج له الجماعة، ورواه الناس عنه كذلك.
* * * وقد أغرب الكديمى، وهو محمد بن يونس رحمه الله في روايته له حيث قال: حدثنا أبو الوليد هشام بن عبدالملك الطيالسي، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعى، عن ثابت عن أنس، قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أظلمت المدينة حتى لم ينظر بعضنا(4/544)
إلى بعض، وكان أحدنا يبسط يده فلا يراها أو لا يبصرها، وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا.
رواه البيهقى من طريقه كذلك.
وقد رواه من طريق غيره من الحفاظ عن أبى الوليد الطيالسي، كما قدمنا، وهو المحفوظ والله أعلم.
وقد روى الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر من طريق أبى حفص بن شاهين، حدثنا حسين ابن أحمد بن بسطام بالابله، حدثنا محمد بن يزيد الرؤاسى، حدثنا مسلمة ابن علقمة، عن داود بن أبى هند، عن أبى نضرة، عن أبى سعيد الخدرى، قال: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شئ، فلما كان اليوم الذى مات فيه أظلم منها كل شئ.
وقال ابن ماجه: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا عبد الوهاب ابن عطاء العجلى، عن ابن عون، عن الحسن، عن أبى بن كعب، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما وجهنا واحد، فلما قبض نظرنا هكذا وهكذا.
وقال أيضا: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامى، حدثنا خالي محمد بن إبراهيم بن المطلب بن السائب بن أبى وداعة السهمى، حدثنى موسى بن عبدالله بن أبى أمية المخزومى، حدثنى مصعب بن عبدالله، عن أم سلمة بنت أبى أمية زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أنها
قالت: كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام المصلى يصلى لم يعد بصر أحدهم موضع قدميه، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلى لم يعد بصر أحدهم موضع جبينه، فتوفى أبو بكر وكان عمر، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلى لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة، فتوفى عمر وكان عثمان وكانت الفتنة، فتلفت الناس يمينا وشمالا.(4/545)
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن ثابت عن أنس ; أن أم أيمن بكت لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لها ما يبكيك على النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت: إن قد علمت أن رسول الله سيموت، ولكني إنما أبكى على الوحى الذى رفع عنا.
هكذا رواه مختصرا.
وقد قال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن نعيم ومحمد بن النضر الجارودي، قالا: حدثنا الحسن بن على الخولانى (1)، حدثنا عمرو بن عاصم الكلابي، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، قال: ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم أيمن زائرا وذهبت معه، فقربت إليه شرابا.
فإما كان صائما وإما كان لا يريده فرده، فأقبلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم تضاحكه.
فقال أبو بكر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها.
فلما انتهينا إليها بكت.
فقالا لها: ما يبكيك ؟ ما عند الله خير لرسوله.
قالت: والله ما أبكى ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله، ولكن أبكى أن الوحى انقطع من السماء.
فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان.
ورواه مسلم منفردا به عن زهير بن حرب، عن عمرو بن عاصم به.
* * * وقال موسى بن عقبة في قصة وفاة رسول صلى الله عليه وسلم وخطبة أبى بكر فيها: قال: ورجع الناس حين فرغ أبو بكر من الخطبة وأم أيمن قاعدة تبكى، فقيل لها: ما يبكيك ؟ قد أكرم الله نبيه صلى الله عليه وسلم فأدخله جنته، وأراحه من نصب الدنيا.
__________
(1) ا: الحلواني.
(*)(4/546)
فقالت: إنما أبكى على خبر السماء كان يأتينا غضا جديدا كل يوم وليلة، فقد انقطع ورفع، فعليه أبكى.
فعجب الناس من قولها.
وقد قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: وحدثت عن أبى أسامة، وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهرى، حدثنا أبو أسامة، حدثنى بريد بن عبدالله عن أبى بردة، عن أبى موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " إن الله إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا وسلفا يشهد لها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حى فأهلكها وهو ينظر إليها فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره ".
تفرد به مسلم إسنادا ومتنا.
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبدالمجيد بن عبد العزيز بن أبى رواد، عن سفيان، عن عبدالله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله - هو ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتى السلام ".
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتى خير لكم تعرض على أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه،
وما رأيت من شر استغفرت الله لكم ".
ثم قال البزار: لا نعرف آخره يروى عن عبدالله إلا من هذا الوجه.
قلت: وأما أوله وهو قوله عليه السلام: " إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتى السلام " فقد رواه النسائي من طرق متعددة، عن سفيان الثوري وعن الاعمش، كلاهما عن عبدالله بن السائب، عن أبيه به.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا حسين بن على الجعفي، عن عبدالرحمن بن يزيد ابن جابر، عن أبى الاشعث الصنعانى، عن أوس بن أوس، قال قال رسول الله صلى الله(4/547)
عليه وسلم: " من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا على من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة على ".
قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ؟ - يعنى قد بليت - قال: " إن الله قد حرم على الارض أن تأكل أجساد الانبياء عليهم السلام ".
وهكذا رواه أبو داود عن هارون بن عبدالله وعن الحسن بن على، والنسائي عن إسحاق بن منصور، ثلاثتهم عن حسين بن على به.
ورواه ابن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة، عن حسين بن على، عن ابن جابر، عن أبى الاشعث، عن شداد بن أوس فذكره.
قال شيخنا أبو الحجاج المزى: وذلك وهم من ابن ماجه، والصحيح أوس بن أوس وهو الثقفى رضى الله عنه.
قلت: وهو عندي في نسخة جيدة مشهورة على الصواب، كما رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن أوس ابن أوس.
ثم قال ابن ماجه: حدثنا عمرو بن سواد المصرى، حدثنا عبدالله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبى هلال، عن زيد بن أيمن، عن عبادة بن نسى، عن أبى الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أكثروا الصلاة على يوم
الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدا لن يصلى على إلا عرضت على صلاته حتى يفرغ منها ".
قال قلت: وبعد الموت ؟ قال: إن الله حرم على الارض أن تأكل أجساد الانبياء عليهم السلام - نبى الله حى ويرزق (1).
وهذا من أفراد ابن ماجه رحمه الله.
وقد عقد الحافظ ابن عساكر هاهنا بابا في إيراد الاحاديث المروية في زيارة قبره الشريف صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين، وموضع استقصاء ذلك في كتاب الاحكام الكبير إن شاء الله تعالى.
__________
(1) ابن ماجه حديث 1637: فنبي الله حى يرزق.
(*)(4/548)
ذكر ما ورد من التعزية به عليه الصلاة والسلام وقال ابن ماجه: حدثنا الوليد بن عمرو بن السكين، حدثنا أبو همام وهو محمد بن الزبرقان الاهوازي، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثنا مصعب بن محمد، عن أبى سلمة ابن عبدالرحمن، عن عائشة، قالت: فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بابا بينه وبين الناس - أو كشف سترا - فإذا الناس يصلون وراء أبى بكر، فحمد الله على ما رأى من حسن حالهم رجاء أن يخلفه فيهم بالذى رآهم (1).
فقال: " يا أيها الناس أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعز بمصيبته بى عن المصيبة التى تصيبه بغيرى، فإن أحدا من أمتى لن يصاب بمصيبة بعدى أشد عليه من مصيبتي ".
تفرد به ابن ماجه.
وقال الحافظ البيهقى: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفقيه، حدثنا شافع بن محمد حدثنا أبو جعفر بن سلامة الطحاوي، حدثنا المزى، حدثنا الشافعي، عن القاسم بن عبدالله ابن عمر بن حفص، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن رجالا من قريش دخلوا على أبيه على بن الحسين، فقال: ألا أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: بلى.
فحدثنا
عن أبى القاسم قال: لما ان مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فقال: يا محمد إن الله أرسلني إليك تكريما لك وتشريفا لك وخاصة لك، أسألك عما هو أعلم به منك يقول: كيف تجدك ؟ قال: " أجدني يا جبريل مغموما، وأجدني يا جبريل مكروبا ".
ثم جاءه اليوم الثاني فقال له ذلك فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم كما رد أول يوم، ثم جاءه اليوم الثالث فقال له كما قال أول يوم ورد عليه كما رد، وجاء معه ملك يقال له إسماعيل على مائة ألف ملك، كل ملك على مائة ألف ملك، فاستأذن عليه فسأل عنه ثم قال:
__________
(1) ابن ماجه حديث 1259: ورجاء أن يخلفه الله فيهم.
(*)(4/549)
جبريل: هذا ملك الموت يستأذن عليك ما استأذن على آدمى قبلك، ولا يستأذن على آدمى بعدك.
فقال عليه السلام: إيذن له.
فأذن له.
فدخل فسلم عليه ثم قال: يا محمد إن الله أرسلني إليك فإن أمرتنى أن أقبض روحك قبضت، وإن أمرتنى أن أتركه تركته.
فقال رسول الله: " أو تفعل يا ملك الموت ؟ " قال: نعم، وبذلك أمرت، وأمرت أن أطيعك.
قال: فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل فقال له جبريل: يا محمد إن الله قد اشتاق إلى لقائك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لملك الموت: " امض لما أمرت به " فقبض روحه.
فلما توفى النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية سمعوا صوتا من ناحية البيت، السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما المصاب من حرم الثواب.
فقال على رضى الله عنه: أتدرون من هذا ؟ هذا الخضر عليه السلام.
وهذا الحديث مرسل وفى إسناده ضعف بحال القاسم العمرى هذا، فإنه قد ضعفه
غير واحد من الائمة، وتركه بالكلية آخرون.
وقد رواه الربيع عن الشافعي عن القاسم عن جعفر عن أبيه عن جده - فذكر منه قصة التعزية فقط موصولا - وفى الاسناد العمرى المذكور، قد نبهنا على أمره لئلا يغتر به.
على أنه قد رواه الحافظ البيهقى، عن الحاكم، عن أبى جعفر البغدادي، حدثنا عبدالله بن الحارث أو عبدالرحمن بن المرتعد الصغانى، حدثنا أبو الوليد المخزومى، حدثنا أنس بن عياض، عن جعفر بن محمد، عن جابر بن عبدالله، قال: لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ناداهم مناد ] يسمعون الحس ولا يرون الشخص.
فقال: السلام عليكم(4/550)
أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل فائت، ودركا من كل هالك، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما المحروم من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ثم قال البيهقى: هذان الاسنادان وإن كانا ضعيفين فأحدهما يتأكد بالآخر، ويدل على أن له أصلا من حديث جعفر والله أعلم.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر أحمد بن بالويه، حدثنا محمد بن بشر بن مطر، حدثنا كامل بن طلحة، حدثنا عباد بن عبد الصمد، عن أنس بن مالك، قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدق به أصحابه فبكوا حوله واجتمعوا، فدخل رجل أشهب اللحية جسيم صبيح فتخطى رقابهم فبكى، ثم التفت إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وعوضا من كل فائت، وخلفا من كل هالك، فإلى الله فأنيبوا وإليه فارغبوا، ونظره إليكم في البلايا فانظروا، فإن المصاب من لم يجبر، فانصرف.
فقال بعضهم لبعض: تعرفون الرجل ؟ فقال أبو بكر وعلى: نعم هذا أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم الخضر.
ثم قال البيهقى: عباد بن عبد الصمد ضعيف.
وهذا منكر بمرة.
وقد روى الحارث بن أبى أسامة عن محمد بن سعد، أنبأنا هاشم بن القاسم، حدثنا صالح المزى، عن أبى حازم المدنى، أن رسول الله حين قبضه الله عزوجل دخل المهاجرون فوجا فوجا يصلون عليه ويخرجون، ثم دخلت الانصار على مثل ذلك، ثم دخل أهل المدينة حتى إذا فرغت الرجال دخلت النساء، فكان منهن صوت وجزع كبعض ما يكون منهن، فسمعن هدة في البيت فعرفن فسكتن، فإذا قائل يقول: إن في الله عزاء(4/551)
من كل هالك، وعوضا من كل مصيبة، وخلفا من كل فائت، والمجبور من جبره الثواب والمصاب من لم يجبره الثواب.
فصل فيما روى من معرفة أهل الكتاب بيوم وفاته عليه السلام قال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا عبدالله بن إدريس، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس بن أبى حازم، عن جرير بن عبدالله البجلى، قال: كنت باليمن فلقيت رجلين من أهل اليمن ذا كلاع وذا عمرو، فجعلت أحدثهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فقالا لى: إن كان ما تقول حقا فقد مضى صاحبك على أجله منذ ثلاث.
قال: فأقبلت وأقبلا، حتى إذا كنا في بعض الطريق رفع لنا ركب من المدينة، فسألناهم فقالوا: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر والناس صالحون.
قال: فقالا لى: أخبر صاحبك أنا قد جئنا، ولعلنا سنعود إن شاء الله عزوجل.
قال: ورجعا إلى اليمن، فلما أتيت أخبرت أبا بكر بحديثهم قال: أفلا جئت بهم ؟ فلما كان بعد قال لى ذو عمرو: يا جرير إن لك على كرامة وإنى مخبرك خبرا، إنكم معشر العرب لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تأمرتم في آخر، أما إذا كانت بالسيف.
كنتم ملوكا تغضبون غضب الملوك وترضون رضا الملوك.
هكذا رواه الامام أحمد والبخاري عن أبى بكر بن أبى شيبة، وهكذا رواه البيهقى عن الحاكم عن عبدالله بن جعفر، عن يعقوب بن سفيان عنه.
وقال البيهقى: أنبأنا الحاكم، أنبأنا على بن المتوكل، حدثنا محمد بن يونس، حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، حدثنا زائدة، عن زياد بن علاقة، عن جرير، قال: لقيني حبر باليمن وقال لى: إن كان صاحبكم نبيا فقد مات يوم الاثنين.(4/552)
هكذا رواه البيهقى.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا زائدة ; حدثنا زياد بن علاقة، عن جرير، قال: قال لى حبر باليمن: إن كان صاحبكم نبيا فقد مات اليوم.
قال جرير: فمات يوم الاثنين.
وقال البيهقى: أنبأنا أبو الحسين بن بشران المعدل ببغداد، أنبأنا أبو جعفر محمد بن عمرو، حدثنا محمد بن الهيثم، حدثنا سعيد بن كثير بن عفير، حدثنى عبدالحميد بن كعب بن علقمة بن كعب بن عدى التنوخى، عن عمرو بن الحارث، عن ناعم بن أجبل، عن كعب بن عدى، قال: أقبلت في وفد من أهل الحيرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم: فعرض علينا الاسلام، فأسلمنا ثم انصرفنا إلى الحيرة.
فلم نلبث أن جاءتنا وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فارتاب أصحابي وقالوا: لو كان نبيا لم يمت.
فقلت: قد مات الانبياء قبله، وثبت على إسلامى، ثم خرجت أريد المدينة فمررت براهب كنا لا نقطع أمرا دونه، فقلت له: أخبرني عن أمر أردته نفخ في صدري منه شئ، فقال: إئت باسم من الاسماء.
فأتيته بكعب فقال: ألقه في هذا السفر، لسفر أخرجه، فألقيت الكعب فيه فصفح فيه فإذا بصفة النبي صلى الله عليه وسلم كما رأيته، وإذا هو يموت في الحين الذى مات فيه.
قال: فاشتدت بصيرتي في إيمانى، وقدمت على أبى بكر رضى الله عنه فأعلمته وأقمت
عنده، فوجهني إلى المقوقس فرجعت، ووجهني أيضا عمر بن الخطاب فقدمت عليه بكتابه، فأتيته، وكانت وقعة اليرموك ولم أعلم بها فقال لى: أعلمت أن الروم قتلت العرب وهزمتهم ؟ فقلت كلا قال: ولم ؟ قلت إن الله وعد نبيه أن يظهره على الدين كله، وليس بمخلف الميعاد.(4/553)
قال: فإن نبيكم قد صدقكم، قتلت الروم والله قتل عاد.
قال: ثم سألني عن وجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته وأهدى إلى عمر وإليهم.
وكان ممن أهدى إليه على وعبد الرحمن والزبير - وأحسبه ذكر العباس - قال كعب: وكنت شريكا لعمر في البز في الجاهلية، فلما أن فرض الديوان فرض لى في بنى عدى بن كعب.
وهذا أثر غريب وفيه نبأ عجيب وهو صحيح.
فصل قال محمد بن إسحاق: ولما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم، حتى جمعهم الله على أبى بكر رضى الله عنه.
قال ابن هشام: وحدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم أن أكثر أهل مكة لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم هموا بالرجوع عن الاسلام وأرادوا ذلك، حتى خافهم عتاب بن أسيد رضى الله عنه فتوارى، فقام سهيل بن عمرو رضى الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إن ذلك لم يزد الاسلام إلا قوة، فمن رابنا ضربنا عنقه.
فتراجع الناس وكفوا عما هموا به، فظهر عتاب بن أسيد.
فهذا المقام الذى أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لعمر الخطاب - يعنى(4/554)
حين أشار بقلع ثنيته حين وقع في الاسارى يوم بدر -: إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمنه ! قلت: وقد ذكرنا (1) ما وقع بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الردة في أحياء كثيرة من العرب، وما كان من أمر مسيلمة بن حبيب المتنبئ باليمامة، والاسود العنسى باليمن، وما كان من أمر الناس حتى فاءوا ورجعوا إلى الله تائبين نازعين عما كانوا عليه في حال ردتهم من السفاهة والجهل العظيم الذى استفزهم الشيطان به، حتى نصرهم الله وثبتهم وردهم إلى دينه الحق على يدى الخليفة الصديق أبى بكر رضى الله عنه وأرضاه.
__________
(1) وذلك في أخبار سنة إحدى عشرة من البداية والنهاية للمؤلف (*)(4/555)
فصل وقد ذكر ابن إسحاق وغيره قصائد لحسان بن ثابت رضى الله عنه في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أجل ذلك وأفصحه وأعظمه، ما رواه عبدالملك بن هشام رحمه الله عن أبى زيد الانصاري، أن حسان بن ثابت رضى الله عنه قال يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بطيبة رسم للرسول ومعهد * منير وقد تعفو الرسوم وتهمد (1) ولا تمتحى الآيات من دار حرمة * بها منبر الهادى الذى كان يصعد وواضح آيات (2) وباقى معالم * وربع له فيه مصلى ومسجد بها حجرات كان ينزل وسطها * من الله نور يستضاء ويوقد معارف لم تطمس على العهد آيها * أتاها البلى فالآى منها تجدد عرفت بها رسم الرسول وعهده * وقبرا بها واراه في الترب ملحد
ظللت بها أبكى الرسول فأسعدت * عيون ومثلاها من الجن تسعد يذكرن آلاء الرسول ولا أرى * لها محصيا نفسي فنفسي تبلد مفجعة قد شفها فقد أحمد * فظلت لآلاء الرسول تعدد وما بلغت من كل أمر عشيره * ولكن لنفسي بعد ما قد توجد أطالت وقوفا تذرف العين جهدها * على طلل القبر الذى فيه أحمد فبوركت يا قبر الرسول وبوركت * بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد
__________
(1) الاصل: تمهد.
وما أثبته عن ابن هشام 2 / 666 (2) ابن هشام: آثار (*)(4/556)
وبورك لحد منك ضمن طيبا * عليه بناء من صفيح منضد (1) تهيل عليه الترب أيد وأعين * عليه - وقد غارت بذلك أسعد لقد غيبوا حلما وعلما ورحمة * عشية علوه الثرى لا يوسد وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم * وقد وهنت منهم ظهور وأعضد ويبكون من تبكى السموات يومه * ومن قد بكته الارض فالناس أكمد وهل عدلت يوما رزية هالك * رزية يوم مات فيه محمد تقطع فيه منزل الوحى عنهم * وقد كان ذا نور يغور وينجد يدل على الرحمن من يقتدى به * وينقذ من هول الخزايا ويرشد إمام لهم يهديهم الحق جاهدا * معلم صدق إن يطيعوه يسعدوا عفو عن الزلات يقبل عذرهم * وإن يحسنوا فالله بالخير أجود وإن ناب أمر لم يقوموا بحمله * فمن عنده تيسير ما يتشدد فبينا هم في نعمة الله وسطهم * دليل به نهج الطريقة يقصد عزيز عليه أن يجوروا عن الهدى * حريص على أن يستقيموا ويهتدوا
عطوف عليهم لا يثنى جناحه * إلى كنف يحنو عليه ويمهد فبيناهم في ذلك النور إذ غدا * إلى نورهم سهم من الموت مقصد فأصبح محمودا إلى الله راجعا * يبكيه حق المرسلات ويحمد (2) وأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها * لغيبة ما كانت من الوحى تعهد قفارا سوى معمورة اللحد ضافها * فقيد يبكيه بلاط وغرقد (3) ومسجده فالموحشات لفقده * خلاء له فيها (4) مقام ومقعد
__________
(1) من ت وابن هشام (2) المرسلات: الملائكة.
وفى ج: جفن المرسلات.
ويروى جن، أي الملائكة المستورون (3) البلاط: الارض المستوية الملساء.
والغرقد: شجر.
(4) ابن هشام فيه.
(*)(4/557)
وبالجمرة الكبرى له ثم أوحشت * ديار وعرصات وربع ومولد فبكى رسول الله يا عين عبرة * ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمد ومالك لا تبكين ذا النعمة التى * على الناس منها سابغ يتغمد فجودي عليه بالدموع وأعولى * لفقد الذى لا مثله الدهر يوجد وما فقد الماضون مثل محمد * ولا مثله حتى القيامة يفقد أعف وأوفى ذمة بعد ذمة * وأقرب منه نائلا لا ينكد وأبذل منه للطريف وتالد * إذا ضن معطاء بما كان يتلد وأكرم حيا (1) في البيوت إذا انتمى * وأكرم جدا أبطحيا يسود وأمنع ذروات وأثبت في العلا * دعائم عز شاهقات تشيد وأثبت فرعا في الفروع ومنبتا * وعودا غذاه المزن فالعود أغيد رباه وليدا فاستم تمامه * على أكرم الخيرات رب ممجد تناهت وصاة المسلمين بكفه * فلا العلم محبوس ولا الرأى يفند
أقول ولا يلفى لما قلت (2) عائب * من الناس إلا عازب العقل مبعد وليس هوائي نازعا عن ثنائه * لعلى به في جنة الخلد أخلد مع المصطفى أرجو بذاك جواره * وفى نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد وقال الحافظ أبو القاسم السهيلي في آخر كتابه الروض: وقال أبو سفيان بن الحارث ابن عبدالمطلب يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرقت فبات ليلى لا يزول * وليل أخى المصيبة فيه طول وأسعدنى البكاء وذاك فيما * أصيب المسلمون به قليل لقد عظمت مصيبتنا وجلت * عشية قيل قد قبض الرسول
__________
(1) ا: صيتا.
(2) ابن هشام: لقولي.
(*)(4/558)
وأضحت أرضنا مما عراها * تكاد بنا جوانبها تميل فقدنا الوحى والتنزيل فينا * يروح به ويغدو جبرئيل وذاك أحق ما سالت عليه * نفوس الناس أو كادت (1) تسيل نبى كان يجلو الشك عنا * بما يوحى إليه وما يقول ويهدينا فلا نخشى ضلالا * علينا والرسول لنا دليل أفاطم إن جزعت فذاك عذر * وإن لم تجزعي ذاك السبيل فقبر أبيك سيد كل قبر * وفيه سيد الناس الرسول
__________
(1) الروض الانف: كربت.
(*)(4/559)
باب بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شاة ولا بعيرا ولا شيئا يورث عنه
بل أرضا جعلها كلها صدقة لله عزوجل فإن الدنيا بحذافيرها كانت أحقر عنده - كما هي عند الله - من أن يسعى لها أو يتركها بعده ميراثا صلوات الله وسلامه عليه وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين.
قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا أبو الأحوص، عن أبى إسحاق، عن عمرو ابن الحارث، قال: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة، إلا بغلته البيضاء التى كان يركبها، وسلاحه، وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة.
انفرد به البخاري دون مسلم، فرواه في أماكن من صحيحه من طرق متعددة، عن أبى الاحوص وسفيان الثوري وزهير بن معاوية.
ورواه الترمذي من حديث إسرائيل، والنسائي أيضا من حديث يونس بن أبى إسحاق، كلهم عن أبى إسحاق عمرو بن عبدالله السبيعى، عن عمرو بن الحارث بن المصطلق بن أبى ضرار، أخى جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضى الله عنهما به.
وقال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الاعمش وابن نمير، عن الاعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن عائشة، قالت: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشئ.
وهكذا رواه مسلم منفردا به عن البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق(4/560)
متعددة عن سليمان بن مهران الاعمش، عن شقيق بن سلمة أبى وائل، عن مسروق بن الاجدع، عن أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة من فوق سبع سموات رضى الله عنها وأرضاها.
وقال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن عاصم، عن زر بن حبيش، عن عائشة، قالت: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا
أمة ولا عبدا ولا شاة ولا بعيرا.
وحدثنا عبدالرحمن عن سفيان، عن عاصم عن زر عن عائشة: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا.
قال سفيان: وأكثر علمي وأشك في العبد والامة.
وهكذا رواه الترمذي في الشمائل عن بندار، عن عبدالرحمن بن مهدى به.
قال الامام أحمد: وحدثنا وكيع، حدثنا مسعر، عن عاصم بن أبى النجود، عن زر عن عائشة، قالت: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة لا شاة ولا بعيرا.
هكذا رواه الامام أحمد من غير شك.
وقد رواه البيهقى، عن أبى زكريا بن أبى إسحاق المزكى، عن أبى عبدالله محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، أنبأنا جعفر بن عون، أنبأنا مسعر، عن عاصم عن زر، قال: قالت عائشة: تسألونى عن ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة.
قال مسعر: أراه قال: ولا شاة ولا بعيرا.(4/561)
قال: وأنبأنا مسعر، عن عدى بن ثابت، عن على بن الحسين، قال: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث الاعمش، عن إبرهيم، عن الاسود، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى طعاما من يهودى إلى أجل، ورهنه درعا من حديد.
وفى لفظ للبخاري رواه عن قبيصة، عن الثوري، عن الاعمش، عن إبراهيم عن الاسود، عن عائشة رضى الله عنها.
قالت: توفى النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة
عند يهودى بثلاثين (1).
ورواه البيهقى من حديث يزيد بن هارون، عن الثوري، عن الاعمش، عن إبراهيم عن الاسود عنها، قالت: توفى النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة بثلاثين صاعا من شعير.
ثم قال: رواه البخاري، عن محمد بن كثير، عن سفيان.
ثم قال البيهقى: أنبأنا على بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أبو بكر محمد بن حمويه العسكري، حدثنا جعفر بن محمد القلانسى، حدثنا آدم، حدثنا شيبان، عن قتادة عن أنس، قال: لقد دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم على خبز شعير وإهالة سنخة (2).
قال أنس: ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " والذى نفس محمد بيده ما أصبح عند آل محمد صاع بر ولا صاع تمر ".
وإن له يومئذ تسع نسوة، ولقد رهن درعا له عند يهودى بالمدينة وأخذ منه طعاما فما وجد ما يفتكها به حتى مات صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) زاد في البخاري: أي صاعا من شعير.
(2) الاهالة: الزيت.
السنخة: المتغيرة الرائحة.
(*)(4/562)
وقد روى ابن ماجه بعضه من حديث شيبان بن عبدالرحمن النحوي عن قتادة به.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا ثابت، حدثنا هلال، عن عكرمة، عن ابن عباس ; أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أحد فقال: " والذى نفسي بيده ما يسرنى أن أحدا لآل محمد ذهبا أنفقه في سبيل الله، أموت يوم أموت وعندي منه ديناران إلا أن أرصدهما لدين ".
قال: فمات فما ترك دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة، فترك درعه رهنا عند يهودى بثلاثين صاعا من شعير.
وقد روى آخره ابن ماجه، عن عبدالله بن معاوية الجمحى، عن ثابت بن يزيد، عن هلال بن خباب العبدى الكوفى به.
ولاوله شاهد في الصحيح من حديث أبى ذر رضى الله عنه.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد وأبو سعيد وعفان، قالوا: حدثنا ثابت - هو ابن يزيد - حدثنا هلال - هو ابن خباب - عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه.
فقال: يا نبى الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا ؟ فقال: " مالى وللدنيا، ما مثلى ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها ".
تفرد به أحمد وإسناده جيد.
وله شاهد من حديث ابن عباس عن عمر في المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله(4/563)
صلى الله عليه وسلم ; وقصة الايلاء.
وسيأتى الحديث مع غيره (1) مما شاكله في بيان زهده عليه السلام وتركه الدنيا، وإعراضه عنها، واطراحه لها، وهو مما يدل على ما قلناه من أنه عليه السلام لم تكن الدنيا عنده ببال.
وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، حدثنا عبد العزيز بن رفيع، قال: دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس فقال ابن عباس: ما ترك رسول الله صلى الله.
عليه وسلم إلا ما بين هذين اللوحين.
قال: ودخلنا على محمد بن على فقال مثل ذلك.
وهكذا رواه البخاري، عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة به.
وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك بن مغول، عن طلحة، قال سألت عبدالله بن أبى أوفى: أأوصى النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: لا.
فقلت: كيف كتب على الناس الوصية، أو أمروا (2) بها ؟ قال: أوصى بكتاب الله عزوجل.
وقد رواه البخاري أيضا ومسلم وأهل السنن إلا أبا داود من طرق عن مالك ابن مغول به.
وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك ابن مغول.
تنبيه قد ورد أحاديث كثيرة سنوردها قريبا بعد هذا الفصل في ذكر أشياء كان يختص بها صلوات الله وسلامه عليه في حياته من دور ومساكن نسائه وإماء وعبيد
__________
(1) وذلك في قسم الشمائل من متعلقات السيرة النبوية: الذى سننشره مفردا.
(2) البخاري: أو أمروا بالوصية.
(*)(4/564)
وخيول وإبل وغنم وسلاح وبغلة وحمار وثياب وأثاث وخاتم وغير ذلك مما سنوضحه بطرقه ودلائله.
فلعله عليه السلام تصدق بكثير منها في حياته منجزا، وأعتق من أعتق من إمائه وعبيده، وأرصد ما أرصده من أمتعته، مع ما خصه الله به من الارضين من بنى النضير وخيبر وفدك في مصالح المسلمين على ما سنبينه إن شاء الله، إلا أنه لم يخلف من ذلك شيئا يورث عنه قطعا، لما سنذكره قريبا.
وبالله المستعان.(4/565)
باب بيان أنه عليه السلام قال: لا نورث قال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن أبى الزناد، عن الاعرج، عن أبى هريرة يبلغ به.
وقال مرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يقتسم ورثتي دينارا
ولا درهما، ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملي فهو صدقة ".
وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود من طرق، عن مالك بن أنس، عن أبى الزناد عبدالله بن ذكوان، عن عبدالرحمن بن هرمز الاعرج، عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملي فهو صدقة ".
لفظ البخاري.
ثم قال البخاري: حدثنا عبدالله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أردن أن يبعثن عثمان إلى أبى بكر ليسألنه ميراثهن، فقالت عائشة: أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا نورث، ما تركنا صدقة ؟ ".
وهكذا رواه مسلم، عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القعنبى، والنسائي عن قتيبة، كلهم عن مالك به.
فهذه إحدى النساء الوارثات - إن لو قدر ميراث - قد اعترفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ما تركه صدقة لا ميراثا، والظاهر أن بقية أمهات المؤمنين وافقنها على(4/566)
ما روت، وتذكرن ما قالت لهن من ذلك، فإن عبارتها تؤذن بأن هذا أمر مقرر عندهن.
والله أعلم.
وقال البخاري: حدثنا إسماعيل بن أبان، حدثنا عبدالله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا نورث ما تركنا صدقة ".
وقال البخاري: باب قول رسول الله: لا نورث ما تركنا صدقة: حدثنا عبدالله ابن محمد، حدثنا هشام، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن فاطمة
والعباس أتيا أبا بكر رضى الله عنه يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال ".
قال أبو بكر: والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيه إلا صنعته.
قال: فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت.
وهكذا رواه الامام أحمد، عن عبد الرزاق، عن معمر.
ثم رواه أحمد عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن فاطمة سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله ميراثها مما ترك مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا نورث ما تركنا صدقة " فغضبت فاطمة وهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت.
قال: وعاشت فاطمة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر، وذكر تمام الحديث.(4/567)
هكذا قال الامام أحمد.
وقد روى البخاري هذا الحديث في كتاب المغازى من صحيحه عن ابن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة كما تقدم، وزاد: فلما توفيت دفنها على ليلا ولم يؤذن أبا بكر وصلى عليها.
وكان لعلى من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر على وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبى بكر ومبايعته ولم يكن بايع تلك الاشهر، فأرسل إلى أبى بكر: إيتنا ولا يأتنا معك أحد، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر.
فقال عمر: والله لا تدخل عليهم وحدك.
قال أبو بكر: وما عسى أن يصنعوا بى ؟ والله لآتينهم.
فانطلق أبو بكر رضى الله عنه [ فتشهد على ] وقال: إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك، ولكنكم استبددتم بالامر، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لنا في هذا الامر نصيبا، فلم يزل على يذكر حتى بكى أبو بكر رضى الله عنه.
وقال: والذى نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلى أن أصل من قرابتي، وأما الذى شجر بينكم في هذه الاموال فإنى لم آل فيها عن الخير، ولم أترك أمرا صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صنعته.
فلما صلى أبو بكر رضى الله عنه الظهر رقى على المنبر فتشهد وذكر شأن على وتخلفه عن البيعة وعذره بالذى اعتذر به، وتشهد على رضى الله عنه فعظم حق أبى بكر وذكر فضيلته وسابقته، وحدث أنه لم يحمله على الذى صنع نفاسة على أبى بكر.
ثم قام إلى أبى بكر رضى الله عنهما فبايعه.
فأقبل الناس على على فقالوا: أحسنت.
وكان الناس إلى على قريبا حين راجع الامر المعروف.
وقد رواه البخاري أيضا ومسلم وأبو داود والنسائي من طرق متعددة عن الزهري عن عروة عن عائشة بنحوه.
فهذه البيعة التى وقعت من على رضى الله عنه، لابي بكر رضى الله عنه، بعد وفاة(4/568)
فاطمة رضى الله عنها، بيعة مؤكدة للصلح الذى وقع بينهما وهى ثانية للبيعة التى ذكرناها أولا يوم السقيفة، كما رواه ابن خزيمة وصححه مسلم بن الحجاج، ولم يكن على مجانبا لابي بكر هذه الستة الاشهر، بل كان يصلى وراءه ويحضر عنده للمشورة، وركب معه إلى ذى القصة.
وفى صحيح البخاري أن أبا بكر رضى الله عنه صلى العصر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بليال، ثم خرج من المسجد فوجد الحسن بن على يلعب مع الغلمان، فاحتمله على كاهله وجعل يقول: يا بأبى شبه النبي * ليس شبيها بعلى ؟
وعلى يضحك.
ولكن لما وقعت هذه البيعة الثانية اعتقد بعض الرواة أن عليا لم يبايع قبلها فنفى ذلك، والمثبت مقدم على النافي كما تقدم وكما تقرر.
والله أعلم.
* * * وأما تغضب فاطمة رضى الله عنها وأرضاها على أبى بكر رضى الله عنه وأرضاه فما أدرى ما وجهه.
فإن كان لمنعه إياها ما سألته من الميراث فقد اعتذر إليها بعذر يجب قبوله، وهو ما رواه عن أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا نورث ما تركنا صدقة " وهى ممن تنقاد لنص الشارع الذى خفى عليها قبل سؤالها الميراث، كما خفى على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخبرتهن عائشة بذلك، ووافقنها عليه.
وليس يظن بفاطمة رضى الله عنها أنها اتهمت الصديق رضى الله عنه فيما أخبرها به، حاشاها وحاشاه من ذلك، كيف وقد وافقه على رواية هذا الحديث عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب، والعباس بن عبدالمطلب، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبى وقاص، وأبو هريرة، وعائشة رضى الله عنهم أجمعين.
كما سنبينه قريبا.(4/569)
ولو تفرد بروايته الصديق رضى الله عنه لوجب على جميع أهل الارض قبول روايته والانقياد له في ذلك.
وإن كان غضبها لاجل ما سألت الصديق، إذا كانت هذه الاراضي صدقة لا ميراثا أن يكون زوجها ينظر فيها، فقد اعتذر بما حاصله: أنه لما كان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو يرى أن فرضا عليه أن يعمل بما كان يعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويلى ما كان يليه رسول الله، ولهذا قال: وإنى والله لا أدع أمرا كان يصنعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صنعته.
قال: فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت.
وهذا الهجران والحالة هذه فتح على فرقة الرافضة شرا عريضا، وجهلا طويلا، وأدخلوا أنفسهم بسببه فيما لا يعنيهم.
ولو تفهموا الامور على ما هي عليه لعرفوا للصديق فضله، وقبلوا منه عذره الذى يجب على كل أحد قبوله.
ولكنهم طائفة مخذولة، وفرقة مرذولة، يتمسكون بالمتشابه، ويتركون الامور المحكمة المقدرة عند أئمه الاسلام، من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء المعتبرين في سائر الاعصار، والامصار رضى الله عنهم وأرضاهم أجمعين.
بيان رواية الجماعة لما رواه الصديق وموافقتهم على ذلك قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان، وكان محمد بن جبير بن مطعم ذكر لى ذكرا من حديثه ذلك، فانطلقت حتى دخلت عليه فسألته فقال: انطلقت حتى أدخل على عمر فأتاه حاجبه يرفأ فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد ؟ قال: نعم فأذن لهم.
ثم قال: هل لك في على وعباس ؟ قال نعم: قال عباس: يا أمير المؤمنين اقض بينى وبين هذا.(4/570)
قال: أنشدكم بالله الذى بإذنه تقوم السماء والارض: هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا نورث ما تركنا صدقة ؟ " يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه ؟ قال الرهط: قد قال ذلك.
فأقبل على على وعباس فقال: هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك ؟ قالا: قد قال ذلك.
قال عمر بن الخطاب: فإنى أحدثكم عن هذا الامر: إن الله كان قد خص لرسول الله في هذا الفئ بشئ لم يعطه أحدا غيره، قال: " ما أفاء الله على رسوله (1) " إلى قوله " قدير " فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما احتازها دونكم،
ولا استأثر بها عليكم، لقد أعطاكموها وبتها فيكم حتى بقى منها هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته، ثم يأخذ ما بقى فيجعله مجعل مال الله، فعمل بذلك رسول الله حياته، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك ؟ قالوا: نعم.
ثم قال لعلى وعباس: أنشدكما بالله هل تعلمان ذلك ؟ قالا: نعم.
فتوفى الله نبيه، فقال أبو بكر رضى الله عنه: أنا ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقبضها فعمل بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم توفى الله أبا بكر فقلت: أنا ولى ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبضتها سنتين أعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، ثم جئتماني وكلمتكما واحدة وأمركما جميع، حتى جئتني تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا يسألنى نصيب امرأته من أبيها، فقلت: إن شئتما دفعتها إليكما بذلك، فتلتمسان منى قضاء غير ذلك ؟ فوالله الذى بإذنه تقوم السماء والارض لا أقضى فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما فادفعاها إلى فأنا أكفيكماها (2).
__________
(1) سورة الحشر 7.
(2) البخاري كتاب الفرائض 3 / 227.
(*)(4/571)
وقد رواه البخاري في أماكن متفرقة من صحيحه، ومسلم وأهل السنن من طرق، عن الزهري به.
وفى رواية في الصحيحين فقال عمر: فوليها أبو بكر فعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم والله يعلم أنه صادق بار راشد تابع للحق، ثم وليتها فعملت فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، والله يعلم أنى صادق بار راشد تابع للحق.
ثم جئتماني فدفعتها إليكما لتعملا فيها بما عمل رسول الله وأبو بكر وعملت فيها أنا، أنشدكم بالله أدفعتها إليهما بذلك ؟ قالوا: نعم.
ثم قال لهما.
أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك ؟ قالا: نعم، قال: أفتلتمسان منى قضاء غير ذلك ؟ لا والذى بإذنه تقوم
السماء والارض.
وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن الزهري، عن مالك بن أوس، قال سمعت عمر يقول لعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد: نشدتكم بالله الذى تقوم السماء والارض بأمره أعلمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: " لا نورث ما تركنا صدقة ؟ " قالوا: نعم.
على شرط الصحيحين.
* * * قلت: وكان الذى سألاه بعد تفويض النظر إليهما، والله أعلم، هو أن يقسم بينهما النظر، فيجعل لكل واحد منهما نظر ما كان يستحقه بالارض لو قدر أنه كان وارثا.
وكأنهما قدما: بين أيديهما جماعة من الصحابة منهم عثمان وابن عوف وطلحة والزبير وسعد، وكان قد وقع بينهما خصومة شديدة بسبب إشاعة النظر بينهما، فقالت الصحابة الذين قدموهم بين أيديهما: يا أمير المؤمنين اقض بينهما، أو أرح أحدهما من الآخر.(4/572)
فكأن عمر رضى الله عنه تحرج من قسمة النظر بينهما بما يشبه قسمة الميراث ولو في الصورة الظاهرة، محافظة على امتثال قوله صلى الله عليه وسلم: " لا نورث ما تركنا صدقة " فامتنع عليهم كلهم وأبى من ذلك أشد الاباء رضى الله عنه وأرضاه.
ثم إن عليا والعباس استمرا على ما كانا عليه ينظران فيها جميعا إلى زمان عثمان بن عفان، فغلبه عليها على وتركها له العباس بإشارة ابنه عبدالله رضى الله عنهما بين يدى عثمان، كما رواه أحمد في مسنده.
فاستمرت في أيدى العلويين.
وقد تقصيت طرق هذا الحديث وألفاظه في مسندي الشيخين أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، فإنى ولله الحمد جمعت لكل واحد منهما مجلدا ضخما مما رواه عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ورآه من الفقه النافع الصحيح، ورتبته على أبواب الفقه المصطلح عليها اليوم.
وقد روينا أن فاطمة رضى الله عنها احتجت أولا بالقياس وبالعموم في الآية الكريمة، فأجابها الصديق بالنص على الخصوص بالمنع في حق النبي، وأنها سلمت له ما قال.
وهذا هو المظنون بها رضى الله عنها.
فقال الامام أحمد: حدثنا عفان ; حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، أن فاطمة قالت لابي بكر: من يرثك إذا مت ؟ قال: ولدى وأهلي.
قالت: فما لنا لا نرث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن النبي لا يورث " ولكني أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعول وأنفق على من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق.
وقد رواه الترمذي في جامعه عن محمد بن المثنى، عن أبى الوليد الطيالسي، عن محمد ابن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، فذكره فوصل الحديث وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.(4/573)
فأما الحديث الذى قال الامام أحمد: حدثنا عبدالله بن محمد بن أبى شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبى الطفيل، قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت فاطمة إلى أبى بكر: أأنت ورثت رسول الله أم أهله ؟ فقال: لا بل أهله، فقالت: فأين سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال أبو بكر: إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه جعله للذى [ يقوم (1) ] من بعده " فرأيت أن أرده على المسلمين.
قالت: فأنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهكذا رواه أبو داود عن عثمان بن أبى شيبة، عن محمد بن فضيل به.
ففى لفظ هذا الحديث غرابة ونكارة، ولعله روى بمعنى ما فهمه بعض الرواة، وفيهم من فيه تشيع، فليعلم ذلك.
وأحسن ما فيه قولها: أنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا هو الصواب والمظنون بها، واللائق بأمرها وسيادتها وعلمها ودينها، رضى الله عنها.
وكأنها سألته بعد هذا أن يجعل زوجها ناظرا على هذه الصدقة فلم يجبها إلى ذلك لما قدمناه، فتعتبت عليه بسبب ذلك، وهى امرأة من بنات آدم تأسف كما يأسفن، وليست بواجبة العصمة مع وجود نص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومخالفة أبى بكر الصديق رضى الله عنها.
وقد روينا عن أبى بكر رضى الله عنه: أنه ترضى فاطمة وتلاينها قبل موتها فرضيت رضى الله عنها.
قال الحافظ أبو بكر البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا عبدان بن عثمان العتكى بنيسابور، أنبأنا أبو جمرة، عن إسماعيل بن
__________
(1) ليست في ا.
(*)(4/574)
ابن أبى خالد، عن الشعبى، قال: لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها.
فقال على: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك ؟ فقالت أتحب أن آذن له ؟ قال: نعم.
فأذنت له فدخل عليها يترضاها فقال: والله ما تركت الدار والمال والاهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله، ومرضاة رسوله، ومرضاتكم أهل البيت.
ثم ترضاها حتى رضيت.
وهذا إسناد جيد قوى، والظاهر أن عامر الشعبى سمعه من على، أو ممن سمعه من على.
وقد اعترف علماء أهل البيت بصحة ما حكم به أبو بكر في ذلك:
قال الحافظ البيهقى: أنبأنا محمد بن عبدالله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله الصفار، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضى، حدثنا نصر بن على، حدثنا ابن داود، عن فضيل بن مرزوق، قال: قال زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب: أما أنا فلو كنت مكان أبى بكر لحكمت بما حكم به أبو بكر في فدك.
فصل وقد تكلمت الرافضة في هذا المقام بجهل، وتكلفوا ما لا علم لهم به، وكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، ولما يأتهم تأويله، وأدخلوا أنفسهم فيما لا يعنيهم.
وحاول بعضهم أن يرد خبر أبى بكر رضى الله عنه فيما ذكرناه بأنه مخالف للقرآن حيث يقول الله تعالى: " وورث سليمان داود (1) " الآية.
وحيث قال تعالى إخبارا عن زكريا أنه قال: " فهب لى من لدنك وليا، يرثنى ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (2) ".
__________
(1) سورة النمل 16 (2) سورة مريم 5، 6.
(*)(4/575)
واستدلالهم بهذا باطل من وجوه.
أحدها أن قوله: " وورث سليمان داود " إنما يعنى بذلك في الملك والنبوة، أي جعلناه قائما بعده فيما كان يليه من الملك وتدبير الرعايا، والحكم بين بنى إسرائيل، وجعلناه نبيا كريما كأبيه، وكما جمع لابيه الملك والنبوة كذلك جعل ولده بعده.
وليس المراد بهذا وراثة المال، لان داود كما ذكره كثير من المفسرين كان له أولاد كثيرون يقال مائة، فلم اقتصر على ذلك سليمان من بينهم لو كان المراد وراثة المال ؟ إنما المراد وراثة القيام بعده في النبوة والملك، ولهذا قال: " وورث سليمان داود " وقال: " يأيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين " وما بعدها من الآيات.
وقد أشبعنا الكلام على هذا في كتابنا التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة كثيرا.
وأما قصة زكريا فإنه عليه السلام من الانبياء الكرام، والدنيا كانت عنده أحقر من أن يسأل الله ولدا ليرثه في ماله، كيف وإنما كان نجارا يأكل من كسب يده كما رواه البخاري، ولم يكن ليدخر منها فوق قوته حتى يسأل الله ولدا يرث عنه ماله، أن لو كان له مال، وإنما سأل ولدا صالحا يرثه في النبوة والقيام بمصالح بنى إسرائيل، وحملهم على السداد.
ولهذا قال تعالى: " كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا، إذ نادى ربه نداء خفيا، قال رب إنى وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا، وإنى خفت الموالى من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لى من لدنك وليا، يرثنى ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا " القصة بتمامها.
فقال: وليا يرثنى ويرث من آل يعقوب " يعنى النبوة كما قررنا ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة.
وقد تقدم في رواية أبى سلمة عن أبى هريرة عن أبى بكر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم(4/576)
قال: " والنبى لا يورث " وهذا اسم جنس يعم كل الانبياء وقد حسنه الترمذي.
وفى الحديث الآخر: " نحن معشر الانبياء لا نورث ".
والوجه الثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خص من بين الانبياء، بأحكام لا يشاركونه فيها، كما سنعقد له بابا مفردا في آخر السيرة إن شاء الله، فلو قدر أن غيره من الانبياء يورثون - وليس الامر كذلك - لكان ما رواه من ذكرنا من الصحابة الذين منهم الائمة الاربعة ; أبو بكر وعمر وعثمان وعلى مبينا لتخصيصه بهذا الحكم دون ما سواه.
والثالث: أنه يجب العمل بهذا الحديث والحكم بمقتضاه كما حكم به الخلفاء، واعترف بصحته العلماء، سواء كان من خصائصه أم لا.
فإنه قال: " لا نورث
ما تركناه صدقة.
إذ يحتمل من حيث اللفظ أن يكون قوله عليه السلام: " ما تركناه صدقة " أن يكون خبرا عن حكمه أو حكم سائر الانبياء معه على ما تقدم، وهو الظاهر.
ويحتمل أن يكون إنشاء وصية كأنه يقول: لا نورث لان جميع ما تركناه صدقة، ويكون تخصيصه من حيث جواز جعله ماله كله صدقة.
والاحتمال الاول أظهر، وهو الذى سلكه الجمهور، وقد يقوى المعنى الثاني بما تقدم من حديث مالك وغيره، عن أبى الزناد، عن الاعرج، عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملي فهو صدقة ".
وهذا اللفظ مخرج في الصحيحين، وهو يرد تحريف من قال من الجهلة من طائفة الشيعة في رواية هذا الحديث: ما تركنا صدقة بالنصب، جعل ما نافية، فكيف يصنع بأول(4/577)
الحديث وهو قوله: لا نورث ؟ وبهذه الرواية: " ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملي فهو صدقة ".
وما شأن هذا إلا كما حكى عن بعض المعتزلة أنه قرأ على شيخ من أهل السنة: " وكلم الله موسى تكليما " بنصب الجلالة، فقال له الشيخ: ويحك كيف تصنع بقوله تعالى: " فلما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه " ! والمقصود أنه يجب العمل بقوله صلى الله عليه وسلم: " لا نورث ما تركنا صدقة " على كل تقدير احتمله اللفظ والمعنى، فإنه مخصص لعموم آية الميراث، ومخرج له عليه السلام منها، إما وحده أو مع غيره من إخوانه الانبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام.(4/578)
باب
ذكر زوجاته صلوات الله وسلامه عليه ورضى عنهن وأولاده صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: " يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذى في قلبه مرض وقلن قولا معروفا، وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا " (1).
لا خلاف أنه عليه السلام توفى عن تسع وهن: عائشة بنت أبى بكر الصديق التيمية، وحفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية، وأم حبيبة رملة بنت أبى سفيان صخر بن حرب ابن أمية الاموية، وزينب بنت جحش الاسدية، وأم سلمة هند بنت أبى أمية المخزومية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وسودة بنت زمعة العامرية، وجويرية بنت الحارث ابن أبى ضرار المصطلقية، وصفية بنت حيى بن أخطب النضرية الاسرائيلية الهارونية، رضى الله عنهن وأرضاهن.
وكانت له سريتان وهما، مارية بنت شمعون القبطية المصرية من كورة أنصناء وهى أم ولده إبراهيم عليه السلام، وريحانة بنت شمعون القرظية، أسملت ثم أعتقها فلحقت بأهلها، ومن الناس من يزعم أنها احتجبت عندهم والله أعلم.
__________
(1) سورة الاحزاب 32 - 34.
(*)(4/579)
وأما الكلام على ذلك مفصلا ومرتبا من حيث ما وقع أولا فأولا، مجموعا من كلام الائمة رحمهم الله فنقول وبالله المستعان: روى الحافظ الكبير أبو بكر البيهقى، من طريق سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس عشرة امرأة، دخل منهن بثلاث عشرة، واجتمع عنده إحدى عشرة، ومات عن تسع.
ثم ذكر هولاء التسع اللاتى ذكرناهن رضى الله عنهن.
ورواه سيف بن عمر، عن سعيد، عن قتادة عن أنس، والاول أصح (1).
ورواه سيف بن عمر التميمي عن سعيد عن قتادة عن أنس وابن عباس مثله.
وروى سيف عن سعيد بن عبدالله، عن عبدالله بن أبى مليكة، عن عائشة مثله.
قالت فالمرأتان اللتان لم يدخل بهما فهما ; عمرة بنت يزيد الغفارية والشنباء، فأما عمرة فإنه خلا بها وجردها فرأى بها وضحا فردها وأوجب لها الصداق وحرمت على غيره، وأما الشنباء فلما أدخلت عليه لم تكن يسيرة فتركها ينتظر بها اليسر، فلما مات ابنه إبراهيم على بغتة ذلك قالت: لو كان نبيا لم يمت ابنه.
فطلقها وأوجب لها الصداق وحرمت على غيره.
قالت: فاللاتي اجتمعن عنده ; عائشة وسودة وحفصة وأم سلمة وأم حبيبة وزينب بنت جحش وزينب بنت خزيمة وجويرية وصفية وميمونة وأم شريك.
قلت: وفى صحيح البخاري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه وهن إحدى عشرة امرأة.
والمشهور أن أم شريك لم يدخل بها كما سيأتي بيانه، ولكن المراد بالاحدى عشرة اللاتى كان يطوف عليهن التسع المذكورات والجاريتان مارية وريحانة.
__________
(1) هامش الاصل: ورواه بحير بن كثير عن قتادة عن أنس والاول أصح.
(*)(4/580)
ورواه يعقوب بن سفيان الفسوى، عن الحجاج بن أبى منيع، عن جده عبيد الله ابن أبى زياد الرصافي، عن الزهري.
وقد علقه البخاري في صحيحه عن الحجاج هذا.
وأورد له الحافظ ابن عساكر طرفا عنه، أن أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصى، زوجه إياها أبوها
قبل البعثة.
وفى رواية قال الزهري: وكان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تزوج خديجة إحدى وعشرين سنة، وقيل خمسا وعشرين سنة، زمان بنيت الكعبة.
وقال الواقدي وزاد: ولها خمس وأربعون سنة.
وقال آخرون من أهل العلم: كان عمره عليه السلام يومئذ ثلاثين سنة.
وعن حكيم ابن حزام قال: كان عمر رسول الله يوم تزوج خديجة خمسا وعشرين سنة، وعمرها أربعون سنة.
وعن ابن عباس كان عمرها ثمانيا وعشرين سنة.
رواهما ابن عساكر.
* * * وقال ابن جرير: كان عليه السلام ابن سبع وثلاثين سنة، فولدت له القاسم وبه كان يكنى والطيب والطاهر، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة.
قلت: وهى أم أولاده كلهم سوى إبرهيم، فمن مارية كما سيأتي بيانه.
ثم تكلم على كل بنت من بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تزوجها.
وحاصله: أن زينب تزوجها العاص بن الربيع بن عبدالعزى بن عبد شمس بن عبد مناف وهو ابن أخت خديجة، أمه هالة بنت خويلد، فولدت له ابنا اسمه على، وبنتا اسمها أمامة بنت زينب، وقد تزوجها على بن أبى طالب بعد وفاة فاطمة ومات وهى عنده،(4/581)
ثم تزجت بعده بالمغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب.
وأما رقية فتزوجها عثمان بن عفان، فولدت له ابنه عبدالله وبه كان يكنى أولا، ثم اكتنى بابنه عمرو، وماتت رقية ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر.
ولما قدم زيد ابن حارثة بالبشارة وجدهم قد ساووا التراب عليها، وكان عثمان قد أقام عندها يمرضها، فضرب له رسول اله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره، ثم زوجه بأختها أم كلثوم، ولهذا
كان يقال له ذو النورين، فتوفيت عنده أيضا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما فاطمة فتزوجها ابن عمه على بن أبى طالب بن عبدالمطلب، فدخل بها بعد وقعة بدر كما قدمنا، فولدت له حسنا وبه كان يكنى، وحسينا وهو المقتول شهيدا بأرض العراق.
قلت: ويقال ومحسنا.
قال: وزينب وأم كلثوم، وقد تزوج زينب هذه ابن عمها عبدالله بن جعفر فولدت له عليا وعونا وماتت عنده، وأما أم كلثوم فتزوجها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فولدت له زيدا ومات عنها، فتزوجت بعده ببنى عمها جعفر واحدا بعد واحد، تزوجت بعون بن جعفر فمات عنها، فخلف عليها أخوه محمد فمات عنها، فخلف عليها أخوهما عبدالله بن جعفر فماتت عنده.
قال الزهري: وقد كانت خديجة بنت خويلد تزوجت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم برجلين ; الاول منهما عتيق بن عائذ بن مخزوم، فولدت منه جارية (1) وهى أم.
محمد بن صيفي، والثانى أبو هالة التميمي فولدت له هند بن هند (2).
وقد سماه ابن إسحاق فقال: ثم خلف عليها بعد هلاك عائذ أبو هالة النباش بن زرارة
__________
(1) واسمها هند، كما في المواهب 3 / 220.
(2) وهو هند بن أبى هالة الصحابي، راوي حديث صفة النبي صلى الله عليه وسلم.
وله ولد اسمه أيضا هند، شرح المواهب 3 / 220.
(*)(4/582)
أحد بنى عمرو بن تميم حليف بنى عبد الدار، فولدت له رجلا وامرأة ثم هلك عنها، فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فولدت له بناته الاربع ثم بعدهن القاسم والطيب والطاهر، فذهب الغلمة جميعا وهم يرضعون.
قلت: ولم يتزوج عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياتها امرأة.
كذلك رواه عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري عن عروة، عن عائشة، أنها
قالت ذلك.
وقد قدمنا تزويجها في موضعه وذكرنا شيئا من فضائلها بدلائلها (1).
* * * قال الزهري: ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خديجة بعائشة بنت أبى بكر عبدالله بن أبى قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، ولم يتزوج بكرا غيرها.
قلت: ولم يولد له منها ولد، وقيل: بل أسقطت منه ولدا سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله، ولهذا كانت تكنى بأم عبدالله.
وقيل إنما كانت تكنى بعبدالله ابن اختها أسماء من الزبير بن العوام رضى الله عنهم.
قلت: وقد قيل إنه تزوج سودة قبل عائشة، قاله ابن إسحاق وغيره، كما قدمنا ذكر الخلاف في ذلك.
فالله أعلم.
وقد قدمنا صفة تزويجه عليه السلام بهما قبل الهجرة وتأخر دخوله بعائشة إلى ما بعد الهجرة (2).
قال: وتزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب، وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة ابن قيس بن عدى بن حذافة بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى، مات عنها مؤمنا.
__________
(1) تقدم ذكر تزويجها بالرسول في الجزء الاول ص 263 وذكر فضائلها في الجزء الثاني ص 132 (2) سبق ذلك في الجزء الثاني ص 139 (*)(4/583)
قال: وتزوج أم سلمة هند بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم، وكانت قبله تحت ابن عمها أبى سلمة عبدالله بن عبد الاسد بن هلال بن عبدالله بن عمر ابن مخزوم.
قال: وتزوج سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤى، وكانت قبله تحت السكران بن عمرو أخى سهيل بن عمرو ابن عبد شمس، مات عنها مسلما بعد رجوعه وإياها من أرض الحبشة إلى مكة رضى الله عنهما.
قال: وتزوج أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى، وكانت قبله تحت عبيد الله (1) بن جحش بن رئاب من بنى أسد ابن خزيمة، مات بأرض الحبشة نصرانيا، بعث إليها رسول الله يعنى عمرو بن أمية الضمرى إلى أرض الحبشة، فخطبها عليه فزوجها منه عثمان بن عفان.
كذا قال والصواب عثمان بن أبى العاص وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة.
وقد قدمنا ذلك كله مطولا ولله الحمد.
قال: وتزوج [ زينب ] بنت جحش بن رئاب بن أسد بن خزيمة، وأمها أميمة بنت عبدالمطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت قبله تحت زيد بن حارثة مولاه عليه الصلاة والسلام، وهى أول نسائه لحوقا به، وأول من عمل عليها النعش، صنعته أسماء بنت عميس عليها، كما رأت ذلك بأرض الحبشة.
قال: وتزوج زينب بنت خزيمة، وهى من بنى عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، ويقال لها أم المساكين، وكانت قبله تحت عبدالله بن جحش بن رئاب قتل يوم أحد، فلم تلبث عنده عليه السلام إلا يسيرا حتى توفيت رضى الله عنها.
__________
(1) الاصل: عبدالله.
وما أثبته عن ابن هشام والمواهب.
(*)(4/584)
وقال يونس عن محمد بن إسحاق: كانت قبله عند الحصين بن الحارث بن عبدالمطلب ابن عبد مناف، أو عند أخيه الطفيل بن الحارث.
قال الزهري: وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث بن حزن ابن بجير بن الهزم بن رؤبة بن عبدالله بن هلال بن عامر بن صعصعة.
قال: وهى التى
وهبت نفسها.
قلت: الصحيح أنه خطبها، وكان السفير بينهما أبو رافع مولاه كما بسطنا ذلك في عمرة القضاء.
قال الزهري: وقد تزوجت قبله رجلين أولهما ابن عبد ياليل.
وقال سيف بن عمر في روايته: كانت تحت عمير بن عمرو أحد بنى عقدة بن ثقيف ابن عمرو الثقفى مات عنها، ثم خلف عليها أبورهم بن عبدالعزى بن أبى قيس بن عبد ود ابن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى.
قال: وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار بن الحارث بن عامر بن مالك بن المصطلق من خزاعة يوم المريسيع، فأعتقها وتزوجها.
ويقال بل قدم أبوها الحارث، وكان ملك خزاعة، فأسلم ثم تزوجها منه، وكانت قبله عند ابن عمها صفوان بن أبى الشفر.
قال قتادة: عن سعيد بن المسيب والشعبى ومحمد بن إسحاق وغيرهم قالوا: وكان هذا البطن من خزاعة حلفاء لابي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولهذا يقول حسان: وحلف الحارث بن أبى ضرار * وحلف قريظة فيكم سواء وقال سيف بن عمر في روايته عن سعيد بن عبدالله عن ابن أبى مليكة، عن عائشة قالت: وكانت جويرية تحت ابن عمها مالك بن صفوان بن تولب ذى الشفر بن(4/585)
أبى السرح ابن مالك بن المصطلق.
قال: وسبى صفية بنت حيي بن أخطب من بنى النضير يوم خيبر وهى عروس بكنانة بن أبى الحقيق.
وقد زعم سيف بن عمر في روايته أنها كانت قبل كنانة عند سلام بن مشكم
فالله أعلم.
فقال: فهذه إحدى عشرة امرأة دخل بهن.
قال: وقد قسم عمر بن الخطاب في خلافته لكل امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أثنى عشر ألفا، وأعطى جويرية وصفية ستة آلاف ستة آلاف، بسبب أنهما سبيتا.
قال الزهري: وقد حجبهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسم لهما.
قلت: وقد بسطنا الكلام فيما تقدم في تزويجه عليه السلام كل واحدة من هذه النسوة رضى الله عنهن في موضعه.
* * * قال الزهري: وقد تزوج العالية بنت ظبيان بن عمرو، من بنى بكر بن كلاب، ودخل بها وطلقها.
قال البيهقى: كذا في كتابي، وفى رواية غيره: ولم يدخل بها فطلقها.
وقد قال محمد بن سعد عن هشام بن محمد السائب الكلبى: حدثنى رجل من بنى أبى بكر بن كلاب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج العالية بنت ظبيان بن عمرو ابن عوف بن كعب بن عبد بن أبى بكر بن كلاب، فمكثت عنده دهرا ثم طلقها.
وقد روى يعقوب بن سفيان، عن حجاج بن أبى منيع، عن جده، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن الضحاك بن سفيان الكلابي هو الذى دل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها وأنا أسمع من وراء الحجاب، قال يا رسول الله هل لك في أخت أم شبيب ؟(4/586)
وأم شبيب امرأة الضحاك.
وبه قال الزهري: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بنى عمرو بن كلاب فأنبئ أن بها بياضا فطلقها ولم يدخل بها.
قلت: الظاهر أن هذه هي التى قبلها والله أعلم.
قال: وتزوج أخت بنى الجون الكندى وهم حلفاء بنى فزارة فاستعاذت منه فقال: " لقد عذت بعظيم، الحقى بأهلك " فطلقها ولم يدخل بها.
قال: وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سرية يقال لها مارية، فولدت له غلاما اسمه ابراهيم، فتوفى وقد ملاء المهد، وكانت له وليدة يقال لها ريحانة بنت شمعون من أهل الكتاب من خنافة، وهم بطن من بنى قريظة، أعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويزعمون أنها قد احتجبت.
وقد روى الحافظ ابن عساكر بسنده عن على بن مجاهد أن رسول الله تزوج خولة بنت الهذيل بن هبيرة التغلبي، وأمها خرنق بنت خليفة أخت دحية بن خليفة، فحملت إليه من الشام فماتت في الطريق، فتزوج خالتها شراف بنت فضالة بن خليفة فحملت إليه من الشام فماتت في الطريق أيضا.
وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أسماء بنت كعب الجونية فلم يدخل بها حتى طلقها وتزوج عمرة بنت زيد إحدى نساء بنى كلاب ثم من بنى الوحيد، وكانت قبله عند الفضل بن عباس بن عبدالمطلب، فطلقها ولم يدخل بها.
وقال البيهقى: فهاتان هما اللتان ذكرهما الزهري ولم يسمهما، إلا أن ابن إسحاق لم يذكر العالية.
وقال البيهقى: أنبأنا الحاكم، أنبأنا الاصم، أنبأنا أحمد بن عبد الجبار، عن يونس(4/587)
ابن بكير، عن زكريا بن أبى زائدة، عن الشعبى، قال: وهبن لرسول الله صلى الله عليه وسلم نساء أنفسهن فدخل ببعضهن وأرجى بعضهن، فلم يقربهن حتى توفى، ولم ينكحن بعده، منهن أم شريك فذلك قوله تعالى: " ترجى من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء، ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ".
قال البيهقى: وقد روينا عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت خولة - يعنى بنت حكيم - ممن وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال البيهقى: وروينا في حديث أبى رشيد الساعدي في قصة الجونية التى استعاذت فألحقها بأهلها أن اسمها أميمة بنت النعمان بن شراحيل.
كذا قال.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن عبدالله الزبيري ; حدثنا عبدالرحمن بن الغسيل، عن حمزة بن أبى أسيد، عن أبيه وعباس بن سهل عن أبيه، قالا: مر بنا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحاب له فخرجنا معه حتى انطلقنا إلى حائط يقال له الشوط حتى انتهينا إلى حائطين فجلسنا بينهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اجلسوا " ودخل هو وقد أتى بالجونية فعزلت في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل ومعها داية لها، فلما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هبى لى نفسك.
قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة ! وقالت: إنى أعوذ بالله منك.
قال: لقد عذت بمعاذ.
ثم خرج علينا فقال: " يا أبا أسيد اكسها دراعتين وألحقها بأهلها ".
وقال غير أبى أحمد: امرأة من بنى الجون يقال لها أمينة.
وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبدالرحمن بن الغسيل، عن حمزة بن أبى أسيد، عن أبى أسيد، قال: خرجنا مع رسول الله حتى انطلقنا إلى حائط يقال له الشوط، حتى انتهينا إلى حائطين جلسنا بينهما، فقال: " اجلسوا هاهنا " فدخل وقد أتى بالجونية فأنزلت في محل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل ومعها دايتها حاضنة لها، فلما دخل عليها(4/588)
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " هبى لى نفسك ".
قالت: وهل تهب الملكة نفسها لسوقة ؟ ! قال: فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك.
قال: " لقد عذت بمعاذ ".
ثم خرج علينا فقال: " يا أبا أسيد اكسها رازقيين (1) وألحقها بأهلها ".
قال البخاري: وقال الحسين بن الوليد، عن عبدالرحمن بن الغسيل، عن عباس ابن سهل بن سعد، عن أبيه وأبى أسيد، قالا: تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك.
فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين.
ثم قال البخاري: حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا إبراهيم بن الوزير، حدثنا عبد الرحمن بن حمزة، عن أبيه وعن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه بهذا.
انفرد البخاري بهذه الروايات من بين أصحاب الكتب.
وقال البخاري: حدثنا الحميدى، حدثنا الوليد، حدثنا الاوزاعي، سألت الزهري: أي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم استعاذت منه ؟ فقال: أخبرني عروة عن عائشة أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله قالت: أعوذ بالله منك، فقال: " لقد عذت بعظيم، الحقى بأهلك ".
قال: ورواه حجاج بن أبى منيع، عن جده عن الزهري أن عروة أخبره أن عائشة قالت.
الحديث.
انفرد به دون مسلم.
قال البيهقى: ورأيت في كتاب المعرفة لابن منده أن اسم التى استعاذت منه أميمة بنت النعمان بن شراحيل.
ويقال فاطمة بنت الضحاك، والصحيح أنها أميمة والله أعلم.
__________
(1) الرازقية: ثياب كتان بيض.
(*)(4/589)
وزعموا أن الكلابية اسمها عمرة، وهى التى وصفها أبوها بأنها لم تمرض قط، فرغب عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد روى محمد بن سعد عن محمد بن عبدالله عن الزهري، قال: هي فاطمة بنت الضحاك بن سفيان استعاذت منه فطلقها، فكانت تلقط البعر وتقول: أنا الشقية.
قال: وتزوجها في ذى القعدة سنة ثمان، وماتت سنة ستين.
* * * وذكر يونس عن ابن إسحاق فيمن تزوجها عليه السلام ولم يدخل بها أسماء بنت كعب الجونية (1) وعمرة بنت يزيد الكلابية.
وقال ابن عباس وقتادة: أسماء بنت النعمان ابن أبى الجون.
فالله أعلم.
قال ابن عباس: لما استعاذت منه خرج من عندها مغضبا، فقال له الاشعث: لا يسؤك ذلك يا رسول الله فعندي أجمل منها، فزوجه أخته قتيلة.
وقال غيره: كان ذلك في ربيع سنة تسع.
وقال سعيد بن أبى عروبة عن قتادة: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة امرأة، فذكر منهن أم شريك الانصارية النجارية.
قال: وقد قال رسول الله صلى الله وسلم: " إنى لاحب أن أتزوج من الانصار ولكني أكره غيرتهن " ولم يدخل بها.
قال: وتزوج أسماء بنت الصلت من بنى حرام ثم من بنى سليم ولم يدخل بها، وخطب حمزة بنت الحارث المزنية.
وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: تزوج رسول الله ثمانى عشرة امرأة، فذكر منهن قتيلة بنت قيس أخت الاشعث بن قيس،
__________
(1) ابن هشام: أسماء بنت النعمان بن الجون الكندية.
(*)(4/590)
فزعم بعضهم أنه تزوجها قبل وفاته بشهرين، وزعم آخرون أنه تزوجها في مرضه.
قال ولم تكن قدمت عليه ولا رآها ولم يدخل بها.
قال: وزعم آخرون أنه عليه السلام أوصى أن تخير قتيلة فإن شاءت يضرب عليها الحجاب وتحرم على المؤمنين، وإن شاءت فلتنكح من شاءت، فاختارت النكاح
فتزوجها عكرمة بن أبى جهل بحضرموت، فبلغ ذلك أبا بكر.
فقال: لقد هممت أن أحرق عليهما.
فقال عمر بن الخطاب: ماهى من أمهات المؤمنين.
ولا دخل بها ولا ضرب عليها الحجاب.
قال أبو عبيدة: وزعم بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوص فيها بشئ، وأنها ارتدت بعده، فاحتج عمر على أبى بكر بارتدادها أنها ليست من أمهات المؤمنين.
وذكر ابن منده أن التى ارتدت هي البرصاء من بنى عوف بن سعد بن ذبيان.
وقد روى الحافظ ابن عساكر من طرق، عن داود بن أبى هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله تزوج قتيلة أخت الاشعث بن قيس، فمات قبل أن يخيرها فبرأها الله منه.
وروى حماد بن سلمة عن داود بن أبى هند، عن الشعبى، أن عكرمة بن أبى جهل لما تزوج قتيلة أراد أبو بكر أن يضرب عنقه، فراجعه عمر بن الخطاب فقال: إن رسول الله صلى الله عليه لم يدخل بها وأنها ارتدت مع أخيها، فبرئت من الله ورسوله.
فلم يزل به حتى كف عنه.
قال الحاكم: وزاد أبو عبيدة في العدد فاطمة بنت شريح، وسبأ بنت أسماء بن الصلت السلمية.
هكذا روى ذلك ابن عساكر من طريق ابن منده بسنده عن قتادة فذكره.
وقال محمد بن سعد عن ابن الكلبى مثل ذلك.
قال ابن سعد: وهى سبأ.(4/591)
قال ابن عساكر: ويقال: سبأ بنت الصلت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن حرام ابن سماك بن عوف السلمى.
قال ابن سعد: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى حدثنى العرزمى، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان في نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم سبأ بنت سفيان بن
عوف بن كعب بن أبى بكر بن كلاب.
وقال ابن عمر: إن رسول الله بعث أبا أسيد يخطب عليه امرأة من بنى عامر يقال لها عمرة بنت يزيد بن عبيد بن كلاب، فتزوجها فبلغه أن بها بياضا فطلقها.
وقال محمد بن سعد عن الواقدي: حدثنى أبو معشر قال: تزوج رسول الله مليكة بنت كعب، وكانت تذكر بجمال بارع، فدخلت عليها عائشة فقالت: ألا تستحين أن تنكحي قاتل أبيك ؟ فاستعاذت منه فطلقها.
فجاء قومها فقالوا يا رسول الله إنها صغيرة ولا رأى لها، وإنها خدعت فارتجعها، فأبى.
فاستأذنوه أن يزوجوها بقريب لها من بنى عذرة فأذن لهم.
قال: وكان أبوها قد قتله خالد بن الوليد يوم الفتح.
قال الواقدي: وحدثني عبد العزيز الجندعى، عن أبيه، عن عطاء بن يزيد قال: دخل بها رسول الله في رمضان سنة ثمان، وماتت عنده.
قال الواقدي: وأصحابنا ينكرون ذلك.
* * * وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: أنبأنا.
أبو الفتح يوسف بن عبد الواحد الماهانى، أنبأنا شجاع بن على بن شجاع، أنبأنا أبو عبد الله بن منده، أنبأنا الحسن بن محمد بن حكيم المروزى، حدثنا أبو الموجه محمد بن عمرو بن الموجه الفزارى، أنبأنا عبد الله بن عثمان، أنبأنا عبدالله بن المبارك، أنبأنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب الزهري،(4/592)
قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد بن أسد بمكة، وكانت قبله تحت عتيق بن عائذ المخزومى، ثم تزوج بمكة عائشة بنت أبى بكر، ثم تزوج بالمدينة حفصة بنت عمر، وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة السهمى، ثم تزوج سودة بنت زمعة وكانت قبله تحت السكران بن عمرو أخى بنى عامر بن لؤى، ثم تزوج أم حبيبة
بنت أبى سفيان وكانت قبله تحت عبيدالله بن جحش الاسدي أحد بنى خزيمة، ثم تزوج أم سلمة بنت أبى أمية وكان اسمها هند وكانت قبله تحت أبى سلمة عبدالله بن عبد الاسد ابن عبدالعزى، ثم تزوج زينب بنت خزيمة الهلالية، وتزوج العالية بنت ظبيان من بنى بكر بن عمرو بن كلاب، وتزوج امرأة من بنى الجون من كندة، وسبى جويرية - في الغزوة التى هدم فيها مناة غزوة المريسيع - ابنة الحارث بن أبى ضرار من بنى المصطلق من خزاعة، وسبى صفية بنت حيى بن أخطب من بنى النضير، وكانتا مما أفاء الله عليه فقسمهما له، واستسر مارية القبطية فولدت له إبراهيم، واستسر ريحانة من بنى قريظة ثم أعتقها فلحقت بأهلها واحتجبت وهى عند أهلها.
وطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم العالية بنت ظبيان، وفارق أخت بنى عمرو بن كلاب وفارق أخت بنى الجون الكندية من أجل بياض كان بها، وتوفيت زينب بنت خزيمة الهلالية ورسول الله صلى الله عليه وسلم حى، وبلغنا أن العالية بنت ظبيان التى طلقت تزوجت قبل أن يحرم الله النساء، فنكحت ابن عم لها من قومها وولدت فيهم.
سقناه بالسند لغرابة ما فيه من ذكره تزويج سودة بالمدينة، والصحيح أنه كان بمكة قبل الهجرة، كما قدمناه والله أعلم.
قال يونس بن بكير: عن محمد بن إسحاق قال: فماتت خديجة بنت خويلد قبل أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين لم يتزوج عليها امرأة حتى ماتت هي وأبو طالب في سنة، فتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خديجة سودة بنت(4/593)
زمعة، ثم تزوج بعد سودة عائشة بنت أبى بكر لم يتزوج بكرا غيرها ولم يصب منها ولدا حتى مات، ثم تزوج بعد عائشة حفصة بنت عمر، ثم تزوج بعد حفصة زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين، ثم تزوج بعدها أم حبيبة بنت أبى سفيان، ثم تزوج بعدها أم سلمة هند بنت أبى أمية، ثم تزوج بعدها زينب بنت جحش، ثم تزوج بعدها جويرية
بنت الحارث بن أبى ضرار.
قال: ثم تزوج بعد جويرية صفية بنت حيى بن أخطب، ثم تزوج بعدها ميمونة بنت الحارث الهلالية.
فهذا الترتيب أحسن وأقرب مما رتبه الزهري.
والله أعلم.
وقال يونس بن بكير عن أبى يحيى، عن حميل بن زيد الطائى، عن سهل بن زيد الانصاري، قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بنى غفار، فدخل بها فأمرها فنزعت ثوبها، فرأى بها بياضا من برص عند ثدييها، فانماز رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " خذى ثوبك " وأصبح فقال لها: " الحقى بأهلك " فأكمل لها صداقها.
[ (1) وقد رواه أبو نعيم من حديث حميل بن زيد، عن سهل بن زيد الانصاري، وكان ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من غفار فذكر مثله.
قلت: وممن تزوجها صلى الله عليه وسلم ولم يدخل بها أم شريك الازدية.
قال الواقدي: والمثبت أنها دوسية وقيل الانصارية، ويقال عامرية وأنها خولة بنت حكيم السلمى.
وقال الواقدي: اسمها غزية بنت جابر بن حكيم.
قال محمد بن إسحاق: عن حكيم بن حكيم، عن محمد بن على بن الحسين، عن
__________
(1) من هنا إلى نهاية الفصل من ت.
(*)(4/594)
أبيه، قال: كان جميع ما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشر امرأة، منهن أم شريك الانصارية، وهبت نفسها للنبى صلى الله عليه وسلم.
وقال سعيد بن أبى عروبة عن قتادة، وتزوج أم شريك الانصارية من بنى النجار.
وقال: " إنى أحب أن أتزوج من الانصار لكنى أكره غيرتهن "
ولم يدخل بها.
وقال ابن إسحاق عن حكيم، عن محمد بن على، عن أبيه، قال: تزوج صلى الله عليه وسلم ليلى بنت الخطيم الانصارية وكانت غيورا فخافت نفسها عليه فاستقالته فأقالها.(4/595)
فصل فيمن خطبها عليه السلام ولم يعقد عليها قال إسماعيل بن أبى خالد، عن الشعبى، عن أم هائئ فاختة بنت أبى طالب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبها فذكرت أن لها صبية صغارا، فتركها وقال: " خير نساء ركبن الابل صالح نساء قريش، أحناه على ولد طفل في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده ".
[ وقال عبد الرزاق: عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب أم هانئ بنت أبى طالب فقالت: يا رسول الله إنى قد كبرت ولى عيال.
وقال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبدالله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن السدى، عن أبى صالح، عن أم هانئ بنت أبى طالب، قالت: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني، ثم أنزل الله " إنا أحللنا لك أزواجك اللاتى آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتى هاجرن معك " الآية.
قالت: فلم أكن أحل له لانى لم أهاجر، كنت من الطلقاء.
ثم قال: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث السدى.
فهذا يقتضى أن من لم تكن من المهاجرات لا تحل له صلى الله عليه وسلم.
وقد نقل هذا المذهب مطلقا القاضى الماوردى في تفسيره عن بعض العلماء.
وقيل: المراد بقوله " اللاتى
هاجرن معك " أي من القرابات المذكورات.
وقال قتادة: " اللاتى هاجرن معك " أي أسلمن معك، فعلى هذا لا يحرم عليه(4/596)
إلا الكفار، وحل له جميع المسلمات، فلا ينافى تزويجه من نساء الانصار إن ثبت ذلك ولكن لم يدخل بواحدة منهن أصلا.
وأما حكاية الماوردى عن الشعبى، أن زينب بنت خزيمة أم المساكين أنصارية، فليس بجيد.
فإنها هلالية بلا خلاف كما تقدم بيانه والله أعلم ] (1).
وروى محمد بن سعد، عن هشام بن الكلبى، عن أبيه، عن أبى صالح، عن ابن عباس، قال: أقبلت ليلى بنت الخطيم إلى رسول الله وهو مول ظهره إلى الشمس، فضربت منكبه فقال: " من هذا ؟ أكله الاسود ! " فقالت: أنا بنت مطعم الطير، ومبارى الريح، أنا ليلى بنت الخطيم، جئتك لاعرض عليك نفسي تزوجني ؟ قال: " قد فعلت " فرجعت إلى قومها فقالت: قد تزوجت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: بئس ما صنعت، أنت امرأة غيرى ورسول الله صاحب نساء تغارين عليه، فيدعو الله عليك، فاستقيليه.
فرجعت فقالت: أقلنى يا رسول الله.
فأقالها، فتزوجها مسعود بن أوس بن سواد بن ظفر فولدت له، فبينما هي يوما تغتسل في بعض حيطان المدينة إذ وثب عليها ذئب أسود فأكل بعضها، فماتت.
وبه عن ابن عباس أن ضباعة بنت عامر بن قرط كانت تحت عبدالله بن جدعان فطلقها، فتزوجها بعده هشام بن المغيرة فولدت له سلمة، وكانت امرأة ضخمة جميلة لها شعر غزير يجلل جسهما، فخطبها رسول الله من ابنها سلمة، فقال: حتى أستأمرها ؟ فاستأذنها فقالت: يا بنى أفى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستأذن ؟ فرجع ابنها فسكت ولم يرد جوابا، وكأنه رأى أنها قد طعنت في السن، وسكت النبي صلى الله عليه
وسلم عنها.
وبه عن ابن عباس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت بشامة بن
__________
(1) سقط من ا.
(*)(4/597)
نضلة العنبري: وكان أصابها سبى، فخيرها رسول الله فقال: " إن شئت أنا وإن شئت زوجك " فقالت: بل زوجي.
فأرسلها، فلعنتها بنو تميم.
وقال محمد بن سعد: أنبأنا الواقدي، حدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم التيمى، عن أبيه، قال: كانت أم شريك امرأة من بنى عامر بن لؤى قد وهبت نفسها من رسول الله، فلم يقبلها فلم تتزوج حتى ماتت.
قال محمد بن سعد: وأنبأنا وكيع، عن شريك، عن جابر، عن الحكم، عن على ابن الحسين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أم شريك الدوسية.
قال الواقدي: الثبت عندنا أنها من دوس من الازد.
قال محمد بن سعد: واسمها غزية بنت جابر بن حكيم.
وقال الليث بن سعد: عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال متحدث أن أم شريك كانت وهبت نفسها للنبى صلى الله عليه وسلم، وكانت امرأة صالحة.
وممن خطبها ولم يعقد عليها حمرة (1) بنت الحارث بن عون بن أبى حارثة المرى فقال أبوها: إن بها - سوءا ولم يكن بها - فرجع إليها وقد تبرصت، وهى أم شبيب بن البرصاء الشاعر.
هكذا ذكره سعيد بن أبى عروبة عن قتادة.
قال: وخطب حبيبة بنت العباس بن عبدالمطلب فوجد أباها أخاه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة مولاة أبى لهب.
فهؤلاء نساؤه وهن ثلاثة أصناف ; صنف دخل بهن ومات عنهن، وهن التسع
المبتدأ بذكرهن.
وهن حرام على الناس بعد موته عليه السلام بالاجماع المحقق المعلوم من الدين
__________
(1) كذا، وفى القاموس: والبرصاء لقب أم شبيب الشاعر، واسمها أمامة أو قرصافة.
(*)(4/598)
ضرورة، وعدتهن بانقضاء أعمارهن.
قال الله تعالى: " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما (1) ".
وصنف دخل بهن وطلقهن في حياته، فهل يحل لاحد أن يتزوجهن بعد انقضاء عدتهن منه عليه السلام ؟ فيه قولان للعلماء، أحدهما: لا لعموم الآية التى ذكرناها.
والثانى: نعم بدليل آية التخيير وهى قوله: " يا أيها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا، وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما ".
قالوا: فلولا أنها تحل لغيره أن يتزوجها بعد فراقه إياها لم يكن في تخييرها بين الدنيا والآخرة فائدة، إذ لو كان فراقه لها لا يبيحها لغيره لم يكن فيه فائدة لها.
وهذا قوى والله تعالى أعلم.
وأما الصنف الثالث وهى من تزوجها وطلقها قبل أن يدخل بها، فهذه يحل لغيره أن يتزوجها، ولا أعلم في هذا القسم نزاعا.
وأما من خطبها ولم يعقد عقده عليها فأولى لها أن تتزوج وأولى.
وسيجئ فصل في كتاب الخصائص يتعلق بهذا المقام والله أعلم.
__________
(1) سورة الاحزاب 53.
(*)(4/599)
فصل في ذكر سراريه عليه السلام
كانت له عليه السلام سريتان ; إحداهما مارية بنت شمعون القبطية، أهداها له صاحب إسكندرية واسمه جريج بن مينا، وأهدى معها أختها شيرين.
وذكر أبو نعيم أنه أهداها في أربع جوار والله أعلم.
وغلاما خصيا اسمه مابور، وبغلة يقال لها الدلدل، فقبل هديته واختار لنفسه مارية، وكانت من قرية ببلاد مصر يقال لها حفن من كورة أنصنا، وقد وضع عن أهل هذه البلدة معاوية بن أبى سفيان في أيام إمارته الخراج إكراما لها من أجل أنها حملت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بولد ذكر وهو إبراهيم عليه السلام.
قالوا: وكانت مارية جميلة بيضاء، أعجب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحبها وحظيت عنده، ولا سيما بعد ما وضعت إبراهيم ولده.
وأما أختها شيرين فوهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت، فولدت له ابنه عبدالرحمن بن حسان.
وأما الغلام الخصى وهو مابور، فقد كان يدخل على مارية وشيرين بلا إذن، كما جرت به عادته بمصر، فتكلم بعض الناس فيها بسبب ذلك ولم يشعروا أنه خصى حتى انكشف الحال، على ما سنبينه قريبا إن شاء الله.
وأما البغلة فكان عليه السلام يركبها، والظاهر والله أعلم أنها التى كان راكبها يوم حنين.
وقد تأخرت هذه البغلة وطالت مدتها حتى كانت عند على بن أبى طالب في أيام إمارته، ومات فصارت إلى عبدالله بن جعفر بن أبى طالب، وكبرت حتى كان يجش (1) لها الشعير لتأكله.
__________
(1) يجش: يطحن.
(*)(4/600)
قال أبو بكر بن خزيمة: حدثنا محمد بن زياد بن عبيد الله، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن بشير بن المهاجر عن عبدالله بن بريدة بن الحصيب، عن أبيه، قال: أهدى
أمير القبط إلى رسول الله جاريتين أختين وبغلة فكان يركب البغلة بالمدينة، واتخذ إحدى الجاريتين فولدت له إبراهيم ابنه، ووهب الاخرى.
وقال الواقدي: حدثنا يعقوب بن محمد بن أبى صعصعة، عن عبدالله بن عبدالرحمن ابن أبى صعصعة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجب بمارية القبطية وكانت بيضاء جعدة (1) جميلة، فأنزلها وأختها على أم سليم بنت ملحان، فدخل عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمتا هناك، فوطئ مارية بالملك، وحولها إلى مال له بالعالية كان من أموال بنى النضير، فكانت فيه في الصيف، وفى خرافة النخل (2).
فكان يأتيها هناك، وكانت حسنة الدين، ووهب أختها شيرين لحسان بن ثابت فولدت له عبدالرحمن.
وولدت مارية لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما سماه إبراهيم، وعق عنه بشاة يوم سابعه، وحلق رأسه وتصدق بزنة شعره فضة على المساكين، وأمر بشعره فدفن في الارض، وسماه إبراهيم، وكانت قابلتها سلمى (3) مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت إلى زوجها أبى رافع فأخبرته بأنها قد ولدت غلاما، فجاء أبو رافع إلى رسول الله فبشره فوهب له عقدا، وغار نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد عليهن حين رزق منها الولد.
وروى الحافظ أبو الحسن الدارقطني، عن أبى عبيد القاسم بن إسماعيل، عن زياد ابن أيوب، عن سعيد بن زكريا المدائني، عن ابن أبى سارة، عن عكرمة، عن
__________
(1) الجعدة: ذات الشعر غير السبط.
(2) الخرافة، النخل المجتنى.
(3) في القاموس: وأم سلمى امرأة أبى رافع.
(*)(4/601)
ابن عباس، قال: لما ولدت مارية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعتقها ولدها ".
ثم قال الدارقطني: تفرد به زياد بن أيوب وهو ثقة.
وقد رواه ابن ماجه من حديث حسين بن عبدالله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس بمثله ورويناه من وجه آخر.
وقد أفردنا لهذه المسألة وهى بيع أمهات الاولاد مصنفا مفردا على حدته، وحكينا فيه أقوال العلماء بما حاصله يرجع إلى ثمانية أقوال، وذكرنا مستند كل قول ولله الحمد والمنة.
* * * وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، عن إبراهيم بن محمد بن على بن أبى طالب، عن أبيه، عن جده على بن أبى طالب، قال: أكثروا على مارية أم إبراهيم في قبطى ابن عم لها يزورها ويختلف إليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خذ هذا السيف فانطلق فإن وجدته عندها فاقتله " قال: قلت يارسول الله، أكون في أمرك إذا أرسلتني كالسكة المحماة لا يثنينى شئ حتى أمضى لما أمرتنى به، أم الشاهد يرى مالا يرى الغائب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل الشاهد يرى مالا يرى الغائب ".
فأقبلت متوشحا السيف فوجدته عندها، فاخترطت السيف، فلما رأني عرف أنى أريده، فأتى نخلة فرقى فيها ثم رمى بنفسه على قفاه، ثم شال رجليه، فإذا به أجب أمسح ماله مما للرجال لا قليل ولا كثير، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: " الحمد لله الذى صرف عنا أهل البيت ".
وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا سفيان، حدثنى محمد بن عمر بن على بن أبى طالب، عن على قال: قلت يا رسول الله إذا بعثتني أكون كالسكة المحماة ؟(4/602)
أم الشاهد يرى مالا يرى الغائب ؟ قال: " الشاهد يرى مالا يرى الغائب ".
هكذا رواه مختصرا.
وهو أصل الحديث الذى أوردناه وإسناده رجال ثقات
.
[ وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عمرو بن خالد الحرانى، حدثنا أبى، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب وعقيل، عن الزهري، عن أنس، قال: لما ولدت مارية إبراهيم كاد أن يقع في النبي صلى الله عليه وسلم منه شئ حتى نزل جبريل عليه السلام فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم.
وقال أبو نعيم: حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا أبو بكر بن أبى عاصم، حدثنا محمد ابن يحيى الباهلى، حدثنا يعقوب بن محمد، عن رجل سماه عن الليث بن سعد، عن الزهري، عن عروة عن عائشة، قالت: أهدى ملك من بطارقة الروم يقال له المقوقس جارية قبطية من بنات الملوك يقال لها مارية وأهدى معها ابن عم لها شابا، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ذات يوم يدخل خلوته فأصابها حملت بإبراهيم.
قالت عائشة: فلما استبان حملها جزعت من ذلك، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لها لبن فاشترى لها ضأنة لبونا تغذى منها الصبى، فصلح إليه جسمه وحسن لونه، وصفا لونه، فجاءته ذات يوم تحمله على عاتقها فقال: " يا عائشة كيف ترين الشبه ؟ فقلت: أنا وغيري ما أرى شبها، فقال: " ولا اللحم ؟ " فقلت: لعمري من تغدى بألبان الضأن ليحسنن لحمه (1) ].
قال الواقدي: ماتت مارية في المحرم سنة خمس عشرة فصلى عليها عمر ودفنها في البقيع، وكذا قال المفضل بن غسان الغلابى (2).
وقال خليفة وأبو عبيدة ويعقوب بن سفيان: ماتت سنة ست عشرة رحمها الله.
* * *
__________
(1) سقط من ا.
(2) نسب إلى امرأة وهى أم خالد بن الحارث بن أوس بن النابغة.
اللباب 2 / 184 (*)(4/603)
ومنهن ريحانة بنت زيد من بنى النضير ويقال من بنى قريظة.
قال الواقدي: كانت ريحانة بنت زيد من بنى النضير ويقال من بنى قريظة.
قال الواقدي: كانت ريحانة بنت زيد من بنى النضير وكانت مزوجة فيهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذها لنفسه صفيا، وكانت جميلة فعرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسلم فأبت إلا اليهودية.
فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد في نفسه، فأرسل إلى ابن سعية فذكر له ذلك فقال ابن سعية: فداك أبى وأمى هي تسلم، فخرج حتى جاءها فجعل يقول لها: لا تتبعي قومك فقد رأيت ما أدخل عليهم حيى بن أخطب، فأسلمي يصطفيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه.
فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه إذ سمع وقع نعلين فقال: " إن هاتين لنعلا ابن سعية يبشرني بإسلام ريحانة " فجاء يقول: يا رسول الله قد أسلمت ريحانة.
فسر بذلك.
[ وقال محمد بن إسحاق (1): لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم قريظة اصطفى لنفسه ريحانة بنت عمرو بن خنافة، فكانت عنده حتى توفى عنها وهى في ملكه، وكان عرض عليها الاسلام ويتزوجها فأبت إلا اليهودية.
ثم ذكر من إسلامها ما تقدم ].
قال الواقدي: فحدثني عبدالملك بن سليمان، عن أيوب بن عبدالرحمن بن أبى صعصعة، عن أيوب بن بشير المعاوى، قال: فأرسل بها رسول الله إلى بيت سلمى بنت قيس أم المنذر، فكانت عندها حتى حاضت حيضة ثم طهرت من حيضها، فجاءت أم المنذر فأخبرت رسول الله، فجاءها في منزل أم المنذر فقال لها: " إن أحببت أن أعتقك وأتزوجك فعلت، وأن أحببت أن تكوني في ملكى أطأك بالملك فعلت " فقالت: يا رسول الله إن أخف عليك وعلى أن أكون في ملكك، فكانت في ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطأها حتى ماتت.
__________
(1) سقط من ا ولم يرد في ابن هشام، إذ أن هذه الرواية من طريق يونس بن بكير.
(*)(4/604)
قال الواقدي: وحدثني ابن أبى ذئب قال: سألت الزهري عن ريحانة فقال: كانت
أمة رسول الله فأعتقها وتزوجها، فكانت تحتجب في أهلها وتقول: لا يرانى أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الواقدي: وهذا أثبت الحديثين عندنا، وكان زوجها قبله عليه السلام الحكم.
وقال الواقدي: حدثنا عاصم بن عبدالله بن الحكم، عن عمر بن الحكم، قال: أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة، وكانت عند زوج لها، وكان محبا لها مكرما، فقالت: لا أستخلف بعده أحدا أبدا، وكانت ذات جمال.
فلما سبيت بنو قريظة عرض السبى على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قالت: فكنت فيمن عرض عليه فأمر بى فعزلت، وكان يكون له صفى في كل غنيمة، فلما عزلت خار الله لى، فأرسل بى إلى منزل أم المنذر بنت قيس أياما حتى قتل الاسرى وفرق السبى، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتجنبت منه حياء، فدعاني فأجلسني بين يديه فقال: إن اخترت الله ورسوله اختارك رسول الله لنفسه.
فقلت: إنى أختار الله ورسوله.
فلما أسلمت أعتقني رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجني، وأصدقني اثنتى عشرة أوقية ونشا كما كان يصدق نساءه، وأعرس بى في بيت أم المنذر، وكان يقسم لى كما يقسم لنسائه، وضرب على الحجاب.
قال، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم معجبا بها، وكانت لا تسأله شيئا إلا أعطاها، فقيل لها: لو كنت سألت رسول الله صل الله عليه وسلم بنى قريظة لاعتقهم، فكانت تقول: لم يخل بى حتى فرق السبى، ولقد كان يخلو بها ويستكثر منها، فلم تزل عنده حتى ماتت مرجعه من حجة الوداع.
فدفنها بالبقيع.
وكان تزويجه إياها في المحرم سنه ست من الهجرة.
وقال ابن وهب عن يونس بن يزيد، عن الزهري قال: واستسر رسول الله ريحانة(4/605)
من بنى قريظة ثم أعتقها فلحقت بأهلها.
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كانت ريحانة بنت زيد بن شمعون من بنى النضير.
وقال بعضهم: من بنى قريظة وكانت تكون في نخل من نخل الصدقة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيل عندها أحيانا.
وكان سباها في شوال سنة أربع.
وقال أبو بكر بن أبى خيثمة: حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا زهير، عن سعيد، عن قتادة، قال: كانت لرسول الله وليدتان، مارية القبطية وريحة أو ريحانة بنت شمعون بن زيد بن خنافة، من بنى عمرو بن قريظة، كانت عند ابن عم لها يقال له عبد الحكم فيما بلغني، وماتت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ولائد ; مارية القبطية، وريحانة القرظية، وكانت له جارية أخرى جميلة فكادها نساؤه وخفن أن تغلبهن عليه، وكانت له جارية نفيسة وهبتها له زينب، وكان هجرها في شأن صفية بنت حيى ذا الحجة والمحرم وصفر، فلما كان شهر ربيع الاول الذى قبض فيه رضى عن زينب ودخل عليها، فقالت: ما أدرى ما أجزيك ؟ فوهبتها له صلى الله عليه وسلم.
وقد روى سيف بن عمر، عن سعيد بن عبدالله، عن ابن أبى مليكة، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقسم لمارية وريحانة مرة، ويتركهما مرة.
وقال أبو نعيم: قال أبو محمد بن عمر الواقدي: توفيت ريحانة سنة عشرة وصلى عليها عمر بن الخطاب ودفنها بالبقيع ولله الحمد.(4/606)
فصل في ذكر أولاده عليه وعليهم الصلاة والسلام لا خلاف أن جميع أولاده من خديجة بنت خويلد، سوى إبراهيم فمن مارية بنت شمعون القبطية.
قال محمد بن سعد: أنبأنا هشام بن الكلبى، أخبرني أبى، عن أبى صالح، عن ابن
عباس، قال: كان أكبر ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم، ثم زينب، ثم عبدالله، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية، فمات القاسم، وهو أول ميت من ولده بمكة، ثم مات عبدالله فقال العاص بن وائل السهمى: قد انقطع نسله فهو أبتر، فأنزل الله عزوجل: " إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الابتر ".
قال: ثم ولدت له مارية بالمدينة إبراهيم في ذى الحجة سنة ثمان من الهجرة، فمات ابن ثمانية عشر شهرا وقال أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريرى: حدثنا عبد الباقي بن نافع، حدثنا محمد ابن زكريا، حدثنا العباس بن بكار، حدثنى محمد بن زياد والفرات بن السائب، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، قال: ولدت خديجة من النبي صلى الله عليه وسلم عبدالله ابن محمد، ثم أبطأ عليه الولد من بعده، فبينا رسول الله يكلم رجلا والعاص بن وائل ينظر إذ قال له رجل: من هذا ؟ قال له هذا الابتر.
وكانت قريش إذا ولد للرجل ثم أبطأ عليه الولد من بعده قالوا هذا إليه الابتر، فأنزل الله: " إن شانئك هو الابتر " أي مبغضك هو الابتر من كل خير.
قال: ثم ولدت له زينب، ثم ولدت له رقية، ثم ولدت له القاسم، ثم ولدت الطاهر، ثم ولدت المطهر، ثم ولدت الطيب، ثم ولدت المطيب، ثم ولدت أم كلثوم، ثم ولدت فاطمة.
وكانت أصغرهم.(4/607)
وكانت خديجة إذ ولدت ولدا دفعته إلى من يرضعه، فلما ولدت فاطمة لم يرضعها غيرها.
* * * وقال الهيثم بن عدى: حدثنا هشام بن عروة، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: كان للنبى صلى الله عليه وسلم ابنان ; طاهر والطيب، وكان يسمى أحدهما عبد شمس،
والآخر عبدالعزى.
وهذا فيه نكارة.
والله أعلم.
وقال محمد بن عائذ: أخبرني الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، أن خديجة ولدت القاسم والطيب والطاهر ومطهرا وزينب ورقية وفاطمة وأم كلثوم.
وقال الزبير بن بكار: أخبرني عمى مصعب بن عبدالله قال: ولدت خديجة القاسم والطاهر وكان يقال له الطيب، وولد الطاهر بعد النبوة، ومات صغيرا واسمه عبدالله، وفاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم.
قال الزبير: وحدثني إبراهيم بن المنذر، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبى الاسود، أن خديجة ولدت القاسم والطاهر والطيب وعبد الله وزينب ورقية وفاطمة وأم كلثوم.
وحدثني محمد بن فضالة عن بعض من أدرك من المشيخة قال: ولدت خديجة القاسم وعبد الله، فأما القاسم فعاش حتى مشى، وأما عبدالله فمات وهو صغير.
وقال الزبير بن بكار: كانت خديجة تدعى في الجاهلية الطاهرة بنت خويلد، وقد ولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم وهو أكبر ولده وبه كان يكنى، ثم زينب، ثم عبدالله وكان يقال له الطيب، ويقال له الطاهر، ولد بعد النبوة ومات صغيرا.
ثم ابنته أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية.
هكذا الاول فالاول.(4/608)
ثم مات القاسم بمكة، وهو أول ميت من ولده، ثم مات عبدالله.
ثم ولدت له مارية بنت شمعون إبراهيم، وهى القبطية التى أهداها المقوقس صاحب إسكندرية، وأهدى معها أختها شيرين وخصيا يقال له مابور، فوهب شيرين لحسان بن ثابت، فولدت له ابنه عبدالرحمن.
وقد انقرض نسل حسان بن ثابت.
وقال أبو بكر بن البرقى (1): يقال إن الطاهر هو الطيب وهو عبدالله، ويقال إن
الطيب والمطيب ولدا في بطن، والطاهر والمطهر ولدا في بطن.
وقال المفضل بن غسان عن أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا ابن جريج، عن مجاهد، قال: مكث القاسم ابن النبي صلى الله عليه وسلم سبع ليال ثم مات.
قال المفضل: وهذا خطأ، والصواب أنه عاش سبعة عشر شهرا.
وقال الحافظ أبو نعيم: قال مجاهد: مات القاسم وله سبعة أيام.
وقال الزهري: وهو ابن سنتين.
وقال قتادة: عاش حتى مشى.
وقال هشام بن عروة: وضع أهل العراق ذكر الطيب والطاهر، فأما مشايخنا فقالوا: عبدالعزى وعبد مناف والقاسم، ومن النساء رقية وأم كلثوم وفاطمة.
هكذا رواه ابن عساكر وهو منكر، والذى أنكره هو المعروف.
وسقط ذكر زينب ولا بد منها.
والله أعلم.
فأما زينب فقال عبد الرزاق عن ابن جريج: قال لى غير واحد: كانت زينب أكبر بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت فاطمة أصغرهن وأحبهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتزوج زينب أبو العاص بن الربيع فولدت منه عليا وأمامة، وهى التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملها في الصلاة، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها.
__________
(1) ينسب إلى برق، بيت كبير من خوارزم انتقلوا إلى بخارى وسكنوها.
(*)(4/609)
ولعل ذلك كان بعد موت أمها سنة ثمان من الهجرة، على ما ذكره الواقدي وقتادة وعبد الله بن أبى بكر بن حزم وغيرهم، وكأنها كانت طفلة صغيرة.
فالله أعلم.
وقد تزوجها على بن أبى طالب رضى الله عنه بعد موت فاطمة.
وكانت وفاة زينب رضى الله عنها في سنة ثمان.
قاله قتادة عن عبدالله بن أبى بكر
ابن حزم وخليفة بن خياط وأبو بكر بن أبى خيثمة وغير واحد.
وقال قتادة عن ابن حزم في أول سنة ثمان.
وذكر حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنها لما هاجرت دفعها رجل فوقعت على صخرة فأسقطت حملها، ثم لم تزل وجعة حتى ماتت، فكانوا يرونها ماتت شهيدة.
وأما رقية فكان قد تزوجها أولا ابن عمها عتبة بن أبى لهب كما تزوج أختها أم كلثوم أخوه عتيبة بن أبى لهب، ثم طلقاهما قبل الدخول بهما بغضة في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله: " تبت يدا أبى لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد ".
فتزوج عثمان بن عفان رضى الله عنه رقية، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، ويقال إنه أول من هاجر إليها.
ثم رجعا إلى مكة، كما قدمنا، وهاجرا إلى المدينة وولدت له ابنه عبدالله فبلغ ست سنين، فنقره ديك في عينيه فمات وبه كان يكنى أولا، ثم اكتنى بابنه عمرو.
وتوفيت وقد انتصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، ولما أن جاء البشير بالنصر إلى المدينة - وهو زيد بن حارثة - وجدهم قد ساووا على قبرها التراب، وكان عثمان قد أقام عليها يمرضها بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم(4/610)
وضرب له بسهمه وأجره، ولما رجع زوجه بأختها أم كلثوم أيضا ولهذا كان يقال له ذو النورين، ثم ماتت عنده في شعبان سنة تسع ولم تلد له شيئا.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو كانت عندي ثالثة لزوجتها عثمان " وفى رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو كن عشرا لزوجتهن عثمان ".
وأما فاطمة فتزوجها ابن عمها على بن أبى طالب في صفر سنة اثنتين، فولدت له
الحسن والحسين، ويقال ومحسن، وولدت له أم كلثوم وزينب.
وقد تزوج عمر بن الخطاب في أيام ولايته بأم كلثوم بنت على بن أبى طالب من فاطمة وأكرمها إكراما زائدا، أصدقها أربعين ألف درهم لاجل نسبها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فولدت له زيدا بن عمر بن الخطاب.
ولما قتل عمر بن الخطاب تزوجها بعده ابن عمها عون بن جعفر فمات عنها، فخلف عليها أخوه محمد فمات عنها، فتزوجها أخوهما عبدالله بن جعفر فماتت عنده.
وقد كان عبدالله بن جعفر تزوج بأختها زينب بنت على وماتت عنده أيضا، وقد توفيت فاطمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بستة أشهر على أشهر الاقوال.
وهذا الثابت عن عائشة في الصحيح، وقاله الزهري أيضا وأبو جعفر الباقر.
وعن الزهري بثلاثة أشهر، وقال أبو الزبير بشهرين، وقال أبو بريدة: عاشت بعده سبعين من بين يوم وليلة.
وقال عمرو بن دينار: مكثت بعده ثمانية أشهر.
وكذا قال عبدالله بن الحارث.
وفى رواية عن عمرو بن دينار بأربعة أشهر.
وأما إبراهيم فمن مارية القبطية كما قدمنا، وكان ميلاده في ذى الحجة سنة ثمان.
وقد روى عن ابن لهيعة وغيره عن عبدالرحمن بن زياد قال: لما حبل بإبراهيم أتى جبريل فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم، إن الله قد وهب لك غلاما من أم ولدك مارية،(4/611)
وأمرك أن تسميه إبراهيم، فبارك الله لك فيه وجعله قرة عين لك في الدنيا والآخرة.
وروى الحافظ أبو بكر البزار عن محمد بن مسكين، عن عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن عقيل ويزيد بن أبى حبيب، عن الزهري، عن أنس قال: لما ولد للنبى صلى الله عليه وسلم ابنه إبراهيم وقع في نفسه منه شئ فأتاه جبريل فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم.
وقال أسباط عن السدى، وهو إسماعيل بن عبدالرحمن، قال: سألت أنس بن مالك قلت: كم بلغ إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم من العمر ؟ قال: وقد
كان ملا مهده، ولو بقى لكان نبيا، ولكن لم يكن ليبقى لان نبيكم صلى الله عليه وسلم آخر الانبياء.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا عبدالرحمن بن مهدى، حدثنا سفيان، عن السدى، عن أنس بن مالك، قال: لو عاش إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم لكان صديقا نبيا.
وقال أبو عبد الله بن منده: حدثنا محمد بن سعد، ومحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد ابن عثمان العبسى، حدثنا منجاب، حدثنا أبو عامر الاسدي، حدثنا سفيان، عن السدى عن أنس، قال: توفى إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ستة عشر شهرا فقال رسول الله: " ادفنوه في البقيع فإن له مرضعا يتم رضاعه في الجنة ".
وقال أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عمرو بن سعيد، عن أنس، قال: ما رأيت أحدا أرحم بالعيال من رسول الله، كان ابراهيم مسترضعا في عوالي المدينة، وكان ينطلق ونحن معه فيدخل إلى البيت وإنه ليدجن (1)، وكان ظئره فينا فيأخذه فيقبله ثم يرجع.
قال عمرو: فلما توفى إبراهيم قال رسول الله: " إن ابراهيم ابني، وإنه
__________
(1) وفى ا: يدخن.
(*)(4/612)
مات في الثدى، وإن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة ".
وقد روى جرير وأبو عوانة، عن الاعمش، عن مسلم بن صبيح أبى الضحى، عن البراء قال: توفى إبراهيم بن رسول الله وهو ابن ستة عشر شهرا، فقال: " ادفنوه في البقيع فإن له مرضعا في الجنة ".
ورواه أحمد من حديث جابر، عن عامر، عن البراء، وهكذا رواه سفيان الثوري عن فراس، عن الشعبى، عن البراء بن عازب بمثله.
وكذا رواه الثوري أيضا عن أبى إسحاق، عن البراء وأورد له ابن عساكر من طريق عتاب بن محمد بن شوذب، عن عبدالله بن أبى أوفى قال: توفى إبراهيم فقال رسول الله: " يرضع بقية رضاعه في الجنة ".
وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا زكريا بن يحيى الواسطي، حدثنا هشيم، عن إسماعيل، قال سألت ابن أبى أوفى - أو سمعته يسأل - عن إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال: مات وهو صغير، ولو قضى أن يكون بعد النبي صلى الله عليه وسلم نبى لعاش.
وروى ابن عساكر من حديث أحمد بن محمد بن سعيد الحافظ، حدثنا عبيد بن إبراهيم الجعفي، حدثنا الحسن بن أبى عبدالله الفراء، حدثنا مصعب بن سلام، عن أبى حمزة الثمالى، عن أبى جعفر محمد بن على، عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو عاش إبراهيم لكان نبيا ".
وروى ابن عساكر من حديث محمد ابن إسماعيل بن سمرة، عن محمد بن الحسن الاسدي، عن أبى شيبة، عن أنس، قال: لما مات إبراهيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تدرجوه في أكفانه حتى أنظر إليه ".
فجاء فانكب عليه وبكى حتى اضطرب لحياه وجنباه صلى الله عليه وسلم.(4/613)
قلت: أبو شيبة هذا لا يتعامل بروايته.
ثم روى من حديث مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن خيثم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: لما توفى إبراهيم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر وعمر: أنت أحق من علم لله حقه.
فقال: " تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، لولا أنه وعد صادق، وموعود جامع، وأن الآخر منا يتبع الاول، لوجدنا عليك يا إبراهيم وجدا أشد مما وجدنا، وإنا بك
يا إبراهيم لمحزونون ".
وقال الامام أحمد حدثنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن الشعبى عن البراء، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم، ومات وهو ابن شتة عشر شهرا، وقال: " إن له في الجنة من يتم رضاعه وهو صديق ".
وقد روى من حديث الحكم بن عيينة، عن الشعبى، عن البراء.
وقال أبو يعلى: حدثنا القواريرى، حدثنا إسماعيل بن أبى خالد، عن ابن أبى أوفى، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنه، وصليت خلفه وكبر عليه أربعا.
وقد روى يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثنى محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال: مات إبراهيم ابن رسول الله وهو ابن ثمانية عشر شهرا، فلم يصل عليه.
وروى ابن عساكر من حديث إسحاق ابن محمد الفروى، عن عيسى بن عبدالله بن محمد بن عمر بن على بن أبى طالب، عن أبيه، عن أبى جده عن على، قال: لما توفى إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على بن أبى طالب إلى أمه مارية القبطية وهى في مشربة، فحمله على في سفط (1) وجعله بين يديه على الفرس، ثم جاء به إلى رسول الله
__________
(1) السفط: كالجوالق أو القفة.
(*)(4/614)
صلى الله عليه وسلم فغسله وكفنه وخرج به وخرج الناس معه، فدفنه في الزقاق الذى يلى دار محمد بن زيد، فدخل على في قبره حتى سوى عليه ودفنه، ثم خرج ورش على قبره، وأدخل رسول الله يده في قبره فقال: " أما والله إنه لنبى ابن نبى " وبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى المسلمون حوله حتى ارتفع الصوت.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يغضب الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون ".
وقال الواقدي: مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من ربيع الاول سنة عشر، وهو ابن ثمانية عشر شهرا في بنى مازن بن النجار في دار أم برزة بنت المنذر، ودفن بالبقيع.
قلت: وقد قدمنا أن الشمس كسفت يوم موته، فقال الناس: كسفت لموت إبراهيم.
فخطب رسول الله فقال في خطبته: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عزوجل، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ".
قال الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر:(4/615)
باب ذكر عبيده عليه السلام وإمائه وذكر خدمه وكتابه وأمنائه، مع مراعاة الحروف في أسمائهم، وذكر بعض ما ذكر من أنبائهم ولنذكر ما أورده مع الزيادة والنقصان وبالله المستعان.
فمنهم أسامة بن زيد بن حارثة أبو زيد الكلبى، ويقال أبو يزيد ويقال أبو محمد.
مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن مولاه، وحبه وابن حبه، وأمه أم أيمن واسمها بركة، كانت حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صغره، وممن آمن به قديما بعد بعثته.
وقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر أيام حياته، وكان عمره إذ ذاك ثمانى عشرة أو تسع عشرة، وتوفى وهو أمير على جيش كثيف، منهم عمر بن الخطاب، ويقال وأبو بكر الصديق وهو ضعيف، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم نصبه للامامة.
فلما توفى عليه السلام وجيش أسامة مخيم بالجرف كما قدمناه، استطلق أبو بكر من أسامة عمر بن الخطاب في الاقامة عنده ليستضئ برأيه فأطلقه له، وأنفذ أبو بكر
جيش أسامة بعد مراجعة كثيرة من الصحابة له في ذلك، وكل ذلك يأبى عليهم ويقول: والله لا أحل راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فساروا حتى بلغوا تخوم البلقاء من أرض الشام حيث قتل أبوه زيد وجعفر بن أبى طالب وعبد الله بن رواحة رضى الله عنهم، فأغار على تلك البلاد وغنم وسبى وكر راجعا سالما مؤيدا.(4/616)
فلهذا كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه لا يلقى أسامة إلا قال له: السلام عليك أيها الامير.
ولما عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم راية الامرة طعن بعض الناس في إمارته، فخطب رسول الله فقال فيها: " إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقا للامارة، وإن كان لمن أحب الخلق إلى بعده ".
وهو في الصحيح من حديث موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه.
وثبت في صحيح البخاري عن أسامة رضى الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذني والحسن فيقول: " اللهم إنى أحبهما فأحبهما ".
وروى عن الشعبى عن عائشة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أحب الله ورسوله فليحب أسامة بن زيد ".
ولهذا لما فرض عمر بن الخطاب للناس في الديوان فرض لاسامة في خمسة آلاف ; وأعطى ابنه عبدالله بن عمر في أربعة آلاف.
فقيل له في ذلك فقال: إنه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، وأبوه كان أحب إلى رسول الله من أبيك.
وقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة، أن رسول الله أردفه خلفه على حمار عليه قطيفة، حين ذهب يعود سعد بن عبادة، قبل وقعة بدر.
قلت: وهكذا أردفه وراءه على ناقته حين دفع من عرفات إلى المزدلفة، كما قدمنا في حجة الوداع.
وقد ذكر غير واحد أنه رضى الله عنه لم يشهد مع على شيئا من مشاهده، واعتذر إليه بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قتل ذلك الرجل وقد قال لا إله إلا الله، فقال: " من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟ أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة " الحديث.(4/617)
وذكر فضائله كثيرة رضى الله عنه.
وقد كان أسود كالليل، أفطس حلوا حسنا كبيرا فصيحا عالما ربانيا، رضى الله عنه.
وكان أبوه كذلك، إلا أنه كان أبيض شديد البياض، ولهذا طعن بعض من لا يعلم في نسبه منه.
ولما مر مجزز المدلجى عليهما وهما نائمان في قطيفة وقد بدت أقدامهما أسامة بسواده وأبوه زيد ببياضه، قال: سبحان الله: إن بعض هذه الاقدام لمن بعض.
أعجب بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل على عائشة مسروا تبرق أسارير وجهه فقال: " ألم ترى أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: إن بعض هذه الاقدام لمن بعض ؟ ! " ولهذا أخذ فقهاء الحديث كالشافعي وأحمد من هذا الحديث، من حيث التقرير عليه والاستبشار به ; العمل بقول القافة في اختلاط الانساب واشتباهها، كما هو مقرر في موضعه.
والمقصود أنه رضى الله عنه توفى سنة أربع وخمسين مما صححه أبو عمر.
وقال غيره سنة ثمان أو تسع وخمسين، وقيل مات بعد مقتل عثمان فالله أعلم.
وروى له الجماعة في كتبهم الستة.
* * *
ومنهم أسلم وقيل إبراهيم وقيل ثابت وقيل هرمز أبو رافع القبطى، أسلم قبل بدر ولم يشهدها لانه كان بمكة مع سادته آل العباس، وكان ينحت القداح، وقصته مع الخبيث أبى لهب حين جاء خبر وقعة بدر تقدمت ولله الحمد.
ثم هاجر وشهد أحدا وما بعدها، وكان كاتبا، وقد كتب بين يدى على بن أبى طالب بالكوفة.
قاله المفضل بن غسان الغلابى.
وشهد فتح مصر في أيام عمر.
وقد كان أولا للعباس بن عبدالمطلب فوهبه للنبى صلى الله عليه وسلم وعتقه وزوجه(4/618)
مولاته سلمى، فولدت له أولادا وكان يكون على ثقل (1) النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وبهز قالا: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبى رافع، عن أبى رافع، أن رسول الله بعث رجلا من بنى مخزوم على الصدقة، فقال لابي رافع: اصحبني كيما تصيب منها.
فقال: لا.
حتى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله.
فأتى رسول الله فسأله فقال: " الصدقة لا تحل لنا، وإن مولى القوم منهم ".
وقد رواه الثوري عن محمد بن عبدالرحمن بن أبى ليلى، عن الحكم به.
وروى أبو يعلى في مسنده عنه أنه أصابهم برد شديد وهم بخيبر، فقال رسول الله: " من كان له لحاف فليلحف من لا لحاف له ".
قال أبو رافع: فلم أجد من يحلفنى معه، فأتيت رسول الله فألقى على لحافه، فنمنا حتى أصبحنا، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رجليه حية فقال: " يا أبا رافع اقتلها اقتلها ".
وروى له الجماعة في كتبهم، ومات في أيام على رضى الله عنه.
ومنهم أنسة بن زياد (2) أبو مشرح، ويقال أبو مسرح، من مولدي السراة، مهاجري شهد بدرا فيما ذكره عروة والزهرى وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق والبخاري وغير واحد.
قالوا: وكان ممن يأذن على النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس.
وذكر خليفة بن خياط في كتابه قال: قال على بن محمد، عن عبد العزيز بن أبى ثابت، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: استشهد يوم بدر أنسة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الواقدي: وليس هذا بثبت عندنا، ورأيت أهل العلم يثبتون أنه شهد أحدا أيضا وبقى زمانا وأنه توفى في حياة أبى بكر رضى الله عنه أيام خلافته.
__________
(1) الثقل: متاع المسافر (2) ا: ابن مادة.
(*)(4/619)
ومنهم أيمن بن عبيد بن زيد الحبشى ونسبه ابن مندة إلى عوف بن الخزرج وفيه نظر.
وهو ابن أم أيمن بركة، أخو أسامة لامه.
قال ابن إسحاق: وكان على مطهرة (1) النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ممن ثبت يوم حنين، ويقال: إن فيه وفى أصحابه نزل قوله تعالى: " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (2) ".
قال الشافعي: قتل أيمن مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين.
قال: فرواية مجاهد عنه منقطعة يعنى بذلك ما رواه الثوري عن منصور، عن مجاهد، عن عطاء، عن أيمن الحبشى قال: لم يقطع النبي صلى الله عليه وسلم السارق إلا في المجن (3)، وكان ثمن المجن يومئذ دينارا.
وقد رواه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة، عن هارون بن عبدالله، عن أسود ابن عامر، عن الحسين بن صالح، عن منصور، عن الحكم، عن مجاهد وعطاء، عن أيمن، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
وهذا يقتضى تأخر موته عن النبي صلى الله عليه وسلم إن لم يكن الحديث مدلسا عنه، ويحتمل أن يكون أريد غيره.
والجمهور كابن اسحاق وغيره ذكروه فيمن قتل من الصحابة يوم حنين فالله أعلم.
ولابنه الحجاج بن أيمن مع عبدالله بن عمر قصة.
ومنهم با ام ؟ وسيأتى ذكره في ترجمة طهمان.
__________
(1) المطهرة بكسر الميم وفتحها: الاداوة، أو الاناء الذى يتطهر به.
(2) سورة الكهف 110 (3) المجن: الترس.
(*)(4/620)
ومنهم ثوبان بن بجدد، ويقال ابن جحدر أبو عبدالله، ويقال أبو عبد الكريم، ويقال أبو عبد الرحمن.
أصله من أهل السراة، مكان بين مكة واليمن، وقيل من حمير من أهل اليمن.
وقيل من الهان (1)، وقيل من حكم بن سعد العشيرة من مذحج أصابه سبى في الجاهلية.
فاشتراه رسول الله فأعتقه وخيره إن شاء أن يرجع إلى قومه، وإن شاء يثبت فإنه منهم أهل البيت.
فأقام على ولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفارقه حضرا ولا سفرا حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وشهد فتح مصر أيام عمر، ونزل حمص بعد ذلك وابتنى بها دارا، وأقام بها إلى أن مات سنة أربع وخمسين، وقيل سنة أربع وأربعين - وهو خطأ - وقيل إنه مات بمصر، والصحيح بحمص كما قدمنا والله أعلم.
روى له البخاري في كتاب الادب، ومسلم في صحيحه وأهل السنن الاربعة.
ومنهم حنين مولى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جد إبراهيم بن عبدالله بن حنين.
وروينا أنه كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ويوضئه، فإذا فرغ النبي صلى الله عليه وسلم خرج بفضلة الوضوء إلى أصحابه، فمنهم من يشرب منه، ومنهم من يتمسح به،
فاحتبسه حنين فخبأه عنده في جرة حتى شكوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: " ما تصنع به ؟ " فقال: أدخره عندي أشربه يا رسول الله.
فقال عليه السلام: " هل رأيتم غلاما أحصى ما أحصى هذا ؟ ".
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم وهبه لعمه العباس فأعتقه رضى الله عنهما.
ومنهم ذكوان يأتي ذكره في ترجمة طهمان.
ومنهم رافع أو أبو رافع ويقال له أبو البهى.
__________
(1) كذا، ولعلها الهون.
(*)(4/621)
قال أبو بكر بن أبى خيثمة: كان لابي أحيحة سعيد بن العاص الاكبر فورثه بنوه وأعتق ثلاثة منهم أنصباءهم وشهد معهم يوم بدر، فقتلوا ثلاثتهم، ثم اشترى أبو رافع بقية أنصباء بنى سعيد مولاه إلا نصيب خالد بن سعيد، فوهب خالد نصيبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله وأعتقه.
فكان يقول، انا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك كان بنوه يقولون من بعده.
ومنهم رباح الاسود، وكان يأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذى أخذ الاذن لعمر بن الخطاب حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المشربة يوم آلى من نسائه واعتزلهن في تلك المشربة وحده عليه السلام.
هكذا جاء مصرحا باسمه في حديث عكرمة بن عمار، عن سماك بن الوليد، عن ابن عباس، عن عمر.
وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة بن الاكوع، عن أبيه قال: كان للنبى صلى الله عليه وسلم غلام يسمى رباح.
ومنهم رويفع مولاه عليه الصلاة والسلام.
هكذا عده في الموالى مصعب بن عبدالله الزبيري وأبو بكر بن أبى خيثمة قالا:
وقد وفد ابنه على عمر بن عبد العزيز في أيام خلافته ففرض له.
قالا: ولا عقب له.
قلت: كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله شديد الاعتناء بموالي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحب أن يعرفهم ويحسن إليهم، وقد كتب في أيام خلافته إلى أبى بكر بن حزم عالم أهل المدينة في زمانه: أن يفحص له عن موالى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء وخدامه.
رواه الواقدي.
وقد ذكره أبو عمر مختصرا وقال: لا أعلم له رواية، حكاه ابن الاثير في الغابة.(4/622)
ومنهم زيد بن حارثة الكلبى.
وقد قدمنا طرفا من ذكره عند ذكر مقتله بغزوة مؤتة رضى الله عنه، وذلك في جمادى من سنة ثمان قبل الفتح بأشهر.
وقد كان هو الامير المقدم، ثم بعده جعفر، ثم بعدهما عبدالله بن رواحة.
وعن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليهم، ولو بقى بعده لاستخلفه.
رواه أحمد.
ومنهم زيد أبو يسار.
قال أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة: سكن المدينة، روى حديثا واحدا لا أعلم له غيره: حدثنا محمد بن على الجوزجانى، حدثنا أبو سلمة - هو التبوذكى - حدثنا حفص ابن عمر الطائى، حدثنا أبو عمر بن مرة، سمعت بلال بن يسار بن زيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم، سمعت أبى حدثنى عن جدى، أنه سمع رسول الله يقول: " من قال: أستغفر الله الذى لا إله إلا هو الحى القيوم وأتوب إليه، غفر له وإن كان فر من الزحف ".
وهكذا رواه أبو داود عن أبى سلمة، وأخرجه الترمذي عن محمد بن إسماعيل البخاري، عن أبى سلمة موسى بن إسماعيل به.
وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
* * * ومنهم سفينة أبو عبد الرحمن ويقال أبوالبخترى.
كان اسمه مهران، وقيل عبس، وقيل أحمر، وقيل رومان، فلقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لسبب سنذكره، فغلب عليه.(4/623)
وكان مولى لام سلمة، فأعتقته واشترطت عليه أن يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يموت، فقبل ذلك.
وقال: لو لم تشترطي على ما فارقته.
وهذا الحديث في السنن.
وهو من مولدي العرب، وأصله من أبناء فارس وهو سفينة بن مافنه.
وقال الامام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا حشرج بن نباتة العبسى، كوفى، حدثنا سعيد بن جمهان، حدثنى سفينة، قال: قال رسول الله: " الخلافة في أمتى ثلاثون سنة، ثم ملكا بعد ذلك ".
ثم قال لى سفينة: أمسك خلافة أبى بكر، وخلافة عمر، وخلافة عثمان، وأمسك خلافة على، ثم قال: فوجدناها ثلاثين سنة.
ثم نظرت بعد ذلك في الخلفاء فلم أجده يتفق لهم ثلاثون.
قلت لسعيد: أين لقيت سفينة ؟ قال: ببطن نخلة في زمن الحجاج، فأقمت عنده ثلاث ليال أسأله عن أحاديث رسول الله.
قلت له: ما اسمك ؟ قال: ما أنا بمخبرك، سمانى رسول الله سفينة.
قلت: ولم سماك سفينة ؟ قال: خرج رسول الله ومعه أصحابه، فثقل عليهم متاعهم فقال لى: " ابسط كساءك " فبسطته، فجعلوا فيه متاعهم ثم حملوه على، فقال
لى رسول الله: " احمل فإنما أنت سفينة " فلو حملت يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة ما ثقل على، إلا أن يحفوا (1).
وهذا الحديث عن أبى داود والترمذي والنسائي، ولفظه عندهم: " خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا ".
وقال الامام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا حماد بن سلمة، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة، قال: كنا في سفر، فكان كلما أعيا رجل ألقى على ثيابه، ترسا أو سيفا،
__________
(1) يحفوا: يزيدوا ويبالغوا (*)(4/624)
حتى حملت من ذلك شيئا كثيرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أنت سفينة ".
هذا هو المشهور في تسميته سفينة.
وقد قال أبو القاسم البغوي: حدثنا الربيع سليمان بن داود الزهراني ومحمد بن جعفر الوركانى، قالا: حدثنا شريك بن عبدالله النخعي، عن عمران البجلى، عن مولى لام سلمة، قال: كنا مع رسول الله فمررنا بواد - أو نهر - فكنت أعبر الناس، فقال لى رسول الله: " ما كنت منذ اليوم إلا سفينة ".
وهكذا رواه الامام أحمد، عن أسود بن عامر، عن شريك.
وقال أبو عبد الله بن منده: حدثنا الحسن بن مكرم، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا أسامة بن زيد، عن محمد بن المنكدر، عن سفينة، قال: ركبت البحر في سفينة فكسرت بنا، فركبت لوحا منها فطرحني في جزيرة فيها أسد فلم يرعنى إلا به، فقلت: يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامنى على الطريق، ثم همهم فظننت أنه السلام.
وقد رواه أبو القاسم البغوي عن إبراهيم بن هانئ، عن عبيدالله بن موسى، عن رجل، عن محمد بن المنكدر، عنه.
ورواه أيضا عن محمد بن عبدالله المخرمى، عن حسين بن محمد، قال: قال عبد العزيز بن عبدالله بن أبى سلمة، عن محمد بن المنكدر، عن سفينة.
فذكره.
ورواه أيضا: حدثنا هارون بن عبدالله، حدثنا على بن عاصم، حدثنى أبو ريحانة، عن سفينة مولى رسول الله قال: لقيني الاسد فقلت: أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فضرب بذنبه الارض وقعد.
وروى له مسلم وأهل السنن.
وقد تقدم في الحديث الذى رواه الامام أحمد أنه كان(4/625)
يسكن بطن نخلة، وأنه تأخر إلى أيام الحجاج.
* * * ومنهم سلمان الفارسى، أبو عبد الله مولى الاسلام.
أصله من فارس وتنقلت به الاحوال إلى أن صار لرجل من يهود المدينة، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أسلم سلمان وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فكاتب سيده اليهودي، وأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أداء ما عليه فنسب إليه وقال: " سلمان منا أهل البيت ".
وقد قدمنا صفة هجرته (1) من بلده وصحبته لاولئك الرهبان واحدا بعد واحد حتى آل به الحال إلى المدينة النبوية، وذكرنا صفة إسلامه رضى الله عنه في أوائل الهجرة النبوية إلى المدينة، وكانت وفاته في سنة خمس وثلاثين في آخر أيام عثمان - أو في أول سنة ست وثلاثين - وقيل: إنه توفى في أيام عمر بن الخطاب، والاول أكثر.
قال العباس بن يزيد البحراني: وكان أهل العلم لا يشكون أنه عاش مائتين وخمسين سنة، واختلفوا فيما زاد على ذلك إلى ثلاثمائة وخمسين.
وقد ادعى بعض الحفاظ المتأخرين أنه لم يجاوز المائة.
فالله أعلم بالصواب.
* * *
ومنهم شقران الحبشى، واسمه صالح بن عدى، ورثه عليه السلام من أبيه.
وقال مصعب الزبيري ومحمد بن سعد: كان لعبد الرحمن بن عوف فوهبه للنبى صلى الله عليه وسلم.
وقد روى أحمد بن حنبل، عن إسحاق بن عيسى، عن أبى معشر، أنه ذكره فيمن شهد بدرا، قال: ولم يقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) وذلك في الجزء الاول من الكتاب.
(*)(4/626)
وهكذا ذكره محمد بن سعد فيمن شهد بدرا وهو مملوك فلهذا لم يسهم له بل استعمله على الاسرى، فحذاه (1) كل رجل له أسير شيئا، فحصل له أكثر من نصيب كامل.
قال: وقد كان ببدر ثلاثة غلمان غيره: غلام لعبد الرحمن بن عوف، وغلام لحاطب ابن أبى بلتعة، وغلام لسعد بن معاذ، فرضخ لهم ولم يقسم.
قال أبو القاسم البغوي: وليس له ذكر فيمن شهد بدرا في كتاب الزهري، ولا في كتاب ابن إسحاق.
وذكر الواقدي عن أبى بكر بن عبدالله بن أبى سبرة عن أبى بكر بن عبدالله بن أبى جهم قال: استعمل رسول الله شقران مولاه على جميع ما وجد في رحال المريسيع من رثة (2) المتاع والسلاح والنعم والشاء وجمع الذرية ناحية.
وقال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا مسلم بن خالد، عن عمرو بن يحيى المازنى، عن أبيه، عن شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيته - يعنى النبي صلى الله عليه وسلم - متوجها إلى خيبر على حمار يصلى عليه يومئ إيماء.
وفى هذه الاحاديث شواهد أنه رضى الله عنه شهد هذه المشاهد.
وروى الترمذي عن زيد بن أخزم، عن عثمان بن فرقد، عن جعفر بن محمد، أخبرني ابن أبى رافع قال: سمعت شقران يقول: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول
الله صلى الله عليه وسلم في القبر.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: الذى اتخذ قبر النبي صلى الله عليه وسلم أبو طلحة، والذى ألقى القطيفة شقران.
ثم قال: الترمذي حسن غريب.
__________
(1) حذاه: أعطاه.
(2) الرثة: ما يسقط من المتاع.
(*)(4/627)
وقد تقدم أنه شهد غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل في قبره، وأنه وضع تحته القطيفة التى كان يصلى عليها وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك.
وذكر الحافظ أبو الحسن بن الاثير في الغابة أنه انقرض نسله فكان آخرهم موتا بالمدينة في أيام الرشيد.
* * * ومنهم ضميرة بن أبى ضميرة الحميرى، أصابه سبى في الجاهلية فاشتراه النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه، ذكره مصعب الزبيري قال: وكانت له دار بالبقيع وولد.
قال عبدالله بن وهب: عن ابن أبى ذئب، عن حسين بن عبدالله بن ضميرة، عن أبيه عن جده ضميرة، أن رسول الله مر بأم ضميرة وهى تبكى فقال لها: " ما يبكيك ؟ أجائعة أنت، أعارية أنت ؟ ".
قالت: يارسول الله فرق بينى وبين ابني.
فقال رسول الله: " لا يفرق بين الوالدة وولدها ".
ثم أرسل إلى الذى عنده ضميرة فدعاه فابتاعه منه ببكر.
قال ابن أبى ذئب: ثم أقرأنى كتابا عنده: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله لابي ضميرة وأهل بيته، أن رسول الله أعتقهم، وأنهم أهل بيت
من العرب، إن أحبوا أقاموا عند رسول الله، وإن أحبوا رجعوا إلى قومهم، فلا يعرض لهم إلا بحق، ومن لقيهم من المسلمين فليستوص بهم خيرا.
وكتب أبى بن كعب.
ومنهم طهمان، ويقال ذكوان.
ويقال مهران، ويقال ميمون، وقيل كيسان، وقيل باذام.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الصدقة لا تحل لى ولا لاهل بيتى، وإن مولى القوم من أنفسهم ".
رواه البغوي عن منجاب بن الحارث وغيره، عن شريك، عن عطاء بن السائب،(4/628)
عن إحدى بنات على بن أبى طالب وهى أم كلثوم بنت على، قالت: حدثنى مولى للنبى صلى الله عليه وسلم يقال له طهمان أو ذكوان، قال قال رسول الله.
فذكره.
ومنهم عبيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو داود الطيالسي: عن شعبة، عن سليمان التيمى، عن شيخ، عن عبيد مولى للنبى صلى الله عليه وسلم قال: قلت: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بصلاة سوى المكتوبة ؟ قال: صلاة بين المغرب والعشاء.
قال أبو القاسم البغوي: لا أعلم روى غيره.
قال ابن عساكر: وليس كما قال.
ثم ساق من طريق أبى يعلى الموصلي: حدثنا عبدالاعلى بن حماد، حدثنا حماد بن سلمة، عن سليمان التيمى، عن عبيد مولى رسول الله أن امرأتين كانتا صائمتين، وكانتا تغتابان الناس، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فقال لهما: " قيئا " فقاءا قيحا ودما ولحما عبيطا ثم قال: " إن هاتين صامتا عن الحلال وأفطرتا على الحرام ".
وقد رواه الامام أحمد، عن يزيد بن هارون وابن أبى عدى، عن سليمان التيمى، عن رجل حدثهم في مجلس أبى عثمان، عن عبيد مولى رسول الله فذكره.
ورواه أحمد أيضا عن غندر، عن عثمان بن غياث قال: كنت مع أبى عثمان فقال
رجل: حدثنى سعيد - أو عبيد -، يشك عثمان، مولى النبي صلى الله عليه وسلم.
فذكره.
ومنهم فضالة مولى النبي صلى الله عليه وسلم.
قال محمد بن سعد: أنبأنا الواقدي، حدثنى عتبة بن خيرة الاشهلى، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبى بكر محمد بن عمرو بن حزم، أن افحص لى عن خدم رسول الله من الرجال والنساء ومواليه.(4/629)
فكتب إليه قال: وكان فضالة مولى له يمانى نزل الشام بعد، وكان أبو مويهبة مولدا من مولدي مزينة فأعتقه قال ابن عساكر: لم أجد لفضالة ذكرا في الموالى إلا من هذا الوجه.
ومنهم قفيز أوله قاف وآخره زاى.
قال أبو عبد الله بن منده: أنبأنا سهل بن السرى، حدثنا أحمد بن محمد بن المنكدر، حدثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن سليمان الحرانى، عن زهير بن محمد، عن أبى بكر بن عبدالله بن أنيس، قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلام يقال له قفيز.
تفرد بن محمد بن سليمان.
ومنهم كركرة، كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته.
وقد ذكر أبو بكر بن حزم فيما كتب به إلى عمر بن عبد العزيز.
قال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن سالم بن أبى الجعد، عن عبدالله ابن عمرو، قال: كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة، فمات فقال: " هو في النار " فنظروا فإذا عليه عباءة قد غلها، أو كساء قد غله.
رواه البخاري عن على بن المدينى، عن سفيان.
قلت: وقصته شبيهة بقصة مدعم الذى أهداه رفاعة من بنى النصيب كما سيأتي.
ومنهم كيسان.
قال البغوي: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب قال: أتيت أم كلثوم بنت على فقالت: حدثنى مولى للنبى صلى الله عليه وسلم يقال له كيسان قال له النبي صلى الله عليه وسلم في شئ من أمر الصدقة: " إنا أهل بيت نهينا أن نأكل الصدقة، وإن مولانا من أنفسنا فلا تأكل الصدقة ".
ومنهم مابور القبطى الخصى، أهداه له صاحب إسكندرية مع مارية وشيرين والبغلة.(4/630)
وقد قدمنا من خبره في ترجمة مارية رضى الله عنهما ما فيه كفاية.
ومنهم مدعم، وكان أسود من مولدي حسمى (1) أهداه رفاعة بن زيد الجذامي، قتل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك مرجعهم من خيبر.
فلما وصلوا إلى وادى القرى فبينما مدعم يحط عن ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم رحلها، إذ جاءه سهم عائر فقتله، فقال الناس: هنيئا له الشهادة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كلا والذى نفسي بيده، إن الشملة التى أخذها يوم خيبر - لم تصبها المقاسم - لتشتعل عليه نارا ".
فلما سمعوا ذلك جاء رجل بشراك - أو شراكين - فقال النبي صلى الله عليه وسلم " شراك من نار، أو شرا كان من نار ".
أخرجاه من حديث مالك، عن ثور بن يزيد، عن أبى الغيث، عن أبى هريرة.
ومنهم مهران ويقال طهمان، وهو الذى روت عنه أم كلثوم بنت على في تحريم الصدقة على بنى هاشم ومواليهم كما تقدم.
ومنهم ميمون وهو الذى قبله (2).
ومنهم نافع مولاه.
قال الحافظ ابن عساكر: أنبأنا أبو الفتح الماهانى، أنبأنا شجاع الصوفى، أنبأنا محمد ابن إسحاق، أنبأنا أحمد بن محمد بن زياد، حدثنا محمد بن عبدالملك بن مروان، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا أبو مالك الاشجعى، عن يوسف بن ميمون، عن نافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يدخل الجنة شيخ زان، ولا مسكين متكبر، ولا منان بعمله على الله عزوجل ".
__________
(1) حسمى: أرض ببادية الشام.
(2) قتله.
وهو تحريف.
(*)(4/631)
ومنهم نفيع، ويقال مسروح، ويقال نافع بن مسروح والصحيح نافع بن الحارث ابن كلدة بن عمرو بن علاج بن سلمة بن عبدالعزى بن غيرة بن عوف بن قيس، وهو ثقيف أبو بكرة الثقفى.
وأمه سمية أم زياد.
تدلى هو وجماعة من العبيد من سور الطائف، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان نزوله في بكرة فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكرة.
قال أبو نعيم: وكان رجلا صالحا آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبى برزة الاسلمي.
قلت: وهو الذى صلى عليه بوصيته إليه، ولم يشهد أبو بكرة وقعة الجمل، ولا أيام صفين، وكانت وفاته في سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة اثنتين وخمسين.
ومنهم واقد، أو أبو واقد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ أبو نعيم الاصبهاني: حدثنا أبو عمرو بن حمدان، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن يحيى بن عبد الكريم، حدثنا الحسين بن محمد، حدثنا الهيثم بن حماد، عن الحارث بن غسان، عن رجل من قريش من أهل المدينة، عن زاذان، عن واقد مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أطاع
الله فقد ذكر الله، وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن، ومن عصى الله فلم يذكره، وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن ".
ومنهم هرمز أبو كيسان، ويقال هرمز أو كيسان، وهو الذى يقال فيه طهمان كما تقدم.
وقد قال ابن وهب: حدثنا على بن عابس، عن عطاء بن السائب، عن فاطمة بنت على، أو أم كلثوم بنت على قالت: سمعت مولى لنا يقال له هرمز يكنى أبا كيسان، قال:(4/632)
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة، وإن موالينا من أنفسنا فلا تأكلوا الصدقة ".
وقد رواه الربيع بن سليمان، عن أسد بن موسى، عن ورقاء، عن عطاء بن السائب، قال: دخلت على أم كلثوم فقالت: إن هرمز أو كيسان حدثنا أن رسول الله قال: " إنا لا نأكل الصدقة ".
وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا منصور بن أبى مزاحم، حدثنا أبو حفص الابار، عن ابن أبى زياد، عن معاوية قال: شهد بدرا عشرون مملوكا، منهم مملوك للنبى صلى الله عليه وسلم يقال له هرمز، فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " إن الله قد أعتقك وإن مولى القوم من أنفسهم ; وإنا أهل بيت لا نأكل الصدقة فلا تأكلها ".
ومنهم هشام مولى النبي صلى الله عليه وسلم.
قال محمد بن سعد: أنبأنا سليمان بن عبيدالله الرقى، أنبأنا محمد بن أيوب الرقى، عن سفيان، عن عبد الكريم، عن أبى الزبير، عن هشام مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي لا تدفع يد لامس.
قال: " طلقها " قال: إنها تعجبني، قال: " فتمتع بها ".
قال ابن منده: وقد رواه جماعة عن سفيان الثوري، عن أبى الزبير، عن مولى بنى هاشم عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمه.
ورواه عبيدالله بن عمرو، عن عبد الكريم،
عن أبى الزبير، عن جابر.
ومنهم يسار، ويقال إنه الذى قتله العرنيون وقد مثلوا به.
وقد ذكر الواقدي بسنده عن يعقوب بن عتبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذه يوم قرقرة الكدر مع نعم بنى غطفان وسليم، فوهبه الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله منهم، لانه رآه يحسن الصلاة فأعتقه، ثم قسم في الناس النعم فأصاب كل إنسان منهم سبعة أبعرة، وكانوا مائتين.(4/633)
ومنهم أبو الحمراء مولى النبي صلى الله عليه وسلم وخادمه، وهو الذى يقال إن اسمه هلال بن الحارث، وقيل ابن مظفر، وقيل هلال بن الحارث بن ظفر السلمى، أصابه سباء في الجاهلية.
وقال أبو جعفر محمد بن على بن دحيم: حدثنا أحمد بن حازم، أنبأنا عبدالله بن موسى والفضل بن دكين، عن يونس بن أبى إسحاق، عن أبى داود القاص، عن أبى الحمراء، قال: رابطت المدينة سبعة أشهر كيوم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي باب على وفاطمة كل غداة فيقول: " الصلاة الصلاة، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ".
قال أحمد بن حازم: وأنبأنا عبيدالله بن موسى والفضل بن دكين - واللفظ له - عن يونس بن أبى إسحاق، عن أبى داود، عن أبى الحمراء، قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل عنده طعام في وعاء فأدخل يده، فقال: " غششته ! من غشنا فليس منا ".
وقد رواه ابن ماجه، عن أبى بكر بن أبى شيبة عن أبى نعيم به.
وليس عنده سواه.
وأبو داود هذا هو نفيع بن الحارث الاعمى أحد المتروكين الضعفاء.
قال عباس الدوري عن ابن معين: أبو الحمراء صاحب رسول الله صلى الله عليه
وسلم اسمه هلال بن الحارث، كان يكون بحمص، وقد رأيت بها غلاما من ولده.
وقال غيره: كان منزله خارج باب حمص.
وقال أبو الوازع عن سمرة: كان أبو الحمراء في الموالى.
ومنهم أبو سلمة راعى النبي صلى الله عليه وسلم، ويقال أبو سلام واسمه حريث.
قال أبو القاسم البغوي: حدثنا كامل بن طلحة، حدثنا عباد بن عبد الصمد، حدثنى أبو سلمة راعى النبي صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه(4/634)
وسلم يقول: " من لقى الله يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وآمن بالبعث والحساب ; دخل الجنة ".
قلنا: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأدخل إصبعيه في أذنيه ثم قال: أنا سمعت هذا منه غير مرة، ولا مرتين، ولا ثلاث، ولا أربع.
لم يورد له ابن عساكر سوى هذا الحديث.
وقد روى له النسائي في اليوم والليلة آخر، وأخرج له ابن ماجه ثالثا.
ومنهم أبو صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو القاسم البغوي: حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا معتمر، حدثنا أبو كعب عن جده بقية، عن أبى صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يوضع له نطع (1) ويجاء بزنبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف النهار، ثم يرفع فإذا صلى الاولى سبح حتى يمسى.
ومنهم أبو ضميرة مولى النبي صلى الله عليه وسلم والد ضميرة المتقدم، وزوج أم ضميرة.
وقد تقدم في ترجمة ابنه طرف من ذكرهم وخبرهم في كتابهم وقال محمد بن سعد في الطبقات: أنبأنا إسماعيل بن عبدالله بن أويس المدنى، حدثنى حسين بن عبدالله بن أبى ضميرة، أن الكتاب الذى كتبه رسول الله صلى الله عليه
وسلم لابي ضميرة: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من محمد رسول الله لابي ضميرة وأهل بيته، إنهم كانوا أهل بيت من العرب، وكانوا ممن أفاء الله على رسوله فأعتقهم ثم خير أبا ضميرة إن أحب أن يلحق بقومه فقد أذن له، وإن أحب أن يمكث مع رسول الله فيكونوا من أهل بيته، فاختار الله ورسوله ودخل في الاسلام، فلا يعرض لهم أحد إلا بخير، ومن لقيهم من المسلمين فليستوص بهم خيرا، وكتب أبى بن كعب.
__________
(1) النطع: بساط من الاديم، وهو الجلد.
(*)(4/635)
قال إسماعيل بن أبى أويس: فهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد حمير.
وخرج قوم منهم في سفر ومعهم هذا الكتاب فعرض لهم اللصوص، فأخذوا ما معهم فأخرجوا هذا الكتاب إليهم فأعلموهم بما فيه، فقرءوه فردوا عليهم ما أخذوا منهم ولم يعرضوا لهم.
قال: ووفد حسين بن عبدالله بن أبى ضميرة إلى المهدى أمير المؤمنين وجاء معه بكتابهم هذا، فأخذه المهدى فوضعه على بصره، وأعطى حسينا ثلاثمائة دينار.
ومنهم أبو عبيد مولاه عليه الصلاة والسلام.
قال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبان العطار، حدثنا قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبى عبيد أنه طبخ لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدرا فيها لحم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ناولنى ذراعها " فناولته فقال: " ناولنى ذراعها " فناولته فقال " ناولنى ذراعها ".
فقلت: يا نبى الله كم للشاة من ذراع ؟ قال: " والذى نفسي بيده لو سكت لاعطيتني ذراعها ما دعوت به ".
ورواه الترمذي في الشمائل عن بندار، عن مسلم بن إبراهيم، عن أبان بن يزيد العطار به.
* * * ومنهم أبوعسيب، ومنهم من يقول أبوعسيم، والصحيح الاول، ومن الناس من فرق بينهما.
وقد تقدم أنه شهد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ; وحضر دفنه، وروى قصة المغيرة بن شعبة.
وقال الحارث بن أبى أسامة: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا مسلم بن عبيد أبو(4/636)
نضرة، قال سمعت أبا عسيب مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أتانى جبريل بالحمى والطاعون ; فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام، فالطاعون شهادة لامتي ورحمة لهم ورجس على الكافر ".
وكذا رواه الامام أحمد عن يزيد بن هارون.
وقال أبو عبد الله بن منده: أنبأنا محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصغانى حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حشرج بن نباتة، حدثنى أبو نضرة البصري، عن أبى عسيب مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا فمر بى فدعاني ثم مر بأبى بكر فدعاه فخرج إليه، ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه، ثم انطلق يمشى حتى دخل حائطا لبعض الانصار، فقال رسول الله لصاحب الحائط: " أطعمنا بسرا " فجاء به فوضعه فأكل رسول الله وأكلوا جميعا ثم دعا بماء فشرب منه، ثم قال: " إن هذا النعيم، لتسألن يوم القيامة عن هذا " فأخذ عمر العذق فضرب به الارض حتى تناثر البسر، ثم قال: يا نبى الله إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة ؟ قال: " نعم إلا من ثلاثة، خرقة يستر بها الرجل عورته.
أو كسرة يسد بها جوعته، أو حجر يدخل فيه - يعنى من الحر والقر - ".
ورواه الامام أحمد عن شريح، عن حشرج.
وروى محمد بن سعد في الطبقات عن موسى بن إسماعيل، حدثتنا مسلمة بنت أبان الفريعية، قالت: سمعت ميمونة بنت أبى عسيب قالت: كان أبوعسيب يواصل بين ثلاث في الصيام، وكان يصلى الضحى قائما فعجز، وكان يصوم أيام البيض.
قالت: وكان في سريره جلجل فيعجز صوته حين يناديها به، فإذا حركه جاءت.
* * * ومنهم أبو كبشة الانمارى، من أنمار مذحج على المشهور، مولى النبي صلى الله عليه وسلم.(4/637)
في اسمه أقوال أشهرها أن اسمه سليم، وقيل عمرو بن سعد، وقيل عكسه.
وأصله من مولدي أرض دوس، وكان ممن شهد بدرا.
قاله موسى بن عقبة عن الزهري.
وذكره ابن إسحاق والبخاري والواقدى ومصعب الزبيري وأبو بكر بن أبى خيثمة.
زاد الواقدي: وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد.
وتوفى يوم استخلف عمر بن الخطاب، وذلك في يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة.
وقال خليفة بن خياط: وفى سنة ثلاث وعشرين توفى أبو كبشة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد تقدم عن أبى كبشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر في ذهابه إلى تبوك بالحجر جعل الناس يدخلون بيوتهم، فنودى أن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما يدخلكم على هؤلاء القوم الذين غضب الله عليهم ؟ " فقال رجل: نعجب منهم يا رسول الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أنبئكم بأعجب من ذلك ؟ رجل من أنفسكم
ينبئكم بما كان قبلكم، وما هو كائن بعدكم " الحديث.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبدالرحمن بن مهدى، عن معاوية بن صالح ; عن أزهر ابن سعيد الحوارى، سمعت أبا كبشة الانمارى، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في أصحابه، فدخل ثم خرج وقد اغتسل، فقلنا: يا رسول الله قد كان شئ ؟ قال: " أجل، مرت بى فلانة فوقع في نفسي شهوة النساء فأتيت بعض أزواجي فأصبتها، فكذلك فافعلوا، لانه من أماثل أعمالكم إتيان الحلال ".
وقال أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الاعمش، عن سالم بن أبى الجعد، عن أبى كبشة(4/638)
الانمارى، قال: قال رسول الله: " مثل هذه الامة مثل أربعة نفر.
رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يعمل به في ماله وينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو يقول: لو كان لى مثل مال هذا عملت فيه مثل الذى يعمل.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فهما في الاجر سواء ".
ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يخبط (1) فيه ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فهو يقول: لو كان لى مثل مال هذا عملت فيه مثل الذى يعمل.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فهما في الوزر سواء ".
وهكذا رواه ابن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة وعلى بن محمد، كلاهما عن وكيع.
ورواه ابن ماجه أيضا من وجه آخر من حديث منصور، عن سالم بن أبى الجعد، عن ابن أبى كبشة، عن أبيه.
وسماه بعضهم عبدالله بن أبى كبشة.
وقال أحمد، حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا محمد بن حرب، حدثنا الزبيدى، عن راشد بن سعد، عن أبى عامر الهوزنى، عن أبى كبشة الانمارى، أنه أتاه فقال: أطرقنى من فرسك، فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أطرق مسلما فعقب له الفرس كان كأجر سبعين حمل عليه في سبيل الله عزوجل ".
وقد روى الترمذي عن محمد بن إسماعيل، عن أبى نعيم، عن عبادة بن مسلم، عن يونس بن خباب، عن سعيد أبى البخترى الطائى، حدثنى أبو كبشة أنه قال: ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه ; ما نقص مال عبد صدقة وما ظلم عبد بمظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزا، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر.
الحديث.
__________
(1) يخبط: يسير فيه على غير هدى.
(*)(4/639)
وقال: حسن صحيح.
وقد رواه أحمد عن غندر، عن شعبة، عن الاعمش، عن سالم بن أبى الجعد عنه.
وروى أبو داود وابن ماجه من حديث الوليد بن مسلم، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن أبى كبشة الانمارى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحتجم على هامته وبين كتفيه.
وروى الترمذي حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا محمد بن حمران، عن أبى سعيد - وهو عبدالله بن بسر - قال: سمعت أبا كبشة الانمارى يقول: كانت كمام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بطحا (1).
* * * ومنهم أبو مويهبة مولاه عليه السلام، كان من مولدي مزينة، اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه، ولا يعرف اسمه رضى الله عنه.
وقال أبو مصعب الزبيري: شهد أبو مويهبة المريسيع، وهو الذى كان يقود لعائشة رضى الله عنها بعيرها.
وقد تقدم ما رواه الامام أحمد بسنده عنه في ذهابه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل إلى البقيع، فوقف عليه السلام فدعا لهم واستغفر لهم ثم قال: " ليهنكم ما أنتم
فيه مما فيه بعض الناس، أتت الفتن كقطع الليل المظلم يركب بعضها بعضا، الآخرة أشد من الاولى، فليهنكم أنتم فيه ".
ثم رجع فقال: " يا أبا مويهبة إنى خيرت مفاتيح ما يفتح على أمتى من بعدى والجنة أو لقاء ربى ; فاخترت لقاء ربى " قال: فما لبث بعد ذلك إلا سبعا - أو ثمانيا - حتى قبض.
فهؤلاء عبيده عليه السلام.
__________
(1) الكمام: القلانس.
والبطح: اللازقة بالرأس غير الذاهبة في الهواء.
(*)(4/640)
وأما إماؤه عليه السلام فمنهن أمة الله بنت رزينة (1).
الصحيح أن الصحبة لامها رزينة كما سيأتي، ولكن وقع في رواية ابن أبى عاصم: حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا محمد بن موسى، حدثتنا عليكة بنت الكميت العتكية، قالت حدثنى أبى، عن أمة الله خادم النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله سبى صفية يوم قريظة والنضير فأعتقها وأمهرها رزينة أم أمة الله.
وهذا حديث غريب جدا.
[ ومنهن أميمة.
قال ابن الاثير وهى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ] (2).
روى حديثها أهل الشام.
روى عنها جبير بن نفير أنها كانت توضئ رسول الله، فأتاه رجل يوما فقال له: أوصني، فقال: " لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت أو حرقت بالنار، ولا تدع صلاة متعمدا، فمن تركها متعمدا فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله، ولا تشربن مسكرا فإنه رأس كل خطيئة، ولا تعصين والديك وإن أمراك أن تختلى من أهلك ودنياك ".
ومنهن بركة أم أيمن وأم أسامة بن زيد بن حارثة.
وهى بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك بن سلمة بن عمرو بن
النعمان الحبشية.
غلب عليها كنيتها أم أيمن، وهو ابنها من زوجها الاول عبيد بن زيد الحبشى، ثم تزوجها بعده زيد بن حارثة فولدت له أسامة بن زيد، وتعرف بأم الظباء.
__________
(1) رزينة: بفتح أولها، وقيل بالتصغير.
الاصابة 8 / 81 (2) سقط من ح (*)(4/641)
وقد هاجرت الهجرتين رضى الله عنها، وهى حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه امنة بنت وهب، وقد كانت ممن ورثها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيه.
قاله الواقدي.
وقال غيره: بل ورثها من أمه.
وقيل: بل كانت لاخت خديجة فوهبتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنت قديما وهاجرت، وتأخرت بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
وتقدم ما ذكرناه من زيارة أبى بكر [ وعمر ] رضى الله عنهما إياها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها بكت فقالا لها: أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت: بلى، ولكن أبكى لان الوحى قد انقطع من السماء.
فجعلا يبكيان معها.
وقال البخاري في التاريخ: وقال عبدالله بن يوسف، عن ابن وهب، عن يونس ابن يزيد، عن الزهري، قال: كانت أم أيمن تحضن النبي صلى الله عليه وسلم حتى كبر، فأعتقها ثم زوجها زيد بن حارثة.
وتوفيت بعد النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة أشهر.
وقيل سته أشهر.
وقيل: إنها بقيت بعد قتل عمر بن الخطاب.
وقد رواه مسلم عن أبى الطاهر وحرملة، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، قال: كانت أم أيمن الحبشية فذكره.
وقال محمد بن سعد عن الواقدي: توفيت أم أيمن في أول خلافة عثمان بن عفان.
قال الواقدي: وأنبأنا يحيى بن سعيد بن دينار، عن شيخ من بنى سعد بن بكر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لام أيمن: " يا أمه " وكان إذا نظر إليها قال: " هذه بقية أهل بيتى ".
وقال أبو بكر بن أبى خيثمة: أخبرني سليمان بن أبى شيخ، قال: كان(4/642)
النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " أم أيمن أمي بعد أمي ".
وقال الواقدي، عن أصحابه المدنيين قالوا: نظرت أم أيمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشرب فقالت: اسقنى.
فقالت عائشة: أتقولين هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! فقالت: ما خدمته أطول.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صدقت " فجاء بالماء فسقاها.
وقال المفضل بن غسان: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبى، قال: سمعت عثمان ابن القاسم قال: لما هاجرت أم أيمن أمست بالمنصرف دون الروحاء وهى صائمة، فأصابها عطش شديد حتى جهدها.
قال: فدلى عليها دلو من السماء برشاء أبيض فيه ماء قالت: فشربت فما أصابني عطش بعد، وقد تعرضت العطش بالصوم في الهواجر فما عطشت بعد ! وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبى بكر المقدمى، حدثنا سالم بن قتيبة، عن الحسين بن حريث، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبدالرحمن، عن أم أيمن قالت: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فخارة يبول فيها، فكان إذا أصبح يقول: " يا أم أيمن صبى ما في الفخارة " فقمت ليلة وأنا عطشى فشربت ما فيها، فقال رسول الله: " يا أم أيمن صبى ما في الفخارة " فقالت: يا رسول الله قمت وأنا عطشى فشربت ما فيها فقال: " إنك لن تشتكى بطنك بعد يومك هذا أبدا " (1).
قال ابن الاثير في الغابة: وروى حجاج بن محمد، عن [ ابن ] جريج، عن حكيمة بنت أميمة، عن أمها أميمة بنت رقيقة قالت: كان للنبى صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه يضعه تحت السرير، فجاءت امرأة اسمها بركة فشربته، فطلبه
__________
(1) ننبه إلى أن أمثال هذه الروايات منافية في حقيقتها للمعروف من هدى الرسول وأمره، ولا يلزم أحدا تصديقها، ومن ثم فليس لها وزن علمي.
(*)(4/643)
فلم يجده، فقيل: شربته بركة.
فقال: " لقد احتظرت من النار بحظار ".
قال الحافظ أبو الحسن بن الاثير: وقيل إن التى شربت بوله عليه السلام إنما هي بركة الحبشية التى قدمت مع أم حبيبة من الحبشة، وفرق بينهما.
فالله أعلم.
قلت: فأما بريرة فإنها كانت لآل أبى أحمد بن جحش، فكاتبوها فاشترتها عائشة منهم فأعتقتها، فثبت ولاؤها لها كما ورد الحديث بذلك في الصحيحين، ولم يذكرها ابن عساكر.
ومنهن خضرة.
ذكرها ابن منده فقال: [ روى معاوية عن هشام، عن سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال ] (1): كان للنبى صلى الله عليه وسلم خادم يقال لها خضرة.
وقال محمد بن سعد عن الواقدي: حدثنا فائد مولى عبيد الله، عن عبيدالله بن على بن أبى رافع، عن جدته سلمى قالت: كان خدم رسول الله: أنا وخضرة ورضوى وميمونة بنت سعد، أعتقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهن.
ومنهن خليسة مولاة حفصة بنت عمر.
قال ابن الاثير في الغابة: روت حديثها عليكة بنت الكميت عن جدتها، عن خليسة مولاة حفصة، في قصة حفصة وعائشة مع سودة بنت زمعة ومزحهما معها بأن الدجال قد خرج، فاختبأت في بيت كانوا يوقدون فيه واستضحكتا، وجاء رسول الله فقال:
" ما شأنكما ؟ " فأخبرتاه بما كان من أمر سودة، فذهب إليها فقالت: يا رسول الله أخرج الدجال ؟ فقال: " لا، وكأن قد خرج " فخرجت وجعلت تنفض عنها بيض العنكبوت.
وذكر ابن الاثير خليسة مولاة سلمان الفارسى وقال: لها ذكر في إسلام سلمان وإعتاقها إياه، وتعويضه عليه السلام لها بأن غرس لها ثلاثمائة فسيلة، ذكرتها تمييزا.
__________
(1) سقطت من ا.
(*)(4/644)
ومنهن خولة خادم النبي صلى الله عليه وسلم، كذا قال ابن الاثير.
وقد روى حديثها الحافظ أبو نعيم من طريق حفص بن سعيد القرشى، عن أمه، عن أمها خولة وكانت خادم النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر حديثا في تأخر الوحى بسبب جرو كلب مات تحت سريره عليه السلام ولم يشعروا به، فلما أخرجه جاء الوحى، فنزل قوله تعالى: " والضحى والليل إذا سجى ".
وهذا غريب، والمشهور في سبب نزولها غير ذلك.
والله أعلم.
* * * ومنهن رزينة، قال ابن عساكر: والصحيح أنها كانت لصفية بنت حيى، وكانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: وقد تقدم في ترجمة ابنتها أمة الله أنه عليه السلام أمهر صفية بنت حيى أمها رزينة، فعلى هذا يكون أصلها له عليه السلام.
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو سعيد الجشمى، حدثتنا عليكة بنت الكميت، قالت سمعت أمي أمينة قالت حدثتني أمة الله بنت رزينة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبى صفية يوم قريظة والنضير حين فتح الله عليه، فجاء يقودها سبية، فلما رأت النساء قالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وإنك رسول
الله.
فأرسلها وكان ذراعها في يده، فأعتقها ثم خطبها وتزوجها وأمهرها رزينة.
هكذا وقع في هذا السياق، وهو أجود مما سبق من رواية ابن أبى عاصم.
ولكن الحق أنه عليه السلام اصطفى صفية من غنائم خيبر، وأنه أعتقها وجعل عتقها صداقها وما وقع في هذه الرواية يوم قريظة والنضير تخبيط فإنهما يومان بينهما سنتان.
والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقى في الدلائل: أخبرنا ابن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد(4/645)
الصفار، حدثنا على بن الحسن السكرى، حدثنا عبيدالله بن عمر القواريرى، حدثتنا عليكة بنت الكميت العتكية، عن أمها أمينة، قالت قلت لامة الله بنت رزينة مولاة رسول الله: يا أمة الله أسمعت أمك تذكر أنها سمعت رسول الله يذكر صوم عاشوراء ؟ قالت: نعم كان يعظمه ويدعو برضعائه ورضعاء ابنته فاطمة فيتفل في أفواههم ويقول لامهاتهم: " لا ترضعيهم إلى الليل ".
له شاهد في الصحيح.
ومنهن رضوى، قال ابن الاثير: روى سعيد بن بشير، عن قتادة، عن رضوى بنت كعب، أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحائض تخضب، فقال " ما بذلك بأس " رواه أبو موسى المدينى.
ومنهن ريحانة بنت شمعون القرظية، وقيل النضرية، وقد تقدم ذكرها بعد أزواجه رضى الله عنهن.
ومنهن زرينة والصحيح رزينة كما تقدم.
ومنهن سائبة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روت عنه حديثا في اللقطة، وعنها طارق بن عبدالرحمن، روى حديثها أبو موسى
المدينى هكذا ذكر ابن الاثير في الغابة.
ومنهن سديسة الانصارية، وقيل مولاة حفصة بنت عمر.
روت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الشيطان لم يلق عمر منذ أسلم إلا خر لوجهه ".
قال ابن الاثير: رواه عبدالرحمن بن الفضل بن الموفق، عن أبيه، عن إسرائيل، عن الاوزاعي عن سالم، عن سديسة، ورواه إسحاق بن يسار عن الفضل.
فقال عن(4/646)
سديسة، عن حفصة عن النبي صلى عليه وسلم، فذكره.
رواه أبو نعيم وابن مندة.
ومنهن سلامة، حاضنة إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روت عنه حديثا في فضل الحمل والطلق والرضاع والسهر، فيه غرابة ونكارة من جهة إسناده ومتنه.
رواه أبو نعيم وابن مندة، من حديث هشام بن عمار بن نصير خطيب دمشق، عن أبيه عمرو بن سعيد الخولانى، عن أنس عنها.
ذكرها ابن الاثير.
ومنهن سلمى، وهى أم رافع امرأة أبى رافع، كما رواه الواقدي عنها أنها قالت: كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وخضرة ورضوى وميمونة بنت سعد فأعتقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كلنا.
قال الامام أحمد: حدثنا أبو عامر وأبو سعيد مولى بنى هاشم، حدثنا عبدالرحمن ابن أبى الموالى، عن فائد مولى ابن أبى رافع، عن جدته سلمى خادم النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ما سمعت قط أحدا يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا في رأسه إلا قال: " احتجم " وفى رجليه إلا قال: " اخضبهما بالحناء ".
وهكذا رواه أبو داود من حديث ابن أبى الموالى، والترمذي وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب، كلاهما عن فائد عن مولاه عبيدالله بن على بن أبى رافع، عن جدته سلمى به.
وقال الترمذي: غريب إنما نعرفه من حديث فائد.
وقد روت عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يطول ذكرها واستقصاؤها.
قال مصعب الزبيري: وقد شهدت سلمى وقعة حنين.(4/647)
قلت: وقد ورد أنها كانت تطبخ للنبى صلى الله عليه وسلم الحريرة فتعجبه.
وقد تأخرت إلى بعد موته عليه السلام، وشهدت وفاة فاطمة رضى الله عنها، وقد كانت أولا لصفية بنت عبدالمطلب عمته عليه السلام، ثم صارت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت قابلة أولاد فاطمة وهى التى قبلت إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شهدت غسل فاطمة وغسلتها مع زوجها على بن أبى طالب وأسماء بنت عميس امرأة الصديق.
وقد قال لامام: أحمد حدثنا أبو النضر، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن عبيدالله بن على بن أبى رافع، عن أبيه، عن سلمى، قالت: أشتكت فاطمة عليها السلام شكواها الذى قبضت فيه، فكنت أمرضها.
فأصبحت يوما كمثل ما يأتيها في شكواها ذلك.
قالت: وخرج على لبعض حاجته فقالت: يا أمه اسكبي لى غسلا.
فسكبت لها غسلا فأغتسلت كأحسن ما رأيتها تغتسل، ثم قالت: يا أمه أعطني ثيابي الجدد.
فلبستها، ثم قالت: يا أمه قدمى لى فراشي وسط البيت، ففعلت، واضطجعت فاستقبلت القبلة وجعلت يدها تحت خدها ثم قالت: يا أمه إنى مقبوضة الآن، وقد تطهرت فلا يكشفنى أحد.
فقبضت مكانها.
قالت: فجاء على فأخبرته.
وهو غريب جدا.
* * * ومنهن شيرين، ويقال سيرين، أخت مارية القبطية خالة إبراهيم عليه السلام، وقدمنا أن المقوقس صاحب اسكندرية واسمه جريج بن مينا أهداهما مع غلام اسمه مابور وبغلة يقال لها الدلدل فوهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت، فولدت له ابنه عبدالرحمن بن حسان.(4/648)
ومنهن عنقودة أم مليح الحبشية، جارية عائشة، كان اسمها عنبة فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم عنقودة.
رواه أبو نعيم.
ويقال اسمها غفيرة.
فروة ظئر النبي صلى الله عليه وسلم - يعنى مرضعه.
قالت قال لى رسول الله: " إذا أويت إلى فراشك فاقرئي: قل يا أيها الكافرون فإنها براءة من الشرك ".
ذكرها أبو أحمد العسكري.
قاله ابن الاثير في الغابة.
فأما فضة النوبية فقد ذكر ابن الاثير في الغابة أنها كانت مولاة لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أورد بإسناد مظلم عن محبوب بن حميد البصري، عن القاسم بن بهرام، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى: " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ".
ثم ذكر ما مضمونه: أن الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وعادهما عامة العرب، فقالوا لعلى: لو نذرت ؟ فقال على: إن برئا مما بهما صمت لله ثلاثة أيام.
وقالت فاطمة كذلك، وقالت فضة كذلك.
فألبسهما الله العافية فصاموا، وذهب على فاستقرض من شمعون الخيبرى ثلاثة آصع من شعير، فهيأوا منه تلك الليلة صاعا، فلما وضعوه بين أيديهم للعشاء وقف على
الباب سائل فقال: أطعموا المسكين أطعمكم الله على موائد الجنة.
فأمرهم على فأعطوه ذلك الطعام وطووا، فلما كانت الليلة الثانية صنعوا لهم الصاع الآخر فلما وضعوه بين أيديهم وقف سائل فقال: أطعموا اليتيم.
فأعطوه ذلك وطووا.
فلما كانت الليلة الثالثة قال: أطعموا الاسير.
فأعطوه وطووا ثلاثة أيام وثلاث ليال.
فأنزل الله في حقهم: " هل أتى على الانسان " إلى قوله " لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ".(4/649)
وهذا الحديث منكر، ومن الائمة من يجعله موضوعا ويسند ذلك إلى ركة ألفاظه، وأن هذه السورة مكية والحسن والحسين إنما ولدا بالمدينة.
والله أعلم.
ليلى مولاة عائشة، قالت: يا رسول الله إنك تخرج من الخلاء فأدخل في أثرك فلم أر شيئا، إلا أنى أجد ريح المسك ؟ فقال: " إنا معشر الانبياء تنبت أجسادنا على أرواح أهل الجنة، فما خرج منا من نتن ابتلعته الارض ".
رواه أبو نعيم من حديث أبى عبدالله المدنى - وهو أحد المجاهيل - عنها.
مارية القبطية أم إبراهيم، تقدم ذكرها مع أمهات المؤمنين.
وقد فرق ابن الاثير بينها وبين مارية أم الرباب، قال: وهى جارية للنبى صلى الله عليه وسلم أيضا.
حديثها عند أهل البصرة رواه عبدالله بن حبيب، عن أم سلمى، عن أمها عن جدتها مارية، قالت: تطأطأت للنبى صلى الله عليه وسلم حتى صعد حائطا ليلة فر من المشركين.
ثم قال: ومارية خادم النبي صلى الله عليه وسلم.
روى أبو بكر عن ابن عباس، عن المثنى بن صالح، عن جدته مارية - وكانت خادم النبي صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: ما مسست بيدى شيئا قط ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب: لا أدرى أهى التى قبلها أم لا.
ومنهن ميمونة بنت سعد، قال لامام أحمد: حدثنا على بن بحر (1)، حدثنا عيسى - هو ابن يونس، حدثنا ثور، هو ابن يزيد، عن زياد بن أبى سودة، عن أخيه، أن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس ؟.
قال: " أرض المنشر والمحشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة "
__________
(1) المطبوعة: على بن محمد بن محرز.
وهو تحريف.
(*)(4/650)
قالت: أرأيت من لم يطق أن يتحمل إليه أو يأتيه ؟ قال: " فليهد إليه زيتا يسرج فيه، فإنه من أهدى له كان كمن صلى فيه ".
وهكذا رواه ابن ماجه، عن إسماعيل بن عبدالله الرقى، عن عيسى بن يونس، عن ثور، عن زياد، عن أخيه عثمان بن أبى سودة، عن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد رواه أبو داود، عن الفضل بن مسكين بن بكير، عن سعيد بن عبد العزيز، عن ثور، عن زياد، عن ميمونة لم يذكر أخاه، فالله أعلم.
وقال أحمد: حدثنا حسين وأبو نعيم قالا: حدثنا إسرائيل، عن زيد بن جبير، عن أبى يزيد الضبى، عن ميمونة بنت سعد مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ولد الزنا قال: " لا خير فيه، نعلان أجاهد بهما في سبيل الله أحب إلى من أن أعتق ولد الزنا ".
وهكذا رواه النسائي عن عباس الدوري وابن ماجه، من حديث أبى بكر بن أبى شيبة، كلاهما عن أبى نعيم الفضل بن دكين به.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا المحاربي، حدثنا موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، عن ميمونة - وكانت تخدم النبي صلى الله
عليه وسلم - قالت: قال رسول الله: " الرافلة في الزينة في غير أهلها، كالظلمة يوم القيامة لا نور لها ".
ورواه الترمذي من حديث موسى بن عبيدة وقال: لا نعرفه إلا من حديثه.
وهو يضعفه في الحديث.
وقد رواه بعضهم عنه فلم يرفعه.
ومنهن ميمونة بنت أبى عنيسة أو عنبسة، قاله أبو عمرو بن منده.
قال أبو نعيم: وهو تصحيف، والصواب ميمونة بنت أبى عسيب، كذلك روى(4/651)
حديثها المنجع بن مصعب أبو عبد الله العبدى، عن ربيعة بنت مرثد وكانت تنزل في بنى قريع، عن منبه، عن ميمونة بنت أبى عسيب، وقيل بنت أبى عنبسة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأة من حريش أتت النبي صلى الله عليه وسلم فنادت: يا عائشة أغيثيني بدعوة من رسول الله تسكنينى بها وتطمنيني بها، وأنه قال لها: " ضعى يدك اليمنى على فؤادك فامسحيه، وقولى: بسم الله اللهم داونى بدوائك، واشفني بشفائك، وأغنني بفضلك عمن سواك ".
قالت ربيعة: فدعوت به فوجدته جيدا.
ومنهن أم ضميرة زوج أبى ضميرة.
وقد تقدم الكلام عليهم رضى الله عنهم.
ومنهن أم عياش بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ابنته تخدمها حين زوجها عثمان بن عفان قال أبو القاسم البغوي: حدثنا عكرمة، حدثنا عبد الواحد بن صفوان، حدثنى أبى صفوان، عن أبيه، عن جدته أم عياش - وكانت خادم النبي صلى الله عليه وسلم - بعث بها مع ابنته إلى عثمان، قالت: كنت أمغث (1) لعثمان التمر غدوة فيشربه عشية، وأنبذه عشية فيشربه غدوة، فسألني ذات يوم فقال: تخلطين فيه شيئا ؟ فقلت: أجل.
قال: فلا تعودي.
فهؤلاء إماؤه رضى الله عنهن.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا القاسم بن الفضل، حدثنى ثمامة بن حزن قال:
سألت عائشة عن النبيذ فقالت: هذه خادم رسول الله فسلها، لجارية حبشية، فقالت: كنت أنبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سقاء عشاء فأوكيه، فإذا أصبح شرب منه.
ورواه مسلم والنسائي من حديث القاسم بن الفضل به.
هكذا ذكره أصحاب الاطراف في مسند عائشة، والاليق ذكره في مسند جارية حبشية كانت تخدم النبي، وهى إما أن تكون واحدة ممن قدمنا ذكرهن، أو زائدة عليهن والله أعلم.
__________
(1) المغث: الضرب الخفيف.
(*)(4/652)
فصل وأما خدامه عليه السلام ورضى الله عنهم الذين خدموه من الصحابة من غير مواليه فمنهم: أنس بن مالك أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عاصم بن غنم ابن عدى بن النجار الانصاري النجارى، أبو حمزة المدنى نزيل البصرة.
خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة مقامه بالمدينة عشر سنين، فما عاتبه على شئ أبدا، ولا قال لشئ فعله: لم فعلته ؟ ولا لشئ لم يفعله، ألا فعلته.
وأمه أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام، هي التى أعطته رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله، وسألته أن يدعو له فقال: " اللهم أكثر ماله وولده، وأطل عمره وأدخله الجنة ".
قال أنس: فقد رأيت اثنتين وأنا أنتظر الثالثة، والله إن مالى لكثير، وإن ولدى وولد ولدى ليتعادون على نحو من مائة.
وفى رواية: وإن كرمى ليحمل في السنة مرتين، وإن ولدى لصلبي مائة
وستة أولاد.
وقد اختلف في شهوده بدرا، وقد روى الانصاري عن أبيه، عن ثمامة قال قيل لانس: أشهدت بدرا ؟ فقال: وأين أغيب عن بدر لا أم لك ! والمشهور أنه لم يشهد بدرا لصغره، ولم يشهد أحدا أيضا لذلك، وشهد الحديبية وخيبر وعمرة القضاء والفتح وحنينا والطائف وما بعد ذلك.(4/653)
قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن أم سليم - يعنى أنس بن مالك -.
وقال ابن سيرين، كان أحسن الناس صلاة في سفره وحضره.
وكانت وفاته بالبصرة، وهو آخر من كان قد بقى فيها من الصحابة، فيما قاله على بن المدينى، وذلك في سنة تسعين، وقيل إحدى وقيل: ثنتين، وقيل ثلاث وتسعين، وهو الاشهر، وعليه الاكثر.
وأما عمره يوم مات فقد روى الامام أحمد في مسنده: حدثنا معتمر بن سليمان، عن حميد، أن أنسا عمر مائة سنة غير سنة.
وأقل ما قيل: ست وتسعون، وأكثر ما قيل مائة وسبع سنين، وقيل ست، وقيل مائة وثلاث سنين.
فالله أعلم.
* * * ومنهم رضى الله عنهم الاسلع بن شريك بن عوف الاعرجي.
قال محمد بن سعد: كان اسمه ميمون بن سنباذ.
قال الربيع بن بدر الاعرجي، عن أبيه عن جده عن الاسلع قال: كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم وأرحل معه، فقال ذات ليلة: " يا أسلع قم فارحل " قال: أصابتني جنابة يارسول الله.
قال: فسكت ساعة وأتاه جبريل بآية الصعيد، [ فقال: قم يا أسلع فتيمم ] قال: فتمسحت وصليت، فلما انتهيت
إلى الماء قال: " يا أسلع قم فاغتسل " قال: فأراني التيمم فضرب رسول الله يديه إلى الارض ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه، ثم ضرب بيديه الارض ثم نفضهما فمسح بهما ذراعيه، باليمنى على اليسرى، وباليسرى على اليمنى، ظاهرهما وباطنهما.
قال الربيع: وأرانى أبى، كما أراه أبوه، كما أراه الاسلع، كما أراه رسول الله.
قال الربيع فحدثت بهذا الحديث عوف بن أبى جميلة فقال: هكذا والله رأيت الحسن يصنع.(4/654)
رواه ابن منده والبغوى في كتابيهما معجم الصحابة من حديث الربيع بن بدر هذا، قال البغوي: ولا أعلمه روى غيره.
قال ابن عساكر: وقد روى - يعنى هذا الحديث - الهيثم بن رزيق المالكى المدلجى، عن أبيه، عن الاسلع بن شريك.
ومنهم رضى الله عنهم أسماء بن حارثة بن سعد بن عبدالله بن عباد بن سعد بن عمرو بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أقصى الاسلمي.
وكان من أهل الصفة ; قاله محمد بن سعد.
وهو أخو هند بن حارثة، وكانا يخدمان النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا عبدالرحمن بن حرملة عن يحيى بن هند بن حارثة، وكان هند من أصحاب الحديبية، وكان أخوه الذى بعثه رسول الله يأمر قومه بالصيام يوم عاشوراء، وهو أسماء بن حارثة.
فحدثني يحيى بن هند عن أسماء بن حارثة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه فقال: " مر قومك بصيام هذا اليوم ".
قال: أرأيت إن وجدتهم قد طعموا ؟ قال: " فليتموا آخر يومهم ".
وقد رواه أحمد بن خالد الذهبي، عن محمد بن إسحاق، حدثنى عبدالله بن أبى بكر،
عن حبيب بن هند بن أسماء الاسلمي، عن أبيه هند قال: بعثنى رسول الله إلى قوم من أسلم فقال: " مر قومك فليصوموا هذا اليوم، ومن وجدت منهم أكل في أول يومه فليصم آخره ".
قال محمد بن سعد عن الواقدي: أنبأنا محمد بن نعيم بن عبدالله المجمر، عن أبيه، قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما كنت أظن أن هندا وأسماء ابني حارثة إلا مملوكين لرسول الله صلى الله عليه وسلم.(4/655)
قال الواقدي: كانا يخدمانه لا يبرحان بابه، هما وأنس بن مالك.
قال محمد بن سعد: وقد توفى أسماء بن حارثة في سنة ست وستين بالبصرة عن ثمانين سنة.
ومنهم بكير بن الشداخ الليثى.
ذكر ابن منده من طريق أبى بكر الهذلى، عن عبدالملك بن يعلى الليثى، أن بكير بن شداخ الليثى كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم.
فاحتلم فأعلم بذلك رسول الله وقال: إنى كنت أدخل على أهلك.
وقد احتلمت الآن يا رسول الله، فقال: " اللهم صدق قوله، ولقه الظفر ".
فلما كان في زمان عمر قتل رجل من اليهود، فقام عمر خطيبا فقال: أنشد الله رجلا عنده من ذلك علم ؟ فقام بكير فقال: أنا قتلته يا أمير المؤمنين.
فقال عمر: بؤت بدمه فأين المخرج ؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن رجلا من الغزاة استخلفني على أهله، فجئت فإذا هذا اليهودي عند امرأته وهو يقول: وأشعث غره الاسلام منى * خلوت بعرسه ليل التمام أبيت على ترائبها ويمسى * على جرد الاعنة والحزام (1)
كان مجامع الربلات منها * فئام ينهضون إلى فئام (2) قال: فصدق عمر قوله وطل دم اليهودي بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لبكير بما تقدم.
* * *
__________
(1) الترائب: عظام الصدر.
والاعنة، جمع عنان وهو سير اللجام الذى تمسك به الدابة.
والجرد: المغبرة (2) الربلات: جمع ربلة وهى باطن الفخذ، أو كل لحمة غليظة.
والفئام: الجماعة من الناس.
(*)(4/656)
ومنهم رضى الله عنهم بلال بن رباح الحبشى.
ولد بمكة وكان مولى لامية بن خلف، فاشتراه أبو بكر منه بمال جزيل، لان أمية كان يعذبه عذابا شديدا ليرتد عن الاسلام فيأبى إلا الاسلام رضى الله عنه، فلما اشتراه أبو بكر أعتقه ابتغاء وجه الله.
وهاجر حين هاجر الناس، وشهد بدرا وأحدا وما بعدهما من المشاهد رضى الله عنه.
وكان يعرف ببلال بن حمامة وهى أمه.
وكان من أفصح الناس، لا كما يعتقده بعض الناس أن سينه كانت شينا، حتى أن بعض الناس يروى حديثا في ذلك لا أصل له عن رسول الله أنه قال: إن سين بلال شين.
وهو أحد المؤذنين الاربعة كما سيأتي، وهو أول من أذن كما قدمنا.
وكان يلى أمر النفقة على العيال، ومعه حاصل ما يكون من المال.
ولما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيمن خرج إلى الشام للغزو، ويقال: إنه أقام يؤذن لابي بكر أيام خلافته، والاول أصح وأشهر.
قال الواقدي: مات بدمشق سنة عشرين وله بضع وستون سنة.
وقال الفلاس: قبره بدمشق، ويقال بداريا (1)، وقيل إنه مات بحلب، والصحيح
أن الذى مات بحلب أخوه خالد.
قال مكحول: حدثنى من رأى بلالا قال: كان شديد الادمة نحيفا أجنأ (2) له شعر كثير، وكان لا يغير شيبه رضى الله عنه.
* * *
__________
(1) داريا: قرية كبيرة من قرى دمشق بالغوطة.
المراصد.
(2) الاجنأ: من أشرف كاهله على صدره.
(*)(4/657)
ومنهم رضى الله عنهم حبة وسواء ابنا خالد رضى الله عنهما.
قال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، قال حدثنا وكيع، حدثنا الاعمش، عن سلام ابن شرحبيل، عن حبة وسواء ابنا خالد قالا: دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلح شيئا فأعناه، فقال: " لا تيئسا من الرزق ما تهزهزت رؤسكما، فإن الانسان تلده أمه أحيمر ليس عليه قشرة، ثم يرزقه الله عزوجل ".
ومنهم رضى الله عنهم ذو مخمر، ويقال ذو مخبر ; وهو ابن أخى النجاشي ملك الحبشة، ويقال ابن أخته.
والصحيح الاول.
كان بعثه ليخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم نيابة عنه.
قال الامام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا جرير، عن يزيد بن صليح، عن ذى مخمر - وكان رجلا من الحبشة يخدم النبي صلى الله عليه وسلم - قال: كنا معه في سفر فأسرع السير حتى انصرف، وكان يفعل ذلك لقلة الزاد.
فقال له قائل: يا رسول الله قد انقطع الناس، قال: فحبس وحبس الناس معه حتى تكاملوا إليه، فقال لهم: " هل لكم أن نهجع هجعة ؟ " [ أو قال له قائل ] (1) فنزل ونزلوا، فقالوا: من يكلؤنا الليلة ؟ فقلت: أنا جعلني الله فداك: فأعطاني خطام ناقته فقال: " هاك لا تكونن لكعا ".
قال: فأخذت بخطام ناقة رسول الله وخطام ناقتي، فتنحيت غير بعيد فخليت
سبيلهما ترعيان، فإنى كذلك أنظر إليهما إذ أخذني النوم، فلم أشعر بشئ حتى وجدت حر الشمس على وجهى، فاستيقظت فنظرت يمينا وشمالا فإذا أنا بالراحلتين منى غير بعيد، فأخذت بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخطام ناقتي، فأتيت أدنى القوم فأيقظته فقلت: أصليت ؟ قال: لا.
فأيقظ الناس بعضهم بعضا حتى استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
__________
(1) سقط من ح.
(*)(4/658)
" يا بلال هل في الميضأة ماء " يعنى الاداوة، فقال: نعم جعلني الله فداك، فأتاه بوضوء لم يلت (1) منه التراب، فأمر بلالا فأذن، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الركعتين قبل الصبح وهو غير عجل، ثم أمره فأقام الصلاة فصلى وهو غير عجل، فقال له قائل: يا رسول الله أفرطنا ؟ قال: " لا، قبض الله أرواحنا وردها إلينا، وقد صلينا ".
* * * ومنهم رضى الله عنهم ربيعة بن كعب الاسلمي أبو فراس.
قال الاوزاعي: حدثنى يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة، عن ربيعة بن كعب، قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآتيه بوضوئه وحاجته، فكان يقوم من الليل فيقول: " سبحان ربى وبحمده " الهوى (2) " سبحان رب العالمين ".
الهوى.
فقال رسول الله: " هل لك حاجة ؟ " قلت: يا رسول الله مرافقتك في الجنة، قال: " فأعنى على نفسك بكثرة السجود ".
وقال الامام أحمد: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبى، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنى محمد بن عمرو بن عطاء، عن نعيم بن محمد، عن ربيعة بن كعب قال: كنت أخدم رسول الله نهاري أجمع، حتى يصلى عشاء الآخرة، فأجلس ببابه إذا دخل بيته أقول: لعلها أن
تحدث لرسول الله حاجة.
فما أزال أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " سبحان الله وبحمده " حتى أمل فأرجع، أو تغلبني عيناى فأرقد.
فقال لى يوما - لما يرى من حقى له وخدمتي إياه -: " يا ربيعة بن كعب سلنى أعطك " قال: فقلت: أنظر في أمرى يا رسول الله ثم أعلمك ذلك.
قال: ففكرت في نفسي فعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة، وأن لى فيها رزقا
__________
(1) يلت: يزل أو ينقص.
(2) الهوى: ساعة من الليل.
(*)(4/659)
سيكفيني ويأتينى، قال: فقلت: أسأل رسول الله لآخرتي فإنه من الله بالمنزل الذى هو به.
قال: فجئته فقال: " ما فعلت يا ربيعة ؟ " قال: فقلت: نعم يا رسول الله أسألك أن تشفع لى إلى ربك فيعتقني من النار.
قال: فقال: " من أمرك بهذا يا ربيعة ؟ " قال فقلت: لا والذى بعثك بالحق ما أمرنى به أحد، ولكنك لما قلت: سلنى أعطك وكنت من الله بالمنزل الذى أنت به، نظرت في أمرى فعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة، وأن لى فيها رزقا سيأتيني، فقلت: أسأل رسول الله لآخرتي.
قال: فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال لى: " إنى فاعل، فأعنى على نفسك بكثرة السجود ".
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، أنبأنا يزيد بن هارون، حدثنا مبارك بن فضالة، حدثنا أبوعمران الجونى، عن ربيعة الاسلمي - وكان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم - قال فقال لى ذات يوم: " يا ربيعة ألا تزوج ؟ " قال قلت: يا رسول الله ما أحب أن يشغلني عن خدمتك شئ وما عندي ما أعطى المرأة.
قال: فقلت بعد ذلك: رسول الله أعلم بما عندي منى يدعوني إلى التزويج، لئن دعاني هذه المرة لاجيبنه.
قال: فقال لى: " يا ربيعة ألا تزوج ؟ " فقلت: يا رسول الله ومن
يزوجنى، ما عندي ما أعطى المرأة.
فقال لى: انطلق إلى بنى فلان فقل لهم إن رسول الله يأمركم أن تزوجوني فتاتكم فلانة.
قال: فأتيتهم فقلت: إن رسول الله أرسلني إليكم لتزوجوني فتاتكم فلانة.
قالوا: فلانة ؟ قال: نعم.
قالوا: مرحبا برسول الله ومرحبا برسوله.
فزوجوني.
فأتيت رسول الله فقلت: يا رسول الله أتيتك من خير أهل بيت صدفوني وزوجوني فمن أين لى ما أعطى صداقي ؟ فقال رسول الله لبريدة الاسلمي: " اجمعوا لربيعة في صداقه(4/660)
في وزن نواة من ذهب.
فجمعوها فأعطوني فأتيتهم فقبلوها، فأتيت رسول الله فقلت: يا رسول الله قد قبلوا، فمن أين لى ما أولم ؟ قال: فقال رسول الله لبريدة: " اجمعوا لربيعة في ثمن كبش " قال: فجمعوا وقال لى: " انطلق إلى عائشة فقل لها فلتدفع إليك ما عندها من الشعير " قال: فأتيتها فدفعت إلى، فانطلقت بالكبش والشعير فقالوا: أما الشعير فنحن نكفيك، وأما الكبش فمر أصحابك فليذبحوه.
وعملوا الشعير، فأصبح والله عندنا خبز ولحم.
ثم إن رسول الله أقطع أبا بكر أرضا له فاختلفنا في عذق، فقلت: هو في أرضى.
وقال أبو بكر: هو في أرضى.
فتنازعنا فقال لى أبو بكر كلمة كرهتها، فندم فأحضرني فقال لى: قل لى كما قلت.
قال: فقلت: لا والله لا أقول لك كما قلت لى.
قال: إذا آتى رسول الله.
قال: فأتى رسول الله وتبعته، فجاءني قومي يتبعونني فقالوا: هو الذى قال لك وهو يأتي رسول الله فيشكو ! قال: فالتفت إليهم فقلت: تدرون من هذا ؟ هذا الصديق وذو شيبة المسلمين، ارجعوا لا يلتفت فيراكم فيظن أنكم إنما جئتم لتعينوني عليه فيغضب فيأتى رسول الله فيخبره فيهلك ربيعة ! قال: فأتى رسول الله فقال: إنى قلت لربيعة كلمة كرهتها، فقلت له يقول لى مثل
ما قلت له فأبى.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا ربيعة ومالك وللصديق ؟ " قال: فقلت: يارسول الله والله لا أقول له كما قال لى.
فقال رسول الله: " لا تقل له كما قال لك، ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر ".
* * * ومنهم رضى الله عنهم سعد مولى أبى بكر رضى الله عنه، ويقال مولى النبي صلى الله عليه وسلم.(4/661)
قال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عامر، عن الحسن، عن سعد مولى أبى بكر الصديق، أن رسول الله قال لابي بكر - وكان سعد مملوكا لابي بكر، وكان رسول الله يعجبه خدمته -: " أعتق سعدا " فقال: يا رسول الله مالنا خادم هاهنا غيره، فقال: " أعتق سعدا أتتك الرجال أتتك الرجال ".
وهكذا رواه أحمد عن أبى داود الطيالسي.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عامر، عن الحسن، عن سعد قال: قربت بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم تمرا، فجعلوا يقرنون، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القران (1).
ورواه ابن ماجه عن بندار عن أبى داود به.
ومنهم رضى الله عنهم عبدالله بن رواحة.
دخل يوم عمرة القضاء مكة وهو يقود بناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: خلوا بنى الكفار عن سبيله * اليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله * ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله *
كما قدمنا ذلك بطوله.
وقد قتل عبدالله بن رواحة بعد هذا بأشهر في يوم مؤتة كما تقدم أيضا.
ومنهم رضى الله عنهم عبدالله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ أبو عبد الرحمن الهذلى.
أحد أئمة الصحابة، هاجر الهجرتين وشهد بدرا وما بعدها، كان بلى حمل نعل النبي صلى الله عليه وسلم، ويلى طهوره، ويرحل دابته إذا أراد الركوب.
وكانت له اليد الطولى في تفسير كلام الله، وله العلم الجم والفضل والحلم، وفى الحديث
__________
(1) القران في التمر: الجمع بين تمرتين في الاكل.
(*)(4/662)
أن رسول الله قال لاصحابه - وقد جعلوا يعجبون من دقة ساقيه - فقال: " والذى نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد ".
وقال عمر بن الخطاب في ابن مسعود: هو كنيف ملئ علما.
وذكروا أنه [ كان ] نحيف الخلق حسن الخلق، يقال إنه كان إذا مشى يسامت الجلوس، وكان يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في هديه ودله وسمته.
يعنى أنه يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في حركاته وسكناته وكلامه ويتشبه بما استطاع من عبادته.
توفى رضى الله عنه في أيام عثمان سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين بالمدينة، عن ثلاث وستين سنة، وقيل إنه توفى بالكوفة والاول أصح.
ومنهم رضى الله عنهم عقبة بن عامر الجهنى.
قال الامام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جابر، عن القاسم أبى عبدالرحمن، عن عقبة بن عامر، قال: بينما أقود برسول الله صلى الله عليه وسلم في نقب (1) من تلك النقاب، إذ قال لى: " يا عقبة ألا تركب ؟ " قال: فأشفقت أن تكون معصية.
قال:
فنزل رسول الله وركبت هنيهة، ثم ركب ثم قال: " يا عقب ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس ؟ " قلت: بلى يا رسول الله.
فأقرأني: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس.
ثم أقيمت الصلاة فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ بهما.
ثم مر بى فقال: " اقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت ".
وهكذا رواه النسائي من حديث الوليد بن مسلم وعبد الله بن المبارك، عن ابن جابر، ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن العلاء
__________
(1) النقب، الطريق في الجبل.
(*)(4/663)
ابن الحارث، عن القاسم أبى عبدالرحمن عن عقبة به.
ومنهم رضى الله عنهم قيس بن سعد بن عبادة الانصاري الخزرجي.
روى البخاري عن أنس قال: كان قيس بن سعد بن عبادة من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرط من الامير.
وقد كان قيس هذا رضى الله عنه من أطول الرجال، وكان كوسجا (1) ويقال إن سراويله كان يضعه على أنفه من يكون من أطول الرجال فتصل رجلاه الارض.
وقد بعث سراويله معاوية إلى ملك الروم يقول له: هل عندكم رجل تجئ هذه السراويل على طوله ؟ فتعجب صاحب الروم من ذلك.
وذكروا أنه كان كريما ممدحا ذا رأى ودهاء، وكان مع على بن أبى طالب أيام صفين.
وقال مسعر عن معبد بن خالد: كان قيس بن سعد لا يزال رافعا إصبعه المسبحة يدعو رضى الله عنه وأرضاه.
وقال الواقدي وخليفة بن خياط وغيرهما: توفى بالمدينة في آخر أيام معاوية.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمر بن الخطاب السجستاني، حدثنا على بن يزيد الحنفي، حدثنا سعيد بن الصلت، عن الاعمش، عن أبى سفيان، عن أنس قال: كان عشرون شابا من الانصار يلزمون رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوائجه، فإذا أراد أمرا بعثهم فيه.
* * * ومنهم رضى الله عنهم المغيرة بن شعبة الثقفى رضى الله عنه.
كان بمنزلة السلحدار (2) بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان رافعا السيف في يده وهو واقف على
__________
(1) الكوسج: الناقص الاسنان.
(2) السلحدار: صاحب السلاح.
أعجمية.
(*)(4/664)
رأس النبي صلى الله عليه وسلم في الخيمة يوم الحديبية، فجعل كلما أهوى عمه عروة بن مسعود الثقفى حين قدم في الرسيلة إلى لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم - على ما جرت به عادة العرب في مخاطباتها - يقرع يده بقائمة السيف ويقول: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ألا تصل إليك.
الحديث كما قدمنا.
قال محمد بن سعد وغيره: شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولاه مع أبى سفيان الامرة حين ذهبا فخربا طاغوت أهل الطائف، وهى المدعوة بالربة، وهى اللات.
وكان داهية من دهاة العرب.
قال الشعبى: سمعته يقول: ما غلبنى أحد قط.
وقال الشعبى: سمعت قبيصة بن جابر يقول: صحبت المغيرة بن شعبة، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج من أبوابها.
وقال الشعبى: القضاة أربعة: أبو بكر وعمر وابن مسعود وأبو موسى، والدهاة أربعة: معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة وزياد.
وقال الزهري: الدهاة خمسة ; معاوية وعمرو والمغيرة، واثنان مع على وهما قيس
ابن سعد بن عبادة وعبد الله بن بديل (1) بن ورقاء.
وقال الامام مالك: كان المغيرة بن شعبة رجلا نكاحا للنساء، وكان يقول: صاحب الواحدة إن حاضت حاض معها، وإن مرضت مرض معها، وصاحب الثنتين بين نارين يشتعلان.
قال: فكان ينكح أربعا ويطلقهن جميعا ! وقال غيره: تزوج ثمانين امرأة، وقيل ثلاثمائة امرأة، وقيل: أحصن ألف امرأة.
وقد اختلف في وفاته على أقوال أشهرها وأصحها وهو الذى حكى عليه الخطيب البغدادي الاجماع: أنه توفى سنة خمسين.
* * *
__________
(1) ا: وبديل بن ورقاء.
(*)(4/665)
ومنهم رضى الله عنهم المقداد بن الاسود أبو معبد الكندى، حليف بنى زهرة.
قال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبدالرحمن بن أبى ليلى، عن المقداد بن الاسود قال: قدمت المدينة أنا وصاحبان، فتعرضنا للناس فلم يضفنا أحد، فأتينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرنا له، فذهب بنا إلى منزله وعنده أربعة أعنز، فقال: " احلبهن يا مقداد، وجزئهن أربعة أجزاء، وأعط كل إنسان جزءا " فكنت أفعل ذلك.
فرفعت للنبى صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فاحتبس، واضطجعت على فراشي فقالت لى نفسي: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أتى أهل بيت من الانصار، فلو قمت فشربت هذه الشربة.
فلم تزل بى حتى قمت فشربت جزأه، فلما دخل في بطني وتقار أخذني ما قدم وما حدث، فقلت: يجئ الآن النبي صلى الله عليه وسلم جائعا ظمآنا فلا يرى في القدح شيئا، فسجيت ثوبا على وجهى.
وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فسلم تسليمة تسمع اليقظان ولا توقظ النائم، فكشف عنه فلم ير شيئا، فرفع رأسه إلى السماء فقال: " اللهم اسق من سقاني، وأطعم من أطعمني ".
فاغتنمت دعوته وقمت فأخذت الشفرة فدنوت إلى الاعنز فجعلت أجسهن أيتهن أسمن لاذبحها، فوقعت يدى على ضرع إحداهن فإذا هي حافل، ونظرت إلى الاخرى فإذا هي حافل، فنظرت فإذا هن كلهن حفل، فحلبت في إناء فأتيته به فقلت: اشرب.
فقال: " ما الخبر يا مقداد ؟ " فقلت: اشرب ثم الخبر.
فقال: " بعض سوأتك يا مقداد " فشرب ثم قال: " اشرب " فقلت: اشرب يا نبى الله، فشرب حتى تضلع ثم أخذته فشربته، ثم أخبرته الخبر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هيه " فقلت: كان كذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هذه بركة منزلة من السماء أفلا أخبرتني(4/666)
حتى أسقى صاحبيك ؟ " فقلت: إذا شربت البركة أنا وأنت فلا أبالى من أخطأت.
وقد رواه الامام أحمد أيضا عن أبى النضر، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبدالرحمن بن أبى ليلى، عن المقداد.
فذكر ما تقدم، وفيه أنه حلب في الاناء الذى كانوا لا يطمعون أن يحلبوا فيه، فحلب حتى علته الرغوة.
ولما جاء به قال له رسول الله: " أما شربتم شرابكم الليلة يا مقداد ؟ " فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب ثم ناولنى فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب ثم ناولنى فأخذت ما بقى ثم شربت.
فلما عرفت أن رسول الله قد روى فأصابتني دعوته ضحكت حتى ألقيت إلى الارض، فقال رسول الله: " إحدى سوأتك يا مقداد ! ".
فقلت: يا رسول الله كان من أمرى كذا، صنعت كذا.
فقال: " ما كانت هذه إلا رحمة الله، ألا كنت آذنتتى توقظ صاحبيك هذين فيصيبان منها " قال: قلت: والذى بعثك بالحق ما أبالى إذا أصبتها وأصبتها معك من أصابها من الناس.
وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة به.
ومنهم رضى الله عنهم مهاجر مولى أم سلمة.
قال الطبراني: حدثنا أبوالزنباع روح بن الفرج، حدثنا يحيى بن عبدالله بن بكير، حدثنى إبراهيم بن عبدالله، سمعت بكيرا يقول: سمعت مهاجرا مولى أم سلمة قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم سنين فلم يقل لى لشئ صنعته لم صنعته، ولا لشئ تركته لم تركته.
وفى رواية: خدمته عشر سنين أو خمس سنة.
ومنهم رضى الله عنهم أبو السمح.
قال أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفى: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا عبدالرحمن بن مهدى، حدثنا يحيى بن الوليد، حدثنى محل ابن خليفة، حدثنى أبو السمح، قال: كنت أخدم رسول الله.
قال كان إذا أراد أن(4/667)
يغتسل قال: ناولنى إداوتى، قال: فأناوله وأستره، فأتى بحسن أو حسين فبال على صدره، فجئت لاغسله فقال: " يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام ".
وهكذا رواه أو داود والنسائي وابن ماجه عن مجاهد بن موسى.
ومنهم رضى الله عنهم أفضل الصحابة على الاطلاق أبو بكر الصديق رضى الله عنه تولى خدمته بنفسه في سفرة الهجرة، لا سيما في الغار وبعد خروجهم منه حتى وصلوا إلى المدينة.
كما تقدم ذلك مبسوطا ولله الحمد والمنة.(4/668)
فصل وأما كتاب الوحى وغيره بين يديه صلوات الله وسلامه عليه ورضى عنهم أجمعين
فمنهم الخلفاء الاربعة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلى بن أبى طالب رضى الله عنهم ومنهم رضى الله عنهم أبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى الاموى.
أسلم بعد أخويه خالد وعمرو، وكان إسلامه بعد الحديبية، لانه هو الذى أجار عثمان حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة يوم الحديبية، وقيل خيبر، لان له ذكرا في الصحيح من حديث أبى هريرة في قسمة غنائم خيبر.
وكان سبب إسلامه أنه اجتمع براهب وهو في تجارة بالشام فذكر له أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الراهب: ما اسمه ؟ قال: محمد.
قال: فأنا أنعته لك، فوصفه بصفته سواء وقال: إذا رجعت إلى أهلك فأقرئه السلام.
فأسلم بعد مرجعه وهو أخو عمرو بن سعيد الاشدق الذى قتله عبدالملك ابن مروان.
قال أبو بكر بن أبى شيبة: كان أول من كتب الوحى بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى بن كعب، فإذا لم يحضر كتب زيد بن ثابت، وكتب له عثمان وخالد ابن سعيد وأبان بن سعيد.
هكدا قال.
يعنى بالمدينة، وإلا فالسور المكية لم يكن أبى بن كعب حال نزولها، وقد كتبها الصحابة بمكة رضى الله عنهم.(4/669)
وقد اختلف في وفاة أبان بن سعيد هذا، فقال موسى بن عقبة ومصعب بن الزبير والزبير ابن بكار وأكثر أهل النسب: قتل يوم أجنادين، يعنى في جمادى الاولى سنة ثنتى عشرة.
قال آخرون: قتل يوم مرج الصفر سنة أربع عشرة.
وقال محمد بن إسحاق: قتل هو وأخوه عمرو يوم اليرموك، لخمس مضين من رجب
سنة خمس عشرة.
وقيل إنه تأخر إلى أيام عثمان، وإنه أمره عثمان أن يملى المصحف الامام على زيد بن ثابت، ثم توفى سنة تسع وعشرين فالله أعلم.
ومنهم أبى بن كعب بن قيس بن عبيد الخزرجي الانصاري.
أبو المنذر، ويقال أبو الطفيل.
سيد القراء شهد العقبة الثانية وبدرا وما بعدها.
وكان ربعة نحيفا أبيض الرأس واللحية لا يغير شيبه.
قال أنس: جمع القرآن أربعة - يعنى من الانصار - أبى بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، ورجل من الانصار يقال له أبو يزيد.
أخرجاه.
وفى الصحيحين عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابي: " إن الله أمرنى أن أقرأ عليك القرآن ".
قال: وسماني لك يا رسول الله ؟ قال: " نعم " قال فذرفت عيناه.
ومعنى أن أقرأ عليك القرآن قراءة إبلاغ وإسماع لا قراءة تعلم منه، هذا لا يفهمه أحد من أهل العلم، وإنما نبهنا على هذا لئلا يعتقد خلافه.
وقد ذكرنا في موضع آخر سبب القراءة عليه وأنه قرأ عليه سورة: " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة ".(4/670)
وذلك أن أبى بن كعب كان قد أنكر على رجل قراءة سورة على خلاف ما كان يقرأ أبى، فرفعه أبى إلى رسول الله فقال: " اقرأ يا أبى " فقرأ فقال، " هكذا أنزلت ".
ثم قال لذلك الرجل " اقرأ " فقرأ فقال: " هكذا أنزلت ".
قال أبى: فأخذني من الشك ولا إذ كنت في الجاهلية، فال: فضرب رسول الله في صدري ففضت عرقا وكأنما أنظر إلى الله فرقا، فبعد ذلك تلا عليه رسول الله هذه السورة كالتثبيت
له والبيان له أن هذا القرآن حق وصدق، وإنه أنزل على أحرف كثيرة رحمة ولطفا بالعباد.
وقال ابن أبى خيثمة: هو أول من كتب الوحى بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد اختلف في وفاته، فقيل: في سنة تسع عشرة.
وقيل سنة عشرين، وقيل ثلاث وعشرون وقيل قبل مقتل عثمان بجمعة.
فالله أعلم.
* * * ومنهم رضى الله عنهم أرقم بن أبى الارقم، واسمه عبد مناف بن أسد بن جندب ابن عبدالله بن عمر بن مخزوم المخزومى.
أسلم قديما وهو الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيا في داره عند الصفا وتعرف تلك الدار بعد ذلك بالخيزران.
وهاجر وشهد بدرا وما بعدها.
وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبدالله بن أنيس.
وهو الذى كتب إقطاع عظيم بن الحارث المحاربي بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بفخ وغيره، وذلك فيما رواه الحافظ ابن عساكر من طريق عتيق بن يعقوب الزبيري، حدثنى عبدالملك بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن جده عمرو ابن حزم.(4/671)
وقد توفى في سنة ثلاث وقيل خمس وخمسين، وله خمس وثمانون سنة.
وقد روى الامام أحمد له حديثين ; الاول قال أحمد والحسن بن عرفة - واللفظ لاحمد -: حدثنا عباد بن عباد المهلبى، عن هشام بن زياد، عن عمار بن سعد، عن عثمان بن أرقم بن أبى الارقم، عن أبيه - وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله قال: " إن الذى يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد
خروج الامام كالجار قصبه (1) في النار ".
والثانى قال أحمد: حدثنا عصام بن خالد، حدثنا العطاف بن خالد، حدثنا يحيى بن عمران، عن عبدالله بن عثمان بن الارقم، عن جده الارقم، أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أين تريد ؟ " قال أردت يا رسول الله هاهنا، وأومأ بيده إلى حيز بيت المقدس، قال: " ما يخرجك إليه أتجارة ؟ " قال: لا ولكن أردت الصلاة فيه.
قال: " الصلاة هاهنا - وأمأ بيده إلى مكة - خير من ألف صلاة " وأومأ بيده إلى الشام.
تفرد بهما أحمد.
* * * ومنهم رضى الله عنهم ثابت بن قيس بن شماس الانصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن، ويقال أبو محمد المدنى، خطيب الانصار، ويقال له خطيب النبي صلى الله عليه وسلم.
قال محمد بن سعد، أنبأنا على بن محمد المدائني بأسانيده عن شيوخه في وفود العرب على رسول الله، قالوا، قدم عبدالله بن عبس الثمالى ومسلمة بن هزان الحدانى على رسول الله في رهط من قومهما بعد فتح مكة، فأسلموا وبايعوا على قومهم، وكتب لهم كتابا بما فرض عليهم من الصدقة في أموالهم، كتبه ثابت بن قيس بن شماس وشهد فيه سعد بن معاذ ومحمد بن مسلمة رضى الله عنهم.
__________
(1) القصب: الامعاء.
(*)(4/672)
وهذا الرجل ممن ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة.
وروى الترمذي في جامعه بإسناد على شرط مسلم، عن أبى هريرة، أن رسول الله قال: " نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر.
نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح، نعم الرجل أسيد بن حضير، نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس، نعم الرجل معاذ بن عمرو
ابن الجموح ".
وقد قتل رضى الله عنه شهيدا يوم اليمامة سنة اثنتى عشرة في أيام أبى بكر الصديق.
* * * ومنهم رضى الله عنهم حنظلة بن الربيع بن صيفي بن رباح بن الحارث بن مخاشن ابن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم التميمي الاسيدى الكاتب، وأخوه رباح صحابي أيضا، وعمه أكثم بن صيفي كان حكيم العرب.
قال الواقدي: كتب للنبى صلى الله عليه وسلم كتابا.
وقال غيره: بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل الطائف في الصلح، وشهد مع خالد حروبه بالعراق وغيرها، وقد أدرك أيام على وتخلف عن القتال معه في الجمل وغيره، ثم انتقل عن الكوفة لما شتم بها عثمان، ومات بعد أيام على.
وقد ذكر ابن الاثير في الغابة، أن امرأته لما مات جزعت عليه فلامها جاراتها في ذلك فقالت: تعجبت دعد لمحزونة * تبكى على ذى شيبة شاحب إن تسأليني اليوم ما شفنى * أخبرك قولا ليس بالكاذب إن سواد العين أودى به * حزن على حنظلة الكاتب(4/673)
قال أحمد بن عبدالله بن الرقى: كان معتزلا للفتنة حتى مات بعد على، جاء عنه حديثان.
قلت: بل ثلاثة.
قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد وعفان، قالا: حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن حنظلة الكاتب، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من حافظ على
الصلوات الخمس بركوعهن وسجودهن ووضوئهن ومواقيتهن، وعلم أنهن حق من عند الله دخل الجنة " أو قال: " وجبت له الجنة ".
تفرد به أحمد، وهو منقطع بين قتادة وحنظلة.
والله أعلم.
والحديث الثاني: رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه من حديث سعيد الجريرى عن أبى عثمان النهدي، عن حنظلة: " لو تدومون كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفى طرقكم وعلى فرشكم، ولكن ساعة وساعة ".
وقد رواه أحمد والترمذي أيضا من حديث عمران بن داود القطان، عن قتادة، عن يزيد بن عبدالله بن الشخير، عن حنظلة.
والثالث: رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، من حديث سفيان الثوري، عن أبى الزناد، عن المرقع بن صيفي بن حنظلة، عن جده في النهى عن قتل النساء في الحرب.
لكن رواه الامام أحمد، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرت عن أبى الزناد عن مرقع بن صيفي بن رباح بن ربيع، عن جده رباح بن ربيع أخى حنظلة الكاتب فذكره.
وكذلك رواه أحمد أيضا، عن حسين بن محمد وإبراهيم بن أبى العباس، كلاهما عن المغيرة بن عبدالرحمن، عن أبيه.
وعن سعيد بن منصور وأبى عامر العقدى، كلاهما عن المغيرة بن عبدالرحمن، عن أبى الزناد، عن مرقع عن جده رباح.
ومن طريق(4/674)
المغيرة رواه النسائي وابن ماجه كذلك.
وروى أبو داود والنسائي من حديث عمر بن مرقع عن أبيه، عن جده رباح فذكره.
فالحديث عن رباح لا عن حنظلة، ولذا قال أبو بكر بن أبى شيبة: كان (1) سفيان الثوري يخطئ في هذا الحديث.
قلت: وصح قول ابن الرقى أنه لم يرو سوى حديثين.
والله أعلم.
ومنهم رضى الله عنهم خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو سعيد الاموى.
أسلم قديما، يقال بعد الصديق بثلاثة أو أربعة، وأكثر ما قيل خمسة.
وذكروا أن سبب إسلامه أنه رأى في النوم كأنه واقف على شفير جهنم فذكر من سعتها ما الله به عليم.
قال: وكأن أباه يدفعه فيها، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بيده ليمنعه من الوقوع، فقص هذه الرؤيا على أبى بكر الصديق فقال له: لقد أريد بك خير، هذا رسول الله فاتبعه تنج مما خفته.
فجاء رسول الله فأسلم.
فلما بلغ أباه إسلامه غضب عليه وضربه بعصا في يده حتى كسرها على رأسه وأخرجه من منزله ومنعه القوت، ونهى بقية إخوته أن يكلموه، فلزم خالد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا ونهارا، ثم أسلم أخوه عمرو.
فلما هاجر الناس إلى أرض الحبشة هاجرا معهم، ثم كان هو الذى ولى العقد في تزويج أم حبيبة من رسول الله كما قدمنا، ثم هاجرا من أرض الحبشة صحبة جعفر، فقدما على رسول الله بخيبر وقد افتتحها، فأسهم لهما عن مشورة المسلمين، وجاء أخوهما أبان بن
__________
(1) ا: فإن.
(*)(4/675)
سعيد فشهد فتح خيبر كما قدمنا، ثم كان رسول الله يوليهم الاعمال.
فلما كانت خلافة الصديق خرجوا إلى الشام للغزو فقتل خالد بأجنادين، ويقال بمرج الصفر والله أعلم.
قال عتيق بن يعقوب: حدثنى عبدالملك بن أبى بكر، عن أبيه، عن جده عن عمرو ابن حزم ; يعنى أن خالد بن سعيد كتب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله راشد بن عبد رب السلمى، أعطاه غلوتين
وغلوة بحجر برهاط (1)، فمن خافه فلا حق له وحقه حق وكتب خالد بن سعيد.
وقال محمد بن سعد عن الواقدي: حدثنى جعفر بن محمد بن خالد، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان قال: أقام خالد بن سعيد بعد أن قدم من أرض الحبشة بالمدينة، وكان يكتب لرسول الله، وهو الذى كتب كتاب أهل الطائف لوفد ثقيف وسعى في الصلح بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومنهم رضى الله عنهم خالد بن الوليد بن عبدالله بن عمر بن مخزوم [ أبو سليمان ] (2) المخزومى.
وهو أمير الجيوش المنصورة الاسلامية، والعساكر المحمدية، والمواقف المشهودة، والايام المحمودة.
ذو الرأى السديد، والبأس الشديد، والطريق الحميد.
أبو سليمان خالد بن الوليد.
ويقال إنه لم يكن في جيش فكسر لا في جاهلية ولا إسلام.
__________
(1) الغلوة: قدر ما يبلغ السهم.
ورهاط: موضع على ثلاث ليال من مكة، أو قرية على طريق المدينة بواد يقال له غران.
المراصد.
(2) ليست في ا.
(*)(4/676)
قال الزبير بن بكار: كانت إليه في قريش القبة وأعنة الخيل.
أسلم هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة بن أبى طلحة بعد الحديبية وقبل خيبر، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثه فيما يبعثه أميرا، ثم كان المقدم على العساكر كلها في أيام الصديق.
فلما ولى عمر بن الخطاب عزله وولى أبا عبيدة أمين الامة على ألا يخرج عن رأى أبى سليمان.
ثم مات خالد في أيام عمر، وذلك في سنة إحدى وعشرين.
وقيل اثنتين وعشرين - والاول أصح - بقرية على ميل من حمص.
قال الواقدي: سألت عنها فقيل لى دثرت.
وقال دحيم: مات بالمدينة.
والاول أصح.
وقد روى أحاديث كثيرة يطول ذكرها.
قال عتيق بن يعقوب: حدثنى عبدالملك بن أبى بكر، عن أبيه عن جده، عن عمرو ابن حزم، أن هذه قطائع أقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المؤمنين أن صيدوح (1) وصيده لا يعضد صيده ولا يقتل، فمن وجد يفعل من ذلك شيئا فإنه يجلد وينزع ثيابه، وإن تعدى ذلك أحد فإنه يؤخذ فيبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، وأن هذا من محمد النبي.
وكتب خالد بن الوليد بأمر رسول الله فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمره به محمد.
* * * ومنهم رضى الله عنهم الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصى، أبو عبد الله الاسدي.
أحد العشرة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفى رسول الله وهو عنهم راض
__________
(1) صيدوح: قرية بشرقي المدينة من شراج الحرة.
والشراج: مجارى المياه من الحرار.
المراصد.
(*)(4/677)
[ وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته صفية بنت عبدالمطلب وزوج أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنه ] (1).
روى عتيق بن يعقوب بسنده المتقدم، أن الزبير بن العوام هو الذى كتب لبنى معاوية بن جرول الكتاب الذى أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتبه لهم رواه ابن عساكر بإسناده عن عتيق به.
أسلم الزبير قديما رضى الله عنه وهو ابن ست عشرة سنة، ويقال ابن ثمانى سنين، وهاجر الهجرتين وشهد المشاهد كلها، وهو أول من سل سيفا في سبيل الله.
وقد شهد اليرموك وكان أفضل من شهدها، واخترق يومئذ صفوف الروم من أولهم
إلى آخرهم مرتين، ويخرج من الجانب الآخر سالما، لكن جرح في قفاه بضربتين رضى الله عنه.
وقد جمع له رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق أبويه (2) وقال: " إن لكل نبى حواريا وحواري الزبير ".
وله فضائل ومناقب كثيرة وكانت وفاته يوم الجمل، وذلك أنه كر راجعا عن القتال، فلحقه عمرو بن جرموز وفضالة بن حابس ورجل ثالث يقال له النعر التميميون، بمكان يقال له وادى السباع، فبدر إليه عمرو بن جرموز وهو نائم فقتله، وذلك في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الاولى سنة ست وثلاثين وله من العمر يومئذ سبع وستون سنة.
وقد خلف رضى الله عنه بعده تركة عظيمة، فأوصى من ذلك بالثلث بعد إخراج ألفى ألف ومائتي ألف دينار، فلما قضى دينه وأخرج ثلث ماله قسم الباقي على ورثته، فنال كل امرأة من نسائه - وكن أربعا - ألف ألف ومائتا ألف، فمجموع ما ذكرناه مما
__________
(1) سقطت من ا.
(2) في قوله: ارم فداك أبى وأمى.
(*)(4/678)
تركه رضى الله عنه تسعة وخمسون ألف ألف وثمانمائة ألف.
وهذا كله من وجوه حل نالها في حياته مما كان يصيبه من الفئ والمغانم، ووجوه متاجر الحلال، وذلك كله بعد إخراج الزكاة في أوقاتها، والصلات البارعة الكثيرة لاربابها في أوقات حاجاتها.
رضى الله عنه ورأضاه وجعل جنات الفردوس مثواه، وقد فعل ! فإنه قد شهد له سيد الاولين والآخرين ورسول رب العالمين بالجنة، ولله الحمد والمنة.
وذكر ابن الاثير في الغابة أنه كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، وأنه كان يتصدق بذلك كله.
وقال فيه حسان بن ثابت يمدحه ويفضله بذلك.
أقام على عهد النبي وهديه * حواريه والقول بالفضل يعدل أقام على منهاجه وطريقه * يوالى ولى الحق والحق أعدل هو الفارس المشهور والبطل الذى * يصول إذا ما كان يوم محجل (1) وإن امرءا كانت صفية أمه * ومن أسد في بيته لمرفل (2) له من رسول الله قربى قريبة * ومن نصرة الاسلام مجد مؤثل فكم كربة ذب الزبير بسيفه * عن المصطفى والله يعطى ويجزل إذا كشفت عن ساقها الحرب حشها * بأبيض [ سباق (3) ] إلى الموت يرفل فما مثله فيهم ولا كان قبله * وليس يكون الدهر ما دام يذبل قد تقدم أنه قتله عمرو بن جرموز التميمي بوادي السباع وهو نائم، ويقال بل قام من آثار النوم وهو دهش فركب وبارزه ابن جرموز، فلما صمم عليه الزبير أنجده صاحباه فضالة والنعر فقتلوه، وأخذ عمرو بن جرموز رأسه وسيفه.
فلما دخل بهما على
__________
(1) المحجل: المعروف.
(2) المرفل: المعظم والمسود.
(3) من تاريخ ابن عساكر 5 / 364.
(*)(4/679)
على قال على رضى الله عنه لما رأى سيف الزبير: إن هذا السيف طالما فرج الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال على فيما قال: بشر قاتل ابن صفية بالنار.
فيقال إن عمرو بن جرموز لما سمع ذلك قتل نفسه.
والصحيح أنه عمر بعد على حتى كانت أيام ابن الزبير، فاستناب أخاه مصعبا على العراق، فاختفى عمرو بن جرموز خوفا من سطوته أن يقتله بأبيه.
فقال مصعب: أبلغوه أنه آمن، أيحسب أنى أقتله بأبى عبدالله ؟ كلا والله ليسا سواء.
وهذا من حلم مصعب وعقله ورياسته.
وقد روى الزبير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة يطول ذكرها.
ولما قتل الزبير بن العوام بوادي السباع كما تقدم، قالت امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل ترثيه رضى الله عنها وعنه: غدر ابن جرموز بفارس بهمة * يوم اللقاء وكان غير معرد (1) يا عمرو لو نبهته لوجدته * لا طائشا رعش الجنان ولا اليد كم غمرة قد خاضها لم يثنه * عنها طراد يا ابن فقع القردد (2) ثكلتك أمك إن ظفرت بمثله * فيمن مضى فيمن يروح ويغتدى والله ربك إن قتلت لمسلما * حلت عليك عقوبة المتعمد ومنهم رضى الله عنهم زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن
__________
(1) البهمة: الجيش، وأيضا: الشجاع الذى لا يهتدى من أين يؤتى.
والمعرد: الهارب.
(2) الفقع: البيضاء الرخوة من الكمأة، والقردد: الجبل.
ويقال للذليل: هو أذل من فقع بقرقرة.
لانه لا يمتنع على من جناه، أو لانه يوطأ بالارجل.
وفى ا: طرادك.
(*)(4/680)
عبيد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الانصاري النجارى، أبو سعيد ويقال أبو خارجة، ويقال أبو عبد الرحمن المدنى.
قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهو ابن إحدى عشرة سنة، فلهذا لم يشهد بدرا لصغره، قيل ولا أحدا، وأول مشاهده الخندق، ثم شهد ما بعدها.
وكان حافظا لبيبا عالما عاقلا، ثبت عنه في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتاب يهود ليقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم إذا كتبوا إليه، فتعلمه في خمسة عشر يوما.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبدالرحمن، عن أبى الزناد،
عن خارجة بن زيد، أن أباه زيدا أخبره أنه لما قدم رسول الله المدينة قال زيد: ذهب بى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجب بى، فقالوا: يا رسول الله هذا غلام من بنى النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة.
فأعجب ذلك رسول الله وقال: " يا زيد تعلم لى كتاب يهود، فإنى والله ما آمن يهود على كتابي ".
قال زيد: فتعلمت لهم كتابهم ما مرت خمس عشرة ليلة حتى حذقته، وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب.
ثم رواه أحمد عن شريح بن النعمان، عن ابن أبى الزناد، عن أبيه، عن خارجة، عن أبيه فذكر نحوه.
وقد علقه البخاري في الاحكام عن خارجة بن زيد بن ثابت بصيغة الجزم فقال: وقال خارجة بن زيد.
فذكره.
ورواه أبو داود عن أحمد بن يونس، والترمذي عن على بن حجر، كلاهما عن عبدالرحمن بن أبى الزناد، عن أبيه، عن خارجة، عن أبيه به نحوه.
وقال الترمذي: حسن صحيح.(4/681)
وهذا ذكاء مفرط جدا.
وقد كان ممن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من القراء كما ثبت في الصحيحين عن أنس.
وروى أحمد والنسائي من حديث أبى قلابة، عن أنس عن رسول الله أنه قال: " أرحم أمتى بأمتى أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياء عثمان، وأقضاهم على بن أبى طالب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأعلمهم بالفرائض زيد بن ثابت، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الامة أبو عبيدة بن الجراح ".
ومن الحفاظ من يجعله مرسلا إلا ما يتعلق بأبى عبيدة، ففى صحيح البخاري من هذا الوجه.
وقد كتب الوحى بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير ما موطن.
ومن أوضح ذلك ما ثبت في الصحيح عنه أنه قال: لما نزل قوله تعالى " لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله (1) " الآية دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " اكتب لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ".
فجاء ابن أم مكتوم فجعل يشكو ضرارته، فنزل الوحى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت فخذه على فخذي حتى كادت ترضها، فنزل: " غير أولى الضرر " فأمرني فألحقتها، فقال زيد: فأنى لاعرف [ موضع (2) ] ملحقها عند صدع في ذلك اللوح - يعنى من عظام - الحديث.
وقد شهد زيد اليمامة وأصابه سهم فلم يضره، وهو الذى أمره الصديق بعد هذا بأن يتتبع القرآن فيجمعه، وقال له: إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه.
ففعل ما أمره به الصديق، فكان في ذلك خير كثير ولله الحمد والمنة.
__________
(1) سورة النساء (2) ليست في ا.
(*)(4/682)
وقد استنابه عمر مرتين في حجتين على المدينة، واستنابه لما خرج إلى الشام، وكذلك كان عثمان يستنيبه على المدينة أيضا.
وكان على يحبه، وكان يعظم عليا ويعرف له قدره، ولم يشهد معه شيئا من حروبه.
وتأخر بعده حتى توفى سنة خمس وأربعين، وقيل سنة إحدى وقيل خمس وخمسين.
وهو ممن كان يكتب المصاحف الائمة التى نفذ بها عثمان بن عفان إلى سائر الآفاق اللائى وقع على التلاوة طبق رسمهن الاجماع والاتفاق، كما قررنا ذلك في كتاب فضائل القرآن الذى كتبناه مقدمة في أول كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة.
* * *
ومنهم السجل، كما ورد به الحديث المروى في ذلك عن ابن عباس - إن صح - وفيه نظر.
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا نوح بن قيس، عن يزيد بن كعب، عن عمرو بن مالك، عن أبى الجوزاء، عن ابن عباس، قال: السجل كاتب للنبى صلى الله عليه وسلم.
وهكذا رواه النسائي عن قتيبة به، عن ابن عباس أنه كان يقول: في هذه الآية " يوم نطوى السماء كطى السجل للكتاب " (1) السجل: الرجل.
هذا لفظه.
ورواه أبو جعفر بن جرير في تفسيره عند قوله تعالى: " يوم نطوى السماء كطى السجل للكتاب " عن نصر بن على، عن نوح بن قيس، وهو ثقة من رجال مسلم، وقد ضعفه ابن معين في رواية عنه.
وأما شيخه يزيد بن كعب العوذى البصري فلم يرو عنه سوى نوح بن قيس، وقد ذكره مع ذلك ابن حبان في الثقات.
__________
(1) سورة الانبياء.
(*)(4/683)
وقد عرضت هذا الحديث على شيخنا الحافظ الكبير أبى الحجاج المزى فأنكره جدا، وأخبرته أن شيخنا العلامة أبا العباس ابن تيمية كان يقول: هو حديث موضوع، وإن كان في سنن أبى داود.
فقال شيخنا المزى: وأنا أقوله.
قلت: وقد رواه الحافظ ابن عدى في كامله من حديث محمد بن سليمان الملقب ببومة، عن يحيى بن عمرو، عن مالك البكري، عن أبيه، عن أبى الجوزاء، عن ابن عباس قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب يقال له السجل، وهو قوله تعالى: " يوم نطوى السماء كطى السجل للكتاب " قال: كما يطوى السجل للكتاب كذلك تطوى السماء.
وهكذا رواه البيهقى عن أبى نصر بن قتادة عن أبى على الرفاء، عن على بن عبد العزيز عن مسلم بن إبراهيم، عن يحيى بن عمرو بن مالك به.
ويحيى هذا ضعيف جدا فلا يصلح للمتابعه.
والله أعلم.
وأغرب من ذلك أيضا ما رواه الحافظ أبو بكر الخطيب وابن مندة من حديث أحمد ابن سعيد البغدادي المعروف بحمدان، عن ابن بهز، عن عبيدالله، عن نافع عن ابن عمر قال: كان للنبى صلى الله عليه وسلم كاتب يقال له سجل فأنزل الله: " يوم نطوى السماء كطى السجل للكتاب " قال ابن مندة: غريب تفرد به حمدان.
وقال البرقانى: قال أبو الفتح الازدي.
تفرد به ابن نمير إن صح.
قلت: وهذا أيضا منكر عن ابن عمر، كما هو منكر عن ابن عباس، وقد ورد عن ابن عباس وابن عمر خلاف ذلك، فقد روى الوالبى والعوفى، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية قال: كطى الصحيفة على الكتاب.
وكذلك قال مجاهد.
وقال ابن جرير: هذا هو المعروف في اللغة أن السجل هو الصحيفة.
قال: ولا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل، وأنكر أن يكون السجل اسم ملك(4/684)
من الملائكة، كما رواه عن أبى كريب، عن ابن يمان، حدثنا أبو الوفاء الاشجعى، عن أبيه، عن ابن عمر في قوله: " يوم نطوى السماء كطى السجل للكتاب " قال: السجل ملك فإذا صعد بالاستغفار قال الله: اكتبها نورا.
وحدثنا بندار، عن مؤمل، عن سفيان، سمعت السدى يقول.
فذكر مثله.
وهكذا قال أبو جعفر الباقر فيما رواه أبو كريب عن المبارك، عن معروف بن خربوذ عمن سمع أبا جعفر يقول: السجل الملك.
وهذا الذى أنكره ابن جرير من كون السجل اسم صحابي أو ملك قوى جدا، والحديث في ذلك منكر جدا.
ومن ذكره في أسماء الصحابة كابن منده وأبى نعيم
الاصبهاني وابن الاثير في الغابة، إنما ذكره إحسانا للظن بهذا الحديث، أو تعليقا على صحته والله أعلم.
* * * ومنهم سعد بن أبى سرح فيما قاله خليفة بن خياط وقد وهم إنما هو ابنه عبدالله بن سعد بن أبى سرح، كما سيأتي قريبا إن شاء الله.
ومنهم عامر بن فهيرة، مولى أبى بكر الصديق.
قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر قال: قال الزهري: أخبرني عبدالملك ابن مالك المدلجى، وهو ابن أخى سراقة بن مالك، أن أباه أخبره أنه سمع سراقة يقول.
فذكر خبر هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقال فيه: فقلت له إن قومك جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم من أخبار سفرهم وما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزؤونى منه شيئا ولم يسألونى إلا أن أخف عنا، فسألته أن يكتب لى كتاب موادعة آمن به، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى.(4/685)
قلت: وقد تقدم الحديث بتمامه في الهجرة وقد روى أن أبا بكر هو الذى كتب لسراقة هذا الكتاب فالله أعلم.
وقد كان عامر بن فهيرة - ويكنى أبا عمرو - من مولدي الازد أسود اللون، وكان أولا مولى للطفيل بن الحارث أخى عائشة لامها أم رومان، فأسلم قديما قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الارقم بن أبى الارقم التى عند الصفا مستخفيا، فكان عامر يعذب مع جملة المستضعفين بمكة ليرجع عن دينه [ فيأبى (1) ]، فاشتراه أبو بكر الصديق فأعتقه، فكان يرعى له غنما بظاهر مكة.
ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر كان معهما رديفا لابي بكر
ومعهم الدليل الدبلى فقط.
كما تقدم مبسوطا (2).
ولما وردوا المدينة نزل عامر بن [ فهيرة (1) ] على سعد بن خيثمة، وآخى رسول الله بينه وبين أوس بن معاذ وشهد بدرا واحدا.
وقتل يوم بئر معونة، كما تقدم، وذلك سنة أربع من الهجرة، وكان عمره إذ ذاك أربعين سنة فالله أعلم.
وقد ذكر عروة وابن إسحاق والواقدى وغير واحد، أن عامرا قتله يوم بئر معونة رجل يقال له جبار بن سلمى من بنى كلاب، فلما طعنه بالرمح قال: فزت ورب الكعبة.
ورفع عامر حتى غاب عن الابصار حتى قال عامر بن الطفيل: لقد رفع حتى رأيت السماء دونه.
وسئل عمرو بن أمية عنه فقال: كان من أفضلنا ومن أول أهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم.
قال جبار: فسألت الضحاك بن سفيان عما قال ما يعنى به ؟ فقال: يعنى الجنة.
__________
(1) ليست في ا (2) تقدم ذلك في الجزء الثاني.
(*)(4/686)
ودعانى الضحاك إلى الاسلام فأسلمت لما رأيت من قتل عامر بن فهيرة، فكتب الضحاك إلى رسول الله يخبره بإسلامى وما كان من أمر عامر، فقال: " وارته الملائكة وأنزل عليين " وفى الصحيحين عن أنس أنه قال: قرأنا فيهم قرآنا: أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا.
وقد تقدم ذلك وبيانه في موضعه عند غزوة بئر معونة.
وقال محمد بن إسحاق: حدثنى هشام بن عروة، عن أبيه، أن عامر بن الطفيل كان يقول: من رجل منكم لما قتل رأيته رفع بين السماء والارض حتى رأيت السماء دونه ؟ قالوا: عامر بن فهيرة.
وقال الواقدي: حدثنى محمد بن عبدالله، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: رفع عامر بن فهيرة إلى السماء فلم توجد جثته.
يرون أن الملائكة وارته.
* * * ومنهم رضى الله عنهم عبدالله بن أرقم بن أبى الارقم المخزومى.
أسلم عام الفتح وكتب للنبى صلى الله عليه وسلم.
قال الامام مالك: وكان ينفذ ما يفعله ويشكره ويستجيده.
وقال سلمة عن محمد بن إسحاق بن يسار، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير، أن رسول الله استكتب عبدالله بن الارقم بن عبد يغوث، وكان يجيب عنه الملوك، وبلغ من أمانته أنه [ كان يأمره أن ] يكتب إلى بعض الملوك فيكتب، ويختم على ما يقرأه لامانته عنده.
وكتب لابي بكر وجعل إليه بيت المال، وأقره عليهما عمر بن الخطاب، فلما كان عثمان عزله عنهما.(4/687)
قلت: وذلك بعد ما استعفاه عبدالله بن أرقم.
ويقال إن عثمان عرض عليه ثلاثمائة ألف درهم عن أجرة عمالته فأبى أن يقبلها وقال: إنما عملت لله فأجرى على الله عزوجل.
قال ابن إسحاق: وكتب لرسول الله زيد بن ثابت، فإذا لم يحضر ابن الارقم وزيد بن ثابت كتب من حضر من الناس.
وقد كتب عمر وعلى وزيد والمغيرة بن شعبة ومعاوية وخالد بن سعيد بن العاص وغيرهم ممن سمى من العرب.
وقال الاعمش: قلت لشقيق بن سلمة: من كان كاتب النبي صلى الله عليه وسلم ؟
قال: عبدالله بن الارقم، وقد جاء عمر بكتاب أبى بكر بالقادسية وفى أسفله: وكتب عبدالله بن الارقم.
وقال البيهقى: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا الفضل بن محمد البيهقى، حدثنا عبدالله بن صالح، حدثنا عبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون، عن عبد الواحد بن أبى عون، عن القاسم بن محمد، عن عبدالله بن عمر، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم كتاب رجل، فقال لعبدالله بن الارقم: " أجب عنى " فكتب جوابه ثم قرأه عليه، فقال: " أصبت وأحسنت، اللهم وفقه ".
قال: فلما ولى عمر كان يشاوره.
وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه قال: ما رأيت أخشى لله منه - يعنى في العمال - أضر رضى الله عنه قبل وفاته.
ومنهم رضى الله عنهم عبدالله بن زيد بن عبد ربه الانصاري الخزرجي، صاحب الاذان.
أسلم قديما فشهد عقبة السبعين، وحضر بدرا وما بعدها.(4/688)
ومن أكبر مناقبه رؤيته الاذان والاقامة في النوم، وعرضه ذلك على رسول الله وتقريره عليه، وقوله له: " إنها لرؤيا حق فألقه على بلال، فإنه أندى صوتا منك "،.
وقد قدمنا الحديث بذلك في موضعه.
وقد روى الواقدي بأسانيده عن ابن عباس أنه كتب كتابا لمن أسلم من جرش فيه الامر لهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإعطاء خمس المغنم.
وقد توفى رضى الله عنه سنة اثنتين وثلاثين عن أربع وستين سنة، وصلى عليه عثمان ابن عفان رضى الله عنه.
* * *
ومنهم رضى الله عنهم عبدالله بن سعد بن أبى سرح، القرشى العامري، أخو عثمان لامه من الرضاعة.
أرضعته أم عثمان.
وكتب الوحى ثم ارتد عن الاسلام ولحق بالمشركين بمكة، فلما فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان قد أهدر دمه فيمن أهدر من الدماء - فجاء إلى عثمان بن عفان فاستأمن له، فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قدمنا في غزوة الفتح.
ثم حسن إسلام عبدالله بن سعد جدا.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد المروزى، حدثنا على بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان عبدالله بن سعد ابن أبى سرح يكتب للنبى صلى الله عليه وسلم، فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله أن يقتل، فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورواه النسائي من حديث على بن الحسين بن واقد به.(4/689)
قلت: وكان على ميمنة عمرو بن العاص حين افتتح عمرو مصر سنة عشرين في الدولة العمرية، فاستناب عمر بن الخطاب عمرا عليها، فلما صارت الخلافة إلى عثمان عزل عنها عمرو بن العاص وولى عليها عبدالله بن سعد سنة خمس وعشرين.
وأمره بغزو بلاد أفريقية فغزاها ففتحها وحصل للجيش منها مال عظيم، كان قسم الغنيمة لكل فارس من الجيش ثلاثة آلاف مثقال من ذهب، وللراجل ألف مثقال، وكان معه في جيشه هذا ثلاثة من العبادلة ; عبدالله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو.
ثم غزا عبدالله بن سعد بعد أفريقية الاساود من أرض النوبة فهادنهم، فهى إلى اليوم، وذلك سنة إحدى وثلاثين.
ثم غزا غزوة الصوارى في البحر إلى الروم وهى غزوة عظيمة.
فلما اختلف الناس على عثمان خرج من مصر واستناب عليها ليذهب إلى عثمان لينصره.
فلما قتل عثمان أقام بعسقلان وقيل بالرملة ودعا الله أن يقبضه في الصلاة، فصلى يوما الفجر وقرأ في الاولى منها بفاتحة الكتاب والعاديات، وفى الثانية بفاتحة الكتاب وسورة، ولما فرغ من التشهد سلم التسليمة الاولى، ثم أراد أن يسلم الثانية فمات بينهما رضى الله عنه، وذلك في سنة ست وثلاثين، وقيل سنة سبع، وقيل إنه تأخر إلى سنة تسع وخمسين، والصحيح الاول.
قلت: ولم يقع له رواية في الكتب الستة ولا في المسند للامام أحمد.
* * * ومنهم رضى الله عنهم عبدالله بن عثمان، أبو بكر الصديق.
وقد ذكرت ترجمته (1)
__________
(1) وذلك في الجزء السادس من البداية للمؤلف.
(*)(4/690)
في أيام خلافته.
وقد جمعت مجلدا في سيرته وما رواه من الاحاديث وما روى عنه من الآثار.
والدليل على كتابته ما ذكره موسى بن عقبة، عن الزهري، عن عبدالرحمن ابن مالك بن جعشم عن أبيه، عن سراقة بن مالك في حديثه حين اتبع رسول الله حين خرج هو وأبو بكر من الغار فمروا على أرضهم، فلما غشيهم - وكان من أمر فرسه ما كان - سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب له كتاب أمان، فأمر أبا بكر فكتب له كتابا ثم ألقاه إليه.
وقد روى الامام أحمد من طريق الزهري بهذا السند، أن عامر بن فهيرة كتبه، فيحتمل أن أبا بكر كتب بعضه ثم أمر مولاه عامرا فكتب باقيه.
والله أعلم.
ومنهم رضى الله عنهم عثمان بن عفان أمير المؤمنين.
وقد ذكرت ترجمته في أيام خلافته وكتابته بين يديه عليه السلام مشهورة.
وقد روى الواقدي بأسانيده أن نهشل بن مالك الوائلي لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فكتب له كتابا فيه شرائع الاسلام.
ومنهم رضى الله عنهم على بن أبى طالب أمير المؤمنين.
وقد ذكرت ترجمته في خلافته، وقد تقدم أنه كتب الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية أن يأمن الناس، وأنه لا إسلال ولا إغلال، وعلى وضع الحرب عشر سنين.
وقد كتب غير ذلك من الكتب بين يديه صلى الله عليه وسلم.
وأما ما يدعيه طائفة من يهود خيبر أن بأيديهم كتابا من النبي صلى الله عليه وسلم بوضع الجزية عنهم وفى آخره: وكتب على بن أبى طالب.
وفيه شهادة جماعة من(4/691)
الصحابة منهم سعد بن معاذ ومعاوية بن أبى سفيان، فهو كذب وبهتان مختلق موضوع مصنوع وقد بين جماعة من العلماء بطلانه، واغتر بعض الفقهاء المتقدمين فقالوا بوضع الجزية عنهم.
وهذا ضعيف جدا.
وقد جمعت في ذلك جزءا مفردا بينت فيه بطلانه وأنه موضوع، اختلقوه وصنعوه وهم أهل لذلك، وبينته وجمعت مفرق كلام الائمة فيه ولله الحمد والمنة.
ومن الكتاب بين يديه صلى الله عليه وسلم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقد ذكرت ترجمته في موضعها.
وقد أفردت له مجلدا على حدة، ومجلدا ضخما في الاحاديث التى رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والآثار والاحكام المروية عنه رضى الله عنه، وقد تقدم بيان كتابته في ترجمة عبدالله بن الارقم.
* * *
ومنهم رضى الله عنهم العلاء بن الحضرمي واسم الحضرمي عباد، ويقال عبدالله ابن عباد بن أكبر بن ربيعة بن عريف بن مالك بن الخزرج بن إياد بن الصدف بن زيد ابن مقنع بن حضرموت بن قحطان.
وقيل غير ذلك في نسبه.
وهو من حلفاء بنى أمية.
وقد تقدم بيان كتابته في ترجمة أبان بن سعيد ابن العاص.
وكان له من الاخوة عشرة غيره فمنهم: عمرو بن الحضرمي، أول قتيل من المشركين قتله المسلمون في سرية عبدالله بن جحش، وهى أول سرية كما تقدم.
ومنهم عامر بن الحضرمي الذى أمره أبو جهل لعنه الله فكشف عن عورته ونادى: واعمراه.
حين اصطف المسلمون والمشركون يوم بدر، فهاجت الحرب وقامت على ساق، وكان ما كان مما قدمناه مبسوطا في موضعه.(4/692)
ومنهم شريح بن الحضرمي، وكان من خيار الصحابة، قال فيه رسول الله: " ذاك رجل لا يتوسد القرآن " يعنى لا ينام ويتركه، بل يقوم به آناء الليل والنهار.
ولهم كلهم أخت واحدة وهى الصعبة بنت الحضرمي، أم طلحة بن عبيدالله.
وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين، ثم ولاه عليها أميرا حين افتتحها، وأقره عليها الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ولم يزل بها حتى عزله عنها عمر بن الخطاب وولاه البصرة.
فلما كان في أثناء الطريق توفى وذلك في سنة إحدى وعشرين.
وقد روى البيهقى وغيره عنه كرامات كثيرة، منها أنه سار بجيشه على وجه البحر ما يصل إلى ركب خيولهم، وقيل إنه ما بل أسافل نعال خيولهم، وأمرهم كلهم فجعلوا يقولون: يا حليم يا عظيم.
وأنه كان في جيشه فاحتاجوا إلى ماء فدعا الله فأمطرهم قدر كفايتهم، وأنه لما دفن لم ير له أثر بالكلية، وكان قد سأل الله ذلك.
وسيأتى هذا في كتاب دلائل النبوة قريبا إن شاء الله عزوجل.
وله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أحاديث: الاول: قال الامام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنى عبدالرحمن بن حميد بن عبدالرحمن بن عوف، عن السائب بن يزيد، عن العلاء بن الحضرمي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا ".
وقد أخرجه الجماعة من حديثه.
والثانى قال أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا منصور، عن ابن سيرين، عن ابن العلاء بن الحضرمي، أن أباه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبدأ بنفسه.
وكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل.
والحديث الثالث رواه أحمد وابن ماجه، من طريق محمد بن زيد، عن حبان(4/693)
الاعرج، عنه أنه كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من البحرين في الحائط - يعنى البستان - يكون بين الاخوة فيسلم أحدهم ؟ فأمره أن يأخذ العشر ممن أسلم.
والخراج - يعنى ممن لم يسلم -.
* * * ومنهم العلاء بن عقبة، قال الحافظ ابن عساكر: كان كاتبا للنبى صلى الله عليه وسلم، ولم أجد أحدا ذكره إلا فيما أخبرنا.
ثم ذكر إسناده إلى عتيق بن يعقوب، حدثنى عبدالملك بن أبى بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، عن أبيه عن جده، عن عمرو بن حزم أن هذه قطائع أقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء القوم فذكرها، وذكر فيها: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى النبي محمد عباس بن مرداس السلمى، أعطاه مدمورا (1) فمن خافه فيها فلا حق له، وحقه حق، وكتب العلاء بن عقبة وشهد.
ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله عوسجة بن حرملة الجهنى، من ذى المروة وما بين بلكثة إلى الظبية إلى الجعلات إلى جبل القبلية (2) فمن خافه فلا حق له وحقه حق، وكتبه العلاء بن عقبة.
وروى الواقدي بأسانيده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع لبنى سيح من جهينة وكتب كتابهم بذلك العلاء بن عقبة، وشهد.
وقد ذكر ابن الاثير في الغابة هذا الرجل مختصرا فقال: العلاء بن عقبة كتب للنبى صلى الله عليه وسلم، ذكره في حديث عمرو بن حزم، ذكره جعفر أخرجه أبو موسى - يعنى المدينى - في كتابه.
__________
(1) لم أجدها في كتب البلدان.
(2) بلكثة: عرص من المدينة.
والظبية: على ثلاثة أميال قرب الروحاء.
(*)(4/694)
ومنهم رضى الله عنهم محمد بن مسلمة بن حريش بن خالد بن عدى بن مجدعة بن حارثة ابن الحارث بن الخزرج الانصاري الحارثى الخزرجي أبو عبد الله، ويقال أبو عبد الرحمن، ويقال أبو سعد المدنى حليف بنى عبد الاشهل.
أسلم على يدى مصعب بن عمير، وقيل سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وآخى رسول الله حين قدم المدينة بينه وبين أبى عبيدة بن الجراح.
وشهد بدرا والمشاهد بعدها، واستخلفه رسول الله على المدينة عام تبوك.
قال ابن عبد البر في الاستيعاب: كان شديد السمرة طويلا أصلع ذا جثة وكان من فضلاء الصحابة، وكان ممن اعتزل الفتنة واتخذ سيفا من خشب.
ومات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين على المشهور عند الجمهور، وصلى عليه مروان بن الحكم، وقد روى حديثا كثيرا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وذكر محمد بن سعد، عن على بن محمد المدائني بأسانيده أن محمد بن مسلمة هو الذى
كتب لوفد مرة كتابا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * * ومنهم رضى الله عنهم معاوية بن أبى سفيان، صخر بن حرب بن أمية الاموى وقد ذكرنا ترجمته في أيام إمارته.
وقد ذكره مسلم بن الحجاج في كتابه عليه السلام.
وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عكرمة بن عمار، عن أبى زميل سماك بن الوليد، عن ابن عباس، أن أبا سفيان قال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهن ؟ قال: نعم قال: تؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين.
قال: نعم.
قال: ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك.
قال: نعم، الحديث.
وقد أفردت لهذا الحديث جزءا على حدة، بسبب ما وقع فيه من ذكر طلبه تزويج أم حبيبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن فيه من المحفوظ تأمير أبى سفيان(4/695)
وتولية معاوية منصب الكتابة بين يديه صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا قدر متفق عليه بين الناس قاطبة.
فأما الحديث الذى قال الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة معاوية هاهنا: أخبرنا أبو غالب بن البنا، أنبأنا أبو محمد الجوهرى، أنبأنا أبو على محمد بن أحمد بن يحيى بن عبدالله العطشى، حدثنا أحمد بن محمد البورانى، حدثنا السرى بن عاصم، حدثنا الحسن ابن زياد، عن القاسم بن بهرام، عن أبى الزبير، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار جبريل في استكتاب معاوية فقال: استكتبه فإنه أمين.
فإنه حديث غريب بل منكر.
والسرى بن عاصم هذا هو أبو عاصم الهمذانى وكان يؤدب المعتز بالله، كذبه في الحديث ابن خراش.
وقال ابن حبان وابن عدى: كان يسرق الحديث.
زاد ابن حبان: ويرفع الموقوفات لا يحل الاحتجاج به.
وقال الدارقطني: كان ضعيف الحديث.
وشيخه الحسن بن زياد: إن كان اللؤلؤي فقد تركه غير واحد من الائمة، وصرح كثير منهم بكذبه، وإن كان غيره فهو مجهول العين والحال.
وأما القاسم بن بهرام فاثنان ; أحدهما يقال له القاسم بن بهرام الاسدي الواسطي الاعرج، أصله من أصبهان، روى له النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس حديث القنوت بطوله، وقد وثقه ابن معين وأبو حاتم وأبو داود وابن حبان.
والثانى القاسم ابن بهرام أبو همدان قاضى هيت.
قال ابن معين: كان كذابا.
وبالجملة فهذا الحديث من هذا الوجه ليس بثابت ولا يغتر به.
والعجب من الحافظ ابن عساكر مع جلالة قدره واطلاعه على صناعة الحديث أكثر من غيره من أبناء عصره - بل ومن تقدمه بدهر - كيف يورد في تاريخه هذا وأحاديث كثيرة من هذا النمط ثم لا يبين حالها، ولا يشير إلى شئ من ذلك إشارة لا ظاهرة ولا(4/696)
خفية، ومثل هذا الصنيع فيه نظر.
والله أعلم.
ومنهم رضى الله عنهم المغيرة بن شعبة الثقفى، وقد قدمت ترجمته فيمن كان يخدمه عليه السلام من أصحابه من غير مواليه، وأنه كان سيافا على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد روى ابن عساكر بسنده عن عتيق بن يعقوب بإسناده المتقدم غير مرة، أن المغيرة بن شعبة هو الذى كتب إقطاع حصين بن نضلة الاسدي الذى أقطعه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره.
فهولاء كتابه الذين كانوا يكتبون بأمره بين يديه صلوات الله وسلامه عليه.(4/697)
فصل وقد ذكر ابن عساكر من أمنائه أبا عبيدة عامر بن عبدالله بن الجراح القرشى
الفهرى أحد العشرة رضى الله عنه، وعبد الرحمن بن عوف الزهري.
أما أبو عبيدة فقد روى البخاري من حديث أبى قلابة، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لكل أمة أمين وأمين هذه الامة أبو عبيدة ابن الجراح ".
وفى لفظ: أن رسول الله قال لوفد عبدالقيس نجران: " لابعثن معكم أمينا حق أمين " فبعث معهم أبا عبيدة.
قال: ومنهم معيقيب بن أبى فاطمة الدوسى مولى بنى عبد شمس، كان على خاتمه، ويقال كان خادمه، وقال غيره: أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة في الناس، ثم إلى المدينة وشهد بدرا وما بعدها، وكان على الخاتم، واستعمله الشيخان على بيت المال.
قالوا: وكان قد أصابه الجذام فأمر عمر بن الخطاب فدووي بالحنظل فتوقف المرض.
وكانت وفاته في خلافة عثمان وقيل سنة أربعين فالله أعلم.
قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن أبى بكير، حدثنا شيبان، عن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة، حدثنى معيقيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوى التراب حيث يسجد قال: " إن كنت لا بد فاعلا فواحدة ".
وأخرجاه في الصحيحين من حديث شيبان النحوي، زاد مسلم: وهشام الدستوائى.
زاد الترمذي والنسائي وابن ماجه: والاوزاعي، ثلاثتهم عن يحيى بن أبى كثير به، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال الامام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا أيوب، عن عتبة، عن يحيى(4/698)
ابن أبى كثير، عن أبى سلمة، عن معيقيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ويل للاعقاب من النار ".
وتفرد به الامام أحمد.
وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبى عتاب سهل بن حماد الدلال، عن
أبى مكين نوح بن ربيعة، عن إياس بن الحارث بن المعيقيب، عن جده - وكان على خاتم النبي صلى الله عليه وسلم - قال: كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من حديد ملوى عليه فضة، قال: فربما كان في يدى.
قلت: أما خاتم النبي صلى الله عليه وسلم فالصحيح أنه كان من فضة فصه منه، كما سيأتي في الصحيحين.
وكان قد اتخذ قبله خاتم ذهب فلبسه حينا ثم رمى به وقال: " والله لا ألبسه ".
ثم اتخذ هذا الخاتم من فضة فصه منه ونقشه: محمد رسول الله، محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر.
فكان في يده عليه السلام، ثم كان في يد أبى بكر من بعده، ثم في يد عمر، ثم كان في يد عثمان في يده ست سنين، ثم سقط منه في بئر أريس، فاجتهد في تحصيله فلم يقدر عليه.
وقد صنف أبو داود رحمة الله عليه كتابا مستقلا في سننه في الخاتم وحده، وسنورد منه إن شاء الله قريبا ما نحتاج إليه وبالله المستعان.
وأما لبس معيقيب لهذا الخاتم فيدل على ضعف ما نقل أنه أصابه الجذام، كما ذكر ابن عبد البر وغيره، لكنه مشهور، فلعله أصابه ذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم، أو كان به وكان مما لا يعدى منه، أو كان ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم لقوة توكله، كما قال لذلك المجذوم - ووضع يده في القصعة - " كل، ثقة بالله وتوكلا عليه ".(4/699)
رواه أبو داود.
وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " فر من المجذوم فرارك من الاسد ".
والله أعلم.
وأما أمراؤه عليه السلام فقد ذكرناهم عند بعث السرايا منصوصا على أسمائهم.
ولله الحمد والمنة.
* * * وأما جملة الصحابة فقد اختلف الناس في عدتهم، فنقل عن أبى زرعة أنه قال: يبلغون مائة ألف وعشرين ألفا.
وعن الشافعي رحمه الله أنه قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ممن سمع منه ورآه زهاء ستين ألفا.
وقال الحاكم أبو عبد الله: يروى الحديث عن قريب من خمسة آلاف صحابي.
قلت: والذين روى عنهم الامام أحمد مع كثرة روايته واطلاعه واتساع رحلته وإمامته من الصحابة تسعمائة وسبعة وثمانون نفسا.
[ ووضع في الكتب الستة من الزيادات على ذلك قريب من ثلاثمائة صحابي أيضا (1) ].
وقد اعتنى جماعة من الحفاظ رحمهم الله بضبط أسمائهم وذكر أيامهم ووفياتهم، من أجلهم الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري في كتابه الاستيعاب، وأبو عبد الله محمد ابن إسحاق بن مندة، وأبو موسى المدينى.
ثم نظم جميع ذلك الحافظ عز الدين أبو الحسن على بن محمد بن عبد الكريم الجزرى المعروف بابن الصحابة، صنف كتابه الغابة في ذلك فأجاد وأفاد، وجمع وحصل، ونال مارام وأمل، فرحمه الله وأثابه وجمعه والصحابة آمين يا رب العالمين.
__________
(1) سقط من ا.
(*)(4/700)
باب ما يذكر من آثار النبي صلى الله عليه وسلم التى كان يختص بها في حياته من ثياب وسلاح ومراكب وغير ذلك مما يجرى مجراه وينتظم في معناه ذكر الخاتم الذى كان يلبسه عليه السلام ومن أي شئ كان من الاجسام وقد أفرد له أبو داود في كتابه السنن كتابا على حدة، ولنذكر عيون ما ذكره
في ذلك مع ما نضيفه إليه، والمعول في أصل ما نذكره عليه.
قال أبو داود: حدثنا عبدالرحيم بن مطرف الرؤاسى.
حدثنا عيسى، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى بعض الاعاجم فقيل له: إنهم لا يقرءون كتابا إلا بخاتم.
فاتخذ خاتما من فضة، ونقش فيه: محمد رسول الله.
وهكذا رواه البخاري عن عبدالاعلى بن حماد، عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة به.
ثم قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بمعنى حديث عيسى بن يونس.
زاد: فكان في يده حتى قبض، وفى يد أبى بكر حتى قبض، وفى يد عمر حتى قبض، وفى يد عثمان، فبينما هو عند بئر إذ سقط في البئر فأمر بها فنزحت، فلم يقدر عليه.
تفرد به أبو داود من هذا الوجه.
ثم قال أبو داود رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد وأحمد بن صالح قالا: أخبرنا ابن(4/701)
وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثنى أنس قال: كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من ورق فصه حبشي.
وقد روى هذا الحديث البخاري من حديث الليث، ومسلم من حديث ابن وهب، وطلحة عن يحيى الانصاري، وسلبمان بن بلال، زاد النسائي وابن ماجه، وعثمان عن عمر، خمستهم عن يونس بن يزيد الايلى به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
ثم قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا حميد الطويل، عن أنس، قال: كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من فضة كله فصه منه.
وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث زهير بن معاوية الجعفي أبى خيثمة الكوفى به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
وقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، قال: اصطنع رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما، فقال: إنا اتخذنا خاتما ونقشنا فيه نقشا فلا ينقش عليه أحد.
قال: فإنى أرى بريقه في خنصره.
ثم قال أبو داود: حدثنا نصر بن الفرج، حدثنا أبو أسامة، عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر [ قال (1) ] اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ذهب وجعل فصه مما يلى بطن كفه، ونقش فيه: محمد رسول الله.
فاتخذ الناس خواتم الذهب، فلما رآهم قد اتخذوها رمى به وقال: لا ألبسه أبدا.
ثم اتخذ خاتما من فضة نقش فيه: محمد رسول الله.
ثم لبس الخاتم بعده أبو بكر، ثم لبسه بعد أبى بكر عمر، ثم لبسه بعده عثمان حتى وقع في بئر أريس.
__________
(1) من سنن أبى داود 2 / 197.
(*)(4/702)
وقد رواه البخاري عن يوسف بن موسى، عن أبى أسامة حماد بن أسامة به.
ثم قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبى شيبه، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أيوب ابن موسى، عن نافع، عن ابن عمر في هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: فنقش فيه محمد رسول الله، وقال: لا ينقش أحد على خاتمي هذا.
وساق الحديث.
وقد رواه مسلم وأهل السنن الاربعة، من حديث سفيان بن عيينة به نحوه.
ثم قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا أبو عاصم، عن المغيرة بن زياد، عن نافع، عن ابن عمر في هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فالتمسوه فلم
يجدوه، فاتخذ عثمان خاتما ونقش فيه: محمد رسول الله.
قال: فكان يختم به أو يتختم به.
ورواه النسائي عن محمد بن معمر، عن أبى عاصم الضحاك بن مخلد النبيل به.
ثم قال أبو داود: باب [ ما جاء (1) ] في ترك الخاتم حدثنا محمد بن سليمان لوين، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك أنه رأى في يد النبي صلى الله عليه وسلم خاتما من ورق يوما واحدا، فصنع الناس فلبسوا.
وطرح النبي صلى الله عليه وسلم فطرح الناس.
ثم قال: رواه عن الزهري زياد بن سعد وشعيب وابن مسافر، كلهم قال: من ورق.
قلت: وقد رواه البخاري: حدثنا يحيى بن بكير.
حدثنا الليث، عن يونس، عن
__________
(1) من سنن أبى داود 2 / 197.
(*)(4/703)
ابن شهاب، قال: حدثنى أنس بن مالك أنه رأى في يد النبي صلى الله عليه وسلم خاتما من ورق يوما واحدا، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق ولبسوها، فطرح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه، فطرح الناس خواتيمهم.
ثم علقه البخاري عن إبراهيم بن سعد الزهري المدنى وشعيب بن أبى جمرة وزياد ابن سعد الخراساني، وأخرجه مسلم من حديثه، وانفرد أبو داود بعبد الرحمن بن خالد ابن مسافر، كلهم عن الزهري كما قال أبو داود، خاتما من ورق.
والصحيح أن الذى لبسه يوما واحدا ثم رمى به إنما هو خاتم الذهب، لا خاتم الورق، لما ثبت في الصحيحين عن مالك عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر قال: كان
رسول الله يلبس خاتما من ذهب، فنبذه وقال: لا ألبسه أبدا، فنبذ الناس خواتيمهم.
وقد كان خاتم الفضة يلبسه كثيرا، ولم يزل في يده حتى توفى صلوات الله وسلامه عليه، وكان فصه منه، يعنى ليس فيه فص منفصل عنه، ومن روى أنه كان فيه صورة شخص فقد أبعد وأخطأ، بل كان فضة كله وفصه منه، ونقشه: محمد رسول الله ثلاثة أسطر: محمد سطر.
رسول سطر.
الله سطر.
وكأنه والله أعلم كان منقوشا وكتابته مقلوبة ليطبع على الاستقامة كما جرت العادة بهذا، وقد قيل: إن كتابته كانت مستقيمة، وتطبع كذلك، وفى صحة هذا نظر، ولست أعرف لذلك إسنادا لا صحيحا ولا ضعيفا.
وهذه الاحاديث التى أوردناها أنه عليه السلام كان له خاتم من فضة، ترد الاحاديث التى قدمناها في سنني أبى داود والنسائي من طريق أبى عتاب سهل بن حماد الدلال، عن أبى مكين نوح بن ربيعة، عن إياس بن الحارث بن معيقيب بن أبى فاطمة، عن جده قال: كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من حديد ملوى عليه فضة.
ومما يزيده ضعفا الحديث الذى رواه أحمد وأبو داود الترمذي والنسائي من حديث(4/704)
أبى طيبة عبدالله بن مسلم السلمى المروزى، عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه، أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من شبه (1) فقال: مالى أجد منك ريح الاصنام ؟ فطرحه، ثم جاء وعليه خاتم من حديد، فقال: مالى أرى عليك حلية أهل النار ؟ فطرحه، ثم قال: يا رسول الله من أي شئ أتخذه ؟ قال: اتخذه من ورق، ولا تتمه مثقالا.
* * * وقد كان عليه السلام يلبسه في يده اليمنى، كما رواه أبو داود والترمذي في الشمائل، والنسائي من حديث شريك: أخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن القاضى، عن إبراهيم بن
عبدالرحمن بن عبدالله بن حسن، عن أبيه، عن على رضى الله عنه، عن رسول الله قال شريك: وأخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن أن رسول الله كان يتختم في يمينه.
وروى في اليسرى، رواه أبو داود من حديث عبد العزيز بن أبى رواد، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يساره، وكان فصه في باطن كفه.
قال أبو داود: رواه أبو إسحاق وأسامة بن زيد عن نافع في يمينه.
وحدثنا هناد، عن عبدة، عن عبيدالله، عن نافع: أن ابن عمر كان يلبس خاتمه في يده اليسرى.
ثم قال أبو داود: حدثنا عبدالله بن سعيد، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال: رأيت على الصلت بن عبدالله بن نوفل بن عبدالمطلب خاتما في خنصره اليمنى، فقلت: ما هذا ؟ فقال: رأيت ابن عباس يلبس خاتمه هكذا، وجعل فصه على ظهرها.
__________
(1) الشبه: النحاس الاصفر.
(*)(4/705)
قال: لا يخال ابن عباس إلا قد كان يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس خاتمه كذلك.
وهكذا رواه الترمذي من حديث محمد بن إسحاق به.
ثم قال محمد بن إسماعيل، يعنى البخاري: حديث ابن إسحاق عن الصلت حديث حسن.
وقد روى الترمذي في الشمائل، عن أنس وعن جابر وعن عبدالله بن جعفر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتختم في اليمين.
وقال البخاري: حدثنا محمد بن عبدالله الانصاري، حدثنا أبى، عن ثمامة، عن أنس بن مالك، أن أبا بكر لما استخلف كتب له وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر.
قال أبو عبد الله: وزاد أبو أحمد: حدثنا الانصاري، حدثنى أبى، حدثنا ثمامة، عن أنس قال: كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم في يده، وفى يد أبى بكر، وفى يد عمر بعد أبى بكر.
قال: فلما كان عثمان جلس على بئر أريس، فأخذ الخاتم فجعل يعبث به فسقط.
قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان فنزح البئر فلم يجده.
فأما الحديث الذى رواه الترمذي في الشمائل: حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن أبى يسر، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، اتخذ خاتما من فضة فكان يختم به ولا يلبسه.
فإنه حديث غريب جدا.
وفى السنن من حديث ابن جريج عن الزهري عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء نزع خاتمه.(4/706)
ذكر سيفه عليه السلام قال الامام أحمد: حدثنا شريح، حدثنا ابن أبى الزناد، عن أبيه، عن الاعمى عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: تنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذى رأى فيه الرؤيا يوم أحد، قال: رأيت في سيفى ذا الفقار فلا فأولته فلا يكون فيكم، ورأيت أنى مردف كبشا، فأولته كبش الكتيبة، ورأيت أنى في درع حصينة فأولتها المدينة، ورأيت بقرا تذبح، فبقر والله خير فبقر والله خير.
فكان الذى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبدالرحمن بن أبى الزناد عن أبيه به.
وقد ذكر أهل السنن أنه سمع قائل يقول: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا على.
وروى الترمذي من حديث هود بن عبدالله بن سعد، عن جده مزيدة بن جابر العبدى العصرى رضى الله عنه، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعلى سيفه ذهب وفضة.
الحديث.
ثم قال: هذا حديث غريب.
وقال الترمذي في الشمائل: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبى، عن قتادة، عن سعيد بن أبى الحسن قال: كانت قبيعة (2) سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة.
وروى أيضا من حديث عثمان بن سعد عن ابن سيرين قال: صنعت سيفى على
__________
(1) الفل: ثلم يكون في حد السيف.
(2) القبيعة: ما على مقبض السيف من حديد أو فضة.
(*)(4/707)
سيف سمرة، وزعم سمرة أنه صنع سيفه على سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان حنفيا، وقد صار إلى آل على سيف من سيوف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قتل الحسين بن على رضى الله عنهما بكربلاء عند الطف كان معه، فأخذه على بن الحسين زين العابدين فقدم معه دمشق حين دخل على يزيد بن معاوية، ثم رجع معه إلى المدينة.
فثبت في الصحيحين عن المسور بن مخرمة أنه تلقاه إلى الطريق، فقال له: هل لك إلى من حاجة تأمرني بها ؟ قال: فقال: لا.
فقال: هل أنت معطى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنى أخشى أن يغلبك عليه القوم.
وايم الله إن أعطيتنيه لا يخلص إليه أحد حتى يبلغ نفسي.
* * * وقد ذكر للنبى صلى الله عليه وسلم غير ذلك من السلاح.
من ذلك: الدروع كما روى غير واحد منهم السائب بن يزيد، وعبد الله بن الزبير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهر يوم أحد بين درعين.
وفى الصحيحين من حديث مالك، عن الزهري، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه قيل له: هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة.
فقال: اقتلوه.
وعند مسلم من حديث أبى الزبير، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء.
وقال وكيع عن مساور الوراق، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وعليه عمامة دسماء (1).
__________
(1) الدسماء: التى يضرب لونها إلى السواد.
(*)(4/708)
ذكرهما الترمذي في الشمائل، وله من حديث الدراوردى، عن عبدالله، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتم سدلها بين كتفيه.
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبدالله بن محمد، حدثنا مخول بن إبراهيم، حدثنا إسرائيل، عن عاصم، عن محمد بن سيربن، عن أنس بن مالك، أنه كانت عنده عصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فمات فدفنت معه بين جنبه وبين قميصه.
ثم قال البزار: لا نعلم رواه إلا مخول بن راشد، وهو صدوق فيه شيعية.
واحتمل على ذلك.
وقال الحافظ البيهقى بعد روايته هذا الحديث من طريق مخول هذا قال: وهو من الشيعة يأتي بأفراد عن إسرائيل لا يأتي بها غيره، والضعف على رواياته بين ظاهر.
ذكر نعله التى كان يمشى فيها عليه السلام
ثبت في الصحيح عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس النعال السبتية (1)، وهى التى لا شعر عليها.
وقد قال البخاري في صحيحه: حدثنا محمد، هو ابن مقاتل، حدثنا عبدالله، يعنى ابن المبارك، أنبأنا عيسى بن طهمان، قال: أخرج إلينا أنس بن مالك نعلين لهما قبالان، فقال يا ثابت: هذه نعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد رواه في كتاب الخمس عن عبدالله بن محمد، عن أبى أحمد الزبيري، عن عيسى ابن طهمان، عن أنس، قال: أخرج إلينا أنس نعلين جرداوين لهما قبالان.
فحدثني ثابت البنانى بعد عن أنس أنهما نعلا النبي صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) السبتية: المتخذة من جلود البقر.
(*)(4/709)
وقد رواه الترمذي في الشمائل عن أحمد بن منيع، عن أبى أحمد الزبيري به.
وقال الترمذي في الشمائل: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن عبدالله بن الحارث، عن ابن عباس قال: كان لنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبالان مثنى شراكهما.
وقال أيضا: حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبى ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبى هريرة قال: كان لنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبالان.
وقال الترمذي: حدثنا محمد بن مرزوق أبو عبد الله، حدثنا عبدالرحمن بن قيس أبو معاوية، حدثنا هشام، عن محمد، عن أبى هريرة قال: كان لنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبالان وأبى بكر وعمر، وأول من عقد عقدا واحدا عثمان.
قال الجوهرى: قبال النعل بالكسر: الزمام الذى يكون بين الاصبع الوسطى والتى تليها.
قلت: واشتهر في حدود سنة ستمائة وما بعدها عند رجل من التجار يقال له: ابن أبى الحدرد نعل مفردة ذكر أنها نعل النبي صلى الله عليه وسلم، فسامها الملك الاشرف موسى ابن الملك العادل أبى بكر بن أيوب منه بمال جزيل فأبى أن يبيعها، فاتفق موته بعد حين فصارت إلى الملك الاشرف المذكور، فأخذها إليه وعظمها، ثم لما بنى دار الحديث الاشرفية إلى جانب القلعة، جعلها في خزانة منها، وجعل لها خادما، وقرر له من المعلوم كل شهر أربعون درهما، وهى موجودة إلى الآن في الدار المذكورة.
وقال الترمذي في الشمائل: حدثنا محمد بن رافع وغير واحد قالوا: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا شيبان، عن عبدالله بن المختار، عن موسى بن أنس، عن أبيه قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سلة (1) يتطيب منها.
__________
(1) السلة: الجونة (*)(4/710)
صفة قدح النبي صلى الله عليه وسلم قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن عاصم قال: رأيت عند أنس قدح النبي صلى الله عليه وسلم فيه ضبة من فضة.
وقال الحافظ البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبدالله، أخبرني أحمد بن محمد النسوي، حدثنا حماد بن شاكر، حدثنا محمد بن إسماعيل هو البخاري، حدثنا الحسن ابن مدرك، حدثنى يحيى بن حماد، أخبرنا أبو عوانة، عن عاصم الاحول قال: رأيت قدح النبي صلى الله عليه وسلم عند أنس بن مالك وكان قد انصدع فسلسله بفضة.
قال: وهو قدح جيد عريض من نضار (1).
قال أنس: لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا القدح أكثر من كذا وكذا.
قال: وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضه فقال له أبو طلحة: لا تغيرن شيئا صنعه رسول الله صلى
الله عليه وسلم.
فتركه.
وقال الامام أحمد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا حجاج بن حسان، قال: كنا عند أنس فدعا بإناء فيه ثلاث ضبات حديد وحلقة من حديد، فأخرج من غلاف أسود وهو دون الربع وفوق نصف الربع، وأمر أنس بن مالك فجعل لنا فيه ماء فأتينا به فشربنا وصببنا على رؤوسنا ووجوهنا وصلينا على النبي صلى الله عليه وسلم.
انفرد به أحمد.
ذكر ما ورد في المكحلة التى كان عليه السلام يكتحل منها قال الامام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا عبدالله بن منصور، عن عكرمة، عن ابن
__________
(1) النضار: الخشب والاثل (*)(4/711)
عباس، قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مكحلة يكتحل منها عند النوم ثلاثا في كل عين.
وقد رواه الترمذي وابن ماجه من حديث يزيد بن هارون، قال على بن المدينى: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لعباد بن منصور: سمعت هذا الحديث من عكرمة ؟ فقال: أخبرنيه بن أبى يحيى عن داود بن الحصين عنه.
قلت: وقد بلغني أن بالديار المصرية مزارا فيه أشياء كثيرة من آثار النبي صلى الله عليه وسلم اعتنى بجمعها بعض الوزراء المتأخرين، فمن ذلك مكحلة وقيل: ومشط.
وغير ذلك فالله أعلم.
البردة قال الحافظ البيهقى: وأما البرد الذى عند الخلفاء فقد روينا عن محمد بن إسحاق بن يسار في قصة تبوك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى أهل أيلة برده مع كتابه الذى كتب لهم أمانا لهم، فاشتراه أبو العباس عبدالله بن محمد بثلاثمائة دينار - يعنى
بذلك أول خلفاء بنى العباس وهو السفاح رحمه الله - وقد توارث بنو العباس هذه البردة خلفا عن سلف، كان الخليفة يلبسها يوم العيد على كتفيه، ويأخذ القضيب المنسوب إليه صلوات الله وسلامه عليه في إحدى يديه، فيخرج وعليه من السكينة والوقار ما يصدع به القلوب، ويبهر به الابصار، ويلبسون السواد في أيام الجمع والاعياد، وذلك اقتداء منهم بسيد أهل البدو والحضر، ممن يسكن الوبر والمدر.
لما أخرجه البخاري ومسلم إماما أهل الاثر، من حديث مالك عن الزهري، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر.
وفى رواية: وعليه عمامة سوداء، وفى رواية: قد أرخى طرفها بين كتفيه، صلوات الله وسلامه عليه(4/712)
وقد قال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن محمد، عن أبى بردة قال: أخرجت إلينا عائشة كساء وإزارا غليظا فقالت: قبض روح النبي صلى الله عليه وسلم في هذين.
وللبخاري من حديث الزهري عن عبيدالله بن عبدالله، عن عائشة وابن عباس قالا: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا.
قلت: وهذه الاثواب الثلاثة لا يدرى ما كان من أمرها بعد هذا.
وقد تقدم أنه عليه السلام طرحت تحته في قبره الكريم قطيفة حمراء كان يصلى عليها، ولو تقصينا ما كان يلبسه في أيام حياته لطال الفصل، وموضعه كتاب اللباس من كتاب الاحكام الكبير إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
ذكر أفراسه ومراكبه عليه الصلاة والسلام قال ابن إسحاق عن يزيد بن حبيب، عن مرثد بن عبدالله المزني، عن عبدالله
ابن رزين، عن على قال: كان للنبى صلى الله عليه وسلم فرس يقال له المرتجز، وحمار يقال له عفير، وبغلة يقال لها دلدل، وسيفه ذو الفقار، ودرعه ذو الفضول.
ورواه البيهقى من حديث الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن على نحوه.
قال البيهقى: وروينا في كتاب السنن أسماء أفراسه التى كانت عند الساعديين، لزاز واللحيف وقيل اللخيف والظرب، والذى ركبه لابي طلحة يقال له المندوب، وناقته القصواء والعضباء والجدعاء، وبغلته الشهباء، والبيضاء.
قال البيهقى: وليس في شئ من الروايات أنه مات عنهن، إلا ما روينا في بغلته(4/713)
البيضاء، وسلاحه وأرض جعلها صدقة، ومن ثيابه، وبغلته، وخاتمه ما روينا في هذا الباب.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا زمعة بن صالح، عن أبى حازم، عن سهل بن سعد، قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وله جبة صوف في الحياكة.
وهذا إسناد جيد.
وقد روى الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا مجاهد، عن موسى، حدثنا على بن ثابت، حدثنا غالب الجزرى، عن أنس قال: لقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه لينسج له كساء من صوف.
وهذا شاهد لما تقدم.
وقال أبو سعيد بن الاعرابي: حدثنا سعدان بن نصير، حدثنا سفيان بن عيينة.
عن الوليد بن كثير، عن حسين، عن فاطمة بنت الحسين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وله بردان في الجف (1) يعملان.
وهذا مرسل.
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا الحسن بن إسحاق التسترى، حدثنا أبو أمية
عمرو بن هشام الحرانى، حدثنا عثمان بن عبدالرحمن بن على بن عروة، عن عبدالملك ابن أبى سليمان، عن عطاء وعمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سيف قائمته من فضة وقبيعته، كان يسمى ذا الفقار، وكان له قوس تسمى السداد وكانت له كنانة تسمى الجمع، وكانت له درع موشحة بالنحاس تسمى ذات الفضول وكانت له حربة تسعى السغاء، كان له مجن يسمى الذقن، وكان له ترس أبيض يسمى الموجز، وكان له فرس أدهم يسمى السكب، وكان له سرج يسمى الداج، وكان له بغلة شهباء يقال لها دلدل، وكانت له ناقة تسمى القصواء، وكان له حمار يقال له: يعفور،
__________
(1) وعاء من الجلود.
(*)(4/714)
وكان له بساط يسمى الكر، وكان له نمرة تسمى النمر، وكانت له ركوة تسمى الصادر، وكانت له مرآة تسمى المرآة، وكان له مقراض يسمى الجاح، وكان له قضيب شوحط (1) يسمى الممشوق.
قلت: قد تقدم عن غير واحد من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك دينارا، ولا درهما، ولا عبدا، ولا أمة سوى بغلة وأرض جعلها صدقة، وهذا يقتضى أنه عليه السلام نجز العتق في جميع ما ذكرناه من العبيد والاماء، والصدقة في جميع ما ذكر من السلاح، والحيوانات، والاثاث، والمتاع مما أوردناه وما لم نورده.
وأما بغلته وهى الشهباء، وهى البيضاء أيضا والله أعلم، وهى التى أهداها له المقوقس صاحب الاسكندرية واسمه جريج بن ميناء فيما أهدى من التحف، وهى التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم راكبها يوم حنين وهو في نحور العدو ينوه باسمه الكريم شجاعة وتوكلا على الله عزوجل، فقد قيل: إنها عمرت بعده حتى كانت عند على بن أبى طالب في أيام خلافته، وتأخرت أيامها حتى كانت بعد على عند عبدالله بن جعفر فكان يجش لها الشعير حتى تأكله من ضعفها بعد ذلك.
وأما حماره يعفور، ويصغر فيقال له عفير، فقد كان عليه السلام يركبه في بعض الاحايين.
وقد روى أحمد من حديث محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبى حبيب، عن يزيد ابن عبدالله العوفى، عن عبدالله بن رزين، عن على قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب حمارا يقال له عفير.
ورواه أبو يعلى من حديث عون بن عبدالله، عن ابن مسعود.
وقد ورد في أحاديث عدة أنه عليه السلام ركب الحمار.
__________
(1) الشوحط: شجر تتخذ منه القسى.
(*)(4/715)
وفى الصحيحين أنه عليه السلام مر وهو راكب حمارا بمجلس فيه عبدالله بن أبى بن سلول وأخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الاوثان واليهود فنزل ودعاهم إلى الله عزوجل، وذلك قبل وقعة بدر، وكان قد عزم على عيادة سعد بن عبادة، فقال له عبدالله: لا أحسن مما تقول أيها المرء، فإن كان حقا فلا تغشنا به في مجالسنا، وذلك قبل أن يظهر الاسلام، ويقال إنه خمر أنفه لما غشيتهم عجاجة الدابة وقال: لا تؤذنا بنتن حمارك.
فقال له عبدالله بن رواحة: والله لريح حمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب من ريحك.
وقال عبدالله: بل يا رسول الله اغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك، فتثاور الحيان وهموا أن يقتتلوا، فسكنهم رسول الله.
ثم ذهب إلى سعد بن عبادة فشكا إليه عبدالله بن أبى.
فقال: ارفق به يارسول الله، فو الذى أكرمك بالحق لقد بعثك الله بالحق، وإنا لننظم له الخرز لنملكه علينا، فلما جاء الله بالحق شرق بريقه.
وقد قدمنا أنه ركب الحمار في بعض أيام خيبر، وجاء أنه أردف معاذا على حمار.
ولو أوردناها بألفاظها وأسانيدها لطال الفصل والله أعلم.
وقد قدمنا أنه ركب الحمار في بعض أيام خيبر، وجاء أنه أردف معاذا على حمار.
ولو أوردناها بألفاظها وأسانيدها لطال الفصل والله أعلم.
فأما ما ذكره القاضى عياض بن موسى السبتى في كتابه الشفا، وذكره قبل إمام الحرمين في كتابه الكبير في أصول الدين وغيرهما أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمار يسمى زياد بن شهاب، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعثه ليطلب له بعض أصحابه فيجئ إلى باب أحدهم فيقعقعه فيعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبه، وأنه ذكر للنبى صلى الله عليه وسلم أنه سلالة سبعين حمارا كل منها ركبه نبى، وأنه لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب فتردى في بئر فمات، فهو حديث لا يعرف له إسناد بالكلية، وقد أنكره غير واحد من الحفاظ منهم عبدالرحمن بن أبى حاتم(4/716)
وأبوه رحمهما الله، وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزى رحمه الله ينكره غير مرة إنكارا شديدا.
وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن موسى العنبري، حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف، حدثنا إبراهيم بن سويد الجذوعى، حدثنى عبدالله بن أذين الطائى، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر حمار أسود فوقف بين يديه، فقال: من أنت ؟ قال: أنا عمرو بن فلان، كنا سبعة إخوة كلنا ركبنا الانبياء وأنا أصغرهم، وكنت لك فملكني رجل من اليهود، فكنت إذا ذكرتك كبوت به فيوجعني ضربا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنت يعفور.
هذا حديث غريب جدا.
وإلى هنا تنتهى السيرة النبوية للامام ابن كثير، والحمد لله الذى أعان عليه، ويتلوها جزء مفرد في شمائل الرسول وخصائصه وفضائله ودلائل نبوته(4/717)